محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثالث مظاهر الاتباع]
المبحث الثالث
مظاهر الاتباع اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أمر واجب وفرض عين على الأمة كلها في عسرها ويسرها ومنشطها ومكرهها. ولا يصير المسلم مسلما حتى يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله وأفعاله حسب علمه واستطاعته، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مثل محبته من حيث كونه مقترنا بشواهد تؤكده ومظاهر عملية تحدده وبدونها يصير الاتباع دعوى مجردة عن الدليل.
وأود في هذا المبحث أن أبين بعض مظاهر الاتباع التي إذا تحققت تحقق الاتباع وصدقت المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن هذه المظاهر:
أولا: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به: قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] (1) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
" هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل. صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
_________
(1) سورة الأحزاب، آية (21) .

(1/123)


ولهذا قال تعالى للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم (1) والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم هو: أن نفعل مثلما فعل على الوجه الذي فعله، من وجوب أو ندب، وأن نترك ما تركه، أو نهى عنه من محرم أو مكروه، كما يشمل التأسي به التأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك فالتأسي والاقتداء شامل لكافة أمور الدين.
فإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم قولا قلنا مثل قوله، وإذا فعل فعلا فعلنا مثله، وإذا ترك شيئا تركناه فيما لم يكن خاصا به، وإذا عظم شيئا عظمناه، وإذا حقر شيئا حقرناه، وإذا رضي لنا أمرا رضينا به، وإذا وقف بنا عند حد وقفنا عنده ولم يكن لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر عنه.
وبالجملة فإن الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم هو تجريد متابعته والتلقي عنه وحده فكما أن الرب سبحانه واحد فالرسول الذي أمرنا باتباعه واحد فهما توحيدان: توحيد المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، وتوحيد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وبدون هذا لا يصير المسلم مسلما. ذلك هو الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعيار الذي ينبغي أن توزن به أفعال الناس وأقوالهم وعقائدهم وسائر أمورهم. وطريق التأسي به مبنى على العلم بهديه صلى الله عليه وسلم في كافة أمور الدين والعمل به.
وقد وعت دواوين السنة وكتب السير والشمائل كافة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسجاياه وأخلاقه وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد وحفظت ذلك أتم حفظ.
وقام أولو العلم في كل عصر بتقريب الناس من هذا الهدى النبوي الشريف
_________
(1) تفسير ابن كثير، 3 / 475.

(1/124)


قياما بواجبهم في تبليغ هذا الدين ونصحا للمسلمين، فما تركوا شيئا من هديه صلى الله عليه وسلم إلا وبينوه أتم بيان، فأبان الله بهم السبيل وقطع بهم المعاذير، فالسعيد من اتبع خطاهم والشقي من تنكب طريقهم وجفاهم.
فعلى كل مسلم يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم من سننه وهديه ما يدخل به في عداد المقتدين المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم:
" وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " (1) .
والسبيل العملي للتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم هو تطبيق السنة في حياة الفرد والجماعة. وهذا التطبيق يشمل كافه جوانب الدين من اعتقادات وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب ونظم اجتماعية وإدارية وسياسية شرعية. ومما يعين على تطبيق السنة، إحياؤها بنشر العلم الشرعي الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا واجب على كل من علم من الدين شيئا أن يبلغه، ويتعين هذا ويتأكد وجوبه في حق أهل العلم وحملة الشريعة، أخذا من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] (2) فهذه الآية وإن نزلت في حق أهل الكتاب توبيخا لهم لكتمانهم أمر رسول
_________
(1) زاد المعاد من هدى خير العباد لابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط ط 8، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405 هـ، 1 / 69- 70.
(2) سورة آل عمران، آية (187) .

(1/125)


الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به مع علمهم بأنه هو النبي الخاتم والمبشر به من قبل أنبيائهم، إلا أن فيها تحذيرا لعلماء هذه الأمة من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب في كتمان العلم فيصيبهم ما أصابهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئا (1) .
كما ورد في السنة الحث على تبليغ العلم في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2) وأخرج الترمذي بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع» (3) وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم (4) " انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا (5) والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وكلها تؤكد وجوب تبليغ السنة ونشرها في كل عصر ومصر. ويتحتم هذا الأمر في حالة الجهل بالسنة
_________
(1) انظر، تفسير ابن كثير، 1 / 437.
(2) البخاري. كتاب أحاديث الأنبياء. باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4 / 207.
(3) سنن الترمذي. كتاب الحلم، باب في الحث على تبليغ السماع 4 / 142، وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 437، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علما 1 / 85.
والحديث متواترا رواه أربعة وعشرون صحابيا.
انظر: دراسة حديث " نضر الله امرأ سمع مقالتي) رواية ودراية. تأليف عبد المحسن العباد، ط1، المدينة المنورة، 1401 هـ.
(4) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. تابعي فقيه، استحمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه.
انظر فتح الباري، 1 / 194.
(5) ورده البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، 1 / 35.

(1/126)


أو الإعراض عنها وهجرانها كما هو الحال في هذا الزمان الذي عم فيه الهجران للسنة وتعاليم الدين كافة بلاد المسلمين إلا قليلا ممن هداهم الله ووفقهم للتمسك بالسنة والصبر عليها.
والسبب في ذلك قلة الاهتمام بالعلم الشرعي، وتقصير أهل العلم في القيام بواجبهم في تبليغ هذا الدين على الوجه المطلوب، هذا مع غلبة التعصب المذهبي والتقليد الأعمى على أكثر الناس، مما جعل بين المسلمين وبين هدى نبيهم جفاء وبعدا- إلا من رحم الله. فيجب على كل مسلم يحب الله ورسوله أن يقوم بواجبه في تبليغ هذا الدين حسب علمه واستطاعته، صابرا في سبيل ذلك على ما يلاقي في جنب الله من أذى. متأسيا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين وقفوا حياتهم لتبليغ هذا الدين، باذلين في سبيل ذلك النفس والنفيس. فرضي الله عنهم وعمن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وهذا هو مظهر الاتباع والحب الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي:
" وإذا لزم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سن، وكان لزوم فرضا باقيا، ولا سبيل إلى اتباع سنته إلا بعد معرفتها، ولا سبيل لنا إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق عنه لزم قبوله صلى الله عليه وسلم متابعته، ولذلك أمر بتعليمها والدعاء إليها، وبالله التوفيق " (1) .
ثانيا: تحكيم السنة والتحاكم إليها: إن مما يؤكد صدق الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحكيم سنته والتحاكم إليها وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحكام فما وافقها قبل وما خالفها رد وإن قاله من قاله. وقد وردت آيات كثيرة تؤكد هذا الأمر منها قوله تعالى:
_________
(1) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للإمام أبي بكر البيهقي، تصحيح كمال يوسف الحوت، ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1403 هـ، ص 154.

(1/127)


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] (1) .
فأمر الله المؤمنين برد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن ذلك خير لهم في الدنيا وأحسن عاقبة في الأخرى، وفي الأمر بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دلالة صريحة على أنهما كافيان لفصل النزاع وتقديم الحل لكل مشكلة تقع بين المسلمين. وإن إيمان المؤمن ليحمله على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله آنا بعد آن لمعرفة حكم الشرع في كل ما يجد له من أمور الحياة.
وفائدة هذا الأمر عظيمة جدا، إذ يظل المسلم على جادة الاتباع لا يحيد عن الصراط المستقيم طالما أحسن الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد أمر الله بتحكيم نبيه- في حياته وسنته بعد مماته- في كالله أنواع النزاع للفصل فيها فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] (2) .
فأقسم سبحانه بذاته على أنه لا يثبت للمؤمنين الإيمان حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع في كافة الأمور وأن هذا التحكيم غير كاف حتى يجتمع إليه الرضى بحكمه والتسليم لأمره مع انشراح صدورهم وطيب نفوسهم بقضائه وحكمه.
وأصل ذلك أن المسلم متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كافة أحواله فإذا عرض له أمر أو تنازع مع أخيه المسلم في أي شأن من شئون الدين أو الدنيا فزع عند ذلك إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يجد فيها جوابا شافيا كما كان حال الصحابة معه صلى الله عليه وسلم في حياته، يفزعون إليه يسألونه في كافة أمورهم، ويحتكمون إليه في كل شئونهم، فإذا حكم بشيء قبلوا حكمه وسلموا به عن طيب نفس ورضى.
_________
(1) سورة النساء، آية (59) .
(2) سورة النساء، آية (65) .

(1/128)


وبعد موته عليه الصلاة والسلام كان الصحابة إذا اختلفوا في أمر أو خفي عليهم حكمه تحاكموا إلى من يعلم بالسنة فيما اختلفوا فيه، فإذا ثبتت عندهم السنة لم يتجاوزوها إلى غيرها.
فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي، يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (1) فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله بغرة (2) فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.» (3) .
وأخرج الشافعي بسنده عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي (4) من ديته. فرجع إليه عمر» (5) .
وقد جمع الإمام الشافعي جملة من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم تؤكد
_________
(1) المسطح: هو عود من أعواد الخباء أو الفسطاط " الخيمة ".
انظر: النهاية في غريب الحديث. لابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي مطبعة عيسى الحلبى، مصر، 4 / 330.
(2) الغرة: العبد أو الأمة، والغرة هي ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد أو الإماء، قال ابن الأثير: (وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. انظر- النهاية في غريب الحديث، 3 / 353.
(3) أخرجه الشافعي في الرسالة 427.
وأصل الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الديات. باب جنين المرأة وأد العقل على الولد، 14 / 9- 15. وانظر فتح الباري، 12 / 164- 252.
(4) أشيم الضبابي صحابي قتل خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، 1 / 67.
(5) رواه الشافعي في الرسالة 426، وأحمد في المسند، 3 / 452، والترمذي في أبواب الفرائض، باب ما جاء في توريث المرأة من دية زوجها وقال حديث حسن صحح، 3 / 288، والحديث صححه الهيثمي من رواية الطبراني. انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، ط3، 4 / 230 - 231، دار الكتاب العربي بيروت.

(1/129)


أخذهم بالسنة متى ثبتت واطراح كل رأى يخالفها وإن كان قد جرى عليه العمل (1) ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة أعظم الأسوة في التمسك بالسنة وتحكيمها في كافة أمورنا.
وتحكيم السنة والتحاكم إليها هو الفارق بين المسلم الحريص على اتباع السنة وبين من يتبع هواه بغير هدى من الله. فمن تحاكم إلى غير الوحي فقد تحاكم إلى الطاغوت، وذلك كحال من يتحاكم إلى أدلة العقول المبنية على المنطق اليوناني وهذا هو شأن الفلاسفة وأهل الكلام، ومثل ذلك من يتحاكم إلى الذوق والوجد أو مشايخ الطريق وهذا هو حال الصوفية.
أو كالشيعة الذين يتحاكمون إلى الأئمة المعصومين بزعمهم، ويلتحق بأولئك من يتحاكمون إلى القوانين الوضعية، أو أي مبدأ من المبادئ الهدامة أو عرف من الأعراف البشرية السائدة أو غير ذلك مما تحتكم إليه الجاهلية قديما وحديثا معرضين بذلك عن الحكم بكتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما.
وهذا الإعراض والصدود هو حال المنافقين في كل زمان ومكان وإن زعموا أنهم يريدون بذلك إحسانا وتوفيقا، أو أنهم يعملون لمصلحة الأمة وقد نبه الله على صنيعهم وأبان عن سوء حالهم فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 60 - 63] (2)
_________
(1) انظر الرسالة، ص422، وما بعدها.
(2) سورة النساء، آيات (60-63) .

(1/130)


قال ابن القيم:
(. . . . إن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته (1) ثالثا: الرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه: من مظاهر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم الرضى بحكمه وشرعه وهذا الأمر تابع للرضا بالله ربا وإلها، فمن رضي بالله ربا، رضى بالرسول الذي أرسله والدين الذي أنزله. فمن حصل له ذلك فهو السعيد حقا.
أخرج مسلم بسنده عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا» (2) فإذا رضي المسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا لم يلتفت إلى غير هديه، ولم يعول في سلوكه على غير سنته وحكمه وحاكم إليه وقبل حكمه وانقاد له وتابعه واتبعه، ورضي بكل ما جاء به من عند ربه، فسكن قلبه لذلك واطمأنت نفسه وانشرح صدره، ورأى نعمة الله عليه وعلى الخلق- بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وبدينه- أعظم من
_________
(1) إعلام الموقعين، 1 / 50.
(2) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبار، 1 / 62.

(1/131)


أي نعمة. ففرح بفضل ربه عليه ورحمته به أن جعله من أتباع خير المرسلين وحزبه المفلحين.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57 - 58] (1) والرضى كلمة تجمع القبول والانقياد، فلا يكون الرضى إلا حيث يكون التسليم المطلق والانقياد ظاهرا وباطنا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه. وكل التفات أو عدول عن الوحي إلى غيره أو اعتراض عليه فهو مناقض للرضى ودليل على النفاق ومؤد إلى الكفر والمروق من الدين.
وقد وقعت طوائف من الأمة فيما يعارض الرضى ويناقضه من الاعتراض على ما جاء به الرسول من ربه، واتخذ ذلك أشكالا متعددة:
- فمنهم من اعترض على توحيد الألوهية بجنس ما اعترض به المشركون الأولون من محبة الأنبياء والصالحين والتقرب بهم إلى الله زلفى. فلم يرضوا بالتوحيد الخالص حتى شابوه ودنسوه بدنس الشرك.
- ومنهم من اعترض على أسماء الله وصفاته بالشبه الباطلة، والظنون الحائرة فنفوا ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأثبتوا ما نفاه الله ورسوله عنه فتاهوا في الضلال والعمى. ولو أنهم رضوا بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ووقفوا عنده لاهتدوا من الضلالة ولأبصروا بعد العمى ولسعدوا بالهدى.
- ومنهم المعترض على الشرع: إما بالآراء والأقيسة الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه. وإما بالاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالذوق والوجد والكشف ومشايخ الطريق. فحادوا لأجل ذلك عن الصراط المستقيم، وعولوا على أهوائهم وما ألقته
_________
(1) سورة يونس، آية (57-58) .

(1/132)


إليهم شياطينهم من زخارف القول. فهم على هذا عاكفون، وعن طريق الحق والهدى معرضون وصادون.
- ومنهم من اعترض على الشريعة بالسياسات الجائرة والقوانين الوضعية الخاسرة وألزموا الناس بها كأنها شرع منزل، وتركوا شرع رب العالمين وعطلوا حدوده وأهملوا شعائره، وانتهكوا محارمه. زاعمين مع ذلك أنهم يريدون إحسانا وتوفيقا فوقعوا في الضلال والحيرة وكساهم الله ثوب الصغار والذلة وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف والقلة. ولو رضوا بشرع رب العالمين لحصل لهم العز والتمكين.
- ومنم من اعترض على أفعال الله وقضائه وقدره وحكمته بأنواع من الشبه الإبليسية التي تطعن في عدل الله وحكمته وعلمه وهذا اعتراض الجهال والسبب الذي أخرجهم من الرضا إلى الاعتراض هو تلقيهم واستمدادهم من غير الوحي والتزامهم أصولا تخالف شرع رب العالمين ولا نجاة من هذا الداء- أعني داء الاعتراض- إلا بالتسليم المطلق للوحي والإقبال عليه مع اليقين التام بأن فيه الهداية والشفاء (1) رابعا: الوقوف عند حدود الشريعة: - هذا الأمر ثمرة للرضا، فمن رضي بحكم رسول الله ودينه وشرعه وقف عند حدود شريعته ولم يتجاوزها إلى غيرها، ولا يكون ذلك إلا إذا أيقن المسلم أن الدين قد كمل فليس بحاجة إلى زيادة ولا نقصان، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين فلم يترك من أمر الدين شيئا إلا وبلغه. فإذا علم المسلم ذلك وأيقن به وقف عند حد الشريعة ولم يتعدها. والحدود التي أمرنا بالوقوف عندها وعدم تعديها: هي جملة ما أذن الله في فعله سواء كان على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه (2)
_________
(1) انظر: مدارج السالكين، 2 / 69- 71.
(2) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص246.

(1/133)


وتعدي الحدود يشمل الإفراط والتفريط، لكن أكثر ما يطلق على الإفراط ومجاوزة الحد، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] (1) وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] (2) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] (3) وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (4) .
أي أنهم يتجاوزون حدود الطهور بالزيادة فيه والدعاء بالإخلال بشروطه، فمن تجاوز حدود الشريعة فقد خرج عنها إلى غيرها مما زينه له الشيطان كما قال بعض السلف: " ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة- وهي الإفراط- ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان (5) ولأجل هذا أمرنا الله بلزوم الصراط المستقيم، وأن نسأله كل صلاة أن يهدينا إليه. في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] (6) وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] (7) ونهي الله عن تعد الحدود ومجاوزتها، والتقدم بين يدي الله ورسوله حتى لا يزاد في دين الله بالأهواء. وعدم الوقوف عند حدود الشريعة أنتج في الأمة صنوفا من البدع وضروبا من الغلو وألوانا من الخروج على الدين ما كان لها أن توجد لولا مجاوزة هذه الحدود. فأصاب الدين وأهله من المبتدعة والغلاة شر كثير.
_________
(1) سورة البقرة، آية (229) .
(2) سورة الأعراف، آية (55) .
(3) سورة المائدة، آية (87) .
(4) أخرجه أحمد في مسنده. من حديث عبد الله بن مغفل، 4 / 86، 87، والحاكم في المستدرك، 1 / 540، وصححه ووافقه الذهبي.
(5) انظر: مدارج السالكين 2 / 108.
(6) سورة الفاتحة، آية (5) .
(7) سورة الأنعام، آية (153) .

(1/134)


نخلص من هذا إلى أن الاتباع مرتبط بمظاهر عملية من حققها فقد حقق الاتباع، وصدقت محبته لله ورسوله ومن أخل بها فقد أخل بالاتباع وكان ذلك دليلا على نقصان المحبة عنده.

(1/135)