البدع الحولية

الفصل الثامن

شهر ذي الحجة
المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: بدعة التعريف.
المبحث الثالث: بدعة عيد غدير خم.

(1/351)


المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي بكرة - رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان....)) الحديث. متفق عليه (1) .
عن أبي بكرة -رضي الله-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة)) متفق عليه (2) .
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ((أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابهم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} (3) . قال عمر -رضي الله عنه- قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة، يوم جمعة)) متفق عليه (4) .
عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) ، فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ . فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) (5)
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (10/7) كتاب الأضاحي، حديث رقم (5550) ، ورواه مسلم في صحيحه (3/1305) كتاب القسامة، حديث رقم (1679) .
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/124) كتاب الصيام، حديث رقم (1912) . ورواه مسلم في صحيحه (2/766) كتاب الصيام، حديث رقم (1089) .
(3) -سورة المائدة، الآية: 3.
(4) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (1/ 105) كتاب الإيمان، حديث رقم (45) . ورواه مسلم في صحيحه (4/ 2312، 2313) كتاب التفسير، حديث رقم (3017) (5)
(5) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (2/ 457) كتاب العيدين، حديث رقم (969) ، بلفظ آخر. ورواه أحمد في مسنده (2/161، 162) . ورواه داود في سننه (2/815) كتاب الصيام، حديث رقم (2438) . ورواه الترمذي في سننه (2/ 129) أبواب الصوم، حديث رقم (754) ، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح. ورواه الدارمي في سننه (2/25 كتاب الصيام، باب في فضل العمل في العشر. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (4/273) ، حديث رقم (2865) .

(1/353)


عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..)) الحديث. متفق عليه (1) .
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر)) . متفق عليه (2) .
مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: ((هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)) . متفق عليه (3) .
عن أم الفضل بنت الحارث: ((أنَّ ناساً تماروا (4) عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/238، 239) كتاب الصوم، حديث رقم (2) . ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) .
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/240) كتاب الصوم، حديث رقم (1993) موقوفاًَ على أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واللفظ له.
(3) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/238، 239) كتاب الصوم، حديث رقم (1990) . ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) .
(4) - تماروا: أي اختلفوا. يُراجع: فتح الباري (4/237) .

(1/354)


بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه)) متفق عليه (1)
عن ميمونة- رضي الله عنها-: ((أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلاب (2) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون)) متفق عليه (3) .
عن عائشة-رضي الله عنها- قالت: ((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط)) (4)
عن أم سلمة - رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شهره وبشره شيئاً)) (5) .
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/236، 237) كتاب الصوم، حديث رقم (1988) . ورواه مسلم في صحيحه (2/791) كتاب الصيام، حديث رقم (1123) .
(2) - الحلاب: اللبن الذي يحلب، وقيل: هو الإناء الذي تحلب فيه الغنم. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/421، 422) ، باب الحاء مع اللام.
(3) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/237) كتاب الصوم، حديث رقم (1989) . ورواه مسلم في صحيحه (2/791) كتاب الصيام، حديث رقم (1124) .
(4) - رواه أحمد في مسنده (6/ 42) . ورواه مسلم في صحيحه (2/833) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (1176) . ورواه أبو داود في سننه (2/ 816) كتاب الصوم، حديث رقم (2439) . ورواه الترمذي في سننه (2/128) أبواب الصوم، حديث رقم (753) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (3/ 293) ، حديث رقم (2103) .
(5) - رواه مسلم في صحيحه (3/1565) كتاب الأضحي، حديث رقم (1977) . ورواه الترمذي في سننه (3/39) أبواب الأضاحي، حديث رقم (1561) بطريق آخر ولفظ آخر. وقال: حديث حسن. ورواه النسائي (7/212) كتاب الضحايا. ورواه الحاكم في المستدرك (4/ 220) كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/355)


عن أبي قتادة - رضي الله عنه -: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله)) (1) .
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة. فيقول: أراد هؤلاء؟)) (2) .
عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب)) (3) .
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (5/ 296، 297) . ورواه مسلم في صحيحه (3/818، 819) كتاب الصيام، حديث رقم (1163) . ورواه أبو داود في سننه (3/ 818، 819) كتاب الصيام، حديث رقم (3435) . ورواه الترمذي في سننه مختصراً (3/136) أبواب الصوم، حديث رقم (749) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (3/ 288) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (2087) .
(2) - رواه مسلم في صحيحه (2/ 982، 983) كتاب الحج، حديث رقم (1348) . ورواه النسائي في سننه (5/ 251، 252) كتاب مناسك الحج، باب ما ذكر في يوم عرفة. ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 464) كتاب المناسك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(3) - رواه أحمد في مسنده (4/152) . ورواه مسلم في صحيحه (2/800) كتاب الصيام، حديث رقم (1141) عن نبيشة الهذلي، وحديث رقم (1142) عن كعب بن مالك الأنصاري. ورواه أبو داود في سننه (2/804) كتاب الصوم، حديث رقم (2419) . ورواه الترمذي في سننه (2/135) أبواب الصوم، حديث رقم (770) ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (5/252) كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (238) كتاب الصيام، حديث رقم (958) . ورواه الحاكم في المستدرك (1/434) ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/356)


عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: ((إن الله تبارك وتعالى قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم النحر)) (1) .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فوجده يأكل. قال: فدعاني. قال: فقلت: إني صائم. فقال: ((هذه الأيام التي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهن، وأمرن بفطرهن)) . قال مالك: (هي أيام التشريق) (2)
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (3/103) . ورواه أبو داود في سننه (1/675) كتاب الصلاة، حديث رقم (1134) . ورواه النسائي في سننه (3/180، 179) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (1/294) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه
(2) - رواه مالك في الموطأ (1/376، 377) كتاب الحج، حديث رقم (137) . ورواه أحمد في المسند (4/ 197) . ورواه أبو داود في سننه (2/803، 804) كتاب الصوم، حديث رقم (2418) . ورواه الدارمي في سننه (2/24) كتاب الصيام، كتاب النهي عن صيام أيام التشريق. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (4/313) ، حديث رقم (2961) . ورواه الحاكم في المستدرك (1/435) كتاب الصوم، وصححه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/357)


عن أبي نجيح قال: سُئِل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن صوم يوم عرفة فقال: ((حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه)) (1) .
عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القر (2)) (3)
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (2/47) . ورواه الترمذي في سننه (2/126) ، وقال: حديث حسن. ورواه الدرامي في سننه (2/23) باب في صيام يوم عرفة. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/72) باب صوم يوم عرفة. رواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن (233) ، حديث رقم (934)
(2) - قال ابن خزيمة في صحيحه (4/274) . يوم القر: يعني يوم الثاني من يوم النحر. وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (4/37) في معنى يوم القر: ((هو الغد من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة؛ لأنّ الناس يقرون فيه بمنى، أي: يسكنون ويقيمون) ا. هـ.
(3) - رواه أحمد في مسنده (4/350) . ورواه أبو داود في سننه (2/370) كتاب المناسك، حديث رقم (1765) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (4/273، 274) ، حديث رقم (2866) . ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (258) ، حديث رقم (1044) . ورواه الحاكم في المستدرك (4/221) كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في تهذيب سنن أبي داود (2/295) : أن في هذا الحديث دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام، وقال: (وذهب جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام، واحتجُّوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره. وفصل النزاع: أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، فيوم النحر مفضل على الأيام كلها، التي فيها يوم الجمعة وغيرها، ويوم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع، فإن اجتمعا يوم تظاهرت الفضيلتان، وإن تباينا فيوم النحر أفضل وأعظم، لهذا الحديث، والله أعلم) ا. هـ.

(1/358)


عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ، فقال: ((أي يوم هذا؟)) . فقالوا: يوم النحر، قال: ((هذا يوم الحج الأكبر)) (1) .
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة ... )) الحديث (2) .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بعثه في الحجة التي أمره
_________
(1) - رواه البخاري تعليقاً في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (3/ 574) كتاب الحج، حديث رقم (1742) . ووصله أبو داود في سننه (2/483) كتاب المناسك، حديث رقم (1945) . ورواه ابن ماجه في سننه (2/1016) كتاب المناسك، حديث رقم (3058) .
قال ابن قيم الجوزية في تهذيب سنن أبي دواو (2/406) : (والقرآن قد صرَّح بأن الأذان يوم الحج الأكبر، ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى، فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله - رضي الله عنهما - والشافعي - رحمة الله - إلى أنه يوم عرفة. وقيل: أيام الحج كلها فعبر عن الأيام باليوم، كما قالوا: يوم الجمل، ويوم صفين، قاله الثوري، والصواب: القول الأول) ا. هـ.
(2) - رواه أحمد في مسنده (2/169) . ورواه أبو داود في سننه (3/227) كتاب الضحايا، حديث رقم (2789) . ورواه النسائي في سننه (7/212، 213) كتاب الضحايا، باب من لم يجد الأضحية. ورواه ابن حبان في صحيحه: يراجع: موارد الظمآن ص (258) كتاب الأضاحي، حديث رقم (1043) ، واللفظ له. ورواه الحاكم في المستدرك (4/223) ، كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/359)


النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)) (1) . وفي رواية لأبي داود: ((ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج)) (2) .
عن ابن عباس- رضي الله عنهما - قال: ((كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفراً، ويقولون: إذا برأ الدبر (3) ، وعفا الأثر (4) ، وانسخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ قال: ((حل كله)) متفق عليه (5) .
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: ((من اعتمر في أشهر الحج: في شوال، أو ذي القعدة، أو في ذي الحجة ... )) الأثر (6) .
قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: ((وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال،
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (8/82) كتاب المغازي، حديث رقم (4363) . ورواه مسلم في صحيحه (2/982) كتاب الحج، حديث رقم (1347) . وقال البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (8/320) كتاب التفسير، حديث رقم (4657) : (فكان حميد- بن عبد الرحمن ابن عوف - يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة) ا. هـ. كذلك ذكره مسلم في صحيحه (2/982) كتاب الحج، حديث رقم (1347) عن ابن شهاب.
(2) - رواها في سننه (2/483) كتاب المناسك، حديث رقم (1946) .
(3) - الدبر: الجرح الذي يكون في ظهر البعير، وقيل: هو أن يقرح خف البعير، والمراد: ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج. يراجع: النهاية لابن الأثير (2/97) ، باب الدال مع الباء. ويراجع: فتح الباري (3/ 426) .
(4) - عفا الأثر: أي: درس وانمحى. أي: اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر المذكور وفي سنن أبي داود. (عفا الوبر) أي كثر وبل الذي حلق بالرحال، يراجع: النهاية لابن الأثير (3/266) ، باب العين مع الفاء، ويراجع: فتح الباري (3/426) .
(5) - رواه في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (3/422) كتاب الحج، حديث رقم (1564) . ورواه مسلم في صحيحه (2/909، 910) كتاب الحج، حديث رقم (1240)
(6) - رواه مالك في الموطأ (1/344) كتاب الحج، حديث رقم (62) . وروى البخاري في صحيحه (2/150) كتاب الحج، باب (33) تعلقياً قول ابن عمر: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .

(1/360)


وذو القعدة , وذو الحجة..)) الأثر (1) .
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {وَالْفَجْرِ} (2) قال: فجر النهار، {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (3)) ) قال: عشر الأضحى (4) .
عن جابر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر)) (5) .
وقد ورد في فضل بعض الأعمال في شهر ذي الحجة بعض الأحاديث الموضوعة، نذكر منها:
حديث: (من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر، وله بصوم يوم التروية سنة، وله بصوم يوم عرفة سنتان) (6) وحديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من المحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح للسنة المستقبلة بصوم، جعله الله كفارة خمسين سنة) (7) . وحديث: (من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد خمسين مرة، كتب الله له ألف ألف حسنة....الخ) (8) . وحديث: (من صلى يوم عرفة ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ثلاث مرات ... إلا قال الله عز وجل: أشهدكم أني قد غفرت له) (9) . وحديث: (من صلى ليلة النحر ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه (2/154) كتاب الحج، باب (37) ، من طريق أبي كامل فضيل بن حسين البصري معلقاً. وقال ابن حجر في فتح الباري (3/434) : (ويحتمل أيضاً أن يكون أخذه - البخاري - عن أبي كامل نفسه فإنه أدركه، وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه) ا. هـ.
(2) - سورة الفجر، الآية:1.
(3) - سورة الفجر، الآية:2.
(4) - رواه الحاكم في المستدرك (2/522) كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(5) - رواه أحمد في مسنده (3/327) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/137) : (رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح، غير عياش بن عقبة وهو ثقة) ا. هـ.
(6) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/198) . والسيوطي في اللآلئ (2/107، 108) . والشوكاني في الفوائد ص (96) .
(7) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/199) . والسيوطي في اللآلئ (2/108) . والشوكاني في الفوائد ص (96) .
(8) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/132) . والشوكاني في الفوائد ص (53) .
(9) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/133) . والشوكاني في الفوائد ص (53) .

(1/361)


خمس عشرة مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة....جعل الله اسمه في أصحاب الجنة....الخ) (1) وحديث: (إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج، فإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار.... الخ) (2) ... إلى غير ذلك من الأحاديث الباطلة التي لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم - والله أعلم-.
_________
(1) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/133، 134) .. والشوكاني في الفوائد ص (53) .
(2) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/215) . والسيوطي في اللآلئ (2/124) .

(1/362)


المبحث الثاني

بدعة التعريف
المراد بالتعريف:
هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء (1) .
وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس - رضي الله عنهما -، وذلك في مسجد البصرة (2) .
وقيل إن أول من عرف بالكوفة (3) مصعب بن الزبير (4) .
قال ابن كثير - رحمه الله - في ترجمة ابن عباس - رضي الله عنهما -: (وهو أول من عرف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل
_________
(1) - يُراجع: الباعث لأبي شامة ص (29) .
(2) - البصرة: مدينة معروفة في العراق. وكان تمصيرها في سنة 14هـ في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ومعنى البصرة في الكلام العرب: الأرض الغليظة، وقيل: البصرة: حجارة رخوة فيها بياض. يُراجع: معجم البلدان (1/430- 441) .
(3) - الكوفة: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسميها قوم خد العذراء. وسُميت بالكوفة لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس بها، وكان تمصيرها في أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة 17هـ. يُراجع: معجم البلدان (490، 494) .
(4) - يراجع: السنن الكبرى للبيهقي (5/118) كتاب الحج. ويُراجع: الباعث ص (31) ، وسير أعلام النبلاء (3/351) ، ترجمة عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-.

(1/363)


البصرة حوله، فيفسر شيئاً من القرآن، ويذكر الناس، من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب) ا. هـ (1) .

حكم التعريف:
اختلف العلماء في حكم التعرف في المساجد يوم عرفة:
1- قال ابن وهب: (سألت مالكاً عن الجلوس يوم عرفة، يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالاً يدعون الله تعالى للناس إلى الشمس فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه) ا. هـ (2) .
قال ابن وهب - أيضاً -: (وسمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنَّما مفاتيح هذه الأشياء من البدع) ا. هـ (3) .
وقال مالك - أيضاً -: (وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزل أحب إليَّ، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد) ا. هـ (4) .
_________
(1) - يراجع: البداية والنهاية (8/322) .
(2) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (115) .
(3) يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (115) .
(4) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (115) .

(1/364)


وروى ابن وضاح عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيها الناس إن الذي إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع) ا. هـ (1) .
_________
(1) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (46) .

(1/365)


وروى أيضاً عن ابن عون قال: (شهدت إبراهيم النخعي سُئلَ عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: محدث) ا. هـ (1) .
وروى أيضاً عن سفيان قال: (ليست عرفة إلا بمكة، ليس في هذه الأمصار عرفة) ا. هـ (2) .
وقال الحارث بن مسكين: (كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب) ا. هـ (3) .
قال الطرطوشي: فاعلموا- رحمكم الله - أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها ولا منعوا من خلا بنفسه
_________
(1) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (47) .
(2) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (47) .
(3) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (116) .

(1/366)


فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنَّة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه.
وقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد، مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء، كأنه موطن عرفة، وكنت أسمع سماعاً فاشياً منهم أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات، فإنها تعدل حجَّة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام) ا. هـ (1) .
وروى البيهقي عن شعبة قال: سألت الحكم وحماداً عن اجتماع
_________
(1) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (116، 117) .

(1/367)


الناس يوم عرف في المساجد فقالا: (هو محدث) (1) .
وروى كذلك عن إبراهيم - النخعي - قال: (هو محدث) (2) .
2- وقال أبو شامة: فإن ابن عباس -رضي الله عنهما- حضرته نية فقعد فدعا، وكذلك الحسن من غير قصد الجمعية، ومضاهاة لأهل عرفة، وإيهام العوام أن هذا شعار من شعائر الدين المنكر، إنَّما هو ما اتَّصف بذلك -والله أعلم- أن تعريف ابن عباس قد صار على صورة أخرى غير مستنكر.
ذكر ابن قتيبة في غريبه قال في حديث ابن عباس أن الحسن ذكره فقال: كان أول من عرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسَّرهما حرفاً حرفاً. قلت: - والقول لأبي شامة -: فتعريف ابن عباس - رضي الله عنهما - كان على هذا الوجه فسَّر للناس القرآن، فإنما اجتمعوا لاستماع العلم، وكان ذلك عشية عرفة، فقيل عرَّف ابن عباس بالبصرة، لاجتماع الناس له كاجتماعهم بالموقف.
وعلى الجملة: (فأمر التعريف قريب إلا إذا جرَّ مفسدة، كما ذكره الطرطوشي في التعريف ببيت المقدس) ا. هـ (3) .
_________
(1) - رواه البيهقي في سننه (5/117، 118) كتاب الحج، باب التعرف بغير عرفات.
(2) - رواه البيهقي في سننه (5/118) كتاب الحج، باب التعرف بغير عرفات.
(3) - يُراجع: الباعث ص (31، 32) .

(1/368)


قال ابن قدامة:
(قال القاضي: ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار، يجتمعون في المساجد يوم عرفة. قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد.
قال أحمد - رحمه الله -: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر الله، فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا) ا. هـ (1) .
وقد تعقب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رواية الأثرم عن الإمام أحمد - رحمهم الله - بقوله: (وحينئذ الراجح هو عدم فعله؛ لأنَّ هذه عبادة اختصت بمكان وهو عرفة، ولا يلحق غيره به، فإلحاق مكان بمكان في عبادة، زيادة في الشرع، فالذي عليه العمل أنه بدعة) ا. هـ (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (ومن هذا - المتابعة في السنَّة -
_________
(1) - يراجع: المغني (2/399) ، وطبقات الحنابلة (1/67) ترجمة الأثرم.
(2) - يُراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3/128) .

(1/369)


وضع ابن عمر يده مقعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما فعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته، لم يمكن أن يُقال هذا سنَّة مستحبة، بل غايته أن يًُقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر علي فاعله؛ لأنَّه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته. أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.
وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنَّما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنَّة خلفاؤه الراشدون، فإنما سنُّوه بأمره، فهو من سننه....) ا. هـ (1) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة: كالأذان في العيدين، والقنوت في الصلوات الخمس أو البردين منها، والتعريف المداوم عليه في الأمصار.... فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والآثار والقياس) (2) .
_________
(1) - يُراجع: مجموعة الفتاوى (1/281، 282) .
(2) - يُراجع: مجموع الفتاوى (20 /197) .

(1/370)


وقال -أيضاً-: (فصل: وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العلمي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجاً عن الشريعة، فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك كما يفعل في عرفات، فإن هذا النوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعياداً.
وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإن هذا أيضاً ضلال بيِّن، فإن زيادة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره.
ثم فيه أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا أفضى إلى ما لا يشك مسلم في إنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلاَّل من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك أو من قصد النسك هناك، وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة (1) ، كما يُطاف بالكعبة.
فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء، أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى، منها:
فعل ذلك في المسجد، فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد، فكيف بالمسجد الأقصى!!!.
ومنها: اتخاذ الباطل ديناَ.
ومنها: فعله في الموسم.
فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، فهذا هو التعريف في
_________
(1) - لم تعد هذه القبة موجودة، وذلك بفضل الله ثم بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - حيث قضى على الأمور الشركية والوسئل المؤدية إليها في هذه البلاد، ولله الحمد والمنَّة.

(1/371)


الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث من الصحابة، وطائفة من البصريين والمدنيين، ورخص فيه أحمد - وإن كان مع ذلك لا يستحبه-. هذا هو المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين، كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، ومالك..... وغيرهم.
ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظاً ومعنى. ومن رخَّص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة، حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ولم ينكر عليه، وما يفعله في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار، لا يكون بدعة، لكن ما يُزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة، مكروه في هذا اليوم وغيره.
والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه، وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها (1) : أنَّ في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر (2) ، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكاناً معيناً لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حوِّل ذلك المسجد لتحوَّل حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه.
وأيضاً، فإنَّ شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر.
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُشدًّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) (3) . هذا مما لا أعلم فيه خلافاً.
_________
(1) - أي: لم يختلف في النهي عنها. والله أعلم.
(2) - أي: مسجد المدينة التي يسكنها الإنسان. يراجع: لسان العرب (5/176) مادة (مصر) .
(3) - رواه البخارى في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (3/63) كتاب التهجد، حديث رقم (1189) ، ولفظه: ((لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى)) . ورواه مسلم في صحيحه (2/1014) كتاب الحج، حديث رقم (1397) .

(1/372)


فقد نهى النبي صلى اله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف فيه.
وأيضاً، فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيداً، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية) ا. هـ (1) .
فمما تقدَّم يتضح لي - والله أعلم - أن التعريف نوعان:
الأول: اتفق العلماء على كراهته، وكونه بدعة وأمراً باطلاً، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات؛ لأنَّ ذلك يعتبر حجاً مبتدعاً، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذاً للقبور أعياداً، حتى وصل بهم الأمر إلى أن زعموا أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات فإنها تعدل حجة ثم يجعلون ذلك ذريعة إلى إسقاط الحج إلى بيت الله الحرام، كما ذكر ذلك الطرطوشي في كتابه ((الحوادث والبدع)) (2) . وهذا هو النوع الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه) ا. هـ (3) .
الثاني: ما اختلف العلماء فيه، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر. فقال بعضهم: محدث وبدعة. وقال بعضهم: لا بأس به.
والذي يترجح عندي - والله أعلم - أن قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر: بدعة.
وأما من رخص فيه؛ مستنداً إلى فعل ابن عباس له، وغيره من الصحابة والتابعين، فيمكن الجواب عن ذلك من وجهين:
_________
(1) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2/637- 640) .
(2) - يُراجع: الحوادث والبدع ص (117) .
(3) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2/637) .

(1/373)


* الأول: أن فعل الصحابي لا يقوى على معارضة النصوص الصريحة، التي ورد فيها النهي عن الإحداث في الدين، وهي كثيرة، منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (1) . وقوله- عليه الصلاة والسلام -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (2) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة..)) (3) ... إلى غير ذلك من النصوص الثابتة التي صرحت بالنهي عن الإحداث في الدين.
* الثاني: أنه لم يكن قصد ابن عباس - والله أعلم - أن يجتمع الناس للدعاء والاستغفار، مضاهاة لأهل عرفة، وأن ذلك من شعائر الدين، كما بيَّن ذلك أبو شامة في كتابه ((الباعث)) (4) . وإنَّما كان اجتماع الناس لسماع تفسيره للقرآن، لاسيما وهو أعلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتأويل بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، فلم يرد أنهم اجتمعوا للدعاء والاستغفار.
وكذلك لم يرد -حسب اطلاعي المحدود- أن ابن عباس -رضي الله عنهما-كرر هذا الفعل مرة أخرى. فكيف بمن اتخذ ذلك سنَّة مشروعة، يفعلونها كل عام!!!.
وقد أشرت آنفاً إلى ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - الذي ورد فيه أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروع بدعة، ومثل لذلك بالتعريف المداوم عليه في الأمصار - والله أعلم -.

(1/374)


المبحث الثالث

بدعة غدير خم ((1) .
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فنزلنا
_________
(1) 5)
________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (5/301) كتاب الصلح، حديث رقم (2697) . ورواه مسلم في صحيحه (3/1343) كتاب الأقضية، حديث رقم (1718) .
(2) - ورواه مسلم في صحيحه (3/1343، 1344) كتاب الأقضية، حديث رقم (1718) .
(3) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1/18) ، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (1/545) .
(4) - يُراجع: الباعث ص (31) .
(5) - غدير خم: يقع بين مكة والمدينة بالجحفة.
المطلب الأول: حديث غدير خم.
عن زيد بن أرقم -رضي الله عن- قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: ((أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به)) . فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي..)) الحديث - رواه أحمد في مسنده (4/366، 367) . ورواه مسلم في صحيحه (4/1873) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (2408) . ورواه الدارمي في سننه (2/431، 432) كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن.

(1/375)


بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح (1) لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي -رضي الله عنه- فقال: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟)) . قالوا: بلى. قال: ((ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟)) . قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)) . قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب! أصبحت وأمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة)) (2) .
وروى الحاكم في المستدرك عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهينا إلى غدير خم، فأمر بروح (3) فكسح في يوم ما أتى
_________
(1) - الكسح: الكنس، وكسح البيت: كنسه. يُراجع: لسان العرب (2/571) مادة (كسح) .
(2) - رواه أحمد في مسنده (4/281) . ورواه الترمذي مختصراً في سننه (5/297) أبواب المناقب، حديث رقم (3797) ، وقال: حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه في سننه (1/43) المقدمة، حديث رقم (116) . قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (1/19، 20) : (هذا إسناد ضعيف، لضعف على بن زيد بن جدعان، رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً من حديث) . ا. هـ.
(3) - الروح: برد نسيم الريح، والمراد - والله أعلم -: مكان بارد مريح. يُراجع: لسان العرب (2/457) مادة (روح)

(1/376)


علينا يوم كان أشد حراً منه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((يا أيها الناس! إنه لم يبعث نبي قط إلا ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده: كتاب الله عز وجل)) . ثم قام فأخذ بيد علي رضي الله عنه-فقال: ((يا أيها الناس! من أولى بكم من أنفسكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) (1) .
المطلب الثاني: أول من أحدث هذه البدعة.
أول من أحدث بدعة عيد غدير خم هو معز الدولة بن بويه، وذلك في سنة 352هـ ببغداد (2) .
قال ابن كثير في حوادث سنة 352هـ: (وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز
_________
(1) - رواه الحاكم في المستدرك (3/533) كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه الإمام أحمد بطرق كثيرة، منها طرق لا تخلو من ضعف، ومنها طرق بعض رواتها منهم من رُمِي بالتشيع، ومنهم من وصف بالغلو في التشيع. فلتراجع الطرق في: (1/48، 118، 119، 152، 330، 4/368، 370، 372. 5/347، 350، 358، 361، 366، 370، 419) . ويراجع البداية والنهاية (5/234، 240، 7/379- 383) . ومما يدلُّ على كثرة ما رُوي فيه قول ابن كثير في ترجمة ابن جرير الطبري: (وقد رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين) . يُراجع: البداية والنهاية (11/165) ، وكذلك (5/233، 234) .
(2) - هي عاصمة العراق قديماً وحديثاً. وتقع على نهر دجلة. أول من جعلها مدينة الخليفة المنصور العباسي سنة 149هـ وأنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف دينا، فبناها مدورة وسورها وجعل داره وجامعها في وسطها، وجعل لها أربعة أبواب. وقد صنَّف في بغداد وسعتها وعظمها وسعة بقعتها وما ورد فيها وما حدث بها الخطيب أبو بكر البغدادي في كتابه تاريخ بغداد (أربعة عشر مجلداً) ما فيه الكفاية. يُراجع: معجم البلدان (1/456- 467) ، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

(1/377)


الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الذبابات (1) والبوقات (2) ، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء، وعند الشرط، فرحاً بعيد الغدير- غدير خم- فكان وقتاً عجيباً مشهوداً، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة) ا. هـ (3) .
وقال المقريزي: (اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً، ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة على بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فاتخذه الشيعة (4) من حينئذٍ عيداً) ا. هـ (5) .
ويعتبر عيد ((غدير خم)) من الأعياد والمواسم التي كان العبيديون - ناصري البدعة - يقيمونها ويرعونها، ويحافظون عليها، وذلك لإثبات تشيعهم ومحبتهم لآل البيت، الذي يدَّعُون الانتساب إليهم!! (6) .
_________
(1) - بحثت عن معناهم فلم أقف عليه، ولعلها - والله أعلم -: نوع من الآلات التي تصدر صوتاً كالبوق ونحوه
(2) - الأبواق: جمع بوق، والبوق: الذي ينفخ فيه ويزمر. يراجع: لسان العرب (10/31) ، مادة (بوق) .
(3) - يراجع: البداية والنهاية (11/ 272) .
(4) - الشيعة: هم الذين شايعوا علياً - رضي الله عنه - على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصاية، إما جلياً أو خفياً، واعتقدوا أن الإمام لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية أصولية هو ركن الدين، لا يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم إغفاله وإهماله، ولا تفويضه للعامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً، إلا في حال التقية، وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. يراجع: الملل والنحل للشهر ستاني ص (146) ، ومقالات الإسلاميين (1/65) ، والفرق بين الفرق ص (15ـ17) .
(5) - يُراجع: الخطط والآثار (1/388) .
(6) - يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (1/490) .

(1/378)


وأول ما أُقيم الاحتفال بهذا العيد المبتدع في مصر في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 362هـ) (1)
المطلب الثالث: حكم هذا العيد.
لا شك في أن جعل الثامن عشر من ذي الحجة عيداً وموسماً من المواسم التي يحتفل الناس بها، ويفرحون بقدومها، ويخصُّونها بشيء من القرب كالإعتاق والذبح ونحو ذلك: بدعة باطلة، وأساسها الذي اعتمدت عليه أمرٌ باطل لا شك في بطلانه، وهو زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة عشرة للهجرة، وهو قافلٌ -عليه الصلاة والسلام- من حجة الوداع، أوصى بالخلافة لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بمكان يسمى غدير خم.
وهذا يدلُّ دلالة واضحة على أن المبتدعين لهذا العيد، والمعظمين له هم الشيعة، فهم يفضلونه على عيدي الفطر والأضحى، ويسمونه بالعيد الأكبر (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، في كلامه عن أنواع الأعياد الزمانية المبتدعة، والتي قد يدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال:
(النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة، الذي خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه صلى الله عليه وسلم خطب فيه خطبة وصَّى فيها باتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحة (3)
_________
(1) - يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (1/489) . وقد أطال المؤلف في وصف الاحتفال بهذا العيد، وما يقع فيه من لبس الجديد من الثياب، وإعتاق الرقاب، والإكثار من الذبح، وقراءة نص الخلافة المزعوم من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين على بن طالب - رضي الله عليه - قبل الزوال ... إلى غير ذلك.
(2) - يُراجع: مختصر التحفة الاثني عشرية للألوسي ص (208) .
(3) - رواه مسلم في صحيحه (4/1873) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (2408) . وتقدم تخريجه أيضاً في ص (376- 377) .

(1/379)


عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
فزاد بعض أهل الأهواء (1) في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي - رضي الله عنه - بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطراب أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفراً قليلاً. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق، يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا اليوم عيداً محدث لا صل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم، من اتخذ ذلك اليوم عيداً، حتى يحدث فيه أعمالاً؛ إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع، وللنبي صلى الله عليه وسلم خُطبٌ وعهودٌ ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر (2) ، وحنين (3) ، والخندق (4)
، وفتح مكة (5) ، ووقت هجرته، ودخوله المدينة (6) ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً. وإنَّما يفعل مثل هذا النصارى، الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام - أعياداً، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه) ا. هـ (7) .
وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأن اتخاذ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عيداً. بدعة، لم يفعلها السلف، ولم يستحبوها، وأن ذلك موسم غير شرعي، وإنما هو من المواسم المبتدعة (8) - والله أعلم -
_________
(1) - لاشك أنهم الشيعة.
(2) - بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء بينه وبين ساحل البحر ليلة، ينسب إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وبهذا الماء كانت الوقعة المشهورة التي اظهر الله بها الإسلام، شهدها من الصحابة - رضوان الله عليهم -. يراجع: معجم البلدان (1/357، 358) .
(3) - حنين: هو واد قبل الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، وهو: المواضع الذي هزم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هوازان وذلك سنة 8هـ. يراجع: معجم ما استعجم ص (471، 472) .
(4) - وهي المعروفة بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب وفيها اجتمعت القبائل بتحريض من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذه القبائل: قريش وبنو سليم، وبنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، وكان عددهم عشرة آلاف فلما سمع بهم الرسول صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة فآشار عليه سلمان الفارسي- رضي الله عنه - بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، وكان حفر الخندق أمام جبل سلع الذي كان خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، وكان ذلك سنة 5هـ.
يراجع: زاد المعاد (3/296- 271) .
(5) - مدينة مكة المكرمة: أشهر من أن تعرف فهي قبلة المسلمين، وبها بيت الله الحرام، وأشرف بقعة على وجه الأرض. وكان فتح مكة سنة 8هـ.
(6) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتاباً في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي 450كم) . يراجع: معجم البلدان (5/82، 88) ، وصحيح البخاري (2/220- 255) كتاب فضائل المدينة.
(7) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2/613- 615) .
(8) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (25/298) .

(1/380)