الاحتجَاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

فصل
قال ابن محمود في عنوان رسالته ما نصه: "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر".
والجواب: أن يقال هذا كلام باطل مردود بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله -تعالى- في صفة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، وقوله -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي}، وقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}، وقوله -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}.
وأما السنة ففي عدة أحاديث؛ الأول منها ما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي.
قال ابن الأثير في الكلام على هذا الحديث في "النهاية": "المهدي الذي قد هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة، وبه سمي المهدي الذي بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يجيء في آخر الزمان، ويريد بالخلفاء المهديين أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -رضي الله عنهم-، وإن كان عامًا في كل من سار سيرتهم" انتهى.
قلت: وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من زعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما أدري ماذا يكون موقف ابن محمود من هذا الحديث، إذ لا بد له من أحد أمرين؛ إما أنن يقول أن الخلفاء الأربعة ليسوا بمهديين، وما أعظم ذلك لما يترتب عليه من تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - والرد لقوله الثابت، ولا يظن بابن محمود أن يقول بهذا القول الوخيم ما دام معه بقية من عقل ودين. وإما أن يعترف أن الخلفاء الأربعة أئمة مهديون، وبهذا ينتقض قوله في عنوان رسالته أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الحديث الثاني: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عاصم - يعني ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله - يعني ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل

(1/9)


بيتي يواطئ اسمه اسمي»، ورواه أيضًا عن عمر بن عبيد الطنافسي عن عاصم به ولفظه: «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي» ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سفيان – وهو الثوري – حدثني عاصم فذكره بنحوه، وأسانيده كلها صحيحة وإن كان فيها عاصم بن بهدلة – وهو ابن أبي النجود – فقد أخرج له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة رجل صالح خيِّر ثقة"، قال: وسألت يحيى بن معين عنه فقال: "ليس به بأس"، قلت قد ذكر ابن الصلاح عن ابن أبي خيثمة قال: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول فلان ليس به بأس وفلان ضعيف، قال: "إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت لك هو ضعيف فليس هو بثقة، لا تكتب حديثه" انتهى، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "هو صالح"، قال: وسألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة"، قال: وذكر أبي عاصم بن أبي النجود، فقال: "محله عندي محل الصدق، صالح الحديث ولم يكن بذاك الحافظ"، وقال الخزرجي في الخلاصة: "وثَّقه أحمد، وأحمد العجلي، ويعقوب بن سفيان، وأبو زرعة"، وقال الحاكم في المستدرك: "هو إمام من أئمة المسلمين، وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه".
وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه أبو داود في سننه من طرق صحيحة عن عاصم بن بهدلة، ولفظه في إحدى الروايات: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يَبعث فيه رجلا مِنِّي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»، ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي قال: حدثني أبي، حدثنا سفيان الثوري عن عاصم، فذكره بنحو رواية عمر بن عبيد، ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، قال وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة، ثم قال الترمذي حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار، حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»، قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي»، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقد ترجم الترمذي لهذين الحديثين بقوله: "باب ما جاء في المهدي".
ورواه ابن حبان في صحيحه من طرق عن عاصم، ولفظه في أحدها قال

(1/10)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمي»، وفي لفظ آخر: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملؤها قسطًا وعدلا»، وفي لفظ آخر: «يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي فيملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا»، وقد ترجم الهيثمي في "موارد الظمآن" على هذه الروايات وأحاديث أُخر بقوله "باب ما جاء في المهدي".
وقد ذكره الحاكم في المستدرك من حديث سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم من أئمة المسلمين، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا»، قال الذهبي في تلخيصه صحيح، وقال الحاكم أيضًا، وطرق حديث عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما أصَّلته في هذا الكتاب، بالاحتجاج بأخبار عاصم بن أبي النجود إذ هو إمام من أئمة المسلمين.
الحديث الثالث: روى ابن حبان في صحيحه من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي صالح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -»، وقد رواه الترمذي موقوفًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وتقدم ذكره، وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "حديث ابن مسعود وأبي هريرة صحيحان" انتهى.
الحديث الرابع: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدواناً»، قال: «ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدواناً» إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال فيه: «ثم يخرج رجل من أهل بيتي» لم يذكر العترة، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه الإمام
أحمد أيضًا عن أبي النضر، عن أبي معاوية شيبان، عن مطر بن طهمان، عن أبي الصديق الناجي، عن

(1/11)


أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أَجلَي أقنَى، يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله ظلمًا، يكون سبع سنين» إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضًا عن الحسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي هارون العبدي ومطر الوراق، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تملأ الأرض جورًا وظلمًا فيخرج رجل من عثرتي يملك سبعًا أو تسعًا، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا» إسناده من طريق مطر الوراق صحيح على شرط مسلم، وقد رواه الحاكم من هذا الوجه مختصرًا، وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه.
ورواه الإمام أحمد أيضًا عن ابن نمير: حدثنا موسى يعني الجهني، قال: سمعت زيدًا العمي قال: حدثنا أبو الصديق الناجي، قال: سمعت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يكون من أمتي المهدي، فإن طال عمره أو قصر عمره عاش سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها» زيدٌ العمي قال ابن معين:" صالح"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال مرة: "ضعيف يكتب حديثه"، وضعفه ابن المديني، وابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن عدي، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه، ولا يحتج به"، وقال أحمد، وأبو بكر البزار، والدارقطني: "صالح"، وقال الجوزجاني: "متماسك"، وقال الحسن بن سفيان: "ثقة"، وقد حسَّن الترمذي حديثه كما سيأتي، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الإمام أحمد أيضًا عن محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت زيدًا أبا الحواري، قال: سمعت أبا الصديق يحدث عن أبي سعيد الخدري -رضي الله- عنه قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يخرج المهدي في أمتي خمسًا أو سبعًا أو تسعًا – زيدٌ الشاك- قال قلت: أي شيء؟ قال: سنين، ثم قال: يرسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض من نباتها شيئًا، ويكون المال كدوسًا، قال: يجيء الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» فيه زيد أبو الحواري وهو العمي، وقد تقدم الكلام فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه الترمذي عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، فذكره بنحوه
مختصرًا، وقال: هذا حديث حسن، وقد رُوي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي

(1/12)


- صلى الله عليه وسلم -، وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو، ويقال بكر بن قيس. انتهى كلام الترمذي.
ويستفاد من رواية شعبة عن زيد العمي أنه صالح عنده، وفي ذلك تأييد لتحصين الترمذي لحديثه، وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: "كان شعبة أُمَّة وحده في هذا الشأن"؛ يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته وتنقيته للرجال. ذكره الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، وذكر أيضًا عن أبي بكر بن منجويه أنه قال في شعبة: "هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علمًا يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق"، قال الحافظ ابن حجر: "هذا بعينه كلام ابن حبان في الثقات، نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه" انتهى.
ورواه ابن ماجة عن نصر بن علي الجهضمي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن زيد العمي، فذكره بنحوه وإسناده حسن، محمد بن مروان العقيلي قال ابن معين: "صالح"، وفي رواية عنه قال: "ليس به بأس، قد كتبت عنه أحاديث"، وقال أبو داود: "صدوق"، وقال مرة: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وزيد العمي حسن الحديث كما تقدم تقريره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق نصر بن علي فذكره بنحو رواية ابن ماجة ولم يتكلم عليه.
ورواه الإمام أحمد عن عبد الرازق، حدثنا جعفر عن المعلي بن زياد، حدثنا العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا» فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: «بالسوية بين الناس، قال ويملأ الله قلوب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر مناديًا فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان؛ يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له: احث، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم؟! قال: فيرده فلا يُقبل منه، فيقال له: إنَّا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين» ورواه أيضًا عن زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، حدثنا المعلي بن زياد المعولي فذكره بنحوه، ورواه أيضًا عن زيد بن

(1/13)


الحباب، حدثني جعفر بن سليمان، حدثنا المعلي بن زياد فذكره، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلي باختصار كثير ورجالهما ثقات. وقد أقرَّه الحافظان زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، لكونهما قد حررا مجمع الزوائد معه.
قلت: فيه العلاء بن بشير، ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وفيه المعلي بن زياد، وثَّقه ابن معين في رواية ذكرها ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، قال الذهبي في الميزان: "هذه الرواية عن يحيى هي المعتبرة"، ووثَّقه أيضًا أبو حاتم، ذكره عنه ابنه عبد الرحمن في الجرح والتعديل، ووثقه أيضًا أبو بكر البزار وابن حبان، وقال ابن عدي: "لا أرى برواياته بأسًا"، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "صدوق قليل الحديث، زاهد، اختلف قول ابن معين فيه" انتهى. وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق النضر بن شميل، حدثنا سليمان، حدثنا أبو الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا يعني حججا». قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه أبو داود من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مني، أَجلَي الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين». قال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "المنار المنيف": إسناده جيد.
الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثا حجاج، وأبو نعيم قالا: حدثا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل قال حجاج: سمعتُ عليًا -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله -عز وجل- رجلا مِنَّا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا» قال أبو نعيم «رجلا منا»، قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب عن أبي الطفيل عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. إسناداه صحيحان.
فطر: هو ابن خليفة روى له البخاري مقرونًا بآخر، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن فطر بن خليفة،

(1/14)


فقال "صالح، كان يحيى القطان يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدث عنه"، وذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن العجلي أنه قال: "كوفي ثقة، حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة حافظ كيِّس"، وقال ابن سعد: "كان ثقة -إن شاء الله تعالى-، ومن الناس من يستضعفه"، وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا نعيم يرفع من فطر، ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في الكُنى: "حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير قال: فطر حافظ كيِّس"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أنه لا بأس به"، وبقية رجال الحديث رجال الصحيح، وقد صحح الشيخ أحمد محمد شاكر إسنادي حديث علي -رضي الله عنه- عند أحمد، ذكر ذلك في تعليقه على مسند الإمام أحمد.
وقد رواه أبو داود في سننه عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، قد تقدم توثيق الأئمة لفطر بن خليفة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد قال شمس الحق في عون المعبود: "الحديث سكت عنه المنذري، وسنده حسن قوي، وأما فطر بن خليفة الكوفي، فوثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والساجي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفي توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس، وأبي بكر بن عياش، والجوزجاني في تضعيفه، بل هو قول مردود". انتهى.
الحديث السادس: قال الإمام أحمد: حدثنا فضل بن دكين، حدثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه، عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» إسناده حسن.
ياسين العجلي: ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يذكرا فيه جرحا، وذكر ابن أبي حاتم، عن ابن معين وأبي زرعة أنهما قالا: "ليس به بأس"، وعن ابن معين أنه قال: "صالح"، ووثقه العجلي، وابن حبان، وبقية رجاله ثقات، قال يحيى بن يمان: "رأيت سفيان الثوري يسأله ياسين عن
هذا الحديث"، قال ابن عدي: "وهو معروف به"، قال الحافظ ابن حجر: "ووقع في سنن

(1/15)


ابن ماجة عن ياسين غير منسوب، فظنه بعض الحفاظ المتأخرين ياسين بن معاذ الزيات، فضعف الحديث به فلم يصنع شيئًا". انتهى.
وقد رواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا ياسين، فذكره بمثله وإسناده حسن، أبو داود الحفري: ثقة احتج به مسلم، واسمه عمر بن سعد بن عبيد، وبقية رجاله ثقات، وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ورمز له بالحسن، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد: "إسناده صحيح".
الحديث السابع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلا فثمان وإلا فتسع، تنعم أمتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، ترسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض شيئًا من النبات، والمال كدوس، يقوم الرجل يقول: يا مهدي، أعطني، فيقول: خذ» رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
الحديث الثامن: عن أبي الطفيل، عن محمد بن الحنفية، قال: كنا عند علي -رضي الله عنه- فسأله رجل عن المهدي، فقال علي -رضي الله عنه-: هيهات، ثم عقد بيده سبعًا فقال: «ذاك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل، فيجمع الله -تعالى- له قومًا قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر» قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده؟ قلت: نعم، قال: إنه يخرج من بين هذين الأخشبين، قلت: لا جرم والله لا أريمهما حتى أموت، فمات بها يعني مكة. رواه الحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذا الأثر له حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
الحديث التاسع: روى ابن حبان في صحيحه، من طريق قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن مجاهد، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يكون اختلاف عند موت خليفة، يخرج رجل من قريش من أهل المدينة إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، فيبعثون إليه جيشًا من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فإذا بلغ الناس ذلك أتاه أهل

(1/16)


الشام وعصائب من أهل العراق فيبايعونه، وينشأ رجل من قريش أخواله من كلب، فيبتعثون إليهم جيشًا فيهزمونهم ويظهرون عليهم، فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، يمكث سبع سنين» ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه مختصرًا، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث صالح أبي الخليل، عن صاحب له، عن أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ورواه أبو داود أيضًا من وجه آخر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ورواه أبو يعلي الموصلي في مسنده، من حديث قتادة عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح: عن مجاهد، عن أم سلمة، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح".
قال الخطابي في معالم السنن: "الجران مقدم العنق، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض، فيقال ألقي البعير جرانه، وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه، فضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره فلم يكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة". انتهى.
الحديث العاشر: قال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» وقد ذكر ابن القيم هذا الحديث في كتابه "المنار المنيف" قال: "وهذا إسناد جيد".
وقد جاء في ذكر المهدي أحاديث كثيرة سوى ما ذكرته ههنا، ولكن لا تخلو أسانيدها من مقال، وجاء فيه أيضًا آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وبعضها صحيح، وقد تركت ذكرها إيثارًا للاختصار، وفيما ذكرته من الصحاح والحسان كفاية في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، والرد على من أنكر ذلك، وزعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الإجماع فهو إجماع أهل السنة والجماعة على تسمية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- بالخلفاء الراشدين المهديين، كما سماهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في

(1/17)


حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-، وخلافة هؤلاء الأربعة هي خلافة النبوة، أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جهمان، عن سفينة -رضي الله عنه-، وروى يعقوب بن سفيان، عن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
ومن الخلفاء الراشدين المهديين أيضًا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "أجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين". انتهى. وروى أبو نعيم في الحلية من طريق ضمرة، عن رجاء، عن ابن عون، قال: "كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء، قال: نهى عنه إمام هدى"؛ يعني عمر بن عبد العزيز. وقال الإمام أحمد عن عبد الرازق، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: "إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز" ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، قال: "ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد". وقال طاوس "هو مهدي، وليس به أنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سَمِح بالمال، شديد على العمال، رحيم بالمساكين". انتهى.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون". انتهى.
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن محمود من الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ولا يُظَن بابن محمود أنه يخالف الإجماع، وإن كان في موافقته للإجماع مخالفة لعنوان رسالته.
وقد وقف ابن محمود من الأحاديث الدالة على خروج المهدي موقفًا سيئًا؛ فزعم في صفحة (4) أنها مختلقة، وزعم في صفحة (12) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وزعم في صفحة (16) أنها مكذوبة

(1/18)


على رسول الله، وزعم في صفحة (19) أنها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وزعم في صفحة (25) أنها مصنوعة، وزعم في صفحة (27) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (29) أنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله، وزعم في صفحة (36) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله، وزعم في صفحة (37) أنها من عقائد الشيعة، وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك، وزعم في صفحة (56) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (58) أنها مكذوبة، وزعم في صفحة (16، 24، 27، 58، 62) أنها خرافة، وزعم في صفحة (38) أنها نظرية خرافية، وزعم في صفحة (31) أنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وزعم في صفحة (85) أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال، والاستسلام للأوهام والخرافات، هكذا قال ابن محمود في أحاديث المهدي، ولم يفرق بين الصحيح والضعيف والموضوع، بل جعل الجميع من باب واحد.
والجواب عن هذه الكلمات النابية والمجازفات السيئة أن نقول: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}، ولا شك أن هذا من أسوأ التكلف والقول بغير علم، وقد قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}، وقال -تعالى-: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}، أما يخشى ابن محمود أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ أما فيه دين يحجزه عن التهاون بالأحاديث الثابتة، ووصفها بالصفات الذميمة، وردها وإطراحها؟!
وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة". رواه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة، من رواية الفضل بن زياد القطان عن أحمد، وقال الإمام أحمد أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} "، وذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إعلام الموقعين عن الشافعي أنه قال: "إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه"، وذكر القاضي أبو الحسين في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ

(1/19)


على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام، لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت".
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يردون من ذلك شيئًا". انتهى، وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على الإقرار بما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم لا يردون من ذلك شيئًا، والعبرة بأهل الحديث والسنة، ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الأهواء والبدع والضلالة والجهالة.
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن تكذيب الأحاديث الصحيحة ليس بالأمر الهين، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد "باب فيمن كذَّب بما صحَّ من الحديث" ثم ذكر حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة؛ الله، ورسوله، والذي حدَّث به» رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: وفيه محفوظ بن ميسور، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا". انتهى، وهذا الحديث وإن لم يبلغ درجة الصحيح فمعناه صحيح، لأن من كذَّب حديثًا فلا شك أنه قد كذَّب الله -تعالى- في قوله مخبرًا عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، قد كذب النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث رد ما ثبت عنه برواية أهل الصدق والعدالة، وقد كذب الرواة الذين حفظوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغوها إلى الأمة، ومن كذب أهل الصدق والعدالة فقوله مردود عليه، وهو أولى بما قال.
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يتهاونون بالأحاديث الصحيحة، وعلى الذين يعارضونها بالشبه والشكوك والآراء الفاسدة، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا، وقد

(1/20)


ذكرتها في الرد على زنديق مصر المدعو بالسيئ صالح أبي بكر، فلتراجع هناك.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بنزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- في آخر الزمان، وأنه يكون حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا، وروي الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا .... » الحديث، وفيه رد على من زعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- أفضل المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو معدود من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أفضل الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»، وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم»، قال الوليد بن مسلم: قلت لابن أبي ذئب إن الأوزاعي حدثا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرة: «وإمامكم منكم»، قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم، قلت: تخبرني، قال: فأمَّكم بكتاب ربكم -تبارك وتعالى- وسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي، عن بعض المتقدمين قال: معنى «وإمامكم منكم»؛ يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل، وقال ابن التين: معنى قوله «وإمامكم منكم»؛ أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم. انتهى.
ويدل لما قاله ابن أبي ذئب وغيره، ما رواه سمرة بن جندب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الدجال خارج .... » الحديث، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم -عليهما السلام- من قِبل المغرب مصدقًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ملته، فيقتل الدجال». الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين والطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، وقوله من قبل المغرب؛ أي مغرب أهل المدينة وهو الشام، وفي حديث عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر فتنة الدجال قال: «ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - على ملته، إمامًا مهديًا، وحكمًا عدلا، فيقتل الدجال» رواه الطبراني في الكبير والأوسط، قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر.
وإذا عُلم هذا، فلا ندري ماذا يكون موقف ابن محمود من الأحاديث الدالة
على أن عيسى بن مريم -عليهما الصلاة والسلام- يكون في آخر هذه الأمة إمامًا مهديًا؟!

(1/21)


هل يصدق بذلك أم لا يصدق؟ فإن صدّق ناقض عنوان رسالته، وإن لم يصدق فما أعظم ذلك، وأبشعه وأشنعه.

* * *

(1/22)