قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني

ص -49-   نظم مقدِّمة الرِّسالة
للشيخ أحمد بن مشرَّف الأحسائي المالكي المتوفى سنة (1285ه)
نقلاً من ديوانه (ص: 17).

الحمدُ لله حمداً ليس مُنْحَصرَا على أياديه ما يخفى وما ظهرَا 

ثم الصلاةُ وتسليمُ المهيمنِ ما   هبَّ الصَّبَا فأدرَّ العارضَ المَطرَا

على الذي شاد بنيانَ الهُدى فسَما  وساد كلَّ الوَرَى فخراً وما افتخرَا

نبيِّنا أحمد الهادي وعَتْرَته   وصحبِه كلِّ مَن آوى ومَن نصرَا

وبعدُ فالعلمُ لَم يظفر به أحدٌ   إلاَّ سَمَا وبأسباب العُلَى ظفرَا

لا سيما أصل علم الدِّين إنَّ به   سعادةَ العبد والمَنْجَى إذا حُشرَا

باب ما تعتقدُه القلوب وتنطق به الألسنُ من واجب أمور الديانات

وأوَّلُ الفرض إيمانُ الفؤاد كذا  نُطْقُ اللِّسانِ بما في الذِّكر قد سُطرَا

أنَّ الإلهَ إلَهٌ واحدٌ صَمد    فلا إله سوى مَن للأنام برَا

ربُّ السموات والأرضين ليس لنا  ربٌّ سواه تعالى مَن لنا فطَرَا

 

ص -50-   وأنَّه مُوجدُ الأشياء أجمعِها  بلا شريك ولا عَوْن ولا وُزَرَا

وهو المُنَزَّه عن ولد وصاحبة    ووالد وعن الأشباه والنُّظَرَا

لا يبلغن كُنْهَ وصف الله واصفُه ولا يحيط به علماً مَن افتَكَرَا

وأنَّه أوَّل باق فليس له    بدءٌ ولا منتهى سبحان من قدرَا

حيٌّ عليمٌ قديرٌ والكلام له   فردٌ سميعٌ بصيرٌ ما أراد جَرَى

وأنَّ كرسيَّه والعرشَ قد وَسِعَا كلَّ السموات والأرضين إذ كبرَا

ولم يزل فوق ذاك العرش خالقُنا    بذاته فاسأل الوحيين والفِطَرَا

إنَّ العلوَّ به الأخبارُ قد وَرَدَتْ    عن الرَّسول فتابِع مَن رَوى وقرَا

فالله حق على المُلك احتوى وعلى   العرش استوى وعن التكييف كُن حَذِرَا

والله بالعلم في كلِّ الأماكن لا يخفاه شيءٌ سميعٌ شاهدٌ ويَرَى

وأنَّ أوصافَه ليست بمُحدَثة    كذاك أسماؤه الحُسنى لِمَن ذكرَا

وأن تنْزيلَه القرآنَ أجمعَه  كلامُه غيرُ خلق أعجز البشَرَا

وَحْيٌ تكلَّم مولانا القديمُ به    ولم يزل من صفات الله مُعْتبَرَا

يُتلَى ويُحمل حفظاً في الصدور كما    بالخطِّ يُثبِتُه في الصُّحف مَن زَبَرَا

وأنَّ موسى كليمُ الله كلَّمه    إلَهُه فوق ذاك الطور إذ حضرَا

فالله أسمعه مِن غير واسطة  من وصفه كلمات تحتوي عِبَرَا

حتى إذا هام سُكراً في محبَّته  قال الكليم: إلَهي أسأل النَّظَرَا

إليك. قال له الرحمن موعظة  أنَّى ترانِي ونوري يُدهشُ البَصَرَا

فانظر إلى الطور إن يثبت مكانته  إذا رأى بعضَ أنواري فسوف ترَى

حتى إذا ما تَجلَّى ذو الجلال له  تصدَّع الطورُ من خَوف وما اصطبَرَا

 

ص -51-   فصل في الإيمان بالقدر خيره وشرِّه

وبالقضاء وبالأقدار أجمعها   إيمانُنا واجبٌ شرعاً كما ذكرَا

فكلُّ شيء قضاه الله في أزَل طرًّا وفي لوحه المحفوظ قد سطرَا

وكلُّ ما كان من همٍّ ومن فرَح ومن ضلال ومن شكران مَن شَكَرَا

فإنَّه من قضاء الله قدَّره   فلا تكن أنت مِمَّن ينكر القَدَرَا

والله خالقُ أفعال العباد وما    يجري عليهم فعن أمر الإلَه جَرَا

ففي يديه مقادير الأمور وعن  قضائه كلُّ شيء في الورى صَدَرَا

فمَن هَدى فبمحض الفضل وفَّقه    ومن أضلَّ بعدل منه قد كفرَا

فليس في مُلكه شيءٌ يكون سوى   ما شاءه الله نفعاً كان أو ضررَا

فصلٌ في عذاب القبر وفتنته

ولم تَمُت قطُّ من نفس وما قُتلت    من قبل إكمالها الرِّزق الذي قُدرَا

وكلُّ روح رسولُ الموت يَقبضُها بإذن مولاه إذ تستكمل العُمُرَا 

وكلُّ من مات مسئولٌ ومفتتنٌ من حين يوضَعُ مقبوراً ليُختبَرَا

وأنَّ أرواحَ أصحاب السعادة في   جنَّات عدن كطير يعلق الشَّجَرَا

لكنَّما الشُّهَدا أحيا وأنفسهم  في جوف طير حسان تُعجب النَّظَرَا

وأنَّها في جنان الخلد سارحةٌ من كلِّ ما تشتهي تجنِي بها الثَّمَرَا

وأنَّ أرواح من يشقى معذَّبةٌ   حتَّى تكون مع الجُثمان فِي سَقَرَا

 

ص -52-   فصل في البعث بعد الموت والجزاء

وأنَّ نفخةَ إسرافيلَ ثانية  في الصُّور حقٌّ فيحيى كلُّ مَن قُبرَا

كما بدا خلقهم ربِّي يُعيدهمُ   سبحان من أنشأ الأرواحَ والصُّوَرَا

حتى إذا ما دعا للجمع صارخُه   وكلُّ ميْتٍ من الأموات قد نُشرَا

قال الإلَه: قِفوهم للسؤال لكي   يقتصَّ مظلُومُهم مِمَّن له قَهَرَا

فيوقَفون ألوفاً من سنينهمُ  والشمسُ دانيةٌ والرَّشْحُ قد كثُرَا

وجاء ربُّك والأملاكُ قاطبة    لهم صفوفٌ أحاطت بالورى زُمَرَا

وجيء يومئذ بالنار تسحبُها    خزانها فأهالت كلَّ مَن نظَرَا

لها زفيرٌ شديدٌ من تغيظها  على العُصاة وترمي نحوهم شَرَرَا

ويرسل الله صُحفَ الخلق حاويةً  أعمالَهم كلَّ شيء جلَّ أو صغُرَا

فمَن تلقَّته باليمنى صحيفتُه   فهْو السَّعيد الذي بالفوز قد ظفرَا

ومن يكن باليد اليسرى تناولُها   دعا ثُبوراً وللنيران قد حُشرَا

ووزنُ أعمالهم حقٌّ فإن ثقلت  بالخير فاز وإن خفَّت فقد خسرَا

وأنَّ بالمثل تُجزى السيِّئات كما  يكون في الحسنات الضِّعف قد وفرَا

وكلُّ ذنب سوى الإشراكِ يغفرُه  ربِّي لِمَن شا وليس الشركُ مُغتَفرَا

وجنَّة الخُلد لا تفنى وساكنُها مخلَّدٌ ليس يخشى الموتَ والكبرَا

أعدَّها اللهُ داراً للخلود لِمَن  يخشى الإلَهَ وللنَّعماء قد شَكَرَا

وينظرون إلى وجه الإلَه بها  كما يرى الناسُ شمسَ الظهر والقمَرَا

كذلك النارُ لا تفنى وساكنُها   أعدَّها الله مولانا لِمَن كَفَرَا

 

ص -53-   ولا يخلد فيها مَن يوَحِّدُه  ولو بسفك دم المعصوم قد فَجَرَا

وكم يُنجي إلَهي بالشفاعة مِنْ  خير البريَّة من عاص بِها سجرَا

فصل في الإيمان بالحوض

وأنَّ للمصطفى حوضاً مسافتُه ما بين صَنْعَا وبُصرَى هكذا ذكرَا

أحلَى من العسل الصافي مذاقتُه  وأنَّ كِيزَانَه مثلُ النجوم تُرَى

ولم يَرِدْه سوى أتباع سُنَّته    سيماهم: أن يُرى التَّحجيل والغُرَرَا

وكم يُنحَّى ويُنفَى كلُّ مبتدع  عن وِرْدِه ورجالٌ أحدثوا الغيَرَا

وأن جسراً على النِّيران يَعبُرُه  بسرعة مَن لمنهاجِ الهُدى عبَرَا

وأنَّ إيْمَانَنا شرعاً حقيقتُه   قصدٌ وقولٌ وفعلٌ للذي أمرَا

وأنَّ معصيةَ الرحْمن تُنقصُه  كما يزيد بطاعات الذي شَكَرَا

وأنَّ طاعةَ أولي الأمر واجبةٌ    من الهُداة نجوم العلم والأُمرَا

إلاَّ إذا أمروا يوماً بمعصية  من المعاصي فيُلغى أمرهم هَدَرَا

وأنَّ أفضلَ قرن للَّذين رأوا    نبيَّنا وبهم دينُ الهُدى نُصرَا

أعنِي الصحابةَ رُهبانٌ بليلهمُ   وفي النهار لدى الهَيْجَا لُيوث شَرَى

وخيرُهم مَن ولِي منهم خلافته  والسَّبق في الفضل للصِّدِّيق معْ عُمَرَا

والتابعون بإحسان لهم وكذ    أتباع أتباعهم مِمَّن قفى الأثَرَا

وواجبٌ ذِكرُ كلّ من صحابته    بالخير والكفُّ عمَّا بينهم شَجَرَا

فلا تَخُض في حروب بينهم وقعت   عن اجتهاد وكنْ إن خُضتَ معتذِرَا

والاقتداءُ بهم في الدِّين مفتَرَضٌ  فاقتَد بهم واتَّبع الآثار والسُّوَرَا

 

ص -54-   وتركُ ما أحدثه المُحدِثون فكم ضلالة تبعت والدِّين قد هُجِرَا

إنَّ الهُدى ما هدى الهادي إليه وما   به الكتاب كتاب الله قد أمَرَا

فلا مراء وما في الدِّين من جدلِ    وهل يُجادل إلاَّ كلُّ مَن كفرَا

فهاك في مذهب الأسلاف قافيةً   نظماً بديعاً وجيزَ اللَّفظ مختصرَا

يحوي مهمّات باب في العقيدة من    رسالة ابن أبي زيد الذي اشتَهَرَا

والحمد لله مولانا ونسأله    غفران ما قلَّ من ذنب وما كثرَا

ثمَّ الصلاةُ على مَن عمَّ بعثته  فأنذر الثَّقلَين الجنَّ والبَشَرَا

ودينُه نَسَخ الأديانَ أجمَعَها    وليس يُنْسَخُ ما دام الصَّفَا وحِِرَا

محمد خير كلِّ العالَمين به  ختم النبيِّين والرُّسل الكرام جَرَا

وليس من بعده يوحَى إلى أحد  ومن أجاز فحَلَّ قتلُه هَدَرَا

والآلُ والصَّحبُ ما ناحت على فنَن  وَرْقَا ومَا غرَّدت قُمْريّة سَحَرَا