مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

دفن الميت
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما الحكم فيمن يقول عند اتباع الجنازة: "لا إله إلا الله، الدايم وجه الله" وذلك بصوت مسموع، وعند الدفن يقولون: "يا رحمن، يا رحمن"، فما الحكم في ذلك؟ وما هي السنة عند اتباع الجنازة وعند دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا القول مُبتدَع. ولا شك أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يبقى إلا الله، لكن كونها تُتخذ على هذا الوجه الذي ذُكر في السؤال هذا من البدع؛ لأن كل طريق لم يفعله السلف مما يقرب إلى الله ويُتعبد لله فإنه بدعة، وكذلك عند الدفن قولهم "يا رحمن، يا رحمن" أيضاً هذا من البدع.
والسّنة لمن اتبع الجنازة أن يكون متأملاً متفكراً في مآله، وأنه الآن يمشي مشيعاً للجنازة وسيُمشى معه مشيعاً كما شُيعت هذه الجنازة، ويتأمل في أعماله وأحواله.
وأما عند الدفن فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل"، فهذا هو المشروع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل جعل رأس الميت هو المقدم عند المشي به سنة أم لا؟

(17/165)


فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم في هذا سنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن كلام أهل العلم في كيفية التربيع في حمل الجنازة يقتضي أن يكون رأسه هو المقدم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : أيهما أفضل: حمل الجنازة على الأكتاف أو على السيارة؟
وأيهما أفضل: السير أمامها أو خلفها سواء كان ماشياً أو راكباً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل حملها على الأكتاف، لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها، ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة، أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على السيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين.
وأما السير فذكر أهل العلم أن يمينها، ويسارها، وخلفها، وأمامها يختلف، فيكون المشاة أمامها، والركبان خلفها، وبعض أهل العلم يقول: ينظر الإنسان ما هو أيسر سواء كان أمامها، أو عن يمينها، أو شمالها، أو خلفها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما معنى التربيع في حمل الجنازة؟ وهل لهذا أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: التربيع في حمل الجنازة أن يحملها

(17/166)


من أعواد السرير الأربعة، فيبدأ من عود السرير الأيمن بالنسبة للميت، الأيمن المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، ثم يذهب إلى العود الأيسر بالنسبة للميت، المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، وقد وردت فيه آثار عن السلف، واستحبه أهل العلم.
ولكن الأولى للإنسان إذا كان هناك زحام أن يفعل ما هو أيسر بحيث لا يَتْعب ولا يُتْعِب غيره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم تقديم الرجل اليمنى في الدخول إلى المقبرة وتقديم اليسرى في الخروج منها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على ذلك فالإنسان يدخل حيث صادف، إن صادف دخوله برجله اليمنى، فالرجل اليمنى، أو اليسرى فاليسرى حتى يتبين دليل من السنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم اتباع جنازة المسلم؟ وهل هو حق واجب عيني؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم: إن تجهيز الميت من تغسيل، وتكفين، وحمل، ودفن، فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ولكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رغَّب في اتباع الجنائز وقال: "من شهد جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان: قال: "مثل الجبلين

(17/167)


العظيمين".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : في بعض الأماكن، وعندما يحمل الناس الميت إلى الصلاة، ومن ثم إلى المقبرة يغطون الميت بغطاء مكتوب عليه آية الكرسي، أو آيات متفرقة من القرآن، فهل لهذا العمل أصل في الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لهذا العمل أصل في الشرع (أي ليس لكتابة الآيات القرآنية على ما يغطى به الميت فوق النعش أصل في الشرع)؛ بل هو في الحقيقة امتهان لكلام الله عز وجل، بجعله غطاء يتغطى به الميت، وهو ليس بنافع الميت بشيء، وعلى هذا فالواجب تجنبه:
أولاً: لأنه ليس من عمل السلف.
وثانياً: لأن فيه شيئاً من امتهان القرآن الكريم.
وثالثاً: لأن فيه اعتقاداً فاسداً وهو أن هذا ينفع الميت، وهو ليس بنافعه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم وضع الحديد على نعش المرأة بقصد إخفاء معالمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس به؛ لأن ذلك أستر لها.
* * *

(17/168)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : كثير من الناس عند دفن الميت نجدهم كلهم مجتمعين حول القبر، وترى الكلام من كل شخص، ونجد الخلافات حول القبر حتى لا تجد سكينة ولا فائدة من حضوره للجنازة ما رأيكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خلاف السنة، والذي ينبغي للإنسان في هذا الحال أن يكون مُفكِّراً في مآله، منتظراً ما سيؤول إليه، كما آل إليه هؤلاء الأموات، هذا هو الذي ينبغي، ولا ينبغي النزاع والشقاق ورفع الأصوات في هذا الحال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : إذا تأخر الرجل في متابعة الجنازة بسبب الزحام، أو لأداء الراتبة، أو لإتمام فريضة، أو غير ذلك فلم يسر معها، ولكنه أدرك الجنازة قبل أن تدفن هل يكون مشيعاً لها يثبت له أجر المشيع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر السائل عدة مسائل في هذا السؤال:
1 إذا تأخر لأداء الراتبة، والذي يتأخر لأداء الراتبة ثم يلحق الجنازة لا يكتب له أجر المشيع، لأن ترك الراتبة ممكن، فيمكن أن تؤخر الراتبة حتى يرجع من الجنازة.
2 وأما من تأخر عنها لعذر كالزحام وإتمام الفريضة وقد أتى

(17/169)


وحرص على أن يشيع، ولكن حصل له مانع، أو تقدم الناس حتى صلوا عليها وخرجوا بها إلى المقبرة فالظاهر أنه يكتب له الأجر؛ لأنه نوى وعمل ما استطاع، ومن نوى وعمل ما استطاع فإنه يكتب له الأجر كاملاً. قال الله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِى الأَْرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً }.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : أيهما أفضل أن تكون الجنازة تابعة أم متبوعة؟ وما حكم الدعاء بصوت عال للميت، والناس يؤمنون خلفه حال الدفن؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أن التابع للجنازة إن كان راكباً فالأفضل أن يكون خلف الجنازة، وإن كان ماشياً فالسنة أن يكون أمامها، أو يمينها، أو شمالها.
والأمر في هذا واسع، والعلماء قالوا: إن الركبان يكونون خلف الجنازة وذلك في عهدهم، لأن الناس كانوا يركبون على الإبل أو على الحمير أو ما أشبهها. أما الآن فالأولى للركبان إذا كانوا في السيارات أن يكونوا أمامها، لأن وجودهم خلف المشيعين على أرجلهم يزعجهم وربما يرغم المشيعين أن يسرعوا إسراعاً فاحشاً، يخشى على الميت مع قوة الرج أن يخرج منه شيء. فلهذا أرى أن الركبان في السيارات في الوقت الحاضر يكونون أمام الجنازة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليكونوا خلفها بعيداً عن المشاة

(17/170)


لئلا يزعجوا المشاة.
والأمر بالنسبة للمشاة واسع؛ إن كانوا عن أمامها، أو عن خلفها، أو عن يمينها، أو عن شمالها.
أما الدعاء للميت برفع الصوت عند الدفن فإنه بدعة، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل"، ولو كان الدعاء بصوت جماعي سنة لفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن يقال للناس: كلٌّ يدعو بنفسه لهذا الميت إذا دفن، يستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويكفي مرة واحدة. لكن إن كررها ثلاثاً فهو خير، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا دعا، دعا ثلاثاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : يقوم بعض الناس بالإسراع في حمل الجنازة، والجري بها، ثم يتكلم أحدهم فجأة ويقول مثلاً: (وحِّدوه) فيقولون: "لا إله إلا الله"، ويقول: "اذكروا الله" فيذكرون الله فهل لهذا أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لهذا العمل أصل أي قول أحدهم: اذكروا الله، وحدوا الله فهو من الأمور البدعية، والذي ينبغي للمشيع أن يكون مفكراً في مآله، وأنه سوف يحمل كما حمل هذا الرجل، ويفكر في أمر الدنيا، وأن هذا الرجل الذي كان بالأمس

(17/171)


على ظهر الأرض أصبح الا?ن رهين عمله، هذا هو المشروع، أما وحدوه، واذكروا الله، فلم يرد عن السلف. وخير عمل يعمله الإنسان هو ما عمله السلف رحمهم الله أما الإسراع بالجنازة فهذا من السنة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أسرعوا بالجنازة"، إلا أن بعض العلماء قالوا: لا ينبغي الإسراع الذي يشق على المشيعين، أو يخشى منه تمزق الميت، أو خروج شيء من بطنه مع الحركة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : متى يجلس من يتبع الجنازة إلى المقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجلس إذا وضعت في القبر، أو إذا وضعت على الأرض لانتظار وإتمام حفر القبر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : كثير من الناس يرفعون أصواتهم عند دفن الميت هل في هذا من حرج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس يعني إذا صوت أحدهم: "أعطني اللبن، أعطني الطين، أعطني الماء"، فلا بأس مادام الحاجة دعت إلى ذلك، وإلا فالصمت خير. هذا إذا كان الصوت في أمر غير تَعبُّدي، كطلب ماء ولَبن ونحوهما، أما أن يكون في أمر تعبدي مثل أن يرفعوا أصواتهم بقراءة، أو ذكر من تهليل، أو تكبير، أو غيرهما فإن ذلك بدعة.

(17/172)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم تسجية قبر المرأة عند إنزالها القبر، وما مدة التسجية؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض أهل العلم أنه يسجى يعني يغطى قبر المرأة إذا وضعت في القبر لئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يُصف اللبن عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما رأي فضيلتكم في المقصورة التي توضع على المرأة الميتة على نعشها لتسترها؟ وهل المرأة عورة حية وميتة وهل هذه المقصورة من السنة؟ فإن كانت من السنة فلماذا لا تُحيا ويعمل بها جزاكم الله خير الجزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن المقصورة إذا وضعت على نعش الميتة الأنثى أنه أستر لها، لأنه أحياناً تقدم جنائز من النساء يشاهد الإنسان حجم الميتة تماماً، ويتبين بذلك مقاطع جسمها، وهذا أمر لا يرغب فيه، وما يوجد في الحجاز ولاسيما في مكة من وضع المكبة هذه التي تكون على النعش، لا شك أنه أستر وأبعد عن رؤية الميتة.
أما ما ظهر من المرأة من ثياب ونحوه فليس بعورة سواء كانت حية أو ميتة إلا إذا كان عليها ثياب لاصقة بالجسم ضيقة تبين مقاطع الجسم، فإنه لا يجوز لها أن تفعل ذلك.

(17/173)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : بعض الناس عند إنزال المرأة إلى اللحد يغطي المرأة بعباءة حتى لا يراها الناس ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء رحمهم الله قالوا: لأن هذا أستر لها، لأنها إذا وضعت في اللحد بدون تغطية فإنها ربما تنكشف، ولكن الناس يعملون عندنا هنا في عُنيزة يضعون المرأة بعباءتها التي غطيت بها؛ ثم يأخذون العباءة شيئاً فشيئاً. كلما وضعوا لبنة أزالوا العباءة فيحصل بهذا الستر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : بعد الفراغ من دفن المرأة يقوم حافر القبر بوضع حجر بارز في وسط قبر المرأة حتى يُعرف هذا القبر أنه قبر امرأة، بحجة أنه لو نُبش القبر مثلاً فإنه يحرص على ستر عورة الميتة، أو غير ذلك من الحجج التي يحتجون بها فهل هذا الفعل من السنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من السنة، بل السنة أن يُدفن القبر ويرفع قدر شبر، لا فرق بين الرجال والنساء، لكن لا بأس بوضع علامة ليزوره قريبه فيعرفه، وأما التفريق بهذا الحجر فلا أصل له.

(17/174)


* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما رأي فضيلتكم في قفص يوضع على نعش جنازة المرأة أثناء حملها للصلاة عليها وتشييعها؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم: رأينا أن هذا لا بأس به، بل قد استحبه أهل العلم، قال في (الروض المربع) (للحنابلة 1/843، ح العنقري): "فإن كانت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة؛ لأنه أستر لها ويروى أن فاطمة رضي الله عنها صنع لها ذلك بأمرها، ويجعل فوق المكبة ثوب". ا.ه
وقال في (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل) (للمالكية 1/111 ط الحلبي): "وندب سترها أي الميتة حال حملها للصلاة والدفن بقبة على النعش مبالغة في سترها". ا.ه
وقال في المجموع شرح المهذب (للشافعية 5/122ط دار العلوم للطباعة): فرع. قال أصحابنا: يستحب أن يتخذ للمرأة نعش، والنعش هو المكبة التي توضع فوق المرأة على السرير، وتغطى بثوب لتستر عن أعين الناس، وكذا قال صاحب الحاوي إلى

(17/175)


أن قال: واستدلوا له بقصة جنازة زينب، أم المؤمنين رضي الله عنها ، وقد روى البيهقي أن فاطمة رضي الله عنها أوصت أن يتخذ لها ذلك ففعلوه، فإن صح هذا فهي قبل زينب بسنين كثيرة". ا.ه وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري (1/135) عن الحنفية أنهم قالوا: ويغطى نعش المرأة ندباً، كما يغطى قبرها عند الدفن إلى أن يفرغ من لحدها إذ المرأة عورة من قدمها إلى قرنها". ا.ه
فهذا كلام أهل المذاهب الأربعة، معللين ذلك بأنه أستر للمرأة، وهذا شيء معلوم معمول به في الحجاز، لكن لو جعلتم هذا القفص على قدر نصف الجسم بإزاء وسط المرأة، ويربط الثوب الذي فوقه بأطراف النعش، لحصلت به الكفاية، وكان أخف من القفص الكبير، نسأل الله لنا ولكم التوفيق. كتبه محمد الصالح العثيمين في 2/2/1413 هـ .

(17/176)


صورة القفص

(17/177)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن جماعة يسكنون في منطقة رملية وقبورهم لا تلحد وإنما تشق فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشق إذا احتيج إليه فإنه لا بأس به، بل قد يتعين كما في الأرض الرملية.

(17/178)


* * *

رسالة
فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
حيث إن الأرض الطينية بمقابر ... قد امتلأت ولم يبق سوى أرض صلبة يصعب الحفر فيها يدويًّا لذا نرجو توجيهنا عن مدى جواز الاستعانة ب (الكبريشن) أو آلة مماثلة لحفر القبور، مع أحاطتكم بأن الا?لة سيراعى في إدخالها عدم المرور من فوق القبور داعين الله عز وجل لكم بدوام التوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 8/01/1411 هـ .
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إن أمكنكم الحصول على أرض طينية فانقلوا المقبرة إليها؛ لأن ذلك أسرع في الحفر، وأسهل، وأسلم من تسرب الأمطار إلى جوف اللحد من خلال الحصا، فالأرض الطينية أولى وإن بعدت عن الحجرية، وإن لم يمكن ذلك لكون الأراضي التي حولكم كلها حجرية فلا حرج في حفر القبر بالا?لات الثقيلة للضرورة إلى ذلك. وفق الله الجميع لما فيه الخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في 01/01/1141ه .

(17/179)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عند وضع الميت يجلس كثير من الناس على طرف القبر قائمين ينظرون إلى الميت هل هذا الفعل مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الفعل الذي ذكرت أنهم يقومون على القبر لينظروا إلى الميت ليس بمشروع، وإنما المشروع أن الميت إذا وضع في القبر يوضع عليه اللبنات، ثم يدفن في الحال؛ لأن الإسراع في التجهيز هو الأفضل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز دفن الأموات بالليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يجوز دفن الأموات بالليل إذا قام الإنسان بالواجب من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه، فإنه يجوز أن يدفن بالليل، وقد دفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلاً، وذكر أن أبا بكر رضي الله عنه دفن ليلاً، وكذلك المرأة التي كانت تقمّ بالمسجد دفنت ليلاً، والأصل الجواز، فدل هذا على جواز الدفن ليلاً بشرط أن يكون الدافن قد أدى ما ينبغي أن يؤدى من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : من أولى الناس بإنزال الميت إلى قبره: المُتعلِّم أو ولي الميت؟ وهل

(17/180)


هناك فرق بين الرجل والمرأة؟ وهل يشترط أن يكون الذي ينزل المرأة من محارمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى بذلك وصيّه، إذا كان له وصي، فإن لم يكن له وصي فالأقرب ثم الأقرب من أوليائه، وإذا كان هناك متعلم فهو أولى، وإن لم يكن هناك متعلم ودفنها غير متعلم فإنه يتلقى التعليم من المتعلم، ويوجهه المتعلم.
ولا يشترط أن يكون الذي ينزل للقبر محرماً للمرأة. فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أبا طلحة رضي الله عنه أن ينزل في قبر ابنته ويدفنها مع حضوره هو، وزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : مِنْ أي الجهات يُنزل الميت إلى قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: من الجهة المتيسرة، لكن بعض العلماء قالوا: يسن من عند رجليه، وبعض العلماء يقول: يُسنُّ من الأمام. والأمر في هذا واسع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ماذا يقال عند إدخال الميت إلى قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنه يقول مدخله: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله".

(17/181)


س 371 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى على أي جنب يوضع الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: يستحب أن يوضع على جنبه الأيمن ويجب أن يوضع مستقبل الكعبة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الكعبة قبلتكم أحياءً وأمواتاً".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : في بعض البلاد يدفنون الميت على ظهره ويده على بطنه فما الصواب في دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أن الميت يُدفن على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن الكعبة قبلة الناس أحياءً وأمواتاً، وكما أن النائم ينام على جنبه الأيمن كما أمر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكذلك الميت يضجع على جنبه الأيمن فإن النوم والموت يشتركان في كون كل منهما وفاة، كما قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ

(17/182)


تَعْمَلُونَ يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ تَعْمَلُونَ }. فالمشروع في دفن الميت أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
ولعل ما شاهده السائل كان نتيجة عن جهل من يتولى ذلك، وإلا فما علمت أحداً من أهل العلم يقول: إن الميت يضجع على ظهره، وتجعل يداه على بطنه.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم حل العقد في القبر، وكشف وجه الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: حل عقد اللفائف ورد فيه أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد".
أما كشف وجه الميت كله فلا أصل له، وغاية ما ورد فيه إن صحّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إذا مت ووضعتموني في قبري فأفضوا بخدي إلى الأرض".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم وضع القطيفة في القبر للميت بدليل ما رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جُعلَ في قبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(17/183)


قطيفة حمراء"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أنه لا بأس أن يجعل فيه قطيفة، ولكني أرى في هذا نظراً، لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم فعلوا ذلك، ولعل هذا كان من خصائص الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأنه لو فتح هذا الباب لتنافس الناس في ذلك، وصار كل إنسان يحب أن يجعل تحت ميته قطيفة أحسن من الآخر، وهكذا، حتى تكون القبور موضع المباهاة بين الناس، والذرائع ينبغي أن تسد إذا كانت تفضي إلى أمر محذور.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل هناك دليل يثبت أن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا وضع القطيفة على شُقران؟ وما صحة سند أن الصحابة رضي الله عنهم أخرجوا هذه القطيفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم عن هذا شيئاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى بالنسبة للحثيات الثلاث هل لها أصل أن تكون من جهة رأس الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لها أصل؛ لأن الحديث الوارد في ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حثى من قبل رأسه ثلاث حثيات.

(17/184)


سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما هو المشروع عند مواراة الميت بالتراب؟ وهل يشرع قول: "منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض أهل العلم أنه يسن أن يحثي ثلاث حثيات.
وأما قول "منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى" فليس فيه حديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتمد عليه.
وأما ما يُسن فعله بعد الدفن فهو ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل". فتقول: اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، ثم تنصرف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم رفع القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع القبر خلاف السنة، ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إن كان حوله قبور، أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة؛ لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
* * *

(17/185)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم فيمن يضع على قبر الرجل حجرين، وعلى قبر المرأة حجراً واحداً هل هذا التفريق مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا التفريق ليس بمشروع، والعلماء قالوا إن وضع حجر أو حجرين، أو لبنة أو لبنتين من أجل العلامة على أنه قبر لئلا يحفر مرة ثانية لا بأس به، وأما التفريق بين الرجل والمرأة في ذلك فلا أصل له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته"، والا?ن نرى كثيراً من القبور تزيد عن شبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: القبر المشرف معناه الذي يكون عالياً على غيره من القبور؛ بحيث يتميز فهذا يجب أن يسوى بالقبور الأخرى؛ لئلا يفتتن الناس به، لأن الناس إذا رأوا هذا القبر المشرف العالي ربما يفتتنوا به، فلهذا بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه.
* * *

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : جرت العادة كما شاهدت في بلادنا أن من الناس من ينذر إضاءة

(17/186)


المقامات بالشمع مثل قبور الأنبياء مثل النبي صالح عليه الصلاة والسلام والنبي موسى عليه الصلاة والسلام ومقام بعض الأولياء في بعض المناسبات أو عندما ينذرون نذورهم كأن يقول إنسان أو شخص إذا رزقت بولد إن شاءالله سوف أضيء المقام الفلاني مدة أسبوع مثلاً أو أذبح لوجه الله ذبيحة عند المقام الفلاني فهل تجوز مثل هذه النذور؟ وهل إنارة المقام بالشمع أو بالزيت جائزة وعادة ما تكون هذه الأيام التي يضيئون بها هي أيام الاثنين والخميس ليلة الجمعة فهل هذا ورد في زمن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم أنه بدعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إضاءة المقامات يعني مقامات الأولياء والأنبياء التي يريد بها السائل قبورهم هذه الإضاءة محرمة فقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه لعن فاعليها، فلا يجوز أن تضاء هذه القبور لا في ليالي الاثنين ولا في غيرها، وفاعل ذلك ملعون على لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى هذا فإذا نذر الإنسان إضاءة هذا القبر في أي ليلة أو في أي يوم فإن نذره محرم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه"، فلا يجوز له أن يفتي بهذا النذر.
ولكن هل يجب عليه أن يكفر كفارة يمين لعدم وفائه بنذر، أو لا يجب؟

(17/187)


محل خلاف بين أهل العلم، والاحتياط أن يُكفِّر كفارة يمين، لعدم وفائه بهذا النذر.
وأما تعداده لقبور بعض الأنبياء مثل صالح وموسى عليهما الصلاة والسلام وما أشبهه فإنه لا يصح أي قبر من قبور الأنبياء إلا قبر النبي عليه الصلاة والسلام فإن الأنبياء لا تعلم قبورهم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في موسى عليه الصلاة والسلام أنه سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" وليس معلوماً مكانه الا?ن، وكذلك قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ليس معلوماً مكانه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : في بعض البلاد يوضع على بعض القبور قطع من الرخام وتكون مرتفعة قليلاً، وبعضهم يكتب على تلك القطع {يا أيتها النفس المطمئنة} الا?ية، ثم يكتب اسم الميت، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا منكر وحرام، وتجب إزالته، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يُبنى على القبر، أو يجلس عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لا

(17/188)


يدع قبراً مُشرفاً إلا سواه، أي جعله مثل القبور الأخرى، فيجب على هؤلاء القوم أن يزيلوا ما وضعوا من الرخام. وقال بعض أهل العلم: "إن الميت يتأذى بالمنكر إذا فُعل عند قبره"، وهذا منكر، ومقتضى قول العلماء هذا أن صاحب القبر يتأذى بما وُضع عليه، فبادر أخي السائل بهذا، وقل يجب إزالته، فإن فعلوا الإزالة فهو من نعمة الله عليهم وعلى ميتهم، وإن لم يفعلوا فالواجب على المسؤول عن المقبرة أن يزيل ذلك. ثم ما الذي أدراهم أنها نفس مطمئنة يقال: ارجعي إلى ربك راضية مرضية؟ ما يُدرى، هل كل أحد يعلم أن هذا الرجل مات على التوحيد والإيمان؟ إنما نحن علينا بالظاهر، لكن أمور الا?خرة لا ندري عنها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم الكتابة على القبور أو تعليمها بالألوان؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما التلوين فإنه من جنس التجصيص وقد نهى النبي عليه السلام عن تجصيص القبور، وهو أيضاً ذريعة إلى أن يتباهى الناس بهذا التلوين، فتصبح القبور محل مباهاة، ولهذا ينبغي تجنُّب هذا الشيء.
وأما الكتابة عليه فقد نهى النبي عليه السلام عن الكتابة على

(17/189)


القبر، لكن بعض أهل العلم خفف فيما إذا كانت الكتابة لمجرد الإعلام فقط، ليس فيها مدح ولا ثناء، وحمل النهي على الكتابة التي يكون فيها تعظيم لصاحب القبر، وقال بدليل أنه (أي النهي عن الكتابة) قرن بالنهي عن تجصيص القبور والبناء عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم وضع علامة على القبر أو كتابة الاسم عليه بحجة الزيارة له؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع العلامة عليه لا بأس به؛ كحجر أو خشبة أو ما شابه ذلك.
وأما الكتابة عليه فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نهى أن يكتب على القبر".
لكن إذا كانت الكتابة مجرد كتابة الاسم فقط بدون أن يكون مدحاً، أو إطراء، أو كتابة قرآن وما أشبه ذلك فإن هذا لا بأس به عند بعض أهل العلم، وبعض العلماء يرى أن الكتابة ولو كتابة الاسم أنها داخلة في النهي ويقول بدلاً عن كتابة الاسم نجعل الوسم المعروف في القبيلة، ويجعل على الحجر الذي عند رأس الميت ويكفي، وإذا حصل هذا فهو أحسن أي إذا كانت علامة الوسم تكفي فلا حاجة للكتابة .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : نلاحظ بعض الناس أنهم يضعون على أحد جانبي قبر الميت علامة

(17/190)


من الإسمنت يكتب عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وقد يرفع بناؤها؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من المنهي عنه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يكتب على القبر، ورخص بعض العلماء أن يكتب علامة فقط كالوسم، أو الاسم فقط. أما أن يكتب تاريخ الموت والاسم واسم الأب والجد وما أشبه ذلك، أو يكتب شيء من القرآن فإن هذا كله من البدع التي تزال إذا وجدت، يستبدل الحجر بغيره، ثم إن الحجر الذي يوضع لا يكون مشرفاً على غيره من القبور، بل يكون مماثلاً لها، لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل وضع شيء على القبور من أشجار رطبة وغيرها من السنة بدليل صاحبي القبرين اللذين يعذبان أم أن ذلك خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام وما دليل الخصوصية؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع الشيء الرطب من أغصان، أو غيرها على القبر ليس بسنة، بل هو بدعة، وسوء ظن بالميت، لأن النبي عليه السلام لم يكن يضع على كل قبر شيئاً من ذلك، وإنما وضع على قبرين علم عليه الصلاة والسلام أنهما

(17/191)


يعذبان. فوضع الجريدة على القبر جناية عظيمة على الميت، وسوء ظن به، ولا يجوز لأحد أن يسيء الظن بأخيه المسلم، لأن هذا الذي يضع الجريدة على القبر يعني أنه يعتقد أن هذا القبر يعذب، لأن النبي عليه السلام لم يضعها على القبرين إلا حين علم أنهما يعذبان.
وخلاصة الجواب أن وضع الجريدة ونحوها على القبر بدعة وليس له أصل، وأنه سوء ظن بالميت حيث يظن الواضع أنه يُعذب، فيريد التخفيف عليه، ثم ليس عندنا علم بأن الله تعالى يقبل شفاعتنا فيه إذا فعلنا ذلك، وليس عندنا علم بأن صاحب القبر يعذب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز للإنسان إذا زار المقبرة أن يضع على القبر جريدة رطبة أو غصن شجرة؟
فأجاب فضيلة بقوله: لا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن منَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً.

(17/192)


ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة رضي الله عنهم فما بالنا نحن نفعله.
رابعاً: أن الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه فكان النبي عليه الصلاة والسلام، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم وضع الحشيش والبرسيم على قبر الميت علماً بأن بعضهم يدعي بأن هذا البرسيم يمنع من دخول التراب داخل القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: في بعض البلاد لابد من وضع الإذخر، أو ما يقوم مقامه بين خلل اللبنات، ولذلك لما حرم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حش حشيش مكة وقطع الشجر، قال ابن عباس: إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم وقبورهم، فقال: "إلا الإذْخِر" فإذا كان لابد من وضع هذا بين اللبنات، فإنه يوضع ولا حرج فيه ولا بأس.
وأما وضع الحشيش على القبر فإن هذا ليس من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما مر بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الا?خر: فكان يمشي بالنميمة"، فأخذ

(17/193)


جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة فقالوا: لم فعلت ذلك يا رسول الله؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فهذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه علم بأن هذين القبرين يعذبان، ولو وضع أحد مثل هذا على قبر لكان معنى ذلك أنه أساء الظن بالميت وأنه يعذب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : بعض الناس يقول إن التراب الذي يخرج من القبر حال حفره لابد حال الدفن أن يوضع جميعه لأنه حق للميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، بل إنه إذا كان التراب كثيراً بحيث يزيد على الشبر فإنه لا ينبغي أن يدفن به، لأن رفع القبور أكثر من الشبر خلاف السنة، وأما الزيادة على تراب القبر فقد قال العلماء: إنه لا يزاد عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم رش القبر بالماء بعد الدفن بحجة أنه يمسك التراب؟ وهل هو يبرد على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يميناً ويساراً.
أما ما يعتقد العامة من أنهم إذا رشوا برّدوا على الميت فإن هذا ليس له أصل.

(17/194)


رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله :
يوجد عندي أرض تقع في... بجوار جملة أملاك لغيري وقد أحييت تلك الأرض بغرس شجر الأثل فيها منذ ما يقارب الثلاث والأربعون سنة، وحين إحيائي لها وهي رمال عالية وقد أخرجت حجة استحكام للأرض المذكورة وكذلك حصلت على رخصة بناء منزل فيها من بلدية... والذي حصل أن فيه جماعة اعترضوا على إقامتي البناء عليها بحجة أنه يوجد فيها قبور علماً أن المعترضين عليّ لهم أملاك بجوار أرضي قد اشتروها منذ عهد قريب وقد طلبوا مني شراء تلك الأرض ورفضت لأنني أرغب إقامة مبنى سكني عليها وعلى ذلك أدلة وليطمأن خاطري وتطيب نفسي فقد عملت على حفر الأرض لأرى إذا كان عليها أثر قبور فلم أعثر على أي أثر يدل على وجود قبور فيها، لذا أرجو من فضيلتكم إفادتي شرعاً لكي أقيم عليها سكني أو أتركها، وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إذا كان حفرك الأرض حفراً عميقاً بحيث لو كان فيها قبور لتبينت فلا حرج عليك في إقامة السكن فيها ما لم يثبت أنها من أرض المقبرة. حرر في 12/11/1399 هـ .

(17/195)


رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
نحيط فضيلتكم علماً بأنه يوجد لدى قيادة الدفاع المدني سيارة إنارة وعدد من المولدات المحمولة والمقطورة التي تستخدم أيضاً للإنارة وذلك أثناء الحاجة لها في الحوادث التي تقع ليلاً لإضاءة مسارح العمليات الليلية أثناء مجابهة الحوادث بأنواعها وكذلك الكوارث في حالة وقوعها لا قدر الله .
وفي بعض الأحيان وإذا كانت الظروف عادية وليس هناك حاجة لها يطلب منا بعض المواطنين إنارة المقبرة في حالات الدفن ليلاً لأنه كما لا يخفى على فضيلتكم أن جميع مهامنا إنسانية ونهتم بالجوانب الإنسانية بجميع أشكالها.
وقد حدث في إحدى الليالي أن انتقلت سيارة الإنارة لإضاءة المقبرة الواقعة بحي ... أثناء دفن جثة أحد المواطنين الذي انتقل إلى رحمة الله وأثناء ذلك تدخل أحد المواطنين طالباً إطفاء الإنارة أثناء الدفن؛ لأن هذا غير جائز حسب رأيه، ولكن الرائد ... لم ينفذ واكتفى بأن قال له:

(17/197)


انتظر حتى ننتهي من عملية الدفن وبعد ذلك جرت مفاهمة بينهما فقال له الرائد فيما معناه : أنه ما كان ينبغي أن تتدخل بهذا الأسلوب والأمر الجاف أثناء هذا الظرف، وكان المفروض أن تنتظر حتى ننتهي من الدفن جزاك الله خيراً وتبلغنا ما أمرت به بأسلوب لبق يتفق مع تعاليم ديننا الحنيف. لذا أرجو من والدنا أن يزودنا بفتوى نستند عليها في جواز إضاءة المقبرة أثناء الدفن بواسطة سيارات ومقطورات الدفاع المدني المخصصة لغرض الإضاءة من عدمه علماً أن جميع المجالات التي سبق أن تدخلنا بها كانت السيارة تقف في الشارع وتوجه الكواشف الموجودة بها للمقبرة، كما أرجو إفادتنا أيضاً عن جواز إضاءة المقبرة أثناء الدفن بواسطة سلك كهربائي يمد من خارجها ويوصل بمصدر كهربائي سواء كان المصدر ثابتاً أو متحركاً وذلك لنتمكن من التنسيق مع البلديات إذا كان جائزاً. وختاماً أضرعُ إلى الله جل وعلا أن يمد في عمرك ويوفقكم دائماً لما فيه خير الإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أما وقوف السيارة خارج المقبرة أو داخلها من أجل إضاءة المكان ليسهل الدفن وحركة الناس فلا بأس لأن في ذلك مصلحة بلا مضرة.

(17/198)


وأما إضاءة المقبرة بواسطة سلك كهربائي يمد من خارجها أثناء الدفن فأخشى من الغفلة عن إطفائه بعد انتهاء الدفن، فتبقى المقبرة مضيئة في غير حاجة، فترك ذلك أولى سدًّا للباب. وفقكم الله وجزاكم خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 13/5/1413 هـ .
* * *

(17/199)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم المرور بين القبور بالنعال؟ وما صحة الدليل الذي ينهى عن ذلك: "يا صاحب السبتتين اخلع نعليك"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أن المشي بين القبور بالنعال مكروه، واستدلوا بهذا الحديث، إلا أنهم قالوا: إذا كان هناك حاجة كشدة حرارة الأرض، ووجود الشوك فيها، أو نحو ذلك فإنه لا بأس أن يمشي في نعليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يا صاحب السبتتين، اخلع نعليك فقد آذيت" كما نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أن يمتشط الرجل إلا غبًّا، ظاهر الحديث الأول الوجوب، والثاني التحريم. لكن من العلماء من يرى الندب في الأول، والكراهة في الثاني دون أن يذكروا صارفاً لذلك. فما هو الراجح عندكم مع ذكر الدليل وتبيين قواعد الأصوليين في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: حديث "اخلع نعليك فقد آذيت" لا أعرفه بلفظ: "فقد آذيت". والقول بأن المشي بالنعال بين القبور للكراهة هو قول جمهور العلماء، وهو عندي أظهر من القول بالتحريم، لأن النهي عن ذلك من باب إكرام قبور المسلمين

(17/200)


واحترامها، والقول بأن ذلك إهانة لها فنهي عنه، غير ظاهر، وهذا هو الذي صرف النهي إلى الكراهة.
وأما النهي عن الترجل إلا غبًّا فهو من باب الإرشاد إلى ترك الترف وإضاعة الوقت فيه.
وعلماء الأصول مختلفون في الأمر المجرد هل هو للوجوب، والنهي المجرد هل هو للتحريم؟ على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن الأمر للوجوب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والنهي للتحريم لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }.
القول الثاني: أن الأمر للاستحباب؛ لأن الأمر به رجح فعله، والأصل براءة الذمة وعدم التأثيم بالترك، والوعيد بالا?ية يراد به الأمر الذي ثبت أنه للوجوب لا كل أمر.
والنهي للكراهة؛ لأن النهي عنه رجح تركه، والأصل عدم التأثيم بالفعل، وهذا حقيقة المكروه.
وأما وصف العاصي بالضلال المبين فالمراد من عصى معصية يأثم بمخالفتها، أو يقال وهو بعيد إن الضلال مخالفة الهدى، وقد يكون معصية، وقد يكون دونها، لكن هذا الجواب ضعيف.
القول الثالث: أن ما يتعلق بالا?داب فالأمر فيه للاستحباب،

(17/201)


والنهي للكراهة، وما كان يتعلق بالعبادات فالأمر فيه للوجوب، والنهي للتحريم؛ لأن الأول يتعلق بالمروءة، والثاني بالشريعة.
وهذا الخلاف ما لم تكن قرينة تعين الوجوب، أو الاستحباب، والكراهة أو التحريم، فإن كان ثم قرينة عمل بما تقتضيه من إيجاب، أو استحباب أو كراهة، أو تحريم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم خلع الحذاء عند الدخول إلى المقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي بين القبور بالنعال خلاف السنة، والأفضل للإنسان أن يخلع نعليه إذا مشى بين القبور إلا لحاجة، إما أن يكون في المقبرة شوك، أو شدة حرارة، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به، أي يلبس الحذاء ويمشي به بين القبور.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم المشي على القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على القبور لا يجوز؛ لأن فيه إهانة للميت، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وقال في الجلوس على القبر: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده، خير له من أن يجلس على القبر".

(17/202)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : المقبرة إذا جعلت طريقاً أو جلس الناس عليها ما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تجعل مقابر المسلمين طرقاً يتطرق الناس بها، أو يجلسون عليها، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الجلوس على القبر وقال: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتمضي إلى جلده، خير له من أن يجلس على القبر"، والواجب أن تزال تلك الطرق من المقابر وتحترم مقابر المسلمين. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز نبش القبور من أجل الطريق العام كأن يكون الطريق لا يصلح إلا من المقبرة، فهل يجوز نبشها ووضعها في مقبرة ثانية من أجل المصلحة العامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نبش القبور عند الضرورة إلى الطريق، أفتت اللجنة الدائمة أو بعض علمائها في المملكة العربية السعودية بجواز ذلك بشرط أن لا يمكن صرف الطريق عن الاتجاه إلى المقبرة فتُنبش القبور وتؤخذ العظام وتوضع في مقبرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : في ذات يوم اشتعلت النيران داخل الحجرة ويوجد بها بنت

(17/203)


فاحترقت، فغسلناها وقبرناها وتبين لنا أن عليها ذهب في يديها وخروص في أذنيها فهل يجوز نبش القبر لأخذ الذهب؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزم أن ينبشوا قبر البنت من أجل أخذ الذهب الذي عليها، ولكن لو أرادوا نبش القبر في زمن قريب فإن لهم ذلك، لأن الذهب ملكهم بعد وفاة البنت، ولكن بعد مراجعة الجهة المختصة حتى لا تكون الأمور فوضى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : يوجد قبر خارج القرية، فنبتت على هذا القبر شجرة، فجاءت الإبل تأكل من هذه الشجرة وتدوس على هذا القبر، وحفاظاً على هذا القبر وضعوا على هذا القبر سوراً فهل هذا العمل جائز أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الشجرة تقلع من أصلها. وإذا قلعناها من أصلها لم تأت الإبل وسلمنا من شرها، وبقي القبر على ما هو عليه، وأما البناء حفاظاً عليه فأخشى إن طال بالناس زمان أن يضلوا بهذا فيعتقدوا أنه قبر ولي أو صالح ثم تعود مسألة القبور إلى هذه البلاد بعد أن طهرها الله منها على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
فالا?ن لابد من تبليغ القاضي بالموضوع، خصوصاً إذا كان البناء كأنه حجرة فهذا لابد أن يزال، والقبر ينقل إلى مكان آخر إن خيف عليه في مكانه.

(17/204)


* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : لدي مزرعة عليها سور، وفي طرفها قبر من داخل السور، وقد ظهرت اللحود على ظهر الأرض، سألت كبار السن عنها فقالوا: إنها على هذه الطريقة، ولا نعرفها منذ أن ولدنا، فقمت بمسح هذا المحل لتوسعة المزرعة، فاتضح فيها خمسة قبور أخرى، وتمت التوسعة في هذه المزرعة من داخل السور وزراعتها، فهل علي شيء في هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: القبور إذا دفن فيها الميت فإنها تبقى محترمة إلى أن يبلى الميت، وهذه القصة التي ذكرت أرى أن تذهب إلى القاضي في المحكمة التي لديكم حتى يرى المسألة رأي عين ويشاهد بنفسه، ثم ما يقضي به فهو خير إن شاءالله تعالى. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : يقول السائل: لقد ورثت بيتاً عن المرحومة والدتي وقد انهدم هذا المنزل وجددت عمارته ويوجد بجانبه قبور كثيرة وبينما كنا نحفر أساسه عثرنا على عظام بالية يبدو أنها من القبور المجاورة فأخذت هذه العظام فدفنتها في مكان بعيد عن البيت وقد اكتملت عمارته مع العلم أن بيوتنا تقع كلها بجوار قبور، وقد ورثنا هذه البيوت من أجدادنا ولا نملك بيوتاً غيرها ولا أرضاً لنبني بعيداً عن هذه القبور فهل يحق لنا السكن في هذا

(17/205)


البيت؟ وهل نقلي لهذه العظام إلى مكان جديد ليس فيه إثم أم لا؟ أفيدوني بارك الله فيكم.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه القبور قبور مسلمين فإن أصحابها أحق بالأرض منكم؛ لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل لكم أن تبنوا بيوتكم على قبور المسلمين، ويجب عليكم إذا تيقنتم أن هذا المكان فيه قبور يجب عليكم أن ترفعوا البناء، وأن تدعو القبور لا بناء عليها، وكونه لا بيت لكم لا يقتضي أن تحتلوا بيوت غيركم من المسلمين، فإن القبور بيوت الأموات، ولا يحل لكم أن تسكنوها مادمتم عالمين بأن فيها أموات.
بقي مسألة وهي قول السائل: "المرحومة والدتي" فإن بعض الناس ينكر هذا اللفظ يقولون: إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين، أو ليس من المرحومين؟ وهذا إنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبراً عن هذا الميت أنه قد رحم؛ لأنه لا يجوز أن تخبر أن هذا قد رحم، أو عذب بدون علم، قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } لكن الناس لا يريدون الإخبار قطعاً فالإنسان الذي يقول: "المرحوم الوالد" أو "المرحومة الوالدة" أو "المرحومة الأخت"، أو الأخ وما أشبه ذلك لا يريدون بهذا الجزم، أو الإخبار أنهم من المرحومين، إنما يريدون بذلك الدعاء أن الله تعالى قد رحمهم والرجاء، وفرق بين الدعاء والخبر، ولهذا تقول: "فلان رحمه الله، فلان غفر الله له" ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا "فلان المرحوم" و"فلان رحمه الله" لأن جملة "رحمه الله"

(17/206)


جملة خبرية "والمرحوم" بمعنى الذي رحم فهي أيضاً خبرية، فلا فرق بينهما أي بين مدلولهما في اللغة العربية فمتى منع المرحوم يجب أن يمنع "فلان رحمه الله".
على كل حال نقول لا إنكار في هذه الجملة، أي قولنا: "فلان المرحوم وفلان المغفور له" وما أشبه ذلك لأننا لسنا نخبر بذلك خبراً، ونقول: إن الله قد رحمه، وإن الله قد غفر له، ولكننا نسأل الله ونرجو، فهو من باب الرجاء والدعاء، وليس من باب الإخبار، وفرق بين هذا وهذا.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى من الناس من لا يهتم بالقبور فيمشي عليها ويجلس عليها ومن الناس من يبالغ فيبني على القبور ويكتب عليها ويسرج المقابر فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أصحاب القبور من المسلمين لهم حقوق فتزار المقابر، ويسلم على أهلها، ويدعى لهم بالرحمة والمغفرة، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يمشى على القبر أو أن يجلس عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". ونهى عليه الصلاة والسلام عن البناء على القبور وأن يكتب عليها، ولعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من

(17/207)


إسراج القبور، فيجب أن لا نفرط فيما يجب للمقابر من الاحترام فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها وما أشبه ذلك، وأن لا نغلو فيها فنتجاوز الحد.
والواجب على المرء أن يتمشى في كل أموره على ما جاءت به الشريعة، وأن يحذر فتنة القبور والغلو في أصحابها، والله المستعان.
* * *

سُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم إسراج المقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة التي لا يحتاج الناس إليها كما لو كانت المقبرة واسعة، وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فلا حاجة إلى إسراجه، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله فقد يقال بجوازه لأنها لا تسرج إلا بالليل فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر بل اتخذت للحاجة. ولكن الذي نرى المنع مطلقاً للأسباب الا?تية:
السبب الأول: أنه ليس هناك ضرورة.
السبب الثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك فيمكنهم أن يحملوا سراجاً معهم.
السبب الثالث: أنه إذا فتح هذا الباب فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد.
أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه، فلا

(17/208)


بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن رجل توفي وبعد مدة رآه رجل في المنام وطلب منه أن يخرجه من القبر ويبني له مقاماً ففعل، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في هذا أنه فعل محرم، وأن المرائي التي ترى في المنام إذا كانت مخالفة للشرع فإنها باطلة، وهي من ضرب الأمثلة التي يضربها الشيطان ومن وحي الشيطان فلا يجوز تنفيذها أبداً، لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بالمنامات، والواجب عليهم الا?ن أن يهدموا هذا المقام الذي بنوه له وأن يردوه إلى مقابر المسلمين.
ونصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يعرضوا كل ما رأوه في المنام على الكتاب والسنة، فما خالف الكتاب والسنة، فمطرح مردود ولا عبرة به، ولا يجوز للإنسان أن يعتمد في أمور دينه على هذه المرائي الكاذبة؛ لأن الشيطان أقسم بعزة الله عز وجل أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، فمن كان مخلَصاً لله ومخلِصاً لله، متبعاً لدينه مبتغياً لدينه فإنه يسلم من إغواء الشيطان وشره، وأما من كان على خلاف ذلك فإن الشيطان يتلاعب به في عبادته، وفي اعتقاداته، وفي أفكاره، وفي أعماله، فليحذره يقول الله عز وجل : {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }.

(17/209)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن مقبرة قديمة أصبحت طريقاً للناس والبهائم كيف يعمل بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أود أن أبين بهذه المناسبة أن لأصحاب القبور حقوقاً لأنهم مسلمون، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يوطَ على القبر وأن يجلس عليه وقال: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر". وكما نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن امتهان القبور فإنه نهى أيضاً عن تعظيمها بما يفضي إلى الغلو والشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
وهذه القضية التي ذكرت في السؤال المقبرة القديمة التي أصبحت ممرًّا وطريقاً للمشاة والسيارات ومرعى للبهائم يجب أن يرفع أمرها إلى ولاة الأمور لاتخاذ اللازم في حمايتها وصيانتها وفتح طرق حولها يعبر الناس منها إلى الجهات الأخرى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم دفن الموتى في المساجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدفن في المساجد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور ولعن من اتخذ ذلك وهو

(17/210)


في سياق الموت يحذر أمته ويذكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا من فعل اليهود والنصارى، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل لأن إقامة المساجد على القبور ودفن الموتى فيهاوسيلة إلى الشرك بالله عز وجل في أصحاب هذه القبور، فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون، أو يضرون، أو أن لهم خاصية تستوجب أن يُتقرب إليهم بالطاعات من دون الله سبحانه وتعالى فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة، وأن تكون المساجد خالية من القبور، مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً } فيجب أن تكون المساجد لله سبحانه وتعالى خالية من مظاهر الشرك تؤدى فيها عبادة الله وحده لا شريك له هذا هو واجب المسلمين. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل بنى مسجداً وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة، لأن المساجد ليست مقابر، ولا يجوز الدفن في المسجد، وتنفيذ هذه الوصية محرم، والواجب الا?ن نبش هذا

(17/211)


القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم البناء على القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: البناء على القبور محرَّم وقد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما فيه من تعظيم أهل القبور، وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور، وتتخذ آلهة مع الله، كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله تعالى ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردة عن الإسلام. والله المستعان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الدين في بناء المقابر بالطوب والأسمنت فوق ظهر الأرض؟
فأجاب فضيلة بقوله: أولاً أنا أكره أن يوجه للشخص مثل هذا السؤال بأن يقال: ما حكم الدين، ما حكم الإسلام وما أشبه ذلك؛ لأن الواحد من الناس لا يُعبر عن الإسلام إذ قد يُخطىء ويصيب ونحن إذا قلنا إنه يعبر عن الإسلام معناه أنه لا يخطىء، لأن الإسلام لا خطأ فيه، فالأولى في مثل هذا التعبير أن يقال: ما ترى في حُكم من فعل كذا وكذا، أو ما ترى فيمن فعل كذا وكذا، أو ما ترى في

(17/212)


الإسلام هل يكون كذا وكذا حكمه، المهم أن يُضاف السؤال إلى المسئول فقط.
أما بالنسبة لما أراه في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يبنى على القبور فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه نهى عن البناء على القبور، ونهى أن يجصص القبر وأن يجلس عليه"، فالبناء على القبور محرم؛ لأنه وسيلة إلى أن تُعبد ويُشرك بها مع الله عز وجل .
* * *

سُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل حفر لتأسيس بيته فوجد عظاماً فأخرجها فما حكم عمله هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تيقن أو غلب على ظنه أنها عظام موتى مسلمين فإنه لا يجوز له نقل العظام، وأصحاب القبور أحق بالأرض منه، لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل له أن يبني بيته على قبور المسلمين، ويجب عليه إذا تيقن أن هذا المكان فيه قبور أن يزيل البناء، وأن يدع القبور لا بناء عليها. وفي مثل هذه الحال الواجب مراجعة ولاة الأمور.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم دفن أكثر من واحد في قبر واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر

(17/213)


وحده كما جرت به سنة المسلمين قديماً وحديثاً، ولكن إذا دعت الحاجة، أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به فإن النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد كان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وفي هذه الحال ينبغي أن يقدم للقبلة أكثرهم قرآناً؛ لأنه الأفضل، ويكون بعضهم إلى جنب بعض، قال الفقهاء: وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : حصل وماتت طفلة وعمرها ستة أشهر وقبرت مع طفل قد سقط وهو في الشهر السادس ومن بطن أمه فهل هذا يجوز أم لا؟ وإن كان لا فما حكم الذين قبروهما في قبر واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يدفن كل ميت في قبر وحده، هذه هي السنة التي عمل المسلمون بها من عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عهدنا هذا، ولكن إذا دعت الحاجة إلى قبر اثنين، أو أكثر في قبر واحد فلا حرج في هذا، فإنه ثبت في الصحيح وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجمع الرجلين والثلاثة من شهداء أحد بقبر واحد إذ دعت الحاجة إلى ذلك.
وهذه الطفلة وهذا السقط اللذان جمعا في قبر واحد لا يجب الا?ن نبشهما؛ لأنه قد فات الأوان.
ومن دفنهما في قبر واحد جاهلاً بذلك فإنه لا إثم عليه، ولكن

(17/214)


الذي ينبغي لكل من عمل عملاً من العبادات أو غيرها أن يعرف حدود الله تعالى في ذلك العمل قبل أن يتلبس به حتى لا يقع فيما هو محذور شرعاً.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : توفيت والدتي عن عمر يناهز (58 عاماً)، ودفنت مع أخرى توفيت قبل ثلاث سنوات فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز الدفن مع الميت مادام قد بقي من جثته شيء، وعلى هذا يجب دفن كل ميت في قبر مستقل، فإذا حفروا ووجد شيئاً من رفات الأموات، وجب دفنه بإعادة ترابه عليه، والتماس قبر آخر ولو بعيداً، لحرمة المسلم ولو ميتاً، فقد ورد في الحديث: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم دفن غير أهل السنة مع أهل السنة في مقبرة واحدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان صاحب البدعة كافراً ببدعته فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، لأن الكفار يجب أن تكون مقابرهم منفردة عن المسلمين، وأما إذا كان لا يكفر ببدعته فلا بأس أن يدفن مع المسلمين.
* * *

س 612 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم

(17/215)


قراءة القرآن الكريم على الميت ووضع المصحف على بطنه؟ وهل للعزاء أيام محدودة حيث يقال: إنها ثلاثة أيام فقط، أرجو من سماحة الشيخ الإفادة جزاه الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح، بل ذلك غير مشروع، بل من البدع، وهكذا وضع المصحف على بطنه ليس له أصل وليس بمشروع، وإنما ذكر بعض أهل العلم وضع حديدة، أو شيء ثقيل على بطنه بعد الموت حتى لا ينتفخ.
وأما العزاء فليس له أيام محدودة، والله ولي التوفيق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز لولي الميت أن يطلب من المشيعين أن يحللوا الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: طلب ولي الميت من المشيعين أن يحللوه من البدع، وليس من السنة أن تقول للناس: "حللوه"؛ لأن الإنسان إذا لم يكن بينه وبين الناس معاملة فليس في قلب أحد عليه شيء، ومن كان بينه وبين الناس معاملة فإن كان قد أدى ما يجب عليه فليس في قلب صاحب المعاملة شيء، وإن كان لم يؤد فربما لا يحلله، وربما يحلله، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".

(17/216)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أن لا يلقن بعد الدفن وإنما يُستغفر له ويسأل له التثبيت؛ لأن الحديث الوارد في التلقين حديث ضعيف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما يجري عند بعض المسلمين من طلب الشهادة على الميت قبل دفنه فيقول قريبه أو وليه: ماذا تشهدون عليه... فيشهدون له بالصلاح والاستقامة هل لهذا أصل في الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس له أصل في الشرع، ولا ينبغي للإنسان أن يستشهد الناس على الميت؛ لأنه من البدعة؛ ولأنه قد يثني عليه شرًّا فيكون في ذلك فضيحة له، ولكن الذي جاءت به السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فمرت جنازة فأثنوا عليه خيراً، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وجبت"، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليه شرًّا، فقال عليه الصلاة السلام: "وجبت"، فسألوه ما معنى قوله: "وَجَبت"؟ فقال: "هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".

(17/217)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : بعد دفن الميت هناك حديث يرشد إلى أن يبقى الإنسان عند الميت بعد دفنه قدر ما يذبح البعير، فما معنى ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا أوصى به عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: "أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها"، لكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرشد إليه الأمة، ولم يفعله الصحابة رضي الله عنهم فيما نعلم، بل إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل"، فتقف على القبر وتقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، ثم تنصرف، أما المكث عنده فليس بمشروع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم قراءة القرآن على القبر بعد دفن الميت؟ وما حكم استئجار من يقرأون في البيوت ونسميها رحمة على الأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح من أقوال أهل العلم أن القراءة على القبر بعد الدفن بدعة؛ لأنها لم تكن في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يأمر بها ولم يكن يفعلها. بل غاية ما ورد في ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام بعد الدفن يقف ويقول: "استغفروا لأخيكم،

(17/218)


واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولو كانت القراءة عند القبر خيراً وشرعاً لأمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تعلم الأمة ذلك.
وأيضاً اجتماع الناس في البيوت للقراءة على روح الميت لا أصل له، وما كان السلف الصالح رضي الله عنهم يفعلونه، والمشروع للمسلم إذا أصيب بمصيبة أن يصبر ويحتسب الأجر عند الله، ويقول ما قاله الصابرون "إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها" وأما الاجتماع عند أهل الميت، وقراءة القرآن ووضع الطعام وما شابه ذلك فكلها من البدع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل تجوز قراءة الفاتحة على الموتى؟ وهل تصل إليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة على الموتى لا أعلم فيها نصًّا من السنة، وعلى هذا فلا تُقرأ، لأن الأصل في العبادت الحظر والمنع حتى يقوم دليل على ثبوتها، وأنها من شرع الله عز وجل، ودليل ذلك أن الله أنكر على من شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، فقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وإذا كان مردوداً كان باطلاً وعبثاً يُنزه الله عز وجل أن

(17/219)


يُتقرب به إليه.
وأما استئجار قارىء يقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت فإنه حرام، ولا يصح أخذ الأجرة على قراءة القرآن، ومن أخذ أجرة على قراءة القرآن فهو آثم ولا ثواب له؛ لأن قراءة القرآن عبادة، ولا يجوز أن تكون العبادة وسيلة إلى شيء من الدنيا، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ }.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم قراءة القرآن كله على الميت؟ سواء كان من اليوم السابع من وفاته أو في آخر السنة؟ وهل في ذلك ثواب للميت؟ أفيدوني بارك الله فيكم.
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة على القبر بدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم وإنما كان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل" هذا الذي ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما القراءة للميت بمعنى أن الإنسان يقرأوينوي أن يكون ثوابها للميت، فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل ينتفع بذلك أو لا ينتفع؟ على قولين مشهورين.

(17/220)


والصحيح أنه ينتفع، ولكن الدعاء له أفضل، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ولم يذكر القراءة ولا غيرها من الأعمال الصالحة، ولو كانت من الأمور المشروعة لبينها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث، ثم إن اتخاذ القراءة في اليوم السابع خاصة أو على رأس السنة من موته بدعة ينكر على فاعلها، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إياكم ومحدثات الأمور".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة سورة (يس) عند المقبرة، أو قراءة سورة الإخلاص، فأحد الناس يقول: اقرأوا سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة عند القبور من البدع سواء (يس) أو (قل هو الله أحد)، أو الفاتحة، فلا ينبغي أن يقرأ الإنسان على المقبرة، وإنما يقتصر الإنسان على ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، "اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا

(17/221)


بعدهم، واغفر لنا ولهم"، ثم ينصرف ولا يزد على هذا، لا قراءة ولا غيرها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة يس بعد دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة يس على قبر الميت بدعة لا أصل لها، وكذلك قراءة القرآن بعد الدفن ليست بسنة؛ بل هي بدعة وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل". ولم يرد عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقرأ على القبر ولا أمر به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم استئجار قارىء ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع وليس فيه أجر لا للقارىء ولا للميت، ذلك لأن القارىء إنما قرأ للدنيا والمال فقط وكل عمل صالح يقصد به الدنيا فإنه لا يقرب إلى الله ولا يكون فيه ثواب عند الله، وعلى هذا فيكون هذا العمل ضائعاً ليس فيه سوى إتلاف المال على الورثة فليحذر منه فإنه بدعة ومنكر.
* * *

س 722 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم

(17/222)


التلاوة لروح الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلاوة لروح الميت يعني أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أن ذلك غير مشروع وأن الميت لا ينتفع به أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال.
القول الثاني: أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلانة من المسلمين سواء كان قريباً أو غير قريب.
والراجح القول الثاني لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه حين تصدَّق ببستانه لأمه، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن أمي أفتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نعم" وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن تدعو للميت، وتجعل الأعمال الصالحة لنفسك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ولم يقل أو ولد صالح

(17/223)


يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدَّق عنه بل قال: "أو ولد صالح يدعو له" والسياق في سياق العمل، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت، لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه له مدخراً عند الله عز وجل .
أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضروا قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت فإنه بدعة ولا يصل إلى الميت ثواب؛ لأن هذا القارىء إنما قرأ لأجل الدنيا ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الا?خرة كما قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الأَْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثواب، وحينئذ يكون أكلاً للأموال بالباطل ولم ينتفع الميت بذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الاجتماع عند القبر والقراءة؟ وهل ينتفع الميت بالقراءة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل من الأمور المنكرة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وهو الاجتماع عند القبر والقراءة.

(17/224)


وأما كون الميت ينتفع بها فنقول: إن كان المقصود انتفاعه بالاستماع فهذا منتف؛ لأنه قد مات وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فهو وإن كان يسمع إذا قلنا بأنه يسمع في هذه الحال فإنه لا ينتفع، لأنه لو انتفع لزم منه أن لا ينقطع عمله، والحديث صريح في حصر انتفاع الميت بعمله بالثلاث التي ذكرت في الحديث.
وأما إن كان المقصود انتفاع الميت بالثواب الحاصل للقارىء، بمعنى أن القارىء ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها "كل بدعة ضلالة" كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح هذا الصالح من حيث الجنس وإن كان من حيث النوع ليس بصالح كما سيتبين إن شاءالله إذا نوى بالعمل الصالح أجراً في الدنيا، فإن عمله هذا لا ينفعه ولا يقربه إلى الله ولا يثاب عليه لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الأَْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، فهذا القارىء الذي نوى

(17/225)


بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له: هذه القراءة غير مقبولة، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها، إذن فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت، وخروج عن سبيل السلف الصالح رضي الله عنهم لاسيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قُصّر وصغار وسفهاء فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثماً. والله المستعان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم إهداء القراءة للميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأمر يقع على وجهين:
أحدهما: أن يأتي إلى قبر الميت فيقرأ عنده، فهذا لا يستفيد منه الميت؛ لأن الاستماع الذي يفيد من سمعه إنما هو في حال الحياة حيث يكتب للمستمع ما يكتب للقارىء، وهنا الميت قد انقطع عمله كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
الوجه الثاني: أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم تقرُّباً إلى الله سبحانه وتعالى ويجعل ثوابه لأخيه المسلم أو قريبه فهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم:
فمنهم: من يرى أن الأعمال البدنية المحضة لا ينتفع بها الميت ولو أهديت له؛ لأن الأصل أن العبادات مما يتعلق بشخص

(17/226)


العابد، لأنها عبارة عن تذلل وقيام بما كلف به وهذا لا يكون إلا للفاعل فقط، إلا ما ورد النص في انتفاع الميت به فإنه حسب ما جاء في النص يكون مخصصاً لهذا الأصل.
ومن العلماء: من يرى أن ما جاءت به النصوص من وصول الثواب إلى الأموات في بعض المسائل، يدل على أنه يصل إلى الميت من ثواب الأعمال الأخرى ما يهديه إلى الميت.
ولكن يبقى النظر هل هذه من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة بمعنى هل نقول: إن الإنسان يطلب منه أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بقراءة القرآن الكريم، ثم يجعلها لقريبه أو أخيه المسلم، أو أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها؟
الذي نرى أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها وإنما يندب إلى الدعاء للميت والاستغفار له وما أشبه ذلك مما نسأل الله تعالى أن ينفعه به، وأما فعل العبادات وإهداؤها فهذا أقل ما فيه أن يكون جائزاً فقط وليس من الأمور المندوبة، ولهذا لم يندب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته إليه بل أرشدهم إلى الدعاء للميت فيكون الدعاء أفضل من الإهداء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم قراءة القرآن الكريم على القبور؟ والدعاء للميت عند قبره؟ ودعاء الإنسان لنفسه عند القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة ولم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أصحابه وإذا كانت لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(17/227)


ولا عن أصحابه، فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما صح عنه: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى لما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به، فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر مثل أن يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم أفسح له في قبره، وما أشبه ذلك.
وأما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فهذا إذا قصده الإنسان فهو من البدع أيضاً؛ لأنه لا يخصص مكان للدعاء إلا إذا ورد به النص وإذا لم يرد به النص ولم تأت به النسة فإنه أعني تخصيص مكان لدعاء أيًّا كان ذلك المكان يكون تخصيصه بدعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم دعاء الجماعة عند القبر بأن يدعو أحدهم ويُؤمِن الجميع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من سُنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا من سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وإنما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت،

(17/228)


ويسألوا له التثبيت، كل بنفسه وليس جماعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : بعض المقابر يوجد بها مصاحف لمن أراد القراءة على الميت ما رأيكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأينا أن هذا بدعة، وأن الواجب أن تنقل هذه المصاحف إلى المساجد، لينتفع بها المسلمون ويقرأوا فيها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما رأيكم فيمن يلقون المواعظ عند تلحيد الميت؟ وهل هناك حرج في المداومة على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن هذا ليس بسنة؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم وغاية ما هنالك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج مرة في جنازة رجل من الأنصار فجلس، وجلس الناس حوله ينتظرون حتى يلحد، وحدثهم عليه الصلاة والسلام عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وكذلك كان عليه الصلاة والسلام ذات مرة عند قبر وهو يدفن فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار"، ولكن لم يقم بهم خطيباً واقفاً كما يفعل بعض الناس،

(17/229)


وإنما حدثهم بها حديث مجلس، ولم يتخذها دائماً. فمثلاً لو أن إنساناً جلس ينتظر تهيئة القبر، أو دفن الميت، وحوله أناس في المقبرة وتحدث بمثل هذا الحديث فلا بأس به، وهو من السنة، أما أن يقوم قائماً يخطب الناس فليس هذا من السنة، ثم إن فيه عائقاً عن المبادرة بالدفن إن صار يعظهم قبل الدفن، والله نسأل أن يهدينا صراطه المستقيم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الموعظة عند القبر، وفي قصور الأفراح، وفي العزايم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الموعظة عند القبر جائزة على حسب ما جاء في السنة، وليست أن يخطب الإنسان قائماً يعظ الناس، لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خصوصاً إذا اتخذت راتبة، كلما خرج شخص مع جنازة قام ووعظ الناس، لكن الموعظة عند القبر تكون كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعظهم وهو واقف على القبر، وقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة والنار"، وأتى مرة وهم في البقيع في جنازة ولما يلحد القبر، فجلس وجلس الناس حوله، وجعل ينكت بعود معه على الأرض، ثم ذكر حال الإنسان عند احتضاره، وعند دفنه، وتكلم بكلام هو موعظة في حقيقته، فمثل هذا لا بأس به، أما أن يقوم خطيباً يعظ الناس، فهذا لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(17/230)


وأما في الأعراس فكذلك أيضاً لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقوم خطيباً يخطب الناس، ولا عن الصحابة فيما نعلم، بل إنه لما ذكر له أن عائشة رضي الله عنها زفت امرأة لرجل من الأنصار قال: "يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، فدل ذلك على أن لكل مقام مقالاً، ولأن الإنسان إذا قام خطيباً في الأعراس، فإنه قد يثقل على الناس، وليس كل أحد يتقبل، قد يكون أحد الناس ما رأى أقاربه أو أصحابه إلا في هذه المناسبة، فيريد أن يتحدث إليهم ويسألهم ويأنس بهم، فإذا جاءتهم هذه الموعظة وهم متأهبون للحديث مع بعضهم، ثقلت عليهم، وأنا أحب أن تكون المواعظ غير مثقلة للناس؛ لأنها إذا أثقلت على الناس كرهوها، وكرهوا الواعظ ولكن: لو أن أحداً في محفل العرس طلب من هذا الرجل أن يتكلم، فحينئذ له أن يتكلم، ولاسيما إذا كان الرجل ممن يتلقى الناس قوله بالقبول. كذلك لو رأى منكراً، فله أن يقوم ويتكلم عن هذا المنكر ويحذر منه ويقول: إما أن تكفُّوه أو خرجنا. فلكل مقام مقال، وإذا تلقى الناس الموعظة بانشراح وقبول كان أحسن، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة يعني الملل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما مشروعية الموعظة عند القبر؟ فقد سمعنا من يقول: إنها ما

(17/231)


وردت عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن يقول: إنها سنَّة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول بأنها ما وردت على إطلاقه غير صحيح، والقول بأنها سنة غير صحيح، ووجه ذلك أنه لم يرد أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقف عند القبر، أو في المقبرة إذا حضرت الجنازة ثم يعظ الناس ويذكرهم كأنه خطيب جمعة، وهذا ما سمعنا به، وهو بدعة وربما يؤدي في المستقبل إلى شيء أعظم، ربما يؤدي إلى أن يتطرق المتكلم إلى الكلام عن الرجل الميت الحاضر، مثل أن يكون هذا الرجل فاسقاً مثلاً، ثم يقول: انظروا إلى هذا الرجل، بالأمس كان يلعب، بالأمس كان يستهزىء، بالأمس كان كذا وكذا، والا?ن هو في قبره مرتهن، أو يتكلم في شخص تاجر مثلاً، فيقول: انظروا إلى فلان، بالأمس كان في القصور، والسيارات والخدم، والحشم وما أشبه ذلك، والا?ن هو في قبره.
فلهذا نرى ألا يقوم الواعظ خطيباً في المقبرة، لأنه ليس من السنة، فلم يكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقف إذا فرغ من دفن الميت أو إذا كان في انتظار دفن الميت، يقوم ويخطب الناس، أبداً ولا عهدنا هذا من السابقين، وهم أقرب إلى السنة منا. ولا عهدناه أيضاً فيمن قبلهم من الخلفاء، فما كان الناس في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله عنهم فيما نعلم يفعلون هذا، وخير الهدي هدي من سلف إذا وافق الحق.
وأما الموعظة التي تعتبر كلام مجلس، فهذا لا بأس بها، فإنه قد ثبت في السنن. أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى بقيع (الغرقد) في

(17/232)


جنازة رجل من الأنصار ولم يلحد القبر، فجلس وجلس حوله أصحابه، وجعل يحدثهم بحال الإنسان عند موته، وحال الإنسان بعد دفنه حديثاً ليس على سبيل الخطبة.
وكذلك ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره أنه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتكل؟ قال: "لا، اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له".
والحاصل أن الموعظة التي هي قيام الإنسان يخطب عند الدفن، أو بعده ليست من السنة ولا تنبغي لما عرفت، وأما الموعظة التي ليست كهيئة الخطبة كإنسان يجلس ومعه أصحابه فيتكلم بما يناسب المقام فهذا طيب، اقتداءً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : الموعظة بصفة دائمة على القبر، ما حكمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنها خلاف السنة؛ لأنها ليست على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو أنصح الخلق للخلق، وأحرصهم على إبلاغ الحق، ولم نعلم أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظ على القبر قائماً يتكلم كما يتكلم الخطيب أبداً، إنما وقع منه كلمات:
أولاً: مثل ما وقع منه حين انتهوا إلى القبر ولما يلحد فجلس عليه الصلاة والسلام وجلس الناس حوله، وفي يده عود ينكت في الأرض ويحدثهم، ماذا يكون عند الموت؟ وهذه ليست خطبة، ما

(17/233)


قام خطيباً في الناس يعظهم ويتكلم معهم.
ثانياً: حينما كان قائماً على شفير القبر فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة أو النار" فقالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل، قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
وأما أن يتَّخذ هذا عادة، كلما دُفن ميت قام أحد الناس خطيباً يتكلم فهذا ليس من عادة السلف إطلاقاً، وليرجع إلى السنة في هذا الشيء، وأخشى أن يكون هذا من التنطع لأن المقام في الحقيقة مقام خشوع وسكون ليس المقام إثارة للعواطف. ومواضع الخطبة هي المنابر والمساجد كما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا، ولا يمكن أن نستدل بالأخص على الأعم، يعني لو قال قائل: سنجعل حديث حينما وقف على شفير القبر، وكذلك الحديث الا?خر حينما جلس، ينتظر أن يُلحد القبر وتحدَّث إليهم، لو قال قائل: نريد أن نجعله أصلاً في هذه المسألة قلنا: لا صحة لذلك لأنه لو كان أصلاً في هذه المسألة لاستعمله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته فلما تركه كان تركه هو السنة.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن الوعظ عند دفن الميت على وجه الخطابة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الوعظ عند دفن الميت على وجه الخطابة، بأن يقوم الواعظ خطيباً في الناس لتذكير بحال الميت عند موته وبعد دفنه، لا أعلم له أصلاً، فلم يكن من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقوم خطيباً في المقبرة عند دفن الميت يعظ الناس، لكنه أحياناً يذكِّر

(17/234)


من حوله بكلام مناسب للحال في طوله وقصره، كما في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع (الغرقد) فأتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: "اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى لِلْعُسْرَى }.
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا كأنما على رؤسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً وذكر الحديث، وهو مذكور بتمامه في الترغيب والترهيب 4/563 وقال

(17/235)


الحافظ المنذري عقبه: هذا الحديث حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح.
والمهم أنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقوم خطيباً في المقبرة يعظ الناس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم ذكر محاسن الميت؟ وما حكم الدعاء له بعد الدفن؟ وما حكم طلب الدعاء له من الحاضرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر محاسن الميت لا بأس به إذا لم يكن على سبيل الندب، فقد روى الحاكم في مستدركه عن جابر رضي الله عنه قال: شهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنازة في بني سلمة وكنت إلى جانب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال بعضهم: والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفاً مسلماً، وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنت بما تقول"، فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر. انظر تفسير ابن كثير 1/843.
وأما الدعاء للميت بعد الدفن، أو طلب الدعاء فقد روى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الا?ن يسأل"، فإذا فعل شخص ذلك أو نحوه فلا بأس به.

(17/236)


* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم (عشوة رمضان) والمقصود بها أن يذبح ذبيحة أو ذبيحتان ثم يُدعى لها، علماً أن هذا شبه واجب من أغلب الناس، وفي نظرهم أن لا يجزىء غيرها من الصدقات، علماً أن الغالب عدم الفائدة من أكل هذه العشوة وأن الناس يأتون مجاملة للداعي، وقد يتكرر وليمة أو وليمتان في ليلة واحدة، بيِّنوا حفظكم الله لنا هل هذا العمل مناسب، أو أن هناك طرقاً أخرى يمكن الاستفادة منها بدل هذه (العشوة)؟ وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الذبيحة التي يسمونها (العشوة) أو (عشاء الوالدين) يذبحونها في رمضان ويدعون الناس إليها تكون على وجهين:
الأول: أن يعتقد الذابح التقرب إلى الله بالذبح، بمعنى أن يعتقد أن مجرد الذبح قُربة كما يكون في عيد الأضحى فهذا بدعة؛ لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بالذبح إلا في مواضعه كالأضحية، والعقيقة والهدي.
الثاني: أن يذبح الذبيحة لا للتقرب إلى الله بالذبح، ولكن من أجل اللحم أي أنه بدلاً من أن يشتري اللحم من السوق يذبح الذبيحة في بيته فهذا لا بأس به، لكن الإسراف في ذلك لا يجوز، لأن الله نهى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين.
ومن ذلك أن يفعل كما يفعل بعض الناس من ذبح ما يزيد على

(17/237)


الحاجة، ودعوة الكثير من الناس الذين لا يأتون إلا مجاملة لا رغبة، ويبقى الشيء الكثير من الطعام الذي يضيع بلا فائدة.
والذي أرى أن يصرف الإنسان ما ينفقه في ذلك إلى الفقراء دراهم، أو ملابس، أو أطعمة يعطونها الفقراء، أو نحو ذلك؛ لأن في هذا فائدتين:
الأولى: أنه أنفع للفقراء.
والثانية: أنه أسلم من الوقوع في الإسراف والمشقة على الداعي والمدعو.
وقد كان الناس سابقاً في حاجة وإعواز، وكان صنع الطعام لهم له وقع كبير في نفوسهم، فكان الأغنياء يصنعونه ويدعون الناس إليه، أما اليوم فقد تغيرت الحال ولله الحمد فلا تقاس على ما سبق. والله الموفق. 52/8/1410 هـ .

(17/238)


* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم المؤرخ ... من الشهر الحالي، وصل. سرنا صحتكم، الحمد لله على ذلك.
سؤالكم عما يقوم به بعض الناس من الصدقات عن أمواتهم صدقات مقطوعة أو دائمة هل لها أصل في الشرع إلى آخر ما ذكرتم؟
نفيدكم بأن الصدقة عن الميت سواء كانت مقطوعة، أم مستمرة لها أصل في الشرع، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".
وأما السعي في أعمال مشروعة من أجل تخليد ذكرى من جعلت له فاعلم أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، موافقاً لشرعه، وأن كل عمل لا يقصد به وجه الله تعالى فلا خير

(17/239)


فيه، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا }.
وأما السعي في أعمال مشروعة نافعة لعباد الله تقرباً إلى الله تعالى ورجاء لوصول الثواب إلى من جعلت له فهو عمل طيب، نافع للحي والميت إذا خلا من شوائب الغلو والإطراء.
وأما الحديث الذي أشرتم إليه في كتابكم وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" فهو حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمراد بالصدقة الجارية كل ما ينفع المحتاجين بعد موته نفعاً مستمراً، فيدخل فيه الصدقات التي توزع على الفقراء، والمياه التي يشرب منها، وكتب العلم النافع التي تطبع، أو تشترى وتوزع على المحتاجين إليها، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وينفع العباد.
وهذا الحديث يراد به ما يتصدق به الميت في حياته، أو يوصي به بعد موته، لكن لا يمنع أن يكون من غيره أيضاً كما في حديث عائشة السابق.
وأما الأعمال التطوعية التي ينتفع بها الميت سوى الصدقة فهي كثيرة تشمل كل عمل صالح يتطوع به الولد ويجعل ثوابه

(17/240)


لوالده، أباً كان أم أمًّا، لكن ليس من هدي السلف فعل ذلك كثيراً، وإنما كانوا يدعون لموتاهم ويستغفرون لهم، فلا ينبغي للمؤمن أن يخرج عن طريقتهم. وفق الله الجميع لما فيه الخير والهدى والصلاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
52/7/1400 هـ .

(17/241)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد بحثت مسألة الأضحية عن الأموات وقد اتضح لي من هذا البحث أن الأضحية المستقلة للميت لا تخرج عن حالين وكلاهما خطأ فيما يظهر لي والله أعلم بالصواب لأن الشيء وإن كان صحيحاً فإن وضعه في غير موقعه يجعله غير صحيح، فهي إما أن يقال: إنها أضحية، أو صدقة. فإن قيل: إنها أضحية فالأضحية المستقلة للميت ليس على مشروعيتها دليل صحيح صريح من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست من عمل السلف الصالح رحمهم الله وقياسها على الصدقة غير صحيح؛ لأن القياس في العبادة لا يجوز.
وإن قيل: إنها صدقة، فالصدقة لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية فسواء ذبحت يوم العيد أو قبله، وسواء كانت صغيرة أو معيبة لا يؤثر ذلك عليها شيئًاً مادام أنها صدقة، وتختلف الأضحية عن الصدقة في أشياء كثيرة، وأيضاً فقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: إن تخصيص الصدقة للميت بزمن معين بدعة، فإن قيل: نريد فضل عشر ذي

(17/243)


الحجة. قلنا: الفضل يشمل العشر كلها وأنتم خصصتم منها يوماً واحداً فقط وهذا التخصيص مثل تخصيص بعض الناس العمرة في رمضان بليلة سبع وعشرين منه، وهذا التخصيص بدعة، فإن قيل: نريد العمل بحديث: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من اهرَاقَةِ دم"، قلنا: هذا حث للأحياء على الأضاحي المشروعة، وأنها أفضل لهم في ذلك اليوم من التصدق بثمنها، وليس فيه ما يدل على تخصيص الميت بأضحية؛ لأن القائل لهذا الكلام عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله عنهم الذين رووا هذا الحديث ونقلوه إلينا كان لهم أموات، وكانت الأموال متوفرة لديهم وتوفر أسبابها لديهم ومع علمهم بهذا الحديث لم يفعلوها وهم أحرص الأمة على الخير واتباع السنة. أفيدونا بارك الله فيكم هل هذا صحيح أم خطأ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
الأضحية عن الميت إن كانت بوصية منه مما أوصى به وجب تنفيذها؛ لأنها من عمله وليست جنفاً ولا إثماً.
وإن كانت بتبرع من الحي فليست من العمل المأثور عن السلف الصالح؛ لأن ذلك لم ينقل عنهم، وعدم النقل عنهم مع توافر الدواعي وعدم المانع دليل على أن ذلك ليس معروفاً بينهم،

(17/244)


وقد أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر انقطاع عمل ابن آدم بموته إلى الدعاء له، ولم يرشد إلى العمل له، مع أن سياق الحديث في ذكر الأعمال الجارية له بعد موته.
وقد قرأت ما كتبته أنت أعلاه فأعجبني ورأيته صحيحاً. وفق الله الجميع للعمل بما يرضيه.
لكن لا ننكر على من ضحَّى عن الميت وإنما ننبه على ما كان يفعله كثير من الناس سابقاً فإن الواحد يضحي تبرعاً عن الأموات ولا يضحي عن نفسه وأهله، بل كان بعضهم لا يعرف أن الأضحية سنة إلا عن الأموات إما تبرعاً، أو بوصية، وهذا من الخطأ الذي يجب على أهل العلم بيانه. كتبه محمد الصالح العثيمين في 16/8/1419 هـ .

(17/245)


* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : إذا تبرع ابن من ماله الخاص لوالده المتوفى، هل يصله أجر ذلك؟ وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه يصله أجره، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً أتاه فقال: إن أمي أفتُلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفتصدق عنها؟ قال: "نعم". وكذلك استأذنه سعد بن عبادة أن يتصدق في محراثه أي في بستانه لأمه وهي ميتة فأذن له، ولكن الأفضل أن يجعل الصدقات لنفسه وأن يجعل لوالديه الدعاء، هكذا أرشدنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فقال: "أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: يتصدق له، أو يعمل له، مع أن السياق في ذكر الأعمال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل أجر الأضحية يصل إلى الميت إذا لم تكن من ماله الخاص، فمثلاً من مال ابنه، وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه يصله أجرها، لكن مع ذلك ليس من السنة أن تضحي عن الميت وحده إلا بما أوصى به، أما إذا كنت تريد أن تضحي من مالك فضح عنك وعن أهل بيتك، وإذا

(17/246)


نويت أن الأموات يدخلون فلا حرج.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هناك من يولم في رمضان ويذبح ذبيحة ويقول عنها عشاء الوالدين فما حكمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة للوالدين الأموات جائزة ولا بأس بها، ولكن الدعاء لهما أفضل من الصدقة لهما؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجه إليه في قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: ولد صالح يتصدق عنه، أو يصلي له، ولكن مع ذلك لو تصدق عن ميته لجاز، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن ذلك فأجازه.
لكن ما يفعله بعض الناس في ليالي رمضان من الذبائح والولائم الكثيرة والتي لا يحضرها إلا الأغنياء، فإن هذا ليس بمشروع، وليس من عمل السلف الصالح، فينبغي أن لا يفعله الإنسان؛ لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد ولائم يحضرها الناس ويجلسون إليها على أن البعض منهم يتقرب إلى الله تعالى بذبح هذه الذبيحة، ويرى أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وهذا خلاف الشرع، لأن الذبائح التي يتقرب بها إلى الله هي الأضاحي، والهدايا، والعقائق، فالتقرب إلى الله بالذبح في رمضان ليس من السنة.

(17/247)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هناك أمر منتشر بين عامة الناس وخصوصاً أهل القرى والهجر وهو أن يذبحوا ذبيحة أو ذبيحتين في رمضان لأمواتهم ويدعون الناس للإفطار والعشاء وهي ما تعرف ب (العشوة) وهي من الأمور الهامة عندهم ويقولون: إنها صدقة عن الميت يحصل له الأجر بتفطير الصائمين منها، نرجو بيان هذا الأمر وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة في رمضان صدقة في زمن فاضل، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.
وأفضل ما تكون الصدقة على المحتاجين إليها، وما كان أنفع لهم فهو أفضل، ومن المعلوم أن الناس اليوم يفضلون الدراهم على الطعام، لأن المحتاج إذا أعطي الدراهم تصرف فيها حسبما تقتضيه حاجته من طعام، أو لباس، أو وفاء غريم أو غير ذلك، فيكون صرف الدراهم للمحتاجين في هذه الحال أفضل من صنع الطعام ودعوتهم إليه.
وأما ما ذكره السائل من الذبح للأموات في رمضان، ودعوة الناس للإفطار والعشاء، فلا يخلو من أحوال:
الأولى: أن يعتقد الناس التقرُّب إلى الله بالذبح، بمعنى أنهم يعتقدون أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وأنهم يتقربون بذلك

(17/248)


الذبح إلى الله تعالى كما يتقربون إلى الله في ذبح الأضحية في عيد الأضحى، ففي هذه الحال يكون ذبحهم بدعة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يذبح الذبائح في رمضان تقرباً إلى الله كما يفعل في عيد الأضحى.
الحال الثانية: أن يؤدي هذا الفعل إلى المباهاة والتفاخر أيُّهم أكثر ذبائح وأكثر جمعاً، ففي هذه الحال يكون إسرافاً منهياً عنه.
الحال الثالثة: أن يحصل في هذا الجمع اختلاط النساء بالرجال وتبرجهن وكشف وجوههن لغير محارمهن، ففي هذه الحال يكون حراماً؛ لأن ما أفضى إلى الحرام كان حراماً.
الحال الرابعة: أن يخلو من هذا كله ولا يحصل به محذور فهذا جائز، ولكن الدعاء للميت أفضل من هذا، كما أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: "أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل: يتصدق عنه.
وأيضاً فإن دفع الدراهم في وقتنا أنفع للفقير من هذا الطعام فيكون أفضل. والمؤمن الطالب للخير سوف يختار ما كان أفضل، ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة بترك ما يخشى منه المحذور والعدول إلى الأفضل فله أجرها وأجر من عمل بها. كتبه محمد الصالح العثيمين في 3/9/1411 هـ .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز أن يتصدق الرجل بمال ويشرك معه غيره في الأجر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يتصدق الشخص بالمال وينويها لأبيه وأمه وأخيه، ومن شاء من المسلمين؛ لأن الأجر

(17/249)


كثير، فالصدقة إذا كانت خالصة لله تعالى، ومن كسب طيب تضاعف أضعافاً كثيرة، كما قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز للإنسان أن يصلي نافلة عن والده المتوفى ونحو ذلك من العبادات أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للإنسان أن يصلي تطوعاً عن والده أو غيره من المسلمين، كما يجوز أن يتصدق عنه، ولا فرق بين الصدقات، والصلوات، والصيام، والحج وغيرها.
ولكن السؤال الذي ينبغي أن نقوله: هل هذا من الأمور المشروعة، أو من الأمور الجائزة غير المشروعة؟
فنقول: إن هذا من الأمور الجائزة غير المشروعة، وأن المشروع في حق الولد أن يدعو لوالده دعاء إلا في الأمور المفروضة فإنه يؤدي عن والده ما جاءت السنة بأدائه عنه، كما لو مات وعليه صيام، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".

(17/250)


ولا فرقَ في ذلك بين أن يكون الصيام صيام فرض بأصل الشرع كصيام رمضان، أو صيام فرض بإلزام الإنسان نفسه كما في صيام النذر، فهنا نقول: إن إهداء القرب أو ثوابها إلى الأقارب ليس من الأمور المشروعة، بل هو من الأمور الجائزة، والمشروع هو الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فقال: "ولد صالح يدعو له"، ولم يقل أو ولد صالح يصلي له، أو يصوم له، أو يتصدق عنه، فدلّ هذا على أن أفضل ما نحله الولد لأبيه، أو أمه بعد الموت هو الدعاء.
فإذا قال قائل: إننا لا نستطيع أن نفهم كيف يكون الشيء جائزاً وليس بمشروع؟ وكيف يمكن أن نقول: إنه جائز وليس بمشروع؟
فنقول: نعم، إنه جائز وليس بمشروع، فهو جائز لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن فيه، فإن رجلاً جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفتصدق عنها؟ قال: "نعم"، وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه حيث جعل لأمه نخلة صدقة لها، فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، ولكن النبي لم يأمر أمته بهذا أمراً يكون تشريعاً لهم، بل أذن لمن استئذنه أن يفعل هذا، ونظير ذلك في أن الشيء يكون جائزاً وليس بمشروع قصة الرجل الذي بعثه

(17/251)


النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سرية فكان يقرأ لأصحابه ويختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا أخبروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك فقال: "سلوه لأي شيء كان يصنعه"؟ فقال: إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أخبروه أن الله يحبه". فأقر النبي عليه الصلاة والسلام عمله هذا، وهو أنه يختم قراءة الصلاة بقل هو الله أحد، ولكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشرعه؛ إذ لم يكن عليه الصلاة والسلام يختم صلاته بقل هو الله أحد، ولم يأمر أمته بذلك، فتبين بهذا أن من الأفعال ما يكون جائزاً فعله، ولكنه ليس بمشروع، بمعنى أن الإنسان إذا فعله لا ينكر عليه، ولكنه لا يطلب منه أن يفعله. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما درجة هذا الحديث: "من بر الوالدين بعد مماتهما أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك"؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن مِنْ بر الوالدين بعد مماتهما أن تستغفر لهما، وتدعو الله لهما، وتكرم صديقهما، وتصل الرحم التي هم الصلة بينك وبينهما، هذا من بر الوالدين بعد موتهما، وأما أن يصلي لهما مع صلاته الصلاة الشرعية المعروفة، أو أن يصوم لهما، فهذا لا أصل له.

(17/252)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل يجوز تثويب قراءتي القرآن في رمضان لميت، وكذلك الطواف له، أفيدونا جزاكم الله خيراً ووفقكم لما يحب ويرضى؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يعني أنك تعمل عملاً صالحاً وتجعل ثوابه لشخص ميت، والجواب أن ذلك لا بأس به، فإذا أراد شخص أن يصلي ويجعل ثوابها لميته، أو يتصدق، أو يحج، أو يقرأ القرآن، أو يصوم، ويجعل ثواب ذلك لميته فلا بأس به.
وذلك لما ورد في الحديث الصحيح أن رجلاً أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلتت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم". وكذلك أذن لسعد بن عبادة رضي الله عنه أن يتصدق لأمه، وسائر العبادات كالصدقة إذ لا فرق بينهما.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرد عنه نص يمنع مثل ثواب هذه للميت، حتى نقول: إننا نقتصر على ما ورد، فإذا جاءت السنة بجنس العبادات فإنه يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به، لاسيما وأن هذا ليس بنطق من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إنه استفتاء في قضايا أعيان، وإفتاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه يجوز أن يتصدق الإنسان عن أمه لا يدل على أن ما سواه ممنوع.
ولكن الذي أرى أن يجعل الإنسان العمل الصالح لنفسه، وأن يدعو لأمواته، فالدعاء أفضل من التبرع لهم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم

(17/253)


ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: يتعبد له.
وبناء على ذلك فالدعاء لأبيك، أو لأمك أفضل من أن تهدي لهم الصلاة، أو القرآن، أو ما أشبه ذلك، واجعل الأعمال لنفسك كما أرشد إلى ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل تصل الصدقة الجارية والمال المتبرع به إلى الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة الجارية يجب أن نعلم أن الذي قام بها هو الميت نفسه قبل أن يموت، كرجل بنى مسجداً فهذا صدقة جارية، ورجل أوقف برادة ماء، ورجل حفر بئراً ليسقي به الناس هذه صدقة جارية، ورجل أصلح طرقاً وعرة ليسهلها على الناس هذه صدقة جارية.
وأما الصدقة التي تكون من بعض الأقارب من بعد الإنسان فهذه تصل إلى الميت، لكن ليس هي المرادة بقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صدقة جارية". وحينئذ يبقى النظر هل الأولى والأفضل للإنسان أن يتصدق عن والديه، أو يصلي عن والديه، أو يصوم عن والديه بعد موتهما، أو الأفضل الدعاء لهما؟
الجواب: الأفضل الدعاء لهما، عملاً بتوجيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك حين قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

(17/254)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم الصلاة عن الميت والصوم له؟
فأجاب فضيلته بقوله: هناك أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع، وهي:
الأول: الدعاء.
الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة.
الثالث: الصدقة.
الرابع: العتق.
وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم:
فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له في غير هذه الأمور الأربعة.
ولكن الصواب: أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جعل له إذا كان الميت مؤمناً، ولكننا لا نرى أن إهداء القرب للأموات من الأمور المشروعة التي تطلب من الإنسان، بل نقول: إذا أهدى الإنسان ثواب عمل من الأعمال، أو نوى بعمل من الأعمال أن يكون ثوابه لميت مسلم فإنه ينفعه، لكنه غير مطلوب منه أو مستحب له ذلك، والدليل على هذا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرشد أمته إلى هذا العمل، بل ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ولم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو ولد صالح يعمل له، أو يتعبد له بصوم أو صلاة أو غيرهما،

(17/255)


وهذا إشارة إلى أن الذي ينبغي والذي يشرع هو الدعاء لأمواتنا، لا إهداء العبادات لهم، والإنسان العامل في هذه الدنيا محتاج إلى العمل الصالح، فليجعل العمل الصالح لنفسه، وليكثر من الدعاء لأمواته، فإن ذلك هو الخير وهو طريق السلف الصالح رضي الله عنهم .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : هل قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} يدل على أن الثواب لا يصل إلى الميت إذا أهدي له؟
فأجاب فضيلته بقوله: قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } المراد به والله أعلم أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئاً، كما لا يحمل من وزر غيره شيئاً، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره؛ لكثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به فمن ذلك:
1 الدعاء فإن المدعو له ينتفع به بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } فالذين سبقوهم بالإيمان

(17/256)


هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم: التابعون فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أغمض أبا سلمة رضي الله عنه بعد موته وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونور له فيه". وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، ويزور المقابر ويدعو لأهلها، واتبعته أمته في ذلك، حتى صار هذا من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، وصح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفَّعهم الله فيه".
وهذا لا يعارض قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم، لأن المراد به عمل الإنسان نفسه لا عمل غيره له، وإنما جعل دعاء الولد الصالح من عمله؛ لأن الولد من كسبه حيث أنه هو السبب في إيجاده، فكأن دعاءه لوالده دعاء من الوالد نفسه. بخلاف دعاء غير الولد لأخيه فإنه ليس من عمله وإن كان ينتفع به، فالاستثناء الذي في الحديث من انقطاع عمل الميت نفسه لا عمل غيره له، ولهذا لم يقل: "انقطع العمل له" بل قال: "انقطع عمله". وبينهما فرق بيّن.
2 الصدقة عن الميت، ففي صحيح البخاري عن عائشة

(17/257)


رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة) وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه والصدقة عبادة مالية محضة.
3 الصيام عن الميت، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، والولي هو الوارث، لقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه. والصيام عبادة بدنية محضة.
4 الحج عن غيره، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟

(17/258)


قال: "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء".
فإن قيل: هذا من عمل الولد لوالده، وعمل الولد من عمل الوالد كما في الحديث السابق "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث" حيث جعل دعاء الولد لوالده من عمل الوالد.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلل جواز حج الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومأ إلى ذلك، بل في الحديث ما يبطل التعليل به، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبهه بقضاء الدين الجائز من الولد وغيره، فجعل ذلك هو العلة، أعني كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أنه قد جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على جواز الحج عن الغير حتى من غير الولد فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "مَن شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: "أحججت عن نفسك"؟ قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". قال في البلوغ: رواه أبو داود وابن ماجه. وقال في الفروع: إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح. لكنه رجح في كلام آخر أنه موقوف. فإن صح المرفوع فذاك، وإلا فهو قول صحابي لم يظهر له مخالف فهو حجة ودليل على أن هذا العمل كان من المعلوم جوازه عندهم. ثم إنه قد

(17/259)


ثبت حديث عائشة رضي الله عنها في الصيام: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". والولي هو الوارث سواء كان ولداً أم غير ولد، وإذا جاز ذلك في الصيام مع كونه عبادة بدنية محضة، فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى وأحرى.
5 الأضحية عن الغير، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما". ولأحمد من حديث أبي رافع رضي الله عنه "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين، أقرنين أملحين، فيذبح أحدهما ويقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يذبح الآخر ويقول: هذا عن محمد وآل محمد". قال في مجمع الزوائد: إسناده حسن، وسكت عنه في التلخيص.
والأضحية عبادة بدنية قوامها المال، وقد ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أهل بيته وعن أمته جميعاً، وما من شك في أن ذلك ينفع المضحى عنهم، وينالهم ثوابه ولو لم يكن كذلك لم يكن للتضحية عنهم فائدة.
6 اقتصاص المظلوم من الظالم بالأخذ من صالح أعماله،

(17/260)


ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". فإذا كانت الحسنات قابلة للمقاصة بأخذ ثوابها من عاملها إلى غيره، كان ذلك دليلاً على أنها قابلة لنقلها منه إلى غيره بالإهداء.
7 انتفاعات أخرى بأعمال الغير، كرفع درجات الذرية في الجنة إلى درجات آبائهم، وزيادة أجر الجماعة بكثرة العدد، وصحة صلاة المنفرد بمصافة غيره له، والأمن والنصر بوجود أهل الفضل كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة

(17/261)


لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". وفيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيوجد الرجل فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يكون البعث الرابع فيقال انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيوجد الرجل فيفتح لهم به".
فإذا تبين أن الرجل ينتفع بغيره وبعمل غيره، فإن من شرط انتفاعه أن يكون من أهله وهو المسلم، فأما الكافر فلا ينتفع بما أهدي إليه من عمل صالح، ولا يجوز أن يهدى إليه، كما لا يجوز أن يدعى له ويستغفر له، قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُو?اْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُو?اْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ }. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن جده (العاص بن وائل السهمي) أوصى أن يعتق عنه مئة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو بن العاص أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "إنه لو

(17/262)


كان مسلماً فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم بَلَغَه ذلك". وفي رواية: "فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه". وذلك رواه أحمد وأبو داود.
فإن قيل: هلا تقتصرون على ما جاءت به السنة من إهداء القرب وهي: الحج، والصوم، والصدقة، والعتق؟
فالجواب: أن ما جاءت به السنة ليس على سبيل الحصر، وإنما غالبه قضايا أعيان سئل عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأجاب به، وأومأ إلى العموم بذكر العلة الصادقة بما سئل عنه وغيره وهي قوله: "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته". ويدل على العموم أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". ثم لم يمنع الحج والصدقة والعتق فعلم من ذلك أن شأن العبادات واحد والأمر فيها واسع.
فإن قيل: فهل يجوز إهداء القرب الواجبة؟
فالجواب: أما على القول بأنه لا يصح إهداء القرب إلا إذا نواه المهدي قبل الفعل، بحيث يفعل القربة بنية أنها عن فلان، فإن إهداء القرب الواجبة لا يجوز لتعذر ذلك، إذ من شرط القرب الواجبة أن ينوي بها الفاعل أنها عن نفسه، قياماً بما أوجب الله تعالى عليه. اللهم إلا أن تكون من فروض الكفايات، فربما يقال: بصحة ذلك، حيث ينوي الفاعل القيام بها عن غيره لتعلق الطلب بأحدهما لا بعينه. وأما على القول بأنه يصح إهداء القرب بعد الفعل، ويكون

(17/263)


ذلك إهداء لثوابها بحيث يفعل القربة ويقول: اللهم اجعل ثوابها لفلان، فإنه لا يصح إهداء ثوابها أيضاً على الأرجح، وذلك لأن إيجاب الشارع لها إيجاباً عينياً دليل على شدة احتياج العبد لثوابها وضرورته إليه، ومثل هذا لا ينبغي أن يؤثر العبد بثوابه غيره.
فإن قيل: إذا جاز إهداء القرب إلى الغير فهل من المستحسن فعله؟
فالجواب: أن فعله غير مستحسن إلا فيما وردت به السنة كالأضحية والواجبات التي تدخلها النيابة كالصوم والحج، وأما غير ذلك فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى ص 223 323 ج 42 مجموع ابن قاسم: "فالأمر الذي كان معروفاً بين المسلمين في القرون المفضلة، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة، فرضها ونفلها،.... وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم. قال: ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً وصاموا وحجوا، أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف، فإنه أفضل وأكمل" اه . وأما ما روي أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي أبوين، وكنت أبرهما في حياتهما فكيف البر بعد موتهما؟ فقال: "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، وتصدق لهما مع صدقتك". فهو حديث مرسل لا

(17/264)


يصح، وقد ذكر الله تعالى مكافأة الوالدين بالدعاء فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا }. وعن أبي أسيد رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". رواه أبو داود وابن ماجه. ولم يذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من برهما أن يصلي لهما مع صلاته، ويصوم لهما مع صيامه.
فأما ما يفعله كثير من العامة اليوم حيث يقرؤون القرآن في شهر رمضان أو غيره، ثم يؤثرون موتاهم به، ويتركون أنفسهم، فهو لا ينبغي لما فيه من الخروج عن جادة السلف، وحرمان المرء نفسه من ثواب هذه العبادة فإن مهدي العبادة ليس له من الأجر سوى ما يحصل من الإحسان إلى الغير، أما ثواب العبادة الخاص فقد أهداه، ومن ثم كان لا ينبغي إهداء القرب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ثواب القربة التي تفعلها الأمة، لأنه الدال عليها والا?مر بها، فله مثل أجر الفاعل، ولا ينتج عن إهداء القرب إليه سوى حرمان الفاعل نفسه من ثواب تلك العبادة. وبهذا تعرف فقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أهدى شيئاً من القرب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنهم أشد الناس حبًّا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحرصهم على فعل الخير، وهم أهدى الناس

(17/265)


طريقاً، وأصوبهم عملاً، فلا ينبغي العدول عن طريقتهم في هذا وغيره، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. تم تحريره في 27/3/1400 هـ .
* * *

(17/266)


بسم الله الرحمن الرحيم
لقد سألني المكرم... عن رجل عنده دراهم يريد أن يتصدق بها عن ميت من أقاربه، أو يضحي بها عن هذا الميت فأيهما أفضل الصدقة بها عنه أو الأضحية؟
فأجبته بما يلي: الصدقة بالدراهم عن الميت، أو وضعها في بناء مسجد، أو أعمال خيرية أفضل من الأضحية، وذلك لأن الأضحية عن الميت استقلالاً غير مشروعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا من قوله، ولا من فعله، ولا من إقراره، وقد مات للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاده، سوى فاطمة رضي الله عنها وماتت زوجتاه خديجة وزينت بنت خزيمة رضي الله عنهما ومات عمه حمزة رضي الله عنه ولم يضح عن واحد منهم، ولم نعلم أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم ضحى في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أحد من الأموات قريب ولا بعيد.
ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الميت لا ينتفع بالأضحية عنه، ولا يأتيه أجرها إلا أن يكون قد أوصى بها.
ولكن الصحيح: أنه ينتفع بها ويأتيه الأجر إن شاءالله، إلا أن الصدقة عنه بالدراهم والطعام أفضل؛ وذلك لأن الصدقة عن الميت قد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوعها في عهده، وإقراره عليها بخلاف الأضحية، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "

(17/267)


نعم". والذين أجازوا الأضحية عن الميت استقلالاً إنما قاسوها على الصدقة عنه، ومن المعلوم أن ثبوت الحكم في المقيس عليه أقوى من ثبوته في المقيس، فتكون الصدقة عن الميت أولى من الأضحية عنه.
قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 7/1/1403 هـ .
* * *

(17/268)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ 29 من الشهر الماضي وصل، سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك.
أما سؤالكم عما كثر من أقوال العامة والخاصة ممن ينتسبون إلى العلم أنه ليس للموتى أضحية، وليس لهم صدقة إلا الصدقة الجارية فقط، وكذلك ما يصح لهم حج ولا غيره إلا الذي ما قضى فرضه فهو يحج عنه؟
فجوابه: أما الأضحية عن الأموات فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يوصي بها الميت، فيضحي عنه تنفيذاً لوصيته، لأن الله تعالى لم يبح تغيير الوصية إلا إذا كانت جنفاً أو إثماً قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والأضحية ليست جنفاً ولا إثماً، بل هي عبادة مالية من أفضل العبادات والشعائر، وقد روى الترمذي وأبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يضحي

(17/269)


بكبشين أحدهما عن نفسه والا?خر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي رواية أبي داود أنه قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه، وقد ترجم لذلك الترمذي وأبو داود فقال الترمذي: باب ما جاء في الأضحية عن الميت، وقال أبو داود: باب الأضحية عن الميت. ثم ساقا الحديث، لكن الحديث سنده ضعيف عند أهل العلم، وعلى كل حال فالعمدة على آية الوصية.
القسم الثاني: أن يضحي عن الميت تبعاً، مثل أن يضحي الرجل عن نفسه وأهل بيته وفيهم من هو ميت، فهذا جائز ويحصل للميت به أجر، وقد جاءت بمثله السنة فقد ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين، أحدهما عنه وعن آله، والثاني عن أمته وهو شامل للحي والميت عن آله وأمته.
القسم الثالث: أن يضحي عن الميت وحده بدون وصية منه، مثل أن يضحي الإنسان عن أبيه وأمه، أو ابنه، أو أخيه، أو غيرهم من المسلمين فلا أعلم لذلك أصلاً من السنة إلا ما جاء في بعض روايات مسلم لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة أبي بردة بن نيار رضي الله عنه أنه قال: "يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي". فإن صحت هذه الزيادة فقد يتمسك بها من يثبت جواز الأضحية عن الميت وحده حيث لم يسأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ابنه أحيّ أم ميت. ولو كان الحكم يختلف بين الحي والميت لاستفصل

(17/270)


منه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن في هذا نظر؛ لأن المعهود أن الأضحية كانت في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الأحياء، والأموات تبع لهم ولا نعلم أنه ضحى عن الميت وحده في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولذلك اعتمد من يجيزون الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه على قياس الأضحية على الصدقة حيث إن الكل عبادة مالية، قال ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي (ص 092 ج 6): اختلف أهل العلم هل يضحى عن الميت مع اتفاقهم على أنه يتصدق عنه، والضحية ضرب من الصدقة، لأنها عبادة مالية وليست كالصلاة والصيام. اه .
والخلاصة: أن الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه لا أعلم فيها نصًّا صريحاً بعينها، لكن إذا فعلت فأرجو أن لا يكون بها بأس، إلا أن الأفضل والأحسن أن يجعل المضحي الأضحية عنه وعنه أهل بيته الأحياء والأموات اقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفضل الله واسع يكون الأجر بذلك للجميع إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم عندكم "إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية". فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى ومن مال طيب، سواء كانت جارية أم منقطعة فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها (أي ماتت فجأة) وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم". وروى نحوه مسلم من

(17/271)


حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ففي هذا الحديث دليل على جواز الصدقة على الميت مطلقاً وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة جارية أم منقطعة.
ولعل الذين توهموا أن الميت لا ينفعه إلا الصدقة الجارية فهموا ذلك من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم، وليس في هذا الحديث دلالة على ما توهموه فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "انقطع عمله" ولم يقل: (انقطع العمل له)، ثم إن هذا الحديث الذي استند إليه هؤلاء فيما فهموا منه ليس على عمومه بالنص والإجماع إذ لو كان على عمومه لكان الميت لا ينتفع بغير دعاء ولده له، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على انتفاع الميت بدعاء غير ولده له، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } والذين سبقوهم بالإيمان في هذه الآيات هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم شامل لمن بعدهم إلى يوم القيامة فهم يدعون بالمغفرة لهم وإن لم يكونوا من أولادهم وينفعهم ذلك، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أغمض أبا سلمة رضي الله عنه حين مات وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له

(17/272)


في قبره ونور له فيه". وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، وصح عنه أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه"، وصح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يزور المقابر ويدعو لأهلها ويأمر أصحابه بذلك.
فهذه دلالة الكتاب والسنة على انتفاع الإنسان بدعاء غير ولده له. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعاً قطعياً فما زالوا يصلون على موتاهم، ويدعون لهم وإن لم يكونوا من آبائهم.
وكذلك صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وليس ذلك من الصدقة الجارية، ولا من العلم، ولا من دعوة الولد.
وكذلك صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه. ووليه وارثه سواء كان ولداً أم غيره لقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }. وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" متفق عليه. والصيام عبادة بدنية وقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصومه عن الميت وهو دليل

(17/273)


على أنه ينتفع به وإلا لم يكن للأمر به فائدة.
والأمثلة أكثر من هذا ولا حاجة لاستيعابها إذ المؤمن يكفيه الدليل الواحد.
والمقصود أن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله" إلى آخر الحديث إنما يعني به عمل نفسه لا عمل غيره له، ولهذا قيد الصدقة بالجارية لتكون مستمرة له بعد الموت. وأما عمل غيره له فقد عرفت الأمثلة والأدلة على انتفاعه به سواء من الولد أو غيره، ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يكثر من إهداء العمل الصالح لغيره؛ لأن ذلك لم يكن من عادة السلف وإنما يفعله أحياناً.
وأما قول بعض المنتسبين للعلم عندكم: "إنه ما يصح الحج للميت إلا إذا كان ما قضى فرضه فهو يحج عنه" فهذا موضع خلاف بين العلماء والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل، لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: لبيك عن شبرمة، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من شبرمة؟" قال: أخ لي أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك؟" قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، قال في الفروع [ص 562 ج 3 ط آل ثاني] إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، قال البيهقي: إسناده صحيح، ومن العلماء من أعله بالوقف لكن الرافع له ثقة، وهو يدل بعمومه على جواز حج النفل عن الميت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل هو نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتاً؟

(17/274)


قالوا: وإذا جاز أن يحج عنه الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل، فإن جواز حجه الفرض عنه دليل على أن الحج لا تمتنع فيه النيابة، وهذا لا فرق فيه بين الفرض والنفل إذا كان الذي يحج عنه ميتاً أوعاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، أما القادر أوالعاجز عجزاً يرجى زواله فلا يوكل من يحج عنه. هذا ما لزم والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 51/1/1400 هـ .
* * *

(17/275)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما أفضل الأعمال التي تقدم إلى الميت؟ وما معنى قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصلاة عليهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: أفضل ما يقدم إلى الميت الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فالدعاء للميت أفضل من كل شيء، أفضل من أن تصلي، أو تتصدق، أو تحج، أو تعتمر عن الميت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر هذا: "ولد صالح يدعو له". في سياق الأعمال، فلو كانت الأعمال مشروعة للميت لقال: أو ولد صالح يتصدق له، أو يصوم عنه أو ما أشبه هذا، فلما عدل عن ذلك إلى الدعاء علم أن الدعاء أفضل من إهداء الأعمال.
وأما قوله: "الصلاة عليهما" يعني الدعاء، لأن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم رجل يذبح عند القبر لله سبحانه وتعالى وهي صدقة عن الميت الذي في القبر ولكنه يعتقد أنه إذا ذبحت عند القبر يصل الأجر والثواب لصاحب القبر بسرعة هل هذا شرك؟

(17/276)


فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بشرك؛ لأنه لا يريد بذلك التقرب إلى صاحب القبر، إنما يريد التقرب إلى الله لكنه ظن جهلاً منه أن هذا أسرع في إيصال الثواب للميت فيُنبه على هذا، ويقال: هذا خطأ، والثواب يصل إلى الميت بإيصال الله عز وجل سواء كنت بعيداً عن الميت أم لا. على أنه ليس بمشروع أن يذبح الإنسان للميت ذبيحة؛ لأن الذبائح الشرعية مخصوصة بالأضحية، والعقيقة، والهدي. ولا يشرع للإنسان أن يذبح ذبيحة يتقرب بها إلى الله في غير هذه المواضع الثلاثة، نعم لو كان يريد أن يذبح لكن يقول: أنا لا أريد أن أتقرب بالذبح، ولكن أريد أن أتصدق باللحم. فهذا لا بأس.
ثم إننا ننهى أن يذبح عند القبر، وإن لم يكن شركاً؛ لأنه قد يؤدي إلى الاقتداء به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : عن حكم صنع الطعام لأهل الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أهل الميت إذا اشتغلوا بسبب المصيبة، وانشغلوا عن إصلاح الطعام لهم، فإنه يسن لمن علم بمصيبتهم أن يبعث إليهم بطعام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم"، وفي قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فقد أتاهم ما يشغلهم" إشارة إلى أن ذلك ليس مستحباً على سبيل الإطلاق، ولكنه مستحب إذا كان أهل الميت قد انشغلوا عن إصلاح الطعام، أما إذا كان الأمر طبيعياً كما هو المعروف في عهدنا الا?ن فإنه لا يسن أن يبعث إليهم بطعام؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما قال "ابعثوا لا?ل جعفر طعام" لم يقل: (فإنه قد مات لهم ميت)، وإنما قال: "فقد أتاهم ما

(17/277)


يشغلهم". وعلى هذا فإذا لم يكن هناك إشغال فإنه ليس هناك طعام، وإذا صنع الطعام وبعث إليهم وعندهم أحد من أقاربهم فله أن يأكل معهم، وأما أن يدعو الناس إليه، فإن هذا نوع من النياحة، ولهذا يكره لأهل الميت أن يصنعوا طعاماً ويدعوا الناس إليه، وبهذا يعلم أن ما يصنعه بعض المسلمين من صنع الطعام والشاي ودعوة الناس إليه أن هذا من البدع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : مسألة العزاء توسع الناس فيها فإذا مات عند الناس ميت اجتمعوا ويصنع لهم طعام ويأتي بالذبائح وإذا قلنا في ذلك يقولون: أناس يزوروننا أفلا نغديهم!! وكذلك إذا كلمناهم في الجلوس للعزاء قالوا: أين نستقبل الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعزية ليست تهنئة كما يهنأ الإنسان القادم، التعزية يراد بها أننا إذا رأينا شخصاً مصاباً متأثراً نكلمه بما

(17/278)


يهون عليه المصيبة، هذا هو المقصود منها، فنقول له مثلاً كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإحدى بناته: "اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". ولا حاجة إلى الاجتماع في البيت فإن الاجتماع في البيت خلاف ما كان عليه السلف الصالح. حتى قالوا أي السلف الصالح كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. والنياحة من كبائر الذنوب، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة. ولكن إذا سمعنا أن شخصاً من الناس تأثر بموت قريبه أو صديقه أو ما أشبه ذلك فإننا نحرص على أن نصل إليه. ونقول: اصبر واحتسب. أما مجرد أن يموت القريب نجتمع ويجتمع الناس. وربما توقد الأنوار، وتصف الكراسي، ويؤتى بالقراء وما أشبه ذلك فهذا لا يجوز. وكان الناس إلى عهد قريب لا يفعلون هذا إطلاقاً يموت الميت للإنسان فإذا فرغوا من دفنه ورأوه متأثراً عزوه ورجعوا إلى أهلهم، ثم من وجده في السوق أو في المسجد عزاه. وأما الاجتماع فلا شك أنه بدعة، وأنه ينهى عنه، لاسيما إن صحبه ندب بأن تجتمع النساء تقول: والله هذا كان كذا وكذا، هذا أبو العائلة هذا صاحب البيت، مَن للعائلة؟ مَن للبيت؟ وما أشبه ذلك فإنه يكون من الندب المحرم. وعلى طلبة العلم أن يُبصِّروا الناس قبل أن يتسع الخرق على الراتق.
* * *

(17/279)


سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : انتشرت وبشكل ملفت للنظر ومتزايد ظاهرة الولائم والبذخ بقصد طلب الأجر والمواساة إكراماً لذوي المتوفى، ما هي وجهة نظركم حول هذه الظاهرة وأسباب تزايدها؟ وما موقف الشريعة الإسلامية من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الظاهرة أعني صنع الطعام والولائم لأهل الميت أيام وفاته ظاهرة غير مشروعة، بل قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد. قال في شرح المنتقى: وإسناده صحيح، فبين جرير رضي الله عنه أن ذلك نوع من النياحة. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن النائحة والمستمعة، وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، فقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصنع لا?ل جعفر طعاماً، وعلل ذلك بأنه أتاهم ما يشغلهم عن كلفة صنع الطعام، لا لأجل تسليتهم بإقامة الولائم عندهم، ثم إنه أمر أن يصنع لا?ل جعفر، وهذا يكون بقدر آل البيت، وهذا يدل على أنه إنما أمر بذلك للحاجة وبقدر الحاجة، لاعلى ما ذكر في السؤال، وغالب الناس اليوم لا

(17/280)


يحتاجون لصنع الطعام لهم؛ لأن كثيراً من البيوت مملوءة من الأطعمة الجاهزة ولله الحمد. حرر في 16/2/1418 هـ .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : ما حكم صنع الطعام لأهل الميت؟ بحيث يكون في كل يوم الطعام على أناس معينين يتبرعون بذلك؟ ويكون الطعام في العادة ذبائح مطبوخة مقدمة لأهل الميت، ويحتجون أنه قد جاء أهل البيت ما يشغلهم من عمل الطعام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ثبت في السنة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما استشهد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهله: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولكن ليس على هذا الوجه الذي يفعله بعض الناس اليوم؛ حيث تكون الذبائح التي تهدى إلى أهل البيت ذبائح كثيرة، يجتمع عليها الناس كثيراً، فإن هذا خلاف المشروع؛ ثم إن الانشغال الذي كان في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس موجوداً الا?ن ولله الحمد؛ هناك مطاعم كثيرة قريبة، خصوصاً في المدن، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يُهدى لهم الطعام.
* * *

(17/281)