إعلام الموقعين عن رب العالمين - الجزء الأول

 الصحابة سادة المفتين والعلماء

الصحابة سادة المفتين والعلماء
وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء.
قال الليث عن مجاهد: "العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} قال: "أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم".
وقال يزيد بن عمير: "لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصنا قال أجلسوني إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما يقول

 

ص -15-   ذلك ثلاث مرات التمس العلم عند أربعة رهط: عند عويمر بن أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام".
وقال مالك بن يخامر: "لما حضرت معاذ الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك فقال إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة فذكر هؤلاء الأربعة ثم قال فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم" قال: "فما نزلت بي مسألة عجزت عنها إلا قلت يا معلم إبراهيم".
وقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: قال عبد الله: "علماء الأرض ثلاثة فرجل بالشام والآخر بالكوفة وآخر بالمدينة فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء".
وقال الشعبي: "ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض فكان عمر وعبد الله وزيد ابن ثابت يستفتي بعضهم من بعض وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض" قال الشيباني: "فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك فقال ما كان أعلمه قلت فأين معاذ فقال هلك قبل ذلك".
وقال أبو البختري: "قيل لعلي بن أبي طالب حدثنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عن أيهم؟ قال عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفاه بذلك قال: فحدثنا عن حذيفة قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين قالوا: فأبوا ذر قال: كنيف ملىء علما عجز فيه قالوا فعمار قال مؤمن نسي إذا ذكرته ذكر خلط الله الإيمان بلحمه

 

ص -16-   ودمه ليس للنار فيه نصيب قالوا فأبو موسى قال صبغ في العلم صبغة قالوا فسلمان قال علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزح منا أهل البيت قالوا فحدثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين قال إياها أردتم كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتديت".
وقال مسلم عن مسروق: "شاممت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: إلى علي وعبد الله وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي بن كعب ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله".
وقال مسروق أيضا: "جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا كالإخاذ: الإخاذة تروي الراكب والإخاذة تروي الراكبين والإخاذة تروي العشرة والإخاذة لو نزل بها اهل الأرض لأصدرتهم وإن عبد الله من تلك الإخاذ".
وقال الشعبي: "إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر".
وقال ابن مسعود: "إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم".
وقال أيضا: "لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر".
وقال حذيفة: "كأن علم الناس مع علم عمر دس في جحر".
وقال الشعبي: "قضاة هذه الأمة عمر وعلي وزيد وأبو موسى".
وقال سعيد بن المسيب: "كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود بأنه عليم معلم"

 

ص -17-   وبدأ به في قوله: "خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد ومن أبي بن كعب ومن سالم مولى أبي حذيفة ومن معاذ بن جبل ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم وفضل أهل الشام عليهم في الجائزة فقالوا: يا أمير المؤمنين تفضل أهل الشام علينا فقال: يا أهل الكوفة أجزعتم أن فضلت أهل الشام عليكم لبعد شقتهم وقد آثرتكم بابن أم عبد" وقال عقبة بن عمرو: "ما أرى أحدا أعلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله" فقال أبو موسى: "إن تقل ذلك فإنه كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل" وقال عبد الله: "ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أني أعلم أن رجلا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته" وقال زيد بن وهب: "كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه فأكب عليه وكلمه بشيء ثم انصرف فقال عمر كنيف ملىء علما".
وقال الأعمش عن إبراهيم: "إنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا فإذا اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه لأنه كان ألطف" وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى
{حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} قال: "هو عبد الله بن مسعود" وقيل لمسروق: "كانت عائشة تحسن الفرائض قال والله لقد رأيت الأحبار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض".

 

ص -18-   وقال أبو موسى: "ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما" وقال ابن سيرين: "كانوا يرون أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان ثم ابن عمر بعده".
وقال شهر بن حوشب: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له" وقال علي: "أبو ذر أوعى علما ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا حتى قبض" وقال مسروق: "قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم".
وقال الجريري عن أبي تميمة: "قدمنا الشام فإذا الناس مجتمعون يطيفون برجل قال: قلت: من هذا قالوا: هذا أفقه من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا عمرو البكالي".
وقال سعيد: "قال ابن عباس وهو قائم على قبر زيد بن ثابت هكذا يذهب العلم" وكان ميمون بن مهران إذا ذكر ابن عباس وابن عمر عنده يقول: "ابن عمر أورعهما وابن عباس أعلمهما" وقال أيضا: "ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس" وكان ابن سيرين يقول: "اللهم أبقني ما أبقيت ابن عمر اقتدي به ابن عباس" وقال ابن عباس: "ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"اللهم علمه الحكمة" وقال أيضا: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ولما مات ابن عباس قال: "محمد بن الحنفية مات رباني هذه الأمة".

 

ص -19-   وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "ما رأيت أحدا أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها".
وقال عطاء بن أبي رباح: "ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم إن أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن وأصحاب الشعر عنده بصدرهم كلهم في واد واسع".
وقال ابن مسعود: "لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عسره منا رجل".
وقال مكحول: "قيل لابن عباس أنى أصبت هذا العلم قال: بلسان سؤول وقلب عقول".
وقال مجاهد: "كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه".
وقال طاووس: "أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقررهم" وقيل لطاووس: "أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم انقطعت إلى ابن عباس فقال أدركت سبعين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا تدارءوا في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس".
وقال ابن أبي نجيح: "كان أصحاب ابن عباس يقولون ابن عباس أعلم من عمر ومن علي ومن عبد الله ويعدون ناسا فيثب عليهم الناس فيقولون لا تعجلوا

 

ص -20-   علينا إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده العلم ما ليس عند صاحبه وكان ابن عباس قد جمعه كله".
وقال الأعمش: "كان ابن عباس إذا رأيته قلت أجمل الناس فإذا تكلم قلت أفصح الناس فإذا حدث قلت أعلم الناس" وقال مجاهد: "كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه النور".
فصل عمر بن الخطاب
قال الشعبي: "من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخد بقول عمر" وقال مجاهد: "إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به".
وقال ابن المسيب: "ما أعلم أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من عمر بن الخطاب" وقال أيضا: "كان عبد الله يقول: "لو سلك الناس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه" وقال بعض التابعين: "دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه".
وقال محمد بن جرير: "لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه ويرجع من قوله إلى قوله".
وقال الشعبي: "كان عبد الله لا يقنت وقال ولو قنت عمر لقنت عبد الله".
فصل عثمان بن عفان
وكان من المفتين عثمان بن عفان قال ابن جرير: "غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه

 

ص -21-   علي بن أبي طالب وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فانتشرت أحكامه وفتاويه ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم وكان رضي الله عنه وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال إن ههنا علما لو أصبت له حملة".
فصل الأئمة الذين نشروا الدين والفقه
والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد الله بن عمر وأصحاب عبد الله بن عباس فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود قال ابن جرير: "وقد قيل إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا".
وقال ابن وهب: "حدثني موسى بن علي اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ومن أراد المال فليأتني".
وأما عائشة فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال والحرام

 

ص -22-   وكان من الآخذين عنها الذين لا يكدون يتجاوزون قولها المتفقهين بها القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء قال مسروق: "لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض" وقال عروة بن الزبير: "ما جالست أحدا قط كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة".
فصل في المفتين من التابعين
ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء كسعيد بن المسيب راوية عمر وحامل علمه قال جعفر بن ربيعة: "قلت لعراك بن مالك من أفقه أهل المدينة قال أما أفقههم فقها وأعلمهم بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد بن المسيب وأما أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا إلا فجرته" قال عراك: "وأفقههم عندي ابن شهاب لأنه جمع علمهم إلى علمه".
وقال الزهري: "كنت أطلب العلم من ثلاثة سعيد بن المسيب وكان أفقه الناس وعروة بن الزبير وكان بحرا لا تدركه الدلاء وكنت لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقة من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدت" وقال الأعمش: "فقهاء المدينة أربعة سعيد ابن المسيب وعروة وقبيصة وعبد الملك" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "لما مات العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ابن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي فكان فقيه أهل مكة عطاء ابن أبي رباح وفقيه أهل اليمن طاووس وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير وفقيه أهل الكوفة إبراهيم وفقيه أهل البصرة الحسن وفقيه أهل الشام مكحول وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله خصها

 

ص -23-   بقرشي فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع".
وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: "مررت بعبد الله ابن عمر فسلمت عليه ومضيت قال فالتفت إلى أصحابه فقال لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لسره فرفع يديه جدا وأشار بيده إلى السماء وكان سعيد بن المسيب صهر أبي هريرة زوجة أبو هريرة ابنته وكنا إذا رآه قال أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة" ولهذا أكثر عنه من الرواية.
فصل في المفتين بالمدينة
وكان المفتون بالمدينة من التابعين ابن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم ابن محمد وخارجة بن زيد وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام وسليمان ابن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهؤلاء هم الفقهاء وقد نظمهم القائل فقال إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه.
وكان من أهل الفتوى أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف وعلي بن الحسين وبعد هؤلاء أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابناه محمد وعبد الله وعبد الله بن عمر بن عثمان وابنه محمد وعبد الله والحسين ابنا محمد ابن الحنفية وجعفر بن محمد بن علي وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ومحمد ابن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه وخلق سوى هؤلاء.

 

ص -24-   فصل في المفتين بمكة
شرفها الله وكان المفتون بمكة عطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان ومجاهد بن جبر وعبيد بن عمير وعمرو بن دينار وعبد الله بن أبي مليكة وعبد الرحمن ابن سابط وعكرمة ثم بعدهم أبو الزبير المكي وعبد الله بن خالد بن أسيد وعبد الله بن طاووس ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسفيان بن عيينة وكان أكثر فتواهم في المناسك وكان يتوقف في الطلاق وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي وسعيد بن سالم القداح وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي ثم عبد الله بن الزبير الحميدي وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم محمد وموسى بن أبي الجارود وغيرهم.
فصل في المفتين بالبصرة
وكان من المفتين بالبصرة عمرو بن سلمة الجرمي وأبو مريم الحنفي وكعب ابن سود والحسن البصري وأدرك خمسمائة من الصحابة وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة قال أبو محمد بن حزم وأبو الشعثاء جابر ابن زيد ومحمد بن سيرين وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ومسلم بن يسار وأبو العالية وحميد بن عبد الرحمن ومطرف بن عبد الله الشخير وزرارة بن أبي أوفى وأبو بردة بن أبي موسى ثم بعدهم أيوب السختياني وسليمان التيمي وعبد الله بن عوف ويونس ابن عبيد والقاسم بن ربيعة وخالد بن أبي عمران وأشعث بن عبد الملك الحمراني وقتادة وحفص بن سليمان وإياس بن معاوية القاضي وبعدهم سوار القاضي وأبو بكر العتكي وعثمان بن سليمان البتي وطلحة ابن إياس القاضي وعبيد الله بن الحسن العنبري وأشعث بن جابر بن زيد.

 

ص -25-   ثم بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن داود الحرشي وإسماعيل بن علية وبشر بن المفضل ومعاذ بن معاذ العنبري ومعمر بن راشد والضحاك ابن مخلد ومحمد بن عبد الله الأنصاري.
فصل المفتين بالكوفة
وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة وعمرو بن شرحبيل الهمداني ومسروق بن الأجدع الهمداني وعبيدة السلماني وشريح بن القاضي وسليمان بن ربيعة الباهلي وزيد ابن صوحان وسويد بن غفلة والحارث بن قيس الجعفي وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي وخيثمة بن عبد الرحمن وسلمة بن صهيب ومالك بن عامر وعبد الله بن سخبرة وزر بن حبيش وخلاس بن عمرو وعمرو بن ميمون الأودي وهمام بن الحارث والحارث بم سويد ويزيد بن معاوية النخعي والربيع بن خيثم وعتبة بن فرقد وصلة ابن زفر وشريك بن حنبل وأبو وائل شقيق بن سلمة وعبيد بن نضلة وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ويستفتيهم الناس وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك وأكثرهم أخذ عن عمر وعائشة وعلي ولقي عمرو بن ميمون الأودي معاذ بن جبل وصحبه وأخذ عنه وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده ففعل ذلك ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة وميسرة وزاذان والضحاك.

 

ص -26-   ثم بعدهم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي وسعيد بن جبير والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وأبو بكر بن أبي موسى ومحارب بن دثار والحكم بن عتيبة وجبلة بن سحيم وصحب ابن عمر ثم بعدهم حماد بن أبي سليمان وسليمان بن المعتمر وسليمان الأعمش ومسعر بن كدام ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله سبرمة وسعيد بن أشوع وشريك القاضي والقاسم بن معن وسفيان الثوري وأبو حنفية والحسن بن صالح بن حي ثم بعدهم حفص بن غياث ووكيع بن الجراح وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي وزفل بن الهذيل وحماد بن أبي حنيفة والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي ومحمد بن الحسن قاضي الرقة وعافية القاضي وأسد بن عمرو ونوح بن دراج القاضي وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافي ابن عمران وصاحبي الحسن بن حي الزولي ويحيى بن آدم فصل في المفتين بالشام
وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخولاني وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي وحبان بن أمية وسليمان بن حبيب المحاربي والحارث بن عمير الزبيدي وخالد بن معدان وعبد الرحمن بن غنم الأشعري وجبير بن نفير ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول وعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وكان عبد الملك بن مروان يعد في المفتين قبل أن يلي ما ولى وحدير بن كريب.

 

ص -27-   ثم كان بعدهم يحيى بن حمزة القاضي وأبو عمرو وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وإسماعيل بن أبي المهاجر وسليمان بن موسى الأموي وسعيد ابن عبد العزيز ثم مخلد بن الحسين والوليد بن مسلم والعباس بن يزيد صاحب الأوزاعي وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك فصل في المفتين بمصر ومن المفتين من أهل مصر يزيد بن أبي حبيب وبكير بن عبد الله بن الأشج وبعدهما عمرو بن الحرث وقال ابن وهب: "لو عاش لنا عمرو بن الحرث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره" والليث بن سعد وعبيد الله بن أبي جعفر وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب وعثمان بن كنانة وأشهب وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل ثم أصحاب الشافعي كالمزني والبويطي وابن عبد الحكم ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي إلا قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف وأبي جعفر الطحاوي مفتو القيروان وكان بالقيروان سحنون بن سعيد وله كثير من الاختيار وسعيد بن محمد الحداد مفتو الأندلس وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وبقي بن مخلد وقاسم بن محمد صاحب الوثائق تحفظ لهم فتاو يسيرة وكذلك مسلمة بن عبد العزيز القاضي ومنذر بن سعيد قال: "أبو محمد بن حزم وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف" مسعود بن سليمان ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر.

 

ص -28-   فصل في المفتين باليمن
وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء وعبد الرزاق بن همام وهشام ابن يوسف ومحمد بن ثور وسماك بن الفضل فصل في المفتين ببغداد وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ولما بناها المنصور أقدم إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا فكان من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه وكان أحمد يعظمه ويقول هو في سلاح الثوري إمام أهل السنة وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسنة حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظون نصوصه وفتاواه ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوي الصحابة ومن تأمل فتاواه وفتاوي الصحابة رأي

 

ص -29-   مطابقة كل منهما على الأخرى ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان وكان تحريه لفتاوي الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل قال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء في مسألة: "قلت لأبي عبد الله حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت قال أبو عبد الله رحمه الله عن الصحابة أعجب إلي".
فصل: الأصول التي بنيت عليها فتاوى ابن حنبل وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول.
الأصل: الأول النصوص
فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس ولا إلى خلافة في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر ولا خلافة في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول صلى الله عليه وسلم فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفي عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة الأسلمية ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك

 

ص -30-   وهذا كثير جدا ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ولفظه ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كاذب من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه فليقل لا نعلم الناس اختلفوا" هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكنه يقول: "لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك" هذا لفظه ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده.

 

ص -31-   فصل: الأصل الثاني فتاوى الصحابة
الأصل الثاني: من أصول فتاوى الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ولم يقل إن ذلك إجماع بل من ورعه في العبارة يقول لا أعلم شيئا يدفعه أو نحو هذا كما قال في رواية أبي طالب: "لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد" وهكذا قال أنس بن مالك: "لا أعلم أحدا رد شهادة العبد حكاه" عنه الإمام أحمد وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا.
فصل: الأصل الثالث الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا
الأصل الثالث من أصوله إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكي الخلاف فيها ولم يجزم بقول قال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء في مسائله: "قيل لأبي عبد الله يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه قيل له أفيجاب عليه قيل لا".
فصل الأصل الرابع الحديث المرسل
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث والضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه
وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع أهل

 

ص -32-   الحديث على ضعفه وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه وقدم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقدم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على محض القياس فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا وقدم الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد وقدم في أحد قوليه حديث من قاء أو رعف فليتوضأ وليبئن على صلاته على القياس مع ضعف الخبر وإرساله وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابى على القياس.
فصل: الأصل الخامس القياس للضرورة
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة وقد قال في كتاب الخلال: "سألت الشافعي عن القياس فقال إنما يصار إليه عند الضرورة أو ما هذا معناه" فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه وعليها مدارها وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لاختلاف الصحابة فيها أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف كما قال لبعض أصحابه إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.

 

ص -33-   وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك ويدل عليهم ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه ولا يسوغ العمل بفتواه.
قال ابن هانىء: "سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار قال أبو عبد الله رحمه الله يفتي بما لم يسمع قال وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها قال فإثمها على من أفتاها قلت على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها قال يفتي بالبحث لا يدري أيش أصلها".
وقال أبو داود في مسائله: "ما أحصى ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري قال وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه كان أهون عليه أن يقول لا أدري".
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: "سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن ابن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من وراءك أني لا أدري.
وقال عبد الله كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن المسائل فيقول لا أدري ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيرا ما كان يقول سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه قال وسمعت أبي يقول كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ويقول من يحسن هذا".
فصل: تورع السلف عن الفتيا
وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.

 

ص -34-   وقال عبد الله بن المبارك: "حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
وقال الإمام أحمد: "حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه".
وقال مالك عن يحيى بن سعيد: "أن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس ابن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان فقال عبد الله بن الزبير إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم ائتنا فأخبرنا فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره".
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: "قال ابن عباس: "إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون" قال مالك وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك رواه ابن وضاح عن يوسف بن عدي بن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله ورواه حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله.
وقال سحنون بن سعيد: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".

 

ص -35-   قلت الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا وكان سعيد بن المسيب أيضا واسع الفتيا وكانوا يسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: "كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا" قال: "وكانوا يدعونه سعيد ابن المسيب الجريء".
وقال سحنون: "إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر فلم ألام على حبس الجواب" وقال ابن وهب: "حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: "إنما يفتي الناس أحد ثلاثة من يعلم ما نسخ من القرآن أو أمير لا يجد بدا أو أحمق متكلف" قال فربما قال ابن سيرين فلست بواحد من هذين ولا أحب أن أكون الثالث.
المراد بالناسخ والمنسوخ عند السلف والخلف
قلت مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.
وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: "قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه وأمير لا يجد بدا وأحمق

 

ص -36-   متكلف" قال ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا".
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب جامع فضل العلم: "حدثنا خلف ابن القاسم ثنا يحيى بن الربيع ثنا محمد بن حماد المصيصي ثنا إبراهيم بن واقد ثنا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن حسين إمامنا قال: "رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت ما فعل الله بك يا أبا حنيفة قال: غفر لي فقلت له بالعلم" فقال: ما أضر الفتيا على أهلها فقلت: فبم قال بقول الناس في ما لم يعلم الله أنه مني" قال أبو عمر: "وقال سحنون يوما إنا لله ما أشقى المفتي والحاكم ثم قال هانذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق أما كنت عن هذا غنيا".
الفرق بين المفتي والقاضي
قال أبو عمرو: قال أبو عثمان الحداد: "القاضي أيسر مأثما وأقرب إلى السلامة من الفقيه" يريد المفتي لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول والقاضي شأنه الأناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة انتهى.
وقال غيره: "المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي لأنه لا يلزم بفتواه وإنما يخبر بها من استفتاه فإن شاء قبل قوله وإن شاء تركه وأم القاضي فإنه يلزم بقوله فيشترك هو والمفتي في الأخبار عن الحكم ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء فهو من هذا الوجه خطره أشد".
خطر تولي القضاء
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكر عندها القضاة فقالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط" وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه: "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا وكل به ملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم فيرفع رأسه

 

ص -37-   إلى الله فإن أمره أن يقذفه قذفة في مهوى أربعين خريفا" وفي السنن من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار ورجل عرف الحق فجار فهو في النار".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق ولم يقض على هوى ولا على قرابة ولا على رغب ولا رهب وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه" وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار" وفي سنن البيهقي من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار برىء الله منه ولزمه الشيطان" وفيه من حديث حسين المعلم عن الشيباني عن ابن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله نفسه" وفي السنن الأربعة من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قعد قاضيا بين المسلمين فقد ذبح نفسه بغير سكين" وفي سنن البيهقي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للأمراء وويل للعرفاء وويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم كانت متعلقة بالثريا يتجلجلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا".
خطر تولي الإفتاء
وأما المفتي ففي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم

 

ص -38-   الرشد في غيره فقد خانه" فكل خطر على المفتي فهو على القاضي وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتى وغيره.
وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ومن قال كذا لزمه كذا والقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين فقضاؤه خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير.