مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

طواف الوداع
في الحج والعمرة

(23/321)


س1387: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الو داع؟ ومتى يكون؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع واجب على كل إنسان غادر مكة وهو حاج أو معتمر، فإذا قدم الإنسان للحج أو للعمرة وأتى بذلك فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع، أما إذا قدم إلى
مكة لغير حج ولا عمرة، بل لعمل أو لزيارة قريب، أو ما أشبه ذلك، فإن طواف الوداع لا يلزمه حينئذ، لأنه لم يأت بنسك حتى يلزمه طواف الوداع.
ويجب أن يكون طواف الوداع آخر شيء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) ولكن العلماء- رحمهم الله- رخصوا لمن طاف طواف الوداع في الأشياء التي يفعلها وهو عابر وماشي، مثل أن يشتري حاجة في طريقه، أو أن ينتظر رفقة متى جاءوا ركب ومشى، وأما من طاف للوداع ثم أقام ونوى إقامة لغير هذه الأشياء وأمثالها فإنِه يجب عليهِ أن يعيد طواف الوداع.
س1388: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف طواف الوداع في الصباح ثم نام وأراد أن يسافر بعد العصر فهل يلزمه أن يعيد طواف الوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: عليه أن يعيد طواف الوداع في العمرة والحج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (2) قال ذلك في حجة الوداع، فابتداء وجوب طواف
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) تقدم ص 85.

(23/323)


الوداع من ذلك الوقت، فلا يرد علينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك ولم ينقل عنه أنه ودع؛ لأن طواف الوداع إنما وجب في حجة الوداع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك" (1) وهذا عام يستثنى منه الوقوف، والمبيت، والرمي، لأن هذا خاص بالحج بالاتفاق، ويبقى ما عداه على العموم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى العمرة حجاً أصغر كما في حديث عمرو بن حزم الطويل المشهور الذي تلقاه العلماء بالقبول، وهو حديث مرسل (2) ، لكنه صحيح لتلقي العلماء له بالقبول؟ ولأن الله تعالى قال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله) وإذا كان طواف الوداع من إتمام الحج فهو أيضاً من إتمام العمرة. ولأن هذا الرجل المعتمر دخل المسجد الحرام بتحية فلا ينبغي أن يخرج منه إلا بتحية.
وعلى هذا فإن طواف الوداع يكون واجباً في العمرة كالحج، وهناك حديث أخرجه الترمذي: "إذا حج الرجل، أو اعتمر فلا يخرج حتى يكون آخر عهده بالبيت" (3) . وهذا الحديث فيه ضعف
لأنه من رواية الحجاج بن أرطاة، ولولا ضعف هذا الحديث لكان نصًّا في المسألة وقاطعاً للنزاع، ولكن لضعفه لم يقو على الاحتجاج
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب غسل المخلوق ثلاث مرات (رقم 1536) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (رقم 1180) .
(2) أخرجه ابن حبان (793) والحاكم (1/395) .
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت (رقم 946) وقال: حديث غريب. وقال الألباني: منكر بهذا اللفظ، وصح
معناه دون قوله: لا "أو اعتمر".

(23/324)


به، إلا أن الأصول التي ذكرناها آنفاً تدل على وجوب طواف الوداع للعمرة.
ولأنه إذا طاف للعمرة فهو أحوط وأبرأ للذمة؛ لأنك إذا طفت للوداع في العمرة، لم يقل أحد إنك أخطأت، لكن إذا لم تطف قال لك من يوجب ذلك: إنك أخطأت، وحينئذ يكون الطائف مصيباً بكل حال، ومن لم يطف فإنه على خطر، ومخطئ على قول بعض أهل العلم.
س1389: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تّعالى-: نسمع من أغلب الناس يقولون من طاف طواف الوداع! يبت في حدود مكة نهائياً وإن نام تلك الليلة في مكة لزمه طواف مرة أخرى بالبيت فهل هذا صحيح أم لا؛ لأننا أحياناً نحرج في ذلك حيث نأتي متعبين ولا نستطيع الخروج قبل أن نأخذ الراحة في مكة والطواف مرة أخرى يصعب علينا لوجود الزحام من الحجاج؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع يجب أن يكون آخر أمور الإنسان؛ لأن النبي عكف يقول:! لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) ولأبي داود: "حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" وعلى هذا فأعد لنفسك بأنك لا تطف للوداع حتى تنتهي من جميع أمورك، ثم تخرج مباشرة، لكن يسمح للإنسان بعد طواف الوداع أن يصلي الصلاة إذا كانت قد دخل وقتها، وأن يشتري حاجة بطريقه وهو ماش، وأما كونه يبقى بمكة فإنه إن بقي يجب عليه
__________
(1) تقدم ص 80.

(23/325)


إعادة طواف الوداع، وعلى هذا فلا حرج عليكم أن تخرجوا من حدود مكة ثم تبيتون في الطريق وتستريحون ثم تستأنفون السير.
س1390: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمنا بالحج متمتعين قبل عامين من الآن وقمنا بأعمال الحج كاملة من طواف الإفاضة والسعي والمبيت والوقوف بعرفات والهدي ولكن ظنًّا منا بأنه ليس علينا طواف وداع لم نطف للوداع، لأننا كلنا نظن أن طواف الوداع للقادمين من خارج المملكة فقط وهذا اعتقادنا فهل ما قمت به صحيح؟ وإذا لم يكن صحيحاً فما العمل؟ وما هي الكفارة علماً بأننا من سكان جدة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: ما قام به السائل من أعمال الحج فكله صحيح، لكن الوداع تركه غير صحيح، قال ابن عباس - رضي الله عنهما-: كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) فأهل جدة ومن دون جدة أيضاً إذا خرجوا من مكة بعد حج أو عمرة وجب عليهم طواف الوداع، إلا إذا أخروا طواف الإفاضة وطافوه عند الوداع فإنه لمجزئ عن طواف الوداع، وكذلك في العمرة إذا طافوا وسعوا وقصروا ثم رجعوا إلى أهليهم، فليس عليهم وداع، لأن الطواف الأول كاف، والقاعدة عند أهل العلم في مثل هؤلاء: أنه يلزم كل واحد منهم دم، أي فدية تذبح في مكة، وتوزع على الفقراء لتركهم هذا الواجب.
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/326)


س1391: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت بطفلة رضيعة ولم أطف بها طواف الوداع فما الحكم في ذلك؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: ليس عليك شيء، الصغار ما جاء منهم من المناسك فاقبلوه، وما تركوه لا تطالبون به، ولكني أشير على إخواننا أن لا يحجوا الصغار في هذه المواسم، لأن في ذلك تضييقاً عليهم، وعلى أطفالهم تعب ومشقة، وتحجيجهم ليس بواجمب، غاية ما في ذلك أن لهم فيه أجراً، لكن هذا الأجر الذي يحصلونه ربما يفوتهم من الأجر في تكميل مناسكهم أكثر وأكثر مما حصلوه من حج هذا الصبي، والإنسان ينبغي له أن يكون بصيراً بالشرع قبل أن يفعل، ولهذا لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة- رضي الله عنهم- أن يحجوا أطفالهم، وغاية ما روي عنهم أن امرأة رفعت صبيًّا لها، وقالت: أن هذا حج؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : "نعم ولك أجر" (1) . فإذا كان تحجيجنا هؤلاء الصغار سيفوتنا سنناً كثيرة في عبادتنا التي جئنا من أجلها فترك تحجيجهم أولى من تحجيجهم.
س1392: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الحاج إذا خرج في يوم التروية يريد أن يذهب إلى الحل مثلاً يريد أن يخرج إلى عرفة فهل يلزمه طواف وداع أم لا؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: لا يلزمه طواف وداع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من مكة إلى منى، ثم إلى عرفة، ولم يطف طواف الوداع فإذا قال قائل: النبي عليه الصلاة والسلام مازال في نسكه، قلنا:
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حجة الصبي (رقم 1336) (459) .

(23/327)


كثير من الصحابة- رضي الله عنهم- حلوا من إحرام العمرة لأنهم لم يسوقوا الهدي وابتدءوا الحج من جديد في اليوم الثامن، ومع ذلك ما أمروا بأن يذهبوا إلى البيت فيطوفوا طواف الوداع، فليس طواف الوداع في هذه الحال مشروعاً.
س1393: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للوداع أشواط معدودة أو يطوف الإنسان ما شاء واحداً أو خمسة أو عشرة المهم أن يطوف حول الكعبة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا أطلق الطواف فالمراد به الطواف المشروع وهو لا يقل عن سبعة أشواط ولا يزيد عليها، كما أننا إذا قلنا: (صلاة) فهي الصلاة المشروعة التي لها صفة معينة، من ركوع وسجود وقيام وقعود، فالطواف إذا أطلق فإنما المراد به الطواف بالبيت، وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وفي رواية لأبى داود: لا حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (2) والطواف إذا أطلق فهو سبعة أشواط.
س1394: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج ورمى الجمرات ثم ذهب إلى مكة وطاف طواف الوداع وانتهى من ذلك في
__________
(1) تقدم ص 85.
(2) تقدم ص 88.

(23/328)


حدود الساعة الخامسة قبل المغرب ثم ذهب إلى مسكنه في العزيزية وكان في نيته أخذ أغراضه والسفر إلى جدة مباشرة لأن له قريباً بها، ولكن نظراً لحالته الصحية التي أصابته يوم عرفة لم يستطع فأجل سفوه حتى الصباح فنام في مسكنه واستيقظ وسافر من مكة إلى جدة في حدود الساعة التاسعة صباحاً، ولم يعد طواف الوداع ثم غادر جدة إلى بلده فماذا يلزمه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: كان الواجب عليه أدن يرحم من جدة ويطوف قبل أن يسافر، فالذي أرى أنه احتياطاً أن يذبح فدية في مكة وتوزع على الفقراء.
س1395: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ترك طواف الوداع بحجة أن هناك زحمة شديدة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: يجب أن يطوف للوداع ولو محمولاً، ولهذا قالت أم سلمة- رضي الله عنها- للرسول - صلى الله عليه وسلم - في طواف الوداع: إنني مريضة قال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" (1) ولم يعذرها، فطواف الوداع واجب، لكن لو أن الإنسان تركه فحجه تام، إلا أنه آثم إذا تعمد، وعليه عند أهل العلم فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
س1396: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحاج إذا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكباً (رقم 1633) ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره (رقم 1276) .

(23/329)


طاف طواف الوداع أن يعود للبيت؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع يجب أن يكون آخر أمور الإنسان إذا فرغ من كل شيء، وأراد أن يركب السيارة يطوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وهو - صلى الله عليه وسلم - طاف للوداع في آخر الليل، وصلى الفجر ومشى، فمثلاً إذا قدرنا أن موعد الرحلة بعد صلاة الفجر مباشرة نقول: طف للوداع قبل أذان الفجر ثم صل الفجر وتوكل على الله، لكن لو طاف للوداع بعد المغرب وهو لا يريد السفر إلا في الصباح فهذا لا يجوز، وإن فعل ذلك فعليه أن يعيد الطواف ويكون الطواف الأول طواف سنة.
س1397: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز طواف النافلة قبل طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان إذا خف المطاف ولم يكن عليه ضيق، ولا تضييق على أحد أن يطوف، ثم إذا أراد السفر يطوف للوداع.
س1398: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حج أبي في العام الماضي وهو رجل عامي ويمشي على رجل واحدة معتمداً على عصا فسمع أن طواف الوداع ستة أشواط ونظراً لظروفه تركها فماذا يجب
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/330)


أن أفعله بالنسبة له حتى أطمئن على أداء هذه الشعيرة على الوجه الأكمل خصوصاً وأنني لم أتمكن من الحج هذا العام فهل أعطي لبعض الحجاج قيمة الدم ثم يذبحوا عنه أم أكلفه بالطواف عنه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: مادام والدك لم يترك إلا طواف الوداع فقط، فإن أهل العلم يقولون فيمن ترك واجباً من واجبات الحج: يجب عليه أن يذبح فدية في مكة يوزعها على الفقراء، وعلى
هذا فتوكل أحداً من الذاهبين إلى مكة ليشتري شاة أو معزاً ويذبحها ويتصدق بها على الفقراء هناك.
س1399: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في مكة المكرمة منذ عامين فهل عندما يسافر في فترة إجازته السنوية يجب أن يطوف طواف وداع مع العلم أنه يحج له أو لأهله المتوفين؟ وهل يصح طواف الوداع ليلاً ثم السفر صباحاً؟ وهل يمكن النوم بعد الطواف وتناول الطعام أو شراؤه ثم السفر أم لا؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع واجب على كل إنسان غادر مكة وهو حاج أو معتمر، فإذا قدمت للحج أو العمرة وأتيت بذلك، فإنك لا تخرج حتى تطوف للوداع، أما إذا قدمت إلى
مكة لغير حج ولا عمرة، بل لعمل، أو لزيارة قريب، أو ما أشبه ذلك فإن طواف الوداع لا يلزمك حينئذ، لأنك لم تأت بنسك حتى يلزمك طواف الوداع.
لا يصح أن يطوف في الليل ثم يسافر في النهار، فيجب أن يكون طواف الوداع آخر شيء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفر أحد حتى

(23/331)


يكون آخر عهده بالبيت" (1) ولكن العلماء رخصوا لمن طاف طواف الوداع أن يشتري حاجة في طريقه أو أن ينتظر رفقة وأما من طاف للوداع ثم أقام فإنه يجب عليه أن يعيد طواف الوداع.
س1400: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت بيت الله الحرام ثلاث مرات، وفي كلل مرة لم تتمكن من طواف الوداع لأعذار شرعية، فتسافر دون الطواف فهل حجها صحيح؟
فأجاب- رحمه الله- بمّوله: من لم يطف طواف الوداع حجه صحيح؛ لأن طواف الوداع منفصل من الحج، ولهذا لا يجب على أهل مكة، ولو كان من واجبات الحج الداخلة فيه لكان واجباً على أهل مكة، لكنه وأجب مستقل لكل من أراد الخروج من مكة من حاج أو معتمر، وإذا كان لهذه السائلة أعذار شرعية وهي الحيض فإن الحائض يسقط عنها طواف الوداع؟ لقول أبن عباس- رضي الله
عنهما-: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) ، وعلى هذا فإن حجك صحيح وليس عليك شيء مادام العذر عذراً شرعيًّا وهو الحيض؟ لأنه خفف عنك الأمر
والحمد لله.
س1401: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: في السنة الماضية قمت بأداء فريضة الحج طلباً للمغفرة وأداء ركن من
__________
(1) تقدم ص 80.

(23/332)


أركان الإسلام، وعند طواف الوداع أحدثت أثناء الطواف وكنت أجهل بالحكم، وواصلت حتى نهاية الطواف، وصليت بعدها ركعتين عند مقام إبراهيم، وجهلت الحكم أيضاً أو تجاهلت لكثرة
الزحام ما هو الحكم في ذلك؟ وماذا يجب أن أفعل؟ وهل حجي صحيح؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما حجك فإنه صحيح؛ لأن طواف الوداع منفصل منه، فهو واجب مستقل، وعلى هذا فلا يكون في حجك منفصل، ولكن إحداثك في أثناء الطواف مبطل له على قول من يرى أنه تشترط الطهارة من الحدث للطواف، وإذا كان مبطلاَّ لَه فإنك تعتبر غير طائف طواف الوداع، وطواف الوداع على القول الراجح من أقوال أهل العلم واجب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به فقال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهدهم بالبيت" (1) وقال ابن
عباس- رضي الله عنهما-: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أْنه خفف عن الحائض" (2) ، فقوله: "خفف عن الحائض" يدل على أنه على غيرها واجب، ولو كان غير واجب لكان
مخففاً عنها وعن غيرها، وقاعدة أهل العلم وعامتهم على أن من ترك واجباً فعليه دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء، والذي فهمته من كلام السائل حيث قال: (جهلت أو تجاهلت) أنه في
طوافه وصلاته الركعتين بعده وقد أحدث، فيه تهاون فني هذا الأمر، نرجو الله تعالى له العفو والمغفرة، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى مما
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) تقدم ص 80.

(23/333)


صنع، وألا يعود، بل إذا حصل له حدث أثناء الطواف فليخرج، وإن كان في ذلك مشقة عليه فليحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى.
س1402: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: زوجته حامل في الشهر الثالث وبعد طواف الحج نزل منها دم خفيف جداً فهل عليها طواف الوداع؟ وهل تصلي؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: نعم هذه تصلي، هذه امرأة حامل نزل عليها دم في حملها فهذه تصلي وتطوف ويأتيها زوجها؛ لأن الحامل لا تحيض، فدمها دم فساد لا حكم له، اللهم إلا حاملاً
استمر معها الدم على عادته فهذه بعض النساء يستمر معها دم الحيض في أول الحمل ثم ينقطع.
س1403: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حاضت في الحج وأكملت حجها وسعت بين الصفا والمروة وتريد أن تؤخر طواف الإفاضة مع الوداع بعد الطهر هل عملها هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لا بأس، ولا حرج عليها أن تؤخر طواف الإفاضة وتطوفه عندِ السفر، ويغني ذلك عن طواف الوداع.
س1404: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت مع زوجها عام 1409هـ وبعد رمي الجمرات يوم الثاني عشر خرجوا إلى مدينة جدة وفي اليوم التالي صنوا الظهر ثم اتجهوا إلى مكة لطواف

(23/334)


الوداع ومن ثم يعودون إلى مكان إقامتهم ولكن قبل مغادرة جدة صافح المرأة بعض الرجال الأجانب ولم تستطع أن تجدد وضوءها وطافت بالبيت طواف الوداع وهي على تلك الحال فما حكم هذا الطواف؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أقول إن خروج هذه المرأة وزوجها إلى جدة قبل طواف الوداع، ينظر فيه هل جدة هي مكان إقامتهم، إن كانت جدة مكان إقامتهم، فإن خروجهم إليها من مكة قبل طواف الوداع محرم، ولا ينفعهم الرجوع بعد ذلك والطواف بل عليهم الفدية تذبح في مكة، وتوزع على الفقراء على كل واحد منهم شاة تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، أما إذا لم تكن جدة مكان إقامتهم ولكنهم خرجوا إليها في حاجة، على أن من نيتهم أن يعودوا إلى مكة ويطوفوا للوداع ويخرجوا إلى مكان إقامتهم، فإنه لا شيء عليهم.
وأما ما ذكرت من أنها سلمت على بعض الرجال قبل الطواف ثم طافت بعد ذلك بدون وضوء، فإن ذلك لا يضر بالنسبة للطواف، لأن مس المرأة للرجل، أو مس الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء، حتى وإن كان بشهوة على القول الراجح، ولكن مصافحتها للرجال الأجانب حرام عليها، ولا يحل لها أن تكشف وجهها، ولا أن تصافح الرجال الأجانب، ولو كانت كفاها مستورتين بقفاز أو غيره، والواجب عليها أن تتوب إلى الله مما صنعت من مصافحة الرجال الأجانب، وألا تعود لمثل ذلك.
وهنا أنبه على مسألة خطيرة في هذا الباب وهي: أن بعض

(23/335)


الناس اعتادوا أن يصافح أخ الزوج زوجة أخيه، أو يصافح ابنة عمته، وهذه العادة عادة سيئة محرمة، ولا يحل لامرأة أن تصافح رجلاً ليس من محارمها أبداً ولو كان ابن عمها، أو أبن خالها، أو
ابن عمتها، أو ابن خالتها، أو أخ زوجها، أو زوج أختها، كل هذا حرام ولا يجوز، والشيطان يجري من أَبن آدم لمجرى الدم، قد يقول قائل: أنا أصافحها وأنا بريء، وأنا واثق من نفسي أن لا تتحرك
شهوتي، وأن لا أتمتع بمسها. فنقول له: ولو كان الأمر كذلك؛ لأن هذه المسألة حساسة جداً، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولهذا جاء ني الحديث: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان
الشيطان ثالثهما" (1) ، وما ظنك باثنين الشيطان يكون ثالثهما، كذلك أيضاً إذا مس الوجل المرأة فإن الشيطان سوف يجعل في نفسه حركات، وإن كان بعيداً منها، لكن هو على خطر، ولهذا أحذر من أن تصافح المرأة من ليس من محارمها.
قد يقول قائل: أنا لو تجنبتها ومدت إلي يدها، وقلت: هذا لا يجوز، لأثر ذلك على العلاقة بيني وبينها، أو بيني وبين أبيها، إن كانت بنت عمي، أو بينها وبين أخي إن كانت زوجته، أو ما أشبه
ذلك.
فأقول له: أتخشونهم فالله أحق أن تخشاه، ولقد قال الله عز وجل لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أشرف الخلق: (وَاتَّقِ الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من اكتتب له جيش فخرجت امرأته حاجة... (رقم 3006) ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (رقم 1341) .

(23/336)


الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) وإذا كان أقاربك من أخ، أو عم، أو أي أحد يجدون في أنفسهم عليك إذا أنت فعلت الحق، أو تجنبت باطلاً، فليكن ذلك، فإنه لا إثم عليك، وإنما الإثم عليهم من وجهين:
الوجه الأول. أنهم وجدوا عليك في أنفسهم وهم من أقاربك.
والوجه الثاني: أنهم وجدوا عليك، لأنك فعلت ما تقتضيه الشريعة، وأي إنسان لا يكره شخصاً لما تقتضيه الشريعة، بل الذي ينبغي أن من فعل ما تقتضيه الشريعة، ولاسيما مع مخالفة العادات
الذي ينبغي ألط يجل هذا الوجل، وأن يعظم ويكرم وأن يكون له في قلوبنا منزلة أرقى وأعلى من منزلته السابقة.
س1405: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى فريضة الحج ونظراً لتعبه وكبر سنه لم يكمل طواف الشوط الأخير من طواف الوداع فقد طاف ستة أشواط فقط فما الحكم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الطواف لا بد أن يكون سبعة أشواط، يبتدئ بها من الحجر، وينتهي بها إلى الحجر، فإن نقص شوطاً وأحداَ، أو خطوة واحدة لم يصح الطواف؟ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) وبناء على القول الراجح من قول أهل العلم أن طواف الوداع واجب، والقاعدة عند العلماء أن ترك الواجب فيه فدية شاة أنثى من الضأن، أو ذكر من الضأن،
__________
(1) تقدم ص 147.

(23/337)


أو أنثى من الماعز، أو ذكر من الماعز تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
س1406: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من لم يتمكن من مغادرة مكة بعد طواف الوداع لأن الطواف كان ليلاً ومعه أطفال وغادر مكة في اليوم التالي ما حكمه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الواجب على من أراد السفر من مكة بعد حجه أو عمرته أن يجعل الطواف آخر عهده، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم
بالبيت الطواف) ولكن لو فرض أن الرجل طاف للوداع بناء على أنه خارج ولكنه اشتغل بشيء يتعلق بالسيارة بإصلاحها مثلاً، أو انتظار رفقة أو ما أشبه ذلك، فلا تجب عليه إعادة الطواف،
وكذلك قال العلماء لو اشترى حاجة في طريقه لا بقصد التجارة، فإنه لا يجب عليه إعادة الطواف، ولكن إذا قرر الإنسان بعد أن طاف طواف الوداع البقاء في مكة من الليل إلى النهار أو من النهار
إلى الليل فإن عليه أن يعيد طواف الوداع من أجل أن يكون آخر عهده بالبيت.
س1407: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حاج من أهل مكة ويريد الذهاب إلى الرياض بعد انتهاء الحج والعودة بإذن الله تعالى بعد أسبوع هل عليه طواف وداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الرجل من أهل مكة وحج

(23/338)


وسافر بعد الحج فليطف للوداع، لقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان الناس ينصرفون من كل وجه يعني بعد الحج، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وهذا عام، فنقول لهذا المكي: ما دمت سافرت في أيام الحج وقد حججت
فلا تسافر حتى تطوف.
س1408: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن حاج ترك طواف الوداع فماذا يلزمه وهو الآن في بلده؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا كان لم يترك إلاّ طواف الوداع فقط، فإن أهل العلم يقولون فيمن ترك واجباً من واجبات الحج: يجب عليه أن يذبح فدية في مكة، يوزعها على الفقراء، وحجه
صحيح.
س1409: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أدينا طواف الوداع لحج العام قبل الماضي في الدور الثاني نظراً لشدة الزحام، وقررنا أن نطوف بدءاً من الشوط الرابع في الدور الأرضي وبعد نزولنا ونحن في الطريق عبر المسعى تجاوزنا الحجر الأسود بدون نية الدخول فيه ولكنا فضلنا العودة مرة أخرى للدور الثاني وأكملنا بقية طوافنا على هذا الأساس بحيث إذا وصلنا منطقة الزحام نتلافه بالطواف من داخل المسعى ثم العودة مرة أخرى للدور الثاني، فما حكم طوافنا؟
وماذا يجب علينا جزاكم الله خيراً؟
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/339)


فأجاب- رحمه الله- بقوله: الطواف غير صحيح لنقص الشوط الرابع، حيث مشوا جزءاً منه بغير نية، وعلى هذا فعلى القادر ذبح شاة في مكة توزع عل الفقراء جبراً لما نقص، وأما غير
القادر فلا شيء عليه.
س1410: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حاجة وحاضت قبل طواف الوداع فما الحكم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الحكم في هذا أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة، وأتاها الحيض أن أتممت مناسك الحج ولم يبق عليها إلا طواف الوداع، فإن طواف الوداع يسقط عنها في هذه
الحال، لحديث ابن عباس- رضي الله عنها- قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض" (1) ولما قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن صفية بنت حيي حاضت وكانت قد طافت- رضي الله عنها- طواف الإفاضة، قال: "فانفروا إذاً" (3) وأسقط عنها طواف
الوداع.
أما طواف الإفاضة فإنه لا يسقط بالحيض فإما أن تبقى المرأة في مكة حتى تطهر وتطوف طواف الإفاضة، وإما ما أن تذهب إلى بلدها على ما بقى من إحرامها، فإذا طهرت عادت فأتت بطواف
الإفاضة، وهنا يحسن إذا عادت أن تأتي أولاً بعموة فتطوف وتسعى وتقصر، ثم تطوف طواف الإفاضة. وإذا كانت لا يمكنها ذلك بأي
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (رقم 1757) .

(23/340)


حال من الأحوال فإنها تضع على محل الحيض ما يمنع نزول الحمض، وتلوث المسجد به، ثم تطوف للضرورة على القول الراجح.
س1411: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة من المقيمين قاموا بأداء فريضة الحج وأدوا جميع المناسك عدا طواف الوداع إذا خرجوا من منى إلى جدة مباشرة على أن يعودوا إلى مكة لطواف الوداع قبل مغادرة المملكة إلى السودان عند انتهاء فترة عملهم بالمملكة فما الحكم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إن طواف الوداع واجب على كل من حج أو اعتصر فلا يخرج من مكة حتى يطوف للوداع طوافا بدون سعي؛ لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "كان الناس
ينفرون في كل وجه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) فهؤلاء الجماعة المقيمون في جدة من السودان حينما لم يطوفوا طواف الوداع، نقول لهم: إنهم أساءوا، وأن الواجب عليهم أن لا يغادروا مكة حتى يطوفوا الوداع؛ لأنهم غادروا مكة إلى محل إقامتهم، فيكونوا داخلين في الحديث الذي أشرنا إليه آنفاً، وعلى هذا فنقول لهم: إن كان عملهم هذا مستنداً إلى فتوى أفتاهم بها أحد من أهل العلم الذين يثقون به فإنه لا شيء
عليهم؛ لأن تلك وظيفتهم (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وإذا أخطأ المفتي لم يلزم المستفتي شيئاً؟ لقيامه بما أوجب الله عليه، وأما إذا كان عملهم هذا غير مستند إلى فتوى فإنه يلزم كل واحد
__________
(1) تقدم ص 80.

(23/341)


منهم أن يذبح فدية في مكة، ويفرقها على الفقراء، لتركهم واجب من الواجبات، وترك الواجب عند جمهور العلماء يجب فيه دم يفرق على فقراء الحرم.
س1412: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج إلى بيت الله الحرام وأكمل جميع المناسك وطاف الوداع ثم سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط اعتقاداً منه أن الحج هكذا، فماذا يجب عليه أن يفعل وقد مضى على الحج أربعة أشهر؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الواقع أنه يؤسفني أن يكون هذا الكتاب يسأل فيه مقدمه عن أمر وقع قبل أربعة شهور، فالواجب على المسلم أولاً إذا أراد أن يفعل عبادة أن يسأل عن أحكامها من
يثق به من أهل العلم، لأجل أن يعبد الله على بصيرة، والإنسان إذا أراد أن يسافر إلى بلد وهو لا يعرف طريقها، تجده يسأل عن هذا الطريق، وكيف يصل، وأي الطرق أقرب وأيسر، فكيف بطريق
الجنة وهو الأعمال الصالحة؟! فالواجب على المرء إذا أراد أن يفعل عبادة أن يتعلم أحكامها قبل فعلها.
ثانياً: إذا قدر أنه فعلها وحصل له إشكال فيها فليبادر به، لا يأتي بعد أربعة أشهر يسأل، لأنه إذا بادر حصل بذلك مصلحة وهي العلم، ومصلحة أخرى وهي المبادرة بالإصلاح إذا كان قد أخطأ في شيء.
أما بالنسبة للجواب على هذا السؤال فنقول: إن سعيه بعد طواف الوداع ظنًّا منه أن عليه سعياً لا يؤثر على حجه شيئاً، ولا على

(23/342)


طواف الوداع شيئاً، فهو أتى بفعل غير مشروع له، لكنه جاهل فلا يجب عليه شيء.
س1413: سئل فضيلة الشيخ.- رحمه الله تعالى-: أين تذبح الفدية التي لترك طواف الوداع؟ وهل يأكل منها صاحبها؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: دم ترك طواف الوداع يذبح بمكة ويفرق على فقراء الحرم كله، ولا يؤكل منه شيء.

(23/343)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
جماعة يحجون تقريباً كل سنة ويفعلون في حجهم في اليوم الثاني عشر ما يلي:
في الضحى ينزلون إلى الحرم لطواف الوداع بالنسبة للنساء، ثم يرجعون إلى منى ويتوكلون عق نسائهم في رمي الجمار، ويتركون نسائهم في الخيام، ثم يرمون الجمرات بعد الزوال ثم يتجه الرجال
فقط إلى الحرم لطواف الوداع، حيث النزول الأول لطواف النساء فقط، ثم يرجعون لخيامهم ويسافرون لبلادهم علماً أن فعلهن هذا خوفاً على نسائهم من الزحام. فهل عملهم هذا صحيح؟ أفتونا مأجورين،
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أما عمل الرجال بكونهم يرمون ثم يطوفون للوداع فصحيح.
وأما عمل النساء فغير صحيح، لأنهن يطفن للوداع قبل تمام النسك، حيث لم يرم عنهن إِلا بعد الوداع، والواجب أن يكون طواف الوداع آخر أعمال النسك، ثم هنا خطأ آخر وهو أنهن

(23/345)


يوكلن على الرمي مع القدرة على الرمي بأنفسهن، أما إن كن لا يتحملن الزحام في هذه الحال كما هو الواقع غالباً فلا حرج عليهن في التوكيل، لكن يكون طواف الوداع بعد رمي الوكيل.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/11/1415هـ.

(23/346)


س1414: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم طواف الوداع من دخل مكة بغير إحرام؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: لا يلزم طواف الوداع من دخل مكة بغير إحرام، وإنما يلزم من دخل مكة بإحرام بحج أو بعمرة، هذا ما لم يكن انصرف من عمرته فور انتهائه منها، فإن انصرف من
عمرته فور انتهائه منها، بمعنى أنه طاف وسعى وحلق أو قصر ثم ركب سيارته راجعاً، فهذا ليس عليه طواف وداع، أي أنه يكتفي بالطواف الأول.
س1415: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طواف الإفاضة يغني عن طواف القدوم والوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: نعم يغني عن طواف القدوم والوداع إذا جعله آخر شيء، لكن في هذه الحال لا نقول: (طواف القدوم) لأن طواف القدوم سقط بفعل مناسك الحج، ودليل سقوط طواف القدوم والاكتفاء بطواف الإفاضة حديث عروة بن المضرس- رضي الله عنه- حين وافى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه قدم من طيء، وأنه ما ترك جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى اَله وسلم: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" (1) . ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - طواف
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الناسك، باب من لم يدرك عرفة (رقم 1950) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (رقم 891) وابن ماجه، كتاب المناسك،=

(23/347)


القدوم ولا المبيت في منى ليلة التاسع.
وطواف الإفاضة قال العلماء إذا أخره عند السفر وطاف عند السفر أجزأه عن طواف الوداع، وهنا يبقى إشكال: هل يسعى للحج بعد طواف الإفاضة الذي جعله عند السفر، أو نقول: يسعى
أولاً ثم يطوف ثانياً، نقول: إن هذأ كله جائز، إن سعى أولاً ثم طاف، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن قال له في منى سعيت قبل أن أطوف فقال له: "لا حرج" (1) وإن طاف أولاً، ثم سعى ثانياً فلا حرج أيضاً، لأن هذا السعي تابعٌ للطواف، فلا يضر الفصل بين الطواف والسفر بهذا السعي.
س1416: سئل فضيلة الشيخ- وحمه الله تعالى-: يقول أديت فريضة الحج منذ ثلاث سنوات وكان حجي قارناً وأتممت مناسك العمرة وذهبت لأداء مناسك الحج وعند طواف الإفاضة أخرته مع طواف الوداع وبعد إتمام المناسك دخلت الحرم ولم أؤد الطواف وذهبت إلى جدة لشراء بعض الأغراض ثم عدت في نفس اليوم وطفت من يومها وخرجت من مكة إلى بلدي حائل حتى يكون آخر عهدي بالبيت وعلمت الآن بأنه كان يلزمني السمعي قبل طواف الإفاضة و الوداع فما توجيه فضيلتكم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: هذا الرجل من أهل حائل
__________
= باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (رقم 3516) وابن خزيمة (رقم 2825) والحاكم (1/463) وصححه الترمذي والحاكم.
(1) تقدم ص 197.

(23/348)


والمفهوم من سؤاله أنه حينما نزل من منى مستكملاً المناسك لم يطف طواف الإفاضة، لأنه أخره للوداع؛ لأنه سعى بين الصفا والمروة، ثم خرج إله جدة لحاجة ورجع وطاف ومشى، فبناء على سؤاله حيث قال إنه قارن بين الحج والعمرة وقد طاف وسعى أول ما قدم، فنقول له: لا سعي عليك؛ لأن القارن إذا سعى بعد طواف القدوم، كفاه عن السعي بعد طواف الإفاضة، ولا حرج محليه حين خرج من جدة قبل أن يطوف للوداع؛ لأن جدة ليست بلده، فهو في الحقيقة لم يغادر
مكة إلى بلده أو محل إقامته، ولكته رجع من جدة، ثم طاف طواف الوداع، ثم سار إلى حائل مقر عمله، وهذا العمل لا بأس به.
يبقى أن يقال: إنه قال إنه قدم إلى مكة وأدى مناسك العمرة، مع إنه يقول إنه قارن للحج والعمرة، والظاهر أن مراده بقوله (أديت مناسك العمرة) أنه طاف وسعى فظن أن ذلك عمرة مستقلة وإلا فهو على قرانه.
س1417: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يكفي طواف الإفاضة عن طواف الوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الإفاضة إذا أخره الإنسان إلى حين خروجه من مكة ثم طاف وسعى وخرج في الحال، فإن ذلك يجزئه عن طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع المقصود به أن يكون آخر عهد الإنسان بالبيت، وهذا حاصل في الطوأف المستقل الذي هو طواف الوداع، وبطواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج، ونظير ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر داخل المسجد أن يصلي

(23/349)


ركعتين، ونهاه أن يجلس حتى يصلي ركعتين ومع ذلك إذا دخل والإمام في فريضة ودخل مع الإمام بنية هذه الفريضة، أجزأت عنه تحية المسجد، فهذا مثله إذا طاف طواف الإفاضة عند خروجه
يجزئ عن طواف الوداع؛ لأنه حصل المقصود بكون آخر عهده بالبيت الطواف.
س1418: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أخر طواف الإفاضة عند خروجه فهل يجزئ عن طواف الوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إن كان أخر طواف الإفاضة إلى وقت السفر فإن طواف الإفاضة يجزئ عن طواف الوداع، أما إذا كان قدم طواف الإفاضة بمعنى أنه طاف للإفاضة يوم العيد، أو اليوم الثاني، أو الثالث قبل أن ينهي الحج، فإن هذا الطواف للوداع لا يجزئه، لكن يطوف للوداع إذا أراد أن يخرج.
س1419: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من قال إنه من أخر طواف الإفاضة وسعى بعده للحج أنه لا يكفيه عن الوداع معللاً أنه تأخر ليسعى وقد يستغرق السعي ساعات هل لهذا القول وجهة نظر؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الذي أرى أنه لا وجه له؛ لأن السعي تابع للطواف، وليس من شرط كون الطواف آخر أمره أن لا يفعل بعده عبادة، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف للوداع وصلى الفجر بعد طواف الوداع (1) ، ثم مشى، وكذلك عائشة- رضي الله
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

(23/350)


عنها- لما اعتمرت في ليلة السفر أنت بعمرة طواف وسعي وتقصير، وقد ذكر البخاري- رحمه الله- في صحيحة ترجمة على حديث عائشة - رضي الله عنها- (باب المعتمر إذا طاف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع؟) مع أنه سيحول بينهِ وبين الطواف السعي.
س1420: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل بعد طواف الوداع يسن للإنسان أن يصلي ركعتين؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الظاهر أنه يسن أن يصلي ركعتين بعد طواف الوداع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ودع البيت صلى صلاة الفجر، ولم يجعل الصلاة قبل الطواف، بل طاف أولاً ثم صلى ثانياً، وقد ذكر العلماء قاعدة عامة (كل طواف بعده ركعتان) .
س1421: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك أخطاء تحدث في الوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع يجب أن يكون آخر الأعمال في الحج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلاَّ أنه خفف عن الحائض" فالواجب أن يكون الطواف آخر عمل يقوم به الإنسان من أعمال الحج.
والناس يخطئون في طواف الوداع في أمور:
أولاً: أن بعض الناس لا يجعل الطواف آخر أمره، بل ينزل
__________
(1) تقدم ص 80.

(23/351)


إلى مكة ويطوف طواف الوداع، وقد بقي عليه رمي الجمرات، ثم يخرج إله منى فيرمي الجمرات، ثم يغادر، وهذا خطأ، ولا يجزئ طواف الوداع في مثل هذه الحال، وذلك لأنه لم يكن آخر عهد
الإنسان بالبيت الطواف، بل كان آخر عهده رمي الجمرات.
ثانياً: من الخطأ أيضاً في طواف الوداع: أن بعض الناس يطوف للوداع ويبقى في مكة بعده، وهذا يوجبا إلغاء طواف الوداع، وأن يأتي ببدله عند لسفره. لكن لو أقام الإنسان بمكة بعد طواف الوداع لشراء حاجة في طريقه، أو لتحميل العفش، أو ما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
ثالثاً: ومن الخطأ في طواف الوداع أن بعض الناس إذا طاف للوداع وأراد الخروج من المسجد رجع القهقرى، أي رجع على قفاه، يزعم أنه يتحاشى بذلك تولية البيت ظهره، أي تولية الكعبة
ظهره، وهذا بدعة، لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه- رضي الله عنهم- ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد منا تعظيماً لله تعالى ولبيته، ولو كان هذا من تعظيم الله وبيته لفعله - صلى الله عليه وسلم - ، حينئذ فإن السحنة إذا طاف الإنسان للوداع أن يخرج على وجهه ولو ولى البيت ظهره في هذه الحال،
رابعاً: ومن الخطأ أيضاً أن بعض الناس إذا طاف للوداع ثم أَنصرف ووصل إلى باب المسجد الحرام اتجه إلى الكعبة وكأنه يودعها، فيدعو أو يسلم، أو ما أشبه ذلك، وهذا من البدع أيضاً، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله ولو كان خير اً لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - . هذا ما يحضر في الآن.

(23/352)


س1422: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أجل طواف الوداع بحكم أنه من أهل جدة وقريب من مكة ويأتي به بعد خفة الزحام؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا خرج من مكة يريد جدة ووصل جدة فإنه لو أتى به لا ينفعه؛ لأنه خرج وودع فكيف ينفعه بعد أن ودع وذهب، ولهذا نقول: من كان من أهل جدة فإنه يجب
عليه أن لا يخرج من مكة حتى يودع، إلا امرأة يأتيها الحيض، أو النفاس ولا يتسنى له أن تبقى في مكة حتى تطوف للإفاضة فلا بأس أن تخرج إلى منزلها في جدة، فإذا طهرت عادت وطافت طواف
الإفاضة، وإنما استثنينا هذه المسألة؛ لأن الحائض والنفساء ليس عليهما وداع، ليس عليهما إلا طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة الآن متعذر لوجود حيض أو نفاس، فتذهب إلى جدة فإذا طهرت
عادت وطافت طواف الإفاضة، لكنها في هذه الحال يحرم عليها إن كانت متزوجة أن يقربها زوجها، لأنها لم تحل التحلل الثاني.
س1423: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح لأهل جدة النفر من منى إلى جدة دون طواف الوداع ومن ثم الرجوع بعد أيام لطواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لأهل جدة ولا غيرهم أن يذهبوا إلى بلادهم قبل الوداع ثم يرجعوا إلى مكة إذا خف الزحام يجب ألا يغادروا مكة حتى يطوفوا الوداع، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" كما قال ابن عباس: كان

(23/353)


الناس ينصرفون من كل وجه يعني من كل ناحية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت".
س1424: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي ووالدتي يعيشان في مكة وأنا أعمل وأقيم خارج مدينة مكة بمئة وخمسين كيلو متر أزورهم كل شهر فهل علي طواف وداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أراد هذا الرجل الذي حج هذا العام أن يغادر مكة إلى عمله فعليه الوداع؛ لأن مقره خارج مكة فيجب عليه الوداع.
س1425: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في الجمع بين طواف الإفاضة والوداع في ليلة الثالث عشر من شهر ذي الحجة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا أخر الإنسان طواف الإفاضة إلى السفر وطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد، فلو دخلت المسجد ووجدت الناس يصلون صلاة الفجر أجزأك ذلك عن تحية المسجد، كذلك طواف الإفاضة لمجزئك عن طواف الوداع، ولو نويتهما جميعاً حصل لك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" لكن الحذر من أن تنوي في هذا الطواف طواف الوداع دون طواف الإفاضة؛ لأن بعض الناس يقع في هذا فينسى، تجده أخر طواف الإفاضة إلى السفر، لكن عند السفر ما نوى إلا طواف الوداع هذا خطأ" لأنه إذا لم ينو إلا طواف الوداع، يبقى عليه طواف الإفاضة

(23/354)


فلابد أن يرجع ويطوف طواف الإفاضة، فلينتبه الإنسان إلى هذا.
س1426: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سعى سعي الحج في يوم النحر وهو متمتع وأخر طواف الإفاضة مع طواف الوداع فهل عليه شيء من دم وغيره، وذلك لأنه قد سمع حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سأله رجل قد سعى قبل أن يطوف فقال: "افعل ولا حرج" (1) .
فأجاب- رحمه الله- بقوله: هذا لا شيء عليه، فتقديم سعي الحج على طواف الإفاضة لا بأس به بشرط أن يكون السعي - للمتمتع- بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، وإنما ذكرنا هذا الشرط؛
لأن بعض الناس توهم أنه يجوز للإنسان أن يسعى للحج ويخرج وإذا رجع بعد الوقوف طاف، وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن تقديم السعي قبل الطواف بعد الوقوف بعرفة وبعد الوقوف بمزدلفة، ولهذا نقول: إذا كان فعله للسعي بعد أن وقف بعرفة وبات بمزدلفة، فلا بأس أن يقدم السعي على الطواف، ويؤخر الطواف إلى السفر هذا في الحج، أما في العمرة فلا يجوز تقديم سعيها على طوافها؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز ذلك، والأصل وجوب الترتيب، ولهذا لم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة- رضي الله عنها- حين
حاضت أن تقدم السعي على الطواف؛ لأنه لابد أن يكون الطواف في العمرة قبل السعي، ومن قاسها على الحج فقد قاسها مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح.
__________
(1) تقدم ص 197.

(23/355)


س1427: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فضيلة الشيخ يعلم الله أني أحبك كثيراً، وأريد أن أستفسر عما جرى لي في إحدى السنين قمت بالحجز على الطائرة في اليوم الثاني عشر، فلما ذهبت إلى طواف الوداع في ذلك اليوم تخلفت عن الطائرة فاضطررت إلى البقاء لليوم الثالث عشر،
وقد عزمت على التعجل هل عليَّ رمي الجمرة لليوم الثالث عشر مع أني بقيت مع رفقة في منى خلال هذا اليوم؟ أفتوني جزاك الله خيراً. فأجاب- رحمه الله- بقوله: لا شك أن الاحتياط للأخ السائل -أحبه الله كما أحبنا فيه- لا شك أن الأحوط في حقه أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء، لقاء ما ترك من رمي الجمرات، أما لو كان قد عزم على ترك المبيت، وعلى ترك الرمي، لكن أجبره زملاؤه على أن يبقى فبقي على غير نسك، فهذا لا شىء عليه؛ لأن الرجل تعجل لكنه حرم أجر البقاء، لأن الذي يتأخر يكون له أجر المبيت، وأجر الرمي، وأجر الاقتداءِ بالرِسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأن النبي تأخر.
س1428: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر وأراد الخروج يوم الجمعة فطاف للوداع فهل له أن يجلس ساعة بعد طواف الوداع ليصلي الجمعة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع لابد أن يكون آخر شيء، لكن لو طاف للوداع ثم حضر الإمام للجمعة وبقي معه وصلى فلا بأس أن ينصرف بعد الصلاة؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف للوداع ثم صلى الفجر ثم سافر (1) .
__________
(1) تقدم ص 351.

(23/356)


س1429: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكوت يا فضيلة الشيخ أنه يجوز تأجيل طواف الإفاضة إلى ما قبل سفر الحاج حتى ولو كان سيسافر في نهاية ذي الحجة السؤال لو أجل الحاج طواف الإفاضة إلى يوم سفره إلى بلاده فهل يغني هذا الطواف عن طواف الوداع؟ وهل يجوز للحاج أن يطوف طواف الوداع والإفاضة في نفس اليوم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: ذكرنا هذا فيما سبق على وجه التفصيل، وقلنا: لمجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة إلى سفره، فإذا طافه عند سفره كفاه عن طواف الوداع، إلا إذا تأخر سفره إلى
ما بعد شهر ذي الحجة فهنا يجب عليه أن يطوف طواف الإفاضة في شهر ذي الحجة، وذكرنا أيضاً أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى سفره فطافه بنية الإفاضة فقط أجزأه عن طواف الوداع، وإن طافه بنية الوداع فقط، لم يجزئه عن طواف الإفاضة، وإن طافه عنهما جميعاً أجزأه عنهما جميعاً، ولهذا يجب أن ننتبه وأن لا ننسى إذا أخرنا طواف الإفاضة إلى السفر أن. لا ننسى طواف الإفاضة، لأن كثيراً
من الناس ربما إذا أخره إلى السفر وطاف عند السفر لا ينوي إلا طواف الوداع، وهذا على خطر، لهذا يجب أن تنتبه إلى هذه المسألة.
س1430: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجال ونساء طافوا طواف الوداع قبل الفجر ثم من شدة التعب ناموا في الحرم حتى أذان الفجر ثم توضئوا وصلوا وسافروا فهل عليهم شيء؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا غلبهم النوم قهراً فأرجو أن لا

(23/357)


يكون عليهم شيء، وأما إن كان يمكنهم أن يستمروا، ولكنهم أخلدوا للراحة فكأنهم لم يطوفوا طواف الوداع، أما لو طاف الإنسان طواف الوداع ثم أذن لصلاة الفجر وانتظر وصلى فلا بأس،
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رجع من حجة الوداع طاف بالبيت قبل الفجر، ثم صلى الفجر وغادر (1) . فمادام غالبهم النوم بحيث لا يستطيعون أن يتحكموا في أنفسهم فلا شيء عليهم، وإلا فهم كالذين لم يطوفوا طواف الوداع، ومن لم يطف. طواف الوداع فعليه عند أهل العلم فدية تذبح في مكة، وتوزع على الفقراء.
س1431: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مرض قبل طواف الوداع بعد أن أكمل جميع أعمال الحج وهو لا يستطيع أن يؤديه حتى ولو كان محمولاً كمن مرض بالحمى وله رفقة لا يستطيع
أن يبقى بدونهم فهل يسقط عنه الطواف كالحائض يسقط عنها الطواف؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما الحائض إذا حاضت بعد طواف الإفاضة، فإنه لا وداع عليها، ودليل ذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت
إلا أنه خفف عن الحائض) .
وأما المريض فإن كان يستطيع أن يحمل وجب حمله؛ لأن أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: (يا رسول الله إني شاكية) يعني يشق عليها طواف الوداع، فقال: "طوفي من وراء الناس وأنت
__________
(1) تقدم ص 351.

(23/358)


راكبة" (1) ، فأمرها أن تطوف ولو كانت راكبة.
لكن جاء في السؤال أن هذا الرجل لا يستطيع أن يطوف بنفسه، ولا يستطيع أن يطوف وهو محمول، فهل نقول: إنه في هذه الحال يسقط عنه طواف الوداع قياساً على الحائض، فالحائض تعذر
طوافها شرعاً، وهذا تعذر طوافه حسًّا فأقول: لو قال قائل بهذا لم يكن ذلك القول بعيداً، لتعذر الطواف من الجانبين، فالحائض يتعذر منها الطواف شرعاً، والعاجز الذي لا يستطيع أن يطوف ولو
محمولاً يتعذر عليه الطواف حسًّا، ولكن إذا كان الله قد أغناه وبسط له في الرزق فإنه لا يضره أن يذبح فدية عن هذا الطواف، وتبرأ بذلك ذمته.
س1432: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف الوداع قبل رمي الجمار في اليوم الثاني عشر فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف الوداع في الحج يجب أن يكون بعد كل شيء إذا انتهى الإنسان من رمي الجمرات ومن المبيت في منى طاف للوداع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" فإذا طاف الوداع قبل أن يرمي الجمرة فإن هذا
الطواف وقع في غير محله فيكون كعدمه، وعليه فإن أهل العلم يقولون: طواف الوداع واجب، ومن ترك واجباً فعليه دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء، فنقول لهذا الأخ: اذبح فدية الآن في مكة ووزعها على الفقراء إن كنت قادراً، أما إذا لم يكن عندك شيء فلا
__________
(1) تقدم ص 329.

(23/359)


شيء عليك، والعمرة كالحج في وجوب طواف الوداع لها.
س1433: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف للوداع بنية الخروج لكن ضاع أخوه وبقي يطلب أخاه لمدة يومين على نية أنه متى وجد أخاه مشى فهل يلزمه إعادة طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا شيء عليه، يكفيه الطواف الأول، لأنه إنما أقام بعد الطواف للضرورة، وليست إقامة متيقنة، متى وجد أخاه مشى فلا شيء عليه.
س1434: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قام بفريضة الحج وعندما انتهى من طواف الوداع نام في مكة لأنه كان في تعب شديد ولم يستيقظ إلا في اليوم التالي فهل عليه شيء؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: عليه أن يعيد الطواف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وهذا آخر عهده بالفراش، فعليه أن يعيد الطواف، وإذا كان لم يفعل فأرى له من الاحتياط أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء.
س1435: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج وبعد طواف الوداع نزل إلى السوق واشترى بعض الحاجيات وهو جاهل في ذلك، فماذا عليه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: قال أهل العلم: لا يضر أن
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/360)


يشتري الإنسان بعد طواف الوداع حاجة في طريقه، إما من أغراض السفر، أو هدية لأهله، أو كتاباً يحتاجه، وأما إذا اشتغل بتجارة فإنه لابد أن يعيد الطواف، وكذلك لا حرج عليه إذا كان قد دخل
وقت الصلاة كما لو انتهى من الطواف مع الأذان وبقي حتى صلى فإن ذلك لا بأس به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف للوداع وصلى بعد ذلك صلاة الفجر (1) ، وكذلك لو طاف للوداع ثم أتى للسيارة ووجد الرفقة لم يجتمعوا بعد وبقي ينتظرهم ساعة، أو ساعتين، أو أكثر فلا
بأس بذلك.
س1436: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك مدة معينة يجوز للمعتمر بعدها أن لا يطوف طواف الوداع أو أن الأمر مفتوح؟ وهل يجوز للإنسان أن يبقى بعد طواف الوداع ساعات خصوصاً ليشتري بعض الحاجيات أو الهدايا أم ماذا يصنع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الجواب عن الشق الأول: أن الرجل إذا أتى معتمراً وطاف وسعى وقصر ومشى فهذا يغنيه عن طواف الوداع، ولا حاجة لوداع، وأما إذا مكث ولو ساعة فلابد أن
يوح، ثم الذي ينبغي أن لا يشتري بعده شيئاً ولو كان من الأغراض التي يحتاج إليها، وإنما يشتري الأغراض التي يحتاج إليها قبل أن يطوف ثم يطوف هذا هو الأفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يكون الطواف آخر شيء، فليكن آخر عهده بالبيت الطواف، لكن لو فرض أنه طاف ثم مشى، ولكن في أثناء الطريق رأى ما يعجبه مما
__________
(1) تقدم ص 351.

(23/361)


يحتاجه واشتراه فلا حرج عليه، وكذلك لو طاف وخرج وتخلف بعض رفقاء وجلس لانتظارهم فإن ذلك لا بأس به.
س1437: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد طواف الوداع قمنا بشراء الهدايا للأهل وطعام العشاء بغير نسيان هل علينا فدية في ذلك؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: يقول أهل العلم: إنه لا بأس إذا طاف الإنسان للوداع أن يشتري حاجة في طريقه، مثل الهدايا ومؤونة الطريق، قالوا: وليس له أن يشتري شيئاً للتجارة، فإن اشترى شيئاً للتجارة فلابد أن يعيد طواف الوداع.
س1438: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قمنا والحمد لله في السنة الماضية بأداء فريضة الحج، ولقد أدينا مناسك الحج بكل يسر وسهولة، ونحمد الله على ذلك، ولكن قبل أداء طواف الوداع أردنا شراء بعض الحاجيات من مكة، فبادرنا بطواف الوداع ثم ذهبنا لشراء تلك اللوازم علماً بأن ذلك لم يستغرق منا سوى ثلث ساعة، فهل علينا شيء في ذلك؟ نرجو التوضيح جزاكم الله خيراً.
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الأفضل أن يكون طواف الوداع آخر شيء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) ولكن العلماء- رحمهم الله- رخصوا أن يشتري الإنسان
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (رقم 1327) .

(23/362)


حاجة تتعلق بسفره، أو تتعلق بحاجته عند قدومه بلده: كالهدايا التي يشتريها الحجاج لأسرهم، ولو كان ذلك بعد طواف الوداع، أما لو اشترى للتجارة فإنه لابد أن يعيد الطواف، هكذا قال أهل
العلم، ولكننا نقول: الأولى أن يشتري هذه الأشياء قبل طوافه ليكون آخر عهده بالبيت العتيق.
س1439: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الوداع للمعتمر (1) ؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع للمعتمر إذا كان من نيته حين قدم مكة أن يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ويرجع فلا طواف عليه؛ لأن طواف العمرة صار في حقه بمنزلة طواف الوداع، أما إذا بقي في مكة فالراجح أنه يجب عليه أن يطوف للوداع وذلك للأدلة التالية:
أولا: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" وأحد نكرة في سياق النهي، فتعم كل من خرج.
ثانياً: أن العمرة كالحج، بل سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - حجًّا كما في حديث عمرو بن حزم المشهور، الذي تلقته الأمة بالقبول، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "والعمرة هي الحج الأصغر" (2) .
ثالثاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم
__________
(1) حسب ترتيب الفقهاء- رحمهم الله تعالى- فإن طواف الوداع في العمرة بعد مبحث زيارة المسجد النبوي. ولكن قدم هنا لتداخل الأسئلة بين طواف الوداع للحج والعمرة.
(2) أخرجه ابن حبان كما في الموارد (رقم 793) والحاكم (1/395- 397) . والدارقطني (1/121) والبيهقي (1/88) وصححه إسحاق بن راهوية، والشافعي، وابن عبد البر، انظر التلخيص الحبير (175) ونصب الراية (1/196) .

(23/363)


رابعاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ليعلى بن أمية- رضي الله عنه-: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك" (2) . فإذا كنت تصنع طواف الوداع في حجك فاصنعه في عمرتك، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع العلماء على خروجه، مثل: الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فإن هذا بالإجماع ليس مشروعاً في العمرة.
ولأن الإنسان إذا طاف صار أبرأ لذمته وأحوط، لأنك إذا طفت لم يقل أحد من العلماء إنك أخطأت، لكن إذا خرجت بدون طواف قال لك بعض العلماء إنك أخطأت حيث خرجت بدون
وداع.
س1440: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: اعتمرت في رمضان وتركت طواف الوداع فهل عليَّ شيء، وأنا أعلم فتواكم بوجوب طواف الوداع في العمرة، ولكني تساهلت
بسبب فتوى بعض العلماء وإلحاج الرفقة عليَّ بالتعجل، فماذا عليَّ الآن؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما الإنسان إذا طاف وسعى وقصر في العمرة ومشى فلا شيء عليه؛ لأن طوافه الأول يكفي،
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1812) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب غسل المخلوق ثلاث مرات (رقم 1536) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (رقم 1180) .

(23/364)


وأما إذا بقي ولو قليلاً فإن عليه أن يطوف طواف الوداع، وهذا الرجل يقول: إنه سمع فتواي وسمع فتوى آخرين، فإذا كان حين تركه لطواف الوداع متردد هل هو واجب أو غير واجب بناء على
اختلاف الفتوى، فليس عليه شيء، وأما إذا كان يعتقده واجباً ولكن تهاون، فالاحتياط أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء، إما أن يذهب إلى مكة بنفسه، وإما أن يوكل من يقوم عنه بهذا
الشيء.
س1441: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت في الصيف الماضي لأداء العمرة أنا وقريب لي وعندما انتهينا من أداء العمرة ذهبنا فوراً إلى جدة وجلسنا ما يقارب يومين وعندما أردنا السفر إلى أبها لنقضي فيها بقية العطلة مررنا بمكة فقال لي قريبي: كليف نمر بمكة ولا نطوف للوداع؟ فقلت له: لقد خرجنا منها بعد العمرة فوراً، والذي يخرج من مكة فوراً بعد العمرة ليس عليه طواف وداع، والحاصل أننا طفنا للوداع ثم سافرنا فهل الصواب مع قريبي أم معي؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصواب مع من قال إن الإنسان إذا خرج بعد العمرة مباشرة فلا وداع عليه، ودليل ذلك أن أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- لما اعتمرت بعد الحج خرجت بدون طواف الوداع، لأن الطواف الذي كان قبل السعي يكفي ولكن طوافكم بعد مروركم بمكة لا شك أنه خير تكسبون به أجرا إن شاء الله عز وجل، فمن ناحية الحكم فالصواب مع السائل الذي

(23/365)


قال: إنه لا وداع علينا، ومن ناحية الأجر والثواب فالصواب مع الذي قال: إننا نريد أن نطوف للوداع، ولكن هذا في الحقيقة ليس طواف وداع بل هو طواف تطوع.
س1442: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: طواف الوداع هل يفرق فيه بين العمرة والحج؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصحيح أنه لا فرق فيه بين العمرة والحج، وأن طواف الوداع واجب في العمرة، كما أنه واجب في الحج، إلا لمن دخل- معتمراً وهو يريد أن يسافر من حين انتهاء العمرة، فإذا كان كذلك فإنه لا يحتاج إلى طواف وداع.
س1443: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طواف الوداع واجب في العمرة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا اعتمر الإنسان وخرج من مكة من حين انتهى من العمرة فلا وداع عليه؟ اكتفاء بالطواف الأول، وأما إن بقي في مكة فإنه لا يخرج حتى يكون آخر عهده بالبيت
الطواف.
ولكن هل طواف الوداع في العمرة واجب أم مستحب؟
الذي نراه أنه واجب، وأنه يجب على المرء ألا يخرج من مكة بعد العمرة إلا بطواف الوداع، إذا انتهى من جميع أموره، لأن العمرة تسمى حجًّا أصغر. كما في حديث عمرو بن حزم المشهور

(23/366)


الطويل (1) ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ليعلى بن أمية: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك" (2) .
فليكن الأصل تساوي النسكين، الحج والعمرة في الأحكام إلا ما دل الدليل على اختصاص الحج به، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ولأن الطواف أحوط وأبرأ للذمة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " (3) . والقائلون بعدم وجوب طواف الوداع لا ينكرون أنه مشروع، وأن الإنسان يثاب ويؤجر عليه.
س1444: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طواف الوداع للمعتمر في رمضان وغيره واجب أم لا؟ وما هو الأحوط في ذلك؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصحيح أن طواف الوداع للمعتمر في رمضان أو غيره واجب، ولكن إذا كان الإنسان يريد أن يغادر فور انتهائه من عمرته فإن الطواف الأول كاف.
س1445: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أدى الإنسان العمرة هل يجب عليه أن يطوف طواف الوداع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا أدى الإنسان العمرة ولما طاف
__________
(1) تقدم ص 363.
(2) تقدم ص 364.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (رقم 52) ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (رقم 1599) .

(23/367)


وسعي وحلق أو قصر فلا يخلو من حالين: إما أن يكون من نيته أن يخرج من مكة من حين انتهاء العمرة فهذا لا وداع عليه، وإما أن يكون عازماً على البقاء بعد العمرة، فإذا بقي بعد العمرة ولو ساعة واحدة فإن عليه أن يطوف للوداع، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) . وفي لفظ: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض" وهذا شامل
للحج والعمرة، فإن العمرة قد دخلت في الحج، ولهذا تسمى حجًّا أصغر، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث يعلى بن أمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "افعل في عمرتك كما تفعل في الحج" (2) وهذا عام شامل في كل ما يصنع في الحج أنه يصنع في العمرة إلا ما
خصه الدليل بالنص، أو الإجماع، كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي الجمار، فإن ذلك ليس مشروع في العمرة، هذا هو القول الراجح عندي.
وقال بعض أهل العلم؟ إن العمرة ليس فيها طواف الوداع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (3) قاله في حجة الوداع ولم يقله في العمرة.
والجواب على هذا الحديث: أن يقال: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في الحج لا ينفي أن يكون واجباً في العمرة، لأن قوله إياه في الحج
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) تقدم ص 364.
(3) تقدم ص 85.

(23/368)


هو تشريع فلم يكن مشروعاً إلا بهذا القول، ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدى العمرة بالفعل مرتين قبل حجته، مرة في عمرة القضاء، ومرة في عمرة الجعرانة ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف للوداع ولا أمر به، وذلك لأن ابتداء وجوبه إنما كان في حجة الوداع، والله أعلم.
س1446: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل على المعتمر طواف وداع إذا ما بات في مكة أم هو فقط على الحجاج؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من يقول: إن المعتمر ليس عليه طواف وداع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب الناس عام حجة الوداع فقال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) فقد خاطبهم وهو في الحج، ولم يخاطبهم بذلك في العمرة حينما اعتمروا عمرة القضية، فدل هذا على أنه لا يجب إلا في الحج فقط.
وقال آخرون من أهل العلم: إن طواف الوداع يجب على الحاج والمعتمر، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" وكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يذكرها في عمرة القضية لا يمنع الوجوب، لأن هذا مما تجدد وجوبه، فلم يجب إلا في حجة الوداع، وأيضاً فإن العمرة حج أصغر على سبيل التقريب؛ لأن فيها الطواف والسعي، وأيضاً هذا الرجل دخل بعمرة فبدأ بطواف هو تحية القدوم، فينبغي أن يختم بطواف وهو طواف الوداع، وأيضاً فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - العمرة بمنزلة الحج في وجوب الإحرام من
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/369)


الميقات لمن قصدها، فكذلك يجب أن تكون مثل الحج عند الخروج، وأيضاً فقد روى الترمذي حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنده الحجاج بن أرطأة أنه أمر من حج واعتمر ألا يخرج حتى يطوف بالبيت (1) ، وأيضاً فإن طواف الوداع للعمرة أحوط وأبرأ للذمة، لذلك نرى أنه
يجب على المعتمر أن يطوف طواف الوداع إذا خرج، إلا إذا كان قد خرج فور انتهائه من العمرة فإنه لا وداع عليه حينئذ؛ لأن الطواف بالبيت قد حصل، وقد ترجم على ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه.
س1447: سئل فضيلة الشيني- رحمه الله تعالى-: هل يجب طواف الوداع عقب العمرة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: اختلف أهل العلم في وجوب طواف الوداع على المعتمر، فمن أهل العلم من يقول إنه يجب عليه أن يطوف للوداع، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (2) ولأن العمرة نسك فيجب فيها ما يجب في الحج، إلا ما قام الدليل على خلافه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن الطيب في العمرة قال له: "اصنع في العمرة ما تصنعه في الحج" (3) وهذا عام في كل شيء إلا ما خصه الدليل والإجماعِ مما يختص به الحج، ولكن على هذا القول إذا كان المعتمر خرج فوراً من حين انتهاء عمرته فإنه يسقط عنه الطواف اكتفاءً بالطواف الأول،
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب من حج أو اعتمر.. (946) وانظر ص (371) .
(2) تقدم ص 80.
(3) تقدم ص 364.

(23/370)


مثل أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يخرج من مكة، فلا طواف عليه حينئذ اكتفاء بالطواف الأول.
وقال بعض أهل العلم: إن العمرة ليس لها طواف وداع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" إنما قال ذلك في الحج في حجة الوداع، والذين قالوا بوجوبه في العمرة أجابوا عن هذا الحديث بأن ابتداء الإيجاب كان في حجة الوداع، وهذا لا ينافي أن يكون واجباً في العمرة، فالاحتياط للإنسان أن يطوف طواف الوداع إذا اعتمر إلا إذا رجع إلى بلده فور انتهاء عمرته.
س1448: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما القول الصحيح في حكم طواف الوداع للمعتمر؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصحيح وجوب طواف الوداع على المعتمر إذا أراد الرجوع لبلده، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) وقال لرجل سأله ما يصنع في عمرته: "اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" (2) وهذا عام لا يخرج
منه إلا ما دل الدليل على خروجه منه، كالوقوف بعرفة مثلاً، ويستثنى من ذلك ما إذا خرج المعتمر فور انتهاء عمرته دون أن يقيم بمكة فإنه يسقط عنه طواف الوداع، اكتفاء بطواف العمرة، ومن
تراجم البخاري في صحيحه: (باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) تقدم ص 364.

(23/371)


ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع) ، ومن تراجم الترمذي: (باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) ، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اَله وصحبه وأتباعه.
قاله كاتبه: محمد الصالح العثيمين في 8/9/1401هـ.
س1449: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجلان سافرا إلى مكة المكرمة أحدهما بقصد العمرة فاعتمر والثاني بقصد التجارة فلم يعتمر، وبعد أن أقاما بمكة مدة خرجا دون أن يطوفا طواف الوداع فهل على كلل منهما فدية أم على واحد منهما؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما من لم يعتمر فالصحيح أن لا طواف للوداع عليه، لأن الطواف إنما يلزم من حج أو اعتمر على الصحيح، وعلى هذا فلا شيء على من خرج من غير طواف إذا لم
يكن قد حج أو اعتمر.
وأما الآخر الذي خرج من غير طواف وهو معتمر فعليه هدي دم يذبحه بمكة، ويوزع جميعه على الفقراء ولا يأكل منه شيئاً، ويجوز أن يوكل شخصا بمكة يشتريه اليوم ويذبحه ويفرقه جميعاً على الفقراء.
س1450: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قرأت في بعض كتب الفقه أنه يشرع للمعتمر أن يذبح هدياً بعد عمرته استحباباً فهل هذه من السنن المندثرة في هذا الوقت حبذا لو نبهتمونا على هذه السنة إن كانت سنة وجزاكم الله خيراً؟

(23/372)


فأجاب- رحمه الله- بقوله: هذه من السنة المندثرة، لكن ليس السنة أنك إذا اعتمرت اشتريت شاة وذبحتها، السنة أن تسوق الشاة معك، تأتي بها من بلادك، أو على الأقل من الميقات، أو من أدنى الحل عند بعض العلماء، ويسمى هذا سوق الهدي، أما أن تذبح بعد العمرة بدون سوق فهذا ليس من السنة.
س1451: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قام بأداء عمرة في يوم عرفة، وذلك بسبب خلو الحرم من الحجيج وكذلك لفضيلة العمل في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، فهل عمله هذا صحيح مع عدم اعتقاد أنه سنة خاصة بذلك اليوم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: لا بأس أن يعتمر الإنسان يوم عرفة إذا كان غير حاج، والإنسان الذي أدى فريضة الحج لا يجب عليه أن يحج مرة أخرى، فإذا كان هذا الرجل من أهل جدة مثلاً
وقال: أريد أن أطلع إلى مكة لأؤدي العمرة في هذا اليوم الذي يكون فيه الحرم خالياً، فإننا نقول: لا بأس بذلك ولا حرج عليه، سواء فعل ذلك عاماً وتركه عاماً آخر، أو داوم عليه.
س1452: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الوداع في العمرة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصحيح أن طواف الوداع في العمرة واجب كما هو في الحج، لكن إن طاف وسعى وحلق أو قصر ومشى فهذا لا وداع عليه اكتفاء بالطواف الأول.

(23/373)


س1453: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أخذ عمرة ونسي الوداع فماذا يلزمه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الصحيح من أقوال العلماء أن العمرة لها وداع كالحج، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) ولأن العمرة حج أصغر كما في حديث عمرو بن حزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "العمرة الحج الأصغر" (2) ولأن الإنسان يقدم إلى البيت بتحية وهي الطواف فلا ينبغي أن يخرج منه إلا بتحية وهي الطواف، فالصحيح أن طواف الوداع في العمرة واجب إلا من طاف وسعى وقصر ثم انصرف إلى أهله فهذا يكفيه الطواف الأول، فإذا كان هذا الذي ذكرت انصرف من حين أنهى العمرة فلا شيء عليه، أما إذا كان بقي في مكة فإنه من الاحتياط أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء إن كان قادراً ومتيسراً، وإن لم يكن قادراً ومتيسراً فلا شيء عليه.
س1454: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الوداع؟ وما الجواب عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنه لا يجب طواف الوداع على غير الحاج؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: طواف الوداع واجب على القول الراجح على كل من أتى بنسك حج أو عمرة، ثم أراد الخروج من مكة إلى بلده " لقول ابن عباس- رضي الله عنهما- (أمر الناس
__________
(1) تقدم ص 85.
(2) تقدم ص 363.

(23/374)


أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) . رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ لمسلم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) ورواه أبو داود بلفظ: "حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (2) وقال الترمذي: "باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت") ، ثم روى من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عبد الملك بن الغيرة، عن
عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن أوس، عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج هذا البيت، أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" (3) قال: حديث غريب، وهكذا روى غيرُ واحد عن الحجاج بن أرطاة مثل هذا، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد. اهـ كلامه.
وأما ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- من اختياره أنه لا يجب طواف الوداع على غير الحاج، فهذا هو ما نقله عنه تلميذه صاحب الفروع ص 521/ج3، ط آل ثاني، لكنه لم يصرح به بل قال: وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع.
اهـ. ولعل صاحب الفروع أخذ هذا من قول الشيخ في منسكه: فإن
__________
(1) تقدم ص 80.
(2) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الوداع (رقم 2002) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب طواف الوداع (رقم 3070) .
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت (رقم 946) وقال: حديث غريب. وقال الألباني: منكر بهذا اللفظ، وصح معناه دون قوله: "أو اعتمر".

(23/375)


الحج فيه ثلاثة أطوفة: طواف عند الدخول، وطواف الإفاضة، والطواف الثالث لمن أراد الخروج من مكة وهو طواف الوداع. اهـ ملخصاً، وكذلك قال حين تكلم عن تمام الحج: فلا يخرج الحاج
حتى يوح البيت فيطوف طواف الوداع. اهـ.
وهذا الذي قاله في الفروع يعارضه ما ذكره في الإقناع أثناء عد الواجبات عن الشيخ، حيث قال: وطواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة. اهـ، ولعل للشيخ
رحمه الله في ذلك قولين.
وأما ما نقل عن ظاهر كلام الشيخ أنه لا يجب بتركه دم، فقد صرح الشيخ في منسكه بأن طواف الوداع واجب عند الجمهور، وحكم الواجب معلوم عند الجمهور، أن في تركه دماً. والله أعلم.

(23/376)


رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الدكتور... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو الله تعالى أن تكونوا ومن تحبون بخير، ونحن كذلك ولله الحمد، رزق الله الجميع شكر نعمته وحسن عبادته.
ثم يا محب أبلغني بعض الإخوان أنه سمع لكم جواباً في (...) أن طواف الوداع في العمرة ليس بواجب. وأن ذلك بالإجماع.
وكونكم ترونه غير واجب لم يكن سبباً لكتابتي هذه لك؛ لأن كثيراً من أهل العلم يرونه، وكل واحد لا يكلف سوى ما أداه إليه اجتهاده، لكن السبب لكتابتي إليك هو نقل الإجماع إن صح ما
أبلغنيه الأخ، فإن الشافعية- رحمهم الله تعالى- يرون وجوبه على الحاج والمعتمر، ففي (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ص 236 جـ1) : "وأما طواف الوداع فهو واجب مستقل ليس من الناسك على المعتمد، فيجب على غير نحو حائض كنفساء بفراق مكة ولو مكيًّا، أو غير حاج ومعتمر" أهـ. المراد منه، وفي (المجموع لشرح المهذب ص199 ج8 ط الإمام) : السادسة هل طواف الوداع من جملة المناسك أم عبادة مستقلة؟ فيه خلاف، قال إمام الحرمين والغزالي: هو من الناسك، وليس على غير الحاج والمعتمر طواف

(23/377)


وداع إذا خرج من مكة لخروجه. أهـ. ثم ذكر القول المقابل.
والمالكية ذكروا أن طواف الوداع كذلك، لكنهم يرونه سنة في النسكين: الحج والعمرة، المهم أنهم لم يفرقوا بين الحج والعمرة في ظاهر كلام (جواهر الإكليل ص185 جـ1) : (وندب لكل من
أراد الخروج من مكة مكيًّا، أو آفاقياً قدم بنسك أو تجارة، طواف الوداع إن خرج لميقات) . أهـ المراد منه.
وقال الحجاوي في الإقناع من كتب الحنابلة: (وهو- يعني طواف الوداع- على كل خارج من مكة، قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم عليه، واحتج به الشيخ تقي الدين على
أنه ليس من الحج) ، ولا عد واجبات الحج ومنها طواف الوداع قال: (قال الشيخ) يعني به الشيخ تقي الدين (: طواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) . أهـ.
لكن لعل هذا الكلام من الشيخ أعني قوله: (وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) بناء على ما يقتضيه قول القاضي والأصحاب؛ لأنه قال في الفروع ص521 ج3 ط آل ثاني: (وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع) . اهـ. أو يكون للشيخ في ذلك قولان.
وهذا القول أعني وجوب طواف الوداع على المعتمر يعضده عموم حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (1) رواه مسلم بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين
__________
(1) تقدم ص 85.

(23/378)


بلفظ: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) (1) ، وهكذا رواه أبو داود (2) ، وزاد (الطواف) وعموم هذا الحديث يشمل كل منصرف من مكة، وهو وإن كان في حجة الوداع والانصراف فيها كان من الحج، فإن العمرة من الحج لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "دخلت العمرة في الحج" (3) وفي الصحيحين من حديث يعلى بن أمية، أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر الحديث، وفيه: فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ " فلما أتى قال: "اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ". وفي لفظ: "ما أنت صانع في حجك" (4) . و (ما) في قوله: (ما تصنع) أو (ما أنت صانع) للعموم، فما يصنع في الحج يصنع في العمرة، إلا ما استثني بالنص والإجماع كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار.
ومن تراجم البخاري في أبواب العمرة: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع؟ ثم ساق
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع (رقم 1755) ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (رقم 1328) .
(2) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الوداع (رقم 2002) .
(3) تقدم ص 364.
(4) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (رقم 1789) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (رقم 1185) .

(23/379)


حديث عائشة- رضي الله عنها- حين اعتمرت من التنعيم قال في الفتح: وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يبن الحكم في الترجمة اهـ ص
612 ج3 المطبعة السلفية.
ومن تراجم الترمذي: (باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) ثم ذكر حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" (1) وقال: حديث غريب، وهكذا روى غير واحد عن
الحجاج بن أرطاة مثل هذا، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد. أهـ. كلام الترمذي، ولم يذكر المخالف، ولا نوع المخالفة، والحجاج حاله معروفة.
فإن قال قائل: إنه لم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف للوداع إذا اعتمر.
فجوابه: أن طواف الوداع إنما صار وجوبه عام حجة الوداع فليس واجباً قبلها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة الجعرانة دخل مكة ليلاً وخرج فلم يقم بمكة، وهكذا نقول: إن المعتمر لو طاف وسعى وحل، ثم خرج بدون إقامة فلا وداع عليه.
قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر لو طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه عن طواف الوداع كما فعلت عائشة أهـ.
نقله عنه في الفتح ص612 ج3 المطبعة السلفية.
وإذا كان هذا مقتضى هذه الأخبار فإن النظر يقتضيه أيضاً،
__________
(1) تقدم ص 375.

(23/380)


فإن المعتمر قدم إلى البيت بنسك حياه به، فينبغي أن يودعه بطواف كالحاج. ثم إن الطواف أحوط وأبرأ للذمة، فالطائف مثاب على عمله لاسيما إذا قصد به فعل الأحوط والاستبراء لدينه.
فنأمل منكم التأمل في هذا، والله الموفق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 11/16/1399هـ.

(23/381)