اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث

القسم الرابع: اعتقاد أئمة أهل الحديث لأبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي 277 ــ 371 صاحب كتاب المستخرج على صحيح البخاري ...
...
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
"الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"1.
"فضّلهم بشرف العلم، وكرّمهم بوقار الحلم، وجعلهم للدين وأهله أعلاماً وللإسلام والهدى مناراً، وللخلق قادة، وللعباد أئمة وسادة"2.
وهم أهل الحديث الذين هم بالسُّنَّة ظاهرون وبالأتباع قاهرون يقول ابن قتيبة في وصف حالهم:
"الذين لم يزالوا بالسُّنَّة ظاهرين وبالأتباع قاهرين يُدَاجُون بكل بلد ولا يُدَاجُوْن ويستتر منهم بالنحل ولا يَسْتَتُرون، ويَصْدَعون بحقهم الناس ولا يستغشون ولا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا ولا يتضع فيه إلا من وضعوا؟ ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا"3.
وسموا أهل الحديث لاتباعهم الحق بدليله من الكتاب والسنة ولتتبعهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، للعمل بها وتقديمها على كل قول، فهم الفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه كيف لا وهم يتقربون إلى الله تعالى باتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وطلبهم آثاره.
__________
1 الرد على الجهمية للإمام أحمد ص (52) .
2 صريح السنة للطبري ص (16) .
3 الاختلاف في اللفظ ص 224 ضمن مجموعة عقائد السلف.

(1/359)


قال ابن حبان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي" 1 قال: إن من واظب على السُّنن وقال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء فهو من الفرقة الناجية"2.
وقال ابن قتيبة: "فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من جهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا إلى الله تعالى بإتباعهم سُنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً وشرقاً وغرباً.
يرحل الواحد منهم راجلاً مقوياً في طلب الخبر الواحد أو السُّنَّة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة، ثم لم يزالوا في التنقيب عن الأخبار والبحث عنها حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي.
فنبّهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافياً وبسق بعد أن كان دارساً، واجتمع بعد أن كان متفرقاً، وانقاد للسُنن من كان عنها معرضاً، وتنّبه عليها من كان عنها غافلاً، وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.
فالحق فيما اعتقده أهل الحديث، وإن مخالفة عقائدهم ضلال وهوى لاعتصامهم بكتاب الله عزّ وجلّ، وتمسّكهم بسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان على ذلك فقد استضاء بالنور واستفتح باب الرشد وطلب الحق من مظانه4
قال علي بن المديني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا تزال طائفة من
__________
1 أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في لزوم السنة (5/13) ح (4607) والترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (5/44) ح (2676) كلاهما من طريق عبد الرحمن السلمي عن العرباض بن سارية وأخرجه ابن ماجة المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (1/15) ح (42) من طريق يحيى بن أبي المطاع عن العرباض بن سارية قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) .
2 الاحسان (1/105) .
3 تأويل مختلف الحديث ص 71.
4 تأويل مختلف الحديث ص 82 بتصرف.

(1/360)


أمتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خالفهم"1.
قال: هم أهل الحديث والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم2.
وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث فقال: "إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم"3.
وقال الحاكم: "لقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين ومنعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين"4.
وقال ابن قتيبة: "وليس يدفع أصحاب الحديث عن ذلك إلا ظالم لأنهم لا يردون شيئاً من أمر الدين، إلى استحسان ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين"5.
وقال أبو مزاحم الخاقاني:
"أهل الحديث لهُم الناجونَ إذ عملوُا ... به إذا ما أتى عن كل مؤتمنٍ
قد قيل إنهمُ خيرُ العباد على ... ما كان فيهم إذا أنجوا من الفتن
من مات منهم كذا حانت شهادتُه ... فطابَ من ميتٍ في اللحدِ مرتهنِ"6
__________
1 أخرجه بنحو هذا اللفظ مسلم كتاب الإيمان باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 1/137 ح (156) من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله.
2 شرف أصحاب الحديث ص (10) .
3 معرفة علوم الحديث ص (2) .
4 معرفة علوم الحديث ص (2) .
5 تأويل مختلف الحديث ص (82) .
6 شرف أصحاب الحديث ص (57) .

(1/361)


وقال أبو عبيدة ابن زياد الأصبهاني:
"دينُ النبيِ محمدٍ أخبارُ ... نعم المطيةُ للفتىَ آثارُ
لا تُخْدعَنَّ عن الحديث وأهلهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارٌ
ولرُبما غلط الفتىَ سُبلَ الهْدىَ ... والشمسُ بازغةٌ لها أنوارُ1
ولا يضرهم ما سمْاهم به أهل الكلام من الألقاب المنبوذة والألفاظ الشنيعة لِيُنَفِّروا عنهم الناس فيقولون عنهم: "الحشوية، والنابتة، والمجبرة وغير ذلك".
قال الحاكم: "كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية"2.
وقال ابن قتيبة: "وهذه كلها أنباذ لم يأت بها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أتى عنه في القدرية أنهم مجوس هذه الأمة.. فهذه أسماء من رسول صلى الله عليه وسلم، وتلك أسماء مصنوعة"3.
وقال الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: "اعترضت طائفة ممن يشنأ الحديث ويبغض أهله فقالوا بنقص أصحاب الحديث ازدراءَ بهم وأسرفوا في ذمهم والتقوّل عليهم وقد شرّف الله الحديث وفضَّل أهله وأعلى منزلته وحكمه على كل نحلة وقدّمه على كل علم، ورفع من ذكر من حمله وعني به، فهم بيضة الدين ومنار الحجة"4 فمن يبغض أهل الحديث فهو على البدعة ومن يحبهم فهو على السنة. قال أحمد بن سنان القطان:
"ليس في الدنيا مبتدع إلا وهُو يبغض أهل الحديث، فإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه"5.
__________
1 شرف أصحاب الحديث ص (76)
2 معرفة علوم الحديث ص (14) .
3 تأويل مختلف الحديث ص (82) .
4 المحدث الفاصل ص (4) .
5 شرف أصحاب الحديث ص (73) ومعرفة علوم الحديث ص (4) .

(1/362)


وقال قتيبة بن سعيد: "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وذكر قوماً آخرين فإنه على السنة ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع"1.
وجهود أهل الحديث في نصرة السنة وحفظها والذب عنها والرد على أهل الأهواء والبدع كثيرة لا ينكرها إلا مكابر حاقد.
ومن جملة تلك الجهود في توضيح العقيدة والذب عنها ما قام به الحافظ الإمام أبو بكر الإسماعيلي من تصنيف هذا الكتاب في بيان معتقد أهل الحديث، فعلى رغم صغر الكتاب إلا أنه حوى أصول العقيدة السلفية إجمالاً.
أ- أسباب تحقيق الكتاب:
1- كتاب اعتقاد أئمة أهل الحديث من الكتب السلفية، المهمة التي توضح عقيدة أهل السنة والجماعة وسلف الأمة.
2- إن مؤلفة من علماء السلف المشهود لهم بالرسوخ في العلم سواء في الأصول أو الفروع وقد نال شهرة واسعة وأثنى عليه كثير من العلماء وأقروا له بالحفظ والإمامة في الدين.
3- أدرك المؤلف القرن الأخير من القرون المفضلة، فقد ولدَ سنة 277 هـ وتوفي سنة 371هـ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" 2
4- إن هذا الكتاب حسب علمي لم يطبع من قبل. كل هذه العوامل جميعها شجعتني للمضي قدماً في تحقيقه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه.
__________
1 شرف أصحاب الحديث ص (72) .
2 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (7/3) ح (3650) ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل الصحابة (4/1964) ح (2535) كلاهما من طريق زهدم بن مضرب عن عمران بن الحصين.

(1/363)


ب - خطة البحث:
رأيت من المناسب تقسيم البحث في هذا الموضوع إلى قسمين:
القسم الأول في التعريف بالمؤلف وبالكتاب ويشتمل هذا القسم على المباحث التالية:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف:
أ - اسمه ونسبه وكنيته ومولده.
ب - طلبه للعِلْم.
ج- ثناء العلماء عليه.
د - أشهر مصنّفاته.
هـ - أشهر شيوخه.
و أشهر تلاميذه.
ز- وفاته.
المبحث الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة.
أولاً: التعريف بالكتاب:
أ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
ب - اسم الكتاب.
جـ- موضوع الكتاب.
د- منهج المؤلف.
ثانياً: وصف المخطوطة.

(1/364)


ثالثاً: المقارنة بين هذا الكتاب وكتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني.
القسم الثاني: تحقيق الكتاب.
عملي في الكتاب:
جـ- عملي في الكتاب:
لقد اجتهدت حسب الوسع والطاقة في خدمة هذا الكتاب وإخراجه بهذه الصورة، ويتلخص عملي في التحقيق في الخطوات التالية:
1- اعتمدت في تحقيق الكتاب على أصل محفوظ في دار الكتب الظاهرية بدمشق وهي نسخة وحيدة خطها واضح لكنها لم تخل من سهو الناسخ وسيأتي وصفها تفصيلاً ضمن المباحث القادمة إن شاء الله تعالى.
2 - أثْبِتُ من النص ما في النسخة الخطية إلا أن يكون خطاً ظاهراً فإني أزيد على ما في النص المعنى المناسب له ولما يقتضيه السياق وأضعه بين معقوفين هكذا [] ، فهو من إضافتي وأُشير في الهامش إلى ما جاء في أصل المخطوط.
3- عزو الآيات القرآنية.
4- عزو الأحاديث إلى مصادرها الحديثية، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليهما، أما إذا كان في غير الصحيحين فأجتهد في العزو إلى أكثر من مصدر وأنقل أقوال أئمة هذا الشأن في درجة الحديث وإذا لم أجد لأحد العلماء حكماً على الحديث اجتهدت في معرفة حال الإسناد.
5 - التعليق والشرح لما يحتاج إليه في بعض المواضع التي تحتاج في نظري إلى تعليق وفصلت بين الأصل وتعليقاتي عليه بوضع الأصل

(1/365)


في أعلى الصفحة والتعليق عليه بوضع الأصل في أعلى الصفحة والتعليق في أسفلها.
6 - وضع عناوين توضح المقصود.
7 - وضع فهارس عامة للكتاب وهي:
أ - فهرس الآيات القرآنية.
ب - فهرس الأحاديث النبوية.
ج - فهرس الفرق.
د - فهرس المصادر والمراجع.
هـ - فهرس الموضوعات.
وأخيراً فإني بذلت الجهد في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه فإن وفقت إلى ذلك وأصبت فهو من عند الله وله المنّة، وإن أخطأت فذلك مني وعذري أني قد استنفدت في البحث طاقتي.
والله تعالى أسأل القبول إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير وهو حسبي ونعم الوكيل.

(1/366)


المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
أ - اسمه ونسبه وكنيته ومولده:
هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي1، وُلِدَ سنة سبع وسبعين ومائتين2.
ضبط النسب:
الإسماعيلي بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الميم وكسر العين المهملة بعدها ياء منقوطة باثنتين من تحتها3 وهي نسبة إلى جده إسماعيل بن العباس، والجرجاني بضم الجيم وسكون الراء المهملة والجيم والنون بعد الألف هذه نسبة إلى بلدة جرجان4.
ب - طلبه للعلم:
بدأ بكتابة الحديث بخطه وهو صبي مميز في سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
قال الإسماعيلي: "كتبت بخطي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين ولي يومئذ ست سنين"5، وارتحل6 لسماع الحديث من جرجان إلى خراسان وبغداد والكوفة والبصرة والري وهمدان والأنبار ومكة وغير ذلك.
__________
1 سير أعلام النبلاء 16/292.
2 انظر تاريخ جرجان ص 86 وسير أعلام النبلاء 16/293 وطبقات الشافعية 7/3.
3 الأنساب 1/239.
4 الأنساب 3/ 237 وانظر معجم البلدان 2/119.
5 تذكرة الحفاظ 3/ 947- 949، سير أعلام النبلاء 16/ 293.
6 سير أعلام النبلاء 16/0 2930، الوافي بالوفيات (213116) .

(1/369)


جـ - ثناء العلماء عليه:
1- قال عنه الحاكم: "كان الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدّثين والفقهاء وأجلّهم في الرئاسة والمروءة والسخاء"1.
2- وقال عنه السمعاني: "إمام أهل جرجان والمرجوع إليه في الحديث والفقه ... وهو أشهر من أن يُذكر"2.
3- وقال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام"3.
وقال في موضع آخر: "الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام"4.
4- وقال عنه الصفدي: "الإمام.. الفقيه الشافعي الحافظ"5.
5- وقال عنه الأتاباكي: "الحافظ ... كان إماماً طاف البلاد ولقي الشيوخ"6.
6- وقال عنه ابن كثير: "الحافظ الكبير الرّحال الجوال سمع الكثير وحدّث وخرّج وصنّف فأفاد وأجاد وأحسن الانتقاد والاعتقاد"7.
7- وقال عنه ابن عبد الهادي: "الإمام الحافظ الكبير أحد الأئمة الأعلام.. كبير الشافعية بناحيته"8.
8- وقال عنه ابن ناصر الدين: "الإمام.. أحد الحفّاظ الأعيان كان شيخ المحدّثين والفقهاء وأجلّهم في المروءة والسخاء"9.
__________
1 سير أعلام النبلاء 16/ 294.
2 الأنساب 1/ 239.
3 سير أعلام النبلاء 16/ 292.
4 تذكرة الحفاظ 3/ 947.
5 الوافي بالوفيات 6/ 213.
6 النجوم الزاهرة 4/140.
7 البداية والنهاية 11/317.

(1/370)


د - أشهر مصنفاته:
1- مسند عمر بن الخطاب.. قال عنه الذهبي: "يقع في مجلدين"1.
2- المستخرج على الصحيح، قال عنه الذهبي: "يقع في أربعة مجلدات"2. 3- كتاب المعجم، طبع بتحقيق د. زياد بن منصور، ويقع في مجلدين.
4- العوالي3.
5- الفرائض4.
هـ - أشهر شيوخه5:
1- إبراهيم بن زهير الحلواني.
2- أحمد بن علي بن المثني الموصلي.
3- أحمد بن محمد بن مسروق.
4- الحسن بن سفيان الشيباني.
5- حسن بن علوية القطان.
6- حمزة بن محمد الكاتب.
7- جعفر بن محمد الفريابي.
8- الفضل بن حباب الجمحي.
9- عمران بن موسى السختياني.
عبدان بن أحمد العسكري.
__________
1 سير أعلام النبلاء (16/ 293) .
2 سير أعلام النبلاء (16/ 293) .
3 النجوم الزاهرة (4/140) .
4 النجوم الزاهرة (4/140) .
5 انظر سير أعلام النبلاء16/ 292-296 تاريخ جرجان 69-77 البداية والنهاية 11/298 وطبقات علماء الحديث 3/141.

(1/371)


11 - محمد بن الحسن بن سماعة.
12 - محمد بن عبد الله الحضرمي.
13 - محمد بن إسحاق بن خزيمة.
14 - محمد بن عثمان بن أبي شيبة.
15 - محمد بن يحيى المروزي.
و أشهر تلاميذه1:
1- أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البلقاني الخوارزمي.
2- أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي.
3- حمزة بن يوسف السهمي.
4- الحسين بن محمد الباشاني.
5- عبد الرحمن السجستي.
6-عبد الرحمن بن محمد الفارسي.
7- علي بن دلان الجرجاني.
8 - عبد الواحد بن منير المعدل.
9 - عيسى بن عبادر الدينوري.
10 - محمد بن عبد الله الحاكم.
11 - أبو بكر محمد بن إدريس الجرجرائي.
12- محمد بن علي الطبري.
13- محمد بن علي بن سهل الماسرجسي.
14- محمد بن محمد الحجاجي.
15 - يحمى الأبهري.
__________
1 انظر سير أعلام النبلاء 16/ 292-296، تاريخ جرجان 69-77، طبقات علماء الحديث 13/141 البداية والنهاية 11/298.

(1/372)


ز - وفاته:
توفي أبو بكر الإسماعيلي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وهو ابن أربع وتسعين سنة1.
__________
1 الأنساب 1/241، تاريخ جرجان 109، النجوم الزاهرة 4/140.

(1/373)


المبحث الثاني التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة
أولاً: التعريف بالكتاب:
أ - اسم الكتاب:
لم يرد على النسخة الخطية بسبب السقط الحاصل فيها عنوان صريح، لكن جاء في آخر الكتاب بعد انتهائه من ذكر أصول عقيدة أهل الحديث على وجه الإجمال قال: "هذا أصل الدين والمذهب اعتقاد أئمة أهل الحديث".
وجاء في كتاب العلو للذهبي ما يأتي: (اعتقاد السُّنَّة) 1، وأحسب أن الذهبي اختصر عنوان الكتاب كما هي العادة الجارية، وإلا فلا معنى لقوله اعتقاد السُّنَّة دلَّ على أنه أشار إلى أصل الكتاب لا إلى العنوان.
أما الحافظ الصابوني فسمّاه رسالة الإسماعيلي لأهل جيلان، فقد قال: "فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنَّفها لأهل جيلان"2.
وقال في موضع آخر: "قرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان"3.
وكذا الإمام الحافظ ابن رجب فقد نقل في كتابه جامع العلوم والحكم ما يأتي:
"قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل"4.
__________
1 العلو ص (167) .
2 عقدة السلف أصحاب الحديث ص (9) .
3 عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (27) .
4 جامع العلوم والحكم (106) .

(1/374)


ونستنتج من العناوين السابقة أن هذا الكتاب لم يستقر على اسم واحد، وأرى أن أقرب اسم لهذا الكتاب هو: (اعتقاد أئمة أهل الحديث) لما يأتي:
أولاً: لأن المؤلف أشار إلى هذا العنوان في نهاية كتابه فقال: "هذا أصل الدين والمذهب اعتقاد أئمة أهل الحديث".
ثانياً: هذا العنوان يدل على مضمون الكتاب فإنه يذكر عقائد أئمة أهل الحديث لذا تجد عباراته (يعتقدون، ويثبتون، ويقولون، ويؤمنون، ويرون) بصيغة الجمع.
ب - توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
من الأدلة التي تثبت نسبة الكتاب إلى المؤلف ما يأتي:
أولاً: السند المتصل إلى المؤلف، ولا شك أن هذا من أقوى الأدلة وأكدها في هذا الجانب.
وقد رواه بإسناده المتصل إلى المؤلف ابن قدامة في رسالته ذمّ التأويل1 والذهبي في العلو2 وفي تذكرة الحفاظ3 وفي السير4.
وقال في كتاب الأربعين بعد ما نقل منه: "وهذا المعتقد معناه بإسناد صحيح عنه"5.
وقال الألباني في مختصر العلو: "أخرجه المصنف بإسناده ورجاله كلهم ثقات معروفون غير مسعود بن عبد الواحد الهاشمي فلم أجد له ترجمة"6.
__________
1 ص (139) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.
2 ص (167) .
(3/949)
(16/265)
5 ص (118) ضمن مجموعة ست رسائل للذهيي.
6 ص (249) .

(1/375)


وصفة السند هي كالآتي:
قال ابن قدامة: "أخبرنا الشريف أو العباس مسعود بن عبد الواحد بن مطر الهاشمي قال: أنبأنا الحافظ أبو العلاء صاعد بن يسار الهروي، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني، أنبأنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي"1.
ثانياً: ذكر هذا الكتاب العلماء القريبون من عصر الإسماعيلي وغيرهم على أنه من مؤلفاته ونقلوا عنه بهذا الاعتبار، ومن هؤلاء الإمام الحافظ أبو عثمان إسماعيل الصابوني، وابن قدامة، وابن تيمية، والذهبي، والحافظ بن رجب.
1- فأما أبو عثمان الصابوني فقد ذكر الكتاب وعزاه إلى مؤلفه ونقل عنه في موضعين في كتابه (عقيدة السلف أصحاب الحديث) ، فقد جاء في صفحة 9 ما يأتي:
"فأما اللفظ بالقرآن فإن الشيخ أبا بكر إسماعيل الجرجاني ذكر في رسالته التي صنَّفها لأهل جيلان قال فيها: "إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فقد قال بخلق القرآن"، قلت هذا كله مذكور في كتابنا هذا في الورقة 39 من المخطوط.
وقد ذكره أيضاً في مكان آخر في مسألة النزول، فقد جاء في كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث ما يأتي، قال الصابوني:
"وقرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان: إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"2 هذا النص كله مذكور في هذا الكتاب في الورقة 39 من المخطوط.
2 - وأما ابن قدامة فقد روى هذا الكتاب بإسناده إلى المؤلف وقد
__________
1 ذم التأويل ص (139) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.
2 عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (27) .

(1/376)


تقدّمت الإشارة إليه وقد نقل عنه في أول الكتاب وبه يتم السقط الحاصل في أول المخطوطة، فقد ساق بإسناده إلى حمزة بن يوسف السهمي راوي هذه العقيدة عن أبي بكر الإسماعيلي.
قال أبو بكر الإسماعيلي: "اعلموا -رحمنا الله وإيّاكم- أن مذهب أهل الحديث أهل والسُّنَّة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى وصحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا معدل عمَّا ورد به. ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين بإتباع الكتاب والسُّنَّة، مضموناً لهم الهدى فيهما مشهوداً لهم بأن نبيهم صلى الله عليه وسلم، يهدي إلى صراط مستقيم محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي سمّى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، خلق آدم بيده {ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} بلا اعتقاد كيف وأنه عزَّ وجلَّ استوى على العرش بلا كيف فإن الله تعالى انتهى إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه"1، والموجودة من هذا الكلام في النسخة الخطية قوله: "فإن الله تعالى انتهى في ذلك إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه".
3- شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد جاء في مجموع2 الفتاوى ما يلي: "وقال أبو عثمان: قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم"، وهذا النص كله مذكور في هذا الكتاب في ورقة 39 من النسخة الخطية. وكذا في الحموية3 فقد نقل شيخ الإسلام قول أبي سليمان الخطابي مذهب السلف في الصفات ثم قال بعد ذلك: "وهذا الكلام الذي ذكره الخطاب قد نقل نحوا منه من العلماء ما لا يحصى عددهم
__________
1 ص (139 - 140) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.
(5/ 5) ، شرح حديث النزول ص 186.
3 الحموية ص 124 - 125 ضمن مجموعة النفائس.

(1/377)


مثل أبي بكر الإسماعيلي"، قلت: انظر ورقة 38 من المخطوط فهو مماثلة لما ذكره الخطاب وقرره عن السلف.
4- وأما الحافظ الذهبي فقد نقل عن هذا الكتاب قي عدة مواضع من كتبه، ككتاب العلو، وتذكرة الحفّاظ، وسير أعلام النبلاء، وساق إسناده إلى المؤلف ونقل عنه في كتابه صفات ربِّ العالمين بدون إسناد، فقد جاء في كتاب العلو ما يأتي:
أخبرنا عزالدين بن إسماعيل بن الفراء أنبأنا أبو محمد بن قدامة أنبأنا مسعود بن عبد الواحد الهاشمي أنبأنا صاعد بن سيار الحافظ، أنبأنا علي بن محمد الجرجاني، أنبأنا يوسف بن حمزة الحافظ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي بكتاب اعتقاد السُّنَّة له قال: "اعلموا -رحمكم الله- أن مذهب أهل الحديث أهل السُّنَّة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا معدل عما ورد به ويعتقدون أن الله مدعو بأسمائه الحسنى موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه خلق آدم بيده ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه"1.
والموجود من هذا الكلام في النسخة الخطية قوله: "بلا كيف فإن الله تعالى انتهى في ذلك إلى أنه استوى على العرش ولا يذكر كيف كان استواؤه". وأما بقية النص فلا يوجد لوجود الخرم في أول صفحة من الكتاب وبمثل ما نقل الحافظ في العلو نقل في تذكرة الحفاظ2، وسير أعلام النبلاء3، وكتاب صفات ربِّ العالمين4.
__________
1 العلو ص 167.
2 2/929.
3 16/265.
4 ص 118.

(1/378)


5- وأخيراً يأتي نقل الحافظ ابن رجب عن كتاب الإسماعيلي في كتابه جامع العلوم والحكم يقول الحافظ ابن رجب: "قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموماً إلى الآخر.
فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعاً مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر وإذا كان أحد الاسمين شمل الكل وعمّهم"1.
وهذا النص كله موجود في هذا الكتاب في ورقة 40 من النسخة الخطية.
ثالثاً: كما أن السماعات المثبتة على هذا الكتاب من العلماء وطلبة العلم يعتبر دليلاً فيما نحن بصدده من توثيق كتاب أئمة الحديث إلى الإسماعيلي وإليك تلك السماعات:
السماع الأول:
في سنة (574) هـ، وهو المثبت على الورقة (42-ب) وجاء فيه سمع هذا المعتقد كله على الشريف أبي العباس مسعود بن عبد الواحد بن مطر الهاشمي عرضاً بأصل سماعه، وأبي العلا صاعد بن سيار الهروي بقراءة أبي محمد عبد المحسن طغري بن عبد الله الأميري المسترشدي أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وأبو الفضل يحيى بن أبي الحسن بن أبي نصر المعدلي بمنزل الشيخ يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة وصح ذلك ولله الحمد والمنة وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم عليه.
السماع الثاني:
__________
1 جامع العلوم والحكم ص 106.

(1/379)


في سنة (617) هـ، سمع جميع اعتقاد الإسماعيلي على الشيخ الإمام العالم موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، وعلى الشيخ الإمام بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسيين بقراءة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد المنعم ... بن أخيه عبد الله بن العلي يوسف، وأحمد ومحمد وعبد الرحمن ... المجد عيسى بن الشيخ موفق الدين، وأحمد ومحمد ابنا عبد الرحمن بن عبد الرحيم وعمها محمد، والسماع بخطه، وسعد بن منصور بن سعد، وعبد الرحيم بن علي بن بشوان، ومحمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد، وعبد الرحمن وعبد الغني ابنا العم محمد، وسليمان بن الإمام عبد الرحمن الحافظ، وإبراهيم بن الشرف عبد الله بن الشيخ أبي عمر، ومحمد وأحمد ابنا الشرف أحمد بن عبيد الله ومحمد بن الزين أحمد بن عبد الدائم، ومحمد وعبد الرحمن وعبد الرحيم بنو الزين أحمد والفقيه عبد الحميد بن محمد وبنوه عبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد الحافظ وعبد الخالق وعبد الغافار ويحيى وعيسى وعبد القادر ومحمد بن الشيخ أحمد بن محمد وابن عمه علي بن موسى، ومحمد علي إسماعيل بنو أحمد بن عبد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الحميد بن محمد وخاله علي بن عبد العزيز، ومحمد وعبد الله وإبراهيم بنو عبد الرحيم.. وعبد الغني ومحمد ابنا ... ، وعيسى وعبد الرحيم وعبد الله بنو عمر بن عوض وعمر ... ، وعبد الله بن سعد وعبد الله.. بن سلطان وعبد الرحمن ابنا العلم أحمد بن كامل المقدسيون، والشريف أبو عبد الله محمد بن الحسين الشجاع البصري، وحسين بن عبد الله الآمدي، ونصر الله بن ناصر بن نصرالله، ومحمد بن نصر بن منصور المقري، وأحمد بن أبي محمد العطار، وعبد الواحد وإبراهيم ابنا كامل المقري وإبراهيم وإسماعيل ابنا محمد..، ومحمد وعبد الرحمن ابنا الصفي إسحاق بن ... ، ويوسف ويحيى ابنا عيسى بن مسلم بن كثير، وإبراهيم وإسماعيل ابنا نور بن قمر الهيتمي، وفارس بن منصور بن عبدان، وأحمد بن علي بن يوسف، ومحمد وأحمد وعلي وإبراهيم بنو أبي المجد بن منصور اللحام، وإسماعيل بن محمد بن عمر الحراني، وإبراهيم وأحمد ابنا عبد العزيز

(1/380)


الانطاكي والحسن ومحمد ابن الكمال عبد الله بن الحافظ، وأحمد بن محمد بن عياش وذلك يوم السبت في العشر الأوسط من ذي القعدة من سنة سبع عشرة وستمائة.. والحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً وسمع مع الجماعة إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي وصح وتمت.
السماع الثالث:
في سنة (667) هـ، سمع جميع اعتقاد الإسماعيلي على الشيخ الإمام العالم، أبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم المقدسي بحق سماعه محمد بن حمزة بن أحمد بن عمر وهذا خطه وأحضر ولده أحمد وهو في السنة الرابعة، وأحمد بن الشيخ المسمع في الرابعة، ومحمد بن حازم وولده أحمد، وعبد الرحمن وأحمد ابنا حسن بن عبد الله، وعبد الله وعلي ابنا عمر بن أحمد بن عمر، وعبد الله وأبو بكر ابنا أحمد بن عبد الحميد، وإبراهيم بن أبي بكر بن أحمد، وعبد الله ابن أحمد بن عبد الرحمن وأبو بكر بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الجبار، وابنا عمه أحمد ومحمد ابنا عبد الله، وعلي بن عبد الله بن عبد الرحمن، وأحمد بن إبراهيم بن مري، ومحمد وعبد الرحمن ابنا أحمد بن محمد بن يونس، وأحمد بن عبد الله بن أحمد، ومحمد بن سليمان بن عبد الحميد، ومحمد بن محمد بن معالي ... ، وأحمد بن سليمان بن أحمد وولده عبد القادر، وعمر بن عبد الله بن أحمد، وعلي بن أحمد بن علي وأولاده أحمد وعبد الرحمن وعبد الحميد، وعبد الرحمن ومحمد ابنا أحمد بن محمد المرداوي وعلي بن ماجد بن طاهر المرداوي، وإبراهيم بن محمد ... ، وأحمد بن عبد الرحيم بن أحمد المقدسيون وأحمد بن محمد بن إسحاق الدمشقي، وعبد الخالق بن مطر بن عبد الرازق وإسماعيل ومحمد ابنا إبراهيم ابن قاسم ... ، وعبد الله بن محمد بن عبد المنعم، وذلك في العشر الأوسط من المحرم سنة سبع وستين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

(1/381)


جـ - موضوع الكتاب:
يتضح من اسم الكتاب: (اعتقاد أئمة أهل الحديث) الذي أشار إليه المؤلف في آخر الكتاب، فقد ذكر فيه المؤلف عقيدة السلف أئمة السنة التي تمسك بها من مضى منهم ودعوا الناس إليها ونهوا عما يضادها ويقدح فيها، ووالوا في إتباعها، وعادوا فيها وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها، فهذا الكتاب يحتوي على عرض جملة عقائد أئمة الحديث والسنة من السلف الصالح. وهو ليس وحيداً في بابه، بل إن علماء من السلف أهل الحديث ألفوا كتباً كثيرة في هذا الصدد وأطلقوا على الكثير منها اسم (السنة) ، أو أصول (السنة) ، أو (صريح السنة) ، أو (شرح السنة) ، أو (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) ، ومن ذلك إطلاق الحافظ الذهبي على هذا الكتاب اسم (اعتقاد السنة) ... فيستعملون لفظ السنة فيما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون من بعدهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين من السلف الصالح من اعتقادات، ومن هذا الباب قول الشافعي - رحمه الله تعالى-: "القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل: سفيان، ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله1.
ثم ذكر بعض مسائل الاعتقاد، وقول الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا وكفّ عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم"2.
وقول سفيان بن عيينة: "السنة عشر فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئاً فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان قول وعمل، والقرآن
__________
1 إثبات صفة العلو ص 180-181.
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 154.

(1/382)


كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم"1.
وقول شعيب بن حرب لأبي عبد الله سفيان الثوري: "حدَّثني بحديث من السُّنَّة ينفعني الله عزَّ وجلَّ به، فإذا وقفت بين يدي الله سبحانه وتعالى وسألني عنه فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا ربِّ حدّثني بهذا الحديث سفيان الثوري، وأخذت عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت، فقال: "يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد أكتب بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام الله غير مخلوق.." 2، ثم ذكر مسائل الاعتقاد.
وقول علي بن المديني: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره.." 3، ثم ذكر مسائل الاعتقاد.
وقول الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السُّنَّة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال والخصومات.."، وهذا الكتاب (اعتقاد أئمة أهل الحديث) من جنس الكتب المؤلفة في السُّنَّة وقد جمع فيه بين عرض عقيدة السلف أصحاب الحديث وبين الرد على فرق المبتدعة كالمرجئة والمعطلة وغيرهم.
د - منهج المؤلف:
جرى المؤلف في كتابه هذا على عرض عقيدة السلف أئمة الحديث بطريق الاختصار فلم يذكر فصولاً ولا أبواباً، بل يبدأ المسألة غالباً بقول: (يعتقدون) ، أو (يرون) ، أو (يثبتون) ، أو (يقولون) ، أو (يؤمنون) ، ثم بعد
__________
1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 155- 156.
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/151.
3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 165.

(1/383)


ذلك يذكر معتقدات أئمة السلف في المسألة ونستدل لها بنصوص القرآن والسُّنَّة وقد يقتصر على بعض الأدلة من القرآن اكتفاء بها عن غيرها، وقد يسوق بعض مسائل العقيدة مجرَّدة من الدليل، وقد يذكر خلاف العلماء في بعض المسائل كحكم تارك الصلاة أو مسمى الإيمان والإسلام، وبالجملة فهذا الكتاب قد حوى مجمل مسائل عقيدة السلف أصحاب الحديث.
ثانياً: وصف المخطوطة:
لقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة وحيدة وهي غير كاملة، فقد سقطت منها الصفحة الأولى، استدركتها من كتاب: ذمِّ التأويل لابن قدامة فقد ذكرها مروية بإسناده إلى المؤلف، والنسخة هذه التي اعتمدت عليها في التحقيق هي من رواية ابن قدامة نفسه، فمنها نقل ابن قدامة في كتابه ذم التأويل1 والنسخة الخطية مصورة عن نسخة محفوظة بدار الكتب الظاهرية بدمشق تبدأ بالورقة (38) وتنتهي بنهاية الورقة (43) وتقع في (10) صفحات وعدد الأسطر في كل صفحة ما بين (17) إلى (28) سطراً وفي كل سطر حوالي (15) كلمة كتبت بخط واضح وبها بعض الأخطاء، ولم يعتن الناسخ بوضع النقاط.
ثالثاً: المقارنة بين س كتابنا هذا (اعتقاد أئمة أهل الحديث) وكتاب (عقيدة السلف أصحاب الحديث) للصابوني:
في أثناء قراءة للكتابين لاحظت ما يلي:
1- أن هناك تشابهاً بين محتوى الكتابين وتقارباً بين عنوانهما.
أن هناك تشابهاً من حيث الموضوعات فنجد أن الاثنين قد طرقا نفس الموضوعات وبنفس الترتيب في بعض المواضيع وانفرد كتاب
__________
1 تقدم بيان سماع ابن قدامة في مبحث توثيق الكتاب إلى مؤلفه.

(1/384)


الإسماعيلي ببعض الموضوعات كما يلي:
وجوب لزوم مذهب أهل الحديث الفرقة الناجية، ودار الإسلام، وتعليم العلم، وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما كتاب الصابوني فانفرد عن كتاب الإسماعيلي بالمواضيع التالية:
موقف السلف من أخبار الصفات وعلامة أهل السنة وأهل البدع.
3- أن هناك بعض الموضوعات تكاد تكون متطابقة متماثلة مثل ما يأتي:
أ - جاء في كتاب الإسماعيلي ما يأتي؛ "ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن
كثرت طاعاته أزيد إيماناً ممن هو دونه في الطاعة"1.
وجاء في كتاب الصابوني ما يلي: "ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"2.
ب- وجاء في كتاب الإسماعيلي ما يلي: "واختلفوا في متعمدي ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر، فكفّره جماعة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "بين العبد وبين الكُفر ترك الصلاة" 3، وقوله: "من ترك الصلاة فقد كفر" 4. وقوله: "ومن ترك الصلاة فقد برئت منه ذمة الله " 5، وتأويل جماعة منهم بذلك من تركها جاحداً لها كما قال يوسف عليه السلام: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 6، ترك جحود الكفر"7.
__________
1 ص (63-64) .
2 ص (67) .
3 سوف يأتي تخريج هذه الأحاديث.
4 سوف يأتي تخريج هذه الأحاديث.
5 سوف يأتي تخريج هذه الأحاديث.
6 سورة يوسف الآية (37) .
7 ص 64.

(1/385)


وجاء في كتاب الصابوني ما يأتي؛ "اختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمداً، فكفّره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف وأخرجوه من الإسلام بالخبر الصحيح المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "بين العبد والشِّرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر".
وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف "إلى أنه لا يكفر به ما دام معتقداً لوجوبها وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام. وتأول الخبر من ترك الصلاة جاحداً كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام أنه قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1، ولم يكن تلبس بكفر فارقه ولكن ما تركه جاحداً له"2.
ج - وجاء في كتاب الإسماعيلي ما يلي: "وأن في الدنيا سحراً وسحرة، وأن السحر واستعماله كُفْر من فاعله معتقداً له نافعاً ضاراً بغير إذن الله"3.
وجاء في كتاب الصابوني: "ويشهدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله.. ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر بالله تعالى"4.
4- يمتاز كتاب الصابوني (عقيدة السلف أصحاب الحديث) بأنه يسند الأحاديث التي يستدل بها بخلاف الإسماعيلي، فيذكر الأحاديث مستدلاً بها بدون أن يسندها.
5- يمتاز كتاب الصابوني عن كتاب الإسماعيلي بكثرة استشهاده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار المروية عن السلف.
6 - عندما يقتبس الصابوني من غيره يصرّح باسم من نقل عنه، فيقول مثلاً:
__________
1 سورة يوسف الآية (37) .
2 ص (74-75) .
3 ص (78) .
4 ص (96) .

(1/386)


"قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد"، ويقول: "وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى – رحمه الله – في كتابه الاعتقاد) .
وأحياناً لا ينسب القول الذي يقتبسه إلى قائله صراحة بل يصدره بقيل.
أما الإسماعيلي فلا يصرح باسم من نقل عنه فالحاصل أن هذين العالمين تصديا لتقرير عقيدة السلف أهل الحديث، وقد عاشا في عصرين مختلفين، توفي الإسماعيلي سنة 371 هـ، وتوفي الصابوني سنة 449 هـ. فما بين وفاتيهما (78 سنة) فاستفاد المتأخر من كتاب المتقدم واقتبس منه ما نسب.

(1/387)


"وقال ابن قدامة أخبرنا1 الشريف أبو العباس مسعود بن عبد الواحد بن مطر الهاشمي2 قال: أنبأ الحافظ3 أبو العلا4 صاعد بن يسار5 الهروي6 7 أنبأ أبو الحسن8 علي بن محمد الجرجاني، أنبأ أبو القاسم9 حمزة10 بن يوسف السهمي، أنبأ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي11 قال:
["أصول الاعتقاد عند أهل الحديث"] :
1-اعلموا رحمنا12 الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى13.
وصحت14 به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا معدَّل عن ما وردا به ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين بإتباع الكتاب والسنة، مضموناً لهم الهدى فيهما، مشهوداً لهم بأن نبيهم صلى الله عليه وسلم، يهدي إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم15.
__________
1 في كتاب العلو: (أنبأنا) .
2 في كتاب العلو: (مسعود بن عبد الرحمن الهاشمي) .
3 سقطت كلمة: (الحافظ من كتاب العلوم) .
4 سقطت كلمة: (أبو العلا) من كتاب العلو.
5 في كتاب العلو: (سيار) .
6 سقطت كلمة: (الهروي) من كتاب العلو.
7 في كتاب العلو: (الحافظ) .
8 سقطت كلمة: (أبو الحسن) من كتاب العلو.
9 سقطت كلمة: (أبو القاسم) من كتاب العلو.
10 في كتاب العلو: (يوسف بن حمزة الحافظ) .
11 في كتاب العلو: (الإسماعيلي بكتاب اعتقاد السنة له) .
12 في كتاب العلو: (رحمكم الله) .
13 سقطت كلمة: (تعالى) من كتاب العلو.
14 في كتاب العلو: (وما صحت) .
15 سقط ما بين كلمة: (ولا سبيل إلى رده) إلى كلمة: (العذاب الأليم) من كتاب العلو.

(1/395)


["القول في الأسماء والصفات"] :
2 - ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف1 بصفاته التي سمّى2 و3 وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم4، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء5 بلا اعتقاد كيف، وأنه عزّ وجلّ6، استوى على العرش7، بلا كيف فإن8 الله تعالى9 انتهى10 من ذلك11 إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه.
["ذكر بعض خصائص الربوبية"] :
3- وأنه مالك خلقه وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعّال لما يشاء ويحكم ما يريد لا يُسأل عمّا يفعل، والخلق مسؤولون عما يفعلون.
["إثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى"] :
4- وأنه مدعو بأسمائه، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، وسمّاه ووصفه بها نبيه عليه الصلاة والسلام، لا يعجزه
__________
1 في كتاب العلو: (الحسنى موصوف) .
2 سقطت كلمة (سمى) من كتاب العلو.
3 الواو ساقطة من كتاب العلو.
4 سقطت كلمة صلى الله عليه وسلم من كتاب العلو.
(ينفق كيف يشاء) سقطت من كتاب العلو.
6 وأنه عز وجل سقطت من كتاب العلو.
7 المثبت ما بين القوسين من كتاب ذم التأويل لابن قدامة.
8 في كتاب العلو. (فإنه) .
9 سقطت كلمة: (الله تعالى) من كتاب العلو.
10 في كتاب ذم التأويل: (أنهى) .
11 سقطت من كتاب ذم التأويل وكتاب العلو.

(1/396)


شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة، فإنه عز وجل تعالى عن ذلك.
["إثبات صفة اليدين"] :
5- وخلق آدم عليه السلام بيده ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف.
6- ولا يعتقد فيه الأعضاء، والجوارح، ولا الطول، والعرض، والغلظ، والدقة1، ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذو الجلال والإكرام.
7- ولا يقولون إن أسماء الله عز وجل كما تقوله المعتزلة2
__________
1 هذه الكلمات ليست من الألفاظ المعروفة عند أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة بل هي من الكلمات المخترعة المبتدعة والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية هو سبيل أهل السنة والجماعة فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ ولا التعويل عليها وما كان أغنى الإمام المصنف رحمه الله تعالى عن مثل هذه الكلمات المبتدعة فإن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت العظمة والجلال وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائنا من كان والقاعدة السلفية في مثل هذه الكلمات أنه لا يجوز نفيها ولا إثباتها إلا بعد التفصيل وتبيين مراد قائلها وكان على المؤلف أن يجمل في النفي غير أنه أراد بهذا النفي أن يسد الطريق على المعطلة لئلا يكون لهم مدخل في رمي أهل الحديث بالتشبيه، ولكنه بهذه العبارات فتح الباب لهم ليلزموا من إطلاقها بموافقتهم على نفي بعض الصفات الذاتية كالوجه واليدين فلو أمسك رحمه الله عن هذه العبارات لكان أجدى.
2 المعتزلة فرقة كلامية إسلامية ظهرت في أول القرن الثاني الهجري وبلغت شأنها في العصر العباسي الأول ويرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل بأن مرتكب الكبيرة ليس كافراً ولا مؤمناً بل هو في منزلة بين المنزلتين ولما اعتزل واصل مجلس الحسن وجلس عمرو بن عبيد إلى واصل وتبعهما أنصارهما قيل لهم معتزلة أو معتزلون وهذه الفرقة تعتد بالعقل وتغلو فيه وتقدمه على النقل ولهذه الفرقة مدرستان رئيسيتان: إحداهما بالبصرة ومن أشهر رجالها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاف وإبراهيم النظام والجاحظ وأخرى ببغداد ومن أشهر رجالها بشر بن المعتمر وأبو موسى المردار وثمامة بن الأشرس وأحمد بن أبي دؤاد وللمعتزلة أصول خمسة يدور عليها مذهبهم هي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والرعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهم في هذه الأصول معان عندهم خالفوا فيها موجب الشريعة وجمهور المسلمين. انظر الفرق بين الفرق ص (117-120) ، التبصير في أصول الدين ص (37) الملل والنحل (1/ 46- 49) الخطط للمقريزي (2/ 245-246) .

(1/397)


والخوارج1 وطوائف من أهل الأهواء مخلوقة2.
["قولهم في صفة الوجه والسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام"] :
1- ويثبتون أن له وجهاً، وسمعاً، وبصراً، وعِلْماً، وقدرةً، وقوةً،
__________
1 الخوارج جمع خارجة أي فرقة خارجة: هم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة واشتهر بهذا اللقب جماعة خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ممن كان معه في حرب صفين وحملوه على قبول التحكيم ثم قالوا له لم حكمت بين الرجال لا حكم إلا الله. وسموا حرورية لإنحيازهم إلى حروراء بعد رجوعهم من صفين وعددهم يومئذ إثنا عشر ألفاً وقد ناظرهم علي رضي الله عنه فرجع بعضهم وقاتل الباقين حتى هزمهم.
وقد افترق الخوارج إلى عدة فرق يجمعهم القول بتكفير عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما وتكفير صاحب الكبائر والقول بالخروج على الإمام إذا كان جائراً. انظر الملل والنحل (1/114) ، والفرق بين الفرق ص (72-73) . ومقالات الإسلاميين (1/167) ومجموع الفتاوى (3/279) .
2 هذه من حماقات الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم وهي مبنية على قولهم بخلق القرآن قال الدارمي في الرد على المريسي ص (366) : "وقد كان للإمام المريسي في أسماء الله مذهب كمذهبه في القرآن كان القرآن عنده مخلوقاً من قول البشر لم يتكلم الله بحرف منه في دعواه وكذلك أسماء الله عنده من ابتداع البشر من غير أن يقول: "إنني أنا الله رب العالمين" إلى أن قال: "فهذا الذي ادعوا في أسماء الله أصل كبير من أصول الجهمية التي بنوا عليها محنتهم، وأسسوا بها ضلالاتهم غالطوا بها الأغمار والسفهاء" وشبهتهم: "إنهم لو أثبتوا لله تسعة وتسعين اسماً لأثبتوا تسعة وتسعين إلهاً" انظر شرح أصول الاعتقاد 2/215 قال الدارمي في الرد عيهم "أرأيتم قولكم: إن أسماء الله مخلوقة فمن خلقها؟ أو كيف خلقها؟ اجعلها أجساماً وصوراً تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء؟ أم موضعاً دونه في الهواء؟ فإن قلتم لها أجسام دونه فهذا ما تنقمه عقول العقلاء، وان قلتم خلقها على ألسنة العباد فدعوه بها، وأعاروها إياه، فهو ما ادعينا عليكم: إن الله كان بزعمكم مجهولاً لا اسم له حتى أحدث الخلق وأحدثوا له أسماء من مخلوق كلامهم فهذا هو الإلحاد بالله والتكذيب بها" قال: {الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} . كما يضيفه إلى {رب العالمين} ولو كان كما ادعيتم لقيل: الحمد لله رب العالمين المسمى الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. لذا كفرهم جماعة من السلف يقول إسحاق بن راهويه: "أفضوا: الجهمية إلى أن قالوا أسماء الله مخلوقة.. وهذا الكفر المحض.." شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/214) . وقال الإمام أحمد بن حنبل: "من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر" شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2/214) وقال خلف بن هشام المقري: "من قال إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس" شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/207) .

(1/398)


وعِزَّة، وكلاماً، لا على ما يقوله أهل الزيغ من المعتزلة1 وغيرها، ولكن كما قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} 2، وقال: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} 3، وقال: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} 4، وقال: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} 5، وقال: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} 6 وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} 7، وقال {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} 8.
فهو تعالى ذو العلم، والقوة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، كما قال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 9 {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} 10، وقال: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 11، قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} 12، وقال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 13.
__________
1 انظر مذهبهم في كتاب نهاية الإقدام ص 180-183 ولشرح الأصول الخمسة 201 وتلبيس الجهمية 1/605.
2 سورة الرحمن الآية (27) .
3 سورة النساء الآية (166) .
4 سورة البقرة الآية (255) .
5 سورة فاطر الآية (10) .
6 سورة الذاريات الآية (47) .
7 سورة فصلت الآية (15) .
8 سورة الذاريات الآية (58) .
9 سورة طه الآية (39) .
10 سورة هود الآية (37) .
11 سورة التوبة الآية (6) .
12 سورة النساء الآية (164) .
13 سورة يس الآية (82) .

(1/399)


["إثبات المشيئة"] :
9- ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون"، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 1.
["علم الله"] :
10- ويقولون لا سبيل لأحد أن يخرج عن عِلْم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله ولا أن يبدّل عِلم الله فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو والقادر لا يغلب.
["القرآن كلام الله"] :
11- ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصَرَّف بقراءة القارىء له وبلفظه ومحفوظاً في الصدور، متلواً بالألسن، مكتوباً في المصاحف، غير مخلوق، ومن قال2 بخلق3
__________
1 سورة التكوير الآية (29) .
2 في كتاب عقيد السلف أصحاب الحديث (من زعم) .
3 مسألة اللفظ بالقرآن اضطرب فيها أقوام من أهل الحديث والسنة قال ابن قتيبة في كتاب الاختلاف في اللفظ ص245: "ثم انتهى بنا القول إلى ذكر غرضنا من هذا الكتاب، وغايتنا من اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن وتشانئهم وإكفار بعضهم بعضاً. وليس ما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة ولا مما يوجب الوحشة. لأنهم مجموعون على أصل واحد وهو القرآن كلام الله غير مخلوق" وقال ابن القيم: "وأئمة السنة والحديث يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب والقرآن عندهم جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله" إلى أن قال: "البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفياً وإثباتاً على اللفظ) إلى أن قال: "والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد. فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني فمنع الإطلاقين وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل وأشبع الكلام في ذلك وفرق بين ما قام بالرب وما قام بالعبد وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهر القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله وسمعه محمد من جبرائيل". مختصر الصواعق (2/ 306، 310 -311) .
تنبيه: لقد زعم كثير من أهل الأهواء أن الإمام البخاري قال لفظي بالقرآن مخلوق ولكن بعد التحقيق تبين أن نسبة هذا القول للإمام البخاري رحمه الله من قبل شهادة الزور عليه وأنه براء من هذه المقالة ولقد صرح الإمام البخاري نفسه أن من قال إني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب علي.
قال محمد بن نصر: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: "من زعم أني قلت الفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله". فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: "ليس إلا ما أقول".
طبقات الحنابلة (1/277) ، سير أعلام النبلاء (12/457) وقال أبو عمر والخفاف: "أتيت البخاري فَناظرتُهُ في الأحاديث حتى طابت نفسه. فقلت: يا أبا عبد الله ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: "من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة" تاريخ بغداد (2/32) ، مقدمة فتح الباري (492) سير أعلام النبلاء (12/ 457 - 458) .
إذن الثابت عنه أنه قال أفعالنا مخلوقة فيدخل في هذا تلفظ القارئ بالقرآن وكتابة الكاتب لألفاظ القرآن وحفظ الحافظ للقرآن وجهر القارئ بالقرآن وحسن صوته وتغنيه بالقرآن فهي أمور مخلوقة لأنها من أفعال العباد، فهذا ما ذهب إليه رحمه الله، وهذا تفصيله في المسألة فتأمل.

(1/400)


اللفظ1 بالقرآن2 يريد به القرآن، فهو قد قال بخلق القرآن.
["أفعال العباد مخلوقة لله"] :
12 - ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله عز وجل، وأن أكساب3 العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويُضِل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عز وجل، ولا عذر كما قال الله عز وجل: {قُلْ
__________
1 في كتاب عقيد السلف أصحاب الحديث (أن لفظه) .
2 في كتاب عقيد السلف أصحاب الحديث (بالقرآن مخلوق) .
3 جمع كسب والكسب في اللغة بمعنى الجمع والكسب طلب الرزق قال ابن فارس: "وهو يدل على ابتغاء وطلب وإصابة" وقال سيبويه: "كسبه جمعه" أما معنى الكسب عند أئمة السنة فهو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر كما قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها انظر مجموع الفتاوى (8/387) ومعجم مقاييس اللغة (5/179) وتهذيب اللغة (10/79) والصحاح (1/212) وتاج العروس (1/455) .

(1/401)


فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 1، وقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} 2، وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ} 3، وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} 4، ومعنى (نبرأها) أي نخلقها بلا خلاف في اللغة، وقال مخبراً عن أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} 5، وقال: {لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً} 6، وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} 7.
["الخير والشر بقضاء الله"] :
13 - ويقولون إن الخير والشر والحلو والمُر، بقضاء من الله عز وجل، أمضاه وقدّره لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله عز رجل لا غنى لهم عنه في كل وقت.
["النزول إلى السماء الدنيا"] :
14- وأنه. 8 عزَّ وجل ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر9 عن
__________
1 سورة الأنعام الآية (149) .
2 سورة الأعراف الآية (29-30) .
3 سورة الأعراف الآية (179) .
4 سورة الحديد الآية (22) .
5 سورة الأعراف الآية (43) .
6 سورة الرعد الآية (31) .
7 سورة هود الآية (118-119) .
8 في كتاب عقيد السلف أصحاب الحديث (إن الله سبحانه) .
9 في كتاب عقيد السلف أصحاب الحديث على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وقال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} ونؤمن بذلك كله على ما جاء.

(1/402)


رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا اعتقاد كيف فيه1.
["رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة"] :
15 - ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله عز وجل في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباً له في الآخرة، كما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 2، وقال في الكفار: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 3.
فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا جميعهم عنه محجوبين وذلك من غير اعتقاد التجسيم4 في الله عز وجل ولا التحديد له ولكن يرونه جلَّ وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف.
["حقيقة الإيمان"] :
16 - ويقولون إن الإيمان قول وعمل5 ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ومن كثرت طاعته أزْيدُ إيماناً ممن هو دونه في الطاعة.
__________
1 في كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث (بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكم وكففنا عن الذي يتشابه إذ كنا قد أمرنا به في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} .
2 سورة القيامة الآيتان (22، 23) .
3 سورة المطففين الآية (15) .
4 التجسيم: من الألفاظ المجملة المحدثة التي أحدثها أهل الكلام فلم ترد في الكتاب والسنة ولم تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وما كان أغنى الإمام المصنف رحمه الله تعالى عن مثل هذه الكلمات المبتدعة فلذلك لا يجوز إطلاقها نفياً ولا إثباتاً فإن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله نفياً وإثباتاً. انظر مجموع الفتاوى (3/306) ، ومنهاج السنة (2/135) .
5 العمل قسمان عمل القلب وهو الإخلاص والنية وعمل الجوارح وهي الأعضاء ويدخل في ذلك اللسان إن كان عمله غير عملها فإن عمله الذكر والدعاء والثناء على الله.

(1/403)


["قوله في مرتكب الكبيرة"] :
17 - ويقولون إن أحداً من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين، لو ارتكب ذنباً أو ذنوباً كثيرة، صغائر، أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكُفر به ويرجون له المغفرة. قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 1.
["حكم تارك الصلاة عمداً"] :
18 - واختلفوا في متعمدي ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر، فكفّره جماعة2 لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "بين العبد وبين الكُفر ترك الصلاة" 3، وقوله "من ترك الصلاة فقد كفر" 4، "ومن ترك الصلاة فقد برأت منه ذمة
__________
1 سورة النساء الآية (48) .
2 منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل وابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء ومن التابعين إبراهيم النخعي وعبد الله بن المبارك وأيوب السختياني واسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم:
انظر المحلي لابن جزم (2/ 242) ومعالم السنن للخطابي (5/85) وكتاب الصلاة لابن القيم ص 37.
3 أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في رد الإرجاء (5/85) ح (4678) والترمذي كتاب الإيمان باب ما جاء في ترك الصلاة (5/13) ح (2620) وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء فيمن ترك الصلاة (1/342) ح (1078) .
جميعهم من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه".
4 أخرجه النسائي (1/231) والترمذي (2621) وابن ماجه (1079) وغيرهم بلفظ "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وهو حديث صحيح. وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (1/295) من حديث أنس بن مالك ولفظه: "من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر جهاراً".
قال الهيثمي: "رجاله موثوقون إلا محمد بن داود فإني لم أجد من ترجمه فقد ذكر ابن حبان في الثقات محمد بن أبي داود البغدادي فلا أدري هل هو هذا أم لا؟ ".
وأورده السيوطي في الجامع الصغير (58912) وقال عنه: "حديث صحيح" وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5/184) .

(1/404)


الله" 1. وتأول جماعة2 أنه يريد بذلك من تركها جاحداً لها، كما قال يوسف عليه السلام: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 3 جحود الكفر4.
["أقوال أهل العلم في الفرق بين الإسلام والإيمان"] :
19 - وقال كثير5 منهم6: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموماً إلى الآخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعاً مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر وإن7 ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم.
__________
1 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/253) ح (3023) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولفظه: "من ترك الصلاة متعمداً فقد برأت منه ذمة الله ورسوله" قال محقق الكتاب: "هو منقطع" وأخرجه أحمد كما في مجمع الزوائد (1/295) من طريق مكحول عن أم أيمن ولفظه: "من ترك الصلاة متعمداً فقد برأت منه ذمة الله ورسوله".
قال الهيثمي عنه: "رجاله رجال الصحيح إلا أن مكحولاً لم يسمع من أم أيمن" ورواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (1/295) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ولفظه: "من ترك الصلاة متعمداً فقد برأت منه ذمة الله عز وجل".
قال الهيثمي عنه: "فيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه".
2 كالشافعي وجماعة من أصحابه.
انظر كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (75) .
3 سورة يوسف الآية (37) .
4 معلوم أن نبي الله يوسف عليه السلام لم يكن تلبس بملة الكفر ولكن أعرض عن الكفر جاحداً له ومعلوم أن ترك الشيء لا يستلزم الوقوع فيه أولاً.
5 في كتاب جامع العلوم والحكم (قال كثير من أهل السنة والجماعة) .
6 كالخطابي وغيره.
7 كتاب جامع العلوم والحكم: (وإذا ذكر) .

(1/405)


وكثير منهم1 قالوا: الإسلام والإيمان واحد.
قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} 2.
فلو أن الإيمان غيرهُ لم يقبل، وقال: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 3، ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به، كما قال: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 4، وقال: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} 5. وهذا أيضاً دليل لمن قال هما واحد.
["الشفاعة والحوض والميزان والحساب"] :
20- ويقولون إن الله يخرج من النار قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين برحمته وإن الشفاعة حق وإن الحوض حق، والميزان حق، والحساب حق.
["ترك الشهادة لأحد من الموحدين بالجنة أو النار"] :
21- ولا يقطعون على أحد من أهل الملّة أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، لأن علم ذلك مغيب عنهم لا يدرون على ماذا يموت؟ أعلى
__________
1 منهم محمد بن نصر المروزي وسفيان الثوري والبخاري والمزني وابن عبد البر. انظر جامع العلوم والحكم ص170 وروي عن الشافعي انظر فتح الباري (1/ 114 - 115) .
2 سورة آل عمران الآية (85) .
3 سورة الذاريات الآية (35 - 36) .
4 سورة الحجرات الآية (14) .
5 سورة الحجرات الآية (17) .

(1/406)


الإسلام؟ أم على الكُفر؟.. ولكن يقولون إن مَن مات على الإسلام مجتنباً للكبائر والأهواء والآثام، فهو من أهل الجنة لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} 1، ولم يذكر عنهم ذنباً: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} 2، ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، بعينه بأنه من أهل الجنة، وصح له ذلك عنه، فإنهم يشهدون له بذلك إتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصديقاً لقوله.
["عذاب القبر"] :
22- ويقولون إن عذاب القبر حق، يعذب الله من استحقه إن شاء وإن شاء عفا عنه، قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} 3. فأثبت لهم ما بقيت الدنيا عذاباً بالغدو والعشي دون ما بينهما حتى إذا قامت القيامة عذبوا أشدَّ العذاب بلا تخفيف عنهم كما كان في الدنيا. وقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} 4 يعني قبل فناء الدنيا، لقوله تعالى بعد ذلك: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} 5 بيَّن أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة وفي معاينتنا اليهود والنصارى والمشركين في العيش الرغد والرفاهية في المعيشة ما يعلم به أنه لم يرد به ضيق الرزق في الحياة الدنيا لوجود مشركين6 في سعة من أرزاقهم، وإنما أراد به بعد الموت قبل الحشر.
__________
1 سورة البينة الآية (7) .
2 سورة البينة الآية (8) .
3 سورة غافر الآية (46) .
4 سورة طه الآية (124) .
5 سورة طه الآية (124) .
6 في النسخة الخطية (يا مشركين) .

(1/407)


["سؤال منكر ونكير"] :
23- ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} 1. وما ورد تفسيره2 عن النبي صلى الله عليه وسلم.
["ترك الخصومات والمراء في الدين"] :
24 -ويرون ترك الخصومات والمراء في القرآن وغيره لقول الله عز وجل: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا} 3، يعني يجادل فيها تكذيباً بها والله أعلم.
["خلافة الخلفاء الراشدين"] :
25 - ويثبتون خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، باختيار الصحابة إياه، ثم خلافة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه باستخلاف4 أبي بكر إياه، ثم خلافة عثمان رضي الله عنه باجتماع أهل الشورى وسائر5 المسلمين عليه عن أمر عمر، ثم خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ببيعة من بايع من البدرين عمّار بن ياسر، وسهل بن حنيف، ومن تبعهما من سائر الصحابة مع سابقته وفضله.
__________
1 سورة إبراهيم الآية (27) .
2 قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ..} أخرجه البخاري كتاب التفسير باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت (8/ 378) ح (4699) من طريق سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب.
3 سورة غافر الآية (4) .
4 قبل كلمة (باستخلاف) كلمات مطموسة هي: (لاجتماع أهل الشورى) . 5 في الأصل: (ساير) .

(1/408)


["المفاضلة بين الصحابة"] :
26 - ويقولون بتفضيل الصحابة الذين رضي الله عنهم وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} 1، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} 2.
ومن أثبت الله رضاه عنه لم يكن منه بعد ذلك ما يوجب سخط الله عز وجل ولم يوجب ذلك للتابعين إلا بشرط الإحسان، فمن كان من التابعين من بعدهم يتنقصهم لم يأت بالإحسان فلا مدخل له في ذلك.
["قوله فيمن يبغض الصحابة"] :
27 - ومن غاظه مكانهم من الله فهو مخوف عليه ما لا شيء أعظم منه لقوله عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} 3 إلى قوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} 4، فأخبر أنه جعلهم غيظاً للكافرين، وقالوا بخلافتهم لقول الله عز وجل {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} 5، فخاطب بقوله: "منكم" من نزلت الآية وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم، على دينه فقال بعد ذلك: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ6 لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
__________
1 سورة الفتح الآية (18) .
2 سورة التوبة الآية (100) .
3 سورة الفتح الآية (29) .
4 سورة الفتح الآية (29) .
5 سورة النور الآية (55) .
6 {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} سقطت من النسخة الخطية.

(1/409)


خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} 1، فمكّن الله بأبي بكر وعمر وعثمان الدين، وعد الله آمنين يَغزون ولا يُغزون، يُخيفون العدو ولا يُخيفهم العدو. وقال عز وجل للذين تخلّفوا عن نبيه في الغزوة التي ندبهم الله عز وجل بقوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} 2، فلما لقوا النبي صلى الله عليه وسلم، يسألونه الإذن في الخروج للعدو فلم يأذن لهم، أنزل الله عز وجل: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً} 3، وقال لهم: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} 4 والذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحياء خوطبوا بذلك لما تخلفوا عنه وبقي منهم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما أوجب لهم بطاعتهم إياهم الأجر وبترك طاعتهم العذاب الأليم إيذانا من الله عز وجل بخلافتهم رضي الله عنهم، ولا جعل في قلوبنا غلاّ لأحدٍ منهم فإذا أثبتت خلافة واحد منهم انتظم منها خلافة الأربعة.
__________
1 سورة النور الآية (55) .
2 سورة التوبة الآية (83) .
3 سورة الفتح الآية (15) .
4 سورة الفتح الآية (16) .

(1/410)


["الجمعة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً"] :
28 - ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، فإن الله عز وجل فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضا مطلقا، مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتاً دون وقت، ولا أمراً بالنداء للجمعة دون أمر.
["الجهاد مع الأئمة وإن كانوا جورة"] :
29 - ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم، ولا قتال في الفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العادل، إذا كان ووجد على شرطهم في ذلك
["دار الإسلام"] :
30- ويرون الدار دار الإسلام لا دار كفر، كما رأته المعتزلة ما دام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين.
["أعمال العباد لا توجب لهم الجنة إلا بفضل الله"] :
31 - ويرون أن أحداً لا يخلص له الجنة وإن عمل أي عمل إلا بفضل الله ورحمته التي يخصّ بهما من يشاء، فإن عمله للخير وتناوله الطاعات إنما كان عن فضل الله الذي لو لم يتفضل به عليه لم يكن لأحد على الله حجة ولا عذر، كما قال الله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} 1، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ
__________
1 سورة النور الآية (21) .

(1/411)


إِلا قَلِيلاً} 1، وقال: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} 2.
["تقدير الآجال"] :
32- ويقولون إن الله عز وجل أجَّل لكل حي مخلوق أجلاً هو بالغه، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وإن مات أو قُتل فهو عند انتهاء أجله المسمّى له، كما قال الله عز وجل: " {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} 3.
["الرزاق هو الله"] :
33- وإن الله تعالى يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو يضمنه الله لمن أبقاه من خلقه، وهو الذي رَزَقَه من حلال أو من حرام، وكذلك رزق الزينة الفاضل عمَّا يحيا به.
["الله خالق الشياطين ووساوسهم"] :
34 - ويؤمنون بأن الله تعالى خلق شياطين توسوس للآدميين ويخدعونهم ويغرونهم وأن الشيطان يتخبط الإنسان4.
["السحر والسحرة"] :
35- وأن في الدنيا سحراً وسحرة، وأن السحر واستعماله كفر من فاعله معتقداً له نافعاً ضاراً بغير إذن الله.
__________
1 سورة النساء الآية (83) .
2 سورة آل عمران الآية (74) .
3 سورة آل عمران الآية (154) .
4 كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} سورة البقرة (275) .

(1/412)


["مجانبة البدعة"] :
36 - ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر، والتكبّر، والعجب، والخيانة، والدغل1 والاغتيال والسعاية2، ويرون كفّ الأذى وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهو يدعو إليها، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم.
["تعلم العلم "] :
37- ويرون تعلّم العلم وطلبه من مظانه، والجد في تعلّم القرآن وعلومه، وتفسيره، وسماع سُنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وجمعها والتفقه فيها، وطلب آثار أصحابه.
["الكف عن الصحابة"] :
38 - والكفّ عن الوقيعة فيهم وتأول القبيح عليهم، ويكلونهم فيما جرى بينهم على التأويل إلى الله عز وجل.
["لزوم الجماعة"] :
39 - مع لزوم الجماعة والتعفف في المأكل والمشرب والملبس، والسعي في عمل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإعراض عن الجاهلين حتى يعلموهم ويبينوا لهم الحق ثم الإنكار والعقوبة من بعد البيان، وإقامة العذر بينهم ومنهم.
["وجوب لزوم مذهب أهل الحديث الفرقة الناجية"] :
40- هذا أصل الدين والمذهب، واعتقاد أئمة أهل الحديث، الذين لم
__________
1 هو الذي يبغي الشر. انظر تهذيب اللغة (8/71) .
2 الوشاية والنميمية بين الناس.

(1/413)


تشنهم بدعة، ولم تلبسهم فتنة، ولم يخفوا إلى مكروه في دين، فتمسّكوا معتصمين بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا عنه، واعلموا أن الله تعالى أوجب محبته ومغفرته لمتبعي رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه، وجعلهم الفرقة الناجية والجماعة المتبعة، فقال عز وجل لمن ادّعى أنه يحب الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} 1 نفعنا الله وإياكم بالعلم، وعصمنا بالتقوى من الزيغ والضلالة بمَنِّة ورحمته..
__________
1 سورة آل عمران الآية (31) .

(1/414)