إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء الأول

 

 مقدمة

ص -3-  إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان
تأليف: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد. الذى لا شريك له فى ذاته ولا صفاته ولا فى أفعاله، بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه فى إكثاره وإقلاله، لا يحصى أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله، الأول الذى ليس قبله شئ، والظاهر الذى ليس فوقه شئ، والباطن الذى ليس دونه شئ، ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله، الحى القيوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق ينتهى إلى زواله، السميع الذى يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين فى سؤاله، البصير الذى يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله. وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته لاختلاف أحواله، فإن أقبل إليه تلقاه، وإنما إقبال العبد عليه من إقباله، وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه، ولم يدعه فى إهماله، بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها، الرفيقة به فى حمله ورضاعه وفصاله، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطع أوصاله، وإن أصر على الإعراض، ولم يتعرض لأسباب الرحمة، بل أصر على العصيان فى إدباره وإقباله،

 

ص -4-  وصالح عدوه وقاطع سيده، فقد استحق الهلاك، ولا يهلك على الله إلا الشقى الهالك لعظيم رحمته وسعة إفضاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره:
{وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11].
وأشهد أن محمد عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته ومحبته، وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ووضح له عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته فى كتابه المبين وقرن اسمه باسمه، فلا يذكر إلا ذكر معه، كما فى التشهد والخطب والتأذين. فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله لا يرجه عنه راد، مشمرا فى مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس فى دين الله أفواجا (أفواجا)، وسارت دعوته مسير الشمس فى الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به فى كتابه المبين، بعدم أ، بلغ رسالته، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين. وقال
{هَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

 

 

ص -5-  أما بعد: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى مهملا، بل جعلهم موردا للتكليف، ومحلا للأمر والنهى، وألزمهم ( فهم ) ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا وقسمهم إلى شقى وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا، وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب، والسمع، والبصر، والجوارح، نعمة منه وتفضلا، فمن استعمل ذلك فى طاعته، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إله ولم يبغ عنه عدولا، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا. ومن استعمله فى إرادته وشهوته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك، ويحزن حزنا طويلا. فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: {إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36].
 و لما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف فى الجنود، الذى تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبى صلى الله عليه وسلم:
"ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". فهو ملكها، وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شئ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "لأن كل راع مسؤول عن رعيته" كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر فى أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون.
 ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إله، وزين له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق، وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعريض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه فى حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول فى ضمان
{إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] فهذه الإضافة هى القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب

 

ص -6-  إخلاص العمل ودام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشمله استثناء {إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40].
ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال. وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال. فإن العمل السيئ مصدر عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذى لا يفلح. إلى من جاهده بالعصيان: أردت أن أقيد ذلك فى هذا الكتاب، لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والإحسان، ولينتفع له من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان، وسميته "
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" ورتبته ثلاثة عشر بابا:
الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت.
الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب.
الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية.
الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقة مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر (وفتنة) فيه.
الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره.
الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه مما سواه.
الباب السابع: فى أ، القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه.
الباب الثامن: فى زكاة القلب.
الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه.
الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته.

 

ص -7-  الباب الحادى عشر: فى علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه.
الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان.
الباب الثالث عشر: فى مكايد الشيطان التى يكيد بها ابن آدم. وهو الذى وضع لأجله الكتاب. وفيه فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد.
والله تعالى يجعله خالصا لوجهه، مؤمنا من الكرة الخاسرة، وينفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فيه فى الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.