محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [الباب الأول المحبة والاتباع]
[الفصل الأول محبة الرسول صلى الله عليه وسلم]
[المبحث الأول مفهوم المحبة]
الباب الأول
المحبة والاتباع (وفيه فصلان) الفصل الأول: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثاني: الاتباع.

(1/27)


الفصل الأول وفيه أربعة مباحث المبحث الأول - مفهوم المحبة.
المبحث الثاني - وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث - دواعي محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وأسباب زيادتها.
المبحث الرابع - مظاهر محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

(1/29)


المبحث الأول
مفهوم المحبة وأنواعها (أ) الحب في اللغة: الحب كلمة دائرة على ألسنة الناس، رمزا لتعلق القلوب وميلها إلى ما ترضاه وتستحسنه. ويطلق في اللغة على صفاء المودة.
جاء في لسان العرب:
(الحب: نقيض البغض. والحب: الوداد والمحبة. . . وأحب فهو محب. . . والمحبة أيضا: اسم للحب.: وتحبب إليه تودد. وامرأة محبة لزوجها، ومحب أيضا. . . والحب: الحبيب، مثل خدن وخدين. . . والحب: المحبوب، وكان زيد بن حارثة رضي الله عنه، يدعى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
. . . . وحببت إليه: صرت حبيبا. . . وهم يتحابون: أي يحب بعضهم بعضا. . . والتحبب: إظهار الحب) (1) .
وهذا النص كغيره من النصوص في المعاجم قد اقتصر على تعريف الحب بنقيضه أو بمرادفه لكن نرى الراغب الأصفهاني (2) يفصل أكثر فيقول:
(. . . . حببت فلانا يقال في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه، نحو: شغفته وكبدته وفأدته (3) .
_________
(1) لسان العرب. مادة " حبب " 1 / 289.
(2) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (. . - 502 هـ) من تصانيفه: تحقيق البيان في تأويل القرآن، الذريعة إلى مكارم الشريعة، المفردات في غريب القرآن.
انظر: الأعلام للزركلي. ط5، دار العلم للملايين، بيروت 1980م، 2 / 355 ومعجم المؤلفين عمر رضا كحالة. نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت 4 / 59.
(3) بمعنى أصبت شغاف قلبه، وكبده، وفؤاده.

(1/31)


وأحببت فلانا: جعلت قلبي معرضا لحبه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محب، واستعمل حببت أيضا في موضع أحببت) .
(ب) تعريف المحبة عند العلماء: ثم يستطرد الراغب فيقول:
(والمحبة إرادة ما تراه خيرا أو تظنه خيرا. وهي على ثلاثة أوجه:
- محبة للذة، كمحبة الرجل المرأة، ومنه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] (1) .
- محبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: 13] (2) .
- ومحبة للفضل، كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض من أجل العلم) (3) .
وإذا كان الراغب هنا قد فسر المحبة بإرادة ما يظنه الإنسان خيرا، فقد كان " القاضي عياض (4) أكثر وضوحا حين عرف المحبة: بأنها ميل الإنسان إلى ما يوافقه.
يقول القاضي عياض:
(وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له:
_________
(1) سورة الإنسان، آية (8) .
(2) سورة الصف، آية (13) .
(3) المفردات في غريب القرآن. لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني. تحقيق. محمد سيد كيلاني. طبع مطبعة مصطفى الحلبي. مصر 1962م، مادة " حب " ص105.
(4) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (476هـ - 544) عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته. ولد سبته وولي قضاءها.
من تصانيفه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى. ومشارق الأنوار. وشرح صحيح مسلم، وغيرها. توفى بمراكش.
انظر. وفيات الأعيان 3 / 483 وما بعدها والبداية والنهاية 12 / 255.

(1/32)


1 - إما لأستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له.
2 - أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء، وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء.
3 - أو يكون حبه إياه لمرافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها) (1) .
وعلى ذلك فهذا الميل إما أن يكون حسيا أو عقليا أو قلبيا. وعلى هذه الجوانب الثلاثة- منفردة أو مجتمعة- يقوم الحب في القلب، فما وافقها مال إليه القلب وأحبه، وما خالفها نفر عنه وكرهه.
وأصل الحب قوة في القلب تحرك إرادة الإنسان لتحصيل المحبوبات أصلا، ودفع المكروهات تبعا، فتميل النفس إلى الشيء إن كان محبوبا وتنفر عنه إن كان مكروها (2) .
ويتوقف تعلق النفس بالشيء حبا، أو النفور عنه كرها على الإدراك الفطري أو الكسبي.
فالحب إذن ثمرة الإدراك والمعرفة، فكلما كانت المعرفة أتم كان الحب أقوى والعكس صحيح.
لأجل هذا كان الناس متفاوتين في حبهم للأشياء والأشخاص تفاوتا بينا تبعا لتفاوت إدراكهم ومعرفتهم.
وإذا كانت وسائل المعرفة والإدراك لدى المرء سليمة وصحيحة أحب الإنسان ما ينفعه ويصلحه، وإلا أحب الضار يحسبه نافعا والفاسد يحسبه صالحا.
_________
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى. للقاضي عياض اليحصبي طبع دار الكتب العلمية، بيروت، 1399، هـ - 2 / 29 - 30.
(2) انظر. رسالة العبودية، ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية، 10 / 192.

(1/33)


وبناء على هذا يمكن أن نعرف الحب بأنه: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة الى ما يوافقه ويستحسنه.
(ج) المحبة في النصوص الشريعة: أما في الشرع فقد ورد لفظ الحب في القرآن والسنة بكل جوانبه الطبعية والشرعية.
فالجوانب الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء والأزواج وحب المال وسائر الشهوات.
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] (1) .
وقال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20] (2) .
وقال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] (3) .
وقال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} [القيامة: 20] (4) .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (5) وأخرج عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان حب المال وطول العمر» (6) .
هذه هي المحبة الفطرية الجبلية كما وردت في النصوص الشرعية، وأما المحبة الشرعية- أعني حب الله ورسوله- فالنصوص الواردة فيها كثيرة وإليك بيانها:
_________
(1) سورة آل عمران، آية (14) .
(2) سورة الفجر، آية (20) .
(3) سورة العاديات، آية (8) .
(4) سورة القيامة، آية (20) .
(5) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب من بلغ ستين سنة 8 / 111.
(6) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب من بلغ ستين سنة 8 / 111.

(1/34)


(د) حب الله عز وجل: ولنبدأ بحب الله تعالى، أما النصوص الواردة في حب الرسول صلى الله عليه وسلم فسوف تأتي في المبحث القادم.
فقد جاء لفظ الحب في القرآن والسنة لبيان حب الله لعباده المؤمنين وذلك في مثل قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] (1) . وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] (2) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] (3) .
وفيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» . . . . . .) الحديث (4) .
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ " قل هو الله أحد " فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخبروه أن الله يحبه» (5) .
كما ورد ما يثبت حب المؤمنين لربهم عز وجل وذلك كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] (6) .
_________
(1) سورة المائدة، آية (54) .
(2) سورة البقرة، آية (222) .
(3) سورة الصف، آية (4) .
(4) صحيح البخاري. كتاب الرقاق. باب التواضع، 8 / 131.
(5) صحيح البخاري. كتاب التوحيد. باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، 9 / 140-141.
ومسلم. كتاب صلاة المسافرين. باب فضل قراءة " قل هو الله أحد، 1 / 557.
(6) سورة البقرة، آية (165) .

(1/35)


وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] (1) وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] الآية (2) .
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس بن مالك (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت» (3) .
ومن ثم يتبين لنا أن الحب علاقة متبادلة بين الله تعالى وبين عباده المؤمنين. لكن حب الله لعباده صفة من صفاته منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين ونصوص الكتاب والسنة تؤكد ذلك أتم تأكيد.
وجمهور السلف على إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته كما يليق بذاته سبحانه، بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها كما أنهم يثبتون محبة العباد لربهم محبة حقيقية قلبية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] (4) وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية) (5) .
_________
(1) سورة المائدة، آية (54) .
(2) سورة آل عمران، آية (31) .
(3) صحيح البخاري. كتاب الأدب. باب علامة الحب في الله، 8 / 49، وصحيح مسلم كتاب البر والصلة. باب المرء مع من أحب، 4 / 2033.
(4) سورة البقرة، آية (165) .
(5) مجموع فتاوى شيح الإسلام أحمد بن تيمية. جمع وترتيب. عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد. طبع مكتبة المعارف. الرباط. المغرب 10 / 66.
وانظر تفسير القاسمي. المسمى محاسن التأويل. محمد جمال الدين القاسمي. تحقيق. محمد فؤاد عبد الباقي. ط 2، طبع دار الفكر. بيروت، 1398 هـ- 1978 م، 6 / 253- 255.

(1/36)


ومع وضوح هذا الأمر إلا أن أهل الأهواء والبدع من الجهمية ومن تابعهم من المتكلمين حادوا عن إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته سبحان وتعالى. متأولين محبته سبحانه بإرادة الإحسان، أو بإحسانه وإنعامه على عباده. كما أنهم أولوا محبة العباد لربهم بأنها محبة طاعته، أو محبة إحسانه وثوابه (1) .
وهذا التأويل- مع بطلانه- يؤدي إلى إنكار المحبة، ومتى بطلت المحبة بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، وخلت الأعمال من روحها، إذ هي أصل كما عمل ديني. فإنكارهم للمحبة إنكار لحقيقة الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة في قلبه لله ورسوله فلا إيمان له ألبتة (2) .
(هـ) محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: وبعد أن تكلمنا عن ورود لفظ الحب في اللغة والشرع نريد أن نخلص إلى تحديد مفهوم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فأقول إنه لما كان الحب لغة: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة إلى ما يوافقه ويستحسنه.
فكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم معناها:
أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ميلا يتجلى فيه إيثاره صلى الله عليه وسلم على
_________
(1) انظر في بيان ذلك:
الكشاف عن حقائق التنزيل في وجوه التأويل. أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري. ط1. طبع دار الفكر. بيروت، 1977، 1 / 621- 622.
والتفسير الكبير للفخر الرازي. ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 4 / 205 - 208.
(2) انظر في الرد على هذا التأويل.
مجموع الفتاوى لابن تيمية، 6 / 477 وما بعدها، 10 / 66 وما بعدها والنبوات لابن تيمية، ص 66 وما بعدها.
ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. لابن القيم الجوزي تحقيق. محمد حامد الفقي. طبع دار الكتاب العربي. بيروت، 1392هـ 3 / 18 وما بعدها.

(1/37)


كل محبوب من نفس ووالد وولد والناس أجمعين وذلك لما- خصه الله من كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه على يديه من صنوف الخير والبركات لأمته، وما امتن الله على العباد ببعثته ورسالته إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لمحبته عقلا وشرعا.
يقول النووي ملخصا كلام القاضي عياض: (وبالجملة فأصل المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه.
وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والأبعاد من الجحيم) (1) .
وحب المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوتت درجة الشعور بهذا الحب تبعا لقوة الإيمان أو ضعفه.
وليس هذا الحب أمرا عقليا مجردا عن الميل القلبى كما ذهب إليه البيضاوي (2) فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال:
_________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي. طبع دار الفكر، بيروت 1401هـ، 2 / 14.
(2) هو أبو سعيد ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي (. . . ـ 685) قاض. أصولي. متكلم. مفسر.
من تصانيفه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، طواع الأنوار، منهاج الوصول إلى علم الأصول.
انظر طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو. ومحمود الطناحي. ط1، مطبعة عيسى الحلبي، مصر 8 / 157، 158.
وبغية الوعاة 2 / 50، 51.

(1/38)


(المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله.
فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل- والعقل يقتضي رجحان ذلك- تمرن على الائتمار بأمره حيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ به التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي: إدراك مما هو كمال وخير من حيث هو كذلك) (1) .
وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد بقوله:
(. . . . كلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبا قلبيا.
. . . . وأما مجرد إيثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف هوى النذر كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه.
. . . . فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازما له. لا أنه الحب) (2) . ثم إن إدراك العقل للكمال أو الخير أو أي معنى من المعاني الفاضلة لا يكفي حتى نسميه حبا، بل لا بد مع ذلك من الميل القلبي والتعلق النفسي.
وتمثيله حال من آثر محبة الله ورسوله- وإن كان على خلاف هوى النفس- بحال المريض مع الدواء المر- الذي تعافه نفسه ويميل عقله إلى تناوله- تمثيل غير مناسب وغير لائق أيضا.
لأن من كانت محبته لله ورسوله كمحبة المريض للدواء المر جدير بأن يقال أنه وجد مرارة الإيمان لا حلاوته.
_________
(1) فتح الباري لابن حجر العسقلاني، ط دار المعرفة بيروت 1 / 60- 61.
(2) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد. للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. ط3، طبع المكتب الإسلامي. بيروت، 1397هـ، ص476، 477.

(1/39)


وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه وقلبه في تلك المحبة مناصرا لعقله ومسايرا له جنبا إلى جنب (1) .
وإذا كان هناك من فسر حب الله ورسوله بأنه حب عقلي، فهناك من يظن أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعني طاعته، وهذا فهم خاطئ إذ أن محبته هي أساس طاعته، والطاعة شرط للمحبة وثمرتها.
فالطاعة أمر زائد على المحبة ومترتب عليها.
كما أن هذا الحب أمر زائد على الإعجاب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسمو أخلاقه وعظمة تعاليمه.
إذ نرى كثيرا ممن لا ينتسبون إلى الإسلام ولا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم يبدون إعجابهم وتقديرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويفيضون في بيان جوانب عظمته، ومع ذلك لا يمكن أن نسمي هذا الإعجاب حبا شرعيا حتى يكون هناك إيمان بدين الإسلام.
ولقد كان أبو طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه ويحوطه ويصد عنه أذى قريش بما استطاع. ومع هذا فلم يثمر ذلك حبا وإيمانا منه بدين الإسلام لأن حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حب قرابة وحمية جاهلية.
نخلص من هذا إلى أن المحبة الحقيقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية، وهي عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، ورابطة من أوثق روابط النفوس تربط المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم وتجعل قلبه وهمه وفكره وإرادته متوجهة لتحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
(و) الصلة بين محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم:
الصلة بين المحبتين هي صلة الفرع بالأصل والتابع بالمتبوع فمحبتنا لرسول
_________
(1) انظر. المختار من كنوز السنة. محمد عبد الله دراز. راجعه وأشرف على طبعه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ط4، قطر ص440.

(1/40)


الله صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبتنا لله عز وجل، إذ هي أساس المحبة الدينية الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله.
قال ابن تيمية:
(وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله.
كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] (1)) (2) .
وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين عن الأخرى فمن أحب الله أحب رسوله صلى الله عليه وسلم وكذلك سائر رسله ومحبة الرسول تبع لمحبة من أرسله. ولأجل هذا جاء حب الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنا بحب الله عز وجل في أكثر النصوص الشرعية.
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] (3) .
وفي الحديث «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (4) .
وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط شرعي لا ينفك. فمن زعم أنه يحب الله ولم يحب رسوله صلى الله عليه وسلم أو العكس فكلامه باطل واعتقاده فاسد.
_________
(1) سورة آل عمران، آية (31) .
(2) مجموع الفتاوى، 10 / 649.
(3) سورة التوبة، آية (24) .
(4) صحيح البخاري. كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان 1 / 10.

(1/41)