محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [الباب الثاني الغلو والابتداع]
[الفصل الأول الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم]
[المبحث الأول مفهوم الغلو]
الباب الثاني
الغلو والإبتداع (وفيه فصلان) الفصل الأول: الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثاني: الابتداع.

(1/137)


الفصل الأول
الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ستة مباحث المبحث الأول: مفهوم الغلو.
المبحث الثاني: الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى.
المبحث الثالث: الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الشيعة.

المبحث الرابع: الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصوفية. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الغلو عند الحلاج.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن عربي.
المبحث الخامس: أثر الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم على الاعتقاد والأعمال.
المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم.

(1/139)


المبحث الأول
مفهوم الغلو أصل الغلو في اللغة يطلق على مجاوزة الشيء حده الذي وضع له، سواء كان هذا الحد شرعيا أو عرفيا.
قال الراغب:
(الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر " والمنزلة غلو، وفي السهم غلو، وأفعالها جميعا غلا يغلو.
قال تعالى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] (1) والغلي والغليان يقال في القدر إذا طفحت، ومنه استعير قوله: {طَعَامُ الْأَثِيمِ - كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ - كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 44 - 46] (2) وبه شبه غليان الغضب والحرب، وتغالي النبت يصح أن يكون من الغلي، وأن يكون من الغلو. غلواء: تجاوز الحد في الجماح، وبه شبه غلواء الشباب) (3) وجاء في اللسان: (. . . وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده، وفي التنزيل
_________
(1) سورة النساء، آية (171) ، والمائدة، آية (77) .
(2) سورة الدخان، آية (44-46) .
(3) المفردات، ص364 - 365، مادة: غلا.

(1/141)


{لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] (1) وفي الحديث: «إياكم والغلو في الدين» (2) أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
. . . ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» (3) إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور، «وخير الأمور أوساطها» (4) وعلى ذلك فالمادة تدور في اللغة حول مجاوزة الحد أيا كان نوعه. فإذا نظرنا إلى معنى الغلو في الشرع فسنجده موافقا للمعنى اللغوي إذ يطلق الغلو في الشرع على مجاوزة حدود الشريعة عملا أو اعتقادا.
وقد وردت مادة الغلو والنهي عنه مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] (5) وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (6) قال القرطبي في تفسير الآية الأولى:
_________
(1) سورة النساء، آية (171) ، والمائدة، آية (77) .
(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حص الرمي 2 / 1008 وسيأتي تخريجه.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب. باب في تنزيل الناس منازلهم، 5 / 174، والحديث حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت) 1460 هـ 1 / 660.
(4) لسان العرب، 5 / 132، مادة غلا.
وانظر: مقاييس اللغة 4 / 387- 388.
(5) سورة النساء، آية (171) .
(6) سورة المائدة، آية (77) .

(1/142)


" قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة: 77] نهي عن الغلو، والغلو التجاوز في الحد، ومنه: غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها (1) ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر (2) .
كما ورد لفظ الغلو والنهي عنه في السنة موافقا معناه لما في القرآن ففي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «قال لي رسول صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف. فجعل ينفضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (3) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك) (4)
_________
(1) لداتها: أي أترابها ومثيلاتها.
(2) الجامع لأحكام القرآن لابن عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط 2- دار الكتب المصرية، 1357 هـ، 6 / 21.

(3) سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر الحصى، 2 / 1008، ورواه النسائي في السنن.
ص ب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، 5 / 268، والإمام أحمد ني المسند، 1 / 215 " 347.
والحديث صحيح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هدا إسناد صحح على شرط مسلم. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل. ط 1، مطابع العبيكان، الرياض، 1404هـ، 1 / 2988-. 289.

(4) المصدر نفسه، 1 / 289.

(1/143)


فهذه النصوص بينت أن الغلو- يراد به شرعا مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع قدرا ووصفا، اعتقادا وعملا. وقد وردت في الشرع ألفاظ تقارب الغلو في معناه. مثل التشدد والتشديد، والتعمق والتنطع والتكلف، وكلها مرادفة للغلو وتجتمع معه في كونها مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع، كما يلاحظ في الغلو أنه تجاوز من مشروع إلى غير مشروع فمثلا تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم والإشادة بذكره، هذا أمر مشروع طالما كان ذلك في حدود بشريته. فإذا تجاوزنا بتعظيمه حدود بشريته صار هذا غلوا.

[أنواع الغلو]
أنواع الغلو تتعدد أشكال الغلو وصوره، فمنه ما يكون في الاعتقاد ومنه ما يكون في العمل:
(أ) الغلو في الاعتقاد: ويتمثل في مجاوزة حدود الاعتقاد الصحيح إلى غيره من ضروب الانحراف، والمتأمل في آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع اعتقاد يجدها قد غلت في ناحية من نواحي الاعتقاد حتى خرجت عن الصراط المستقيم. ففي صفات الله تعالى نجد النفاة والمؤولة غلوا في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم، وفي المقابل نرى المجسمة والمشبهة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التجسيم والتشبيه، والحق وسط بين الفريقين تنزيه بلا تعطيل، وإثبات بلا تجسيم ولا تمثيل.
وعلى هذا النهج سارت طوائف المتكلمين، فطائفة تثبت شيئا وتغالي فيه وأخرى تثبت نقيضه وتغلو فيه.

(1/144)


ومن الغلو في الاعتقاد غلو النصارى في عيسى عليه السلام حتى أخرجوه من حيز البشرية إلى مرتبة الألوهية.
- ومنه غلو الشيعة في علي رضي الله عنه، فطائفة ادعت أنه إله، وطوائف على أنه معصوم (1) .
- ومنه غلو بعض المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ادعوا أنه مخلوق من نور وأن الكون خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكوان. إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
ومنه الغلو في الصالحين ومشايخ الصوفية، بادعاء العصمة لهم، واتباعهم في كل ما يقولونه بلا دليل، والاستغاثة بهم وندائهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى غير ذلك من العقائد الشركية.
(ب) الغلو في العمل: ويقصد به ما كان واقعا في دائرة الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب، أو المكروه بمنزلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا في الدين وجانب الصراط المستقيم، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله- مثلا- فقد غلا لأنه جعل المندوب بمنزلة الواجب، ولأنه جاوز حدود السنة في هذا الجانب. ومثل هذا من حرم ما أحل الله من النكاح وأكل الطيبات زهدا وتعبدا. ويدخل في هذا الباب كل من زاد على المشروع قدرا أو وصفا، وذلك كالزيادة على الثلاث في الوضوء مثلا.
_________
(1) انظر: اعتقادات فرق الشيعة في: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. تحقيق. هلموت ريتر، ط 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 5- 85. والفرق بين الفرق. عبد القاهر بن طاهر البغدادي. تحقيق. محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص 29- 72.

(1/145)


يقول ابن تيمية:
(والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات) (1) وقال ابن القيم:
(والغلو نوعان:
- نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرا، أو نحو ذلك عمدا.
- وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (2) وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا!) (3) وهم المتعمقون المتشددون) (4)
_________
(1) اقتضاء الصراط المستقيم، 1 / 2831.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، 1 / 16.
(3) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، 4 / 2055.
(4) مدارج السالكين، 2 / 496- 497.

(1/146)


[أسباب الغلو]
أسباب الغلو يمثل الغلو ظاهرة انحراف خطيرة في تاريخ الأديان السماوية، إذ يعد من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم. ويبدأ هذا الانحراف يسيرا ثم يتعاظم على مر الأيام حتى يصبح كأنه الأصل.
وها هي النصرانية! كيف كانت على عهد المسيح عليه السلام عقيدة خالصة من شوائب الشرك ودينا قويما، ثم أصابها الغلو فانحرف بها عن التوحيد الخالص إلى الشرك المحض ومن دين سماوي إلى دين وضعي ممزوج بوثينات الهند وترهات اليونان وأباطيل اليهود.
وهذا الغلو لا ينشأ فجأة من فراغ، ولكنه مرتبط بعدة عوامل وأسباب تؤدي إليه، وتظهره. وهذه الأسباب كثيرة ومتنوعة لكننا نريد أن نقف علي أهم الأسباب التي أدت إلى وجود الغلو لدى طوائف من المسلمين. وأول هذه الأسباب:
1 - الجهل بالدين ويتمثل هذا في جوانب متعددة منها:
- القصور في فهم مقاصد الشريعة من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. ويتجلى هذا في صنيع المتشددين على أنفسهم في العبادات.
- ومنها الجهل بحدود الشريعة التي يجب على المكلف أن يقف عندها ولا يتعداها ويتمثل هذا في كل أنواع الغلو المجاوزة لحدود الشريعة وذلك كتحريم المباح أو إيجاب ما ليس بواجب ويدخل فيه الخروج ببعض الأنبياء أو الصالحين عن حد البشرية بوصفهم بصفات الألوهية.
- ومنها القصور في فهم نصوص الشريعة، ويتجلى هذا الأمر في النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشريعة.

(1/147)


فمثلا. وردت النصوص الشرعية في الوعد والوعيد. فنصوص الوعد تبعث في قلوب الخائفين والمذنبين الرجاء والأمل في التوبة والوعد بالمغفرة والرحمة لكل من أقبل على الله تائبا من ذنبه.
وفي المقابل نرى نصوص الوعيد تتوعد الكفار والمشركين وأهل الكبائر المصرين على ذنوبهم بأليم العذاب وشديد العقاب إذا لم يتوبوا ويؤمنوا. فإن تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات تاب الله عليهم.
فهذه هي النظرة المتكاملة في باب الوعد والوعيد ولكن قصور الفهم يأتي من النظرة الجزئية إلى أحد الجانبين وإهمال الجانب الآخر والإعراض عنه، ومحاولة التأويل المتعسف للنصوص الشرعية.
كما وقع ذلك من الخوارج والمرجئة. فالخوارج غلبوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فحكموا بكفر مرتكب الكبيرة وتخليده في النار. وأما المرجئة فغلبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد للعصاة فزعموا أنه لا تضر مع الإيمان معصية وعطلوا بذلك جزءا كبيرا من نصوص الشرع.
ومثلهم غلاة المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم حين غلوا فيه حيث نظروا إلى جانب التعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم وأهملوا جانب التوحيد وسد الذريعة إلى الشرك، والسبب الذي أوقعهم في ذلك هو النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشرع، دون جمع النصوص بعضها إلى بعض حتى تكتمل النظرة ويصح الحكم عليها. لكن الجهل بمقاصد الشريعة مع غلبة الهوى وعدم البصيرة هو الذي أوقع المبتدعة فيما وقعوا فيه.
يقول الشاطبي (1) .
_________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي (. . . - 790 هـ) فقيه. أصولي. لغوي. مفسر. . من تصانيفه عنوان التعريف بأسرار التكليف، والموافقات في أصول الأحكام، وعنوان الاتفاق في علم الاشتقاق وغيرها. انظر: معجم المؤلفين، 1 / 118- 119، والأعلام، 1 / 75.

(1/148)


(ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد. وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض. فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها. . . . فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان. . وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما، أي دليل كان، عفوا وأخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي. فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا. فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] (1)) (2) .
ثانيا- اتباع الهوى: يطلق الهوى على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء. وهو غالبا ما يطلق على الزيغ والضلال.
واتباع الهوى هو الانحراف عن الحق إلى الباطل لزيغ في القلب وفساد في العقل. وهو طريق كل حائد عن الصراط المستقيم من الضالين، كما أن اتباع الحق والهدى سبيل المؤمنين.
وقد ورد في القرآن ذم الهوى واتباعه والتحذير منه في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم: 29] (3) وقوله تعالى:
_________
(1) سورة النساء، آية (122) .
(2) الاعتصام. لأبي إسحاق إبراهيم بن مومى اللخمي الشاطبي، طبع دار الفكر بيروت، 1 / 244 - 245.

(3) سورة الروم، آية (29) .

(1/149)


{وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] (1) وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (2) واتباع الهوى من أكبر أسباب الغلو في الدين. ويتمثل هذا في تحسين الظن بالعقل وجعله حاكما على الشرع كما وقع هذا بين طوائف المتكلمين والصوفية، حيث ابتدعت كل طائفة أصولا وقواعد حكمت بها على النصوص، فما وافقهم قبلوه، وما خالفهم ردوه بنوع تأويل أو تحريف أو قدح في رواته أو نفيه إن كان خبر آحاد. إلى غير ذلك من الشبه الباطلة.
فلما لم يضعوا الشرع في مكانه، وغلوا في تقديس عقولهم وقعوا في المهالك.
ثالثا- الاعتماد على الأحاديث الواهية والموضوعة: إن حدوث الوضع في الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن شيئا عفويا بل كان تيارا منظما أحدثته الزنادقة كيدا للإسلام، وتنفيسا لكوامن حقدهم عليه. وتجلى ذلك في محاولة تشويه الإسلام بإدخال رواسب أفكارهم ومعتقداتهم التي عمها الإسلام، فأخرجوها في قالب الأحاديث حتى تروج على العامة. وتعتبر الشيعة أوضح مثال على ذلك، حيث وضعوا الأحاديث في فضائل علي ومناقب آل البيت، والإمامة وسائر عقائدهم، ففتحوا بذلك باب الغلو في الأشخاص في هذه الأمة.
يقول ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي (3) .
_________
(1) سورة الأنعام، آية (119) .
(2) سورة المائدة، آية (77) .
(3) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد المدائني (586- 655هـ) كاتب، شاعر، أديب شيعي غال، ومن أعيان المعتزلة أيضا، نشأ بالمدائن ثم سار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بديوان الخليفة، وكانت له حظوة عند الوزير ابن العلقمي الرافضي لما بينهما من المناسبة والمشابهة في التشيع والأدب. انظر ترجمته في: البداية والنهاية، 13 / 199- 200، ووفيات الأعيان 2 / 158.

(1/150)


" واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم. حملهم على وضعها عداوة خصومهم (1) .
ويهمنا في هذا النص اعتراف أحد كتابهم بذلك، وكما قيل: الاعتراف سيد الأدلة. كما قام بعض ضلال الفرق بوضع الحديث تأييدا لمذهبه وردا على خصومه. وقد كان للزنادقة خاصة في العصر العباسي الأول دور في وضع الحديث في كافة جوانب الدين وأهمها الاعتقاد.
وكان قصدهم من وراء ذلك تشويه الإسلام، وتنفير الناس منه فكانت هذه الأحاديث رصيدا لمن أتى بعدهم من الغلاة يعتمد عليها ويستدل بها. وقل أن يوجد فكر منحرف أو عقيدة غالية إلا ووراءها أحاديث موضوعة وواهية.
رابعا- رواسب الديانات القديمة: مع اتساع موجة المد الإسلامي بكثرة فتوح البلدان، دخل في الإسلام أجناس شتى طائعين ومكرهين. ولم يكن انتشار الإسلام بهذه السرعة يوافق رضا كثير من أعدائه بل كان شجى في حلوقهم وغيظا في قلوبهم وقذى في أعينهم لما رأوا أن الدولة للإسلام، وأن مقاومته وحربه بالسيف غير ممكنة ولا مجدية، دخلوا في الإسلام متظاهرين ليكيدوا له من الداخل، فراحوا يشوهون صورته ويمزقون وحدته، وراموا أحياء وثنياتهم من خلاله، وإفساد صفاء العقيدة الإسلامية.
وساعدهم على ذلك الفتن التي حدثت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه والتي كانت سببا في تفرق الأمة إلى شيع وأحزاب. ثم أعقب ذلك ظهور الفرق الكلامية بآرائها ومعتقداتها. والمتأمل في تاريخ الفرق الكلامية وآرائها المخالفة
_________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع مطبعة عيسى الحلبي، مصر، 1381هـ 11 / 48 - 49.

(1/151)


لمعتقد أهل السنة والجماعة يرى تأثر الأفكار الدخيلة، من يهودية ونصرانية ومجوسية وفلسفات وثنية، يونانية وهندية ومصرية.
وقد حاول أعداء الإسلام جهدهم والتوفيق بين هذه الأفكار وبين الإسلام وإلباسها ثوب الإسلام، فظهر ما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، والتصوف الإسلامي، والفرق الإسلامية، على اختلاف آرائها ومقالاتها والتي بدا تأثير هذه الأفكار واضحا عليها. كما كان وراء نشأة كل فرقة أناس أسلموا ظاهرا مع كفرهم باطنا، كان هؤلاء رواد هذه الفرق ومؤسسيها. فمنهم عبد الله بن سبأ رأس الشيعة ومؤسسها والذي وضع لهم أساس العقائد الباطلة الموروثة إلى يومنا هذا، وذلك كالرجعة أي رجعة علي رضي الله عنه بعد موته إلى الدنيا قبل يوم القيامة وأنه سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا.
وكان يقول: " العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] (1) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فوضع لهم أساس رجعة الأئمة بذلك وهو الذي وضع لهم أساس الوصية. وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء وكان يقول: " أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي. وكان علي وصي محمد صلى الله عليه وسلم فمحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ".
ثم قال بعد ذلك: " ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان يقول وهو في يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى، مثلما قال في علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أنه أول من أظهر الطعن في الصحابة والتبرؤ منهم إلى غير ذلك من السموم التي نفثها في الشيعة فاتخذوها عقائد يعتقدونها، ودينا يتعبدون به (2) وقد كانت الشيعة مرتعا خصبا لتقبل
_________
(1) سورة القصص، آية (85) .
(2) انظر: تفصيل عقائد السبئية في: الملل والنحل. لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني.
تحقيق. محمد سيد كيلاني دار الصرفة بيروت 1404 هـ، 17311 وما بعدها.
وانظر عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة في صدر الإسلام. تأليف سليمان بن حمد العودة ط 1، دار طيبة. الرياض 1405 هـ، ص 199- 241.

(1/152)


هذه الأفكار وغيرها وذلك لقلة عقولهم وضعف تمييزهم.
وهكذا كان وراء كل فرقة عناصر أجنبية أتت بأفكارها وعقائدها المأخوذة من الديانات القديمة.
فقد كان وراء بدعة القدر رجل يقال له (سوسن) كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد بدعته في القدر (1) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل بدعة جهم بن صفوان في التعطل ونفي الصفات مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا (2) وإذا كان هذا التأثير قد تم بواسطة أشخاص امتلأت قلوبهم حقدا على الإسلام فلا ينبغي أن نغفل الدور المنظم الذي قام به اليهود والنصارى والمجوس ومن مالأهم من الزنادقة الذي سعوا بكل جهدهم في محاولة تشويه الإسلام بإدخال العقائد الباطلة والأفكار الهدامة إلى ساحة الإسلام.
_________
(1) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكاني. تحقيق د. أحمد محمد حمدان. نشر دار طيبة. الرياض 4 / 749- 750.
(2) انظر: مجموع الفتاوى، 1 / 660- 67.

(1/153)