البدع الحولية

الفصل التاسع

مشابهة المسلمين للكفار في أعيادهم.
المبحث الأول: الاحتفال بعيد ميلاد المسيح.
المبحث الثاني: الاحتفال بالنيروز.
المبحث الثالث: الاحتفال بأعياد الميلاد.
المبحث الرابع: الاحتفالات والأعياد المحدثة.
المبحث الخامس: الاحتفال برأس السنة الهجرية.
البحث السادس: الاحتفال برأس القرن الهجري.
المبحث السابع: الاحتفال بذكرى بعض العلماء.
المبحث الثامن: مشروعية مخالفة أهل الكتاب.

(1/381)


تمهيد
لا يخفى على كل مسلم أن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، على فترة من الرسل، وقد مقت (1) أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (2) ماتوا- أو أكثرهم- قبيل مبعثه -عليه السلام-، والناس قسمين:
كتابي معتصم بكتاب، وهذا الكتاب إما مبدَّل، وإما مبدع منسوخٌ، ودين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك.
وأمي من عربي أو عجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظنَّ أنه ينفعه: من نجم، أو وثن (3) ، أو قبر، أو تمثال (4) ، أو غير ذلك.
والناس في جاهلية جهلاء، أعلمهم من عنده قليل من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، وقد اشتبه حقه بباطله، فيشتغل بعمل قليله مشروع وأكثره مبتدع.
فهدى الله الناس بدعوته صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً، - ولأولي العلم منهم خصوصاً - من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما يفوق ما عند جميع الأمم علماً وعملاً. فكان دين الإسلام، الذي بُعث به - عليه الصلاة والسلام - هو الصراط المستقيم، الذي أوجب الله عليهم أن يسألوه أن يهديهم إليه كل يوم في صلاتهم، ووصفه بأنه صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فالمغضوب عليهم هم اليهود، الذين قال الله فيهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ
_________
(1) - المقت: أشد البغض. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (4/346) ، باب الميم مع القاف.
(2) - ورد ذلك في حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه (4/ 2197) كتاب الجنة، حديث رقم (2865) .
(3) - الوثن: هو كل ما له جثة معلولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي، تعمل وتنصب فتعبد، ومن العلماء من قال: الوثن هو الصنم، وقيل: الصنم: هو الصورة بلا جثة. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/151) ، باب الواو مع الثاء.
(4) - التمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله. يُراجع: لسان العرب (11/613) ، مادة (مثل) .

(1/383)


مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ... } (1) . وقال فيهم سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ....} (2) . وهم المنافقون الذين تولوا اليهود (3) . باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدلُّ على ذلك. قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... } (4)
ففي الآيات السابقة بيان بأن اليهود هم المغضوب عليهم. والضالين: هم النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ... } إلى قوله عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} (5) . وهذا خطاب للنصارى كما دلَّ عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة الحدّ، كما نهاهم في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ....} الآية (6) .
واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه. فكفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملاً، أو لا قولاً ولا عملاً.
وكفر النصارى من جهة علمهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله مالا يعلمون.
ولهذا كان السلف: سفيان بن عيينة وغيره يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
ومع أن الله قد حذَّرنا سبيلهم، فقضاؤه -عزَّ وجل- نافذ بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً
_________
(1) - سورة المائدة، الآية: 60.
(2) - سورة المجادلة، الآية: 14.
(3) - يُراجع: تفسير ابن كثير (4/327) .
(4) - سورة آل عمران، الآية: 112.
(5) - سورة المائدة، الآيات: 73- 77.
(6) - سورة النساء، الآية: 171.

(1/384)


وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضبِّ (1) تبعتموهم)) ، قلنا: يا رسول! اليهود والنصارى؟ . قال: ((فمن؟)) (2) .
ورواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع)) . فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟. فقال: ((ومن الناس إلا أولئك)) (3) .
فأخبر- عليه والسلام- أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)) (4) .
وأخبر -عليه والصلاة والسلام-: أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (5) .
_________
(1) - الضب: دويبة أحرش الذنب، خشنُهُ، مُفقره، ذو عقد، ولونه إلى الصُّحْمة، وهي غُبرة مشربة سواداً، وإذا سمن اصفر صدره. يُراجع: لسان العرب (1/539) مادة (ضبب)
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (13/300) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث رقم (7320) . ورواه مسلم في صحيحه (4/2054) كتاب العلم، حديث رقم (2669) .
(3) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (13/300) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث رقم (7319) .
(4) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (6/632) كتاب المناقب، حديث رقم (3641) . ورواه مسلم في صحيحه (3/1523) كتاب الإمارة، حديث رقم (1920، 1921) .
(5) - رواه الترمذي في سننه (3/315) أبواب الفتن، حديث رقم (2255) ، وقال: حديث غريب من هذا الوجه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (5/218) ، وقال: (رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح، خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة) ا. هـ. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (1/378) رقم (1818) ، وأشار إلى أنه حسن. ورواه الدرامي في سننه (1/29) . ...........قلت: وله شاهد متفق على صحته وهو الحديث الذي قبله: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ... ))

(1/385)


فعلم بخبره الصدق القاطع الأكيد أن في أمته قوماً مستمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود أو إلي شعبة من شُعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضاً بل قد يكون الانحراف كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.
وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع، ويزينه الشيطان، فلذلك أمر الله سبحانه وتعالى عباده بدوام دعاء الله سبحانه وتعالى بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها، ولا نصرانية أصلاً (1) .
وقد ابتلى الله هذه الأمة بكثير من الأمور التي في فعلها تشبه بأهل الكتاب والأعاجم، وسأتكلم عما يتعلق بموضوع كتابي، وهو تشبه المسلمين بالكفار في أعيادهم واحتفالاتهم، وذلك على وجه الإيجاز:
_________
(1) - يُراجع: اقتضاءالصراط المستقيم (1/63- 70) .

(1/386)


المبحث الأول

الاحتفال بعيد ميلاد المسيح
جرت عادة النصارى على الاحتفال بعيد ميلاد المسيح. وهذا العيد يكون في اليوم الذي يزعمون أنه ولد فيه المسيح ابن مريم، وهو يوم 24 كانون الأول (ديسمبر) آخر شهر في السنة الميلادية (1) .
وسنتهم في ذلك كثرة الوقود، وتزيين الكنائس، وكذلك البيوت والشوارع والمتاجر، ويستعملون فيه الشموع الملونة، والزينات بأنواعها.
ويحتفلون بهذا العيد شعبياً ورسمياً، ويعتبر إجازة رسمية في جميع الدولة التي تدين بالمسيحية، وكذلك في غيرها من البلدان، بل في بعض البلاد الإسلامية يعتبر يوم عيد ميلاد المسيح إجازة رسمية، ويحتفل الناس بهذه المناسبة.
والاحتفال بعيد ميلاد المسيح أمر مُحدث مبتدع في المسيحية، فاتخاذ يوم ميلاد المسيح عيداً بدعة أحدثت بعد الحواريين (2) ، فلم يعهد ذلك عن المسيح، ولا عن أحد من الحواريين (3) .
وقد ابتلى الله كثيراً من المسلمين في بعض البلدان الإسلامية بالاحتفال بهذه المناسبة.
ولم يتوقف الاحتفال فيه على المسيحيين فقط، بل يشاركهم فيه بعض المسلمين، الذين دعاهم إلى ذلك الخضوع لشهوات النفس، والهوى، والشيطان؛ لما يحصل في هذه الاحتفالات من اختلاط النساء بالرجال، ونزع جلباب الحياء بالكلية، وشُرْب المسكرات، ورقص النساء مع الرجال، وما يحدث في هذه الاحتفالات من الأمور
_________
(1) - يًراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2/516) .
(2) - الحواريون: / هم أتباع عيسى -عليه السلام- وأنصاره. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ....} (الصف: من الآية14) . ويُراجع: تفسير ابن كثير (4/362) .
(3) - يُراجع: الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/230) . ويُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/611) .

(1/387)


التي في ذكرها خدش لكرامة المتحدث بها - عافانا الله وإياكم مما ابتلاهم به -.
وكذلك حب التقليد الأعمى للنصارى، واعتبار ذلك من باب التطور والتقدم، وأن مشاركة المسيحيين في احتفالاتهم صورة من صور الحضارة، لذلك يبادرون إلى حضور هذه الاحتفالات، ويقدمون التهاني للنصارى بهذه المناسبة، مع أن النصارى لا يهنئونهم بعيدين الفطر والأضحى.
وهذا كله بسبب ضعف الوازع الديني، وأنهم مسلمون بالاسم لا بالدين والعقيدة؛ لأن في فعلهم ذلك مخالفة لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالكفار خصوصاً، ونهيه عن المعاصي التي تُرْتَكب في هذه الاحتفالات عموماً.
وقد قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (1) . ولاشك أن حضور هذه الاحتفالات، والإهداء للنصارى فيها، من أعظم صور المودة لأعداء الله ورسوله، فهذا مما يوجب نفي الإيمان عنهم كما ورد في هذه الآية.
والنصوص في هذا الشأن كثيرة، وليس هذا مجال ذكرها. والله أعلم.
_________
(1) - سورة المجادلة: الآية22.

(1/388)


المبحث الثاني

الاحتفال بالنيروز
النيروز، أو النوروز: هو أول يوم من أيام السنة (1) عند الفرس المجوس. يكون في أول فصل الربيع من كل سنة.
وهذا اليوم يوم عيد فارسي مجوسي من أعياد عَّباد النار. وهو من أعظم أعيادهم، يقال: إن أول من اتخذه جمشيد أحد ملوك الفرس الأُول، ويُقال فيه: جمشاد، ومعنى جم: القمر، وشاد الشعاع أو الضياء.
وسبب اتخاذهم لهذا العيد: أن طهومرت لما هلك ملك بعده جمشاد فسمي اليوم الذي ملك فيه نوروز؛ أي اليوم الجديد.
ومن الفرس من يزعم أن النيروز اليوم الذي خلق الله عز وجل فيه النور، وأنه كان معظم القدر عند جمشاد.
وبعضهم يزعم أنه أول الزمان الذي ابتدأ فيه الفلك بالدوران، ومدته عندهم ستة أيام، أولها اليوم الأول من شهر (أفريدون ماه) الذي هو أول شهور سنتهم، ويسمون اليوم السادس النوروز الكبير؛ لأن الأكاسرة (2) كانوا يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس، ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع خواصهم.
وكان من عادتهم فيه: أن يأتي الملك من الليل رجل جميل الوجه، قد أرصد لما يفعله، فيقف على الباب حتى يصبح، فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان، فإذا رآه الملك يقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما أسمك؟ ولأي شيء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء والسلامة وردت، ومعي السنة الجديدة. ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير، وجلبان (3) ، وحمص، وسمسم،
_________
(1) - يُراجع: القاموس المحيط (2/ 200) باب الزاي فصل النون (النرز)
(2) - الأكاسرة: جميع كسرى، وهو ملك الفرس. معرب، هو بالفارسية خسرو، أي واسع الملك. يراجع لسان العرب (5/142) مادة (كسر) .
(3) - الجلبان: حب أغبر أكدر يطبخ. يراجع لسان العرب (1/274) مادة (جلب) .

(1/389)


وأرز - من كل واحد سبع سنابل، وتسع حبات - وقطعة سكر، ودينار ودرهم جديدان، فيضع بين يدي الملك، ثم تدخل عليه الهدايا، ثم يدخل عليه الناس حسب مراتبهم، وقربهم من الملك، ثم يقدم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب، موضوع في سلة، فيأكل منه ويطعم من حضره، ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن تجدد فيه ما أخلق من الزمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس على سائر الأعضاء، ثم يخلع على وجوه دولته، ويصلهم، ويفرق فيهم ما حمل إليه من هدايا، ومن عادة عوام الفرس رفع النار في ليلته ورش الماء في صبيحته (1) .
فأكثر ما يفعلونه في هذا العيد هو كثرة وقود النيران - لأنَّها معبودهم- وكثرة رش الماء، فيجتمع الناس في الشوارع والساحات، وقرب الأنهار والبحيرات، مختلطين رجالهم ونساؤهم، وترتفع أصواتهم، ويشربون الخمر ظاهراً بينهم في الطرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر، ويستخفون بحرمات الناس الذين لا يشاركونهم هذا الاحتفال، فيرشُّونهم بالماء ممزوجاً بالأقذار ... إلى غير ذلك من أمور الفسق والفساد (2) .
وللأسف الشديد، ليس هذا متوقفاً على الأعاجم فقط، وإنَّما يشاركهم من يدَّعي الإسلام في بلادهم، وفي غيرها من البلاد، ولاسيما الملوك والرؤساء والوزراء والتجار والأعيان، ويظهرون من الابتهاج والسرور والاحتفالات، والزينات والتهاني ما يفوق الوصف، ويكون احتفالهم وفرحهم به وتعظيمهم له، أكثر من احتفالهم وفرحهم وتعظيمهم لعيدي الأضحى والفطر (3) .
ويتجلى اهتمام من يدعي الإسلام بالاحتفال بالنيروز في تقليده للأعاجم في جميع ما يعملونه من أكل المأكولات التي تعمل في هذه المناسبات خاصة كالهريسة (4) وغيرها من مآكلهم في النيروز. وكذلك بل بعضهم بعضاً بالماء وإلقائه في الماء،
_________
(1) - يُراجع: نهاية الأرب للنويري (1/85، 186) .
(2) - يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (1/493) .
(3) - يُراجع: تحذير المسلمين ص (151) .
(4) - الهريسة: الحب المطبوخ، والهريس: الحب المهروس قبل أن يطبخ، وسميت الهريسة هريسة؛ لأنَّ البر الذي هي منه يدق ثم يطبخ. يُراجع: لسان العرب (6/ 247) مادة (هرس) .

(1/390)


وخرجهم من البساتين، ورمي بعضهم بعضاً في بِركِها، وفي البحر وغيره، مع ما يتعدى ضرر ذلك إلى الغرباء والمساكين من الرجال والنساء، وأذاهم، ممن لا يشاركهم في هذه الاحتفالات (1) .
فالاحتفال بالنيروز من أعياد الملحدين، وتقليدهم لا يجوز شرعاً، فلا يجوز للمسلم أن يحضر تلك الاحتفالات، ولا أن يهنئهم على هذا العيد، ومن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تُقْبل هديته، خصوصاً إذا كانت الهدية مما يُستعان بها على التشبه بهم (2) .
والاحتفال بالنيروز عند غير الأعاجم، ليس المقصود منه تعظيم النار التي هي معبود الفرس، ولا محبة لديانتهم، ولا حباً في تقليدهم، وإنَّما الذي دعاهم إلى ذلك الشيطان الذي استولى على نفوسهم وعقولهم، فزيَّن لهم ارتكاب المعاصي، وفعل ما النساء بالرجال، وشرب الخمور، وكثرة الهرج والمرج، وتساقط الأخلاق والآداب، والتصرفات الحيوانية، بل ربما كان عند الحيوانات من الغيرة على محارمها أكثر مما عندهم { ... إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (3) . فجمعوا بين إثم تقليد الكفار المنهي عنه، وبين الإثم المترتب على فعل المحرمات.
ومن عادة الذين اتخذوا إلههم هواهم الميل إلى التصرفات الخارجة عن حدود الدين، وحدود الشرف والفضيلة، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فيحرصون على حضور الاجتماعات والاحتفالات، التي تتوفر فيها أنواع المعاصي؛ لكونها تلبي شهوات نفوسهم المريضة - والعياذ بالله - {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (4) . والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________
(1) - يُراجع: تنبيه الغافلين ص (384) .
(2) - يُراجع: اقضاء الصراط المستقيم (2/517) .
(3) - سورة الفرقان: الآية44.
(4) - (الجاثية:23)

(1/391)


المبحث الثالث

الاحتفال بأعياد الميلاد
ومن الأمور التي تشبَّه المسلمون فيها بالكفار، الاحتفال بأعياد الميلاد.
فقد جرت عادة النصارى أن يحتفلوا بكل سنة تمر من حياتهم، وهو أمر محدث في شريعتهم.
فيحتفل الوالدان بمرور سنة على ميلاد ابنهما، وفي السنة الثانية يحتفلون بمرور سنتين على ميلاده..... وهكذا.
وكذلك الأب والأم يحتفلون بعيد ميلادهم على هذا النحو.
وعادتهم في مثل هذا الاحتفال: إقامة الزينات الملونة في أنحاء البيت، ودعوة الأقارب والأصدقاء والجيران، فيصطحب كل منهم هدية لصاحب هذا العيد.
ويحرص والدي الطفل أو الزوج - إذا كان العيد لزوجته والعكس - على إحضار هدية خاصة بهذه المناسبة، وعادة ما يكون هذا الاحتفال ليلاً. ومن ضمن استعداداتهم تجهيز الحلويات والمشروبات الخاصة بهذه المناسبة، وخاصة قطعة من الكعك الخاص (1) ، والتي تكون عادة بشكل دائري، وتختلف أحجامها ومقاساتها حسب الحالة الاجتماعية، وعمر المحتفل بميلاده، ويغرس في هذه الكعكة الخاصة عدد من الشموع تكون بعدد سني المحتفل بميلاده إن كان صغيراً، وبعدد العقود إذا كان كبيراً، فمثلاً: إذا كان عمره ثلاث سنوات وضعوا ثلاث شمعات، وإذا كان كبيراً وعمره خمسين سنة مثلاً وضعوا خمس شمعات، على أساس كل عقد من عمره له شمعة واحدة. وعادة تكون هذه الكعكة الخاصة موضوعة على مائدة تحيط بها الأنواع الأخرى من الحلويات والمشروبات، فتكون في وسط المائدة.
_________
(1) - الكعك: الخبز، كلمة فارسية معربة. يراجع: لسان العرب (10/481) مادة (كعك) . والناس في الوقت الحاضر يطلقون الكعك على الخبز اليابس، أما يستعمل في المناسبات فيسمونه (كيك) وهي كلمة (إنجليزية) تطلق على أنواع الخبز السميك اللين الهش. وهو المراد في هذا المقام، وعادة ما يحلى بأنواع من الحلوى الملونة التي تكون على ظاهره.

(1/392)


ثم يوقدون الشموع المغروسة في قطعة الكعك، ثم يجتمع المحتفلون حول المائدة، ويكون المحتفل بميلاده في وسطهم قابلاً للشموع ثم يطفئ هذه الشموع بنفخه إياها، ويشاركه الحاضرون.
ومعنى أنه قضى من عمره قدر هذه الشموع.
ويولي الناس الاحتفال بأعياد الميلاد اهتماماً يفوق الوصف، لحرصهم على تقليد الأعاجم، مع أن هذا من المشابهة المنهي عنها، وفعلهم هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن من كل قبلكم ... )) الحديث (1)
ومن مظاهر هذا الاهتمام: الإعلان عن ذلك في الصحف والمجلات، الإسراف في صنع الزينات والمأكولات والمشروبات، وتباهي الناس في ذلك ومفاخرة بعضهم بعضاً في هذا المجال.
أما الأمور التي سنَّها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي منها: العقيقة، وهي ما يذبح عن المولود ذكراً أو أنثى، فلا يولونها أي اهتمام، وإنَّما هي سنَّة من السنن التي كادت أن تندرس بسبب كثرة البدع، والإعراض عن السنن.
وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ((مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى)) (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه)) (3) . وقال أيضاً: ((عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)) (4) . وقال أيضاً:
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (13/300) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (732) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (16/219) كتاب العلم واللفظ له.
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (9/590) كتاب العقيقة، حديث رقم (5472) . قال ابن حجر في فتح الباري (9/591) وصله الطحاوي. ورواه أبو داود في سننه (3/261) كتاب الأضاحي، حديث رقم (2839) ، ورواه الترمذي في سننه (3/35) أبواب الأضاحي، حديث رقم (1551، 1552) ، وقال: حديث صحيح. ورواه النسائي في سننه (7/ 164) كتاب العقيقة. ورواه ابن ماجه في سننه (2/1056) كتاب الذبائح، حديث رقم (3164) .
(3) - رواه أحمد في مسنده (5/17) . ورواه أبو داود في سننه (3/260) كتاب الأضاحي، حديث رقم (2838) . ورواه الترمذي في سننه (3/38) أبواب الأضاحي، حديث رقم (1559) ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (7/166) كتاب العقيقة. ورواه ابن ماجه في سننه (2/1056، 1057) كتاب الذبائح، حديث رقم (3165) .
(4) - رواه أحمد في مسنده (6/422) . ورواه أبو داود في سننه (3/257) كتاب الأضاحي، حديث رقم (2834) . ورواه الترمذي في سننه (3/35) أبواب الأضاحي، حديث رقم (1549) ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (2/1056، 1057) كتاب الذبائح، حديث رقم (3162) . ورواه النسائي في سننه (7/165) كتاب العقيقة.

(1/393)


((عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثاً)) (1) ......... إلى غير ذلك من الأدلة التي تدلُّ على استحباب العق عن المولود (2) .
فهذه سنة المصطفى - عليه الصلاة والسلام -، قد تركها الكثير من الناس ولهم في فعلها الأجر العظيم، وتشبهوا بالكفار في الاحتفال بأعياد الميلاد، فقدموا ما يحصل به العقاب، على ما ينالوا به الثواب.
والسبب في ذلك ضعف الإيمان، والجهل، والتقليد الأعمى، وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكاسل بعض العلماء، وطلاب العلم في محاربة هذه المحدثات البدعية، التي ليس من شأنها إلا القضاء على السنن لتحل محلها البدع، فيحصل للناس بذلك الفساد في دينهم وأخلاقهم، وليس بعد ذلك مصيبة.
حمانا الله وإياكم من كل شرِّ، وأصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، إنه سميع مجيب. والله أعلم.
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (6/422) . ورواه أبو داود في سننه (3/257، 258) كتاب الأضاحي، حديث رقم (2835) . ورواه الترمذي في سننه (3/35) أبواب الأضاحي، حديث رقم (1550) ، وقال: هذا حديث صحيح. ورواه النسائي في سننه (7/165) كتاب العقيقة.
(2) - يراجع: تحفة المودود بأحكام المولود ص (38- 42) .

(1/394)


المبحث الرابع

الاحتفالات والأعياد المحدثة
من الأمور التي تشبه المسلمون فيها بالكفار في هذا الوقت، وضعهم بعض الأعياد والاحتفالات المحدثة، والتي تكون معرضة للمحو والتغيير في كل فترة، لأنها من وضع البشر، وليست تشريعاً من الله، وحسب ما تراه الدول وحكامها.
فتتخذ بعض الحكومات يوماً معيناً تجعله عيداً بمناسبة ثورتها أو استقلالها، وبعد أن يتغير الحكم والحكومة بسبب ثورة أخرى يجعل العيد والاحتفال في تاريخ الثورة الجديدة، ويترك الاحتفال بالثورة الأولى، فهذه الأعياد حسب رغبة من يضعها، إن شاء استمرت، وإن شاء عطلت، وكفى بذلك مهزلة!!!.
وأفقدوا الأعياد قيمتها عند الناس، بأن جعلوا لكل شيء عيداً - وما المانع إذا كان إحداث العيد متوقفاً على رغبة فئة من الناس-. وهذه الأعياد والاحتفالات تختلف من دولة لأخرى، فلكل بلد مجموعة من الأعياد تختص بها، منها ما يكون رسمياً فتعطل فيه الدوائر الحكومية والمدارس، ومنها ما يختص بفئة دون فئة كعيد الأم، وعيد العمال مثلاً، ومنها ما هو شكلي كعيد الشجرة،.......وهكذا.
وبعض الدول تجعل لهذه المناسبات نشرة خاصة يعرفها الناس كلهم ويتمشون عليها.
وأكثر البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر تجد لها على الأقل عشرة أعياد سنوية فأكثر، مع أن أعياد المسلمين كما هو معروف عيدان فقط: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويضاف إليهما عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة. فمن شرع الباقي؟!. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (1) .
ومن الأمثلة على هذه الأعياد: عيد النصر (2) ، عيد العلم، عيد الأم، عيد الثورة، عيد السلام، عيد الجلاء، عيد العمال، عيد الوحدة، عيد الأحزاب، عيد
_________
(1) - (الشورى: من الآية21)
(2) - عيد النصر: من الأعياد التي ابتدعها الباطنية لما حكموا مصر وتسموا بالفاطميين. يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (1/490)

(1/395)


الدستور.... إلى غير ذلك.
والعيد الذي تكاد تتفق فيه كثير من البلدان في جميع أنحاء العالم هو العيد الوطني، أو عيد الاستقلال، أو عيد الجلوس، ونحو ذلك. ويقام في اليوم الذي يوافق بداية الحكم في كل دولة، أو بداية استقلال الدولة عن حكم المستعمرين.
ولا شك أن اتخاذ مثل هذه الأعياد والاحتفالات بدعة في نفسه، ومحرم، وشرع دين لم يأذن به الله (1) .
_________
(1) - يُراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3/107- 121) .

(1/396)


المبحث الخامس

الاحتفال برأس السنة الهجرية
في بداية كل سنة هجرية تحتفل بعض الدول الإسلامية بعيد رأس السنة فتعطل الأعمال في اليوم السابق له، واليوم اللاحق له. وليس لاحتفالهم هذا أي مستند شرعي، وإنّما هو حب التقليد والمشابهة لليهود والنصارى في احتفالاتهم.
وأول من احتفل برأس السنة الهجرية -حسب اطلاعي المحدود - هم ناصري البدعة حكام الدولة العبيدية -الفاطمية- في مصر.
ذكر ذلك المقريزي في خططه ضمن الأيام التي كان العبيديون يتخذونها أعياداً ومواسماً. قال: (موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول المحرم في كل عام؛ لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ... ) ا. هـ. ثم ذكر الرسوم المتبقية في هذا الموسم، وذكر بعده موسم أول العام وعنايتهم به (1) .
وعيد رأس السنة من أعياد اليهود التي نطقت بها التوراة، ويسمونه رأس هيشا، أي عيد رأس الشهر، وهو أول يوم من تشرين، ينزل عندهم منزلة عيد الأضحى عند المسلمين، ويقولون: إن الله عز وجل أمر إبراهيم بذبح إسحاق (2) ابنه - عليهما السلام - فيه، وفداه بذبح عظيم (3) .
_________
(1) - يراجع الخطط والآثار للمقريزي (1/490) .
(2) - هذا كذب وافتراء من اليهود، فالذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق - عليهما السلام -؛ لأنَّ أول ولد بشِّرَ به إبراهيم -عليه السلام - هو إسماعيل-عليه السلام -، وهو أكبر من إسحاق -عليه السلام -، وهذا باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل نصّ في كتابهم أن إسماعيل -عليه السلام - ولد ولإبراهيم -عليه السلام - ست وثمانون سنة، وولد إسحاق -عليه السلام - وعُمْر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تسع وتسعون سنة. وكونهم قالوا: إن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل - عليهما السلام-؛ لأنَّ إسحاق أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم. فقولهم تحريف وباطل عند عامة العلماء، إلا قولاً شاذاً في هذا لا يعول عليه. يُراجع: تفسير ابن كثير (4/14) ، تفسير سورة الصافات، الآيات (99- 113) .
(3) - يُراجع: نهاية الأرب للنويري (1/195) .

(1/397)


فجاء النصارى فقلدوا اليهود، وصاروا يحتفلون بليلة رأس السنة الميلادية. ولهذا الاحتفال عندهم مراسم خاصة، وذلك أنه في تلك الليلة- ليلة أول يوم من العام الجديد- يجتمع المحتفلون ويسهرون على موائد الأكل والشرب المباحة والمحرمة، في أماكن عامة للأكل والشرب والرقص واللهو. فإذا جاءت الساعة الثانية عشرة- بالتوقيت الزوالي- وهو منتصف الليل، أُطفئت الأنوار، فيقبل كل شخص من بجانبه مدة تزيد عن خمس دقائق، وتكون الأماكن مرتبة بحيث يكون كل رجل بجانبه امرأة، سواء كان يعرفها أو لا يعرفها، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر سيقبله في الوقت الذي تطفأ فيه الأنوار، وليس المقصود من إطفاء الأنوار الستر، بل يعبرون بذلك عن نهاية عام، وبداية عام جديد.
فلذلك تجد كثيراً من شباب المسلمين وشيبهم يحرصون على حضور هذه الاحتفالات، سواء في بلادهم، أو في بلاد الغرب أو الشرق، لكن لا تفوتهم هذه المراسم، ويخسرون في سبيل ذلك المال الكثير، ويعتبرون ذلك فرصة يجب أن تُنتهز؛ لأنَّها - كما يزعمون - من ليالي العمر التي لا تُنسى!!!.
ولم يتوقف الاحتفال بها على النصارى فقط، بل صارت كثير من البلدان الإسلامية، والتي ربما يوجد بها نسبة من النصارى ولو قليلة، يحتفل العامة فيها بعيد رأس السنة الميلادية.
وسرى التقليد إلى أن احتفلوا أيضاً برأس السنة الهجرية، ولكن المراسم تختلف.
ولا شك أن في هذا الاحتفال - الاحتفال برأس السنة الهجرية - أمر مُحدث مُبتدع، لم يُؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه-رضوان الله عليهم-، ولا عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم وأعلام الأمة وعلمائها من الأئمة الأربعة وغيرهم - رحمة الله عليهم -.
ولكن حدث ذلك بعد القرون المفضلة، بعدما اختلط المسلمون بغيرهم من اليهود والنصارى، ودخل في الإسلام من يريد بذلك أن يفسد على المسلمين دينهم، فصاروا يحتفلون بأعياد اليهود والنصارى، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم ((لتتبعن سنن من كل قبلكم ... )) الحديث (1) .
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (13/300) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (732) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (16/219) كتاب العلم واللفظ له.

(1/398)


وقد اخترع بعض المبتدعة دعاء لليلتي أول يوم من السنة وآخرها، وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية يرددونه مع أئمتهم في بعض المساجد، وهذا الدعاء لم يُؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين، ولم يرو في مسند من المسانيد (1) .
وهذا نصه: اللهم ما عملته في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيته ولم تنسه، وحلمت عليَّ في الرزق بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة بعد جراءتي على معصيتك، اللهم إني استغفرك منه فاغفر لي، وما عملته فيها من عمل ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك يا كريم، يا ذا الجلال والإكرام أن تقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ويقولون: فإن الشيطان يقول: قد تعبنا معه سائر السنة، فأفسد عملنا في واحدة، ويحثوا التراب على وجهه. ويسبق هذا الدعاء صلاة عشر ركعات، يقرأ في كل ركعة الفاتحة، ثم آية الكرسي عشر مرات، والإخلاص عشر مرات (2) .
ولا يخفى على طالب العلم أن الدعاء عبادة، والعبادات توقيفية، وهذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُذكر عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - كما تقدَّم.
ومما أحدث أيضاً في يومي آخر السنة وأولها صيامهما، واستند المبتدعة إلى حديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من الحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة) (3)
_________
(1) - يُراجع: إصلاح المساجد ص (129) .
(2) - يُراجع: رسالة روى الظمآن في فضائل الأشهر والأيام، ص (21) .
(3) - رواه ابن الجوزي في الموضوعات (2/199) ، وقال: الهروي هو الجويياري، ووهب، كلامها كذاب وضَّاع.

(1/399)


البحث السادس

الاحتفال برأس القرن الهجري
ومما أُحدث في القرون الأخيرة: الاحتفال برأس القرن الهجري، وذلك كما حدث في بداية القرن الخامس عشر الهجري، فقد احتفلت بعض البلاد الإسلامية بهذه المناسبة، وأقيمت المحافل الخطابية، وتبادل بعضهم التهاني بهذه المناسبة، وطبعت بعض الكتب مصدرة بعبارة (بمناسبة الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري) ، وليس الاعتراض على طبع الكتب، فنشر الكتب من تبليغ العلم، لاسيما إذا كانت سلفية، أو ذات منهج سلفي، ولكن الاعتراض على جعل بداية القرن موسماً من المواسم التي يحتفل الناس بها، فالاحتفال برأس القرن الهجري أمر محدث مبتدع، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الإحداث في الدين.
فالاحتفال برأس القرن الهجري منهي عنه من وجهين:
الوجه الأول:
النهي عن الاحتفال به قياساً على الاحتفال برأس السنة؛ وسبق أن عرفنا أن عيد رأس السنة من أعياد اليهود، وقلدهم فيه النصارى ثم المسلمون، والتشبه بالكفار قد نهى عنه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة (1) .
وما دام الأصل منهي عنه، فكذلك يكون الفرع، فيكون الاحتفال برأس القرن الهجري من الأمور المنهي عنها؛ لأنَّ الاحتفال به فيه مشابهة لأهل الكتاب.
الوجه الثاني:
النهي عنه لكونه أمراً محدثاً مبتدعاً؛ لأنَّهُ لم يؤثر عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم، وعلماء الأمة المشهورين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ولا من جاء بعدهم، أنه احتفل برأس القرن الهجري، ولم يرد في كتب التاريخ -حسب اطلاعي المحدود- أن أحداً من العلماء أو الحكام احتفل برأس قرن من القرون، ولو كان خيراً لسبقنا إليه من هو أحرص منا على الخير وهم السلف الصالح - رحمة الله عليهم-.
_________
(1) - يُراجع: مشروعية مخالفة أهل الكتاب ص (406) .

(1/400)


وقد وردت النصوص بالنهي عن الأمور المحدثة المبتدعة، ومنها:
قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (1) . وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (2) ، أي: مردود عليه.
فلا يشك طالب الحق المنصف، أن هذا الاحتفال داخل في الاحتفالات البدعية المنهي عنها؛ لكونها محدثة في الدين ((وكل محدثة بدعة)) (3) ، ولمشابهة أهل الكتاب في احتفالاتهم وأعيادهم ((ومن تشبه بقوم فهو منهم)) (4) . - والله أعلم-.
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (5/301) كتاب الصلح، حديث رقم (2697) . ورواه مسلم في صحيحه (3/1343) كتاب الأقضية، حديث رقم (1718)
(2) - ورواه مسلم في صحيحه (3/1343، 1344) كتاب الأقضية، حديث رقم (1718) .
(3) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1/18) ، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (1/545) .
(4) - رواه أحمد في مسنده (2/50) . ورواه أبو داود في سننه (4/314) كتاب اللباس، حديث رقم (4031) . قال المنذري في تهذيب سنن أبي داود (6/25) : (في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/236) : (وهذا إسناد جيد) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2/ 590) رقم (8593) . وأشار إلى أنه حسن. من رواية أبي داود، والطبراني في الأوسط. وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند البزار. وعند أبي نعيم في تاريخ أصبهان. يُراجع: كشف الخفاء (2/314) ، حديث رقم (2436) . وقال الألباني - رحمه الله -: صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (8/49) ، وحديث رقم (2384) .

(1/401)


المبحث السابع

الاحتفال بذكرى بعض العلماء
ومن الأمور المحدثة التي ظهرت في بعض المجتمعات الإسلامية، الاحتفال بذكرى بعض الموتى، وخاصة العلماء، وهذا الاحتفال يكون في التاريخ الموافق لتاريخ وفاة المحتفل بذكراه، وربما كان هذا الاحتفال بعد موته بسنة أو أكثر.
وهذا الاحتفال يختلف من شخص لآخر:
فإن كان من عامة الناس، أو ممن ينتسبون إلى العلم وإن كانوا جهَّالاً، فبعد مرور أربعين يوماً على وفاته، يحتفل أهله بذكرى وفاته، ويسمونها (الأربعين) ، فيجمعون الناس في مخيمات خاصة، أو بيت المتوفى ويحضرون من يقرأ القرآن، ويعدون وليمة كوليمة العرس، ويزينون المكان بالأنوار الساطعة، وبالفرش الوثيرة، وينفقون النفقات الباهظة، وغرضهم من ذلك كله المباهاة والرياء، ولا شك في حرمة ذلك، لما فيه من إضاعة مال الميت لغير غرض صحيح، ولا يفيد الميت بشيء، ويعود بالخسارة على أهله. هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر، فما بالك إذا كان فيهم قاصر!!!. وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا- نعوذ بالله من سخطه- (1) .
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: (وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا عند غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) 1.هـ (2) .
وقال علي محفوظ - رحمه الله -: (فما يعمله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة
_________
(1) - يراجع: الإبداع ص (228) .
(2) - يُراجع: زاد المعاد (1/527) .

(1/402)


للمعزين، والنفقات التي تنفق في ليالي المآتم، وما يتبعها مثل ليالي الجمع والأربعين، كله من البدع المذمومة، المخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من بعده) ا. هـ (1)
فهذا الاحتفال أمر محدث مبتدع، لم يُؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم-، ولا عن السلف الصالح -رحمهم الله-. والسنة في ذلك: أن يُصنع الطعام لأهل الميت ويرسل إليهم، لا أن يصنعونه هم ويدعون الناس إليه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)) (2) .
وقال جرير بن عبد الله البجلي: (كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة
_________
(1) - يُراجع: الإبداع ص (230) .
(2) - رواه أحمد في مسنده (1/205) . ورواه أبو داود في سننه (3/497) كتاب الجنائز، حديث رقم (3132) . ورواه الترمذي في سننه (2/234) أبواب الجنائز، حديث رقم (1003) ، وقال: حديث حسن. ورواه ابن ماجه في سننه (1/514) كتاب الجنائز، حديث رقم (1610) . ورواه الحاكم في المستدرك (1/372) كتاب الجنائز وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/403)


الطعام من النياحة) ا. هـ (1) .
أما إذا كان المحتفل بذكراه من العلماء، ففي اليوم الذي يوافق تاريخ وفاته، بعد مرور سنة أو سنين معينة، يعمل له احتفال خاص، ويعهد إلى مجموعة من الباحثين كتابة بعض البحوث في سيرته وشخصيته، ومنهجه في التأليف، وكل ما يتعلق به، ثم تلقى في هذا الاحتفال، وتطبع كتبه، أو المهم والمشهور منها، وتوزع أو تُنشر في الأسواق إحياء لذكراه بزعمهم، وبياناً لجهوده في سبيل نشر العلم والتأليف ونحو ذلك.
وإذا كان من الملوك أو السلاطين أو الرؤساء، فيحتفل بهذه المناسبة، ويتكلم كبار المحتفلين عن مآثره وجهوده في الحكم، وربما صدر بعض الكتب عنه بهذه المناسبة. ومن الناس من يذهب إلى قبره، ويضع عليه الورود، ويقرأ على روحه الفاتحة، وكل هذه بدع ما أنزل الله بها من سلطان.
وليس في نشر كتب العالم، والكتابة في سيرته، ومنهجه في التأليف وطباعة كتبه، بأس، بل هذا مطلوب إن كان يستحق ذلك، ولكن لا يخصص ذلك بزمن معين، ولا يكون مصحوباً باحتفالات ومهرجانات خطابية ونحو ذلك، وكذلك الملوك والحكَّام.
فالاحتفال بذكرى بعض الموتى كالعلماء والحكام، وبعض العامة ونحوهم، أمر محدثٌ مبتدع، وكفى بهذا ذماً له.
فإنه لا أحد أوسع علماً منه صلى الله عليه وسلم، ولا أفضل طريقة في الدعوة إلى الدين، ولا أشرف مقاماً، ولا أعظم منزلة منه- عليه الصلاة والسلام- فهو أفضل الخلق على الإطلاق، ومع ذلك لم يحتفل الصحابة -رضوان الله عليهم- بذكراه- مع أنه لا يمكن أن يحب مخلوق مخلوقاً كمحبة الصحابة - رضوان الله عليهم - للرسول صلى الله عليه وسلم ولا التابعين، ولا تابعيهم، ولا السلف الصالح -رحمة الله عليهم- ولو كان في ذلك خيراً
_________
(1) - رواه ابن ماجه في سننه (1/514) كتاب الجنائز، حديث رقم (1612) .
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (2/53) : (هذا إسناد صحيح، رجال الطريق الأولى على شرط البخاري، والطريق الثانية على شرط مسلم) ا. هـ

(1/404)


لسبقونا إليه.
فتقدير العلماء لا يكون بالاحتفال بذكراهم، بل يكون بالحرص على الاستفادة مما كتبوا وألفوا، عن طريق النشر والقراءة، والتعليق والشروح، ونحو ذلك.
هذا إذا كانوا يستحقون ذلك، بسيرهم على المنهج السلفي الصحيح، والبُعد عن منهج الفرق الضالة، أو التأثر بالغرب ونحوهم.
والعلماء من السلف الصالح ومن جاء بعدهم، قد حفظت ذكراهم ورواياتهم، وما أظهروه للناس من العلم، فالعالم يموت ويفارق الدنيا، ويبقى علمه يتناقله الناس جيلاً بعد جيل.
وبسبب ما استفاد الناس من علمهم، صاروا يترحمون عليهم، ويَدْعُونَ لهم بالأجر والمثوبة، وهذا أعظم إظهار لذكراهم.
أما الاحتفال بذكراهم، والتبرك بزواياهم وآثارهم، والطواف بقبورهم، فكل ذلك من البدع، التي قد يصل بعضها إلى درجة الإشراك بالله -نعوذ بالله من ذلك -.
ولو أن هؤلاء العلماء - الذين يُحتفل بذكراهم ويُتبرك بزواياهم - أحياء لأنكروا على من يفعل هذه الأمور.
ولكن بعض الناس قد أغواه هواه والشيطان، والداعون إلى البدع لدنيا يصيبونها، أو منصب يترأسون الناس به، فانزلق في متاهات البدع التي لا خلاص منها، إلا بالرجوع إلى كتاب الله -عز وجل- وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم والوقوف عليهما، وعلى ما أجمع عليه علماء الأمة، وترك ما أحدث من البدع، التي هي شر في ذاتها، وتؤدي إلى شرٍّ أعظم، وبَلِيَّةٍ أكبر.
فنسأل الله لنا ولهم الهداية إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يباعد بيننا وبين طريق المغضوب عليهم وطريق الضَّالين، إنه على كل شيء قدير.

(1/405)


المبحث الثامن

مشروعية مخالفة أهل الكتاب
لا يخفى على كل مسلم أن التشبه بأهل الكتاب حرام، - سواء في عاداتهم أو أعيادهم أو أخلاقهم أو غير ذلك-؛ لأنَّ التشبه بهم يدل على نوع مودة ومحبة وموالاة، وإن لم يجاهر المتشبه بذلك، وإن لم يورث نوع مودة ومحبة، فهو على الأقل مظنة المودة فيكون محرماً من هذا الوجه سداً للذريعة، وحسماً لعادة حب الكافرين والولاء لهم، فضلاً عن كونه محرماً من وجوه أخرى، بالنصوص الواردة وغيرها.
وكلما كانت المشابهة أكثر، كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. بعكس المتمسكين بهدي الإسلام، والبعيدين عن مشابهة الأمم الأخرى، فهم أكثر نفرة وأقل مودة لغير المسلمين.
والتشبه بأهل الكتاب لا يقتصر على المودة الظاهرة بين المسلم والكافر، بل قد يصل إلى الأمور الاعتقادية والفكرية الباطنية، وهذا أخطر من سابقه؛ لأن المسلم الذي يقلِّد الكفار في الظاهر، يقوده ذلك إلى التأثر باعتقاداتهم الباطنية، وذلك عن طريق الاستدراج الخفي شيئاً فشيئاً.
فأكثر من تعلموا في ديار الغرب، أو عاشوا بعض الوقت عندهم، تجدهم يعشقون حياتهم الغربية، ويحاولون بقدر الإمكان تقليدهم في كثير من الأمور لشدة إعجابهم بهم، فيأتون من عندهم وقد حملوا أفكاراً واعتقادات غريبة عن الإسلام، بل بعضها ربما ينافي العقيدة الإسلامية الصحيحة - هدانا الله وإياهم -.
ومن الأمور التي تساهل بها بعض المسلمين، وسارعوا إلى التشبه بالأمم الأخرى فيها: الأعياد والاحتفالات البدعية -التي هي موضوع كتابنا- فأحدثوا من البدع في هذا المجال الشيء الكثير، مما حدا بشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن يؤلف كتاباً كاملاً في النهي عن مشابهة أهل الكتاب، وخاصة في أعيادهم، سمَّاه (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) . فقال -رحمه الله- بعد حمد الله والثناء عليه بما

(1/406)


هو أهله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(وبعد: فإني كنت قد نهيت إمَّا مبتدئاً أو مجيباً عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك من الأثر القديم، والدلالة الشرعية، وبينت بعض حكمة الشرع في مجانبة الكفار -من الكتابيين والأميين- وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم....
ثم بلغني بأُخرة (1) أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده، لمخالفة عادة قد نشأوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني (2) بعض الأصحاب أن أعلِّق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها، وعموم المنفعة بها، ولما قد عمَّ كثيراً من الناس من الابتلاء بذلك، حتى صاروا في نوع جاهلية، فكتبت ما حضرني الساعة، مع أنه لو استوفى ما في ذلك من الدلائل، وكلام العلماء، واسْتقْريتُ الآثار في ذلك، لوجد فيه أكثر مما كتبته) ا. هـ (3) .
ويعتبر كتاب شيخ الإسلام -رحمه الله- هذا، من أحسن ما أُلف في هذا الباب، فقد ذكر فيه تحريم مشابهة الكفار بالأدلة: من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار.
فذكر من الآيات القرآنية ما ينيف على ثلاثين آية، وقرر بعد كل آية وجه دلالتها على ذلك، ثم ذكر من الأحاديث النبوية الدَّالة على تحريم مشابهة أهل الكتاب ما يقارب مائة حديث، وأعقب كل حديث بذكر وجه دلالته على ذلك، ثم ذكر الإجماع على التحريم، ثم ذكر الآثار، ثم ذكر من الاعتبار ما في بعضه الكفاية. فما أجلّ هذا الكتاب وأكبر فائدته (4) .
وسأذكر- إن شاء الله- بعضاً من هذه الآيات، والأحاديث، وكذلك الإجماع، وبعض الأدلة من الآثار والاعتبار الدَّالَّة على تحريم مشابهة أهل الكتاب على النحو التالي:
_________
(1) - أي: أخيراً - والله أعلم -.
(2) - اقتضاني: أي طلب مني. يُراجع: القاموس المحيط (4/381) ، فصل القاف باب الياء.
(3) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (1/60، 61) .
(4) - يُراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3/109) .

(1/407)