قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

فصل
28 - ولفظ (التوسل) قد يراد به ثلاثة أمور، يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين.
29 - أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به (1) وبطاعته.
30 - والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين. ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً.
31 - ولكن التوسل بالإيمان وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة.
32 - وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضاً كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهو مرتد.
33 - أَمَّا دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة.
34 - وأما الشفاعة يوم القيامة، فمذهب أهل السنة والجماعة - وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة
__________
= 8 - كتاب الجنائز 56 - باب ما جاء في تسوية القبر، حديث (1049) . والنسائي (4/73) ، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور إذا رفعت. وأحمد (1/96، 129) .
(1) أي بالرسول صلى الله عليه وسلم.

(1/16)


وغيرهم - أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر. ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون (1) دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محباً له معظمًا له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به. ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها.
35 - وفي صحيح البخاري (2) عن أبي هريرة أنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قالا لا إله إلا الله خالصاً من قلبه".
36 - وعنه في صحيح مسلم (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة
__________
(1) في المخطوطة: "المؤمنين".
(2) كتاب العلم، 33 - باب الحرص على الحديث، حديث (99) ، وفي 81 - كتاب الرقاق، 51 - باب صفة الجنة والنار، حديث (6570) . وأحمد (2/307، 373، 518) ، وعند أحمد: "شفاعتي لمن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه".
(3) كتاب الإيمان، 86 - باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث (334 - 340) . وأخرجه البخاري 97 - كتاب التوحيد 31 - باب في المشيئة والإرادة، حديث (7474) . والترمذي (5/580) ، 49 - كتاب الدعوات، 131 - باب فضل لاحول ولا قوة إلا بالله، حديث (3602) . وابن ماجه، 37 - كتاب الزهد، 37 - باب في ذكر الشفاعة، حديث (4307) . والدارمي (2/235) حديث (2808) . كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وأحمد (2/275، 396، 426، 486) وأخرجه مسلم في الباب السابق من حديث أنس برقم (341 - 343) ومن حديث جابر برقم (345) . وأحمد (1/281، 296) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - و (3/134، 208، 219) من حديث أنس - رضي الله عنه - و (5/145 و 148) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -.

(1/17)


يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
37 - وفي السنن (1) عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة
__________
(1) الترمذي (4/627) ، 38 - كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة 13 - باب منه، حديث (2441) قال: حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتاني آت ... " فذكر الحديث. وأحمد (6/28) في قصة طويلة نوعاً ما من طريق أبي عوانة عن قتادة به. قال الترمذي عقب رواية الحديث وقد روى عن أبي المليح، عن رجل آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر عن عوف بن مالك، وفي الحديث قصة طويلة، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وهذا الاختلاف على أبي المليح بين قتادة ومن أشار إليه الترمذي لا يضر للأسباب الآتية:
أولاً: أن قتادة حافظ. فاحتمال وهمه بذكر عوف بن مالك بدلاً من صحابي آخر ضعيف جداً.
ثانياً: أن مخالفه مجهول، فيحتمل أن يكون ضعيفاً كما يحتمل أن يكون هو الواهم على أبي المليح بذكر الصحابي الآخر.
ثالثاً: وهو مؤيد لحفظ قتادة أن ابن ماجه روى في سننه (2/1444) ، 37 - كتاب الزهد 37 - باب ذكر الشفاعة، حديث (4317) عن هشام بن عمار، حدثنا صدقة ابن خالد، حدثنا ابن جابر (يعني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) قال: سمعت سليم بن عامر، سمعت عوف بن مالك الأشجعي يقول ... وذكر الحديث نحوه.
وله شاهدان:
أولاً: حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني آت من ربي عز وجل فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، فقالا (يعني هو ومعاذ) : ادع الله عز وجل أن يجعلنا في شفاعتك، فقال: "أنتم ومن مات لا يشرك بالله شيئاً في شفاعتي". رواه أحمد (4/404) حدثنا عفان ثنا حماد يعني ابن سلمة، نا عاصم عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صححه الشيخ الألباني بناء على رواية الترمذي عن عوف بن مالك وحديث أبي موسى هذا. انظر صحيح الجامع (1/72) رقم (56) .
ثانياً: حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرت بين الشفاعة أو يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى". رواه الإمام أحمد (2/75) ، من طريق =

(1/18)


وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" وفي لفظ قال:"ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً فهو في شفاعتي".
38 - وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً غيره، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: (43: 45) : {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وقال تعالى (21: 25) : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقال تعالى (16: 36) : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ} . وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه (11: 50 و 61) : {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} .
39 - وفي المسند (1) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن
__________
= علي بن النعمان بن قراد عن رجل عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وهو إسناد ضعيف لجهالة الرجل المذكور في الإسناد، وكذلك علي بن النعمان بن قراد لم أقف له على ترجمة.
(1) (2/50) . والبخاري، 56 - كتاب الجهاد، 88 - باب ما قيل في الرماح، ذكره معلقا، فقال: ويذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره وليس فيه: "ومن تشبه بقوم فهو منهم". حديث (2914) .
ورجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، مختلف في توثيقه. قال الحافظ في الفتح (6/96) : وله شاهد مرسل بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصححه الألباني. انظر صحيح الجامع (3/8) .

(1/19)


تشبه بقوم فهو منهم".
40 - والمشركون من قريش وغيرهم - الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي صلى الله عليه وسلم / دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار - كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال (31: 25) : {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وقال (29: 61) : {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ} وقال (23: 84 - 91) : {قُلْ لِمَنْ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} .
41 - وكان المشركون الذي جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتم مخلوقة، ولكنهم يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى (10: 18) : {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وقال تعالى (39: 1 - 3) : {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ

(1/20)


يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} .
42 - وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
وقال تعالى (30: 28 - 32) : {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .
43 - بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم، فأنتم فيه سواء يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضاً، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟.
44 - وهذا كما كانوا يقولون: له بنات. فقال تعالى (16: 62) : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} . وقد قال تعالى (16: 58 - 60) : {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي

(1/21)


التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
45 - والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله (بالشرك أصلهم) (1) صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم. فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر. وكل من هؤلاء وهؤلاء يعبدون الجن، فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء، وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن؛ فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم. قال تعالى: (34: 40 - 41) : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} .
46 - والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك/، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد، أنا الخضر، أنا أبو بكر، أنا عمر، أنا عثمان، أنا علي، أنا الشيخ فلان. وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان، أو (الشيخ فلان، و) (2) هذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جنًّا يشهد بعضهم لبعض. والجن كالإنس، فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد
__________
(1) هاتان الكلمتان سقطتا من: ز.
(2) سقطت من: ز، ب.

(1/22)


الجاهل (1) ، فمنهم من يحب شخاً فيتزيّا في صورته ويقول: أنا فلان. ويكون ذلك في برِّية ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شراباً أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك، وقد يقول: هذا سر الشيخ وهذه رقيقته (2) وهذه حقيقته أو هذا مَلَكٌ جاء على صورته. وإنما يكون ذلك جنيًّا، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان. وقد قال الله تعالى (17: 56 - 57) : {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} .
47 - قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح، فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله (3) ، كما أن الذين يعبدونهم عباد الله، وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين.
48 - والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحد طلبنا منه أن
__________
(1) في ز: الجاهل العابد، وفي هذا الكلام إشارة إلى الآية الكريمة: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك، كنا طرائق قدداً} (سورة الجن: 11) .
(2) أي طيفه. وكل من رق جسده ونفسه يسمى رقيقًا.
(3) والمسيح عليه السلام يتبرأ من الذين اتخذوه وأمه إلهين، وذلك يوم يسأله الله سبحانه: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} . (المائدة 116) .

(1/23)


يشفع لنا، فإذا صورنا تمثاله - والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم - قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله. فيقول أحدهم: يا سيدي فلاناً أو يا سيدي جرجس أو بطرس أو ياستي الحنونة مريم. أو يا سيدي الخليل أو موسى ابن عمران أو غير ذلك، اشفع لي إلى ربك. وقد يخاطبون الميت عند قبره أو يخاطبون الحي وهو غائب، كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياًّ وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها: يا سيدي فلانا! أنا في حسبك، أنا في جوارك، اشفع لي إلى الله، سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة، أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن يكشف هذه الكربة. أو يقول أحدهم: سل الله أن يغفر لي. ومنهم من يتأول قوله تعالى: (4: 64) : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} .
49 - ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضي الله عنه سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها (1) إن شاء الله تعالى.
__________
(1) انظر: (ص 121) .

(1/24)


50 - فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من (1) أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى، قال الله تعالى (2) (42: 21) : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} . فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال - و [نصب] تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم - هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولاً ولا أنزل به كتاباً، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين/ لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان. وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع لا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين.
51 - ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب (3) . وكثير من
__________
(1) كلمة "من" سقطت من: ز، ب.
(2) "قال الله تعالى" سقطت من: ز.
(3) في خ: "واجبا أو مستحبا".

(1/25)


الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافعَ ومصالح، ويحتجون (1) عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك.
52 - وجواب هؤلاء من طريقين: أحدهما الاحتجاج (2) بالنص والإجماع، والثاني القياس والذوق والاعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد، فإن فساد ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة.
53 - أَمَّا الأول فيقال: قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب، وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم.
54 - فلا يقول أحد: ياملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا.
55 - وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني.
56 - ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني.
__________
(1) في خ: "يحتج".
(2) في خ: "وهو الاحتجاج".

(1/26)


57 - ولا يقول: أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك، أو أنت خير معاذ يستعاذ به.
58 - ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم.
59 - فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع هذا لأمته.
60 - وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئاً من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الأنبياء نقل بذلك كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها/ أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.
61 - وكان أصحابه يُبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم.

(1/27)


62 - بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين. وكل بدعة ليست واجبة ولامستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين.
63 - ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان.
64 - كما قال عبد الله بن مسعود (1) : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ (6: 153) : {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .
__________
(1) أخرجه أحمد (1/435، 465) . وابن حبان كما في الإحسان (1/106) حديث رقم (6) . وابن جرير (8/88) . والحاكم في المستدرك (2/318) . وابن أبي عاصم في السنة (1/13) حديث (17) . والبغوي في شرح السنة (1/196) وفي التفسير (2/142) (ط دار المعرفة) . كلهم من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. وعاصم قال فيه الحافظ في التقريب (1/383) : "صدوق له أوهام".
ولكن للحديث شاهد من حديث جابر يرتقي به إلى درجة الحسن، وهو ما رواه ابن ماجه في مقدمة سننه، باب اتباع السنة حديث (11) . وابن أبي عاصم في السنة (1/13) حديث 16. والآجري ص12 من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر، ومجالد ليس بالقوي لكنه يصلح للاعتبار.

(1/28)


65 - فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة، وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، باتباع من خالف السنة والإجماع القديم، لا سيما وليس معه في بدعته إمام من أئمة المسلمين، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته.
66 - ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوماً (1) بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله، فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي، وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
67 - بل (2) النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً، فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه، كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
68 - ففي صحيح مسلم (3) عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".
__________
(1) في خ: "مخصوصاً". والظاهر ما أثبتناه.
(2) في ز، ب: "إن النبي صلى الله عليه وسلم".
(3) (1/377) 5 - كتاب المساجد، 3 - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث (23) . وأبو عوانة (1/401) . والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف 2/443. والطبراني في الكبير 2/180، حديث (1686) . وابن سعد في الطبقات 2/240، وله شاهد عنده (2/241) من حديث أبي أمامة عن كعب بن مالك، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، والقاسم ابن عبد الرحمن وهو صدوق يرسل كثيراً.

(1/29)


69 - وفي الصحيحين (1) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم / قال قبل موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً (2) .
70 - واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه
__________
(1) البخاري 23 - كتاب الجنائز، 61 - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، حديث (1330) ، وباب 69 ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حديث (1390) . و 64 - كتاب المغازي، 83 - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته حديث، (4441) ومسلم 5 - كتاب المساجد، 3 - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث (19) . والنسائي (4/78) كتاب الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد، كلهم من حديث عائشة - رضي الله عنها -. وأخرجه البخاري 8 - كتاب الصلاة، 55 - باب حديث (436) . و 60 - كتاب الأنبياء، 50 - باب ماذكر عن بني إسرائيل، حديث (3454) . و 64 - كتاب المغازي، 83 - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، حديث (4444) . و 77 - كتاب اللباس، 19 - باب الأكسية والخمائص، حديث (5816) . ومسلم 5 - كتاب المساجد، 3 - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث (22) . والنسائي (2/33) مساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأبو عوانة (1/399، وأحمد 1/218. والدارمي 1/267. كلهم من حديث عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما -.
وأخرجه البخاري، 8 - كتاب الصلاة، 55 - باب، حديث (437) . ومسلم 5 - كتاب المساجد، 3 - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث (20 - 21) . وأبو داود 15 - كتاب الجنائز، 76 - باب البناء على القبر، حديث (3227) . والنسائي (4/78) كتاب الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد. وأبو عوانة (1/400) . كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) وكان إعلانه صلى الله عليه وسلم هذا التشريع قبيل موته بخمسة أيام خوفاً على أمته من الوقوع فيما وقع به غيرها من الضلال والانحراف.

(1/30)


عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين.
71 - فحرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده.
72 - فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذلك (1) ذريعة إلى الشرك بالله. والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة (2) لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك. وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
73 - ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب (3) فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة (4) ، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه.
__________
(1) سقط من: ز، ب.
(2) وقت طلوع الشمس واستوائها في وسط السماء وغروبها.
(3) كركعتي تحية المسجد.
(4) سقط من: ز، ب.

(1/31)


74 - فإذا كان نهيه عن الصلاة (1) في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلوماً أن دعوة الشمس - والسجود لها هو محرم في نفسه - أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها؛ لئلا يفضي ذلك (2) إلى دعاء الكواكب.
75 - كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فنهى عن قصدها للصلاة عندها؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم، لأن دعاءهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد.
76 - ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له.
77 - فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال الله تعالى في المنافقين (9: 84) : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فنهى نبيه / عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون.
78 - فلما نهى عن هذا وهذا؛ لأجل هذه العلة وهي الكفر دل على انتفاء هذا النهي عند انتفاء هذه العلة.
79 - ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى عليه ويقام
__________
(1) في خ: "فيه" وهو زائد كما يظهر.
(2) سقطت من: ز، ب.

(1/32)


على قبره، إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم.
80 - ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره، ويقول: "سلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل" رواه أبو داود (1) وغيره.
81 - وقد كان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" (2) .
__________
(1) (3/550) - 15 كتاب الجنائز، 73 - باب الاستغفار عند القبر للميت، (3221) . والحاكم في المستدرك (1/370) . والبيهقي (4/56) . كلهم من حديث عثمان - رضي الله عنه - وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني انظر أحكام الجنائز ص 156.
(2) صحيح مسلم (2/669) ، 11 - كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، حديث (102) ، وآخر حديث (103) . والنسائي (4/76، كتاب الجنائز، باب الاستغفار للمؤمنين - وفي عمل اليوم والليلة (ص 588) ، وأحمد (6/221) ، وابن سعد في الطبقات (2/240، 241) . كلهم عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه مسلم حديث (104) . والنسائي (4/77) وفي عمل اليوم والليلة (ص 588) عن بريدة - رضي الله عنه -. وأخرج ابن سعد (2/240) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضاً.
وليس في هذه المصادر "اللهم لا تحرمنا أجرهم" إلخ، وإنما هي في كتاب ابن السني. انظر الأذكار للنووي (ص 234) ؛ فقد ذكر هذه الزيادة في حديث عائشة - رضي الله عنها -.

(1/33)


82 - وفي صحيح مسلم (1) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
83 - والأحاديث في ذلك صحيحة معروفة. فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم، وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكفار.
84 - كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود (2) والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى (3) من حوله ثم قال: "استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة". فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين.
85 - وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجْوَبُ للدعاء.
__________
(1) (1/218) ، 2 - كتاب الطهارة، حديث (39) . وأبو داود (3/559) ، 15 - كتاب الجنائز، حديث (3237) . وابن ماجه (2/1439) . 37 - كتاب الزهد، حديث (4306) . وأحمد (2/300، 375، 408) .
(2) تقدم ص 8، رقم (3، 4) .
(3) في: ز، ب "بكى". وهو تصحيف.

(1/34)


86 - فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.
87 - ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم؛ مثل أن يتخذ قبورهم مساجد، لكان ذلك محرماً منهياً عنه، ولكان صاحبه متعرضاً لغضب الله ولعنته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (1) .
__________
(1) رواه مالك في الموطأ (1/172) 9 - كتاب قصر الصلاة في السفر، 24 - باب جامع الصلاة، حديث (85) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا. وعبد الرزاق في المصنف (1/406، باب الصلاة على القبور برقم (1587) عن معمر عن زيد بن أسلم. وابن سعد في الطبقات (2/241) . وابن أبي شيبة (3/345) من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم؛ فهو معضل عند هؤلاء، لكنه قد جاء موصولاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فقد أخرجه أحمد (2/246) . وأبو نعيم في الحلية (7/317) . والحميدي (2/445) ، حديث (1024) . كلهم من طريق سفيان بن عيينة.
قال: حدثنا حمزة بن المغيرة الكوفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً، وهذا إسناد حسن.
حمزة بن المغيرة قال الحميدي في شأنه: وكان من سراة الموالي، ولعله من قول سفيان. وقال أبو النضر: كان رجل الكوفة. وقال ابن معين: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب الكمال (1/334) .
ورواه أبو نعيم في الحلية (6/283) من طريق عبد الله بن هشام الدستوائي حدثني أبي ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ورواه البزار كما في كشف الأستار (1/220) من طريق عمر بن صهبان - وهو ضعيف - عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد (5/42) أن البزار رواه من طريق عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثم صحح الحديث من طريق أبي سعيد روي بإسناد إلى البزار، وساق إسناد =

(1/35)


88 - وقال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذّر ما صنعوا (1) .
89 - وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك" (2) .
90 - فإذا كان هذا محرماً وهو سبب لسخط الرب ولعنته، فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطَّلبات وقضاء الحاجات!؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس.
91 - قال ابن عباس (3) : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم.
وقد استفاض عن ابن عباس وغيره في صحيح/ البخاري (4) وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء في قوله (23: 71) : {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} أن هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان في
__________
= البزار إلا أنه قال: عمر بن محمد بدل عمر بن صهبان فينظر. وعلى كل حال فالحديث صحيح، انظر: الزرقاني (1/385) .
(1) تقدم تخريجه (ص 30) رقم (1) .
(2) تقدم تخريجه في (ص 29) رقم (3) .
(3) أخرجه الطبري في تفسيره (2/334) .
(4) تقدم تخريجه في (ص15) .

(1/36)


قبائل العرب (1) .
92 - وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئاً آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيرها (2) ، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنهم لا يقرون، بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم، فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه.
93 - كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية.
__________
(1) "قال أبو عمر: الوثن الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنماً كان أو غير صنم، وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم، كان إذا مات نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه ويسجد نحوه، ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبورهم أنبيائهم واتخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم.
وكان صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم على جهة التعيير والتوبيخ: "لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه". فجزاه الله عن التوحيد وسنة نبيه خيرًا.
(2) انظر ص (167) .

(1/37)


94 - فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلاً صالحاً قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعّال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك - بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك - ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
95 - وفي هذا القول من انواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره، ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب الضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك.
96 - ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين؛ مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك.
97 - وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدًا، والجاهل يظن أن ذلك - الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه - هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور:

(1/38)


98 - أحدها؛ أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في الأرض أو احتجب، ولو كان رجلاً صالحاً أو ملكاً أو جنيًّا مؤمنًا لم تضره آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح (1) من حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقك وهو كذوب".
99 - ومنها؛ أن يستعيذ بالله من الشياطين.
100 - ومنها؛ أن يستعيذ بالمعوذة الشرعية، فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم.
101 - كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه فأتاه جبريل بالمعوّذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي
__________
(1) البخاري، 40 - الوكالة، 10 - تعليقاً باب إذا وكل رجلاً، فترك الوكيل شيئًا فأجازه فهو جائز، حديث (2311) و 95 - بدء الخلق، 11 - باب صفة إبليس وجنوده، حديث (3275) . والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (10/285) وفي اليوم والليلة (ص 531 - 533) حديث رقم (958، 959) والدلائل لأبي نعيم (2/475 - 476) ، حديث (267) ، وانظر الدر المنثور (2/15) وذكر أبو نعيم في الدلائل (2/478) قصة لرجل صارع شيطاناً فصرعه مراراً ثم أخبر الجني ذلك الرجل بأن من قرأ سورة البقرة؛ فإن الشيطان لا يسمع منها بشيء إلا أدبر له هيج كهيج الحمار. فقيل لابن مسعود: ومن ذلك الرجل؟ قال: ومن عسى إلا أن يكون عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وذكر السيوطي في الدر المنثور (2/10، 12) قصة لأبي أسيد وقصة لأبي أيوب مع الجن حيث سرقوا عليهما طعاماً ثم أخبرتهما الجن بأن التحصن من الشياطين يتم بقراءة آية الكرسي.

(1/39)


التياح أنه قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش (1) وكان شيخًا كبيرًا قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته الشياطين؟ قال: تحدرت عليه من الشعاب والأودية، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فرعب رسول الله صلى الله عليه وسلم / فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد! قل، قال: "ما أقول؟ " قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن. قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل (2) .
__________
(1) عبد الرحمن بن خنبش (بمعجمة ثم نون ثم موحدة بوزن جعفر وقيل خنيس بمعجمة ثم نون مصغرا) التميمي البصري، عن ابن مسعود وعنه أبو عمران الجوني، وأبو التياح، الإصابة (4/156) ، وتعجيل المنفعة (ص 166) .
(2) ذكر الحافظ في الإصابة (4/157) أنه أخرجه ابن منده، والبزار، وأبو زرعة في مسنده، وأبو بكر بن أبي شيبة، والحسن بن سفيان. كلهم من طريق عفان.
وأخرجه أحمد (3/419) قال: ثنا سيار بن حاتم أبو سلمة العنزي قال: ثنا جعفر يعني ابن سليمان، قال ثنا أبو التياح، قال: قلت لعبد الرحمن ابن خنيس التميمي: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. قال: قلت: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة كادته الشياطين وساق الحديث، ثم ساقه مرة أخرى من طريق عفان ثنا جعفر به.
قال الحافط: وذكره البخاري في الصحابة، وقال: في إسناده نظر. وقال ابن منده: وفي إسناده إرسال. وتعقبه أبو نعيم بأن أبا التياح صرح بسؤاله له يعني فلا إرسال فيه، قال الحافظ: "ولعل ابن منده أراد أنه لم يصرح بسماعه لذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المعتمد على من جزم بأن له صحبة".
وفي الإسناد سيار بن حاتم الضبعي صدوق له أوهام. لكن روايته تتقوى بمتابعة عفان له.

(1/40)


102 - وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عفريتًا من الجن جاء يفتك بي البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله عز وجل منه فذعتُّه (1) أردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول سليمان عليه السلام (38: 35) : {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فرده الله تعالى خاسئاً" (2) .
103 - وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه صلى الله عليه وسلم فصرعه فخنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة سليمان لأصبح ذلك موثقاً حتى يراه الناس".
104 - أخرجه النسائي (3) وإسناده على شرط البخاري كما ذكر ذلك أبو عبد الله المقدسي في مختاره الذي هو خير من صحيح الحاكم (4)
__________
(1) نقل البخاري عن النضر بن شميل: أي خنقته. والذعت والدعت - بالدال والذال المضعفتين - الدفع العنيف.
(2) البخاري، 8 - كتاب الصلاة، 75 - باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، حديث (461) و 60 - كتاب الأنبياء، باب 40، حديث (3423) . و 65 - تفسير سورة 38 - باب 2، حديث (4808) . ومسلم، كتاب المساجد، حديث (39) (1/384) . وأحمد (2/298) . والدلائل لأبي نعيم (2/474) .
(3) في الكبرى عن إسحاق بن إبراهيم عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش عن حصين ابن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة، انظر تحفة الأشراف (1/479) حديث (16307) وهو إسناد صحيح.
(4) صحيح الحاكم (321 - 405) هو كتابه (المستدرك على الصحيحين) وقد طبع في حيدر أباد الدكن سنة (1335 - 1342 في أربع مجلدات كبيرة. وأبو عبد الله المقدسي. =

(1/41)


105 - وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الصبح وهو خلفه، فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وأبليس، فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل" رواه الإمام أحمد في مسنده (1) ، وأبو داود في سننه (2) .
106 - وفي صحيح مسلم (3) عن أبي الدرداء أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول "أعوذ بالله منك" ثم قال "ألعنك
__________
= هو ضياء الدين محمد بن عبد الواحد السعدي الدمشقي المتوفى سنة 643، واسم مختاره (الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما) مرتب على المسانيد على حروف المعجم لا على الأبواب، وهو في 86 جزءًا، وهو يعد للطبع في المكتب الإسلامي.
(1) (3/82 - 83) .
(2) (1/448 - 449) ، (107) ، باب الدنو من السترة، حديث (699) هو وأحمد من طريق أبي أحمد الزبيري، أخبرنا مسرة بن معبد اللخمي قال: حدثني أبو عبيد حاجب سليمان ... حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ، وذكر أحمد الحديث بطوله واقتصر أبو داود على قوله: "فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته أحد فليفعل".
ورجال الإسناد كلهم ثقات إلا مسرة بن معبد فإنه صدوق له أوهام، كما قال الحافظ في التقريب (2/242) . وقال الذهبي في الكاشف (3/136) : "وثق" وقال ابن حَبان في المجروحين (3/42) : "كان ممن ينفرد عن الثقات بما ليس من أحاديث الأثبات على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وقال أبو حاتم: "شيخ ما به بأس".
ويشهد له حديث أبي هريرة وعائشة فيرتقي بهما إلى درجة الحسن.
(3) 5 - كتاب المساجد (1/385) ، 8 - باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، حديث (40) . والنسائي (3/12 - 13) ، كتاب السهو، باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة.

(1/42)


بلعنة الله ثلاثاً" وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من صلاته قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول شيئاً في الصلاة لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت (1) ، ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر (2) . ثم أردت أن آخذه، ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به وِلدان المدينة".
107 - فإذا كانت الشياطين تأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد عبادتهم، فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد، فكيف من هو دون الأنبياء؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال ومن أعظمها الصلاة والجهاد. وأكثر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد.
108 - فمن كان متبعًا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء. وأما من ابتدع دينًا لم يشرعوه، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلوَّ في الأنبياء والصالحين والشرك بهم فإن هذا يتلعب به الشياطين، قال تعالى (16: 99 - 100) : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}
__________
(1) في خ قال: "والتصحيح من مسلم".
(2) في ز، ب، خ: "فاستأخر". والتصحيح من مسلم والنسائي.

(1/43)


وقال تعالى (15: 42) : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ} .
109 - ومنها؛ أن يدعو الرائي بذلك ربَّه تبارك وتعالى ليبين له الحال.
110 - ومنها؛ أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة، ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.
111 - وهذا كما كان كثيرًا من العباد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشًا عظيماً وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصاً تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك الصورة هي الله تعالى وتقدس، ويكون ذلك شيطاناً.
112 - وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس، فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في /العبادة فرأيت عرشاً عظيماً وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر! أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك. قال: فقلت له أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ ياعدو الله. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر، نجوتَ مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلاً. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: "حلَّلت لك ما حرمت على غيرك"، وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال أنا ربك، ولم يقدر أن يقول أنا الله الذي لا إله إلا أنا.

(1/44)


113 - ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله، وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون الله تعالى في اليقظة، ومستندهم ما شاهدوه. وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان.
114 - وهذا قد وقع كثيراً لطوائف من جهال العباد، يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا لأن كثيراً منهم أُرِيَ ما ظن أنه الله وإنما هو شيطان.
115 - وكثير منهم رأى من ظن أنه نبي أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطاناً.
116 - وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" (1)
__________
(1) أخرجه البخاري، 3 - كتاب العلم، 38 - باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم حديث (110) ، وفي 78 - كتاب الأدب، 109 - باب من سمى بأسماء الأنبياء، حديث (6197) ، وفي 91 - كتاب التعبير، 10 - باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، حديث (6993) . ومسلم (4/1775) ، 42 - كتاب الرؤيا، 1 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "من رآني في المنام فقد رآني"، حديث (10، 11) . وابن ماجه، 35 - كتاب التعبير، 2 - باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، حديث (3901) . وأحمد (2/232، 411، 463) و (5/306) في مسند أبي قتادة. كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وأخرجه البخاري عن أبي قتادة 91 - كتاب التعبير حديث (6995، 6996) . ومسلم 42 - كتاب الرؤيا، تابع الحديث (11) . وأخرجه البخاري في التعبير، حديث (6994) . وأحمد (3/269) من حديث أنس - رضي الله عنه -.
وأخرجه الترمذي (3/365) ، أبواب الرؤيا، باب 3، حديث (2378) . وابن ماجه، 35 - كتاب تعبير الرؤيا، باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حديث (3900) . وأحمد (1/375، 400، 440) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. =

(1/45)


117 - فهذا في رؤية المنام؛ لأن الرؤية في المنام تكون حقًّا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به في المنام، وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا فمن ظن أن المرئي هو الميت فإنما أُتِيَ من جهله، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (1) .
118 - وبعض من رأى - هذا أو صدق من قال: إنه رآه - اعتقد أن الشخص الواحد يكون بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول.
119 - ومنهم من يقول هذه رقيقة ذلك المرئي أو هذه روحانيته أو هذه معناه لشكل (2) ولا يعرفون أنه جنّي تصور بصورته.
120 - ومنهم من يظن أنه مَلَك، والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة، والجن فيهم الكفار والفساق والجهال، وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم تسليماً، فكثير ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة.
121 - وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول هي روحانية الكواكب، ويظن بعضهم أنه
__________
= وأخرجه مسلم، 42 - كتاب الرؤيا، حديث (12، 13) . وابن ماجه 35 - تعبير الرؤيا 1 - باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حديث (3902) . وأحمد (3/305) من حديث جابر - رضي الله عنه -.
وأخرجه ابن ماجه 35 - تعبير، حديث (3904) من حديث أبي جحيفة - رضي الله عنه -.
(1) بل إن أكثر أصحاب هذه الدعوى، من المعروفين بالكذب في الأمور المحسوسة الملموسة، فمن كانت هذه حاله لا يصدق فيما يزعم وراء ذلك.
(2) قال السيد رشيد رضا رحمه الله: لعلها "تشكل" أي ظهر في شكل حسي.

(1/46)


من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين يغوون المشركين.
122 - والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان؛ فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها، وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك، وتارة يجلبون له من يريد من الإنس، وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك، فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقًا، وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد.
123 - فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة، مع أنه لم يحج حج المسلمين؛ لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال.
124 - ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية. فلا يُحرم إذا حاذى الميقات.
125 - ومعلوم أن من أراد نسكا بمكة لم يكن له أن يُجاوز الميقات إلا محرماً، ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأمورًا أيضاً بالإحرام من الميقات، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ فيه قولان مشهوران للعلماء.
126 - وهذا باب واسع، ومنه السحر والكهانة، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
127 - وعند المشركين عبَّاد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من / الحكايات ما يطول وصفه، فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًّا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من

(1/47)


ذلك ما كان من أسباب ضلاله، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم أو يظنون أنه في صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين.
128 - ومنهم من يقول هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله.
129 - وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك ومن وقعت له ما يطول وصفه.
130 - وأهل الجاهلية فيها نوعان: نوع يكذّب بذلك كله، ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله.
131 - فالأول يقول: إنما هذا خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج، فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجوداً أو تواتر عنده ذلك عمن رآه موجوداً في الخارج وأخبره به من لا يرتاب في صدقه كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك والعارفين به بالأخبار الصادقة.
132 - ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله، مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدّي فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس، ولا يجتنب محارم الله لا الفواحش ولا الظلم، بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف الله بها أولياءه في قوله تعالى (10: 62 - 63) : {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا

(1/48)


وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ، فيرون من هو مِن أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين.
133 - فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه، ويعتقد فيمن لا يصلي بل ولا يؤمن بالرسل، بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين.
134 - ومنهم من يبقى حائرًا مترددًا شاكاً مرتاباً، يقدم إلى الكفر رِجلاً وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
135 - وسبب ذلك؛ أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك قال تعالى (26: 221 - 222) : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} .
136 - وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع، ففيهم من الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم. وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهي دلالة وعلامة على ذلك، والجاهل الضالُّ يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله تعالى، وأنها علامة ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه.
137 - وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك في مسألة (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) ، ولم يعلم أن هذه الأحوال التي جعلها دليلاً على

(1/49)


الولاية تكون للكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام، والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله، فإذا وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان/ فضلاً عن الولاية ولا كانت مختصة بذلك، فامتنع أن تكون دليلاً عليه.
138 - وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق، وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة للمسلمين، والمقتصدون قد يستعملونها في المباحات، وأما من استعان بها في المعاصي فهو ظالم لنفسه، متعد حدَّ ربه، وإن كان سببها الإيمان والتقوى.
139 - فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها في طاعة الشيطان فهذا المال وإن ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه في طاعة الشيطان كان وبالاً عليه، فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهي تدعو إلى كفر آخر وفسوق وعصيان، ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام. ولبسط هذه الأمور موضع آخر.
140 - والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان؛ كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهيّ عانقه أو كلمه ظن أن ذلك هو النبي المقبور (أو الشيخ المقبور) (1) ، والقبر
__________
(1) سقط من: ز، ب.

(1/50)


لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط.
141 - ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذي رآه قد خرج من القبر: نحن لا نبقى في قبورنا، بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشي بين الناس.
142 - ومنهم من يرى ذلك الميت في الجنازة يمشي ويأخذه بيده، إلى أنواع أخرى معروفة عند من يعرفها.
143 - وأهل الضلال إما أن يكذبوا بها وإما أن يظنوها من كرامات أولياء الله، ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النبي أو الرجل الصالح أو ملك على صورته.
144 - وربما قالوا: هذا روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت، حتى قد يكون من يرى ذلك الشخص في مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون في الساعة الواحدة في مكانين، ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته ليس هو ذلك الإنسي.
145 - وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدْعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم (وغير قبورهم) (1) من المشركين الذين يدعون غير الله، كالذين يدعون الكواكب، والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، قال تعالى (3: 79 - 80) : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ
__________
(1) سقطت من: ز، ب.

(1/51)


وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، وقال تعالى (17: 56 - 57) : {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ، وقال تعالى (34: 22 - 23) : {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} .
146 - ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يُدعى غير الله لا من الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك. بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من / الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضي إلى ذلك، فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يُعبد في حياته بحضرته، فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى الشرك.
147 - فمن رأى نبياً أو ملكاً من الملائكة وقال له: "ادع لي" لم يفض ذلك إلى الشرك به، بخلاف من دعاه في مغيبه فإن ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع، فإن الغائب والميت لا ينهى من يشرك، بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدُعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين.

(1/52)


148 - ومعلوم أن الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى: (40: 7 - 9) {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقال تعالى (42: 5 - 6) : {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} .
149 - فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد. وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته، هو من هذا الجنس، هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد.
150 - وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون، لوجهين:
151 - أحدهما: أن ما أمر الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم، فلا فائدة في الطلب منهم.
152 - الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم ففيه هذه المفسدة، فلو قُدِّر أن فيه مصلحة لكانت

(1/53)


هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه. بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه، فإنهم ينهون عن الشرك بهم. بل فيه منفعة، وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم؛ فإنهم في دار العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة.
153 - وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجباً على السائل ولا مستحباً، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه.
154 - وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلاً على الله أفضل، قال تعالى (94: 7 -8) : {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} أي ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره. وقال تعالى (9: 59) : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} فجعل الإيتاء لله والرسول لقوله تعالى (59: 7) : {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فأمرهم بإرضاء الله ورسوله.
155 - وأما في الحَسْب فأمرهم أن يقولوا: {حسبنا الله} لا [أن] يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ويقولوا (1) (9: 59) : {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون، فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في الآية الأخرى (24: 25) : {ومن يطع الله
__________
(1) في خ: وقالوا.

(1/54)


ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
156 - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "يا غلام! إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جفَّ القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن يضرُّوك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، فإن استطعت أن تعمل/ لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً" (1) .
157 - وهذا الحديث معروف مشهور، ولكن قد يروى مختصراً، وقوله: "اذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" هو من أصح ماروى عنه.
__________
(1) أخرجه أحمد (1/293، 303، 307) من طريقين منقطعين، ومن طرق صحيحة متصلة إلى قيس بن الحجاج الكلاعي المصري وهو صدوق، عن حنش الصنعاني عن ابن عباس - رضي الله عنه - والترمذي (4/667) ، 38 - كتاب صفة القيامة، حديث (2516) من طريقين إلى قيس بن الحجاج به. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 174) : "وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي ومولاه عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عبد الله وعمرو مولى عفرة وابن أبي مليكة وغيرهم، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قاله ابن منده وغيره".

(1/55)


158 - وفي المسند لأحمد (1) أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً.
159 - وفي صحيح مسلم (2) عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع طائفة من أصحابه وأسرَّ إليهم كلمة خفية: أن لا تسألوا الناس شيئاً. قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه.
__________
(1) لم أجد هذا الحديث في المسند والذي وجدته في المسند (1/11) عن ابن أبي مليكة قال: "كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه فقال: إن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني ألا أسأل الناس شيئاً" وهو ضعيف لانقطاعه لأن ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر - رضي الله عنه -.
وقد ضعفه الشيخ أحمد شاكر (1/180) رقم (65) تحقيقه. وأخرج ابن ماجه (1/588) 8 - كتاب الزكاة، حديث (1836) عن ثوبان بإسناد حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن يتقبل لي بواحدة أتقبل له بالجنة؟ " قلت: أنا. قال: لا تسأل الناس شيئاً.
قال عبد الرحمن بن يزيد الراوي عن ثوبان: "فكان ثوبان يقع سوطه، وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه، حتى ينزل فيأخذه.
وله متابعة في أبي داود (2/295) 3 - كتاب الزكاة، حديث (1643) من طريق شعبة عن عاصم عن أبي العالية عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة". فقال ثوبان: أنا؛ فكان لا يسأل أحداً.
(2) (2/721) ، 12 - كتاب الزكاة 35 - باب كراهية المسألة للناس حديث (108) . وأخرجه أبو داود (2/294) ، 27 - باب كراهية المسألة حديث (1642) . وابن ماجه (2/957) ، 24 - كتاب الجهاد - باب 41 - باب البيعة، حديث (2867) . والنسائي (1/185 - 186) كتاب الصلاة، باب البيعة على الصلاة.

(1/56)


160 - وفي الصحيحين (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب"، وقال: "هم الذين لا يَسترْقُون ولا يكتوون ولا يتطيَّرون وعلى ربهم يتوكلون" فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون، أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك.
161 - وقد روي فيه "ولا يرقون" (2) وهو غلط، فإن رقيتهم (3) لغيرهم ولأنفسهم حسنة.
162 - وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه (4) .
__________
(1) البخاري، 76 - كتاب الطب، 17 - باب من اكتوى أو كوى غيره، حديث (5705) ، و 81 - الرقاق، 21 - باب "ومن يتوكل على الله فهو حسبه، حديث (6472) ، و 50 - باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، حديث (6541) .
ومسلم (1/199) ، 1 - كتاب الإيمان، باب 94، حديث (374) . والترمذي 38 - كتاب صفة القيامة، باب 16 - حديث (2446) . وأحمد (1/271، 321) . كلهم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما.
وأحمد (1/401، 403) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. ومسلم (1/198) ، 1 - كتاب الإيمان، 94 - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب، حديث (371، 372) من حديث عمران بن حُصين - رضي الله عنه -.
(2) هذه الزيادة في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رواها من طريق هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهي ضمن الحديث (374) السابق.
(3) في ز، ب: "رقياهم".
(4) يشير - رحمه الله - إلى حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها.
رواه البخاري: 66 - كتاب فضائل القرآن. 14 - باب فضل المعوذات حديث (5016) ، و 76 - كتاب الطب، 32 - باب الرقي بالقرآن والمعوذات، حديث (5735) . ومسلم، (4/1723) ، 39 - كتاب السلام، 20 - باب رقية المريض =

(1/57)


163 - وغيره (1) ولم يكن يسترقي، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به، فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى وغيره.
164 - وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق (2) قال له جبريل: سل، قال: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" (3) ليس له إسناد معروف وهو باطل.
165 - بل الذي ثبت في الصحيح (4) عن ابن عباس أنه قال:
__________
= بالمعوذات والنفث، حديث (50، 51) . وأبو داود (4/224) ، 22 - كتاب الطب 19 - باب كيف الرقى، حديث (3902) . ومالك في الموطأ (2/942 - 943) ، 50 - كتاب العين. 4 - باب في التعوذ من المرض، حديث (10) . وأحمد (6/104، 114) . وابن ماجه (2/1166) ، 31 - كتاب الطب، 38 - باب النفث في الرقية حديث (3529) .
(1) يشير - رحمه الله - إلى حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً يقول: "أذهب البأس، رب الناس اشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما".
انظر صحيح مسلم (4/1722) ، حديث (46 - 84) . ومسند أحمد (6/114) .
(2) آلة كانت تقذف بها الحجارة على الحصون في الحروب، وقذقوا بها إبراهيم لما أرادوا أن يحرقوه بالنار.
(3) ذكره البغوي في تفسيره تفسير سورة الأنبياء (3/250) قال: وروي عن أبي بن كعب، ثم ذكر قصة إحراق إبراهيم، وذكر خلاله قوله: "حسبي من سؤالي ... " إلخ. وقال العجلوني في كشف الخفاء (1/357) بعد ذكره هذا الأثر: وذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء بلفظ وروي عن كعب الأحبار ... وذكر قصة من جملتها هذا الأثر، ولعل ذهنه انتقل من أبي بن كعب إلى كعب الأحبار، وذلك أن الموجود في تفسير البغوي في الطبعتين إنما هو عن أبي بن كعب انظر الطبعة بحاشية الخازن (3/331) وكذلك الخازن نفسه (3/230) بالإضافة إلى طبعة دار المعرفة التي أحلنا إليها سابقاً.
فالأمر - كما قال شيخ الإسلام - ليس له إسناد معروف وهو باطل.
(4) البخاري، 65 - كتاب التفسير، 13 - باب {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} ، حديث (4563، 4564) . والحاكم في المستدرك (2/298) بإسناد البخاري. =

(1/58)


"حسبي الله ونعم الوكيل" قال ابن عباس: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قال لهم (1) الناس (3: 173) : {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} .
166 - وقد روي أن جبريل قال: هل لك من حاجة؟ قال: "أما إليك فلا" وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره (2) .
167 - وأما سؤال الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور في القرآن في غير موضع (3) ، فكيف يقول حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكل شيء عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه؛ لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين، وإجابة السائلين.
168 - وهو سبحانه يعلم الأشياء علىماهي عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضي بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته.
__________
= قال ابن كثير في تفسيره (2/147) : "والعجب أن الحاكم رواه من حديث أحمد بن يونس، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (5/238) .
(1) أي قالوا للرسول وللمؤمنين.
(2) لم أجده في المسند، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره (5/345) ، فقال: "وقد ذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ ... الأثر، ولم يعزه إلى المسند، وهو من حفاظ المسند. ورواه ابن جرير في تفسيره (17/45) بإسناده إلى معتمر بن سليمان عن بعض أصحابه، قال: جاء جبريل إلى إبراهيم عليه السلام فذكره، وذكره السيوطي في الدر (5/641) وعزاه إلى ابن جرير فحسب.
(3) سيذكر شيخ الإسلام بعض أدعية إبراهيم فيما يأتي قريباً.

(1/59)


169 - ولكن العبد قد يكون مأمورًا في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روي في الحديث:
"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
170 - وفي الترمذي (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" قال الترمذي: حديث حسن غريب.
171 - وأفضل العبادات البدنية الصلاة، وفيها القراءة والذكر والدعاء وكل واحد في موطنه مأمور به، ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفي الركوع، والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر (بالتسبيح والذكر وفي آخرها يؤمر) (2) بالدعاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القيام أيضاً وفي الركوع،/ وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل.
172 - فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور، وقد سأل الخليل وغيره، قال تعالى عنه (14: 37 - 41) : {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ
__________
(1) في (5/184) ، 46 - كتاب فضائل القرآن، حديث (2926) . والدارمي (2/317) ، فضائل القرآن، 6 - باب فضل كلام الله على سائر الكلام، حديث (3359) ، كلاهما من حديث عطية ابن سعد العوفي، وهو صدوق يخطيء كثيراً، وكان شيعياً مدلسا، وقد عنعن في هذا الحديث، وقد ذكره الحافظ في الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين (ص 50) : "وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع" وأورده الحافظ الضياء في كتاب فضائل الأعمال (ص 107) .
(2) من قوله: "بالتسبيح" إلى: "يؤمر" سقطت من: ز، ب.

(1/60)


لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} . وقال تعالى (2: 127 - 129) : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
173 - وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسنٌ مأمور به، وقد ثبت في الصحيح (1) عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (2) أي بمثل ما دعوت لأخيك به.
174 - وأما سؤال المخلوق المخلوق (3) أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى: (16: 43 و 21: 7) : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
__________
(1) مسلم (4/2094) ، 48 - كتاب الذكر، 23 - باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، حديث (86، 87) . وابن ماجه (2/967) ، 25 - مناسك، 5 - باب فضل دعاء الحاج حديث (2895) .
(2) في ز، ب: "بمثله".
(3) سقطت من: ز، ب.

(1/61)


كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: (10: 94) : {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} وقال تعالى: (43: 45) : {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} .
175 - وهذا لأن العلم يجب بذله، فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (1) . وهو يزكو على التعليم، لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل. ولهذا يشبه بالمصباح.
176 - وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة، لصاحبها أن يسألها ممن هي عنده.
177 - وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة التي يتولى قسمتها ولي الأمر، للرجل أن يطلب حقه (2) منه كما يطلب حقه
__________
(1) يشير إلى حديث رواه أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - أَمَّا حديث أبي هريرة، فأخرجه أبو داود 19 - كتاب العلم، 9 - باب كراهية منع العلم حديث (3658) . والترمذي، 42 - كتاب العلم، 3 - باب ما جاء في كتمان العلم حديث (2649) . وابن ماجه، 24 - باب من سئل عن علم فكتمه، حديث (261) . وابن عبد البر في جامع بيان العلم (ص4) . كلهم من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً. وذكره صاحب مشكاة المصابيح في كتاب العلم حديث (223) ، قال الشيخ الألباني - معلقاً عليه -: "صحيح وقد أعلّ بالانقطاع وليس بشيء".
وأما حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - فأخرجه الحاكم في المستدرك (1/102) بإسناده إلى أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، وقال: "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين وليس له علة". وابن حبان (1/169) ، حديث (96) . وابن عبد البر، جامع بيان العلم (ص5) وهو شاهد لحديث أبي هريرة. وانظر المدخل إلى الصحيح للحاكم (1/88 - 89) .
(2) سقطت من: ز، ب.

(1/62)


من الوقف والميراث والوصية، لأن المسئول (1) يجب عليه أداء الحق إلى مستحقيه.
178 - ومن هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه، وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما استطعم موسى والخضر أهل القرية.
179 - وكذلك الغريم له أن يطلب دَينه ممن هو عليه. وكل واحد من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه: فالبائع يسأل الثمن، والمشتري يسأل المبيع. ومن هذا الباب قوله تعالى: (4: 1) : {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ} .
180 - ومن السؤال ما لا يكون مأموراً به، والمسئول مأمور بإجابة السائل: قال تعالى (93: 10) : {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} وقال تعالى (70: 24 - 25) : {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وقال تعالى (22: 36) : {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} (2) .
181 - ومنه الحديث: "إن أحدكم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها ناراً" (3) وقوله: /"اقطعوا عني لسان هذا" (4) .
__________
(1) في ز، ب: "المستولي".
(2) القانع: الفقير الذي لا يسأل، والمعتر: المتعرض للسؤال.
(3) أخرجه أحمد في المسند (3/4، 16) من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.
وهو إسناد صحيح؛ لأن الأعمش وإن كان قد عنعن فيه فإنه من روايته عن أبي صالح، وهو من كبار شيوخه وما كان من روايته عن كبار شيوخه يحمل على الاتصال، انظر الميزان للذهبي (2/224) .
(4) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/160) وقال: "سببه كما رواه الخطابي في الغريب عن ابن شهاب وذكر مثله عن عكرمة وقال: هما مرسلان". =

(1/63)


182 - وقد يكون السؤال منهياً عنه نهي تحريم أو تنزيه، وإن كان المسئول مأموراً بإجابة سؤاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من كماله أن يعطي السائل، وهذا في حقه من فضائله ومناقبه، وهو واجب أو مستحب، وإن كان نفس سؤال السائل منهيًّا عنه.
183 - ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين، كما أشار عليه عمر في بعض مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم (1) فقال عمر: يا رسول الله! كيف بنا إذا لقينا العدو غدًا رجالاً (2) جياعاً! ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك. وفي رواية: فإن الله سيغيثنا بدعائك (3) .
184 - وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى
__________
= وقد رجعت إلى غريب الخطابي في ضوء إشارة المفهرس إلى جزء (2/6) فلم أجده، وذكره ابن الجوزي في غريب الحديث (2/254) وابن الأثير في النهاية (4/83) بدون إسناد.
(1) أي ما يركبون ظهوره من دوابهم.
(2) رجالاً: أي مشاة على أرجلهم.
(3) صحيح مسلم، (1/55 - 56) ، كتاب الإيمان، 10 - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً، حديث 44، 45. والمسند لأبي عوانة (1/7 - 9) . والمستخرج لأبي نعيم (ق13/1) . كلهم من حديث أبي هريرة وفيها "ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك".
وفي البخاري، 47 - كتاب الشركة، حديث، (2484) ، 56 - كتاب الجهاد، 123 - باب حمل الزاد في الغزو حديث (2982) من حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -. ولم أجد في الحديثين، قوله: "فإن الله سيغيثنا بدعائك"، ولعل شيخ الإسلام رواه بالمعنى أو أنه في بعض المصادر فلم أقف عليه.

(1/64)


أن يدعو الله له ليرد عليه بصره (1) ، وكما سألته أم سُلَيم أن يدعو الله لخادمه أنس (2) ، وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين (3) ، ونحو ذلك.
185 - وأما الصديق فقد قال الله فيه وفي مثله (92: 17 - 21) : {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} .
186 - وقد ثبت في الصحاح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: "إن أمنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" فلم يكن في الصحابة أعظم منَّةً من الصديق في نفسه وماله (4) .
__________
(1) سيأتي تخريجه.
(2) البخاري: 30 - كتاب الصوم، 61 - باب من زار قوماً فلم يفطر عندهم، حديث (1982) ، 80 - كتاب الدعوات، 26 - باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله، حديث (6344) . ومسلم (4/1928) ، 44 - فضائل الصحابة، 32 - باب من فضائل أنس بن مالك - رضي الله عنه -، حديث (141، 144) . والترمذي (5/681) ، 50 - كتاب المناقب، 46 - باب مناقب أنس، حديث (3829) . ومسند الطيالسي (ص 267) حديث (1987) . ومسند أحمد (3/108، 193) . كلهم عن أنس - رضي الله عنه - عن أم سليم أنها قالت: "يا رسول الله!. أنس خادمك ادع الله له. قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته". واللفظ للترمذي.
(3) أخرجه مسلم (4/1939) ، 44 - كتاب فضائل الصحابة 35 - باب من فضائل أبي هريرة، حديث (158) ، وهو بقية حديث تقدم (ص 4) .
(4) البخاري، 8 - كتاب الصلاة، 80 - باب الخوخة في المسجد حديث (466) ، (7/12) فتح 62 - فضائل الصحابة، 3 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر ... "، حديث (3654) . وأحمد (1/270) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وأحمد (3/18) . ومسلم (4/1854) ، 44 - فضائل الصحابة، =

(1/65)


187 - وكان أبو بكر إنما يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق، فقال تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} فلم يكن لأحد عند الصديق نعمة تجزى، فإنه كان مستغنياً بكسبه وماله عن كل أحد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم، وتلك النعمة لا تجزى، فإن أجر الرسول فيها على الله كما قال تعالى (26: 127) : {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1) .
188 - وأما عليٌّ وزيد (2) وغيرهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان له عندهم نعمة تجزى، فإن زيداً كان مولاه فأعتقه، قال تعالى (33: 37) : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} ، وعليٌّ كان في عيال النبي صلى الله عليه وسلم لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم والعباس التخفيف عن أبي طالب من عياله، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم علياً إلى عياله وأخذ العباس جعفراً إلى عياله، وهذا مبسوط في موضع آخر.
__________
= حديث (2) . والترمذي (5/608) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. ومسلم (4/1855) ، 44 - كتاب فضائل الصحابة، حديث (3 - 7) من حديث أبي سعيد ومن حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وليس فيه "إن من أمن الناس".
وأحمد (3/478) . والترمذي (5/607، 608) من حديث أبي المعلى - رضي الله عنه -.
(1) في خ: كتبت الآية خطأ.
(2) هو زيد بن حارثة الكلبي ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت الآية: {ادعوهم لآبائهم} الأحزاب: 5.

(1/66)


189 - والمقصود هنا أن الصديق كان أمنَّ الناس في صحبته وذات يده لأفضل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله كاشترائه المعذبين. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً في خاصة نفسه لا إلى أبي بكر ولا غيره، بل لما قال له في سفر الهجرة: إن عندي راحلتين فخذ إحداهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بالثمن" (1) . فهو أفضل صديق لأفضل نبي، وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من أحد من الخلق، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم.
190 - ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى عمن أثنى عليهم (76: 9) : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} .
191 - والدعاء جزاء كما في الحديث "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه (2) به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (3) .
192 - وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى
__________
(1) البخاري (7/230) فتح، 63 - مناقب الأنصار، 45 - باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حديث (3905) .
و (10/273 - 274) ، 77 - كتاب اللباس، 16 - باب التقنع حديث (5807) . وأحمد (6/198) من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها-.
(2) في خ: "تكافئوه"، والتصحيح من: أبي داود.
(3) أخرجه أبو داود (2/310) ، 3 - كتاب الزكاة، 38 - باب عطية من سأل بالله، حديث (1672) . وأحمد (2/68، 99، 6127) . والنسائي (5/61) ، كتاب الزكاة، باب من سأل بالله عز وجل. مِنْ حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.

(1/67)


أجرنا على الله.
193 - وقال بعض السلف إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، فمن عمل خيراً مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبياً أو رجلاً صالحاً أو ملكاً من الملوك أو غنياً من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصاً لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي ولا رجل / صالح ولا ملك (1) من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين.
194 - وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل فلا يقبل من أحد ديناً غيره، قال تعالى (3: 85) : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} .
195 - وكان نوح وإبراهيم وموسى والمسيح وسائر أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام، قال نوح (10: 72) : {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} ، وقال عن إبراهيم (2: 130 - 132) : {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الأخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، (10: 84) : {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} ، وقالت السحرة
__________
(1) سقطت من: ز، ب.

(1/68)


(7: 126) : {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} ، وقال يوسف (12: 101) : {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ، وقال تعالى (5: 44) : {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} ، وقال (5: 111) عن الحواريين: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} .
196 - ودين الإسلام مبني على أصلين (1) : أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيُعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل.
وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أُمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا (2) عن دين الإسلام.
197 - فكلُّ من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم. ولا بد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين، كما قال تعالى (98: 4 - 5) : {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ *
__________
(1) وقد أفاض شيخ الإسلام بشرح هذا المعنى في كتابه "العبودية" انظر (ص 170) ، وراجع المقدمة (ص 16) طبعة المكتب الإسلامي الثانية.
(2) في خ: "خروج".

(1/69)


وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} ، وقال تعالى (39: 1 - 3) : {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} .
198 - فكل ما يفعله المسلم من القُرَب الواجبة والمستحبة، كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال، هو مأمورٌ بأن يفعله خالصاً لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء؛ لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء؛ لا دعاء ولا غيره.
199 - وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب، بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع، ويكون المسئول مأموراً بالإعطاء قبل السؤال، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك صلى الله عليه وسلم، فإنه أجل قدراً وأغنى بالله من غيره.
200 - فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك.
ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم النفس.
201 - فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله. وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، وإن كان هو

(1/70)


ينتفع بدعائهم له فهو أيضاً ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة.
202 - فإنه ثبت عنه في الصحيح (1) أنه قال:
"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً" (2) .
203 - ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات، فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً (3) .
204 - ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا إليه ثواب الأعمال، لأن له مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيئاً (4) . وليس كذلك الأبوان، فإنه ليس كل ما يفعله الولد [يكون] للوالد مثلُ أجره، وإنما ينتفع / الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب.
205 - كما قال في الحديث الصحيح (5) :
__________
(1) مسلم (4/2060) ، 47 - كتاب العلم، 6 - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، حديث 16. وأبو داود (5/16) ، 34 - كتاب السنة، 7 - لزوم السنة، حديث (4609) . والترمذي (5/43) ، 42 - كتاب العلم، 15 - باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع، حديث (2674) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (1/74) ، المقدمة 14 - باب من سن سنة حسنة أو سيئة حديث (206) . وأحمد (2/397) .
(2) في ز، ب: "شيء".
(5) صحيح مسلم (3/1255) ، 25 - كتاب الوصية 3 - باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث (14) . وأبو داود (3/300) ، (12) كتاب الوصايا، 14 - باب ما جاء في الصدقة عن الميت، حديث (2880) . والنسائي (6/210) ، كتاب =

(1/71)


"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له".
206 - فالنبي صلى الله عليه وسلم - فيما يطلبه من أمته من الدعاء - طلبُه طلبُ أمر وترغيب ليس بطلب سؤال. فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا قد أمر الله به في القرآن بقوله (33: 56) : {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة.
207 - ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح مسلم (1) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في
__________
= الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت. والبخاري في الأدب المفرد (ص 28) . والطحاوي في مشكل الآثار (1/85) . والبيهقي في السنن الكبرى (6/278) . كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(1) (1/288) ، 4 - كتاب الصلاة، 7 - باب استحباب القول مثل قول المؤذن، حديث (11) ، وأبو داود (1/359) . كتاب الصلاة، 36 - باب ما يقول إذا سمع المؤذن حديث (523) . والنسائي (2/22) ، كتاب الأذان، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص (49) . وأحمد (2/169) . كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -.
والترمذي (5/586) ، 50 - كتاب المناقب، 1 - باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (3612) . وأحمد (2/265، 365) وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص47) وفي إسناده ليث بن أبي سليم صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه. وأحمد (3/83) من حديث أبي سعيد الخدري من طريق موسى بن داود عن ابن لهيعة، وابن لهيعة صدوق اختلط بعد احتراق كتبه.

(1/72)


الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة".
208 - وفي صحيح البخاري (1) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. حلت له شفاعتي يوم القيامة".
209 - فقد رغَّب المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة، وبيَّن أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، فإن الجزاء من جنس العمل.
210 - ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد (2) وأبو داود (3)
__________
(1) 10 - كتاب الأذان، 8 - باب الدعاء عند النداء، حديث (614) . وأبو داود (1/362) ، 2 - كتاب الصلاة، 38 - باب ما جاء في الدعاء عند الأذان، حديث (526) . والنسائي (2/22) كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان. والترمذي (1/413) . أبواب الصلاة، باب 157، حديث (211) . وأحمد (3/354) . وابن ماجه (1/239) ، 3 - كتاب الأذان، حديث (722) . والسنن الكبرى للبيهقي (1/410) . كلهم من حديث جابر - رضي الله عنه -.
أَمَّا كلمة "الدرجة الرفيعة" فهي مدرجة ولم يذكرها أحد إلا ابن السني.
وكذلك كلمة "إنك لا تخلف الميعاد" عند البيهقي، فهي شاذة.
وهاتان الكلمتان لعلهما من زيادة بعض نساخ هذا الكتاب. والله أعلم. انظر: الإرواء (1/260، 261) .
(2) (1/29) .
(3) (2/169) ، كتاب الصلاة، 358 - باب الدعاء، حديث (1498) .

(1/73)


والترمذي (1) وصححه، وابن ماجه (2) أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال: "ولا تنسنا يا أخي من دعائك".
211 - فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه. وهو صلى الله عليه وسلم أيضاً ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضاً بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له.
212 - ومن هذا الباب قول القائل: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قال: الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت (3) فهو خير لك" قال: النصف؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك" قال: الثلثين؟ قال: "ما شئت، وإذا زدت فهو خير لك" قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك" رواه أحمد (4) في مسنده والترمذي (5)
__________
(1) (5/559) ، 49 - كتاب الدعوات، باب 110 حديث (3562) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(2) (2/966) ، 25 - كتاب المناسك 5 - باب فضل دعاء الحاج، حديث (2894) . كلهم من طريق عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن سالم عن أبيه أن عمر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم به.
وعاصم ضعيف. وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (1/690) وفي ضعيف الجامع (6/78) .
(3) في خ: "أردت".
(4) (5/136) من حديث وكيع.
(5) (4/636 - 637) ، 38 - كتاب صفة القيامة، باب 23 حديث (2457) من حديث قبيصة.

(1/74)


وغيرهما (1) .
213 - وقد بسط الكلام عليه في (جواب المسائل البغدادية) (2) .
214 - فإن هذا كان له دعاء يدعو به، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، فإنه كما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: "آمين، ولك بمثلٍ" (3) فدعاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك.
215 - ومن قال لغيره من الناس: ادع لي - أو لنا - وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح.
216 - وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك،
__________
(1) منهم الحاكم في المستدرك (2/421) من طريق قبيصة.
والإمام إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص 29) ، حديث (14) من طريق سعيد بن سلام العطار. كلهم عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، وقال العلامة الألباني في تعليقه عليه: "حديث جيد".
وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل لينه أبو حاتم الرازي وابن خزيمة واحتج بحديثه أحمد وإسحاق، ووثقه البخاري والترمذي وحسن الذهبي حديثه، وهو الأعدل والأقرب.
(2) يبحث عن جواب المسائل البغدادية.
(3) تقدم تخريجه في ص 61.

(1/75)


بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تَرْكه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله (1) أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع.
217 - وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل إمّا أن يكون مفسدة محضة أو مفسدة راجحة، وكلاهما غير مشروع.
218 - فقد تبين أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء من غيره هو من باب الإحسان إلى الناس / الذي هو واجب أو مستحب.
219 - وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم هو من باب الإحسان إلى الموتى الذي هو واجب أو مستحب، فإن الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة، فالصلاة حقٌّ الحقِّ في الدنيا والآخرة، والزكاة حقٌّ الخلق.
220 - فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده، بأن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئاً. ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين،
__________
(1) في ز، ب: "ورسوله" وهذا خطأ فاحش من الطابعين، والصواب وسؤاله كما في الأصل لأنه لا يجوز أن تكون الرغبة إلى غير الله، كما قال تعالى: {وإلى ربك فارغب} سورة الشرح: 8، {إنا إلى الله راغبون} . سورة التوبة: 59.

(1/76)


فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق، فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو بهم (1) ، لا يقصدون السلام عليهم ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين، وكانوا مؤذين ظالمين لمن يسألونه، وكانوا ظالمين لأنفسهم. فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة.
221 - فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى (4: 36) : {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} وهذا أمر بمعالي الأخلاق، وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها.
222 - وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه الحاكم في صحيحه (2) .
__________
(1) في ز، ب: "أنهم" بدل "بهم" وهو غلط.
(2) المستدرك (2/613) . وأحمد (2/381) . والبخاري: في الأدب المفرد (ص 104) ، حديث (273) . وابن سعد في الطبقات (1/192) . كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وحسن الألباني إسناده، ثم قال: وله شاهد. أخرجه ابن وهب في الجامع (ص 75) ، أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعاً به، وهذا مرسل حسن الإسناد، =

(1/77)


223 - وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى" (1) .
__________
= فالحديث صحيح، وقد رواه مالك في الموطأ (2/904) ، وقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره.
انظر الصحيحة (1/75) حديث (45) .
(1) البخاري، 24 - كتاب الوصايا، باب 9 - حديث (2750) . و 24 - كتاب الزكاة، 18 - باب لا صدقة إلا عن ظهر غني، حديث (1427) ، ومسلم (2/718) ، 32 - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، حديث (96) . وأحمد (3/402) . والنسائي (5/45) ، كتاب الزكاة، باب اليد العليا. والدارمي (1/327) 22 - باب فضل اليد العليا، حديث (1660) . كلهم من حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه -.
والبخاري 24 - كتاب الزكاة، باب 18 - باب لا صدقة إلا عن ظهر غني حديث (1429) . ومسلم (2/717) ، 12 - كتاب الزكاة، 32 - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، حديث (94) . والنسائي (5/26) كتاب الزكاة، باب اليد السفلى. أحمد (2/4) . وأبو داود (2/297) . 3 - كتاب الزكاة، 28 - باب الاستعفاف، حديث (1648) . والدارمي (2/327) ، كتاب الزكاة، باب فضل اليد العليا، حديث (1659) . والموطأ (2/998) ، 58 - كتاب الصدقة، حديث (8) . كلهم من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
والبخاري، كتاب الزكاة، حديث (1428) حوالة على حديث حكيم. والنسائي (5/46) ، كتاب الزكاة، باب الصدقة عن ظهر غني. والترمذي (3/55) ، 5 - كتاب الزكاة، 38 - باب ما جاء في النهي عن المسألة، حديث (680) . وأحمد (2/230) . كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ومسلم (2/718) ، 12 - كتاب الزكاة، 32 - باب بيان أن اليد العليا خير من السفلى، حديث (97) . وأحمد (5/262) من حديث أبي أمامة.
وأحمد (3/330، 346) ، من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -.
وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي سعيد الخدري، والزبير بن العوام، وعطية السعدي، وعبد الله ابن مسعود، ومسعود بن عمرو، وابن عباس، وثوبان، وزياد بن الحارث الصدائي، وأنس، وحبشي ابن جنادة وقبيصة بن مخارق، وسمرة، وابن عمر - رضي الله عنهم أجمعين -.

(1/78)


224 - وقال: "اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة (1) " (2) .
225 - وهذا ثابت عنه في الصحيح. فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم؟.
226 - وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله؟
227 - وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟.
228 - فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة، ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها، ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول، قال تعالى (36: 60 - 62) : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ
__________
(1) في ز: "هي السائلة".
(2) البخاري 24 - الزكاة، 18 - باب لا صدقة إلا عن ظهر غني، حديث (1429) . وأخرجه مسلم (2/717) ، 12 - الزكاة حديث (94) . والنسائي (5/46) ، كتاب الزكاة، باب أيتها هي العليا. وأبو داود (2/297) 3 - كتاب الزكاة، 28 - باب في الاستعفاف حديث (1648) . ومالك في الموطأ (2/998) ، 58 - كتاب الصدقة، حديث (8) . وأحمد (1/446) .
وهو جزء من حديث ابن عمر، الذي سبق تخريجه ويشهد لهذا الجزء حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأيدي ثلاثة؛ فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى".
وفيه إبراهيم بن مسلم الهَجَري، لين الحديث لكنه يصلح للاستشهاد.

(1/79)


لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} ، وقال تعالى (15: 42) : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ} ، وقال تعالى (16: 98 - 99) : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} ، وقال تعالى (43: 36 - 37) : {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} ، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزل الله على رسوله الذي قال فيه (15: 9) : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وقال تعالى (20: 123 - 126) : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} ، وقد قال تعالى (7: 1 - 3) ، {المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} ، وقد قال تعالى (14: 1 - 2) : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ، وقال تعالى (42: 52 - 53) : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الأيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا

(1/80)


نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ/ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} .
229 - فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بفعل ما أمر، وترك ما حظر، وتصديقه فيما أخبر، لا طريق إلى الله إلا ذلك. وهذا سبيل أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين، وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال، وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال تعالى (53: 1 - 4) : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى} وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} .
230 - وقد روى الترمذي (1) وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون". قال الترمذي: حديث صحيح.
__________
(1) (5/203) ، 48 - كتاب التفسير، سورة الفاتحة، جزء من حديث برقم (2953) ، (5/204) ، حديث (2954) . وأحمد (4/378) كلاهما من طريق سماك بن حرب، سمعت عباد ابن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم، وساقا حديثاً طويلاً منه هذا القدر الذي ساقه شيخ الإسلام.
وعباد بن حبيش مقبول لكن له متابعتان رواهما ابن جرير في تفسيره (1/79 - 80) .
1 - قال: حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي عن عدي بن حاتم مرفوعاً.
2 - من طريق محمد بن مصعب عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم مرفوعاً. بلفظ "المغضوب عليهم هم اليهود". =

(1/81)


231 - وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى.
232 - وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
233 - فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم (2: 44) : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} .
234 - ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم (5: 77) : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} .
235 - فالأول من الغاوين، والثاني من الضالين؛ فإن الغي اتباع الهوى، والضلال عدم الهدى، قال تعالى (7: 175 - 176) : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، وقال تعالى (7: 146) : {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ
__________
= وله شاهد مرسل رواه ابن جرير في الموضع المشار إليه. من طرق إلى عبد الله بن شقيق. وبهاتين المتابعتين والشاهد المرسل تتقوى رواية عباد بن حبيش فترتقي إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.

(1/82)


يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} . ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء. نسأل الله تعالى (1) أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
__________
(1) سقطت من: ز، ب.

(1/83)