تحفة المودود بأحكام المولود

 الباب الأول في استحباب طلب الأولاد

ص -9-  الباب الأول: في استحباب طلب الولد
قال الله تعالى
{فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} البقرة 187 فروى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال هو الولد وقاله الحكم وعكرمة والحسن البصري والسدي والضحاك
وأرفع ما فيه ما رواه محمد بن سعد عن أبيه حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال هو الولد وقال ابن زيد هو الجماع وقال قتادة ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم وعن ابن عباس رواية أخرى قال ليلة القدر
والتحقيق أن يقال لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة ولا يباشروها بحكم مجرد الشهوة بل يبتغوا بها ما كتب الله لهم من الأجر
والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يشرك به شيئا ويبتغوا ما أباح الله لهم من الرخصة بحكم محبته لقبول رخصه فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ومما كتب لهم ليلة القدر وأمروا أن يبتغوها لكن يبقى أن يقال فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم فيقال فيه إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه

 

ص -10-   الليلة التي هي خير من ألف شهر فكأنه سبحانه يقول اقضوا وطركم من نساءكم ليلة الصيام ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم الله بها والله أعلم
وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول 
" تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة"رواه الإمام أحمد وأبو حاتم في صحيحة
وعن معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنى أصبت امرأة ذات حسن وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الولود فإني مكاثر بكم رواه أبو داود والنسائي
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة" رواه الإمام أحمد
وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"النكاح من سنتي ومن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"
وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
"إن العبد لترفع له الدرجة فيقول أي رب أنى لي هذا فيقول باستغفار ولدك لك من بعدك"
فصل
ومما يرغب في الولد ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي حسان قال توفي ابنان لي فقلت لأبي هريرة سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا قال
"نعم صغارهم دعاميص

 

ص -11-   الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بناحية ثوبه أو يده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى حتى يدخله الله وأباه الجنة"
وقال أحمد حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه
أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبك الله كما أحبه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل ابن فلان قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه "أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك عليه" فقال رجل أله خاصة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكلنا قال "بل لكلكم"
قال أحمد وحدثنا عبد الله حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي حدثنا أبو زميل الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان له فرطان من أمتي دخل الجنة فقالت عائشة رصي الله عنها بأبي أنت وأمي فمن كان له فرط فقال ومن كان له فرط يا موفقة قالت فمن لم يكن له فرط في أمتك قال فأنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء
"ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنان فقال واثنان" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة نحوه ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود وأبو بزرة الأسلمي وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث فتمسه النار إلا تحلة القسم"
وفي صحيح البخاري من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة

 

ص -12-   بفضل رحمته إياهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال أتت امرأة بصبي لها فقالت يا نبي الله أدع الله له فلقد دفنت ثلاثة فقال دفنت ثلاثة قالت نعم قال لقد احتظرت بحظار شديد من النار فالولد انه إن عاش بعد أبويه نفعهما وان مات قبلهما نفعهما"
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"
فان قيل ما تقولون في قوله عز وجل
{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} النساء
قال الشافعي إن لا تكثر عيالكم فدل على أن قلة العيال أولى قيل قد قال الشافعي رحمه الله ذلك وخالفه جمهور المفسرين من السلف والخلف وقالوا معنى الآية ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا فانه يقال عال الرجل يعول عولا إذا مال وجار ومنه عول الفرائض لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص ويقال عال يعيل عيلة إذا احتاج قال تعالى
{ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} التوبة 28 وقال الشاعر

وما يدري الفقير متى غناه  وما يدري الغني متى يعيل

أي متى يحتاج ويفتقر
وأما كثرة العيال فليس من هذا ولا من هذا ولكنه من أفعل يقال

 

ص -13-   أعال الرجل يعيل إذا كثر عياله مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر هذا قول أهل اللغة
قال الواحدي في بسيطه ومعنى تعولوا تميلوا وتجوروا عن جميع أهل التفسير واللغة وروي ذلك مرفوعا روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "ذلك أن لا تعولوا قال أن لا تجوروا وروي أن لا تميلوا" قال وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وأبي مالك وعكرمة والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنبا ري
 قلت ويدل على تعين هذا المعنى من الآية وان كان ما ذكره الشافعي رحمه الله لغة حكاها الفراء عن الكسائي أنه قال ومن الصحابة من يقول عال يعول إذا كثر عياله قال الكسائي وهو لغة فصيحة سمعتها من العرب لكن يتعين الأول لوجوه
 أحدها أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي وسائر أهل اللغة على خلافه
الثاني أن هذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان من الغرائب فانه يصلح للترجيح
الثالث أنه مروي عن عائشة وابن عباس ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين وقد قال الحاكم أبو عبد الله تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع
الرابع أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير
الخامس أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره فإنه قال في أولها
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ

 

ص -14-   لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} النساء 4 فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ وأباح لهم منه ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن فقال { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء 4 ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور وهذا صريح في المقصود
السادس أنه لا يلتئم قوله
{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا } في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا ما شئتم بملك اليمين فان ذلك أقرب إلى أن لا تكثر عيالكم بل هذا أجنبي من الأول فتأمله
السابع أنه من الممتنع أن يقال لهم إن خفتم أن ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر فانه أدنى أن لا تكثر عيالكم
الثامن أن قوله
{ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة أو ملك اليمين ولا يليق تعليل ذلك بعلة العيال
التاسع أنه سبحانه قال
{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} ولم يقل وان خفتم أنا تفتقروا أو تحتاجوا ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك
العاشر أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلة أو أباح شيئا وعلل عدمه بعلة فلا بد أن تكون العلة مصادفة لضد الحكم المعلل وقد علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ما ملك اليمين بأنه أقرب إلى عدم الجور ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل فلا يحسن التعليل به