البدع الحولية

الفصل السابع

شهر شوال
المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: بدعة التشاؤم من الزواج فيه
المبحث الثالث: بدعة عيد الأبرار.

(1/341)


المبحث الأول

بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذلك صيام الدهر)) (1) .
عن عائشة -رضي الله عنها-قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأي الأخبية فقال: ما هذا؟ فأخبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال)) متفق عليه. (2)
_________
(1) -رواه أحمد في مسنده (5/417) ، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (2/822) كتاب الصيام، حديث رقم (1164) . ورواه أبو داود في سننه (2/812، 813) كتاب الصوم، (756) ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (1/547) كتاب الصيام، حديث رقم (1716) . ورواه الدارمي في سننه (2/21) كتاب الصوم، باب صيام الستة من شوال. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (3/297، 298) ، حديث رقم (2114) .
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/275) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (2023) ، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (2/831) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (1173) ، وفيه: ((حتى اعتكف العشر الأول من شوال)) .

(1/343)


عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيامه السنة)) (1) .
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني)) (2) . فكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال.
عن عبد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال: سألت - أو سُئِل- النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر، فقال: ((إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (5/280) ، واللفظ له. ورواه ابن حبان في صحيحه: يُراجع موارد الظمآن ص (232) كتاب الصيام، حديث رقم (928) . ورواه ابن ماجه في سننه (1/547) كتاب الصيام، حديث رقم (1715) . ورواه الدارمي في سننه (2/21) كتاب الصيام، باب صيام الستة من شوال. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (3/298) حديث رقم (2115) . وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (3/308) : أخرجه النسائي وإسناده حسن. ا. هـ.
وقد ذكر ابن قيم الجوزية في تهذيب سنن أبي داود كلاماً مفيداً في الخلاف في حديث أبي أيوب في صيام ستة أيام من شوال، وتكلَّم عن طرقه، وحكم بعد ذلك بصحة الحديث، ثم ذكر الاعتراضات على أحاديث فضل صيام ستة أيام من شوال، ثم أجاب عن هذه الاعتراضات وهو كلام لا يستغني عنه طالب علم. والله أعلم. يراجع: تهذيب سنن أبي داود لابن قيم الجوزية (3/308-318) .
(2) - رواه أحمد في مسنده (6/54) واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (2/1039) كتاب النكاح، حديث رقم (1423) . ورواه الترمذي في سننه (2/277) أبواب النكاح، حديث رقم (1099) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (6/70) كتاب النكاح، باب التزويج في شوال. ورواه ابن ماجه في سننه (1/641) كتاب النكاح، حديث رقم (1990) .

(1/344)


وخميس، فإذاً أنت قد صمت الدهر)) (1) .
عن محمد بن إبراهيم: أن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: ((صم شوالاً. فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالاً حتى مات (2) .
عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال
_________
(1) - رواه أبو داود في سننه (2/812) كتاب الصوم (2432) ، ورواه الترمذي في سننه (2/125) أبواب الصوم، حديث رقم (745) ، وقال: حديث غريب. ونسبه المنذري في تهذيب سنن أبي داود (3/308) إلى النسائي. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2/100) حديث رقم (5038) وأشار إلى أنه صحيح.
(2) - رواه ابن ماجه في سننه (1/555) كتاب الصيام، حديث رقم (1744) ، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (2/78) باب صيام شوال: (هذا غسناد رجاله ثقات، وفيه مقال) ا. هـ. وذكر أن الحديث منقطع بين محمد بن إبراهيم التيمي وبين أسامة بين زيد. ثم قال: (قلت: لم ينفرد محمد هذا عن أسامة، فقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق محمد بن إسحاق عن أبي محمد بن أسامة عن جده أسامة به، مرفوعاً، وذكره. وسياقه أتم كما أوردته في زوائد المسانيد العشرة) ا. هـ.

(1/345)


شهدت العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: ((هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)) . متفق عليه (1) .
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..)) الحديث. متفق عليه (2) .
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر)) (3)
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: ((إن الله تبارك وتعالى قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم النحر)) (4) .
عن ابن عمر- رضي الله عنهما-أنه كان يقول: ((من اعتمر في أشهر الحج:
_________
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/239) كتاب الصوم، حديث رقم (1991) . ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) .
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/238، 239) كتاب الصوم، حديث رقم (2) . ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) .
(3) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/240) كتاب الصوم، حديث رقم (1993) . موقوفاً على أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه (2/799) كتاب الصيام، حديث رقم (1137) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واللفظ له.
(4) - رواه أحمد في مسنده (3/103) . ورواه أبو داود في سننه (1/675) كتاب الصلاة، حديث رقم (1134) . ورواه النسائي في سننه (3/180، 179) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (1/294) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه

(1/346)


في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة ... )) الخ قوله (1) .
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ((وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة , وذو الحجة ... )) . ا. هـ (2) .
وقد ورد في ليلة عيد الفطر ويومه أحاديث موضوعة، منها:
حديث: (أن من صلى ليلة الفطر مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشرة مرات......الخ) (3) . وحديث: (من صلى يوم الفطر بعدما يصلي عيده أربع ركعات، يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب ... فكأنما قرأ كل كتاب نزله الله على أنبيائه.....) (4) . وحديث: (من السنة اثنتا عشرة ركعة بعد عيد الفطر، وست ركعات بعد عيد الأضحى) (5) . وحديث: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر) (6) . وحديث: (من صام صبيحة يوم الفطر فكأنما صام الدهر) (7) ، والله أعلم.
_________
(1) - رواه مالك في الموطأ (1/344) كتاب الحج، حديث رقم (62) . وروى البخاري في صحيحه (2/150) كتاب الحج، باب (33) تعلقياً قول ابن عمر: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
(2) - رواه البخاري في صحيحه (2/154) كتاب الحج، باب (37) ، من طريق أبي كامل فضيل بن حسين البصري معلقاً. وقال ابن حجر في فتح الباري (3/434) : (ويحتمل أيضاً أن يكون أخذه - البخاري - عن أبي كامل نفسه فإنه أدركه، وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه) ا. هـ.
(3) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/130، 131) ، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص (52) ، حديث رقم (149) .
(4) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (2/131، 132) ، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص (52) ، حديث رقم (150) .
(5) - حكم عليه بالوضع: الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (52) ، حديث رقم (151) .
(6) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/78) ، والألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/12) ، حديث رقم (522) .
(7) - قال ابن الجوزي في العلل (2/57) : (هذا حديث لا يصح. قال ابن حبان: محمد بن عبد الرحمن يروي عن أبي نسخة شبيهاً بمائتي حديث كلها موضوع لا يجوز الاحتجاج بها. وقال يحيى بن معين: ومحمد بن الحارث ليس بشيء. وقال الفلاس: متروك) . ا. هـ.
قلت: ولا يصح أيضاً لمخالفته للأحاديث الثابتة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر والتي تقدم ذكرها في هذا الكتاب.

(1/347)


المبحث الثاني

بدعة التشاؤم من الزواج فيه
قال ابن منظور: (وشوال: من أسماء الشهور معروف، اسم الشهر الذي يلي رمضان، وهو أول أشهر الحج) .
قيل: سمي بتشويل لبن الإبل، وهو توليه وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحر وانقطاع الرطب.....وكانت العرب تطير من عقد المناكح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها كما تمتنع طروقة الجمل إذا لقحت وشالت بذنبها، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم طيرتهم، وقالت عائشة-رضي الله عنها-: ((تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني)) (1) . ا. هـ. (2)
فالسبب الذي جعل العرب في الجاهلية يتشاءمون من الزواج في شهر شوال: هو اعتقادهم أن المرأة تمتنع من زوجها كامتناع الناقة التي شولت بذنبها بعد اللقاح من الجمل.
قال ابن كثير-رحمه الله- (وفي دخوله صلى الله عليه وسلم بها - بعائشة- رضي الله عنها- في شوال ردّ لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء) ا. هـ (3) .
فالتشاؤم من الزواج في شهر شوال أمر باطل؛ لأن التشاؤم عموماً من الطيرة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها بقوله: ((لا عدوى ولا طيرة)) (4) . وقال - عليه السلام -: ((طيرة شرك)) (5) .
_________
(1) - رواه أحمد في مسنده (6/54) واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (2/1039) كتاب النكاح، حديث رقم (1423) . ورواه الترمذي في سننه (2/277) أبواب النكاح، حديث رقم (1099) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (6/70) كتاب النكاح، باب التزويج في شوال. ورواه ابن ماجه في سننه (1/641) كتاب النكاح، حديث رقم (1990) .
(2) - يراجع: لسان العرب (11/377) مادة (شول) .
(3) - يراجع البداية والنهاية (3/253) .
(4) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (10/215) كتاب الطب، حديث رقم (5757) .
(5) - رواه الإمام أحمد في مسنده (1/440) . ورواه أبو داود في سننه (4/230) كتاب الطب، حديث رقم (3910) . ورواه الترمذي في سننه (3/84، 85) أبواب السير، حديث رقم (1663) ، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (2/1170) كتاب الطب، حديث رقم (3538) . ورواه الحاكم في المستدرك (1/17، 18) كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح سنده، ثقات رواته ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(1/348)


فمثله مثل التشاؤم بشهر صفر. وقد تقدم الكلام عن ذلك.
قال النووي - رحمه الله - في شرحه لحديث عائشة -رضي الله عنها-: (فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلُّوا بهذا الحديث.
وقصدت عائشة بهذا الكلام ردُّ ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم، من كراهة التزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.......) (1) . ا. هـ.
_________
(1) - يراجع: شرح صحيح مسلم للنووي (9/209) .

(1/349)


المبحث الثالث

بدعة عيد الأبرار
ومن الأمور المحدثة المبتدعة في شهر شوال: بدعة عيد الأبرار، وهو اليوم الثامن من شوال.
فبعد أن يتم الناس صوم شهر رمضان، ويفطروا اليوم الأول من شهر شوال-وهو يوم عيد الفطر- يبدأون في صيام الستة أيام الأول من شهر شوال، وفي اليوم الثمن يجعلونه عيداً يسمونه عيد الأبرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار: فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها. والله سبحانه وتعالى أعلم) ا. هـ (1) .
وقال أيضاً: (وأما ثامن شوال: فليس عيداً لا للأبرار ولا للفجار، ولا يجوز لأحد أن يعتقده عيداً، ولا يحدث فيه شيئاً من شعائر الأعياد) ا. هـ (2) .
ويكون الاحتفال بهذا العيد في أحد المساجد المشهور فيختلط النساء بالرجال، ويتصافحون ويتلفظون عند المصافحة بالألفاظ الجاهلية، ثم يذهبون بعد ذلك إلى صنع بعض الأطعمة الخاصة بهذه المناسبة (3) .
_________
(1) - يراجع: مجموعة الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (25/298) .
(2) - يراجع: الاختيارات الفقهية ص (199) .
(3) - يراجع: السنن والمبتدعات للشقيري ص (166) .

(1/350)