زاد المعاد - الجزء الثالث

 فصل فى غزوة حُنَيْن وتُسمى غزوة أوطاس

فصل: فى غزوة حُنَيْن وتُسمى غزوة أوطاس
وهما موضعان بينَ مكة والطائف، فسُمِّيت الغزوةُ باسم مكانها، وتُسمى غزوةَ هَوازن، لأنهم الذين أَتَوْا لِقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هَوازِنُ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فتح اللهُ عليه مِن مكة، جمعها مالكُ بنُ عوف النَّصْرى، واجتمع إليه مع هَوازِن ثقيفٌ كُلُّها، واجتمعت إليه مُضَرُ وجُشَمُ كُلُّها، وسعدُ بن بكر، وناسٌ من بنى هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قَيْس عَيلان إلا هؤلاء،

 

ص -466-   ولم يحضُرْهَا مِن هَوازِن: كعبٌ، ولا كِلاب، وفى جشم: دريدُ بنُ الصِّمة، شيخ كبير ليس فيه إلا رأيُهُ ومعرفتُه بالحرب، وكان شجاعاً مجرَّباً، وفى ثقيف سيِّدَانِ لهم، وفى الأحلاف: قاربُ بن الأسود، وفى بنى مالك: سُبيع بن الحارث وأخوه أحمر ابن الحارث، وجِماعُ أمر الناس إلى مالك بن عوف النَّصْرى، فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساق مع الناس أموالَهم ونساءَهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناسُ وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمة، فلما نزل قال: بأى واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نِعْمَ مَجَالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضِرْس، ولا سَهْلٌ دَهْسٌ، مالى أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصبى، ويُعار الشاء؟ قالوا: ساق مالِكُ بن عوفٍ مع الناسِ نِساءَهُم وأموالَهم وأبناءهم. قال: أَيْنَ مالك؟ قيل: هذا مالك، ودُعى له. قال: يا مالك ؛ إنك قد أصبحتَ رئيسَ قومك، وإن هذا يومٌ كائن له ما بعده من الأيام، مالى أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعار الشاء؟، قال: سقتُ مع الناس أبناءهم، ونساءَهم، وأموالَهم. قال: ولِمَ؟ قال: أردتُ أن أجعل خلفَ كُلِّ رجل أهلَه وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعى ضأنٍ واللهِ، وهل يردُّ المنهزمَ شىء، إنها إن كانت لك لم ينفعْك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليكَ، فُضِحْتَ فى أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكِلاب؟ قالوا: لم يشهدْها أحدٌ منهم. قال: غاب الحَدُّ

 

 

ص -467-   والجِدُّ، لو كان يوم علاءٍ ورِفعة، لم تَغِبْ عنه كعبٌ ولا كِلاب، ولوَدِدْت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌ وكلاب، فمَن شهدها منكم؟ قالوا: عَمْرو بن عامر، وعَوْف بن عامر، قال: ذَانِكَ الجَذَعَانِ من عامر، لا ينفعان ولا يضران. يا مالك ؛ إنك لم تصنع بتقديم البَيْضةِ بَيْضةِ هَوازِن إلى نحورِ الخيل شيئاً، ارفعهم إلى مُتمنَّع بلادهم وعُليا قومهم، ثم الق الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك، لحقَ بك مَنْ وراءَك، وإن كانت عليك، ألْفاك ذلك، وقد أحرزتَ أهلك ومالك. قال: واللهِ لا أفعلُ، إنك قد كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقلُكَ، واللهِ لتُطِيعُنَّنى يا معشَرَ هَوازِن، أو لأتَّكئِنَّ على هذا السيف حتى يخرُجَ مِن ظهرى، وكره أن يكون لِدُريد فيها ذِكر ورأى، فقالوا: أطعناك، فقال دُريد: هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنى.

 يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذَعْ     أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ

 أقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ     كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ

ثم قال مالك للناس: إذا رأيتمُوهم فاكسروا جُفون سيوفكم، ثم شُدُّوا شدةَ رجل واحد.. وبعث عيوناً مِن رجاله، فأَتَوْه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رِجالاً بيضاً على خيل بُلقٍ، واللهِ ما تماسكنا أن أصابَنَا ما ترى، فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه

 

ص -468-   أن مَضَى على ما يُريدُ.
ولما سمع بهم نبىُّ الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم عبد الله بن أبى حَدْرَدٍ الأسلمى، وأمره أن يدخُل فى الناس، فيُقيم فيهم حتى يعلَم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبى حدرد، فدخل فيهم حتى سمِعَ وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَمِعَ مِن مالك وأمر هوازن ما هُم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر
فلما أجمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هَوازِن، ذُكِرَ له أن عند صفوان بنِ أُمية أدراعاً وسلاحاً، فأرسل إليه، وهو يومئذ مشرك، فقال: يا أبا أُمية ؛ أعِرْنا سِلاحك هذا نلقى فيه عدونا غداً، فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟ قال: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إلَيْكَ"، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة دِرع بما يكفيها مِن السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيَهم حملها، ففعل.
ثم خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معه ألفانِ مِن أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، وكانوا اثنى عشر ألفاً، واستعمل عتَّابَ بن أسيد على مكة أميراً، ثم مضى يُريد لقاء هوازن.
قال ابن إسحاق: فحدَّثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن ابن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادى حُنَيْن، انحدرنا فى وادٍ من أودية تِهامة أجوفَ حَطُوط، إنما ننحدر فيه

 

ص -469-   انحداراً. قال: وفى عَماية الصبح، وكان القومُ قد سبقونا إلى الوادى، فكَمَنُوا لنا فى شِعابه وأحْنائه ومضايقه، قد أجمعوا، وتهيؤوا، وأعدوا فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائبُ، قد شدُّوا علينا شَدَّةَ رجل واحد، وانشمر الناسُ راجعين لا يَلْوِى أحدٌ منهم على أحد،وانحازرسولُ الله صلىالله عليه وسلم ذاتَ اليمين، ثم قال: "إلى أيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمَّ إلىَّ، أنا رَسُولُ الله، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله"، وبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفَرٌ من المهاجرين والأنصارِ وأهلِ بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته: على والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه، والفَضل بن العباس، وربيعةُ بن الحارث، وأُسامةُ بن زيد، وأيمن ابن أُم أيمن، وقُتِلَ يومئذ. قال: ورجل من هَوازِن على جمل له أحمر بيده راية سوداء فى رأس رُمح طويل أمامَ هَوازِن، وهَوازِنُ خلفه، إذا أدرك، طعن برمحه، وإذا فاته الناسُ، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك إذ أهوى عليه على بن أبى طالب، ورجل من الأنصار يُريدانه، قال: فأتى على منْ خَلْفِهِ، فضرب عرقوبى الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصارىُّ على الرجل، فضربه ضربةً أطن قدَمه بنصف ساقه، فانجعفَ عن رحله، قال: فاجتلد الناسُ، قال: فواللهِ ما رجعت راجعةُ الناس مِن هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون، ورأى مَن كان مَع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن جُفاة أهل مكة الهزيمة، تكلَّم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضِّغنِ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهُم دونَ البحر، وإن الأزلامَ لمعه فى كِنانته، وصرخ جَبَلَة بن الحنبل وقال ابن هشام:

 

ص -470-   صوابه كَلَدَة: ألا بطل السِّحْرُ اليوم، فقال له صفوانُ أخوه لأُمه وكان بعدُ مشركاً: اسكت فضَّ اللهُ فاك، فواللهِ لأن يَرُبَّنى رَجُلٌ مِن قريش، أحبُّ إلىَّ من أن يربَّنى رجلٌ مِن هَوازِن.
وذكر ابنُ سعد عن شيبة بن عُثمان الحَجَبى، قال: لما كان عامُ الفتح، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عَنوة، قلت: أسيرُ مع قريش إلى هَوازِن بحُنَيْن، فعسى إن اختلطوا أن أُصيب مِن محمد غِرَّة، فأثارَ منه، فأكون أنا الذى قمتُ بثأر قريش كُلِّها، وأقولُ: لو لم يبقَ مِن العرب والعجم أحد إلا اتبع محمداً، ما تبعتُه أبداً، وكنت مُرْصداً لما خرجتُ له لا يزدادُ الأمر فى نفسى إلا قوةً، فلما اختلط الناسُ، اقتحم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، فأصلتَ السيف، فدنوتُ أريدُ ما أريدُ منه، ورفعتُ سيفى حتى كِدتُ أشعره إياه، فرُفِعَ لى شُواظٌ مِن نار كالبرق كاد يمحشُنى، فوضعتُ يدى على بصرى خوفاً عليه، فالتفتَ إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادانى: "يَا شَيْبُ؛ ادْنُ مِنِّى" فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَمَسَحَ صَدْرِى، ثم قال:
"اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانَ" قال: فواللهِ لهو كان ساعتَئِذٍ أحبَّ إلىَّ مِنْ سمعى، وبصرى، ونفسى، وأذهبَ اللهُ ما كان فى نفسى، ثم قال: "ادْنُ فقاتِلْ"، فتقدمتُ أمامَه أضربُ بسيفى، الله يعلمُ أنى أحب أن أقيَه بنفسى كُلَّ شئ، ولو لقيتُ تلك الساعة أبى لو كان حياً لأوقعتُ به السيف، فجعلتُ ألزمُه فيمن لزمه حتى تراجعَ المسلمون، فكرُّوا كَرَّةَ رجل واحد، وقُرِّبَتْ بغلةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاستوى عليها، وخرج فى أثرهم حتى تفرَّقوا فى كُلِّ وجه، ورجع إلى معسكره، فدخل خِباءه، فدخلتُ عليه، ما دخل عليه أحدٌ غيرى حباً لرؤية وجهه، وسروراً به،

 

ص -471-   فقال: "يا شَيْبُ؛ الذى أرادَ اللهُ بكَ خَيْرٌ ممَّا أرَدْتَ لِنَفْسِك"، ثم حدَّثنى بكلِّ ما أضمرتُ فى نفسى ما لم أكن أذكره لأحد قط، قال: فقلتُ: فإنى أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنكَ رسولُ الله، ثم قلت: استغفر لى. فقال: "غَفَرَ اللهُ لَكَ".
وقال ابن إسحاق: وحدَّثنى الزُّهْرى، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس ابن عبد المطلب، قال: إنى لمعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم آخذٌ بِحَكَمَةِ بغلته البيضاء، قد شَجَرْتُها بها، وكنت امرءاً جسيماً شديدَ الصوت، قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: "إلى أيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ". قال: فلم أر الناس يَلْوُون على شىء، فقال: "يا عَبَّاسُ اصْرَخْ: يا مَعْشَر الأنْصَارِ، يَامَعْشَرَ أَصْحَاب السَّمُرَةِ"، فأجابوا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.قال: فيذهبُ الرجلُ ليثنى بعيرَه، فلا يقدِرُ على ذلك، فيأخذ دِرعه فيقذفها فى عُنُقه، ويأخذ سيفَه وقوسه وتُرسَه، ويقتحِمُ عن بعيره، ويُخلى سبيلَه، ويؤم الصوت حتى ينتهىَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلُوا النَّاس، فاقتتلُوا فكانت الدعوة أوَّلَ ماكانت: يا للأنصار، ثم خلصت آخراً: يا للخزرج، وكانوا صُبُرَاً عند الحرب، فأشرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ركائبه، فنظر إلى مُجْتَلَدِ القوم، وهم يَجْتَلِدُونَ، فقال: "الآنَ حَمِىَ الوَطيسُ" وزَاد غيره:

أنَا النَّبِىُّ لاَ كَذِبْ      أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ

وفى "صحيح مسلم": ثم أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَصيَاتٍ،فرمى بها فى وجوه الكُفَّارِ،ثم قال:"انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ"، فما هو إلا أن

 

ص -472-   رماهم، فما زِلْتُ أرى حَدَّهُم كليلاً، وأمرَهم مُدْبِرَاً.
وفى لفظ له: إنه نزل عن البغلة، ثم قبضَ قبضة مِن تُراب الأرض، ثم استقبل بها وجوهَهم، وقال: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فما خلق اللهُ منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولَّوا مدبرين.
وذكر ابن إسحاق عن جُبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمةِ القوم، والناس يقتتلون يومَ حُنَيْنٍ مثلَ البَجادِ الأسود، أقبل مِن السماء حتى سقط بيننا وبينَ القوم، فنظرتُ فإذا نمل أسودُ مبثوث قد ملأ الوادى، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فلم أشك أنها الملائكة.
 قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف، ومعهم مالكُ بن عَوْف، وعسكر بعضُهم بأوطاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى آثار مَن توجَّه قِبل أوطاس أبا عامر الأشعرىَّ، فأدرك مِن الناس بعضَ مَن انهزم، فناوشُوه القِتَال، فرُمِى بسهم فقُتِل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى، وهو ابن أخيه، فقاتلهم، ففتح الله عليه، فهزمهم اللهُ، وقتل قاتل أبى عامر، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعُبَيْدٍ أبى عَامِرٍ وَأَهْلهِ، واجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ" واستغفر لأبى موسى.
ومضى مالكُ بن عوف حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالسَّبْى والغنائمِ أن تُجْمَعَ فَجُمِعَ ذلكَ كُلُّهُ، ووجَّهوه إلى الجِعْرَانَةِ،

 

ص -473-   وكان السَّبىُ ستةَ آلاف رأس، والإبلُ أربعةً وعشرين ألفاً، والغنم أكثرَ من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أُوقية فضة، فاستأنى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدَموا عليه مسلمين بِضْعَ عشرة ليلة
ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلَّفةَ قلوبُهم أوَّلَ الناسِ، فأعطى أبا سفيان بنَ حرب أربعين أُوقية، ومائةً من الإبل، فقال: ابنى يزيد؟ فقال: "أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائةً مِنَ الإبل"، فقال: ابنى معاوية؟ قال: "أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَمِائَةً من الإبل"، وأعطى حكيم بن حِزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أُخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفى خمسين، وذكر أصحاب المائة وأصحاب الخمسين وأعطى العباسَ بن مرداس أربعين، فقال فى ذلك شعراً، فكمَّل له المائة.
ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاءِ الغنائم والناس، ثم فضَّها على الناس، فكانت سهامُهم لكل رجل أربعاً من الإبل وأربعينَ شاة، فإن كان فارساً أخذ اثنى عشر بعيراً وعشرين ومائة شاة.
قال ابن إسحاق: وحدَّثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبى سعيد الخدرى قال: لما أعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى مِن تلك العطايا فى قريش، وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شىء، وَجَدَ هذا الحىُّ من الأنصار فى أنفسهم، حتى كَثُرت فيهم القالةُ، حتى قال قائلُهم: لقى واللهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قومَه، فدخل عليه سعدُ بنُ عبادة، فقال: يا رسول الله؛ إن هذا الحىَّ من الأنصار قد وَجَدوا عليك فى أنفسهم لِما صنعتَ فى هذا الفئ الذى أصبتَ، قسمتَ فى قومك، وأعطيتَ عطايا عِظاماً فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحىِّ من الأنصار

 

ص -474-   منها شىء. قال:
"فأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ"؟ قال: يا رسولَ الله؛ ما أنا إلا مِن قومِى. قال: "فاجْمَعْ لى قَومَكَ فى هذِهِ الحَظِيرَةِ" قال: فجاء رجالٌ من المهاجرينَ، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا، أتى سعدٌ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحىُّ من الأنصار، فأتاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ؛ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنى عَنْكُم، وجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فى أَنْفُسِكُمْ، ألَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَداكُم اللهُ بى، وعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بى، وأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبكُم"؟ قالوا: الله ورسولُه أمَنُّ وأفضلُ، ثم قال: "أَلاَ تُجيبُونى يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ"؟ قالوا: بماذَا نجيبُك يا رسولَ الله، للهِ ولِرسُولِه المنُّ والفَضْلُ؟ قال:
"أَمَا واللهِ لَوْ شِئْتُم، لَقُلْتُم، فَلَصَدَقْتُم ولَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ، ومَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيداً فآوَيْنَاكَ، وعائِلاً فآسيناكَ، أَوجَدْتم علىَّ يَا مَعْشَرَ الأنْصارِ فى أَنْفُسِكُم فى لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قوماً لِيُسْلِمُوا، وَوكَلْتُكُم إلى إسْلامِكُم، ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاء والبَعير، وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله إلى رحالِكم، فَوالَّذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَمَا تَنْقَلِبُون بِهِ خيرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، وَلَوْلا الهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرُءاً مِن الأنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً وَوَادياً، وسَلَكَت الأنصار شِعْباً وَوَادياً لَسَلكْتُ شِعْبَ الأنْصارِ وواديها، الأنصارُ شِعَارٌ، والنَّاسُ دِثارٌ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصار، وأبناءَ أبناءِ الأنْصار".
 قال: فبكى القومُ حتَّى أخضلُوا لِحاهم، وقالوا: رَضينَا برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَسْمَاً وحظاً، ثم انصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّقوا.

 

ص -475-   وقدمت الشَّيماءُ بنت الحارث بن عبد العُزَّى أُختُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرّضاعة، فقالت: يا رسول الله؛ إنى أختُك مِن الرضاعة، قال: "وما علامَةُ ذلك"؟ قالت: عضَّةٌ عَضَضتنيها فى ظهرى، وأنا متورِّكَتُكَ. قال: فعرف رسولُ صلى الله عليه وسلم العلامة. فبسط لها ردائَهُ، وأجلسها عليه وخيَّرها، فقال: "إنْ أحْبَبْتِ الإقامَةَ فَعِنْدِى مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وإنْ أحْبَبْتِ أنْ أُمَتِّعَكِ فَتَرْجِعى إلى قَوْمِكِ"؟ قالت: بل تُمَتِّعنى وتردُّنى إلى قومى، ففعل، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غُلاما يقال له: "مكحول" وجارية، فزوجت إحداهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وقال أبو عمر: فأسلمت، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية، ونعما، وشاءً، وسماها حذافة. وقال: والشيماء لقب.
فصل
وقدم وفد هَوازِنَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أربعةَ عشر رجلاً، ورأسُهم زُهَيرُ بن صُرَد، وفيهم أبو بُرقان عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة،
 فسألوه أن يَمُُنَّ عليهم بالسَّبْى والأموال، فقال: "إنَّ
مَعِى مَنْ تَرَوْنَ، وإنَّ أحَبَّ الحَدِيث إلىَّ أصْدَقُهُ، فَأَبْنَاؤُكُم ونِسَاؤُكُمْ أحَبُّ إلَيْكُم أمْ أمْوَالُكُمْ"؟ قالوا: ما كنا نعدِلُ بالأحساب شيئاً فقال: "إذا صَلَّيْتُ الغَدَاةَ فَقُومُوا فقولوا: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى المُؤمِنينَ، ونَسْتَشْفِعُ بِالمُؤمنين إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَرُدُّوا عَلَيْنَا سَبْينَا"، فلما صلَّى الغداة،

 

ص -476-   قاموا فقالُوا ذلِكَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمَّا مَا كَانَ لى ولبنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَسْأَلُ لَكُمُ النَّاسَ"، فقال المهاجِرُونَ والأنصار: ما كان لنا فهو لِرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرعُ بنُ حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عُيينة بن حِصن: أما أنا وبنو فَزارة فلا، وقال العباسُ بنُ مرداس: أما أنا وبنُو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العباسُ بنُ مرداس: وهَّنتمونى، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ هؤلاء القَّوْمَ قَدْ جَاؤوا مُسْلِمِينَ، وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ سَبْيَهُم، وقَد خَيَّرْتُهم، فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأبناء والنِّساء شَيئاً، فمنْ كانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شئ، فَطَابَتْ نَفْسَهُ بأن يَرُدَّه، فسبيلُ ذلكَ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقِّهِ، فليردَّ عليهِمْ، ولَهُ بِكُلِّ فَرِيضَةٍ ستُّ فرائضَ منْ أوَّلِ ما يفئ اللهُ علينا"، فقال الناسُ: قد طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "إنَّا لا نعرِفُ مَنْ رَضِىَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَرْضَ، فارْجِعُوا حَتَّى يَرفَعَ إلينَا عرفاؤُكم أَمْرَكُم"، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم.
ولم يتخلف منهم أحد غير عُيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزاً صارت فى يديه، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم السَّبىَ قُبطية قُبطية.

 

 

ص -477-   فصل: فى الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنُّكت الحكمية
كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ قد وعد رسولَه، وهو صادقُ الوعد، أنه إذا فتح مكَّة، دخل النَّاسُ فى دينه أفواجاً، ودانت له العربُ بأسرها، فلما تمَّ له الفتحُ المبين، اقتضت حِكمتُه تعالى أن أمسك قلوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَهَا عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألَّبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لِيظهر أمرُ الله، وتمامُ إعزازه لرسوله، ونصره لدينه، ولِتكون غنائمُهم شكراناً لأهل الفتح، وليُظهرَ اللهُ سبحانه رسولَه وعِبادَه، وقهرَه لهذه الشَوْكة العظيمة التى لم يلق المسلمون مثلها، فلا يُقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك مِن الحكم الباهرة التى تلوحُ للمتأملين، وتبدو للمتوسمين
واقتضت حكمتُه سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارةَ الهزيمة والكسرة مع كثرة عَددهم، وعُددهم، وقوةِ شَوْكتهم لِيُطامِنَ رُؤوساً رُفِعت بالفتح، ولم تدخل بلدَه وحرمه كما دخله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واضعاً رأسه منحنياً على فرسه، حتى إنَّ ذقنه تكادُ تَمَسُّ سرجه تواضعاً لربه، وخضوعاً لعظمته، واستكانةً لعزَّته، أن أحلَّ له حَرَمهُ وبلده، ولم يَحِلَّ لأحد قبله ولا لأحد بعدَه، ولِيبين سُبحانه لمن قال: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ عن قِلَّةٍ" أن النصرَ إنما هو من عنده، وأنه مَن ينصرُه، فلا غالب له، ومَن يخذُله، فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذى تولَّى نصر رسوله ودينه، لا كثرتُكم التى أعجبتكم، فإنها لم تُغن عنكم شيئاً، فوليتُم مُدبرين، فلما انكسرت قلوبُهم، أُرسلت إليها خِلَعُ الجبر مع بَرِيدِ النصر،

 

 

ص -478-   فأنزل الله سكينتَه على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وقد اقتضت حكمتُه أن خِلَعَ النصر وجوائزَه إنما تفِيضُ على أهل الانكسار: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُون}[القصص: 6]
ومنها: أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائمَ مكة، فلم يغنمُوا منها ذهباً، ولا فضةً، ولا متاعاً، ولا سبياً، ولا أرضاً كما روى أبو داود، عن وهب ابن منبِّه، قال: سألتُ جابراً: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْح شَيْئاً؟ قال: لا. وكانوا قد فتحوها بإيجافِ الخيل والركاب، وهُم عشرةُ آلاف، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيشُ مِن أسباب القوة، فحرَّك سبحانَه قلوبَ المشركين لغزوهم، وقذفَ فى قلوبهم إخراجَ أموالهم، ونَعمهم، وشائهم، وسَبيهم معهم نُزُلاً، وضِيافةً، وكرامةً، لِحزبه وجنده، وتمَّمَ تقديرَه سبحانه بأن أطمعهم فى الظفر، وألاح لهم مبادئ النصر، ليقضى اللهُ أمراً كان مفعولاً، فلما أنزل اللهُ نصرَهُ على رسوله وأوليائه، وبردت الغنائمُ لأهلها، وجرت فيها سهامُ الله ورسوله، قيل: لا حاجةَ لنا فى دمائكم، ولا فى نسائكم وذراريكم، فأوحى اللهُ سبحانه إلى قلوبهم التوبةَ والإنابةَ، فجاؤوا مسلمين. فقيل: إن مِن شُكْرِ إسلامِكم وإتيانكم أن نَرُدَّ عَلَيْكُمْ نِسَاءَكُم وأَبْنَاءَكُم وَسَبْيَكُم، و{إن يَعْلَمِ اللهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[الأنفال: 70]

 

 

ص -479-   ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوةِ بدر، وختم غزوهم بغزوة حُنَيْن، ولهذا يُقْرَنُ بين هاتين الغزاتين بالذكر، فيقال: بدرٌ وحُنَيْن، وإن كان بينهما سبعُ سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين فى هاتين الغزاتين، والنبىُّ صلى الله عليه وسلم رمى فى وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طُفِئَت جمرةُ العرب لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فالأُولى:خوَّفتهم وكسرت مِن حَدِّهم، والثانية: استفرغت قواهم، واستنفدت سهامَهم، وأذلَّت جمعهم حتى لم يجدوا بُداً من الدخول فى دين الله.
ومنها: أن الله سبحانه جَبَرَ بها أهلَ مكة، وفرَّحهم بما نالُوه من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عينَ جبرهم، وعرَّفهم تمامَ نعمته عليهم بما صرف عنهم من شر هَوازِن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نُصِرُوا عليهم بالمسلمين، ولو أُفردوا عنهم، لأكلهم عدوُّهم... إلى غير ذلك من الحكم التى لا يُحيط بها إلا الله تعالى.
فصل
وفيها من الفقه: أن الإمام ينبغى له أن يبعث العيونَ ومَنْ يدخلُ بين عدوه ليأتيه بخبرهم، وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوِّه له، وفى جيشه قوة ومَنَعَة لا يقعُد ينتظرهم، بل يسيرُ إليهم، كما سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى هَوازِن حتى لقيهم بحُنَيْن.
ومنها: أن الإمام له أن يستعيرَ سلاحَ المشركين وعُدَّتهم لِقتال عدوه، كما استعار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أدراع صفوان، وهو يومئذ مشركٌ.

 

 

ص -480-   ومنها: أن مِن تمام التوكل استعمالَ الأسبابِ التى نصبها الله لمسبباتها قدراَ وشرعاً، فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكملُ الخلق توكُّلاً، وإنما كانوا يَلْقَوْنَ عدوَّهم، وهم متحصِّنُون بأنواع السِّلاح، ودخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، والبَيْضَةُ على رأسه، وقد أنزل الله عليه: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67]
وكثير ممن لا تحقيق عنده، ولا رسوخ فى العلم يستشكلُ هذا، ويتكايس فى الجواب تارة بأن هذا فعله تعليماً للأُمة، وتارة بأن هذا كان قبلَ نزول الآية. ووقعت فى مصر مسألة سأل عنها بعضُ الأمراء، وقد ذُكِرَ له حديثٌ ذكره أبو القاسم بن عساكر فى "تاريخه الكبير" أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان بعد أن أهدت له اليهوديةُ الشاةَ المسمومةَ لا يأكل طعاماً قُدِّمَ له حتى يأكل منه مَن قدَّمه.
قالوا: وفى هذا أُسوة للملوك فى ذلك. فقال قائل: كيف يُجمع بين هذا وبين قوله تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؟ فإذا كانَ الله سبحانه قد ضمن له العِصْمةَ، فهو يعلم أنه لا سبيلَ لبَشَرٍ إليه.
وأجاب بعضهُم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضُهم بأن هذا كان قبلَ نزولِ الآية، فلما نزلت لم يكن لِيفعل ذلك بعدَها، ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له العِصمة، لا يُنافى تعاطيه لأسبابها، لأغناهم عن هذا التكلُّف، فإن هذا الضمانَ له من ربه تبارك وتعالى لا يُناقِضُ احتراسَه مِن الناس، ولا يُنافيه، كما أن إخبارَ الله سبحانه له بأنه يُظهر دينَه على الدِّينِ كُلِّه، ويُعليه، لا يُناقض أمره بالقتال، وإعدادِ العُدَّة، والقوة، ورباط الخيل، والأخذ بالجد، والحذر، والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب، والتورية، فكان إذا أراد الغزوة، ورَّى

 

 

ص -481-   بغيرها، وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التى جعلها الله مُفضية إلى ذلك، مقتضية له، وهو صلى الله عليه وسلم أعلمُ بربِّه، وأتبعُ لأمره من أن يعطِّل الأسبابَ التى جعلها الله له بحكمته موجبة لما وعده به من النصر والظفر، وإظهار دينه، وغلبته لعدوه، وهذا كما أنه سبحانه ضمن له حياتَه حتَّى يُبلِّغ رسالاتِه، ويُظهر دينه، وهو يتعاطى أسبابَ الحياة مِن المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، وهذا موضِعٌ يغلَطُ فيه كثير مِن الناس، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدُّعاء، وزعم أنه لا فائدةَ فيه، لأن المسؤول إن كان قد قُدِّر، ناله ولا بد، وإن لم يُقدَّر، لم ينله، فأى فائدة فى الاشتغال بالدعاء؟ ثم تكايسَ فى الجواب، بأن قال: الدعاءُ عبادة، فيقال لهذا الغالِط: بقى عليك قسم آخر وهو الحقُّ أنه قد قدَّر له مطلوبَه بسببٍ إن تعاطاه، حصل له المطلوبُ، وإن عطل السبب، فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب فى حصول المطلوب، وما مثل هذا الغالط إلا مثلُ مَن يقول: إن كان الله قد قدَّر لى الشبع، فأنا أشبع، أكلتُ أو لم آكل، وإن لم يُقدِّر لى الشبع، لم أشبع أكلتُ أو لم آكل، فما فائدة الأكل؟ وأمثال هذه التُّرَّهات الباطلة المنافية لحكمة الله تعالى وشرعه.. وبالله التوفيق
فصل

وفيها: أن النبى صلى الله عليه وسلم شرط لصفوان فى العارية الضمان، فقال: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ" فهل هذا إخبار عن شرعه فى العارية، ووصف لها بوصفٍ شرعه الله فيها، وأن حكمها الضمانُ كما يُضمن المغصوب، أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها، ومعناه: أنى ضامن لك تأديَتَها،

 

ص -482-   وأنها لا تذهب، بل أردها إليك بعينها؟ هذا مما اختلف فيه الفقهاء.
فقال الشافعى وأحمد بالأول، وأنها مضمونة بالتلف، وقال أبو حنيفة ومالك بالثانى، وأنها مضمونة بالرد على تفصيل فى مذهب مالك، وهو أن العَيْن إن كانت مما لا يُغاب عليه، كالحيوان والعَقار، لم تُضمن بالتلف إلا أن يظهر كَذِبه، وإن كانت مما يُغاب عليه كالحلى ونحوه، ضُمنت بالتلف إلا أن يأتىَ ببينة تشهد على التلف، وسر مذهبه أن العارية أمانة غيرُ مضمونة كما قال أبو حنيفة، إلا أنه لا يُقبل قوله فيما يخالف الظاهر، فلذلك فرَّق بين ما يُغاب عليه، وما لا يُغاب عليه.
ومأخذ المسألة أن قوله صلى الله عليه وسلم لصفوان: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ"، هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟ أى: أضمنها إن تلفت، أو أضمن لك ردَّها، وهو يحتمل الأمرين، وهو فى ضمان الرد أظهرُ لثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ فى اللَّفظ الآخر: "بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ"، فهذا يبينُ أن قوله: "مضمونة"، المراد به: المضمونة بالأداء.
الثانى: أنَّه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها منى أخذَ غصب تحولُ بينى وبينها؟ فقال: "لا بل أخذ عارية أُؤديها إليك". ولو كان سأله عن تلفها وقال: أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
الثالث: أنَّه جعل الضمانَ صِفة لها نفسها، ولو كان ضمانَ تلف، لكان الضمانُ لِبدلها، فلما وقع الضمانُ على ذاتها، دل على أنه ضمانُ أداء.
فإن قيل: ففى القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبى صلى الله عليه وسلم أن يضمنها، فقال: أنا اليوم فى الإسلام أرغبُ، قيل: هل عرض عليه أمراً واجباً أو أمراً جائزاً مُستحَباً الأَوْلى فعلُه، وهو من مكارم الأخلاق

 

 

ص -483-   والشيم، ومن محاسن الشريعة؟ وقد يترجح الثانى بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجباً، لم يعرضه عليه، بل كان يفى له به، ويقول: هذا حقُّك، كما لو كان الذاهب بعينه موجوداً، فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله
فصل
وفيها: جوازُ عقرِ فرسِ العدو ومركُوبه إذا كان ذلك عوناً على قتله، كما عقر علىُّ رضى الله عنه جمل حامل راية الكفار، وليس هذا مِن تعذيب الحيوان المنهى عنه.
وفيها: عفُو رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمن همَّ بقتله، ولم يُعاجله، بل دعا له ومسح صدره حتى عاد، كأنه ولى حميم.
ومنها: ما ظهر فى هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة، من إخباره لشيبة بما أضمر فى نفسه، ومن ثباته، وقد تولَّى عنه الناسُ، وهو يقول:

 أنَا النَّبِىُّ لاَ كَذِبْ      أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ

وقد استقبلته كتائبُ المشركين.
ومنها: إيصالُ الله قبضته التى رمى بها إلى عيون أعدائه على البُعْدِ منه، وبركتُه فى تلك القبضة، حتى ملأت أعينَ القوم، إلى غير ذلك من معجزاته فيها، كنزول الملائكة للقتال معه، حتى رآهم العدوُّ جهرة، ورآهم بعض المسلمين.
ومنها: جوازُ انتظار الإمام بقسم الغنائمُ إسلامَ الكفار ودخولَهم

 

ص -484-   فى الطاعة، فيرد عليهم غنائِمَهَم وسبيَهم، وفى هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تُملك بالقسمة، لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء، لم يستأنِ بهم النبىُّ صلى الله عليه وسلم لِيردها عليهم، وعلى هذا فلو مات أحد من الغانمين قبل القسمة، أو إحرازها بدار الإسلام، رُدَّ نصيبُه على بقية الغانمين دون ورثته، وهذا مذهب أبى حنيفة: لو مات قبل الاستيلاء لم يكن لورثته شئ، ولو مات بعد القسمة فسهمه لورثته
فصل
وهذا العطاء الذى أعطاه النبى صلى الله عليه وسلم لقريش، والمؤلَّفة قلوبُهم، هل هو مِن أصل الغنيمة أو من الخُمُس، أو من خُمس الخُمُس؟ فقال الشافعى ومالك: هو من خُمس الخُمُس، وهو سهمُه صلى الله عليه وسلم الذى جعله الله له من الخُمس، وهو غير الصَّفىِّ وغيرُ ما يُصيبه من المغنم، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يستأذن الغانمين فى تِلك العطية، ولو كان العطاءُ من أصل الغنيمة، لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخُمُس، لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذاً من خُمس الخُمُسِ، وقد نص الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاءُ هو من النفل، نَفَلَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم به رؤوسَ القبائِلِ والعشائِرِ ليتألَّفهم به وقومَهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثُلث بعد الخُمس، والرُّبع بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشَوْكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعضُ هؤلاء الذين نفلهم: لقد أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الخلق إلىَّ، فما زال يُعطينى حتى إنه لأحب

 

ص -485-   الخلق إلىَّ، فما ظنك بعطاءٍ قوَّى الإسلامَ وأهله، وأذلَّ الكفرَ وحِزبه، واستجلب به قلوبَ رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضِبُوا، غَضِبَ لغضبهم أتباعهم، وإذا رَضُوا رَضُوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحدٌ مِن قومهم، فللَّهِ ما أعظمَ موقِعَ هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله.
ومعلوم: أن الأنفال لله ولرسوله يقسِمُها رسوله حيث أمره لا يتعدى الأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها فى هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولمَا عَمِيَتْ أبصارُ ذى الخويصرة التميمى وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعْدِل فإنَّكَ لم تعدل. وقال مشبِهُه:
إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله، ولعَمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يُسلِّط عليها ناراً من السماء تأكلها، وهو فى ذلك كله أعدلُ العادلين، وأحكمُ الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثاً، ولا قدَّرَهُ سُدى، بل هو عَيْن المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه، وعِزَّته، وحكمته، ورحمته، ولقد أتمَّ نعمته على قوم ردَّهم إلى منازلهم برسوله صلى الله عليه وسلم يقودونه إلى ديارهم، وأرضى مَن لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم، ويُحرِّمون، ورسولُه منفِّذٌ لأمره

 

ص -486-   فإن قيل: فلو دعت حاجةُ الإمام فى وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرَّفُ لمصالحهم، وقيام الدين. فإن تعيَّن ذلك للدفع عن الإسلام، والذب عن حَوْزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعيَّن عليه، وهل تُجوِّز الشريعة غير هذا، فإنه وإن كان فى الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقَّعَةُ مِن فوات تأليف هذا العدو أعظمُ، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين.. وباللهِ التوفيق.
فصل
وفيها: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"مَن لم يُطيِّبْ نَفْسَه، فَلَهُ بِكُلِّ فريضَةٍ ستُّ فرائض مِنْ أوَّل ما يفئ اللهُ عَلَيْنَا".
ففى هذا دليل على جواز بيع الرقيق، بل الحيوان بعضه ببعض نسيئةً ومتفاضلاً.
وفى "السنن" من حديث عبد الله بن عمرو، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، وكان يأخذُ البعيرَ بالبعيرين إلى إبل الصَّدَقَةِ.

 

ص -487-   وفى "السنن" عن ابن عمر، عنهُ صلَّى الله عليه وَسلّم أنه نهى عن بَيْع الحَيَوانِ بالحيوان نسيئةً، ورواه الترمذى من حديث الحسن عن سمرة، وصحَّحه.
وفى الترمذى من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبى الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لا يَصْلُحُ نَسِيئاً، ولا بَأسَ بِهِ يَداً بيدٍ" قال الترمذى: حديث حسن.
فاختلف الناس فى هذه الأحاديث، على أربعة أقوال، وهى روايات عن أحمد.
أحدها: جواز ذلك متفاضلاً، ومتساوياً، نسيئة، ويداً بيدٍ، وهو مذهب أبى حنيفة، والشافعى.
والثانى: لا يجوز ذلك نسيئةً، ولا متفاضلاً.
والثالث: يحرم الجمع بين النَّساء والتفاضل،ويجوز البيع مع أحدهما، وهو قولُ مالك رحمه الله.
والرابع: إن اتحد الجنس، جاز التفاضُلُ، وحَرمَ النَّساء، وإن اختلف الجنس، جاز التفاضل والنَّساء.
وللناس فى هذه الأحاديث والتأليفِ بينها ثلاثة مسالك:
أحدها: تضعيفُ حديث الحسن عن سمرة، لأنه لم يُسمع منه سوى حديثين ليس هذا منهما، وتضعيفُ حديث الحجاج بن أرطاة.

 

ص -488-   والمسلك الثانى: دعوى النسخ، وإنلم يتبين المتأخِّر منها من المتقدِّم، ولذلك وقع الاختلاف.
والمسلك الثالث: حملُها على أحوال مختلفة، وهو أن النهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، إنما كان لأنه ذريعة إلى النسيئة فى الربويات، فإن البائع إذا رأى ما فى هذا البيعِ من الربح لم تقتصر نفسه عليه، بل تجره إلى بيع الربوى كذلك، فسدَّ عليهم الذريعة، وأباحه يدَاً بيدٍ، ومنع من النَّساء فيه، وما حُرِّم للذريعة يُباح للمصلحة الراجحة، كما أباح مِن المُزابنة العرايا للمصلحة الراجحة، وأباح ما تدعو إليه الحاجةُ منها، وكذلك بيعُ الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلاً فى هذه القصة، وفى حديث ابن عمر إنما وقع فى الجهاد، وحاجة المسلمين إلى تجهيز الجيش، ومعلوم أن مصلحةَ تجهيزه أرجحُ من المفسدة فى بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والشريعةُ لا تُعطِّلُ المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة، ونظير هذا جوازُ لبس الحرير فى الحرب، وجوازُ الخُيلاء فيها، إذ مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه، ونظيرُ ذلك لِباسه القَبَاء الحرير الذى أهداه له ملك "أيلة" ساعة، ثم نزعه للمصلحة الراجحة فى تأليفه وجبره، وكان هذا بعد النهى عن لباس الحرير، كما بيَّناه مستوفًى فى كتاب "التخيير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير"، وبيَّنا أن هذا كان عامَ الوفود سنة تسع، وأن النهىَ عن لباس الحريركان قبلَ ذلك، بدليل أنه نهى عمر عن لبس الحُلة الحرير التى أعطاه إياها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة، وهذا كان قبلَ الفتح، ولباسه صلى الله عليه وسلم هدية ملك "أيلة" كان بعد ذلك، ونظير هذا نهيُه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قبل طلوع الشمس، وبعد العصر، سداً لذريعة التشبه بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة

 

 

ص -489-   مِن قضاء الفوائت، وقضاء السنن، وصلاة الجنازة، وتحية المسجد، لأن مصلحة فعلها أرجح من مفسدة النهى.. والله أعلم.
وفى القصة دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلاً غيرَ محدود، جاز إذا اتفقا عليه ورضيا به، وقد نص أحمد على جوازه فى رواية عنه فى الخيار مدة غير محدودة، أنه يكون جائزاً حتى يقطعاه، وهذا هو الراجح، إذ لا محذور فى ذلك، ولا عذر، وكل منهما قد دخل على بصيرة ورضى بموجب العقد، فكلاهما فى العلم به سواء، فليس لأحدهما مزية على الآخر، فلا يكون ذلك ظلماً
فصل
وفى هذه الغزوة أنه قال:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُه" وقاله فى غزوة أُخرى قبلها، فاختلف الفقهاء، هل هذا السَلَب مُستحَقٌ بالشرع أو بالشرط؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد.
أحدهما: أنه له بالشرع، شرطه الإمامُ أو لم يَشرِطه، وهو قول الشافعى.
والثانى: أنه لا يُستحَق إلا بشرط الإمام، وهو قول أبى حنيفة. وقال مالك رحمه الله: لا يُستحَق إلا بشرط الإمام بعد القتال. فلو نص قبله، لم يجز. قال مالك: ولم يبلغنى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا يوم حُنَيْن، وإنما نفَّل النبىُّ صلى الله عليه وسلم بعد أن برد القتال.
ومأخذ النزاع أن النبى صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام، والحاكم، والمفتى، وهو الرسول، فقد يقول الحكمَ بمنصب الرسالة، فيكون شرعاً عاماً

 

ص -490-   إلى يوم القيامة كقوله: "مَنْ أَحْدَثَ فى أمْرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو رَدٌّ". وقوله: "مَنْ زَرَعَ فى أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْع شَىءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ"، وكحكمه "بالشَّاهدِ، واليمينِ"، و"بالشُّفعة فيما لم يُقْسَمْ".
وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهِند بنتِ عُتبة امرأة أبى سُفيان، وقد شكَتْ إليه شُحَّ زوجِها، وأنه لا يُعطيها ما يكفيها: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدعُ بأبى سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البيِّنة.
وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأُمة فى ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم مَن بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التى راعاها النبى صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً وحالاً، ومن ههنا تختلِفُ الأئمة فى كثير من المواضع التى فيها أثر عنه صلى الله عليه وسلم كقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ" هل قاله بمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقاً بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة،فيكون شرعاً عاماً؟وكذلك قوله:
"مَنْ أَحْيا أرْضاً مَيتَةً فَهِىَ لَهُ" هل هو شرع عام لكل أحد،

 

ص -491-   أَذِنَ فيه الإمام، أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة، فلا يُملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟ على القولين، فالأول: للشافعى وأحمد فى ظاهر مذهبهما.
والثانى: لأبى حنيفة، وفرَّق مالك بين الفلوات الواسعة، وما لا يتشاح فيه الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإمام فى الثانى دون الأول.
فصل
وقوله صلى الله عليه وسلم
: "لهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ" دليل على مسألتين:
إحداهما: أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافِرَ، لا تُقبل فى استحقاق سَلَبِهِ.
الثانية: الاكتفاء فى ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين، لما ثبت فى الصحيح عن أبى قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حُنَيْن، فلما التقينا، كانت للمسلمين جولةٌ، فرأيتُ رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرتُ إليه حتى أتيتُه مِن ورائه، فضربتُه على حبل عاتقه، وأقبل علىَّ، فضمَّنى ضمَّة، وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلنى، فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعُوا، وجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، قال: فقمتُ فقلت: مَن يشهد لى؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك قال: فقمتُ فقلت: مَن يشهد لى؟ ثم قال ذلك الثالثة، فقمتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لكَ يا أبا قتادة"؟ فقصصتُ عليه القِصَّةَ، فقال رجل من القوم: صدق يا رسُول الله، وسَلَبُ ذلك القتيل عندى، فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصِّدِّيق: لاهَا اللهِ إذاً

 

ص -492-   لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عَنْ الله ورسوله، فيُعطيك سَلَبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 "صَدَقَ فَأعْطِهِ إيَّاهُ"، فأعطانى، فبعتُ الدرع، فابتعتُ بهِ مخَرَفاً فى بنى سلمة، فإنه لأوَّل مال تأثَّلْتُه فى الإسلام.
 وفى المسألة ثلاثة أقوال، هذا أحدها، وهو وجه فى مذهب أحمد.
 والثانى: أنه لا بد من شاهد ويمين، كإحدى الروايتين عن أحمد.
والثالث وهو منصوص الإمام أحمد: أنه لا بُدَّ من شاهدين، لأنها دعوى قتل، فلا تُقبل إلا بشاهدين
وفى القصة دليل على مسألة أُخرى، وهى أنه لا يُشترط فى الشهادة التلفظُ بلفظ: "أشهد" وهذا أصح الروايات عن أحمد فى الدليل، وإن كان الأشهر عند أصحابه الاشتراط، وهى مذهبُ مالك. قال شيخنا: ولا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراطُ لفظ الشهادة، وقد قال ابن عباس: شهد عندى رجال مرضيون وأرضاهم عندى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح، ومعلوم: أنهم لم يتلفظوا له بلفظ: "أشهد"، إنما كان مجرد إخبار، وفى حديث ماعز: فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجَمَه، وإنما كان منه مجرد إخبار عن نفسه، وهو إقرار، وكذلك قوله تعالى:
{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، قُلْ لاَ أَشْهَدُ} [الأنعام: 19]، وقوله: {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}[الأنعام: 130]، وقوله: {لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً}[النساء: 166]، وقوله: {ءَأَقْرَرْتُمْ

 

ص -493-   وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِى، قَالُواْ أَقْرَرْنَا، قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}[آل عمران: 81]، وقوله: {شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِماً بالْقِسْطِ}[آل عمران: 18] إلى أضعافِ ذلك مما ورد فى القرآن والسُّنَّة من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرَّد عن لفظ: "أشهد".
وقد تنازع الإمام أحمد وعلى بن المدينى فى الشهادة للعشرة بالجنَّة، فقال على: أقول: هُم فى الجنَّة، ولا أقولُ: أشهد أنهم فى الجنَّة. فقال الإمام أحمد: متى قلتَ: هم فى الجنَّة، فقد شهدتَ، وهذا تصريح منه بأنه لا يُشترط فى الشهادة لفظ "أشهد". وحديث أبى قتادة من أبين الحجج فى ذلك.
فإن قيل: إخبار مَن كان عنده السَلَب إنما كان إقراراً بقوله: هو عندى، وليس ذلك من الشهادة فى شئ. قيل: تضمَّن كلامه شهادةً وإقراراً بقوله: "صدق"، شهادة له بأنه قتله، وقوله:"هو عندى" إقرارٌ منه بأنه عنده، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما قضى بالسَلَب بعد البيِّنة، وكان تصديق هذا هو البيِّنة
فصل
وقوله صَلى الله عَليه وسلم: "
فَلَهُ سَلَبُه"، دليل على أنَّ له سَلَبُه كله غيرَ مخمَّس، وقد صرَّح بهذا فى قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلاً: "له سَلَبُهُ أَجْمَعُ".
وفى المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
والثانى
: أنه يُخمَّس كالغنيمة، وهذا قولُ الأوزاعى وأهل الشام،

 

ص -494-   وهو مذهب ابن عباس لدخوله فى آية الغنيمة.
 والثالث: أن الإمام إن استكثره خمَّسه، وإن استقلَّه لم يُخمِّسه وهو قول إسحاق، وفعله عمر بن الخطاب، فروى سَعيد فِى "سننه" عن ابن سيرين، أن البَرَاء بن مالك بارز مرزُبانَ المرازبة بالبحرين، فطعنَه، فَدَقَّ صُلْبَه، وأخذ سِوارَيْهِ وسَلَبه، فلما صلَّى عمرُ الظهرَ، أتى البَرَاء فى داره فقال: إنَّا كنا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإن سَلَب البَرَاء قد بلغ مالاً، وأنا خامِسُه، فكان أوَّلَ سَلَبٍ خُمِّس فى الإسلام سَلَبُ البَرَاء، وبلغ ثلاثين ألفاً، والأول: أصح، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُخَمِّسِ السَّلَب وقال: "هو له أجمع"، ومضت على ذلك سُنَّته وسُنَّةُ الصِّدِّيق بعده، وما رآه عمرُ اجتهاد منه أداه إليه رأيه.
والحديث يدل على أنه مِن أصل الغنيمة، فإنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قضى به للقاتل، ولم ينظُرْ فى قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خُمس الخُمس، وقال مالك: هو من خُمس الخُمس، ويدل على أنه يستحقه مَن يُسهم له، ومن لا يُسهم له من صبى وامرأة، وعبد ومشرك. وقال الشافعى فى أحد قوليه: لا يستحق السَّلَب إلا مَن يستحق السهم، لأن السهم المجمَع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبى، والمرأة والمشرك، فالسَّلَبُ أولى، والأول أصحُّ للعموم، ولأنه جار مجرى قول الإمام: مَن فعل كذا وكذا، أو دلَّ على حصن، أو جاء برأس، فله كذا مما فيه تحريض على الجهاد، والسهم مُستحَق بالحضور، وإن لم يكن منه فعل، والسَّلَب مستحق بالفعل، فجرى مجرى الجعالة.

 

ص -495-   فصل  [فى أنه يستحق سَلَب جميع مَن قتله وإن كثروا]
وفيه دلالة على أنه يستحق سَلَبَ جميع مَن قتله، وإن كَثُروا، وقد ذكر أبو داود أن أبا طلحة قتل يوم حُنَيْن عشرين رجلاً، فأخذ أسلابهم.