المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا

المبحث السابع: التوبة
أولاَ: معنى التوبة لغة واصطلاحاً
...
المبحث السابع: التوبة
إن الذنوب والمعاصي لا يسلم أحد منها إلا أن يكون نبياً يعصمه الله عز وجل.
إلا أن الله تبارك وتعالى كما جعل اللقاحات الواقية من الذنوب جعل أيضاً الأدوية الناجعة للشفاء من المرض لمن وقع فيه وهي التوبة، فمن أذنب وعصى فلا يعني ذلك هلاكه، بل عليه أن يعلم أن له رباً كما يأخذ بالذنب ويعاقب به، فإنه يغفر الذنب ويقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عن السيئات، بل من كرمه أنه يبدلها حسنات.
قال تعالى {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} الفرقان: 70.
وقد فتح الله تبارك وتعالى باباً للتوبة لا يغلق إلى أن تطلع الشمس من مغربها كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. 1
وقد كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”. 2
ومن لم يتب إلى الله من ذنوبه فهو الظالم لنفسه كما قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الحجرات49. وهو معرض لسائر الشرور المترتبة على الذنوب.
والله عز وجل قد ربط الفلاح بالتوبة النصوح فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} التحريم: 8.
__________
1 سيأتي ذكره ص 119.
2 أخرجه. خ. في الدعوات، ب- استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة (11/104) .

(1/115)


وقال تعالى {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31.
والتوبة وظيفة العمر بمعنى أن الإنسان يجب عليه عند كل معصية توبة، وعند كل تقصير توبة حتى يمحو الله عنه خطيئته، ويكفر عنه سيئته، ويضمن بذلك إن شاء الله رحمة الله ومن لم يلازم التوبة لازمه الذنب، ومن لازمه الذنب أهلكه، وذلك أن بني آدم كما روي “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”. 1
وعلى المسلم أن يحذر من التسويف في التوبة بأن يقول سأتوب إذا كبرت “فإن سوف جند من جند إبليس”2، يغرر به الإنسان ويؤمله مع أن الموت والأجل مغيبان عن الإنسان {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت} لقمان 34.
فعلى المسلم أن يتجنب الذنوب كلها صغيرها وكبيرها فإنها أشأم شيء عليه، وأشر أمر يبتلى به، ولا نجاة له من شرها وبلائها إلا أن يرجع إلى ربه بالتوبة الصادقة، ويسأله غفران ذنبه والتجاوز عن سيئاته، وربنا تبارك وتعالى كريم غفور رحيم، يغفر الذنب العظيم، قال تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر39.
وعلى المسلم أن يعلم أن للطاعة لذة وحلاوة، وللعودة إلى الله تعالى لذة وحلاوة لا تعادلها لذة المعصية ولا حلاوتها، مع ما فيها من الأجر العظيم، فإن كثيراً من الناس يظن أنه يجد لذة وحلاوة في المعصية التي يفعلها، وحقيقة الحال
__________
1 رواه أنس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام. أخرجه. ت. القيامة (4/659) ، وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، وأخرجه. جه. في الزهد (2/1420) ، وحم (3/198) ، والحاكم (4/244) ، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: بل فيه لين.
2 رواه الخطيب عن أبي جلدة في اقتضاء العلم العمل ص226.

(1/116)


أنها لذة فيها تنغيص ونشوة كاذبة كنشوة السكران، ومتعاطي المخدرات، إن كان فيهما نشوة وهي عما قليل تنقشع ويعقبها في القلب حسرة، وفي الوجه ظلمة، وفي النفس ذلة ومهانة، هي كافية في بيان قبح المعصية ومن وراء ذلك بعد عن الرحمن، وتسلط للشيطان وعذاب أليم في الدنيا والآخرة إن لم يتب إلى الله عز وجل، ويغفر الله له ذنبه.
فعلى المسلم أن يعزم على توبة صادقة يبتدئها من ساعته، فكم من إنسان نام وما أصبح إلا في الآخرة وكم من إنسان أصبح ولم يأته الليل إلا وهو ملاقي ربه ومعاين جزاء ذنبه.
وللمسلم العاقل عبرة في حوادث كثيرة يسمعها، وأمور كثيرة يعلمها وأناس كثيرين حيل بينهم وبين ما يشتهون يعرفهم اخترمهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وأوقفهم من غير رأي منهم ولا مشورة على أعمالهم صغيرها وكبيرها، وعاينوا تفريطهم وتقصيرهم فعضوا لذلك أصابع الندم ولا ينفع الندم قال تعالى {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} . الكهف 49.
لهذا على المسلم أن يلازم التوبة والإنابة إلى الله ليسلم من شرور الذنوب وبلائها، وسنبين في النقاط التالية ما يتعلق بالتوبة من مسائل:
أولاً: معنى التوبة لغة واصطلاحاً:
التوبة في اللغة: الرجوع عن المعصية 1.
أما في الشرع: فالعلماء متفقون على أنها: الإنابة إلى الله والأوبة إلى طاعته مما يكره من معصيته.
__________
1 انظر: القاموس المحيط (ص:79) ، لسان العرب (1/454) ، المعجم الوسيط (ص:90) .

(1/117)


أو هي: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحبّ وترك ما يكره 1.
وقد يضيف بعض العلماء الشروط الواجب توفرها في التوبة ومنهم من يقتصر على نحو ما ذكرت.
__________
1 انظر: تفسير الطبري (1/246) ، جامع الرسائل لشيخ الإسلام (1/2/228) ، مدارج السالكين (1/332) ، ولوامع الأنوار البهية (1/371) ، والكليات لأبي البقاء (ص:308) ، والمفردات للراغب (ص:76) .

(1/118)


ثانيا: حكم التوبة:
التوبة واجبة على كل مكلف2. فالكافر يجب عليه أن يتوب من كفره والمسلم يتوب من سيئاته وتقصيره، والمحسن يتوب مما قد يكون من غفلة وتقصير.
قال تعالى {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} هود:1-3.
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} التحريم:8.
وقال تعالى {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة” 3.
وعن الأغر المزني رضي الله عنه وكان له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنه ليُغَان 4
__________
2 جامع الرسائل (1/227) .
3 أخرجه. م. الذكر والدعاء (4/2076) .
4 قال في المعجم (ص:669) : ((غين على الرجل ركب قلبه السهو والغفلة)) ، ونقل النووي في شرح مسلم (17/23) عن القاضي قوله: قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدَّ ذلك ذنباً واستغفر، وذكر أقوالاً أخرى غير ذلك هذا أقربها والله أعلم.

(1/118)


على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” 1.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه” 2.
وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال حين حضرته الوفاة: “كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم”.
في رواية أبي هريرة مرفوعاً: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم” 3.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها” 4.
فهذه جملة من الأدلة تدل على وجوب التوبة على كل أحد من الناس، فأما الكافر فيتوب من كفره وأما المؤمن فيتوب من تقصيره وما يكون قد اقترف من السيئات، وكذلك الأنبياء عليهم السلام فإنهم يتوبون إلى الله عز وجل، لأن التوبة إليه عبادة من العبادات يحبها الله عز وجل ويرضى بها عن عباده فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل البشر، ومع ذلك فإنه يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، وإنما تكون توبته عليه الصلاة والسلام مما يكون ألم بقلبه عليه الصلاة والسلام من سهو أو غفلة عن دوام الذكر ونحو ذلك مما هو من طبيعة البشر.
__________
1 أخرجه. م. الذكر والدعاء (4/2075) .
2 أخرجه. م. الذكر والدعاء (4/2076) .
3 أخرجهما. م. التوبة (4/2106) .
4 أخرجه. م. التوبة (4/2113) ، وحم (4/395) .

(1/119)


ثالثا: شروط التوبة:
التوبة الصحيحة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط عامة 1.
أولها: الندم:
وهو الأسف على وقوع الفعل منه وكرهه بعدما فعله 2.
وحقيقته أن المذنب يدرك أن ما فعله، أو فرط فيه مما لا يجوز له أن يقع منه، فيتحسر على ذلك ويندم أن كان فعل ذلك، ويتمنى أنه لو لم يفعل ذلك، أما إذا لم يندم فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وهذا ذنب آخر عليه أن يتوب منه، فإن الندم شرط لصحة التوبة، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الندم توبة” 3.
قال السفاريني: “ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم “الندم توبة”، يعني أن أعظم أركانها الندم 4، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام “الحج عرفة”.
قال في الزواجر: “ولا بد في الندم أن يكون من حيث المعصية وقبحها وخوف عقابها” 5.
وقال المناوي: “وإنما كان الندم أعظم أركانها، لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب، انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.
__________
1 انظر: في شروط التوبة مدارج السالكين (1/202) .
2 انظر: المعجم الوسيط (ص:912) .
3 أخرجه حم (1/376) ، جه، كتاب الزهد (2/1420) ، والحاكم في المستدرك (4/243) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (2/1150) .
4 انظر: الذخائر لشرح منظومة الكبائر (3/1116) رسالة ماجستير.
5 الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/390) .

(1/120)


ونقل عن الغزالي قوله: أن الندم لتعظيم الله وخوف عقابه، مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث، وهي قبح الذنوب وشدة عقوبة الله، وأليم غضبه، وضعف العبد، وقلة حيلته، يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرع، ويجزم بعدم العودة إليه، وبذلك تتم شروط التوبة” 1.
ثانيها: الإقلاع عن الذنب:
الإقلاع عن الذنب والتوقف عن إتيانه هو أظهر معاني التوبة ولا تتضح ولا تصح إلا بالإقلاع عن الذنب أما التوبة مع الإقامة على الذنب والاستمرار فيه فهي كما قال المنذري: هذه توبة الكذابين2.
ومما يدل على وجوب الإقلاع عن الذنب، وأن عدم الإقلاع عن الذنب فيه خطورة عظيمة على دين المسلم ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله عز وجل في القرآن {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 3.
فالمصر على الذنب والمقيم عليه إذا لم يكن له توبة صحيحة فيخشى عليه أن يطبع على قلبه فتتعسر عليه ـ نسأل الله العافية ـ، التوبة ويستمر في الانحراف والعصيان حتى يهلك على ذلك.
ثالثها: العزم على أن لا يعود:
هذا من دلالة صحة التوبة وصدقها أن يعزم المذنب على ألا يعود في
__________
1 فيض القدير (6/298) .
2 نقل ذلك عنه الهيثمي في الزواجر (2/389) .
3 أخرجه حم (2/297) و. ت. في التفسير باب: سورة المطففين (5/434) ، وقال حديث حسن صحيح.

(1/121)


ذلك الذنب الذي أذنبه وتاب منه.
رابعها: أن يؤدي الحق إلى أصحابه:
إذا كان الذنب فيه مظلمة لآدمي فإن توبته منه أن يؤدي ذلك الحق لصاحبه أو يتحلله منه، كما قال عليه الصلاة والسلام: “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”1.
وكذلك حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً، قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بهما، قال: بالحسنات والسيآت” 2.
فتدل هذه الأدلة على أن من كان ذنبه فيه اعتداء على أحد من الناس فإن عليه أن يتحلله، فإذا كان مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان عرضاً فيتحلله منه ويطلب مسامحته في الدنيا، وإلا فإن القصاص باق في حقه، وذلك يدل على خطورة الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين.
واختلف العلماء فيما لو كانت المظلمة قدحاً بغيبة أو نميمة هل يشترط في
__________
1 أخرجه. خ. في كتاب المظالم باب: من كانت له مظلمة عند الرجل، انظره مع الفتح (5/121) ، حم (2/506) .
2 أخرجه حم (3/65) ؛ والحاكم في المستدرك (2/438) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(1/122)


توبته إعلامه بذلك أو لا يشترط.
القول الأول: أنه يشترط إعلامه بذلك وتحلله منه وعزا ابن القيم هذا القول إلى أحمد في رواية عنه، وهو عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك.
والقول الثاني: أنه لا يشترط الإعلام، بل يكفي توبته فيما بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، ويبدل قذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وذلك لأن إعلامه فيه مفسدة ظاهرة من ناحية أنها تزيده حنقاً، وربما كانت سبباً في العداوة الدائمة بينهما، وينقلب الأمر إلى بغضاء وعداوة بدل أن يكون تآلف وتراحم، وذلك خلاف مقصود الشارع.
واستدلوا بما أثر عن الحسن البصري أنه قال في الغيبة: “كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”.
وهذا القول رواية عن أحمد وقال به شيخ الإسلام ورجحه ابن القيم رحمه الله1.
__________
1 مجموع الفتاوى (3/291) ، الفتاوى الكبرى (1/339) ، مدارج السالكين (1/316) الوابل الصيب (1/219) وانظر مختصر منهاج القاصدين (ص:261) .

(1/123)


رابعاً: هل يجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره:
أكثر العلماء على أنه تجوز التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره.
وعزا النووي هذا القول إلى أهل السنة2.
واستدلوا لذلك بأن التوبة فرض واجب من كل ذنب، فإذا تاب من ذنب فقد أدى واجباً وبقي عليه التوبة من الذنب الآخر، كمن صام أياماً من
__________
2 شرح النووي على مسلم (17/63) ، وانظر التوبة من الذنوب للغزالي (ص:53) ، ومختصر المعتمد للقاضي أبي يعلى (ص:203) ، لوامع الأنوار البهية (1/383) .

(1/123)


رمضان وأفطر بعضاً منها فإن ما أفطره لا يفسد ولا يبطل ما صامه، أو كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة.
وروي عن الإمام أحمد رحمه الله: أنها لا تصح توبته، وذلك لأن التوبة رجوع إلى الله تعالى عن معصيته، فمن تاب من ذنب مع إصراره على غيره لم يرجع عن معصية الله.
ويرى ابن القيم رحمه الله أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره من نوعه، كمن تاب من ربا الفضل مع الإصرار على ربا النسيئة أو تاب من الزنا بامرأة معينة مع الإصرار على الزنا بغيرها، أما التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ليس من نوعه، كمن تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر، أو تاب من ترك الصلاة أو التهاون فيها ولم يتب عن الربا، فتوبته في الذي تاب عنه صحيحة1.
والقول الأخير قول له اعتبار واضح، وذلك أن الذنوب أنواع، وقد يجد الإنسان قوة في ترك بعضها، وتغلبه نفسه وشيطانه على بعضها الآخر، فلو اشترط لذلك التوبة من جميع الذنوب، لتعسرت التوبة على كثير من الناس.
فأما إن تاب من ذنب، مع الإصرار على ذنب آخر من نوعه، فحقيقته لم يتب من الذنب، وإنما هو مصر عليه ولكن بطريقة أخرى. والله أعلم.
__________
1 مدارج السالكين (1/298) .

(1/124)


خامساً: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبداً:
عزا النووي رحمه الله إلى أهل السنة أن المذنب إذا تاب توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك الذنب كتب عليه ذلك الذنب الثاني ولم تبطل توبته2.
__________
1 مدارج السالكين (1/298) .
2 شرح النووي على مسلم (17/64) .

(1/124)


وقال الطحاوي عمن تاب عن ذنب ثم عاد فيه: فإذا قالوا ذلك ـ يقصد التوبة ـ بقلوبهم كانوا في ذلك مأجورين مثابين، فمن عاد منهم بعد ذلك في شيء من تلك الذنوب كان ذلك ذنباً أصابه لم يحبط ذلك أجره المكتوب له بقوله الذي تقدم منه واعتقاده ما اعتقد1.
وعزا ابن القيم هذا القول إلى الأكثرين من أهل العلم، وذكر قولاً آخر وهو أن بعض العلماء اشترط لصحة التوبة من الذنب عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تيقنا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة.
ورجح ابن القيم رحمه الله القول الأول لدلالة الأدلة عليه 2.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: “أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباًّ يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك” 3.
__________
1 شرح معاني الآثار (4/290) .
2 مدارج السالكين (1/301) ، وانظر مختصر المعتمد في أصول الدين (ص: 203) .
3 أخرجه. م. كتاب التوبة، انظره بشرح النووي (17/78) .

(1/125)


سادساً: مم يتوب المذنب:
اتفق العلماء على أن التوبة واجبة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الحجرات49.وقال تعالى {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ

(1/125)


جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ..} النور 24. 1
وكما تكون التوبة من الذنوب كذلك تجب التوبة من ترك المأمور أو التقصير فيه قال شيخ الإسلام: “وليست التوبة من فعل السيآت فقط كما يظن كثير من الجهال، لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيآت المنهى عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيراً مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله” 2.
وكلام شيخ الإسلام ظاهر في أن تقصير العباد في جناب الله وحقه ودينه، كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الحق ونصر المظلوم ونحوها، فكثير من هذه الأعمال الواجبة على من كان مقتدراً عليها يغفل كثير من المسلمين عن أنها ترك لواجب يكون المسلم بذلك مقصراً تقصيراً يذم عليه فيجب عليه التوبة منه، نسأل الله أن يتجاوز عن سيآتنا وتقصيرنا ويغفر لنا جميع ذنوبنا.
__________
1 انظر مختصر المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص: 198) ، لوامع الأنوار البهية (1/380) .
2 جامع الرسائل (1/228) .

(1/126)