أشراط الساعة

 [المطلب السابع الدخان الذي يكون في آخر الزمان]
[المسألة الأولى الأدلة من الكتاب والسنة]
المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان من علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة. والكلام على هذه العلامة يتضمن المسائل التالية:
المسألة الأولى: الأدلة من الكتاب والسنة قال تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ - أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} [الدخان: 10 - 13] (1) .
أما الأدلة من السنة على هذا الأمر فهي كثيرة:
منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري المتقدم، قال: «اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذاكرون "؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان والدجال والدابة. . .» الحديث (2) .
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال. . .» الحديث (3) .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية: الدابة، والثالثة: الدجال» (4) .

[المسألة الثانية اختلاف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث]
_________
(1) سورة الدخان، الآيات: 10 - 13.
(2) تقدم تخريجه ص 148.
(3) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2267) .
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره عن أبي مالك الأشعري (15 / 114) وذكره ابن كثير في تفسيره (4 / 138) وقال: رواه ابن جرير الطبري وإسناده جيد، وذكر ابن حجر رواية الطبري عن أبي مالك وابن عمر وقال: (إسنادهما ضعيف أيضا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا) . فتح الباري (8 / 436) .

(1/157)


لقد اختلف العلماء - رحمهم الله - في المراد بالدخان الوارد في الآية والأحاديث المتقدمة على قولين:
1 - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتبعه جماعة من السلف ورجحه ابن جرير الطبري رحمه الله (1) .
وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (2) - رحمه الله - قال: «كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام " فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: " يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ " (3) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف " (4) قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوعِ، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان» (5) . وقال ابن مسعود أيضا: «خمس قد مضين:
_________
(1) انظر: تفسير الطبري (25 / 113، 114) ، وتفسير البغوي (4 / 149 - 150) ، وتفسير القرطبي (16 / 131) ، وتفسير ابن كثير (4 / 124 - 125) .
(2) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمذاني، الوادعي، الكوفي، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم، ثقة عابد، أخرى له الستة، توفي سنة 63 هـ.
سير أعلام النبلاء (4 / 63) ، تهذيب التهذيب (ص 10 / 109) .
(3) سورة ص، الآية: 86.
(4) هذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على كفار مكة بأن يبعث الله عليهم سجع سنين مجدبة كالتي في زمن يوسف عليه السلام التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير (6 / 40) ، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقات: (4 / 2156) .

(1/158)


اللزام (1) والروم (2) والبطشة (3) والقمر (4) والدخان» (5) .
2 - وذهب كثير من العلماء سلفا وخلفا إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم وغيرهم، وكثير من التابعين.
وقد رجح الحافظ ابن كثير - رحمه الله - هذا، مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان) ، وبغيرها من الأحاديث، وأيضا بما أخرجه ابن جرير وغيره عن عبد الله بن أبي مليكة (6) قال: غدوت على ابن عباس - رضي الله عنهما - ذات يوم فقال: " ما نمت البارحة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (7) .
قال ابن كثير - رحمه الله - بعد ذكره لهذا الأثر: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها
_________
(1) اللزام: هو ما جاء في قوله تعالى: " فقد كذبتم فسوف يكون لزاما " سورة الفرقان، الآية 77. أي يكون عذابا لازما نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر. انظر: تفسير البغوي (3 / 380) ، وتفسير ابن كثير (3 / 330) ، وشرح صحيح مسلم للنووي: (17 / 143) .
(2) إشارة إلى قوله تعالى: " الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " سورة الروم، الآيات (1 - 3) .
(3) إشارة إلى قوله تعالى: " يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ " سورة الدخان، الآية: 16.
(4) إشارة إلى قوله تعالى: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ " سورة القمر، الآية: 1.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، (6 / 41) ، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقين (4 / 2157) .
(6) هو الإمام الجليل أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، أحد تلامذة ابن عباس - رضي الله عنهما - كان قاضيا ومؤذنا لعبد الله بن الزبير، وكان ثقة فاضلا كثير الحديث، روى عن العبادلة الأربعة وأدرك ثلاثين من الصحابة، توفي سنة 117هـ. انظر: مشاهير علماء الأمصار (82) ، وسير أعلام النبلاء (5 / 88) .
(7) أخرجه ابن جرير في تفسيره (15 / 113) ، وذكره ابن كثير في تفسيره (4 / 125) .

(1/159)


التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] أي بين واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: {يَغْشَى النَّاسَ} [الدخان: 11] وقوله تعالى: {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا " (1) .
3 - وقد ذهب بعض العلماء (2) إلى الجمع بين هذه الآثار بأن قالوا هما دخانان ظهر أحدهما وبقي الآخر الذي سيقع في آخر الزمان، فأما الآية الأولى التي ظهرت فهي ما كانت قريش تراه كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة.
قال القرطبي - رحمه الله -: قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: " هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه " (3) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله -: " وبعد فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح " (4) .
وقال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار " (5) .
ولا شك أن الجمع هو أفضل الطرق ولا منافاة بين الرأيين حينئذ - والله تعالى أعلم، ورد العلْم إليه أسلم.
_________
(1) تفسير ابن كثير (4 / 125 - 140) ، وانظر: النهاية في الفتن والملاحم له (1 / 172) بتحقيق د / طه زيني.
(2) انظر: التذكرة القرطبي (655) ، وشرح صحيح مسلم (18 / 27) .
(3) التذكرة (655) .
(4) تفسير الطبري (25 / 114 - 115) .
(5) شرح صحيح مسلم للنووي (18 / 28) .

(1/160)