قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

687 - وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استُفتيت عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكتبت في ذلك جواباً مبسوطاً، وقد أحببتُ إيراده هنا لما في ذلك من مزيد الفائدة، فإن هذه/ القواعد - المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلوِّ - كلما تنوع بيانها، ووضحت عبارتها، فإن ذلك نور على نور. والله المستعان.
688 - وصورة السؤال: المسئول من السادة العلماء أئمة الدين، أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين.
689 - وصورة الجواب: الحمد لله رب العالمين. أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة. ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما

(1/266)


اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن، من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق.
690 - فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، ومن ذلك "المقام المحمود" الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده (1) .
691 - وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقاً.
692 - وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستشفعون به، ويتوسلون به في حياته بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري (2) عن أنس بن مالك، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا". فيسقون.
__________
(1) تقدم تخريج أحاديث الشفاعة في ص (240) .
(2) تقدم تخريج حديث أنس في ص (86، 87) .

(1/267)


693 - وفي البخاري (1) أيضاً عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر - وأنا انظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستقي، فما ينزل حتى يجيش (2) كل (3) ميزاب:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
694 - والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسراً في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة (4) ، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلاً لنا، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
695 - وكذلك معاوية بن أبي سفيان - لما أجدب الناس بالشام - استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (5) فقال: "اللهم إنا نستشفع - أو نتوسل - بخيارنا. يا يزيد! ارفع يديك". فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا.
__________
(1) البخاري، 15 - كتاب الاستسقاء، حديث (1008، 1009) . وابن ماجه، 5 - إقامة الصلاة، 154 - باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، حديث (1272) . (1/405) . وأحمد، (2/93) .
(2) يقال: جاش الوادي إذا زخر بالماء، وجاشت القدر إذا غلت، وجاش الشيء: تحرك. وهي هنا كناية عن كثرة المطر.
(3) في الأصل: "له" والتصحيح من البخاري 2/413.
(4) من الأحاديث المفسرة للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، حديث أنس رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ... الحديث. أخرجه البخاري، 15 - كتاب الاستسقاء، 21 - باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، حديث (1029) .
(5) تقدم تخريجه ص (127، 128) .

(1/268)


696 - ولهذا قال العلماء: يستحبُّ أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن.
وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه.
697 - كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". وما في السماء قُزعة. فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعاً لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليهم الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول الله انقطعت السبل، وتهدم البنيان، فادع الله يكشفها عنا. فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب (1) ، ومنابت الشجر وبطون الأودية". فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب.
والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما (2) .
698 - وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره، أن رجلاً قال له: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله
__________
(1) قال ابن الأثير: "الإكام بالكسر جمع أكمة، وهي الرابية وتجمع الإكام على أكم والأكم على آكام". النهاية، (1/59) . والظراب، هي "الروابي الصغار". تهذيب الصحاح، (1/74) . وفي القاموس، (1/99) الظَرِب - ككتِف: ما نتأ من الحجارة وحد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير، جمعه: ظراب.
(2) تقدم تخريجه ص 126.

(1/269)


صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه. وقال "ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن/ الله أعظم من ذلك" (1) .
699 - وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص - في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته، فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق.
700 - ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "نستشفع بالله عليك" ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله، لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب، والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه.
701 - وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله:
شفيعي إليك الله لا رب غيره ... وليس إلى ردِّ الشفيع سبيلُ
وكذلك بعض الاتحادية (2) ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم! وكلاهما خطأ وضلال.
702 - بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من في
__________
(1) تقدم تخريجه ص 159.
(2) الذين يقولون بوحدة الوجود، أي أن واجب الوجود وجائز الوجود واحد. ومعنى هذا أن الكون هو الله. وهذا إنكار لوجود الله، والعياذ بالله من الكفر بعد الإيمان.

(1/270)


السموات والأرض، ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه، وكل من وجبت طاعته من المخلوقين فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى، فالرسل يبلغون عن الله أمره، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن بايعهم فقد بايع الله. قال تعالى (4: 64) : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وقال تعالى (4: 80) : {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} . وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله.
703 - قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة" (1) .
704 - وقال صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (2) .
__________
(1) لم أجد الحديث بهذا اللفظ. وفي معناه أحاديث كثيرة منها: حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم". أخرجه مسلم، 33 - الإمارة، حديث (41، 42) . والبخاري، 93 - الأحكام، حديث (7199) . ومالك، 21 - الجهاد، حديث (5) . (2/445) . وابن ماجه، 24 - الجهاد باب (40) ، حديث (2866) . (2/957) . كلهم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه. وعند ابن ماجه، في 24 - الجهاد، (2864) . من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وكذلك هو عند مسلم، 33 - الإمارة، حديث (38) . وفي البخاري، في 93 - الأحكام، حديث (7144) .
(2) في مسلم، 33 - الإمارة، حديث (39) . وأبو داود، 9 - الجهاد، 96 - باب في الطاعة، حديث (26) . (3/93) . والبخاري، 93 - الأحكام، (7145) . والطيالسي، رقم (159) . والنسائي، 39 - البيعة، 24 - جزاء من أمر بمعصية فأطاع، حديث =

(1/271)


705 - وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيماً، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت، وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها فجعل يبكي، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمسكه فقالت: أتأمرني؟ فقال: " لا! إنما أنا شافع" (1) .
706- وإنما قالت " أتأمرني؟ " وقال " إنما أنا شافع" لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته، ولهذا لم يلمها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته، فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها.
707- والخالق جل جلاله أمُره أعلى وأجل من أن يكون شافعاً إلى مخلوق، بل هو سبحانه أعلى شأناً من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه. قال تعالى: (21: 26-29) : {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه، بل عبادٌ مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم
__________
= (4205) . (7/159) . وأحمد، (1/82) ، 94، 124) . كلهم من حديث علي وأخصرها لفظ البخاري، ولفظه: "إنما الطاعة في المعروف". وأخرجه أحمد (5/66) ، من حديث عمران بن حصين، والحكم بن عمرو الغفاري، والطيالسي، (ص 114) ، حديث (850) .
(1) البخاري 68 - الطلاق 16 - باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، في زوج بريرة، حديث (5283) .
وأبو داود في 7- الطلاق، 19- باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد، حديث 2231. وابن ماجه 10- الطلاق 29- باب خيار المرأة إذا عتقت، حديث (2075) (1/671) . وقصة بريرة قد رواها أيضا الإمام مسلم والترمذي، ولكن ليس في روايتهما لفظ الشفاعة.

(1/272)


وماخلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} .
708- ودل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله عز وجل، أي يطلب منه الشفاعة في الدنيا والآخرة، فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلوا الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها.
ولا نزاع بين جماهير الأئمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين الثواب.
709-ولكن كثيراً من أهل البدع والخوارج والمعتزلة [أنكروا] (1) شفاعته لأهل الكبائر، فقالوا: لا يشفع لأهل الكبائر. بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها.
710- ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وانه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد. بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان (2) .
__________
(1) في خ بياض بمقدار الكلمة.
(2) تقدم تخريج أحاديث الشفاعة، ص (240) .

(1/273)


711- لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته، بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم، فكان توسلهم بدعائه، والاستشفاع به طلب شفاعته، والشفاعةُ دعاء.
712- فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته/ - مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم - فليس هذا مشهوراً عند الصحابة والتابعين.
713- بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلوا عليه في دعائهم، وقد قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
714- وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به، فيقولون: نسألك أو نقسم عليك بنبيك، أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.

(1/274)


715- وروى بعض الجهال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سألتم الله فاسألوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم" (1) .
وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولاذكره أحد من أهل العلم بالحديث.
مع (2) أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين.
716- وقد أخبر سبحانه عن موسى وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله، فقال تعالى (33: 69) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} ، وقال تعالى (3: 45) : {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} .
717- فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز وجل فكيف بسيد ولد آدم (3) .
__________
(1) لم أجده في أي مصدر بعد بحث.
(2) في خ "من".
(3) إشارة إلى حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- ( ... أنا سيد الناس يوم القيامة ... ) وهو حديث طويل في الشفاعة أخرجه البخاري في 65 -التفسير- تفسير سورة الإسراء حديث (4712) . ومسلم -كتاب الإيمان- حديث (327-328) (1/184-186) . والترمذي 38- قيامه 10- باب ما جاء في الشفاعة، حديث 2434 (4/622) . واحمد (2/435، 540) . وإلى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- الذي أخرجه الإمام أحمد (1/281-295) . وإلى حديث أنس الذي اخرجه الإمام أحمد (3/144) . والدارمي (حديث 25) (1/31) . وإلى حديث أبي سعيد الذي رواه أحمد (3/2) . وإلى حديث حذيفة الذي رواه الإمام أحمد (5/388) .

(1/275)


718- صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون (1) .
719- وصاحب الكوثر والحوض المورود الذي آنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً (2) .
720- وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويتقدم هو إليها وهو صاحب اللواء، آدم ومن دونه تحت لوائه، وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز وجل (3) ، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
721- ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه (19: 93-94) : {إِنْ
__________
(1) إشارة إلى حديث ابن عمر الذي رواه البخاري في 25 - التفسير تفسير سورة الإسراء حديث (4718) ، وحديث جابر بعده رقم (4719) وهما من أحاديث الشفاعة المتواترة، وقد مر ذكر شيء منه ص (240) .
(2) أحاديث الحوض متواترة. وقد روى منها الإمام مسلم عدداً: منها: حديث جندب، وسهل، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأسماء بنت أبي بكر، - رضي الله عنهما- وعائشة -رضي الله عنها- وأم سلمة -رضي الله عنها-، وعقبة بن عامر -رضي الله عنه-، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وحذيفة -رضي الله عنه-، وحارثة بن وهب -رضي الله عنه-، وابن عمر -رضي الله عنهما-، وأبي ذر رضي الله عنه، وثوبان رضي الله عنه، وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهما، وجابر بن سمرة -رضي الله عنه-. مسلم 43- كتاب الفضائل 9- باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، حديث (25-44) (4/1792-1802) .
(3) هذه إشارات إلى أحاديث الشفاعة وقد تقدم تخريجها في ص (240) .

(1/276)


كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} ، وقال تعالى: (4: 172-173) : {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} .
722- والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لاشريك له، كما قال سبحانه (34: 22-23) : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} .
723- وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد (1) ، ولعن من يفعل ذلك، ونهى عن اتخاذ قبره عيداً (2) .
724- وذلك لأن أول ما أحدث الشرك في بني آدم كان في قوم نوح.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام (3) .
__________
(1) تقدم تخريجها، ص (29، 155) .
(2) تقدم تخريجها، ص (29، 155) .
(3) تفسير ابن جرير (2/334) ؛ وابن كثير (1/364) ؛ تفسير سورة البقرة، الآية (213) ؛ والحاكم في المستدرك (2/442) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

(1/277)


725- وثبت في الصحيحين (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحاً أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
726- وقد قال الله تعالى عن قومه أنهم قالوا (71-23: 24) : {لا تَذَرُنَّءَالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} .
قال غير واحد من السلف: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، فلما طال عليهم الأمد/ عبدوهم.
727- وقد ذكر البخاري في صحيحه هذا عن ابن عباس، وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب، وسمى قبائل العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام (2) .
728- فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حسم مادة الشرك بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي يصلي لله عز وجل، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس، وإن كان المصلي إنما يصلي لله تعالى. وكان الذي يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذي لا يقصد إلا الصلاة لله -عز وجل- لم يكونوا يفعلون ذلك.
__________
(1) البخاري 65 - التفسير، حديث (4476) . و 81- الرقاق، 51- باب صفة أهل الجنة والنار. حديث (6565) من حديث أنس. ومسلم 1- الإيمان 84- باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. حديث (327) (1/184-186) من حديث أبي هريرة. وابن ماجه 37- كتاب الزهد حديث (4312) (2/1442) .
(2) تقدم تخريجه ص15.

(1/278)


729- وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته، أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا.
730- فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئاً من ذلك، ولا دعوا بمثل هذه الأدعية، وهم أعلم منا، وأعلم بما يجب لله ورسوله، وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية، وما هو أقرب إلى الإجابة منا، بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم، دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكناً.
731- وقد قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (1) ، رواه مالك في موطئه ورواه غيره.
732- وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" (2) .
733- وفي الصحيحين أنه قال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً" (3) .
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (35) .
(2) تقدم تخريجه في ص (155) .
(3) تقدم تخريجه في ص (30) .

(1/279)


734- وفي صحيح مسلم عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" (1) .
735- وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (2) .
736- وقد روى الترمذي حديثاً صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم شفعه في" (3) .
وروى النسائي نحو هذا الدعاء (4) .
737- وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك. فقال: فادعه. فأمره أن يتوضا فيحسن
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (29،30) .
(2) تقدم تخريجه في ص (252) .
(3) ، (4) تقدم تخريجه في ص (201) .

(1/280)


وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله يا محمد! إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه فيَّ"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (1) .
738- ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! أدع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: " فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفعه فيَّ" قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره (2) .
739- وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد الخطمي المديني قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يعافيني فقال: "إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك" قال: لا! بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى/، اللهم فشفعني فيه وشفعه فيَّ. قال ففعل الرجل فبرأ (3) .
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (202) .
(2) تقدم تخريجه في ص (201، 202) .
(3) تقدم تخريجه في ص (201، 202) .

(1/281)


فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء.
740- فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقاً حياً وميتاً، وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفي مغيبه.
741- ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم، ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا إلى أن يطيعوه، فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع، الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه.
742- ويظنون أن الله تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول، كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كلاهما متوسل به عندهم.
743- ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ماأمر به العمى مشروع لهم. وقول هؤلاء باطل شرعاً وقدراً، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله.
744- ومن الناس من يقول: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لامماثل لها. والفرق ثابت شرعاً وقدراً بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدعُ له، ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا قال في دعائه: " اللهم فشفعه فيَّ". فعلم أنه شفيع فيه،

(1/282)


ولفظه: "إن شئتَ صبرت وإن شئت دعوتُ لك" فقال: ادع لي. فهو طلبَ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضاً لنفسه، ويقول في دعائه " اللهم فشفعه فيَّ" فدل ذلك على أن معنى قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا" (1) .
745- فالحديثان معناهما واحد، فهو صلى الله عليه وسلم علم رجلاً أن يتوسل به في حياته، كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا.
ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه، فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به، وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليه وسيلة، إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.
746- وكذلك لو (2) كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة (3) أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا، مع أنهم السابقون الأولون
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (86، 87) .
(2) كذا في خ وسائر النسخ وفي مختصر الرد على البكري، ص130 لو كان كل أعمى، وهذه العبارة أسلم وأقوم.
(3) وقد عمى منهم جماعة -رضوان الله عليهم- منهم: العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وعقيل بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.

(1/283)


المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله، ومايشرع من الدعاء وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، ومايكون أنفع من غيره، وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ماسألوه دون ما تركوه.
747- ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حياً هو من جنس مسألته أن يدعو لهم، وهذا مشروع. فما زال المسلمون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم.
748- وأما بعد موته، فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء، لا عند قبره ولا عند غير قبره، كما يفعله كثير من الناس، عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم الميت حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك وإن كان قد روي في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين.
749- بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه في العمرة:" لاتنسنا يا أخي من دعائك" (1) إن صح الحديث.
750- وحتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (73، 74) .
(2) قصة أويس القرني في صحيح مسلم (4/1969) حديث (244) ، 44 -كتاب- فضائل الصحابة - رواها مسلم في حديث طويل.

(1/284)


751- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو / أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" (1) .
752- مع أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق، بل هو تعليم لأمته ماينتفعون به في دينهم، وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره، فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشراً، وإذا سألنا الله له الوسيلة، حلت علينا شفاعته يوم القيامة.
753- وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا من غير أن ينقص من أجرنا شيء، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" (2) .
754- وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ولا يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له؛ لأن كل مايعمله المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، بخلاف الوالدين، فليس كل ماعمله المسلم من الخير يكون
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (73) .
(2) تقدم تخريجه في ص (71) حاشية (1)

(1/285)


لوالديه مثل أجره، ولهذا يهدي الثواب لوالديه وغيرهما.
755- ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مطيع لربه عز وجل في قوله تعالى (94: 7-8) {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} فهو صلى الله عليه وسلم لا يرغب إلى غير الله.
756- وقد ثبت في الصحيح (1) أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".
757- فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون، والاسترقاء أن يطلب من أحد أن يرقيه، والرُّقية من نوع الدعاء، وكان هو صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه وغيره، ولا يطلب من أحد أن يرقيه.
758- ورواية من روى في هذا " لا يرقون" (2) ضعيفة غلط. فهذا مما يبين حقيقة أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذي غيره أفضل منه، فإن من لا يسأل الناس - بل لا يسأل إلا الله - أفضل ممن يسأل الناس، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم.
759- ودعاء الغائب للغائب، أعظم إجابة من دعاء الحاضر، لأنه أكمل إخلاصاً وابعد عن الشرك، فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه، إلى دعاء من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفي الحديث:
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (57) .
(2) تقدم ص (57) إن هذه الزيادة في صحيح مسلم.

(1/286)


"أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب" (1) .
760- وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (2) .
761- وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق مايقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فلهذا كان طلب الدعاء جائزاً، كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها.
762- فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة، ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، ولا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا، ونحو ذلك.
763- ولهذا روى الطبراني في معجمه (3) أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فجاءوا إليه فقال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله" وهذا في الاستعانة مثل ذلك.
__________
(1) أخرجه أبو داود (1535) بلفظ: "إن أسرع الدعاء إجابة ... الخ"؛ والترمذي (1980) بلفظ "ما دعوة أسرع إجابة ... الخ"؛ والبخاري في الأدب المفرد (623) بلفظ "أسرع الدعاء إجابة"؛ وابن أبي شيبة (10/198) ، وضعفه الترمذي بالافريقي والألباني في ضعيف الأدب المفرد (ص62) قام بتخريجه بعض الأخوة.
(2) تقدم تخريجه في ص (61) .
(3) تقدم تخريجه ص (254) .

(1/287)


764- فأما مايقدر عليه البشر، فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه (8: 9) {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} ، وفي دعاء موسى عليه السلام: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وإليك المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، لاحول ولاقوة إلا بك" (1) .
765- وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق.
766- وقال أبو عبد الله القرشي استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
767- وقال تعالى (17: 56-57) : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} .
768- قال طائفة من السلف (2) : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم/ هم عبادي كما أنتم
__________
(1) رواه الطبراني في الصغير (1/211، حديث 339) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وقال عقبه: " لم يروه عن الأعمش إلا وكيع، ولا عنه إلا زكريا بن فروخ، تفرد به جعفر بن النضر ابن بنت إسحاق بن يوسف الأزرق". وأورده الهيثمي في المجمع (10/183) . وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم". وقال المنذري في الترغيب (2/618) نقلاً عن محقق (المعجم الصغير) : "رواه الطبراني في الصغير بإسناد جيد". ولقد بحثت كثيراً عن ترجمة جعفر بن النضر فلم اقف له على ترجمة مما يؤيد قول الهيثمي.
(2) تقدم تخريجه في ص (238) .

(1/288)


عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إليَّ كما تتقربون إليَّ، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء، مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون.
769- ومع هذا فليس لنا ان نطلب ذلك منهم، وكذلك الأنبياء والصالحون، وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى.
770- بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يُفضي إلى الشرك، ولأن ماتفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم.
771- وقال تعالى (3: 79-80) : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أرباباً فهو كافر، وقال تعالى (34: 22-23) : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} ، وقال تعالى (2: 255) : {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} ، وقال

(1/289)


تعالى (10-3) : {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} ، وقال تعالى (32-4) : {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} ، وقال تعالى (10-18) : {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وقال تعالى عن صاحب يس (36: 22-25) : {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِءَالِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُون، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِين، إِنِّيءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} .
772- فالشفاعة نوعان: أحدهما الشفاعة التي نفاها الله تعالى كالتي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة.
والثاني: أن يشفع الشفيع بإذن الله، وهذه التي أثبتها الله تعالى لعباده الصالحون، ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد، قال: "فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع" (1) . فإذا اذن له في الشفاعة شفع صلى الله عليه وسلم تسليماً.
773- قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به -بمعنى أن يكون هو داعياً للمتوسل به- أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد موته، مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته.
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (240) .

(1/290)


774- مع كون الصحابة فرقوا بين الأمرين وذلك لأنه في حياته يدعو هو لمن توسل به، ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل دعاء الخلق، فهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله، فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ولم يشفع له؟ ومن سوى بين من دعا له الرسول وبين من لم يدع له الرسول، وجعل هذا التوسل كهذا التوسل، فهو من أضل الناس.
775- وأيضاً فإنه ليس في طلب الدعاء منه، ودعائه هو، والتوسل بدعائه، ضرر، بل هو خير بلا شر، وليس في ذلك محذور ولامفسدة، فإن أحداً من الأنبياء عليهم السلام لم يعبد في حياته بحضوره، فإنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان شركاً أصغر، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم من سجد له عن السجود له (1) .
__________
(1) يشير إلى حديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: "لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ... " الحديث. أخرجه ابن ماجه (1/595) 9- كتاب النكاح، حديث (1854) وابن حبان، كما في الإحسان (6/186) حديث (4159) وموارد الظمآن حديث (1390) والبيهقي (7/292) . كلهم من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم بن عوف الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى. وتابع حماد بن زيد إسماعيل بن عليه عن أيوب به. رواه أحمد في المسند (4/381) . قال المحدث الألباني في الإرواء (7/56) : " وخالفه معاذ بن هشام الدستوائي حدثني أبي، حدثني القاسم بن عوف الشيباني، ثنا معاذ بن جبل، إنه أتى الشام فرأى النصارى ... الحديث نحوه أخرجه الحاكم (4/172) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي كذا قالا! والقاسم لم يخرج له البخاري، ثم إن معاذ بن هشام الدستوائي، فيه كلام من قبل حفظه، وفي =

(1/291)


776- وكما قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (1) . وأمثال ذلك.
777- وأما بعد موته، فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهم وغير قبورهم.
778- ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد /، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه في الصحيحين (2) .
779- وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" (3) .
__________
= التقريب: "صدوق ربما وهم". فأخشى أن يكون وهم في جعله من مسند معاذ نفسه، وفي تصريح القاسم بسماعه منه -والله أعلم"أهـ.
أقول: ورواه الإمام أحمد (4/381) : ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن القاسم بن عوف، رجل من أهل الكوفة - أحد بني مرة بن همام - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن معاذ بن جبل، قال: أنه أتى الشام ... الحديث مع اختلاف في الألفاظ، وزيادة. وقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن هذا الاختلاف على القاسم فقال أبو زرعة: "أيوب أحفظهم". انظر العلل لابن أبي حاتم (1/426) رقم (1282) . ولقوله في الحديث "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد ... " إلخ شاهدان: الأول: من حديث عائشة - رضي الله عنها- في سنن ابن ماجه حديث (1852) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. والشاهد الثاني: من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أخرجه ابن حبان كما في الموارد حديث (1291) ، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً، وهذا إسناد حسن - وبه يرتقي الحديث إلى الصحيح لغيره، والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه في ص (252) .
(2) تقدم تخريجه في ص (252) .
(3) تقدم تخريجه في ص (35) .

(1/292)


780- وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا (1) .
781- وبالجملة فمعنا اصلان عظيمان، أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: ان لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة.
782- وهذان الأصلان هما تحقيق: " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" كما قال تعالى: (11: 7) : {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} .
783- قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى (18: 110) : {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .
784- وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال تعالى (42: 21) : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} .
785- وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من
__________
(1) تقدم تخريجه في ص (30) .

(1/293)


أحدث في أمرنا [هذا] ما ليس منه فهو رد" (1) .
786- وفي لفظ في الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) .
787- وفي الصحيح وغيره أيضاً يقول الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك" (3) .
788- ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف، كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود، وقال: "والله إني لأعلم أنك حجر لاتضر ولاتنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك" (4) .
__________
(1) أخرجه البخاري 53 - الصلح، 5- باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث (2695) . ومسلم (3/1343) ، 30- كتاب الأقضية، حديث (17) . واحمد (6/170) . وأبو داود (5/12) ، 34- كتاب السنة، حديث (4605) وابن ماجه (1/7) مقدمة، حديث (14) كلهم من طريق القاسم عن عائشة -رضي الله عنها-.
(2) البخاري تعليقاً مجزوماً به في 96 - الاعتصام 20 - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ، قبل حديث (7350) . ومسلم (3/1344) 30 - أقضية، حديث (18) .
(3) مسلم (4/2289) ، كتاب الزهد 53- باب من أشرك في عمله غير الله، حديث (46) من حديث أبي هريرة. والترمذي (4/375) أبواب التفسير، تفسير سورة الكهف، حديث (5161) ، من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة.
(4) البخاري 25- كتاب الحج 60- باب تقبيل الحجر، حديث (1610) . ومسلم (2/925) ، 15- الحج 41- باب استحباب تقبيل الحجر حديث (248-250) . والنسائي (5/227) 24- كتاب الحج حديث (2937-2938) . والترمذي أبواب الحج، 36- باب ما جاء في تقبيل الحجر، حديث (862) . وابن ماجه (2/981) 27- باب استلام الحج، حديث (2943) . وأحمد في المسند (1/21، 39، 51) . =

(1/294)


789- والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته، وموالاته ومحبته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما، وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته. فقال تعالى (3: 31) : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وقال تعالى (24: 54) : {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} وقال تعالى (4: 13) : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . وأمثال ذلك في القرآن كثير.
790- ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة، وجاءت به الشريعة، ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة، وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عليه، ولا يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول على الله ما لم يعلم؛ فإن الله تعالى قد حرم ذلك كله.
791- وقد جاءت في الأحاديث النبوية ذكر مايسأل الله تعالى به، كقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أنسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي، يا قيوم". رواه أبو داود وغيره، وفي لفظ: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" (1) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (2) .
__________
= ومالك في الموطأ 20 -كتاب الحج باب تقبيل الركن الأسود في الاستلام، حديث (115) .
(1) من قوله: "رواه أبو داود وغيره" إلى هنا سقط من ز، ب.
(2) تقدم تخريجه في ص (97) .

(1/295)


792- وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى، وهو الحلف بالمخلوقات (1) ، فلو حلف بالكعبة، أو بالملائكة، أو بأحد من الشيوخ، أو الملوك لم ينعقد يمينه، ولا يشرع له ذلك، بل ينهى عنه، إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه.
793- ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت" (2) .
794- وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك" (3) .
795- ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين: إنه ينعقد اليمين بأحد من الخلق، إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن عن أحمد روايتين في أنه ينعقد اليمين به (4) ، وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف في سائر الأنبياء، وهذا ضعيف.
796- وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ، ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا
__________
(1) انظر: مراتب الإجماع، ص158 حيث قال: "واتفقوا أن من حلف ممن ذكرنا بحق زيد أو عمرو أو بحق أبيه أنه آثم، ولا كفارة عليه".
(2) تقدم ص (89، 90) .
(3) تقدم تخريجه في ص (89) .
(4) انظر: المغني لابن قدامة (9/513 المسألة 7983) ورجح أنها لاتنعقد، لأدلة منها: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت".

(1/296)


هو الصحيح.
797- وكذلك لا يستعاذ بالمخلوقات، بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته، ولهذا احتج السلف -كأحمد وغيره- على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات الله التامات" (1) قالوا: فقد استعاذ بها، ولا يستعاذ بمخلوق.
798- وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لابأس بالرُّقى ما لم تكن شركا" (2) .
799- فنهى عن الرقى التي فيها شرك، كالتي فيها استعاذة بالجن كما قال تعالى (72: 6) : {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ/ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} ، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره، التي تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك، بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز. فإذاً (3) لا يجوز أن يقسم لاقسماً مطلقاً، ولاقسماً على غيره إلا بالله عز وجل، ولا يستعيذ إلا
__________
(1) أخرجه مسلم (4/2080-2081) ، 48 - الذكر والدعاء حديث (54، 55) . وأحمد (6/377، 409) . والترمذي (5/496) ، 49- الدعوات، حديث (3437) . كلهم من حديث خولة بنت حكيم. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة تابعاً لحديث (55) .
(2) أخرجه مسلم (4/1727) ، 39- كتاب السلام، حديث (64) . وأبو داود (4/214) ، 22- كتاب الطب، حديث (3886) . كلاهما من حديث عوف بن مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) في خ " فإذا كان ".

(1/297)


بالله عز وجل.
800- والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه، وأما أن يكون طالباً بذلك السبب: كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم (1) ، وكما يتوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين. فإذا كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالاً بسبب يقتضي المطلوب (2) كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول، ومحبته، وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز.
801- وإن كان سؤالاً بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء وقالوا: إنه لا يجوز، ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم، (3) وهو سؤال بسبب لا يقتضي حصول المطلوب.
802- بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضي لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين، وبالأعمال الصالحة، فهذا جائز؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب (4) لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى (5: 35) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
__________
(1) تقدم ص (104) .
(2) في خ "المخلوق".
(3) تقدم في ص (87- 91) .
(4) من قوله "سبب لحصول مطلوبنا" إلى هنا سقط من ز، ب.

(1/298)


ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} ، والوسيلة هي الأعمال الصالحة، وقال تعالى (17: 57) : {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} .
803- وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم، ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سبباً (1) يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً، ولامشهوراً عن السلف.
804- وقد نقل في (منسك المروذي) (2) عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به، وأكثر العلماء على النهي في الأمرين. ولاريب أن لهم عند الله الجاه العظيم - كما قال تعالى في حق موسى وعيسى عليهما السلام، وقد تقدم ذكر ذلك - لكن مالهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم، فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل.
805- وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكون وسيلة، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل لا بما
__________
(1) في خ: "سبب".
(2) يراجع منسك المروذي.

(1/299)


من المتوسل به ولا بما منهم (1) ، فبأي شيء يتوسل؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده، وهذا جائز.
806- وإما أن يقسم عليه، والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز، ولا يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق، وإما أن يسأل بسبب يقتضي المطلوب، كما قال الله تعالى (4: 1) : {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} وسيأتي بيان ذلك.
807- وقد تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز، ولا يجوز أن يقسم بمخلوق أصلاً، وأما التوسل إليه بشفاعة الماذون لهم في الشفاعة فجائز.
808- والأعمى كان قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء، وقوله: " أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" (2) ، أي بدعائه وشفاعته لي، ولهذا تمام الحديث: "اللهم فشفعه فيَّ"، فالذي في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه. وقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} .
809- فعلى قراءة الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده، لا
__________
(1) هذا الكلام من قوله "لابما من المتوسل به" إلى هنا، لا يستقيم المعنى إلا بتكلف. وقد كتب بدله في ز، ب: " بإيمان المتوسل به ولا بطاعته". وهو كلام جيد يتمشى مع السياق وظاهر المعنى، وكان ينبغي التنبيه عليه.
(2) تقدم ص (179) .

(1/300)


بالرحم، وتساؤلهم بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله، وتعاهدهم بالله.
810- وأما على قراءة الخفض، فقد قال طائفة من السلف: هو قولهم أسألك بالله وبالرحم، وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال: إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلاً على جوازه، فمعنى قوله أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم -والقسم هنا لا يسوغ - لكن بسبب الرحم، أي لأن/ الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة (1) ، وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته. ومن هذا الباب ماروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن
ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه.
811- وليس هذا من باب الإقسام، فإن الإقسام بغير جعفر أعظم، بل من باب حق الرحم؛ لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على علي (2) .
812- ومن هذا الباب، الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك. أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
__________
(1) تقدم ص (104) .
(2) أي بسبب الرحم، وصلة الرحم ورعايتها من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله.

(1/301)


وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف (1) .
فإن كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين:
813- أحدهما: لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثيبهم، وهذا حق أوجبه الله تعالى، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئاً. ومنه قوله تعالى (6: 54) : {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، وقوله تعالى (30: 47) : {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} ، وقوله تعالى (9: 111) : {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} .
814- وفي الصحيح (2) في حديث معاذ: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم".
815- وفي الصحيح (3) عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا". وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والإثابة بذلك فذاك سؤال لله بأفعاله كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على
__________
(1) تقدم الكلام عليه ص (233) .
(2) تقدم تخريجه ص (109) .
(3) تقدم ص (108) .

(1/302)


نفسك" (1) . فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله، كالسؤال بإثابته التي هي فعله.
816- (الوجه الثاني) : أن الدعاء له سبحانه وتعالى والعمل له سبب بحصول مقصود العبد، فهو كالتوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته.
817- وقد تقدم أن الدعاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح إما أن يكون إقساماً به، أو سبباً به، فإن كان قوله: "بحق السائلين عليك" إقساماً فلا يقسم على الله إلا به، وإن كان سبباً فهو سبب بما جعله هو سبحانه سبباً، وهو دعاؤه وعبادته. فهذا كله يشبه بعضه بعضاً، وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه، ولاعمل صالح منا.
818- وإذا قال السائل: أسألك بحق الملائكة، أو بحق الأنبياء، وحق الصالحين - ولا يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء- فإذا لم يجز له ان يحلف به، ولا يقسم على مخلوق به، فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يقسم به، وإنما يتسبب به فليس في مجرد ذوات هؤلاء سبب
__________
(1) أخرجه مسلم (1/352) ، 4- كتاب الصلاة، 425 -باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث (222) . والترمذي (5/524) ، 49- الدعوات، حديث (3493) . والنسائي (8/283) ، 50 - الاستعاذة، حديث (5534) . ومالك في الموطأ (1/214) ، 15- كتاب القرآن، حديث (31) . وأحمد (6/58، 201) . كلهم من حديث عائشة -رضي الله عنها-. وأخرجه أحمد (1/96) . والترمذي 49 - الدعوات، حديث (3566) . وابن ماجه (1/373) ، 5- الإقامة حديث (1179) . كلهم من حديث علي -رضي الله عنه-. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث علي، لانعرفه إلا في هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة.

(1/303)


يوجب تحصيل مقصوده، ولكن لا بد من سبب منه كالإيمان بالملائكة والأنبياء، أو منهم كدعائهم، ولكن كثيراً من الناس تعودوا ذلك، كما تعودوا الحلف بهم، حتى يقول أحدهم: وحقك على الله، وحق هذه الشيبة على الله.
819- وإذا قال القائل: أسألك بحق فلان، أو بجاهه، أي أسألك بإيماني به، ومحبتي له، وهذا من أعظم الوسائل. قيل: من قصد هذا المعنى، فهو معنى صحيح، لكن ليس هذا مقصود عامة هؤلاء، فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك، أو بإيماني برسولك ومحبتي له ونحو ذلك، فقد أحسن في ذلك كما قال تعالى في دعاء المؤمنين (3: 193) : {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} ، وقال تعالى (3: 19) : {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَاءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، وقال تعالى (22: 109) : {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَاءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} . وقال تعالى (3: 53) : {رَبَّنَاءَامَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .
820- وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت وهذا سحر فاغفر لي (1) .
821- ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فأووا إلى الغار، وانطبقت عليهم الصخرة، ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم
__________
(1) تقدم ص (104) .

(1/304)


الصالحة، ففرج عنهم وهو ماثبت في الصحيحين (1) .
822- وقال أبو بكر بن أبي الدنيا (2) : حدثنا خالد بن خراش العجلاني وإسماعيل بن إبراهيم، قال حدثنا صالح المري (3) عن ثابت عن أنس قال: دخلنا/ على رجل من الأنصار وهو مريض ثقيل، فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه، وله أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا، وقال: ياهذه احتسبي مصيبتك عند الله. قالت: وما ذاك، مات ابني؟ قلنا: نعم. قالت: أحق ماتقولون؟ قلنا: نعم. فمدت يديها إلى الله فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعقبني عند كل شدة فرجاً، فلاتحمل عليَّ هذه المصيبة اليوم. قال: فكشفت الثوب عن وجهه فما برحنا حتى طعمنا معه.
823- وروي في كتاب الحلية لأبي نعيم أن داود قال: بحق آبائي عليك، إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فأوحى الله تعالى إليه: ياداود! وأي حق لآبائك عليَّ؟ (4) .
وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها، ولا يعتمد عليها.
__________
(1) تقدم ص (104) .
(2) في كتابه "مجابو الدعاء" ص87 ومن عاش بعد الموت، ص 45.
(3) هو صالح بن بشير المتوفى سنة 176هـ بصري من القدماء الزاهدين. ضعفه ابن معين، والدارقطني، وقال أحمد صاحب قصص، ليس هو صاحب حديث، ولا يعرف الحديث. وقال الفلاس: منكر الحديث جداً. وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. ميزان الاعتدال (2/289) . وقال الحافظ في التقريب: ضعيف.
(4) "بحثت عنه في الحلية فلم أجده".

(1/305)


824- وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر مايقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت، فلا يطلب منه شيء. يحقق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته. ودعاؤه وشفاعته صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل عند الله عز وجل. وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته.
825- والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، فلا يقال أقسمت عليك يا رب بملائكتك، ولابكعبتك، ولابعبادك الصالحين، كما لا يجوز أن يقسم الرجل بهذه الأشياء، بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته، ولهذا كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، فيقول: " أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم" (1) .
826- وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد (2) .
827- وكذلك قوله: " اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهي الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وبكلماتك التامات".
مع أن هذا الدعاء الثالث، في جواز الدعاء به قولان للعلماء:
__________
(1) ، (2) تقدم ص (295) .

(1/306)


828- قال الشيخ أبو الحسين القدوري في كتابه المسمى بشرح الكرخي: قال بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك" (1) .
829- وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: "معقد العز من عرشه" هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: "بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام".
830- قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لاحق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز - يعني وفاقا - وهذا من أبي حنيفة، وأبي يوسف، وغيرهما يقتضي المنع أن يسأل الله بغيره (2) .
831- فإن قيل: الرب سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس لنا أن نقسم عليه إلا به. فهلا قيل: يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته، وأن لا يقسم على مخلوق إلا بالخالق تعالى؟.
832- قيل: لأن إقسامه سبحانه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء عليه وذكر آياته، وإقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه أو تصديق خبر أو تكذيبه.
833- ومن قال لغيره: أسألك بكذا؛ فإما أن يكون مقسماً فهذا لا يجوز بغير الله تعالى، والكفارة في هذا على المقسم، لا على المقسم عليه،
__________
(1) تقدم ص (88) .
(2) تقدم ص (88) .

(1/307)


كما صرح بذلك أئمة الفقهاء، وإن لم يكن مقسماً فهو من باب السؤال، فهذا لا كفارة فيه على واحد منهما.
834- فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفاً بمخلوق، وذلك لا يجوز. وإما أن يكون سائلاً به، وقد تقدم تفصيل ذلك.
835- وإذا قال: "بالله افعل كذا" فلا كفارة فيه على واحد منهما، وإذا قال: " أقسمت عليك بالله لتفعلن" أو "والله لتفعلن" فلم يبر قسمه لزمت الكفارة للحالف. والذي يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به.
836- وأما إذا أقسم على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا، كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف، فقد ثبت في الصحيح (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو/ أقسم على الله لأبره".
837- وفي الصحيح (2) أنه قال، لما قال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أنس، كتاب الله القصاص" فعفا القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".
838- وهذا من باب الحلف بالله لتفعلن هذا الأمر، فهو إقسام
__________
(1) تقدم تخريجه ص (93) .
(2) تقدم تخريجه ص (92-93) .

(1/308)


عليه تعالى، وليس إقساماً عليه بمخلوق.
839- وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، فإن ذلك لاريب في فضله وحسنه، وأنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
840- وقد تقدم (1) أن مايذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي"، حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث، وإنما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء.
841- ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه، ولم يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال. وإن كان بينهما فرق فإن دعاء غير الله كفر، ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين -لا الأنبياء ولا غيرهم- عن أحد من السلف وأئمة العلم، وإنما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين، بخلاف قولهم: أسألك بجاه نبينا أو بحقه، فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله، ولم يكن مشهوراً بينهم ولافيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك عن ابي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما.
__________
(1) ص (275) .

(1/309)


842- ورأيت في فتاوي الفقيه أبي محمد بن عبد السلام (1) قال: لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح حديث الأعمى (2) . فلم يعرف صحته.
843- وقد تقدم أن هذا الحديث لا يدل إلا على التوسل بدعائه، ليس من باب الإقسام بالمخلوق على الله تعالى، ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم.
844- والذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء وعدلوا عما أمروا به وشرع لهم -وهو من أنفع الأمور لهم- إلى ما ليس كذلك، فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء، وقد أمر الله بها.
845- والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى (33: 56) : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
__________
(1) هو العز بن عبد السلام (577-660) مؤلف رسالتي (الأبدال والغوث) و (الواسطة) المطبوعتين في حلب مع رسالة (الرهص والرقص لمستحل الرقص) للشيخ إبراهيم الحلبي صاحب (ملتقي الأبحر) .
(2) راجعت فتاوي العز بن عبد السلام بتعليق عبد الرحمن عبد الفتاح وتوزيع دار الباز، فلم أجد فيه ماذكره شيخ الإسلام ووجدت في ص (126) منه إجابة على سؤال عن الإقسام على الله بمعظم من خلقه في دعائه كالنبي صلى الله عليه وسلم، والولي، والملك، هل يكره ذلك أو لا؟ فأجاب بقوله: "أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعض الناس الدعاء، فقال: في أقواله: " قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة"، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصوراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء، والملائكة؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به تنبيهاً على علو درجته ومرتبته". فلتراجع المسألة التي أشار إليها شيخ الإسلام.

(1/310)


846- وفي الصحيح عنه أنه قال: "من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشراً" (1) .
847- وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمع رسول اله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا! " ثم دعاه فقال له أو لغيره: " إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو بعده بما شاء" رواه أحمد (2) وأبو داود (3) . -وهذا لفظه- والترمذي (4) والنسائي (5) . وقال الترمذي حديث صحيح.
848- وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" (6) .
849- وفي سنن أبي داود (7) والنسائي (8) عنه أن رجلاً قال:
__________
(1) تقدم ص (61) .
(2) (6/18) .
(3) (2/162) ، كتاب الصلاة، حديث (1481) .
(4) (5/516) ، 49 - كتاب الدعوات، حديث (3476) .
(5) تقدم تخريجه ص (101) .
(6) تقدم ص (61) .
(7) (1/360) ، 2- الصلاة، 36- باب ما يقول المؤذن، حديث (524) . وابن حبان (3/101) ، حديث (1393) . وأحمد (2/172) .
(8) في عمل اليوم والليلة (ص157) ، حديث (44) . كل هؤلاء بأسانيد صحيحة إلى ابن =

(1/311)


يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل كما يقولون، فإذا انتهيت سل تعطه".
850- وفي المسند (1) عن جابر بن عبد الله قال: "من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضا لاسخط بعده. استجاب الله له دعوته".
851- وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة". رواه أحمد (2) وأبو داود (2) والترمذي (2) والنسائي (2) ، وقال الترمذي: حديث حسن.
__________
= وهب عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم به إلا أحمد فعن ابن لهيعة عن حيي به. وحيي بن عبد الله، قال البخاري: "فيه نظر". وقال ابن معين: " ليس به بأس". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وحسن له الترمذي. راجع هذه الأقوال في الميزان (1/623) وقال الحافظ في التقريب "صدوق يهم". ومثل هذا لا يحتمل تفرده، فالحديث ضعيف بهذا الإسناد وقد صححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع (4/140) وأشار إليه في صحيح أبي داود، فلعله وجد له متابعة أو شاهداً.
(1) (3/337) والطبراني في الأوسط (1/157) حديث (196) كلاهما من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر. وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/332) ، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف".
(2) في المسند (3/119، 155، 225، 254) . وأبو داود (1/358) ، 2- كتاب الصلاة. 35- باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة. حديث 521. والترمذي (1/415) ، أبواب الصلاة 158- باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. والنسائي في عمل اليوم والليلة ص168 حديث (70) ، حديث (212) ، وعبد الرزاق (1/495) ، حديث (1909) . والبيهقي (1/410) ، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين الآذان والإقامة. والحاكم في المستدرك (1/198) . أمَّا أبو داود، والنسائي، وعبد الرزاق، والبيهقي، فمن طريق سفيان الثوري، عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن =

(1/312)


852- وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد على داعٍ دعوته: عند حصول النداء، والصف في سبيل الله"، رواه أبو داود (1) .
__________
= أنس، رضي الله عنه مرفوعاً. وأما الحاكم فمن طريق حميد الطويل عن أنس وكذا أحمد في رواية (3/119) ، وفي الموضعين الآخرين، فمن طريق أبي إسحاق، ويونس كلاهما عن بُريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك. وقال النسائي: وقفه سليمان التيمي واختلف عليه في لفظه، ثم ساقه من طريقين، برقم (71-72) عن سليمان التيمي عن قتادة عن أنس موقوفاً. وفي زيد العمي كلام. والحديث قال فيه الترمذي حسن صحيح. وحسنه الحافظ في "نتائج الفكار" (ص374) ونقل عن الترمذي تحسينه. قال الحافظ: " وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، قال أبو الحسن بن القطان: وإنما لم نصححه لضعف زيد العمي وأما بريد فهو موثوق، وينبغي أن يصحح من طريقه". وصححه الألباني في الإرواء (1/262) ، واعتمد في تصحيحه على رواية بريد بن أبي مريم وكذلك صححه أحمد شاكر في حاشية الترمذي (1، 516، 517) والأمر كذلك لصحة إسناد بريد بن أبي مريم، ولكثرة طرقه، فإنها يقوي بعضها بعضا.
(1) (3/45) ، 9- الجهاد، حديث (2540) . بلفظ " ثنتان لاتردان، أو قلما تردان؛ الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا". والحاكم في المستدرك (1/198) كلاهما من طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن سهل بن سعد مرفوعاً. وقال الحاكم عقبه: هذا حديث ينفرد به موسى بن يعقوب. قال الحافظ: "موسى بن يعقوب الزمعي، صدوق سيء الحفظ". وقال الذهبي في الميزان (4/227-228) : "وثقه ابن معين". وقال النسائي: " ليس بالقوي"، وقال أبو داود: "صالح". وقال ابن المديني: ضعيف، منكر الحديث. وقال ابن عدي: لابأس به وبرواياته. وأخرجه مالك في الموطأ (1/70) 3- الصلاة، حديث 7 وعبد الرزاق في المصنف (1/495) ، والبيهقي (1/411) كلاهما من طريق مالك موقوفاً. وأخرجه ابن حبان، الإحسان (3/128) ، باب ذكر استحباب الاجتهاد في الدعاء، من طريق أيوب بن سويد، عن مالك عن ابي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعاً. والبيهقي (1/410) من طريق موسى ابن يعقوب مرفوعاً أيضاً، وأيوب بن سويد الرملي الشيباني: "صدوق يخطئ" قاله الحافظ في التقريب. ويبدو أن الوقف هو الراجح من حيث الإسناد لكنه مع رجحان وقفه، فمثله لا يقال من قبل الرأى كما قال ابن عبد البر.

(1/313)


853- وفي المسند (1) والترمذي (2) وغيرهما عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: "يَا أَيُّهَا الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة. جاء الموت بما فيه". قال أبي: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قلت:/ الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قلت: الثلثين؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذا هذا يكفيك الله ماأهمك من أمر دنياك وآخرتك".
وفي لفظ " إذا تكفى همك، ويغفر ذنبك".
854- وقول السائل: أجعل لك من صلاتي؟ يعني من دعائي. فإن الصلاة في اللغة هي الدعاء. قال تعالى (9: 103) : {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم صل على آل أبي أوفى" (3) .
__________
(1) (5/136) مختصراً.
(2) تقدم ص (74) .
(3) أخرجه البخاري 80 - الدعوات، 33 - باب هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (6359) . ومسلم (2/756) ، 12- الزكاة، 45- باب الدعاء لمن أتى بصدقة، حديث (176) . وأبو داود (2/246) ، 3- الزكاة، 6- باب دعاء المصدق لأهل الصدقة حديث (1590) . والنسائي (5/31) 23- الزكاة، 13- باب صلاة الإمام على صاحب الصدقة، حديث (2459) . وابن ماجه (1/572) ، 8- كتاب الزكاة، 8- باب ما يقال عند إخراج الزكاة حديث (1796) . وأحمد (4/353-355، =

(1/314)


وقالت امرأة: صل عليَّ يا رسول الله وعلى زوجي، فقال: صل الله عليك وعلى زوجك" (1) .
855- فيكون مقصود السائل أي يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به، أستجلب به الخير، واستدفع به الشر، فكم أجعل لك من الدعاء، قال: "ما شئت" فلما انتهى إلى قوله: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال له: "إذا تكفى همك ويغفر ذنبك" (2) .
856- وفي الرواية الأخرى " إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك" (3) ، وهذا غاية مايدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات، فإن الدعاء فيه تحصيل المطلوب، واندفاع المرهوب، كما بسط ذلك في مواضعه.
857- وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية،
__________
= 381، 383) . كلهم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفي مرفوعاً.
(1) أخرجه أبو داود (2/185) ، 2- الصلاة، 363- باب الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (1533) . والنسائي في عمل اليوم والليلة، (ص319) . وأحمد (3/303، 397-398) . والدارمي (1/28-29) مقدمة، حديث (46) . كلهم عن الأسود بن قيس، عن نُبَيح العنزي، عن جابر مرفوعاً. وفي إسناده نبيح، قال الحافظ في التقريب: "مقبول". وقال الحافظ الذهبي في الكاشف: "ثقة". وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (10/417) : قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه إلا الأسود بن قيس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة. وذكره علي بن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس وزاد الحافظ أبو خالد الدالاني، وصحح الترمذي حديثه، وكذلك ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. ويبدو أن حديثه حسن. والله أعلم.
(2) جزءان من حديث أُبي السابق.
(3) جزءان من حديث اُبي السابق.

(1/315)


وأعرضوا عن الأدعية البدعية، فينبغي اتباع ذلك. والمراتب في هذا الباب ثلاث:
858- (إحداها) : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: يا سيدي فلان أغثني أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك أو انصرني على عدوي.
859- وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب عليَّ، كما يفعله طائفة من الجهال المشركين. وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاة إليه أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام (1) .
860- وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج حتى يقول: إن السفر إليه مرات يعدل حجة، وغلاتهم يقولون: الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة. ونحو ذلك، فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه.
861- (الثانية) : أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها.
__________
(1) والإسماعيلية يقولون: رسائل إخوان الصفا كتاب الأئمة، والقرآن كتاب العامة. والشيعة يسمون أهل السنة وأئمتهم وعلماءهم: العامة. وكلهم يلتقون عند غرض واحد وهو تغير دين الإسلام.

(1/316)


862- فهذا أيضاً لا يستريب عالم أنه غير (1) جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزاً، ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم:
863- " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لاتحرمنا أجرهم، ولاتفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" (2) .
864- وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" (3) .
__________
(1) سقطت من ز.
(2) تقدم تخريجه في ص (34) .
(3) ذكره في كنز العمال (15/646) رقم (42556) وعزاه إلى الخطيب وابن عساكر. وهو في تاريخ الخطيب (6/137) ، الترجمة (3175) من طريق بشر بن بكير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعاً. وعبد الرحمن بن زيد "ضعيف جداً"، نقله البخاري والنسائي عن علي بن المديني وقال الحاكم عنه: "روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ". وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جداً، وقال ابن معين: ضعيف. وانظر الكلام عليه في الميزان (2/564) . والمدخل للحاكم (ص154) الترجمة (97) . وذكر الذهبي هذا الحديث في الميزان، من طريق الخطيب بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد به. هذا وقد ضعف الحديث الحافظ ابن رجب، فقال: إنه ضعيف بل منكر، نقله الألباني من كتاب الأهوال (ق 83/2) . انظر حاشية الآيات البينات في عدم سماع الأموات حاشية ص28.

(1/317)


865- وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من مسلم يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام" (1) لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء ولا غيره.
866- وفي موطأ مالك أن ابن عمر كان يقول: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبة" (2) ثم ينصرف.
867- وعن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو لأبي بكر وعمر (3) .
868- وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم.
869- فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى، لا يدعون مستقبلي الحجرة. وإن كان قد وقع في بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية والعامة، فلم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله، ولا من له في الأمة لسان صدق عام.
870- ومذهب الأئمة الأربعة - مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد - وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة.
__________
(1) تقدم ص (142) .
(2) تقدم تخريجه ص (136) .
(3) تقدم تخريجه ص (137) رقم (4) .

(1/318)


871- واختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة - مالك والشافعي وأحمد-: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه.
872- وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام، كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم.
873- ثم في مذهبه قولان: قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها على يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا [في] أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة.
874- والحكاية التي تذكر عن مالك / أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة فأمره بذلك وقال: " هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم".
كذب على مالك ليس لها إسناد معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه، كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره.
875- مثل ماذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ماأصلح أولها.
876- ولاريب أن الأمر كما قاله مالك، فإن الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم، ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعاً لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم.

(1/319)


877- والداعي يدعو الله وحده، كما نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى، كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاتجلسوا على القبور ولاتصلوا إليها" (1) .
878- فلا يجوز أن يصلى إلى شيء من القبور، لاقبور الأنبياء ولا غيرهم؛ لهذا الحديث الصحيح، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء، وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى.
879- فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئاً، لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكى إليه شيء من مصائب الدنيا والدين.
880- ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يُفضي إلى الشرك، وهذا يُفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفاً.
881- بل مايفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك، كما أن موسى يصلي في قبره.
__________
(1) تقدم ص (153) .

(1/320)


وكما صلى الأنبياء خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ببيت المقدس (1) ، وتسبيح أهل الجنة والملائكة - فهم يتمتعون بذلك، وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره لهم، ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد.
882- وحينئذٍ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئاً، بل ماجعله الله فاعلاً له هو يفعله وإن لم يسأله العبد، كما تفعل الملائكة ماتؤمر به، وهم إنما يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق، كما قال سبحانه وتعالى (21: 26- 27) : {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه وتعالى.
883- ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته، فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة، وكان يجوز أن يجعل مسجداً. ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجداً.
884- كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما فعلوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً (2) .
__________
(1) أخرجه مسلم (1/156-157) الإيمان، حديث (278) ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من قصة الإسراء، وأنه رأى كلا من موسى وعيسى وإبراهيم يصلي، ثم قال: " فحانت الصلاة، فأممتهم فلما فرغت من الصلاة، قال قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام".
(2) تقدم ص (30) .

(1/321)


885- وفي صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (1) .
886- وقد كان صلى الله عليه وسلم في حياته يصلى خلفه، وذلك من أفضل الأعمال، ولا يجوز بعد موته أن يصلي الرجل خلف قبره، وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتي وأن يقضي، ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته. وأمثال ذلك كثيرة.
887- وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله (2) لأن هذا اللفظ لم يرد، والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب (3) . وهذا اللفظ صار مشتركاً في عرف المتأخرين يراد به (الزيارة البدعية) التي في معنى الشرك كالذي يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده.
888- و (الزيارة الشرعية) هي أن يزوره لله تعالى للدعاء له، والسلام عليه كما يصلي على جنازته. فهذا الثاني هو المشروع، ولكن كثيراً من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى الأول، فكره مالك أن يقول: زرت قبره. لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذي يقصده أهل البدع والشرك /.
__________
(1) تقدم ص (29) .
(2) تقدم ص150.
(3) وقد تكلم عليها ابن عبد الهادي في الصارم المنكي.

(1/322)


889- (الثالثة (1)) أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهيِّ عنه. وتقدم أيضاً أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة، بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره.
890- وقد تبين ما في لفظ " التوسل" من الاشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله وبين ما لم يكونوا يفعلونه.
891- فإن لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ولغتهم هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته، ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن، وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور (2) .
892- فهذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة.
893- وقد قال تعالى (25: 58) : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} .
__________
(1) أي المرتبة الثالثة من مراتب الدعاء البدعي.
(2) بحثت عنه فلم أجده إلا في كشف الخفاء للعجلوني (1/85) بلفظ: " إذا تحيرتم في الأمور، فاستعينوا بأصحاب القبور" وعزاه للأربعين لابن كمال باشا المتوفى سنة 940. راجع ترجمته في معجم المؤلفين (1/238) .

(1/323)


894- وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك - عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك - ولعن أهله تحذيراً من التشبه بهم، فإن ذلك أصل عبادة الأوثان. كما قال تعالى (71: 23) : {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّءَالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} .
895- فإن هؤلاء [كانوا] قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروهم، ثم اتخذوا الأصنام على صورهم، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس (1) وغيره من علماء السلف.
896- وهذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الشرك هو كذلك في شرائع غيره من الأنبياء:
897- ففي التوراة أن موسى عليه السلام نهى بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله.
898- وذلك أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم، كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" (2) .
__________
(1) تقدم ص (15) .
(2) أخرجه البخاري، 60 - الأنبياء، 48 - باب قول الله تعالى {واذكر في الكتاب مريم} حديث (3443) . ومسلم (4/1837) 43- فضائل، 40 - فضائل عيسى عليه السلام، حديث (145) ، وأحمد (2/319، 406) . كلهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً.

(1/324)


899- وقد قال تعالى (42: 13) : {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} ، وقال تعالى (23: 51-53) : {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ، وقال تعالى (30: 30-32) : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .
وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره من الأولين والآخرين، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع.

(1/325)