محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة لغة وشرعا]
تمهيد وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: تعريف النبوة والرسالة.
المبحث الثاني: بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث: النبوة اصطفاء إلهي.

(1/11)


المبحث الأول
تعريف النبوة والرسالة لغة وشرعا النبوة: النبوة في اللغة: مشتقة من النبأ بمعنى الخبر.
قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] (1) وقال تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3] (2) .
جاء في لسان العرب:
(النبأ: الخبر. . . والنبيء المخبر عن الله عز وجل. . . لأنه أنبأ عنه، وهو فعيل بمعنى فاعل.
قال ابن بري (3) .
صوابه أن يقول: فعيل بمعنى مفعل. مثل نذير بمعنى منذر وأليم بمعنى مؤلم.
. . . وقال الفراء (4) النبي: هو من أنبأ عن الله فترك همزه.
_________
(1) سورة الحجر، آية (49) .
(2) سورة التحريم، آية (3) .
(3) هو عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي المصري (499- 582 هـ) . نحوي لغوي، من مصنفاته: اللباب في الرد على ابن الخشاب، وحواش على الصحاح لم يكملها.
انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، مطبعة عيسى الحلبي. مصر، 1384 هـ- 2 / 34.
(4) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي المعروف بالفراء (140- 207 هـ) .
كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي.
له مصنفات عدة منها: معاني القرآن، اللغات والمصادر في القرآن، النوادر.
انظر: بغية الرعاة، 2 / 333.

(1/13)


قال: وأن أخذ من النبوة والنباوة وهي الارتفاع عن الأرض- أي أنه شرف على سائر الخلق- فأصله غير الهمز) (1) . وعلى ذلك فالنبوة في الأصل مشتقة من النبأ وأصلها الهمز لكن لما كثر استعمالها خفف بإسقاط الهمز، أما اشتقاقه من النبوة والنباوة فهو ضعيف من ناحية اللغة.
قال ابن تيمية:
(وهو " أي لفظ النبي " من النبأ، وأصله الهمزة وقد قريء به، وهي قراءة نافع يقرأ النبيء، لكن لما كثر استعماله لينت همزته كما فعل مثل ذلك في الذرية، وفي البرية، وقد قيل هو من النبوة، وهي العلو فمعنى النبي المعلى الرفيع المنزلة، والتحقيق أن هذا المعنى داخل في الأول فمن أنبأه الله وجعله منبئا عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليا، وأما لفظ العلو والرفعة فلا يدل على خصوص النبوة إذ كان هذا يوصف به من ليس بنبي، بل يوصف بأنه الأعلى كما قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] (2) .
وقراءة الهمزة قاطعة بأنه مهموز. . . . وأيضا فإن تصريفه أنبأ ونبأ ينبئ وينبئ بالهمزة، ولم يستعمل فيه نبا ينبو، وإنما يقال هذا ينبو عنه، والماء ينبو عن القدم إذا كان يجفو عنها، ويقال النبوة، وفي فلان نبوة عنا أي مجانبة. فيجب القطع بأن النبي مأخوذ من الإنباء لا من النبوة) (3) .
الرسالة: الرسول في اللغة مأخوذ من الإرسال بمعنى التوجيه، أو من الرسل بمعنى التتابع أخذا من قولهم: رسل اللبن إذا تتابع دره.
_________
(1) لسان العرب، جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري، ط دار صادر بيروت، مادة نبأ، 1 / 162- 163.
(2) سورة آل عمران، (139) .
(3) النبوات، لابن تيمية، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، ص336 - 337.

(1/14)


جاء في لسان العرب:
(. . . والإرسال: التوجيه، وقد أرسل إليه، والاسم الرسالة والرسالة والرسول. . . والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر، والرسول المرسل. . . والرسول: معناه في اللغة: هو الذي يتابع أخبار من بعثه، أخذا من قولهم: جاءت الإبل رسلا أي متتابعة. . . . وسمى الرسول رسولا لأنه ذو رسول أي ذو رسالة والرسول اسم من أرسلت وكذلك الرسالة) (1) . وعلى ذلك فالرسول في اللغة إما أن يكون مأخوذا من الإرسال بمعنى التوجيه وهو ظاهر من حيث المعنى وإما أن يكون مأخوذا من التتابع فيكون الرسول هو من تتابع عليه الوحي (2) .
هذا بالنسبة للمعنى اللغوي لمدلول النبي والرسول، أما في الاصطلاح فللعلماء في تحديد الفرق بين النبي والرسول، وتحديد مسمى كل منهما كلام كثير لا يسلم من نقد. لكن الأمر الراجح عند كثير من أهل العلم أن هناك فرقا بين مسمى النبي ومسمى الرسول وإن اختلفوا في تحديد المراد بكل منهما. وأيضا فإن النبوة أعم من الرسالة فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا (3) والذي يظهر والله أعلم أن النبي: هو من نبأه الله بشرع سابق ينذر به أهل ذلك الشرع. وقد يؤمر بتبليغ بعض الأوامر في قضية معينة، أو الوصايا والمواعظ وذلك كأنبياء بني إسرائيل إذ كانوا على شريعة التوراة ولم يأت أحد منهم بشرع جديد ناسخ للتوراة، فتكون منزلته حينئذ بمنزلة المجدد لتعاليم الرسل السابقين (4) .
أما الرسول فهو من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه إلى من خالفوا أوامره. وسواء كان هذا الشرع جديدا في نفسه أو بالنسبة لمن بعث إليهم وربما أتى بنسخ بعض أحكام شريعة من قبله (5) .
_________
(1) لسان العرب، مادة رسل 11 / 283 - 284.
(2) انظر أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1401هـ، ص154.
(3) انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، ط6، المكتب الإسلامي، بيروت، 1400هـ، ص167.
(4) انظر النبوات، ص225- 257.
(5) انظر أصول الدين، ص154.

(1/15)