محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثاني الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى]
المبحث الثاني
الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى ينطلق الغلو في الأنبياء من رفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها ويحدث هذا الغلو حينما يوصف بعض الأنبياء بصفات الألوهية أو يوصف النبي بأنه ابن الله. ولقد حدث في تاريخ بني إسرائيل أن ادعى اليهود أن عزيرا ابن الله كما ادعت النصارى أن المسيح ابن الله.
قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] (1) أما اليهود فقد كان سبب غلوهم في عزير هو ما وقع على يديه من معجزات مثل كتابة التوراة من حفظه بعد أن نسخها الله من صدور اليهود وما وقع له من إحيائه بعد موته مائة عام. فلما ضاقت عقولهم عن التمييز بين فعل الله وقدرته وبين قدرة البشر المحدودة نسبوا ذلك إلى عزير وقالوا عنه إنه ابن الله.
قال ابن عباس رضي الله عنه معللا قول اليهود أن عزيرا ابن الله: " إنما قالوا ذلك لأنهم لما عملوا بغير الحق أنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فدعا عزير الله تعالى، فعاد إليه الذي نسخ من صدورهم ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذن في قومه فقال: قد آتاني الله التوراة، فقالوا: ما أوتيها إلا لأنه ابن الله ".
_________
(1) سورة التوبة، آية (30) .

(1/154)


وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير غلاما فتركه. فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل، وقال أنا عزير فكذبوه وقالوا: قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل، فإن كنت عزيرا فاملل علينا التوراة، فكتبها لهم، فقالوا هذا ابن الله " (1) .
فهذه الرواية الثانية بينت أن عزيرا كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل وأنه مات ثم بعثه الله بعد مائة عام. كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] (2) فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل كتب لهم التوراة من حفظه بعد أن مات الحفاظ في غزو بختنصر لبيت المقدس. فلما ضاقت عقول اليهود عن استيعاب هذه المعجزة والإيمان بالله الذي أجراها على يد عبده ونبيه عزير قالوا إنه ابن الله.
وأما النصارى فقالوا عن المسيح عيسى ابن مريم أنه ابن الله إما لأنه ولد من غير أب أو لأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله فلأجل هذا ادعوا أنه ابن الله. والقائل لهذا ليس هم أصحاب عيسى وإنما قال ذلك بولس ومن أغواهم من النصارى بعد موت عيسى بوقت طويل ولبس عليهم بهذه الشبه فآل أمر النصارى إلى أن أصبحوا مشركين بسبب قولهم إن عيسى هو الله أو ابن الله وقد رد الله عليهم في القرآن في أكثر من موضع وبين أن دعواهم مجرد
_________
(1) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، ط1، طبع المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، 3 / 423- 424.
(2) سورة البقرة، آية (259) .

(1/155)


قول عار عن الدليل والبرهان، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 72 - 77] (1) وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] (2) وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 171 - 172] (3) وعلى هذا فمبدأ الانحراف والغلو يكون في عدم التمييز بين قدرة الله العظيمة وقدرة العبد ولو كان نبيا، وبين المعجزة التي هي بقدرة الله وبين فعل النبي ثم يتطور الانحراف حتى يظن أن هذه الأفعال صادرة من النبي بقدرته إما لأنه إله أو لأنه ابن الله.
_________
(1) سورة المائدة، آيات (72-77) .
(2) سورة آل عمران، آية (59) .
(3) سورة النساء، آيات (171-172) .

(1/156)


وقد كان النصارى أكثر غلوا من اليهود، ذلك أن الذين قالوا أن عزيرا ابن الله هم قلة من اليهود على خلاف بين المفسرين في ذلك (1) .
بينما كان غالبية النصارى يعتقدون أن المسيح ابن الله أو أنه الله على اختلاف مذاهبهم في هذا الاعتقاد وقد رد القرآن عليهم وفند شبههم ثم نهاهم عن الغلو في عيسى عليه السلام.
وفي نهي الله في القرآن لأهل الكتاب عن الغلو تحذير لنا نحن المسلمين عن أن نسلك مسالكهم في الغلو في الأنبياء والصالحين فيصيبنا ما أصابهم وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم حين نهى أمته عن إطرائه والمبالغة في مدحه بأن هذا شبيه لفعل النصارى في غلوهم في عيسى عليه السلام.
فقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري بسنده عن عمر رضي الله عنه قال: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (2) ومع وضوح هذا التحذير إلا أن طوائف من هذه الأمة وقعت في الإطراء والغلو الذي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فصاروا بذلك مشابهين للنصارى ومتبعين سننهم.
وهذا ما سيتضح لنا في المباحث القادمة. إن شاء الله.
_________
(1) انظر: تفسير ابن جرير. تحقيق محمود محمد شاكر، 14 / 201- 202.
(2) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم 4 / 204.

(1/157)