رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

المبحث الثاني: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة
...
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.
الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:
1- الحديث الأول.
عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: "احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا فثوّب1 بالصلاة، وصلى وتجوّز2 في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت3 فإذا أنا بربي - عز وجل - في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ 4. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ر. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: في الكفارات والدرجات. قال وما الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد
__________
1 ثوّب من التثويب: وهو إقامة الصلاة.
2 تجوّز في صلاته، أي: خففها.
3 استثقلت، أي: نمت.
4 المراد بهم الملائكة.

(1/57)


بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات.
قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها وتعلموها".
هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة -رضي الله عنهم- من عدة طرق إليك تفصيلها:
الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - مرفوعا..
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/243. والترمذي في السنن 5/368 كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم 3235 وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد 2/540 رقم 320 وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك 1/521. والطبراني في المعجم الكبير 20/109. والدارقطني في الرؤية ص 167 رقم 253 وص 170 رقم 259. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (6/54-57 رقم 973) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/125. وابن عدي في الكامل 6/2344

(1/58)


والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 55-56 رقم 74-75.
وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي 6/2344 وتهذيب التهذيب6/205.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.
أخرجه الدارمي في السنن 2/126 كتاب الرؤية باب في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد 2/534 رقم 318. وابن أبي عاصم في السنة 1/169 رقم 388 وفي 1/204 رقم 467-468 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1549-1551 رقم 1041. والحاكم في المستدرك 1/520 وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/514 رقم 901-902 مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص 170 رقم 260. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 57 رقم 77 وص 58 رقم 80-81. والبغوي في تفسيره 7/101 وفي شرح السنة 4/35-36 رقم 924. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/17. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/176-177 وقال رجاله ثقات.
وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان 2/571 والإصابة 2/405 وتهذيب التهذيب 6/204.
الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا.
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/378.وعبد الله بن أحمد في السنة 2/489 رقم 1121. وابن خزيمة في التوحيد 2/537.

(1/59)


الرابع: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا.
أخرجه الترمذي في السنن 5/366 كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم 3234 وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد 2/538 رقم 319. وابن أبي عاصم في السنة 1/204 رقم 469 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1547-1549رقم 1039-1040. والدارقطني في الرؤية ص 175-176 رقم 268-269. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا.
وجاء من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعا دون ذكر خالد بن اللجلاج.
أخرجه أحمد في المسند 1/368 وقال الشيخ أحمد شاكر - في تعليقه على المسند - 5/162: "إسناده صحيح". والترمذي في السنن 5/366 كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم 3233. وابن خزيمة في التوحيد 2/540 رقم 320. والدراقطني في الرؤية ص 176 رقم 271-273. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 56 رقم 76. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/21.
وقال الترمذي بعد الحديث: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس".
الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرجه ابن خزيمة في التوحيد 2/543. وابن أبي عاصم في السنة 1/204

(1/60)


رقم 470 وقال الألباني: "حديث صحيح بما تقدم له من الشواهد". والدارقطني في الرؤية ص 181 رقم 284-287. والبزار كما في كشف الأستار 3/13-14 رقم 2128. والبغوي في شرح السنة 4/38-39 رقم 925. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 60 رقم 83. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/177-178 وقال: "رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" وكذا قال الألباني في تخريج السنة 1/205: "أنه لا يعرف أبا يحي". وعرفه ابن خزيمة كما في التوحيد 2/543 فقال: "هو عندي سليمان أو سليم ابن عامر". وجزم بذلك البغوي في شرح السنة 4/39 فقال: "هو سليم بن عامر الخبارائي تابعي سمع أبا أمامة". وهو ثقة. انظر التقريب ص 404.
وفيه أبو يزيد الشامي لا يعرف بجرح ولا تعديل "التوحيد 2/544 وشرح السنة 4/39" وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 9/459 ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
السادس: عن أبي أمامة - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/170 رقم 379 وفي 1/203 رقم 466 وقال الألباني: "حديث صحيح". والطبراني في الكبير 8/349 رقم 8117. والدارقطني في الرؤية ص 178-180 رقم 277-280. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 58 رقم 78. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى ابن مردويه. وقال الهيثمي في المجمع 7/179: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو حسن

(1/61)


الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قال الحافظ في التقريب ص 817-818 عن ليث: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك".
السابع: عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/203 رقم 465 وقال الألباني: "إسناده حسن". وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
الثامن: عن ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 180 رقم 283. والبزار كما في كشف الأستار 3/14-15 رقم 2129. وقال الهيثمي في المجمع 7/178: "رواه البزار وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك".
وانظر ترجمته في تهذيب الكمال 10/495 وقال عنه الحافظ في التقريب ص 381: "متروك".
التاسع: عن أبي رافع - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه الطبراني في الكبير 1/317 رقم 938. وقال الهيثمي في المجمع 1/237: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه لم أر من ترجمهما". وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 1/227 رقم 1151.
العاشر: عن أبي هريرة مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 182 رقم 288. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 59 رقم 82. واللالكائي في شرح أصول

(1/62)


الاعتقاد3/520 رقم 919. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/20. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
وفيه عبد الله بن أبي حميد قال عنه الحافظ في التقريب ص 637: "متروك الحديث".
الحادي عشر: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 178 رقم 276 وص 189 رقم 315. وابن حبان في المجروحين 3/135. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 58 رقم 79. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/20.والسيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب. وابن حجر في الإصابة 2/406 ونسبه إلى الطبراني في السنة.
وفيه يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب ص 1094: "متروك".
الثاني عشر: عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 180 رقم.
الثالث عشر: عن أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 8/151-152. وبإسناده ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/16 من طريقين. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/598 ونسبه إلى الطبراني في السنة والخطيب.
وقد ورد في بعض ألفاظ حديث أبي عبيدة زيادة قوله صلى الله عليه وسلم: "لما كانت ليلة أسري بي ... إلخ" كما أوردها السيوطي في الدر إلا أن هذه الزيادة لم ترد في رواية الخطيب للحديث وعنه ابن الجوزي.
وقد جزم الإمام ابن القيم بأنها خطأ فقال رحمه الله: "وهو حديث لا

(1/63)


يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث ثم قال: "وهذا غلط قطعا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة".التبيان في أقسام القرآن ص260-261.
الرابع عشر: عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - مرفوعا.
أورده السيوطي في الدر المنثور 5/598 ونسبه إلى ابن مردويه. وفي اللفظ الذي أورده السيوطي الزيادة نفسها التي في حديث أبي عبيدة وقد سبق الكلام عليها والله أعلم.
وللحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - رسالة في شرح هذا الحديث تحت عنوان (اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) طبعت بتحقيق حسين الجمل في مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط1-1407هـ.
وهناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، وذلك في مختلف الروايات التي جاءت من طرق أخرى عن أربعة عشر صحابيا، كما هو مبين في تخريج الحديث، إلا أني لم أتعرض لاختلاف ألفاظه؛ لأن جميع من رووه اتفقوا على الجملة الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم "رأيت ربي في أحسن صورة" وهي موطن الشاهد في هذه المسألة.
وقد وردت أحاديث أخرى فيها إثبات الرؤية المنامية، لكن في تصحيحها وتضعيفها نزاع كبير بين أهل العلم وهي:

(1/64)


2- الحديث الثاني:
عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربي عز وجل".
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند 1/285،290. وعبد الله بن أحمد في السنة 2/484 رقم 1117، وفي2/503 رقم1167. وابن أبي عاصم في السنة 1/188 رقم 433، وفي 1/191-192 رقم 440. والآجري في الشريعة 3/1542 رقم 1033. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد 3/512-513 رقم 897. والذهبي في السير 10/113-114. وأورده الهيثمي في المجمع /78 وقال: "رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير في تفسيره 7/425: "إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية". وقال الألباني في تخريج السنة 1/188: "حديث صحيح مختصر من حديث الرؤية". وقال: "أخرجه – أيضا - الضياء في المختارة 66/79/1" ثم قال: "وروى الضياء في المختارة عن أبي زرعة الرازي: "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح ولا ينكره إلا معتزلي".
وجاء من طرق أخرى بلفظ آخر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات 2/363-364 رقم 938، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/133-136، 143، والخطيب في تاريخ بغداد 11/214، وابن عدي في الكامل 2/677، وأبو بكر بن أبي داود والطبراني في السنة كما في اللالئ المصنوعة 1/29، وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/22-23، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 1/228 رقم 1152.

(1/65)


كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي - عز وجل - جعدا أمرد عليه حلة خضراء" أو نحو ذلك.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/23: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".
وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال 3/577-579، وابن عدي نفسه قال في الكامل: "إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل 1/243-244.
وقال الذهبي في السير 10/113-114: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".
ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة 1/31 عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها

(1/66)


غير حماد بن سلمة".
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل 1/244 على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".
وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق
الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات 1/139-145.
3- الحديث الثالث:
عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب - رضي الله عنهما - قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه - عز وجل - في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/205 رقم 471. والطبراني في المعجم الكبير 25/143 رقم 346. والبيهقي في الأسماء والصفات 2/367-369 رقم 942. والدارقطني في الرؤية ص 190 رقم 316. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/141. والخطيب في تاريخ بغداد 13/311. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/15 وفي الموضوعات 1/181 من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد 7/179. والسيوطي في اللالئ المصنوعة 1/30. وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/145. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص 447-448. والمتقي الهندي في كنز العمال 1/228 رقم 1153

(1/67)


وقال ابن حبان في الثقات 5/245: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".
وقال البخاري في التاريخ الكبير 6/3111: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط 1/435 "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث" وانظر: تاريخ بغداد 13/311.
ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله عز وجل. قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان" اهـ. انظر إبطال التأويلات 1/140.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".
وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص 447، 448 وقال: "موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".
لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله - بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن

(1/68)


الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.
ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.
ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.
ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.
وقال الألباني في تخريج السنة 1/205 رقم 471: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".

(1/69)


المطلب الثاني: القول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام.
أثبت العلماء رؤية النبي صلى الله عليه وسلم المنامية لربه - عز وجل -، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - تبارك وتعالى - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد"1.
وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا" وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها،
__________
1 زاد المعاد 3/37

(1/70)


والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء 1] .
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج"1.
__________
1 مجموع الفتاوى 3/387 - 388

(1/71)


المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا
ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.
قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"1.
قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني نعست فرأيت ربي" وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله سبحانه وتعالى {أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران 77] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة"2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة،
__________
1 الرد على المريسي (ضمن عقائد السلف) ص (523)
2 شرح السنة للبغوي 12/227-228.

(1/72)


وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق"1.
وقال - رحمه الله - في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلاً، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجاباً بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلاً ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.
وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي،
__________
1 مجموع الفتاوى 3/390.

(1/73)


وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملاً صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم"1.
__________
1نقض تأسيس الجهمية (1/73-74)

(1/74)