التوحيد للفوزان

 [الباب الرابع البدع]
[الفصل الأول تعريف البدعة أنواعها أحكامها]
الباب الرابع: البدع ويتضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف البدعة - أنواعها - أحكامها.
الفصل الثاني: ظهور البدع في حياة المسلمين. والأسباب التي أدت إليها.
الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد عليهم.
الفصل الرابع: في الكلام على نماذج من البدع المعاصرة وهي:
1 - الاحتفال بالمولد النبوي.
2 - التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك.
3 - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.

(1/138)


تعريف البدعة - أنواعها وأحكامها 1 - تعريفها - البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] أي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل ويقال: أبَدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.
والابتداع على قسمين: 1 - ابتداع في العادات: كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح لأن الأصل في العادات الإباحة.
2 - وابتداع في الدين، وهذا محرم، لأن الأصل فيه التوقف، قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1) .
_________
(1) رواه البخاري ومسلم.

(1/139)


وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) .
2 - أنواع البدع - البدعة في الدين نوعان: النوع الأول: بدعه قولية اعتقادية: كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات: كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهي أقسام:
القسم الأول: ما يكون في أصل العبادة: بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع. كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أصلا أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
القسم الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا.
_________
(1) متفق عليه.

(1/140)


القسم الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
القسم الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليله بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
3 - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها: كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (1) . وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2) وفي رواية: «من عمل عملاَ ليس عليه أمرنا فهو رد» (3) فدل الحديثان على أن كل محدث في
_________
(1) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.

(1/141)


الدين فهو بدعة. وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها. وتقديم الذبائح والنذور لها. ودعاء أصحابها. والاستغاثة بهم؛ وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة - ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها - ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع (1) .
_________
(1) انظر الاعتصام للشاطبي (2 / 37) .

(1/142)


تنبيه: من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطئ ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة. والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة انتهى (1) .
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة، إلا قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه) .
_________
(1) جامع العلوم والحكم.

(1/143)


وقالوا أيضا: إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف مثل جمع القرآن في كتاب واحد. وكتابة الحديث وتدوينه. والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة، وقول عمر (نعمت البدعة) . يريد البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعا. لأن البدعة شرعا. ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه، وجمع القراَن في كتاب واحد له أصل في الشرع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة القراَن، لكن كان مكتوبا متفرقا فجمعه الصحابة رضي الله عنهم في مصحف واحد، حفظا له، والتراويح قد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي وتخلف عنها في الأخير خشية أن تفرض عليهم واستمر الصحابة رضي الله عنهم يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إمام واحد كما كانوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم معه وليس هذا بدعة في الدين، وكتابة الحديث أيضا لها أصل

(1/144)


في الشرع فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده صلى الله عليه وسلم خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي صلى الله عليه وسلم انتفى هذا المحذور - لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، فدون المسلمون الحديث بعد ذلك حفظا له من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم من الضياع وعبث العابثين.