الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

الباب الثاني: أنواع الصفات عند السلف والخلف
الفصل الأول: الصفات الشرعية العقلية والصفات الخبرية
...
الباب الثاني: أنواع الصفات عند السلف والخلف
أ- الصفات السلبية:
أما السلف فإنهم لم يتوسعوا في تقسيم الصفات وتنويعها، إذ ليس من عاداتهم الإسراف في الكلام في المطالب الإلهية، بل لا يكادون يتجاوزون الكتاب والسنة في مبحث الصفات، إلا أن أولئك الذين حضروا زمن الفتنة (بعد نشأة علم الكلام في عهد العباسيين) وابتلوا بمناقشة علماء الكلام وجدالهم بأسلوبهم اضطروا للخوض في تقسيم الصفات بِقَدَرٍ، كما سيأتي بيان ذلك عند الكلام على الصفات الخبرية إن شاء الله.
وأما الخلف1، فقد أولعوا بتقسيم الصفات وتنويعها، ومن ذلك تنويعهم الصفات إلى نفسية وسلبية وصفات معان، ومعنوية وصفات فعلية، وصفات جامعة، والصفة الإضافية وهي تتداخل مع الفعلية كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
أما الصفات السلبية فهي خمس صفات عند الأشاعرة:
1- القدم.
2- البقاء.
3- الوحدانية.
4- المخالفة للحوادث.
__________
1 المراد بالخلف هنا الأشاعرة، لأنهم هم الذين قسموا الصفات هذا التقسيم، كما تدل عليه كتبهم وراجع حاشية البيجوري والدسوقي، بل المتون نفسها تنص على هذا التقسيم مثل متن السنوسية، وإن كنت لا أذكر في أي وقت اصطلحوا على هذا التقسيم.

(1/199)


5- الغنى المطلق، المعروف عندهم (القيام بالنفس) .
قال العلامة الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: "اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام:
1- صفة نفسية.
2- صفة سلبية.
3- صفة معنى.
4- صفة معنوية.
5- صفة فعلية.
6- صفة جامعة. مثل العلو والعظمة مثلاً.
7- الصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية.
لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة.
وتنفرد الفعلية في نحو الاستواء وتنفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجوداً قبل كل شيء، وأنه فوق كل شيء، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال1 اهـ.
وضابط الصفة السلبية عندهم: هي الصفة التي لا تدل بدلالة المطابقة، على معنى وجودي أصلاً، وإنما تدل على المعنى السلبي غير الثبوتي كالقدم يدل على ما سبق العدم، والبقاء يدل على عدم لحوق الفناء إلى آخر الصفات الخمسة التي تقدم ذكرها.
__________
1 أضواء البيان 2/306، فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.

(1/200)


وقال بعضهم: هي التي تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله1 والتعريفان متقاربان كما ترى.
وهناك صفات سلبيات أخرى غير الصفات السلبيات التي اصطلح عليها الأشاعرة التي تقدم الحديث عنها، ونعني بالسلبيات هنا الصفات التي تدخل عليها (أداة) النفي مثل (لا) ، و (ما) و (ليس) وهذا النوع من السلوب والنفي كثير في القرآن، وإنما يقع النفي في القرآن لتضمنه كمال ضد الصفة المنفية، بل لقد ثبت (بالاستقراء) أن كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} 2، لكمال عدله، وقوله تعالى: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} 3، لكمال علمه، وقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} 4، لكمال قوته، وقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} 5، لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 6، لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن قول الشاعر:
قُبَيِّلَة لا يَغْدِرَون بذمِّة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: (قُبَيِّلَة) عُلِمَ أن المراد عجزهم وضعفهم لا كمال قدرتهم، وقول آخر:
لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا7
__________
1 أضواء البيان 2/306، والفقه الأكبر بتصرف ص: 20 للإمام أبي حنيفة بشرح ملا علي قارئ.
2 سورة الكهف آية: 49.
3 سورة سبأ آية: 3.
4 سورة ق آية: 38.
5 سورة البقرة آية: 255.
6 سورة الأنعام آية: 103.
7 ديوان الحماسة.

(1/201)


لما اقترن بنفي الشر عنهم ما دل على ذمهم علم أنّ المراد عجزهم وضعفهم أيضاً، ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كاتب الله مفصلاً والنفي مجملاً عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة لحم، ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض إلى آخر تلك السلوب الكثيرة التي تمجها الأسماع وتأنق من ذكرها النفوس والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حق قدره، وهذه السلوب نقلها أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن المعتزلة، وهي لا تخلو من الحق، ولكن فيها من الباطل الشيء الكثير، ويظهر ذلك لمن يعرف أسلوب الكتاب والسنة في هذا الباب. وهو التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي كما تقدم.
ثم إن هذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب مع الله سبحانه. فإنك لو قلت لسلطان: أنت لست بزبَّال ولا كسّاح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وإن كانت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت فقلت: أنت لست مثل أحدٍ من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإن أجملت في النفي أجملت في الأدب. والتعبير على الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة1.
والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع في الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ويجعلون ما يبتدعونه من المعاني والألفاظ هو الحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده.
" والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل، وهو أنه عالم، قادر حي" اهـ2.
فلنكتف بهذا المقدار من الصفات السلبية لنأخذ في الحديث في
__________
1 شرح العقيدة الطحاوية ص: 108-110.
2 المصدر السابق.

(1/202)


الصفات الثبوتية في الفصل التالي (مستعينين بالله وحده) .
ب- الصفات الثبوتية:
إذا علم مما تقدم أن الصفات السلبية هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله كالقِدّم الذي ينفي عن الله عدم الأولية والبقاء الذي ينفي عن الله لحوق العدم، أي عدم الآخرية، أو التي تقع في سياق النفي، أي بعد أداة النفي مثل (لا) و (ما) و (ليس) كقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} 1، وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 2، إذا علم ذلك فإن الصفات الثبوتية هي التي تدل على معنى ثبوتي ووجودي. ومن الصفات الثبوتية تلك الصفات السبع المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني: كالقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والحياة والكلام، وهذه الصفات وأمثالها تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي مع تضمنها سلب أضدادها، فالقدرة مثلاً تدل على معنى وجودي لأنها صفة بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة وفي الوقت نفسه تدل على سلب العجز عن الله تعالى ضرورة استحالة اجتماع الضدين عقلاً، وهكذا بقية الصفات الثبوتية، وهذه الصفات محل إجماع بين الصفاتية من أتباع السلف الصالح والأشاعرة وغيرهم من مثبتة الصفات، لذلك لسنا بحاجة إلى سوق الأدلة لإثباتهان وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع بين أهل الإثبات على اختلافهم فيما عداها كما سيأتي قريباً.
ج- صفات الذات:
يقال للصفات الثبوتية: صفات الذات إضافة إلى الذات العلية لملازمتها للذات لأنها لا تتجدد تجدد صفات الأفعال، فهي بهذا الاعتبار
__________
1 سورة البقرة آية: 255.
2 سورة الشورى آية: 11.

(1/203)


ذاتية، ومن حيث دلالتها على معنى ثبوتي ووجودي يقال: (ثبوتية، كالعلم والسمع والبصر والعزة والحكمة) وغيرها. وهي بهذا الاعتبار تقابل السلبية وقد تقدم الكلام عليها.
ومن الصفات الذاتية صفات شرعية وعقلية مثل الصفات السلبية الخمس المعروفة عند الأشاعرة وصفات المعاني التي تقدم الكلام فيها، ومنها صفات خبرية محضة وهي الصفات التي الأصل في إثباتها الخبر عن الله عز وجل أو عن رسوله المعصوم مثل الوجه واليد والقدم والساق والأصابع هذه صفات ذاتية ملازمة للذات العلية وثابتة ثبوت الذات، فإذا هي ثبوتية وذاتية وهي معروفة بالصفات الخبرية، وسيأتي تفصيل الكلام فيها وهي تقابل الصفات الفعلية المتجددة كما تقابل الصفات السلبية من حيث الدلالة، والله أعلم.
د- صفات الفعل:
أما الصفات الفعلية فقد اختلف أهل العلم في تعريفها، وفي التفريق بينها وبين الصفات الذاتية. وهي من الصفات الثبوتية التي تقدم ذكرها.
قال (ملا علي القاري) الحنفي المتوفى سنة (1001هـ) رحمه الله في شرحه على (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة رحمه الله (المتوفى سنة150هـ) .
قال (ملا) في تعريف الصفات الفعلية: "وهي التي يتوقف ظهورها على وجود الخلق"، ثم قال: "اعلم أن الحد بين صفات الذات وصفات الفعل مختلف فيه.

(1/204)


فعند المعتزلة: ما جرى في النفي والإثبات فهو من صفات1 الفعل، كما يقال خَلَقَ لفلان ولداً، ولم يخلق لفلان، ورزق زيداً مالاً ولم يرزق عمراً.
وما لا يجري فيه النفي فهو من صفات الذات، كالعلم والقدرة، فلا يقال: لم يعلم كذا، ولم يقدر على كذا. والإرادة والكلام من صفات الفعل عند المعتزلة بخلاف غيرهم من أهل السنة والأشاعرة قلت: على تفصيل معروف عند كل طائفة.
وأما عند الأشعرية فالفرق بينهما أن ما يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الذات، فإنك لو نفيت الحياة يلزم الموت، ولو نفيت القدرة يلزم العجز، وكذا العلم مع الجهل وما لا يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الفعل. ولو نفيت الإحياء أو الإماتة أو الخلق أو الرزق لم يلزم من نفيه نقيضه، كما لا يخفى. فعلى هذا الحد لو نفيت الإرادة لزم منه الجبر والاضطرار، ولو نفيت عنه الكلام لزم منه الخرس والسكوت فثبت أنهما من صفات الذات، لا كما تقول المعتزلة كما تقدم، ثم قال القاري: وعندنا – يعني (الماتريدية) - أن كل ما وصف به ولا يجوز أن يوصف بضده فهو من صفات الذات، كالقدرة والعلم والعزة والعظمة، وكل ما يجوز أن يوصف به وبضده فهو من صفات الفعل كالرأفة والرحمة والسخط والغضب"2 اهـ.
هذه اصطلاحات وقد لا يختلفون في جوهر المسألة ...
__________
1 المعروف أن المعتزلة لا يثبتون جميع الصفات بل غلاتهم ينفون الصفات والأسماء معاً، هذا هو المعروف عندنا وعند غيرنا – فيما أعلم- وأما ما ذكره (ملا علي القاري) فإنه يفهم منه أن المعتزلة يثبتون الصفات. وهو خلاف المعروف، وإن صح هذا الكلام أو هذا النص فإنه يحمل على أن هذا مذهب طائفة معينة منهم غير مشهورة والله أعلم.
2 شرح الملا على القاري على الفقه الأكبر ص: 20.

(1/205)


مناقشة أقوال الثلاثة
عند إمعان النظر في الأقوال الثلاثة في تحديد صفة الفعل وبيان الفرق بينهما وبين صفة الذات، وعند إمعان النظر في تلك الأقوال نجد أن الخلاف لفظي تقريباً، لأن المعتزلة الذين قد يثبتون الأسماء أو أحكامها أحياناً، أو يلزمهم ذلك- يمثلون للصفات الفعلية بالخلق والرزق مثلاً، وكذلك فعلت الأشاعرة أيضاً كما يتفق الفريقان على أن القدرة والعلم والعزة مثلاً من صفات الذات.
وكذلك الماتريدية تتفق مع الفريقين في أمثلة الصفات الذاتية، هذا بالجملة، وأما عند التفصيل فنجد اتفاقاً أحياناً واختلافاً وتداخلاً أحياناً، لأنه أقوال ترجع في غالبها إلى الاصطلاح والاصطلاحات قد تتفق وقد تختلف، كما هو معروف، ولا يمس ذلك جوهر المسألة كما أسلفنا.
فالقول الإجماع لهذه الأقوال - في فهمنا- أن صفات الأفعال أو الصفات الاختيارية تختلف عن الصفات الذاتية الثبوتية التي تتعلق بها مشيئة الله تعالى لا بأعيانها ولا بأنواعها، كالقدرة والإرادة والعلم والسمع، والبصر والحكمة والعزة والوجه واليد وغيرها، بل هي صفات تتعلق بها مشيئة الله، وتتجدد حسب المشيئة، كالمجيء والاستواء والغضب والفرح والضحك.
أما صفة الكلام فهي من صفات الذات باعتبار أصل الصفة، ومن صفات الأفعال باعتبار أنواع الكلام وأفراده، والله أعلم.
هذا ما يدل عليه كلام أهل العلم من أتباع السلف عند التحقيق، وبالله التوفيق.

(1/206)


الفصل الأول: الصفات الشرعية العقلية والصفات الخبرية
تتنوع صفات الرب تعالى من حيث ثبوتها إلى نوعين:
النوع الأول:
الصفات الشرعية العقلية، وهي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي، وقد تقدم الحديث عنها في غير موضع.
النوع الثاني:
الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية، وهي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع، والخبر عن الله، أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم، أي لا سبيل للعقل على انفراده إلى إثباتها، لولا الأخبار المنقولة عن الله، وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، وهي خبرية محضة بيد أن العقل السليم لا يعارض فيها الخبر الصحيح كما هو معروف، وأمثلتها كالآتي:
1- الوجه، 2- اليد، 3- العين، 4- الغضب، 5- الرضا، 6- الفرح، 7- القَدَم، 8- الاستواء، 9- النزول، 10- المجيء، 11- الضحك.

(1/207)


وهي تنقسم إلى قسمين:
أ- صفات فعلية تجدد حسب مشيئة الله وهي:
1- النزول، 2- الاستواء على العرش، 3- المجيء لفصل القضاء بين عباده سبحانه يوم القيامة كما يليق به، 4- الغضب، 5- الفرح، 6- الضحك كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، نثبتها كلها ونؤمن بها لورود الخبر، وصحته ولولا ذلك لأمسكنا عن الكلام في هذه الصفات وغيرها من الصفات والأسماء، لأنها توقيفية، هذا ما نعنيه بالخبرية ولا يمنع ذلك إثبات الصفات الخبرية بالأدلة العقلية مع الأدلة النقلية التي هي الأصل، وسيأتي ذكر الأدلة بالتفصيل في آخر فقرة من فقرات هذا الباب إن شاء الله.
ب- صفات ذاتية قائمة بذاته العلية وهي قديمة قِدَم الذات مثل الوجه واليد والعين والقَدَم:
وهذه الصفات وإن كانت تعد في حق المخلوق جوارح وأعضاء وأبعاضاً وأجزاء ولكنها في حق الله تعالى صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، لا نخوض فيها بأهوائنا وآرائنا، بل نفوض كنهها وحقيقتها إلى الله تعالى لعدم معرفتنا لحقيقة الذات، لأن معرفة حقيقة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، بل نثبتها ونؤمن بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف وتجسيم وتشبيه. وهكذا يقال في الرحمة والمحبة والرضا، وسائر صفات الرب تعالى.
وهذه الصفات وكثير من صفات الله قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف صفات الله إلى الله، وتضاف صفات المخلوق إلى المخلوق، وبمجرد الإضافة تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق، فصفات الله كما يليق بعظمته

(1/208)


وجلاله، وصفات المخلوق كما يليف بحدوثه وضعفه ومخلوقيته، ولا يغيب عن بالنا- ونحن نتحدث عن صفات الله- ولا ينبغي أن يغيب- ما قاله أحد الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة، بل هو أحد أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين (وهم الثوري بالعراق، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، ومالك بالحجاز) 1، وهو المعروف بإمام دار الهجرة، أجل لا يغيب عن بالنا ما قاله هذا الإمام عندما سئل عن كيفية استواء الله على عرشه، حيث قال السائل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 كيف استوى؟ هكذا نص السؤال.
وقد اندهش الإمام مالك من هذه الجرأة، ثم أجاب قائلاً: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وهذا الجواب مشهور عن الإمام مالك، رواه غير واحد من أهل العلم، ويروى عن شيخه (ربيعة) وقبله عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا الجواب صالح لكل سؤال يوجه، وهو يبحث عن كيفية صفة من صفات الله تعالى، مثل النزول، والمجيء، والوجه، واليد، وغيرها (وبالله التوفيق) .
__________
1 هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية الكبرى ص: 31 تحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، مطبعة المدني بالعباسية، القاهرة، وتقدم.
2 سورة طه آية: 5.

(1/209)


حديث الشفاعة: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" 1.
لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم لآفة كالصغر والخرس ثم تكلم، يقال: حدث له كلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل2 اهـ.
وفي ضوء كلام الإمام الطحاوي: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه" إلى آخره، ثم كلام الشارح الذي أوضح المسألة بما لم يترك مجالاً للتساؤل أو التردد، نستطيع أن نقول: إن صفات الله تعالى ثابتة أزلاً وأبداً، ولا تتجدد سواء في ذلك صفات الذات – والأمر فيها واضح- أو صفات الفعل على ما تقدم، وفي ضوء ذلك نقول: إن تجدد صفات الفعل في وقت دون وقت لا يقال فيه: إنه تعالى اتصف بصفة كان فاقدها، أو كانت ممتنعة في حقه، أو فعل فعلاً كان ممتنعاً في حقه، كما يزعم بعض أهل الكلام المذموم، بل الفعل ممكن في حقه تعالى، في كل وقت لأنه لا يجوز أن يعتقد أنه تعالى كان معطلاً عن الفعل في وقت من الأوقات، لأن الفعل كمال، وعدمه نقص3، بمعنى أن الفعل كان ممتنعاً، ثم انقلب من الامتناع الذاتي، إلى الإمكان الذاتي، كما تقول المعتزلة: ومن إذا أراد أن يفعل فَعَلَ، ولا مانع له من الفعل، فهو فاعل باشَر الفِعْل، أو لم يباشر على ما تقدم في صفة الكلام، ولعل قوله تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} 4 يدل على هذا المعنى. وأحسب أن
__________
1 في الصحيحين البخاري ومسلم.
2 شرح الطحاوية ص: 127-128.
3 درء تعارض العقل والنقل للإمام ابن تيمية 2/3-10 تحقيق د. محمد رشاد، بتصرف.
4 سورة البروج آية: 16.

(1/212)


هذا ما يعنيه القائلون باستمرارية أفعال الرب تعالى، وأبديتها، بل وأزليتها، كما يقول ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمهور أهل العلم. وهذا المعنى وارد شرعاً وعقلاً كما ترى، وكيف يسوغ عقلاً أن يعتقد أن الله تعالى كان معطلاً1 عن الفعل في لحظة من اللحظات، فمن الذي يمنعه ويحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء إذا شاء؟ ‍‍‍‍‍‍‍!! سبحانه وتعالى عما يزعمه المعطلون علواً كبيراً.
وهنا مسألة في غاية الأهمية وهي أن بعض نفاة2 الصفات أو نفاة صفات الفعل قد يتذرع إلى نفي هذه الصفات بقولهم: لا يليق بالله أن نصفه بحلول الحوادث بذاته تعالى، هكذا يجملون القول، فيسلم السني للنافي ذلك على إجماله، ظناً منه أنه نفى عن الله سبحانه ما لا يليق بجلاله، ثم يحاول النافي أن يلزم السني نفي صفات الفعل، وهو غير لازم له عند التحقيق، ولكن السني أتي من تسليمه هذا النفي المجمل، وهو أنه تعالى لا تحل به الحوادث، فلو استفسر السني واستفصل لما ألزمه. ولذلك لا ينبغي استعمال هذه الألفاظ المجملة لا نفياً ولا إثباتاً، إلا بعد بيان المعنى المراد.
ومسألة حلول الحوادث بذاته من المسائل، أو من التعبيرات التي أحدثها المتكلمون، وخاضوا فيها، وخدعوا بها من لا يفطن لأساليبهم، وهو تعبير لا وجود له لا في الكتاب، ولا في السنة لا نفياً ولا إثباتاً، وغير معروف عن سلف الأمة، وهذا النفي قد يكون صحيحاً بعد التفسير لأنه إن أريد به بأنه لا يحل بذات الله المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل، فهذا النفي صحيح على ما تقدم في
__________
1 لأنه تعالى لم يكن الفعل ممتنعاً في حقه قط، لأن فعله تعالى إما واقع بالفعل، وحاصل أو ممكن، وهو في قوة الفعل الذي قد وقع، والله أعلم.
2 نفاة: وهو كدعاة ورعاة، ورعاة يقال: راع رعاة وناف نفاة، وهكذا. (القاموس المحيط) .

(1/213)


معنى التجدد.
وإن أريد بالنفي أن الله تعالى لا يفعل ما يشاء، ولا يتكلم بما شاء، إذا شاء، ولا يفرح ولا يغضب، ولا يرضى كما يليق به في ذلك كله، أي لا يوصف بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله من الصفات التي ذكرناها وغيرها كالاستواء والنزول، والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة فهذا النفي باطل. ولا يقال: إن من يثبت هذه الصفات، وما في معناها يقول بحلول الحوادث بالله تعالى، لأن التعبير اصطلاح جديد ابتدعه علماء الكلام بعد نشأة علم الكلام، وانتشاره في صفوف المسلمين المتأخرين (الخلف) ، ولا ينبغي أن نجعل هذا الاصطلاح الحديث قاعدة نبني عليها نفي صفات الله التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله الأمين، ودرج المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين على إثباتها، والإيمان بها دون أن يَشِذّ فردٌ منهم، ولله الحمد والمنة على ذلك.
ومما له صلة بهذه الفقرة مسألة: هل الصفة زائدة على الذات، أو هل هي غير الذات أم لا؟ وهذا أيضاً من الأساليب التي أحدثها علماء الكلام، ولا عهد لعلماء السلف بهذا الأسلوب، بل السلف يكرهون مثل هذه الألفاظ المجملة، رغبة منهم في الوقوف مع النصوص، وعدم الخروج منها في هذه المطالب الإلهية العظيمة.
أما المتأخرون من أتباع السلف الذين اضطروا إلى الخوض مع أهل الكلام للذود عن العقيدة، وللحفاظ عليها فإنهم قالوا: إن أريد بقولهم بأن الصفة غير الذات أو زائدة على الذات أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الذات، فهذا غير صحيح.
وإن أريد أن الصفات زائدة عن الذات بمعنى أن للذات معنى غير

(1/214)


معنى الصفة ومفهوم الصفات زائد على مفهوم الذات، بيد أنها لا تنفك عن الذات، فهذا صحيح1.
ولكن لا ينبغي استخدامه إلا عند الحاجة، ومع التفصيل والبيان وبدون ذلك يعتبر خوضاً لا طائل تحته، والله أعلم.
ومن هذا القبيل مسألة: هل الاسم غير المسمى، أو عين المسمى إذ قد يراد بالاسم المسمى نفسه، كأن يقال: الله مجيب الدعوات، الله لطيف بعباده، وقد يطلق الاسم مراداً به اللفظ المنطوق ذاته، كأن يقال: الله أكبر من ألفاظ الأذان أو الله أكبر كلمة يدخل بها في الصلاة مثلاً. وقد تقدم هذا البحث عند الكلام على الأسماء الحسنى في الباب الأول فليراجع.
وعلى كل حال، إن هذا النوع من الخوض قد يضطر إليه الإنسان المعاصر وهو كاره على حد قولهم: (مكره أخاك لا بطل) .
وبعد أن استعرضنا أنواع الصفات المصطلح عليها عند السلف والخلف2 وأدركنا أثناء الاستعراض أن هناك صفات مجمعاً على إثباتها عند جميع الصفاتية سلفاً وخلفاً، وهناك صفات يختلفون فيها، حيث يرى السلف إثباتها، وإمرارها كما جاءت، شأنها عندهم شأن الصفات الأخرى المثبتة بإجماع الطرفين، بينما يرى الخلف وجوب تأويلها، والخروج بها من ظاهرها.
__________
1 استقينا هذه المعلومات (بالمعنى) من بعض كتب شيخ الإسلام.
2 وإذا أطلقنا لفظة (الخلف) فإنما نعني بهم غير السلف، وهم علماء الكلام المعروفون بالتأويل. وهذا يشمل المعتزلة والأشاعرة كما سيأتي في ص 298 وقد نريد بهم الأشاعرة، كما في مثل هذا الموضع وقد يطلق عليهم المثبة أو الصفاتية كما تراه في هذه الصفحة.

(1/215)


ففيما يلي نخص هذا النوع بالحديث لنحاول أن نعرف المعنى العام لكل صفة من تلك الصفات عند السلف مع تفويض كنهها وحقيقتها إلى الله سبحانه على منهجهم الواضح الذي سبق أن أوضحناه، ولنرى تكلف الخلف بالتأويل الذي هو تحريف الكلم عن موضعه تحت العنوان الآتي.

(1/216)