التوحيد للفوزان

[الفصل الثالث موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة ومنهج أهل السنة في الرد عليهم]
موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة
ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد عليهم 1 - موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة: ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، وينكرون عليهم بدعهم ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
(أ) عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا فقلت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا (1) .
(ب) عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا
_________
(1) رواه البخاري.

(1/153)


أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ ، قلنا: لا - فجلس معنا حتى خرج - فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر - والحمد لله - إلا خيرا قال: وما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقَاَ جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال فماذا قلت لهم؟ فقال: ما قلت شيئَاَ انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليها فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن من أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل،

(1/154)


وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم - النهروان مع الخوارج (1) .
(ج) جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال: من أين أحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ ، فقال مالك: لا أرى ذلك، فقال: ما تكره من ذلك؟ ، قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ ! فقال: فإن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وأي فتنة أعظم من أنك
_________
(1) رواه الدارمي في مقدمة سننه رقم (210) .

(1/155)


خصصت بفضل لم يختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) هذا نموذج ولا زال العلماء ينكرون على المبتدعة في كل عصر والحمد لله.
2 - منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع: منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة. وهو المنهج المقنع حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها. ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن والنهي عن البدع والمحدثات. وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتباَ خاصة في ذلك، كما ألف الإمام أحمد كتاب " الرد على الجهمية ". وألف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ
_________
(1) ذكره أبو شامة في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث نقلا عن أبي بكر الخلال ص 14.

(1/156)


محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الرد على تلك الفرق وعلى القبورية والصوفية، وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع فهي كثيرة منها على سبيل المثال من الكتب القديمة:
1 - كتاب " الاعتصام " للإمام الشاطبي.
2 - كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " لشيخ الإسلام ابن تيمية فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءا كبيرا منه.
3 - كتاب إنكار الحوادث والبدع " لابن وضاح.
4 - كتاب " الحوادث والبدع " للطرطوشي.
5 - كتاب " الباعث على إنكار البدع والحوادث " لأبي شامة.
ومن الكتب العصرية: 1 - كتاب " الإبداع في مضار الابتداع " للشيخ علي محفوظ.
2 - كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
3 - رسالة التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز.

(1/157)


ولا يزال العلماء المسلمين - والحمد لله - ينكرون البدع ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجمع والندوات والمحاضرات مما له كبير الأثر في توعية المسلمين والقضاء على البدع وقمع المبتدعين.

(1/158)