محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثالث الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الشيعة]
المبحث الثالث
الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الشيعة إن من العقائد الثابتة التي أكدتها نصوص الشرع وأجمعت عليها الأمة أن رسل الله أجمعين بشر من جنس المرسل إليهم. كما جرت بذلك سنة الله في المرسلين. {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} [الأحزاب: 62] (1) وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعا من الرسل بل كان بشرا مثلهم يوحى إليه.
وبشرية الرسول صلى الله عليه وسلم أمر واضح لكل من قرأ القرآن أو تصفح السنة أو قلب نظره في سيرته وأحواله.
ومع وضوح هذا الأمر لعامة المسلمين وخاصتهم إلا أننا نرى بعض الطوائف المنتسبة إلى الإسلام غلت في الرسول صلى الله عليه وسلم بما يخرجه عن حد البشرية، ولقد كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في الأشخاص وذلك بغلوهم في علي رضي الله عنه وذريته حتى ذهبوا في ذلك مذاهب شتى فمنهم من ادعى أن عليا وذريته معصومون ومنهم من ادعى أن عليا كان نبيا، ومنهم من غلا فيه حتى ادعى أنه إله وأن روح الإله حلت فيه وفي الأئمة من ذريته (2) ولما كان علي رضي الله عنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته، ووصيه وخليفته من بعده- على مذهبهم- كان طبعيا أن يبتدأ غلوهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذ دور التسلسل إلى علي رضي الله عنه والأئمة من ذريته، لذلك نجد لدى غلاة الشيعة عقائد باطلة تدور حول أزلية وجود الرسول صلى الله عليه وسلم وأسبقيته على الكون وأنه ليس كسائر البشر، بل هو مخلوق من نور.
_________
(1) سورة الأحزاب، آية (62) .
(2) انظر: عقائد الشيعة في مقالات الإسلاميين للأشعري، ص5 وما بعدها والفرق بين الفرق للبغدادي، ص 29 وما بعدها.

(1/158)


وقد روى الكليني (1) نصا منسوبا زورا وبهتانا إلى جعفر الصادق يدور حول أزلية وجود النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يطلق عليه الصوفية الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي.
يقول النص على لسان جعفر الصادق:
(كنا عند الله وليس عنده أحد سوانا لا ملك ولا غيره ثم بدا له فخلق السماوات والأرض فخلق ونحن معه.
. . . . ونصب الخلق في صورة كالهباء قبل دخول الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته، وتوحيد جبروته، وأتاح نورا من نوره فلمع، ونزع قبسا من قبسه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله عز من قائل أنت المختار والمنتخب وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأموج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي.
. . . . ولم يزل الله تعالى يخبئ النور تحت الزمان إلى أن وصل محمدا في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهرا وباطنا. . . ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتم الأئمة، منقذ الأمة، وغاية النور ومصدر الأمور) (2) .
_________
(1) هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني (. . . - 328 هـ) من كبار فقهاء الشيعة الإمامية وله كتاب الكافي جمع فيه أحاديث الشيعة وهو عندهم بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.
وقد جمع فيه من الشناعات والطامات والافتراءات على أهل البيت ما لا يعلمه إلا الله.
انظر: لسان الميزان لابن حجر، 5 / 433، والأعلام 7 / 145.
(2) الفلسفة الصوفية في الإسلام. د. عبد القادر محمود، ط 1، دار الفكر العربي، مصر 1967م، ص 579- 580 نقلا عن الكافي، ص 276.

(1/159)


وقد ذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الصنف الخامس عشر من أصناف غلاة الشيعة، يزعمون أن الله عز وجل وكل الأمور وفوضها إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله سبحانه لم يخلق من ذلك شيئا ويقول ذلك كثير منهم في علي (1) وجاء في المسائل المجموعة من الحقائق العالية والدقائق من كتب الإسماعيلية ما نصه: (ليس بين المبدع الأول ومبدعه تعالى شيء من نور ولا غيره، والذي سمعت من ذلك هو أن السابق لما سبق أبناء جنسه إلى توحيد مبدعه. طرقه من مبدعه مادة إلهية اطلع بها على علم ما كان وما يكون وأن تلك المادة شائعة في ذات المبدع الحاملة لها فلا فرق بينه وبينها بل هو هي وهي هو.
كما أن العلم المتصل بكل متعلم إذا وصل النفس الحاملة له لم يبق فرق بين العلم والنفس الحاملة له وصارت تلك المادة إلهية سارية من المبدع الأول إلى من دونه من عقول عالم الإبداع وعقول عالم الطبيعة فهي عمود النور الساري فيما بين العقول وبين المبدع الأول) (2) .
ونجد في هذا النص تشابها بين المبدع الأول الذي فاضت عليه مادة إلهية فصار ممدا لغيره بذلك الفيض الإلهي، وبين الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي الذي أمد جميع الأنبياء والأولياء بالوحي والعلم الباطني كما ذهب إلى ذلك ابن عربي ومن تابعه على ما سيأتي بيانه.
_________
(1) مقالات الإسلاميين، ص16.
(2) المسائل المجموعة من الحقائق العالية والدقائق، ضمن مجموعة رسائل إسماعيلية، طبع مكتبة المثنى، بغداد، ص 59.

(1/160)