الاحتجَاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

فصل
وقال ابن محمود في صفحة (26): "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي، ثم زعم أنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان، قال: وقد قرروا قائلين أن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما، مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين، وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها، وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون، تنتقل من جيل إلى جيل ومن زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، وتراق من أجلها الدماء الزكية البريئة في الشهر الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام، والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته، وعندنا كتاب الله نستغني به عنه وعن كل بدعة واتباع كل مبتدع مفتون، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة، سواء كانت متواترة أو من رواية الآحاد غير المتعارضة ولا المختلفة".
والجواب عن عنوان ابن محمود من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما علماء الأمصار من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدي من بعدهم فلم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وهؤلاء هم العلماء على الحقيقة، وأما أهل الشذوذ والمخالفة من العصريين الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره فقد بذلوا جهدهم في محاربة اعتقاد ظهور المهدي في آخر الزمان وفي معارضة الأحاديث الثابتة فيه، وقد قلدهم ابن محمود وتمسك بأقوالهم الباطلة في إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ....................
__________
(1) ص 55 - 57.

(1/165)


ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه، مع أنه قد بالغ في ذم التقليد في صفحة (5) وصفحة (8) من رسالته، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم. وقد ذكرت بعض الذين قلدهم ابن محمود في أول الكتاب (1)، وسيأتي ذكر بعضهم قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
الوجه الثاني:
أن يقال: إن ابن محمود قد جازف في قوله: "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي"؛ حيث أوهم بهذه العبارة أن علماء الأمصار قديمًا وحديثًا قد أجمعوا على محاربة اعتقاد ظهور المهدي. وهذا في الحقيقة بخلاف الواقع، فإن الذين قاموا بمحاربة اعتقاد ظهور المهدي ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه لا يعرف منهم إلا أفراد قليلون من العصريين، الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره، وجمهور العلماء على خلافهم، أما العلماء المتقدمون فكما ذكرت عنهم في الوجه الأول أنه لم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وأما العلماء المتأخرون فقد رأيت لكثير منهم ردودا على من أنكر خروج المهدي في آخر الزمان، رأيت ذلك في عدة كتب وتعليقات على الكتب، وسمعت ذلك من كثير من العلماء الموجودين على قيد الحياة، وبلغني ذلك عن كثير منهم.
وأما قول ابن محمود عن العصريين: إنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان.
فجوابه: أن يقال: لقد بالغ ابن محمود في مدح العصريين ووصفهم بما لا ينطبق عليهم، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم». وقد رأيت لبعضهم بحوثًا كثيرة على خلاف الصواب؛ فتجدهم في التفسير يؤولون آيات الصفات بما يوافق أقوال المعتزلة، وفي الكلام على المعجزات وخوارق العادات إما أن ينكروها أو يؤولوها بما يتفق مع أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين واتباع الغربيين، وفي الكلام على السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم يتمسكون بما يقوله أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الغربيين، وفي الكلام على أشراط الساعة تجد بعضهم ينكرها وبعضهم يؤولها أو يؤول بعضها علي ما يوافق رأيه وتفكيره، وأما الأحاديث الواردة في ........................
__________
(1) ص 32 - 33.

(1/166)


المهدي فتجد بعضهم ينكرها ويطعن فيها، ولا فرق عندهم بين الصحيح والحسن منها، وبين الضعيف والموضوع، فكلها عندهم على حد سواء، ومنهم من يؤيد عبادة القبور والغلو في الأموات، ولهم في ذلك مصنفات معروفة، ومنهم من ينكر وجود الجن ووجود السحر، ومنهم من يزعم أن قرين ابن آدم من الملائكة وقرينه من الجن عبارة عن نوازع الخير والشر في الإنسان، ومنهم من يزعم أن خروج الدجال عبارة عن انتشار الشر، وأن نزول عيسى ابن مريم عبارة عن انتشار الخير، إلى غير ذلك من توهمات العصريين وتخرصاتهم، التي هي عند ابن محمود من إشباع البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، وقد ذكر الشيخ محمد بن يوسف الكافي في صفحة (120) من كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" أن الذين خرجوا على جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا على من تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم، وينكرون بعض ما ثبت في الشرع، ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول الراسخين في العلم من المسلمين، وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم، ثم ذكر الكافي عنهم بعض الأقوال المنحرفة ورد عليهم، فمن أحب الوقوف على ذلك فليطالع الكتاب المذكور، وليطالع أيضًا كتابه المسمى "بالأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية" وهو رد على رشيد رضا، وكذلك رد الشيخ عبد الله بن علي بن يابس علي شلتوت وهو المسمى "إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام"، ففي هذه الكتب رد على من زعم أن العصريين يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحا، ومن كان اعتماده على كتب العصريين وبحوثهم وتحقيقهم وتدقيقهم وتمحيصهم وتصحيحهم فلا شك أنه مزجى البضاعة، ومن أراد العلم النافع فليطالع كتب الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين، وكذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وأمثالهم من المحققين، ففيها من البحوث النافعة والتحقيق والتدقيق والتمحيص والتصحيح ما لا يوجد في غيرها من الكتب، والله الموفق.
وأما قوله: وقد قرروا قائلين إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنها، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما.
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين؛ فأما ........

(1/167)


رشيد رضا فقال في صفحة (499) من الجزء التاسع من تفسير المنار: "وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما"، وأما أحمد أمين فذكر في صفحة (238) من الجزء الثالث من كتابه ضحى الإسلام أن المهدي وُضِعت فيه الأحاديث المختلفة، قال: "ولم يرو البخاري ومسلم شيئًا من أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما". انتهى.
فهذا ما قرره رشيد رضا وأحمد أمين في إنكار خروج المهدي، وزعم ابن محمود أنه تحقيق وتدقيق وتمحيص وتصحيح، وهو في الحقيقة من الاستخفاف بالأحاديث الثابتة في غير الصحيحين وقلة المبالاة بها، ولو تركت الأحاديث الثابتة التي لم يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما لترك من السنة شيء كثير.
وقد تقدم الجواب عما زعمه رشيد رضا من التعارض بين الأحاديث الواردة في المهدي، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها في موضوعها، فليراجع هناك (1).
وتقدم أيضًا الجواب عن قول رشيد رضا وأحمد أمين، أن البخاري ومسلمًا لم يرويا شيئًا من أحاديث المهدي، وأن ذلك يدل على عدم صحتها عندهما، فليراجع ذلك مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6)، ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم (2).
وأما قوله: مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين.
فجوابه: أن يقال: كل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد وقع فيما مضى من الزمان، أو أخبر أنه سيقع بعده إلى قيام الساعة، وما سيكون بعد قيامها إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد قال الله -تعالى-: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». وهذا الحديث من جوامع الكلم، فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب؛ ومنها خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن ..........
__________
(1) ص 69 - 71.
(2) ص 59 - 68.

(1/168)


بخروجه فلا شك أنه فاسد العقيدة، وأنه ممن تجري عليه أحكام هذا الحديث الصحيح.
وأما قوله: وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كما زعمه ابن محمود، من أن أحاديث المهدي حكايات عن الأحداث التي قام بها الذين ادعوا المهدية قديمًا وحديثا، وإنما هي إخبار عن إمام عادل يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فمن آمن بخروجه فإنما يؤمن بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ومن كذب بخروجه فإنما يكذب بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ومن قال إن الإيمان بأنباء الغيب ليس من العقائد الدينية فهو إما جاهل أو مكابر.
وأما قوله: وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون .... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: إن افتتان المفتونين بدعوى المهدية كذبًا وزورًا لا يؤثر في صحة الأحاديث الواردة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، كما لا تؤثر دعوى من ادعى النبوة من الكذابين في نبوة نبينا وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وقد قال الله -تعالى-: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ}، وقد فضح الله كل من ادعى النبوة بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قد فضح الله كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا، وأبطل كيدهم وكفى المسلمين شرهم.
وأما قوله: والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج المهدي في آخر الزمان ليس مجرد فكرة، وإنما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وما كان كذلك فإنه يجب اعتقاد صحته، ويحرم إطراح ما جاء فيه من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما قوله: وعندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المهدي لا يأتي بشرع جديد حتى يقول المجازف: عندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله.

(1/169)


الوجه الثاني: أن يقال: إن المهدي يعمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم (1) فيما رواه علي وابن مسعود وأبو سعيد -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا إنما يكون بالعمل بالكتاب والسنة، وتقدم (2) أيضًا في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض». وهذا نص في أن المهدي يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن كان هكذا فلا يستغني عنه المسلمون، بل هم محتاجون إليه وإلى أمثاله من أئمة العدل غاية الحاجة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما ويحملون الناس على العمل بهما، وهل يقول عاقل: إن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا في غنية بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وكذلك من كان بعدهم من الخلفاء والملوك؟! لا يقول عاقل إن الناس كانوا في غنية بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ولايتهم؛ لأن الناس في أمسِّ الحاجة إلى الولاية التي تنفذ أحكام كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتعدل بين الناس، وتنصف المظلوم من الظالم، وتأخذ للضعيف حقه من القوي، وقد قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- وأحسن فيما قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا

والمهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج في آخر الزمان طريقته كطريقة الخلفاء الراشدين، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويقومون بالقسط والعدل، وينفون الجور والظلم، ومن كان هكذا فلا يقول عاقل أنه يستغني عنه بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلّمًا ... فدبِّر وميِّز ما تقول وتفعل

وقال ابن محمود في صفحة (27): "ولعل العلماء الكرام والأكابر من الطلاب ........
__________
(1) ص 10 - 15.
(2) ص 17.

(1/170)


يقومون بجد ونشاط إلى بيان إبطال فكرة المهدي، وفساد اعتقاده، وسوء عاقبته عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، وعلى أئمة المسلمين وعامتهم، وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول، وتوقع في الفضول، وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن من قام بجد ونشاط إلى بيان إبطال القول بخروج المهدي في آخر الزمان وفساد اعتقاد خروجه وسوء عاقبته على الناس، فإنما هو في الحقيقة قائم بجد ونشاط في معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورد الأحاديث الثابتة عنه في المهدي، ونرجو من الله -تعالى- أن يعيذنا ويعيذ العلماء والطلاب من هذه الأعمال السيئة.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ينبغي للعلماء وأكابر الطلاب أن يجاهدوا كل مفتون، قد جعل جده ونشاطه في معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد الأحاديث الثابتة عنه، ومنهم الذين ينكرون خروج المهدي في آخر الزمان، ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة فيه.
الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. ومن كان بهذه الصفات الحميدة فلا شك في حسن عاقبته على الناس.
وأما قوله: وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول.
فجوابه: أن يقال: من أكبر الخطأ وأعظم الجراءة تهجم ابن محمود على الأحاديث الواردة في المهدي، وزعمه أنها أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول، هكذا جازف وأساء الأدب في رد الأحاديث الثابت بعضها بالأسانيد الصحيحة وبعضها بالأسانيد الحسنة، ولم يحترم أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فضوله وأقواله السيئة، وقد تقدم الرد على هذه المجازفة السيئة غير مرة.
وأما قوله: وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في بعض الصحاح من أحاديث المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، وهذه الصفات موافقة لسنة الله -تعالى- وسنة ............

(1/171)


رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وللعقول السليمة غاية الموافقة، ومن قال بخلاف هذا فلا شك أن عقله غير سليم.
وقال ابن محمود في صفحة (27): "وإن الجهل بأحكام الدين وحقائقه وعقائده الصحيحة يدفع صاحبه إلى أي فكرة تنقش له بدون مناظرة عقلية، وبدون رجوع إلى نص صحيح وصريح، وهذا الجهل هو الذي أدَّى بأهله إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، وإن هذه الأحاديث المختلفة هي التي أفسدت العقول، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدي".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الجهل كل الجهل في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ووصفها بالصفات الذميمة التي لا تنطبق على شيء منها.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد طعن في جميع الأحاديث الواردة في المهدي وزعم أنها موضوعة، وهذا خطأ مخالف للحقيقة كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الحديث، وقد قسَّم المحققون أحاديث المهدي إلى صحيح وحسن وضعيف منجبر يصلح للاستشهاد به، وقد ذكرتُ في أول الكتاب من قال من أكابر العلماء بتصحيح بعض أحاديث المهدي ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك (1). وقد خالف ابن محمود ما قاله المحققون في أحاديث المهدي، وسلك مسلك العصريين الذين تهجموا على أحاديث المهدي وزعموا أنها موضوعة، وليس معهم دليل على ما زعموه سوى المجازفة والجراءة على رد الأحاديث التي تخالف تفكيرهم الفاسد.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس في الأحاديث الثابتة في المهدي ما يفسد العقول بوجه من الوجوه، وإنما الذي يفسد العقول ويفسد الدين أيضًا معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبها، والخوض في ردها بمجرد التفكير الذي هو غاية في الجهل، وقد قال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، وقال أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة".
الوجه الرابع: أن يقال: إن كلام ابن محمود في أول الجملة التي تقدم ذكرها .........
__________
(1) ص 41 - 45.

(1/172)


يعود عليه؛ لأنه قد انتقشت له فكرة المنكرين لخروج المهدي من العصريين؛ مثل رشيد رضا، وأحمد أمين، وأمثالهما ممن زعم أن فكرة المهدي نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحكموا أسانيدها، فقابل ابن محمود هذه الفكرة العصرية بالرضى والتسليم، ورد لأجلها الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي، ولم يستند في إنكار خروجه إلى نص صحيح، وإنما اعتمد على مجرد الفكرة التي نقشها له من ذكرناهم من العصريين، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (3)، وأن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، فليراجع ذلك (1).
الوجه الخامس: أن يقال: إن المهدي الذي أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج إلى الآن، ولا يعلم وقت خروجه على التعيين إلا الله -تعالى-، وإذا كان المهدي المبشر به لم يخرج إلى الآن، فكيف يقال: إن له دعاة من الملاحدة والمفسدين يتبعهم أهل العقول الفاسدة؟! هذا مما يعلم بطلانه بالضرورة، فأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا في قديم الزمان وحديثه فلا يصح أن يطلق على أحد منهم اسم المهدي، وإنما يقال: المدعي للمهدية، أو المتسمي بالمهدي، وما أشبه ذلك مما ينفي عنه اسم المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (27): "ولقد قام علماء الأمصار بجد ونشاط إلى تحذير قومهم من اعتقاد المهدي وصحة خروجه، فواصلوا قولهم ونصحهم، بعملهم بكتابة الرسائل في الجرائد والمجلات والنشرات، يبينون لهم فسادها وسوء عواقب اعتقادها، حتى خفَّ أثرها في نفوسهم، وحتى زال اعتقادها عن علمائهم وعامتهم، على نسبة عكسية من فعل علمائنا، فإنهم -رحمهم الله- يسيرون في طريق مخالف، ويصدعون على رؤوس الناس بصحة اعتقادها، وينكرون على من أنكرها، ويحجرون رأي الجمهور على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، إنهم لو رجعوا إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا وقابلوا بعضها ببعض، لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود ......
__________
(1) ص32 - 33.

(1/173)


من التمويه والمجازفة؛ حيث نسب إلى علماء الأمصار على وجه العموم أنهم قاموا بجد ونشاط إلى التحذير من اعتقاد ظهور المهدي وصحة خروجه، مع أن ذلك لا يعرف إلا عن أفراد قليلين من العصريين؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين. فهؤلاء الثلاثة هم الذين تولوا كبر الطعن في الأحاديث الثابتة في المهدي، والمعارضة لها بالشُبه والشكوك، وقد قلدهم ابن محمود في ذلك، وتلقي أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم، واعتمد عليها في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكر ذلك في عدة مواضع من رسالته. وهؤلاء الثلاثة من العصريين ليسوا علماء الأمصار، ولا يمثلون علماء الأمصار، وإنما علماء الأمصار على الحقيقة الذين يتمسكون بما جاء عن الله -تعالى- وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتلقون الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقبول والتسليم، ولا يعارضون شيئًا منها بالشُبه والشكوك، كما فعل أولئك الثلاثة الذين ذكرناهم ومن يقلدهم ويتلقى أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم.
الوجه الثاني: أن يقال: كل من قام برد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخالف قوله، وهذا من أعظم الغش للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومن زعم أن ذلك من النصح فقد قلب الحقيقة وجادل بالباطل، ومن هذا الضرب من قام من أهل الأمصار بإنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، ولا شك أن هؤلاء متعرضون لحمل أوزار الذين يتبعونهم ويأخذون بأقوالهم الباطلة، قال الله -تعالى-: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقد قام بإزاء هؤلاء غير واحد من علماء الأمصار، فردوا عليهم وعلى ابن خلدون، حيث توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى ضعَّف بعض الصحاح والحسان منها، وقد نقلت بعض كلامهم في أول هذا الكتاب وفي أثنائه فليراجع (1).
الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج .............
__________
(1) ص 44وص 142 - 144.

(1/174)


المهدي في آخر الزمان، وأنكروا على من أنكر خروجه، هم المصيبون وهم السائرون على الطريق المستقيم، وهم الناصحون للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم آمنوا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأذعنوا لقوله، وسلموا له، ولم يجدوا في أنفسهم حرجًا من قبول أقواله وتصديق أخباره، وهم الناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم؛ لأنهم قد دعوهم إلى الإيمان بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والبعد عما يخالف أقواله، وعلى عكسهم الذين أنكروا خروج المهدي، فهم الذين يسيرون في طريق مخالف للسنة وأهل السنة، وأي خلاف أعظم من مخالفة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإطراحها، تقليدًا لآراء بعض الناس.
الوجه الرابع: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج المهدي في آخر الزمان، لم يأخذوا ذلك تقليدًا عن الآباء والمشايخ، كما زعم ذلك ابن محمود في مجازفته التي قالها من غير تثبت ولا تعقل، وإنما أخذوا ذلك من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن لامهم على الأخذ بالأحاديث الثابتة فهو الملوم على الحقيقة.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الذي حثَّ ابن محمود على الرجوع إليه في كتابه وزعم أنه تحقيق معتبر، هو في الحقيقة خلاف التحقيق، لمعارضته للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما عليه المحققون من العلماء قديمًا وحديثًا، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول الكتاب، وذكرت أيضًا أقوال المحققين من العلماء في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وما صرح به كثير منهم من تواتر الأحاديث الواردة فيه فليراجع ذلك (1)،ففيه أبلغ رد على تهافت ابن محمود ومجازفته في رد الأحاديث الثابتة، وزعمه أن معارضتها وإطراحها من التحقيق المعتبر.
وفي صفحة (28): ذكر ابن محمود عن بعض العلماء ما حاصله أنهم يشمأزون وينفرون وتشتد كراهيتهم لرسائل العصريين وبحوثهم، التي يعالجون فيها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ثم زعم أن من واجبهم تلقي هذه العلوم والبحوث بالرحب وسعة الصدر، والتدبر والتفكر في مدلولها، والتزود مما طاب منها؛ ليزدادوا علمًا إلى علمهم.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الرسائل والبحوث التي يعالج أصحابها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان من أعظم الوسائل إلى إفساد العقيدة الصحيحة؛ لما تشتمل عليه رسائلهم وبحوثهم من معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتكذيب أخباره الصادقة عن المهدي، وما كان من الرسائل والبحوث بهذه ............
__________
(1) ص 9 - 17وص 41 - 45.

(1/175)


المثابة فإنه يجب إنكاره والتحذير منه، ولا لوم على الذين يشمأزون من هذه الرسائل والبحوث وينفرون منها وتشتد كراهيتهم لها، وإنما اللوم على من لامهم، وشذَّ عنهم، واتبع هواه بغير هدى من الله.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه لا يميل إلى الرسائل والبحوث التي تخالف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتلقاها بالرحب وسعة الصدر إلا من هو فاسد العقيدة، وقد قال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
الوجه الثالث: أن يقال: كل رسالة أو بحث يقصد به تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي، أو غيره من أشراط الساعة، أو غير ذلك مما هو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس فيه خير ولا علم نافع يتزود منه، وإنما هو ضرر محض ومدعاة إلى الاستخفاف بالأحاديث الثابتة والاستهانة بشأنها، كما هو حال كثير من العصريين.