محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثاني بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم]
المبحث الثاني
بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم لقد شاء الله العليم الحكيم أن يكون رسله إلى الناس بشرا من جنس المرسل إليهم وبلسانهم ليبينوا لهم شرع ربهم، ولتقوم بهم الحجة على الناس، وتنقطع عنهم المعاذير، ويسهل عليهم اتباع رسلهم، والفهم عنهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] (1) وقال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] (2) .
ويوضح الله بعض جوانب هذه البشرية فيقول سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] (3) الآية. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل بل كان بشرا كغيره من الأنبياء والرسل السابقين عليه.
قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9] (4) وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] (5) وهذا أبلغ تأكيد من الله على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا له كل خصائص البشر وصفاتهم وهو مع ذلك مفضل بالوحي والرسالة.
_________
(1) سورة إبراهيم، آية (4) .
(2) سورة إبراهيم، آية (11) .
(3) سورة الفرقان، آية (20) .
(4) سورة الأحقاف، آية (9) .
(5) سورة الكهف، آية (110) ، وسورة فصلت آية (6) .

(1/16)


والآيات القرآنية تثبت بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة. وتوضح أنه بشر لم يخرج عن نطاق البشرية، وأن ما أتى به من وحي أو جرى على يديه من آيات فإنما هو بقدرة الله وحده، وأن الرسول لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا أن يشاء الله. قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت: 50] (1) وقال تعالى {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] (2) . وكما أن الرسول لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فهو من باب أولى لا يملك لغيره الضر والنفع أو الهداية والصلاح، بل كل ذلك بيد الله وحده.
قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ - وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 128 - 129] (3) . وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21] (4) وقال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] (5) .
ولما طالب كفار قريش الرسول صلى الله عليه وسلم بمطالب تعجيزية ذريعة لهم للتكذيب والكفر، كان رد الله تعالى عليهم هو التأكيد على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا - أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا - أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا - أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] (6) .
_________
(1) سورة العنكبوت، آية (50) .
(2) سورة الأعراف، آية (188) .
(3) سورة آل عمران، آية (128-129) .
(4) سورة الجن، آية (21) .
(5) سورة القصص، آية (56) .
(6) سورة الإسراء، آية (90-93) .

(1/17)


وفي قوله تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] تأكيد على أن الرسول بشر يقف عند حدود بشريته، ولا يأتي بشيء من عنده.
وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته توضح هذا الأمر أتم توضيح فقد عاش صلى الله عليه وسلم بشرا تجري عليه أعراض البشرية طيلة حياته منذ أن ولد إلى أن مات فأكل وشرب، ومشى في الأسواق، وباع واشترى، وتزوج وأنجب، وحارب، وسالم، وغضب، ورضي، وفرح وحزن، وأدركه المرض فمرض، ومات كما يموت سائر البشر. صلى الله عليه وسلم.
وكل من عايش رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تتبع سيرته أدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك. والرسول صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله يؤكد هذا الأمر فيقول فيما رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود وفيه (. . . . «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون» (1) .
وقال فيما رواه البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» (2) ففي الحديث الأول يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتذكر وينسى أحيانا؟ هو شأن البشر جميعا، وفي الثاني يؤكد على عدم علمه للغيب بمقتضى طبيعته البشرية إلا أن يطلعه الله على ما شاء من الغيب كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27] (3) .
_________
(1) صحيح مسلم، تحقيق وتصحيح وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، 1403هـ، 1983م.
كتاب المساجد. باب السهو في الصلاة والسجود له، 1 / 402.
(2) صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي.
كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، 9 / 32.
ومسلم كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، 3 / 1337.
(3) سورة الجن، آية (26-27) .

(1/18)


ومع كون الرسول صلى الله عليه وسلم بشرا، إلا أن الله عز وجل هيأه تهيئة خاصة تتناسب مع هذا الأمر العظيم الذي اصطفى له. فكمله في الخلق والخلق، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في كافة الجوانب البشرية، كما كان أكملهم عبودية لربه وقياما بحقه. فكمال الرسول صلى الله عليه وسلم في عبوديته التامة لربه سبحانه وتعالى.
لأجل هذا وصفه الله بالعبودية في أكمل مقاماته وأرفع درجاته صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] (1) وقال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] (2) وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] (3) وقال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19] (4) .
فمنزلة العبودية لله هي أرقى درجات الكمال البشري، لأن الله إنما خلق الخلق لعبادته، وأكمل الخلق قياما بهذا الأمر أتمهم عبودية له، ولا يصدق هذا في المقام الأول إلا على الأنبياء والرسل، وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أكمل الله له مقام العبودية. فلم يختر عليه ما سواه لعلمه بعظم هذه المنزلة عند ربه. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق هذه العبودية أتم قيام، فدعا الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأخرجهم من العبودية لأهوائهم وشهواتهم إلى العبودية لله رب العالمين، كما صان مقام عبوديته لربه من كل ما يفسده أو يضعفه.
وأعلم أمته أن منزلته الحقيقية هي العبودية والرسالة فقال فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس وفيه (. . . «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» (5) .
_________
(1) سورة الإسراء، آية (1) .
(2) سورة النجم، آية (10) .
(3) سورة الكهف، آية (1) .
(4) سورة الجن، آية (19) .
(5) مسند الإمام أحمد بن حنبل. المكتب الإسلامي ودار صادر، بيروت 1 / 153، 241، والحديث صحح إسناده ابن عبد الهادي.
انظر الصارم المنكي في الرد على السبكي. محمد بن أحمد عبد الهادي ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، ص288.

(1/19)


وأخرج البخاري بسنده عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (1) .
فاستحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون العبد الأول لربه، ولذلك خصه الله من عباده المرسلين بما لم يعطه أحدا غيره، فهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من تفتح له أبواب الجنة.
ومع وضوح بشريته صلى الله عليه وسلم في كافة أحواله، إلا أن طوائف من المنتسبين إلى الإسلام خالفوا إجماع الأمة فخرجوا بالرسول صلى الله عليه وسلم عن نطاق البشرية وغلوا فيه فوصفوه بصفات الله سبحانه وتعالى.
وسيتضح لنا ذلك في مباحث الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) صحيح البخاري. كتاب الأنبياء. باب قول الله تعالى: " واذكر في الكتاب مريم " 4 / 204.

(1/20)