رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

المبحث الثالث: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانا
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانا في الدنيا
...
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانًا في الدنيا.
ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا عياناً، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" 1
__________
1 أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2/28) من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر.
وابن حبان في صحيحه (248) - موارد -. وأخرجه أبو يعلى في المسند (4/69-70) ، كلاهما من طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر.
وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح (4/263) . والبغوي في شرح السنة (7/159) .
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/439 برقم751-752) .
وابن عبد البر في التمهيد (1/120) . جميعهم من طريق مرزوق الباهلي، عن أبي الزبير عن جابر. ولفظه "إذا كان يوم عرفة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ... " الحديث.
وقال الألباني: "إسناده ضعيف لضعف أبي الزبير"، انظر صحيح ابن خزيمة (4/263) .

(1/77)


وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " 1"2.
__________
1 أخرجه الإمام مالك في الموطأ (1/214) . والإمام أحمد في المسند (2/264) .
ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر (1/521، ح758) . وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب أي الليل أفضل (2/76 ح135) . والترمذي في سننه، كتاب الدعوات (5/526 ح3498) عن أبي هريرة.
والحديث متواتر عن أكثر من عشرين صحابيا.
2 مجموع الفتاوى 3/386-388

(1/78)


المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.
علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عياناً، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له أصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.
وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم"1.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:
1- الحديث الأول.
عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - مرفوعا: "رأيت ربي عز وجل على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".
أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1/180) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".
__________
1مجموع الفتاوى 3/389.

(1/79)


والسيوطي في اللآلي المصنوعة 1/27.
وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/139 رقم 17 وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".
2- الحديث الثاني.
عن أبي رزين العقيلي - رضي الله عنه - مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".
أورده الذهبي في ميزان الاعتدال 1/513 وفي السير 18/16-17.
والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص 12-13.
والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص 102.
واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.

(1/80)