مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

باب صفة الصلاة
*

(13/5)


آداب الخروج إلى المسجد

* القيام للصلاة .

* أحكام الصفوف .

(13/6)


آداب الخروج إلى المسجد
358 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - عن حكم الإسراع في المشي إلى الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إسراع الإنسان في مشيه إلى الصلاة منهي عنه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نمشي وعلينا السكينة والوقار ونهانا أن نسرع، إلا أن بعض أهل العلم قال: لا بأس أن يسرع سرعة لا تقبح إذا خاف أن تفوته الركعة مثل إن دخل والإمام راكع فأسرع سرعة ليست قبيحة كما يصنع بعض الناس تجده يأتي يركض شديداً، فإن هذا منهي عنه، مع أن الإتيان بالسكينة والوقار مع عدم الإسراع أفضل حتى وإن خاف أن تفوته الركعة لعموم الحديث.

359 وسئل: هل يجوز الإسراع لإدراك الركعة مع الإمام في صلاة الجماعة؟ أفتونا حفظكم الله ورعاكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخلت والإمام راكع فلا تسرع، ولا تدخل في الصلاة قبل أن تصل إلى الصف الأول؛ لأن النبي قال لأبي بكرة رضي الله عنه حين فعل ذلك:"زادك الله حرصاً ولا تعد" (1) .

360 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الركوع دون الصف، ثم
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 114، إذا ركع دون الصف (783).

(13/7)


المشي إليه، مع العلم بأنه قد ثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه - فعله، فعن زيد بن وهب قال: دخلت المسجد أنا وابن مسعود فأدركنا الإمام وهو راكع، فركعنا ثم مشينا حتى استوينا في الصف، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأقضي، فقال عبد الله: قد أدركت الصلاة" (1) .

وعن ابن الزبير - رضي الله عنه - الأمر به على منبر الجمعة، وأخبر أنه السنة، فعن عطاء بن رباح أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة. قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك (2) .
وأيضاً قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أبي بكرة: "زادك الله حرصاً ولا تعد" ليس بقاطع في أن المراد هو الركوع دون الصف؛ بل يحتمل أن المراد هو المجيء إلى المسجد مسرعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أنه لا يركع قبل أن يصل إلى الصف؛ لأن الحديث عام "لا تعد" ولا يخصص منه إلا الركوع المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يركع لقوله عليه الصلاة والسلام: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (3) .
__________
(1) شرح معاني الآثار 3/207.
(2) البيهقي في"السنن" 2/106.
(3) رواه البخاري في الأذان باب 21، لا يسعى إلى الصلاة (636)، ومسلم في المساجد باب 28، استحباب إتيان الصلاة بوقار ح151 (602).

(13/8)


وأما فعل ابن مسعود - رضي الله عنه - فلا يحتج به لأنه خالف الحديث، وذلك أن كل من خالف النص مهما كانت منزلته في الدين فإنه يعتذر عنه، ولا يحتج بقوله، ولا يعارض به سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما حديث ابن الزبير فيحتاج إلى النظر في صحته وسياقه حتى يعرف هل صح عنه أم لا؟ وهل المراد بسياقه في قوله: "أثر السنة" هذه السنة أو مجموع الهيئة التي يقوم بها الإنسان.
وأما قول السائل: إن حديث أبي بكرة ليس بقاطع.
فيقال نعم هو ليس بقاطع؛ ولكن ليس من شرط الاستدلال بالنص أن تكون دلالته قاطعة بل يكتفي بالظاهر، فإذا وجد نص آخر يخالفه - أي يقتضي ما يخالف ظاهره - فحينئذ نؤول الظاهر.

361 سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: بعض الناس إذا بدأت صلاة التراويح أو القيام انتظر حتى إذا ركع الإمام دخل في الصلاة وركع معه، فهل فعله صحيح؟
وكذلك إذا انتهى الإمام من ركعته وقام للثانية فإن بعض الناس يجلس، حتى إذا قارب الإمام الركوع قام وركع معه، فهل يجوز ذلك؟

(13/9)


فأجاب فضيلته بقوله: أما تأخير الإنسان الدخول مع الإمام حتى يكبر للركوع، فهذا تصرف ليس بسليم، بل إنني أتوقف، هل تصح ركعته هذه أو لا تصح؟ لأنه تعمد التأخير الذي لا يتمكن معه من قراءة الفاتحة – وقراءة الفاتحة ركن، فلا تسقط عن الإمام ولا المأموم ولا المنفرد – فكونه يبقى حتى يركع الإمام ثم يقوم فيركع معه هذا خطأ بلا شك، وخطر على صلاته، أو على الأقل على ركعته ألا يكون أدركها.
وأما التكبير مع الإمام جالساً فإذا قارب الركوع قام فركع، فلا بأس به؛ لأن التراويح نافلة، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين كبر وثقل يفعله، فيبدؤها جالساً، ويقرأ، فإذا قارب الركوع، قام وقرأ ما تيسر من القرآن ثم ركع (1) .
وكذلك إذا ركع مع الإمام، ثم قام الإمام إلى الثانية، وجلس هو، فإذا قارب الإمام الركوع في الركعة الثانية قام فركع معه، كل هذا لا بأس به.
__________
(1) نص الحديث: عن عائشة – رضي الله عنها -: "أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين قام، فقرأها وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.." رواه البخاري في تقصير الصلاة/ باب إذا صلى قاعداً (1068)، ومسلم في صلاة المسافرين/ باب جواز النافلة قائماً أو قاعداً (731).

(13/10)


362 وسئل فضيلته: ما حكم التكبير دون الصف والركوع ثم المشي إلى الصف لإدراك الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير قبل الدخول إلى الصف ثم المشي نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن أبا بكرة الثقفي - رضي الله عنه - دخل المسجد، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكع فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صلاته سأل من الذي فعل ذلك؟ فقال أبو بكرة أنا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زادك الله حرصاً، ولا تعد" (1) .
و(تَعُد) بضم العين، من العود، أي: لا تعد إلى ما فعلت، وهذا اللفظ "لا تعد" يغني عن قول ولا (تعد)، وعن قول ولا (تعد) ولذلك الرواية الصحيحة التي في الصحيحين (ولا تعد) بضم العين، وإنما قلت إنها تغني عنهما؛ لأنه إذا نهاه عن العود وسكت عن أمره بالإعادة دل على أن الإعادة غير واجبة، وإذا نهاه عن العود دخل فيه النهي عن العدو، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نورد هاتين الروايتين الخارجتين عن الصحيحين وهي (لا تعِدْ) و(لا تَّعْدُ) هذا إن صحت الرواية.
والحاصل أن الذي يفعل ذلك ينهى عنه، ويقال له: امش وعليك السكينة حتى تصل إلى الصف، فما أدركت فصل، وما لم تدرك فأتمه.
وإذا قال قائل: إذا وصلت إلى الصف وكبرت تكبيرة
__________
(1) رواه البخاري، وتقدم تخريجه في ص"7".

(13/11)


الإحرام، وركعت ورفع الإمام، وأنا لا أدري هل أدركت الإمام في الركوع، أو رفع قبل أن أدركه، فماذا أصنع؟
الجواب: فنقول إن كان يغلب على ظنه أنه أدركه فقد أدركه، ثم إن كانت هذه أول ركعة، فإن الإمام يتحمل عنه سجود السهو؛ لأنه سيسلم مع الإمام، وإن كانت هذه الركعة الثانية أو ما بعدها، فإنه يسجد إذا قضى الصلاة سجدتين بعد السلام؛ لأن القاعدة في الشك إذا كان فيه غلبة الظن، أن يبنى عليه - أي على غلبة الظن - ويسجد بعد السلام.
وإذا كان لم يغلب على ظنه أنه أدرك الإمام، ولا أنه لم يدركه وتردد فإنه يلغي هذه الركعة، ليبني على اليقين ويسجد قبل السلام.

363 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول إن الله مع الصابرين لمن دخل والإمام راكع لينبه الإمام؟
فأجاب بقوله: هذا لا ينبغي أن يفعل، سواء قال: اصبر إن الله مع الصابرين، أو تنحنح، أو ضرب بقدميه وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم بها الإمام أنه داخل.
والواجب عليه في هذه الحال أن يأتي بهدوء وطمأنينة وبدون إسراع لقول النبي، عليه الصلاة والسلام: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (1) .
__________
(1) رواه البخاري في الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة (636)، ومسلم في المساجد باب استحباب إتيان الصلاة بوقار؛ 151 (602).

(13/12)


فهذا الحديث يوجب أن تأتي مطمئناً، وتقف في الصف وتدخل مع الإمام وما أدركت فصل وما فاتك فاقض. هذا ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وأما هذا التشويش والإزعاج للإمام والمأمومين وإحداث أمر ما كان في عهد الصحابة فهذا لا ينبغي.

364 وسئل فضيلته - حفظه الله تعالى -: ما حكم قراءة القرآن في المسجد بصوت مرتفع مما يسبب التشويش على المصلين؟
فأجاب بقوله: حكم قراءة الرجل في المسجد في الحال التي يشوش بها على غيره من المصلين، أو الدارسين، أو قارئ القرآن، حكم ذلك حرام؛ لوقوعه فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد روى مالك في الموطأ (1) عن البياضي (هو فروة بن عمرو) أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بض بالقرآن".وروى نحوه أبو داود (2) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

365 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: بعض الناس عندما يدخل المسجد والإمام راكع يقول: إن الله مع الصابرين، فما حكم هذا القول؟
__________
(1) في الصلاة باب العمل في القراءة 1/86 (225).
(2) في الصلاة باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (1332).

(13/13)


فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا أصل له ولم يكن في عهد الصحابة ولا من هديهم، وفيه أيضاً تشويش على المصلين الذين مع الإمام، والتشويش على المصلين منهي عنه؛ لأنه يؤذيهم كما خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة على أصحابه وهم يصلون ويرفعون أصواتهم بالقراءة فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا يجهرن بعضكم على بعض في القرآن" (1) . وفي حديث آخر: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القرآن" (2) ، وهذا يدل على أن كل ما يشوش على المأمومين في صلاتهم فإنه منهي عنه لما في ذلك من الإيذاء والحيلولة بين المصلي وبين صلاته.
أما بالنسبة للإمام فإن الفقهاء - رحمهم الله - يقولون: إذا أحس الإمام بداخل في الصلاة فإنه ينبغي انتظاره ما لم يشق على المأمومين، فإن شق عليهم فلا ينتظر؛ ولا سيما إذا كانت الركعة الأخيرة؛ لأن الركعة الأخيرة بها تدرك الجماعة، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (3) .
__________
(1) هذا جزء من حديث رواه مالك وتقدم في السؤال السابق ص"13".
(2) هذا جزء من حديث أبي سعيد الخدري وفي أوله: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين.." رواه أبو داود في الصلاة باب رفع الصوت بالقراءة في الليل ح (1332) وصححه ابن خزيمة 2/190 (1162).
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري في مواقيت الصلاة باب من أدرك من الصلاة ركعة (580)، ورواه مسلم في المساجد باب من أدرك ركعة ح161 (607).

(13/14)


366 سئل فضيلة الشيخ: عما يفعله بعض الناس إذا دخلوا المسجد قرب وقت الإقامة وقفوا ينتظرون قدوم الإمام وتركوا تحية المسجد فما حكم هذا العمل؟
فأجاب بقوله: إذا كانت المدة قصيرة بحيث لا يفوت فعل تحية المسجد فلا حرج عليهم، وأما إذا كانوا لا يدرون متى يأتي الإمام فالأفضل أن يصلوا تحية المسجد ثم إن جاء الإمام وأقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فاقطعها، وإن كنت في الركعة الثانية فأتمها خفيفة.

367 وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه -: ما رأيكم فيما يفعله بعض المصلين من الاشتغال بالسواليف والكلام حتى تقام الصلاة؟
فأجاب بقوله: إذا دخل هؤلاء المسجد صلوا تحية المسجد، أو صلوا الراتبة إن كانت الصلاة مما لها راتبة قبلها، فإذا فعلوا ذلك فالأفضل أن يشتغلوا بالقرآن أو يشتغلوا بالتسبيح؛ لأنهم لا يزالون في صلاة ما انتظروا الصلاة، فإن تشاغلوا بكلام آخر نظرنا، إن كان مما يحرم، فإن تحدثهم به وهم في المسجد وفي انتظار الصلاة يكون أشد إثماً، وإن كان من الأمور المباحة، فلا بأس بذلك ما لم يشوشوا على غيرهم، فإن شوشوا على غيرهم فإنه لا يحل لهم التشويش على المصلين.

(13/15)


368 وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: عن قول بعض الناس عند قول المؤذن: "قد قامت الصلاة" "أقامها الله وأدامها"؟
فأجاب بقوله: قوله عند إقامة الصلاة "أقامها الله وأدامها" قد ورد فيه حديث، ولكن في صحته نظر (1) ، فمن قالها لا ينكر عليه، ومن تركها لا ينكر عليه.

369 وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد في السنة وقت محدد للقيام للصلاة عند الإقامة؟
فأجاب بقوله: لم ترد السنة محددة لموضع القيام؛ إلا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تقوموا حتى تروني" (2) فمتى قام الإنسان في أول الإقامة، أو في أثنائها، أو عند انتهائها فكل ذلك جائز.

370 سئل الشيخ - وفقه الله تعالى -: ما درجة حديث: "صلاة بسواك تفضل سبعين صلاة بغير سواك"؟
...
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب 37 ما يقول إذا سمع الإقامة (528)، والبيهقي 1/411، والبغوي في "شرح السنة" 2/288، قال الحافظ في "التلخيص" 111/211: "ضعيف" وضعفه شيخنا - حفظه الله ورعاه - في هذا المجموع 12/201 فتوى رقم (130).
(2) رواه البخاري في الأذان باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام (637)، ومسلم في المساجد باب 29 متى يقوم الناس للصلاة 156 (604).

(13/16)


فأجاب بقوله: هذا الحديث ضعيف (1) ، والصلاة بالسواك أفضل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". متفق عليه (2) .
فينبغي للإنسان أن يستاك عند كل صلاة وعند الوضوء أيضاً، ومحله في الوضوء عند المضمضة، وينبغي أيضاً أن يغسل السواك وينظفه لقول عائشة – رضي الله عنها – حين حضر أخوها إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو قد نزل به الموت صلوات الله وسلامه عليه ومع عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة سواك يستن به فأبده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصره – أي جعل ينظر إليه – قالت: فعرفت أنه يحب السواك – وهو في سياق الموت صلوات الله وسلامه عليه – فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، قالت: فأخذته فقضمته فطيبته ثم دفعته إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستن به (3) ، وفي هذا دليل على أنه ينبغي العناية بالسواك لا كما يفعله كثير من الناس اليوم تجده يستاك بسواكه ولا يغسله فتبقى الأوساخ متراكمة في هذا السواك فلا يزيده التسوك إلا تلويثاً. والله أعلم.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 6/272، وابن خزيمة في "صحيحه" 1/71 (137)، والحاكم 1/245، قال في العلل المتناهية: "حديث لا يصح" 1/337، وقد أطال الكلام عليه العلامة ابن القيم في "المنار المنيف" برقم (1).
(2) رواه البخاري في الجمعة باب 8 السواك يوم الجمعة (887)، ومسلم في الطهارة باب 15 السواك ح42 (252).
(3) رواه البخاري في الموضع السابق باب 9 ح(890).

(13/17)


371 سئل فضيلة الشيخ: عن بعض المصلين الذين يصطحبون معهم أطفالهم إلى بيوت الله مما يترتب عليه إحداث الفوضى، وإشغال المصلين عن صلاتهم، وإحداث الخلل بين الصفوف، وذلك بخروج الأطفال من الصف بعد وقوفهم فيه خاصة في رمضان حيث تأتي المرأة بأطفالها، فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الأطفال مميزين، ولا يحدث منهم تشويش على المصلين فإنه لا يجوز إخراجهم من المساجد أو إقامتهم من أماكنهم التي سبقوا إليها، ولكن يفرق بينهم في الصف إذا خيف لعبهم.
وإذا كان يحدث من الأطفال صياح وركض في المسجد، وحركات تشوش على المصلين، فإنه لا يحل لأوليائهم إحضارهم في المساجد، فإن أحضروهم في هذه الحال أمروا بالخروج بهم، وتبقى أمهاتهم معهم في البيوت وبيت المرأة خير لها من حضورها إلى المسجد.
فإن لم يعرف أولياؤهم أخرجوا من المسجد لكن بالرفق واللين لا بالزجر والمطاردة والملاحقة التي تزعجهم ولا يزيد الأمر بها إلا شدة وفوضى. والله الموفق. حرر في 22 شعبان سنة 1413هـ.

(13/18)


372 سئل فضيلة الشيخ: يلاحظ من بعض الرجال في المسجد الحرام أنهم يصفون خلف صفوف النساء في الصلاة المفروضة، فهل تقبل صلاتهم؟ وهل من توجيه لهم؟
فأجاب بقوله: إذا صلى الرجال خلف النساء فإن أهل العلم يقولون لا بأس، لكن هذا خلاف السنة؛ لأن السنة أن تكون النساء خلف الرجال، إلا أنه كما هو مشاهد في المسجد الحرام يكون هناك زحام وضيق فتأتي النساء وتصف، ويأتي رجال بعدهن فيصفون وراءهن، ولكن ينبغي للمصلي أن يحترز عن هذا بقدر ما يستطيع؛ لأنه ربما يحصل من ذلك فتنة للرجال فليتجنب الإنسان الصلاة خلف النساء وإن كان هذا جائزاً حسب ما قرره الفقهاء، لكننا نقول ينبغي للإنسان أن يتجنب هذا بقدر المستطاع. وينبغي للنساء أيضاً ألا يصلين في موطن يكون قريباً من الرجال.

373 وسئل فضيلته: كثير من المصلين في المسجد الحرام يتساهلون في تسوية الصفوف والتراص، وقد قرأت قوله عليه الصلاة والسلام: "لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم" فما توجيهكم؟
فأجاب بقوله: الواقع أن الصفوف في المسجد الحرام غير منتظمة على الوجه الشرعي وهذا مما يؤسف له.
والمشروع أن يكمل الصف الأول فالأول كما أمر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا:

(13/19)


وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يتراصون ويكملون الأول فالأول" (1) .
ولكن نشاهد في هذا المسجد مع أنه افضل مسجد على وجه الأرض أن الناس يصلون أوزاعاً قل أن تجد صفاً تاماً، وهذا لاشك أنه من الخطأ، وأن الذي يجب تسوية الصف، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه الذي أخرجه البخاري وغيره، قال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (2) . أي بين وجهة نظركم حتى تتفرقوا وتتنازعوا وتفشلوا.
وفي هذا المسجد أيضاً ملاحظة شاهدتها أن الناس في صلاة الجنازة يصف الواحد منفرداً خلف الصف وهذا لا يجوز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (3) .
وشاهدت أيضاً أناساً يصلون أمام الإمام – أعني بين الإمام وبين الكعبة – وهذا أيضاً حرام ولا يجوز، وصلاتهم غير صحيحة، والمشكل أنهم يصلون صلاة فريضة من فرائض الإسلام أمام الإمام، وقد نص العلماء – رحمهم الله – على أن الصلاة أمام الإمام غير صحيحة فإذا كانت غير صحيحة لم تكن مقبولة فلينتبهوا لذلك.
...
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 27 الأمر بالسكون في الصلاة، ح116 - (430).
(2) رواه البخاري في الأذان، باب 71 تسوية الصفوف (717)، ومسلم في الصلاة باب 28 تسوية الصفوف ح127 (436).
(3) رواه الإمام أحمد 4/24، ولفظه: "لا صلاة لرجل فرد خلف الصف"، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، وابن خزيمة 3/30، والبيهقي 3/105).

(13/20)


وهنا مسألة: يسأل كثير من الناس أين الصف الأول في المسجد الحرام؟
والجواب: الأول ما كان خلف الإمام ونمشي حتى ندور كل الكعبة، أما من كان على يمين الإمام أو يساره فإن له حكم الصلاة على يمين الإمام وعلى يساره.

374 وسئل الشيخ - غفر الله له -: هل يأثم المصلي في المسجد الحرام إذا صلى في الصف وفي الصف الذي أمامه فرجة مع العلم أن هذه الفرجة ربما تكون كبيرة؟
فأجاب بقوله: الحقيقة أن هذه من الأمور المؤسفة في هذا المسجد الحرام وهي تقطع الصفوف وعدم وصلها، والسنة وصل الصفوف بعضها ببعض هذا هو السنة، ولكن إذا انقطع الصف الذي أمامك فإن كانت الفرجة قليلة بحيث تسدها إذا تقدمت إليها فتقدم وسدها وسييسر الله تبارك وتعالى للصف الذي انقطع بسبب تقدمه من يسده، أما إذا كانت الفرجة كبيرة لا تسدها إذا تقدمت فإنك تبقى في صفك لأنك لو تقدمت لم يحصل سد الصف المتقدم ويكون الصف الذي تركه منقطعاً فيحصل مضرة على الصف الذي تركت بدون فائدة للصف الذي تقدمت إليه.
فحاصل الجواب أنه إذا كانت الفرجة التي ظهرت في الصف الذي أمامك تنسد بتقدمك إليه فتقدم إليه وسدها، وإذا كانت الفرجة كبيرة فإنك تبقى في الصف الذي أنت فيه حتى لا ينقطع.

(13/21)


375 وسئل الشيخ: عن حكم تسوية الصفوف؟
فأجاب بقوله: السنة تسوية الصفوف، بل قال بعض العلماء إن تسوية الصف واجبة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رأى رجلاً بادياً صدره قال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (1) . وهذا وعيد، ولا وعيد إلا على فعل محرم أو ترك واجب. والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قوي، وقد ترجم البخاري - رحمه الله - على ذلك بقوله: "باب إثم من لم يتم الصفوف" (2) .

376 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تسوية الصفوف في صلاة الجنازة؟
فأجاب بقوله: عموم الأدلة تدل على تسوية الصفوف في كل جماعة، في الفريضة، أو النافلة كصلاة القيام، أو الجنازة، أو جماعة النساء. فمتى شرع الصف شرعت فيه المساواة.
وكثير من الناس يتهاونون في تسوية الصفوف مع أن الأدلة تدل أن تسوية الصفوف واجبة، ومن ذلك حرص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائه على تسوية الصفوف، حتى إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح بصدور أصحابه ومناكبهم ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (3) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص20.
(2) في كتاب الأذان باب 75 ح(724) وفيه ما قيل لأنس: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: "ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف".
(3) تقدم تخريجه ص20.

(13/22)


وكان الخلفاء الراشدون كعمر وعثمان يوكلون رجالاً يسوون الصفوف فإذا أخبروهم أن الصفوف استوت كبروا للصلاة.
ويجب على الإمام أن يعتني بتسوية الصف ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن كثيراً من الجهلة إذا تأخر الإمام في التكبير لتسوية الصفوف أخذهم الحمق والغضب، فلا ينبغي أن يبالي الإمام بأمثال هؤلاء لأن صلته بالله ما دامت وثيقة فستقوى الصلة بالناس بإذن الله.
ويرد كثيراً سؤال عن أفضل صفوف النساء أولها أم آخرها؟
وقد جاء في الحديث: أن "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (1) . والظاهر أن هذا ليس عاماً وأن النساء إذا كن في مكان منفرد عن الرجال فالأفضل في حقهن أن يبدأن بالأول فالأول، لأن الحكمة من كون آخر صفوف النساء خيرها هو البعد عن الرجال، فإذا لم يكن هناك رجال بقين على الأصل وهو أن يكمل الصف الأول فالأول.

377 سئل فضيلة الشيخ: هناك من المصلين من يقدم إحدى قدميه على الأخرى فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقديم إحدى القدمين على الأخرى لا ينبغي، بل السنة أن تكون القدمان متساويتين، بل وجميع أقدام المصلين متساوية متحاذية، بل إن تسوية الصفوف أمر واجب لابد منه وإذا تركه الناس كانوا آثمين عاصين للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 28 - تسوية الصفوف 1/326 ؛132 - (440).

(13/23)


يسوي أصحابه فيمسح صدورهم ومناكبهم ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (1) ، وقد رأى يوماً بعدما عقلوا عنه رجلاً بادياً صدره فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (2) . والمهم أن تسوية الصف أمر واجب وهو من مسئوليات الإمام والمأمومين أيضاً فعليه تفقد الصف وتسويته، وعليهم تسوية صفوفهم وتراصهم.

378 سئل فضيلة الشيخ حفظه الله: أيهما أفضل الصلاة في الدور العلوي أم في الدور الأرضي من المسجد؟
فأجاب بقوله: الصلاة في الأسفل أفضل من الصلاة في الأعلى؛ لأنها أقرب إلى الإمام، والدنو من الإمام أفضل من البعد عنه، لكن إذا اقترن بالصلاة في الأعلى نشاط الإنسان فنشط، ويرى أنه يخشع أكثر فإن هذا أفضل، وذلك لأن المحافظة على الفضيلة المتعلقة بالعبادة أولى من المحافظة على الفضيلة المتعلقة بمكانها، هكذا قال العلماء، وضربوا لذلك مثلاً بالرمل، والدنو من الكعبة، الرمل في طواف القدوم أو الدنو من الكعبة، لو قال قائل: أنا إن دنوت من الكعبة لم يحصل لي الرمل، وإن أبعدت عن الكعبة حصل لي الرمل فأيهما أفضل، أن أدنو من الكعبة، أو أن أبتعد وأرمل، فأيهما أفضل؟
...
__________
(1) الموضع السابق 1/323 ح122 (432).
(2) بهذا اللفظ رواه مسلم في الموضع السابق 1/324 ؛128 (436).

(13/24)


يقول العلماء: الأفضل أن تبتعد وترمل؛ لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى بالمحافظة من الفضيلة المتعلقة بمكانها.

379 وسئل حفظه الله: هل يجوز إبعاد الصبي عن مكانه في الصف؟
فأجاب بقوله: الصحيح عدم جواز إبعاد الصبي عن مكانه في الصف لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا يقيم الرجل ،الرجل من مقعده ثم يجلس فيه" (1) . ولأنه فيه اعتداء على حق الصبي، وكسراً لقلبه، وتنفيراً له عن الصلاة، وزرعاً للبغضاء والحقد في قلبه.
ولأننا لو قلنا بجواز تأخير الصبيان إلى آخر الصفوف لاجتمعوا في صف واحد وحصل منهم اللعب والعبث في الصلاة، لكن لا بأس بزحزحته عن مكانه للتفريق بينهم إذا خيف منهم اللعب.

380 سئل الشيخ - وفقه الله تعالى:ـ ما حكم منع الصبيان من الجلوس في الصف الأول؟

__________
(1) رواه البخاري في الجمعة باب: لا يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه ح(911) بنحوه. ورواه مسلم في السلام باب 11: تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، ح27 (2177).

(13/25)


فأجاب بقوله: لا يمنع الصبيان من الصلاة في الصف الأول من المسجد إلا إذا حصل منهم أذية، أما ما داموا مؤدبين فإنه لا يجوز إخراجهم من الصف الأول؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" (1) . وهؤلاء سبقوا إلى ما لم يسبقهم إليه أحد فكانوا أحق به من غيرهم.
فإن قيل: قد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى" (2) .
فالجواب: أن المراد بهذا الحديث حث أولي الأحلام والنهى على أن يتقدموا، نعم لو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يليني إلا أولوا الأحلام والنهى" لكن هذا نهياً عن تقدم الصبيان للصف الأول، ولكنه قال: "ليليني أولوا الأحلام والنهى"، فالمعنى حث هؤلاء البالغين العقلاء على أن يتقدموا ليكونوا هم الذين يلون رسول الله، ولأننا لو أخرنا الصبيان عن الصف الأول سيكونون وحدهم في الصف الثاني ويترتب على لعبهم ما لا يترتب لو كانوا في الصف الأول وفرقناهم وهذا أمر ظاهر.
__________
(1) رواه أبو داود في الخراج باب إقطاع الأرضين 3/452 (3071) ومن طريقة رواه البيهقي في إحياء الموات، باب من أحيا أرضاً ميتة 6/142، والطبراني 1/280 (814).
(2) رواه مسلم في الصلاة باب 28- تسوية الصفوف 1/323 ح122 (432).

(13/26)


381 وسئل فضيلة الشيخ: إذا رأى المصلي فرجة أمامه وهو في فريضة أو نافلة هل الأفضل أن يتقدم لسد هذه الفرجة؟
وإذا لم تكن أمامه تماماً فهل يجوز إبعاد من أمامه لسد تلك الفرجة ومن ثم يحل محله، وهل ينافي هذا الطمأنينة في الصلاة؟
فأجاب بقوله: إذا رأى المصلي فرجة أمامه فالأفضل أن يتقدم إليها ليسدها، سواء كان في فريضة أو نافلة؛ لأن هذا عمل يسير لحصول شيء مأمور به لمصلحة الصلاة، وقد ثبت أن ابن عباس - رضي الله عنهما - صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوقف عن يساره فأخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأسه من ورائه فجعله عن يمينه (1) ، وهذا عمل من الطرفين لمصلحة الصلاة، لكن إن حصل فرجة ثانية أمامك ثم ثالثة وهكذا فهنا قد يكون العمل كثيراً فلا تتقدم لكل الفرج التي أمامك؛ لأن العمل الكثير المتوالي يبطل الصلاة إلا إذا كان بين ظهور الفرجتين زمن يقطع الموالاة في المشي فلا بأس في التقدم.
وإذا كانت الفرجة بحذاء جارك فلا بأس أن تزحزح من أمامك إذا كنت تزحزحه إلى مكان أفضل من مكانه مثل أن تكون في يمين الصف فتزحزحه عن اليسار إلى اليمين، وكل هذه الأعمال اليسيرة التي هي من مكملات المصافة لا تنافي الطمأنينة في الصلاة.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 57 يقوم على يمين الإمام (697) وباب 58 (698) وباب 77 (726)، ورواه مسلم في صلاة المسافرين باب 26 الدعاء في صلاة الليل وقيامه 1/526 ح181 (763).

(13/27)


382 وسئل فضيلته: يوجد جماعة يفرجون بين أرجلهم في الصلاة قدر ذراع، فقال لهم أحد الجماعة لو تقربون أرجلكم حتى يكون بين الرجلين بسطة كف اليد لكان أحسن، فردوا عليه بقولهم: إنك راد للحق لأن فعلنا هذا قد أمر به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آمل منك جزاك الله خيراً أن توضح لنا هذه المسألة توضيحاً وافياً؟
فأجاب بقوله: التفريج بين الرجلين إذا كان يؤدي إلى فرجة في الصف، بحيث يكون ما بين الرجل وصاحبه منفتحاً من فوق فإنه مكروه لما يلزم عليه من مخالفة أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتراص؛ ولأنه يفتح فرجة تدخل منها الشياطين.
وكان بعض الناس يفعله أخذاً مما رواه البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" (1) ، وهذا معناه: تحقيق المحاذاة والمراصة، والإنسان إذا فرج بين قدميه بمقدار ذراع سوف ينفتح ما بين المنكبين مع صاحبه، فيكون الفاعل مخالفاً لما ذكره أنس - رضي الله عنه - عن فعل الصحابة رضي الله عنهم.
وأما قول من يفرج: إن هذا قد أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أمر بالمحاذاة فقال: "أقيموا الصفوف (2) ، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 74 - إلزاق المنكب بالمنكب (725).
(2) روى البخاري اللفظ الأول منه فقط في الأذان باب 71 تسوية الصفوف (718) أما الحديث كاملاً فرواه أبو داود في الصلاة باب تسوية الصفوف (666).

(13/28)


صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله". ولم يقل: "فرجوا بين أرجلكم"، ولم يقل: "ألزقوا المنكب بالمنكب والقدم بالقدم"، ولكن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يفعلونه تحقيقاً للمحاذاة ولكن إذا لزم من إلزاق الكعب بالكعب انفراج ما بين المنكبين صار وقوعاً فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فرج الشيطان.
وأما قول أحد الجماعة خلوا بين أرجلكم بسطة كف فلا أعلم له أصلاً من السنة، والله أعلم. حرر في 16/1/1404هـ.

383 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعلى عن قدر المسافة بين القدمين في القيام والسجود؟
فأجاب بقوله: المسافة في القيام لا أعرف في هذا سنة، فتكون المسافة بحسب الطبيعة، لأن كل شيء لم يرد به صفة شرعية فإنه يبقى على ما تقتضيه الطبيعة.
وأما المسافة بين القدمين في حال السجود فإنه لا مسافة بينهما، فالسنة أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى كما جاء ذلك في صحيح ابن خزيمة (1) .
وكما هو ظاهر حديث عائشة - رضي الله عنها - حين فقدت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت: "فالتمسته فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد". فإن وقوع اليد الواحدة على القدمين جميعاً يدل على أن بعضها
__________
(1) في الصلاة باب ضم العقبين في السجود 1/328 (654).

(13/29)


لاصق ببعض وقد جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة (1) ، فيكون المشروع في حال السجود أن يضم بعض القدمين إلى بعض.
384 وسئل فضيلته: أيهما أفضل للمصلي في الحرم قرب الإمام أو في الأدوار العلوية؟
وما قولكم فيما نشاهده من التسابق على الصف الأول في المطاف قبل الأذان بنصف ساعة أو أكثر ويحصل من جلوسهم في الصف الأول والذي يليه مضايقة على الطائفين؟
فأجاب قائلاً: لا شك أن الدنو من الإمام في المسجد الحرام أو غيره أفضل من البعد عنه، وأما الذين يجلسون إلى جنب الكعبة في انتظار الصلاة فليسوا على حق في أن يجلسوا في هذا المكان والطائفون يحتاجون إليه؛ لأن الطائفين في حاجة إلى هذا المكان، فالتضيق عليهم فيه إهدار لحقهم، وجناية عليهم، بل ينتظر الناس حتى إذا جاء الإمام صف كل إنسان في مكانه.

385 وسئل فضيلته: سمعنا أن الصلاة في الطابق السفلي من المسجد الحرام أفضل من الصلاة في الطابق العلوي، فهل هذا صحيح من حيث العلو على الإمام؟
فأجاب بقوله: الطابق السفلي قد يكون أفضل من حيث قربه
__________
(1) الموضع السابق ح(655). وعند مسلم في الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ح222 (486): "فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان".

(13/30)


من الإمام؛ لأنه بلا شك أقرب إلى الإمام، والصف الأول أفضل لأنه أقرب من الإمام.
وأما من حيث علو المأموم على الإمام فهذه المسألة فيها خلاف، مع أن كثير من أهل العلم يقيد هذه المسألة بما إذا صلى الإمام وحده بالأسفل وصلى بقية الجماعة كلهم فوقه فهذه هي التي تكره، وأما إذا كان مع الإمام أحد فإنه لا كراهة في علو المأموم على الإمام، والآن معروف في الحرم أن غالب المصلين يصلون في الأسفل، فعلى هذا فالذين يصلون فوق ليس في صلاتهم كراهة بل ذلك جائز ولكن كما قلت الأسفل أقرب إلى الإمام فيكون أولى.

386 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد الحرام لصلاة العشاء في أيام رمضان ووجد الصفوف مختلطة من الرجال والنساء فتجد صف نساء وخلفه مجموعة من الرجال والعكس، أفتونا في ذلك مأجورين.
فأجاب بقوله: الحكم الذي ينبغي هو أن تكون النساء في محل خاص في المسجد، وأن يكون الرجال بعيدين عن النساء؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (1) وهذا يدل دلالة واضحة على أن الرجال والنساء في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل منهم متميز عن الآخر، كل منهم له مكان غير مكان الآخر، وهذا هو الذي
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 28 - تسوية الصفوف ح132 (440).

(13/31)


ينبغي، ولكن في المسجد الحرام يصعب أن ينضبط فيه الرجال والنساء بحيث يميز بعضهم عن بعض.
وعلى هذا فإن وقف إنسان في الصف وأمامه نساء فإن صلاته صحيحة وليس فيها شيء، وكذلك لو جاءت امرأة وهو يصلي ووقفت إلى جانبه، وإن كان هذا لا ينبغي منها وأن تبتعد عن الرجل ولو فاتتها الصلاة ولو لم تصل، لكن لو فرض أن امرأة جاهلة وقفت إلى جانب رجل فإنه لا حرج على الرجل أن يكمل صلاته، فإن خاف من فتنة فإنه لا بأس أن ينصرف من الصلاة ويستأنف الصلاة في محل آخر.

387 وسئل فضيلة الشيخ عن حكم إقامة وتسوية الصفوف، هل هو واجب أو مندوب؟ وما الحكم إذا كان الصف مائلاً؟ وهل يستحب الانتقال منه؟
فأجاب بقوله: أكثر العلماء على أن تسوية الصف سنة وليس بواجبة، لكن إذا اختلف الصف بحيث لا يكون صفاً، بأن يكون كل واحد خلف الآخر يعني يكون يمين الرجل إلى يسار الرجل من خلفه وهكذا كالدرج، فإنه لا شك أن هذا العمل محرم، وأن الصلاة تبطل به؛ لأن حقيقة الأمر أن كل واحد صلى وحده.
...

(13/32)


أما الانتقال من الصف المائل إلى الصف المستقيم الذي خلفه فهذا محل نظر. مثال ذلك: لو كان الصف الأول مائلاً فدخل فيه والصف الثاني مستقيماً فهل نقول انتقل للصف الثاني لأنه مستقيم، أو يكون في الصف الأول لأنه الأول، وقد أمر الناس أن يكملوا الأول فالأول؟ نقول هذا محل نظر.
388 وسئل فضيلة الشيخ عن المقصود بإتمام الصلاة في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" (1) ؟
فأجاب بقوله: المقصود بالتمام هنا تمام الكمال على القول الراجح.

389 وسئل فضيلته: ما حكم الصلاة بين الأعمدة والسواري؟
فأجاب بقوله: إذا كان لحاجة فلا بأس، وإن لم يكن لحاجة فإنه مكروه؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتقون ذلك.

390 وسئل الشيخ: عما ورد من أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يطردون عن الصف بين السواري طرداً، وكانوا يتقون الصف فيها، فهل الصف بينها محرم كما هو ظاهر النهي؟ وإذا ترتب على ترك الصف بين السواري إنكار من قبل العامة
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 74 إقامة الصف من تمام الصلاة، (723). ورواه مسلم في الصلاة باب 28 (تسوية الصفوف..) ح124 - (433).

(13/33)


والمقلدين، الأمر الذي قد يؤدي إلى مشكلة في المسجد، فهل يجوز الصف بينها درءاً للفتنة، أفتونا أثابكم الله خيراً وحفظكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصف بين السواري جائز إذا ضاق المسجد، حكاه بعض العلماء إجماعاً، وأما عند السعة ففيه خلاف، والصحيح: أنه منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى انقطاع الصف لا سيما مع عرض السارية، وأما ترك الصف بينها إذا خيفت الفتنة فلا أظن ذلك وارداً، لإمكان الرجل أن يقف في الصف الذي يليه ويبين للناس حكم الصف بين السواري بدليله ومن أراد الحق سهل الله له قبوله بين الناس أو امتحنه بما يتبين به صدقه حتى يكون إماماً، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).
كتبه محمد الصالح العثيمين في 16/6/1418هـ.

391 ...

(13/34)


وسئل فضيلته - وفقه الله تعالى -: عن حكم الصلاة بين السواري؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة بين السواري جائزة عند الضيق.
أما في حال السعة فلا يصلى بين السواري؛ لأنها تقطع الصفوف. حرر في 29/1/1419هـ.
392 وسئل فضيلته: بماذا تكون المحاذاة في الصف؟ برؤوس الأقدام أم بالأكعب أم بغير ذلك؟
فأجاب بقوله: المحاذاة تكون بالأكعب والمناكب، فإن لم يمكن بأن كان فيهم أحدب بالعبرة بالأكعب؛ لأنها هي التي يتركب عليها البدن.

393 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم مصافة الصغير؟ وما الحكم إذا كان جميع المأمومين صغاراً؟
فأجاب بقوله: لا بأس بمصافة الصغير الذي لم يبلغ سواء كان مع الإمام وحده، أو كان مع الصف خلف الإمام.
وكذلك لا بأس أن يصف الصغار وحدهم، إلا أن يخاف منهم العبث واللعب فلا يتركهم وحدهم. ومصافة الصغير لا بأس بها في صلاة الفرض وصلاة النفل على القول الراجح.

394 وسئل حفظه الله: ما حكم إكمال الصفوف وتسويتها في صلاة الجنائز؟
فأجاب بقوله: الصفوف في صلاة الجنازة كغيرها إلا أن بعض العلماء استحب أن لا تقل الصفوف عن ثلاثة وإن لم يتموا الصف الأول فالأول.

(13/35)


395 وسئل فضيلة الشيخ: ما الحكم في صفوف النساء؟ هل شرها أولها وخيرها آخرها على الإطلاق، أو في حالة عدم وجود ساتر بين الرجال والنساء؟
فأجاب بقوله: المراد إذا كان الرجال مع النساء في مكان واحد فإن آخر صفوف النساء أفضل من أولها كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (1) . وإنما كان كذلك لأن آخرها أبعد عن الرجال وأولها أقرب إلى الرجال.
وأما إذا كان لهن مكان خاص كما يوجد الآن في أكثر المساجد فإن خير صفوف النساء أولها كالرجال.

396 وسئل فضيلة الشيخ: هل الأولى في حق النساء البقاء في الصفوف الأخيرة مع وجود فرج في الصفوف الأولى أم تتقدم وتسد الفرج؟
فأجاب بقوله: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبه على خيرية الصفوف في الصلاة في صفوف الرجال، وخير صفوف النساء آخرها. والأولى بالنساء إذا لم يكن ثمة حاجز أن يبدأن بالأخيرة ثم التكملة حسب الحضور، أما إذا كان هناك جدار أو حاجز فلا بأس بالتقدم.

397 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة في الشارع والطرقات المجاورة للمسجد إذا امتلأ المسجد واتصلت
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 28 (تسوية الصفوف...) 1/326 ح132 - (440).

(13/36)


الصفوف فيه؟ وهل يلزم فرش السجاد؟
فأجاب بقوله: لا بأس بالصلاة في الشارع والطرقات التي حول المسجد إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف، ولا يلزم أن تفرش الأسواق والأرصفة لأنها طاهرة.

398 وسئل فضيلته - حفظه الله ورعاه -: ما حكم صلاة من يصلي خارج المسجد كمن يصلي في الطرقات المتصلة بالمسجد؟
فأجاب بقوله: إذا كان المسجد لا يسع المصلين وصلوا بالطرقات المتصلة به فلا بأس؛ ماداموا يتمكنون من متابعة الإمام لأن هذا ضرورة. حرر في 6/6/1413هـ.

399 سئل الشيخ - وفقه الله تعالى -: إذا ضاق المسجد فما حكم الصلاة في السوق وما يحيط بالمسجد؟
فأجاب بقوله: لا بأس بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الصلاة في السوق أو في الساحة التي حول المسجد فإن هذا لا بأس به، حتى الذين يقولون: إن الصلاة لا تصح في الطريق، يستثنون من ذلك صلاة الجمعة، وصلاة العيد؛ إذا امتلأ المسجد وخرج الناس إلى الأسواق، والصحيح أنه يستثنى من ذلك كل ما دعت الحاجة إليه، فإذا امتلأ المسجد فإنه لا بأس أن يصلوا في الأسواق.

(13/37)


400 وسئل فضيلة الشيخ: في الصفوف الخلفية من المسجد يحصل شدة خلاف بين المصلين في الغالب، وذلك في حالة وجود خلل أو فراغ في الصف فتنازع المصليان من الذي عليه أن يسد الخلل ويقترب من الآخر فيبقى المكان خالياً فما الحكم؟
فأجاب بقوله: من وجد فرجة في الصف المقدم فليتقدم إليها، ومن تقدم على هذه الفرجة فقد حاز الفضيلة لأن الصفوف أفضلها الأولى فالأولى. والمعلوم أن الدنو إنما يكون من نحو الإمام سواء من اليمين أو من اليسار. فالذي من اليمين يكون دنوه إلى اليسار والعكس بالعكس.

401 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف؟ وهل يحق له أن يجذب أحداً من الصف المقابل لكي يقوم معه في الصف الجديد؟
فأجاب بقوله: إذا تم الصف الذي قبله فإنه يصف وحده خلف الصف ويتابع الإمام، وليس له الحق في أن يجذب أحداً من الصف الذي قبله؛ لأنه يشوش عليه صلاته، وينقله من فاضل إلى مفضول، ويفتح فرجة في الصف، وحديث الجذب ضعيف (1) .

__________
(1) رواه الطبراني في الأوسط 7/374 (7764) وقال عنه الهيثمي في المجمع 2/96: فيه بشر بن إبراهيم وهو ضعيف جداً. ولفظه: "إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم، فليجذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه".

(13/38)


402 وسئل فضيلته: ما حكم صلاة المرأة المنفردة؟
فأجاب بقوله: إذا كانت المرأة مع نساء فإن صلاتها وحدها خلف الصف لا تصح، وإذا لم يكن معها إلا رجال فإن صلاتها وحدها خلف الصف تصح وهذا هو المشروع في حقها.

403 وسئل فضيلة الشيخ: من الأولى بالصف الأول؟
فأجاب بقوله: الأولى بالصف الأول من سبق، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" (1) .

404 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم تأخير الصبيان عن الصف الأول إذا كانوا قد سبقوا إليه؟
فأجاب بقوله: لا يجوز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يقيم الرجل أخاه فيجلس في مكانه (2) ، إلا إذا حصل من هؤلاء الصبيان أذية فإنه يكلم أولياء أمورهم بهذا ليمنعهم من المسجد.

405 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة المأموم على يسار الإمام إذا كان لوحده مع الإمام؟
فأجاب بقوله: إذا صف عن يسار الإمام فالأفضل أن يفعل
__________
(1) رواه أبو داود في الخراج باب إقطاع الأرضين 3/452 (3071).
(2) راجع تخريجه في ص"25".

(13/39)


كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعبد الله بن عباس (1) يديره من ورائه فيجعله عن يمينه وتصح صلاته.

406 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة في الدور الثاني في سطح المسجد مع وجود سعة في الدور الأول سواء في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد؟
فأجاب بقوله: الصلاة في الدور الثاني من المسجد جائزة إذا كان معه أحد في مكانه يعني لم ينفرد بالصف وحده، لكن الأفضل أن يكون مع الناس في مكانهم؛ لأنه إذا كان مع الناس في مكانهم كان أقرب للإمام، وما كان أقرب إلى الإمام فهو أفضل.

407 وسئل فضيلة الشيخ: في المسجد الحرام يفرش الفرش غالباً بعد الكعبة بما يقرب عشرة صفوف فتبدأ صفوف المصلين من حيث الفرش. لكن يتقدم بعض المصلين في الصفين الأول والثاني مما يلي الكعبة فيسبب ذلك وجود تفاوت كبير بين الصفوف. فهل يلزم أهل الصف المفروش التقدم لأجل موالاة الصفوف أم لا؟ وما الصف الأول في المسجد الحرام؟
فأجاب بقوله: الصف الأول هو الذي يلي الإمام من خلفه والدائر حوله. وأما الذي في جهة غير الإمام فلهم أن يتقدموا إلى
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه ص"27".

(13/40)


الكعبة ولا حرج كما نص على هذا أهل العلم لكن جهة الإمام لا يجوز لأحد أن يتقدم عليه فيها.

408 وسئل فضيلته: هل يعد المصلي في الجهة المقابلة للإمام مما يلي الكعبة مصلياً في الصف الأول وحاصلاً على ثواب الصف الأول أم لا؟
فأجاب بقوله: الصف الأول هو الذي خلف الإمام ودائرته هي الصف الأول. وعلى هذا فما بين يدي هذا الصف مع الجهات الأخرى لا يعتبر الصف الأول.

409 وسئل فضيلة الشيخ: في المسجد الحرام يصلي بعض الناس في المصابيح مع وجود صفوف خالية في ساحة الكعبة فهل يجوز ذلك؟ وما حكم موالاة الصفوف؟
فأجاب بقوله: الأولى أن تتوالى الصفوف يكمل الأول فالأول لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك. فعن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر" (1) . لكن لو لم يفعلوا وصف أناس خلف الصف بعيداً فالصلاة صحيحة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمنفرد خلف
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب: تسوية الصفوف ح(671)، ورواه النسائي في الإمامة باب: الصف المؤخر 2/428 (817).

(13/41)


الصف" (1) . وهذا ليس فيه انفراد، لكنه لا شك انه مخالف للسنة؛ لأن السنة أن يكمل الأول فالأول.

410 وسئل فضيلة الشيخ/ هل الأفضل في صلاة الراتبة قبل المكتوبة أن تصلى قرب الإمام بدون سترة أو بعيداً عن الإمام مع وجود سترة؟
فأجاب بقوله: السترة يمكن أن ينقلها معه إذا كانت مما ينقل وإلا فليضع في مكانه في الصف الأول علامة على أنه محجوز ثم يذهب ويصلي في المكان الذي فيه سترة.

411 وسئل فضيلته: بعض الناس المجاورين للحرم يصلون بمتابعة المذياع أو عن طريق سماع الصوت مباشرة فيصلون في محلاتهم أو في الطرق وعلى الأرصفة، فما حكم صلاتهم؟
فأجاب بقوله: صلاتهم لا تصح، والواجب عليهم أن يصلوا في المسجد فإن صلوا في أماكنهم بناء على سماع المذياع، أو على صوت مكبر الصوت "الميكروفون" فإن صلاتهم لا تصح؛ لأن من المقصود في صلاة الجماعة أن يجتمع الناس في مكان واحد ليعرف بعضهم بعضاً فيتآلفون ويتعلم بعضهم من بعض.
__________
(1) تقدم تخريجه ص"20".

(13/42)


412 سئل فضيلة الشيخ: في بعض الأحيان يحصل شدة زحام في الحرم مما يؤدي إلى صلاة الرجل خلف النساء أو أن يصلي الرجل بجوار امرأة. فهل تصح الصلاة؟ وإن أتت امرأة أو نسوة فجاورنه وهو يصلي فماذا يفعل؟
فأجاب بقوله: إذا صلى الرجل خلف صف النساء فإن هذا لا بأس به كما ذكره الفقهاء؛ لأن الناس في حاجة إلى ذلك.
وأما إذا صلت إلى جنبه امرأة فأخشى عليه من الفتنة فليطردها إن كان هو الذي جاء قبلها، أما إذا كانت هي التي جاءت قبله فينقل إلى مكان آخر، وإن أتت امرأة أو نسوة فجاورنه وهو يصلي فليشر إليهن بالابتعاد عنه.

413 وسئل فضيلته: ما حكم صلاة الإمام مرتفعاً عن المأمومين؟ وما حكم العكس؟
فأجاب بقوله: لا بأس أن يعلو الإمام على المأمومين إذا كان معه أحد، كما لو صلى جماعة في السطح ومعهم الإمام وآخرون في الأسفل. أما إذا لم يكن معه أحد فقد كره العلماء – رحمهم الله – أن يعلو الإمام أكثر من ذراع، وأجازوه إذا كان ذراعاً أو نحوه فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى بأصحابه – رضوان الله

(13/43)


عليهم – على المنبر (1) ، وأما علو المأموم فلا بأس به لكن لا يصلي وحده منفرداً.

414 وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز تقدم المأموم على إمامه في الصف؟ وهل المعمول به في الحرم من تقدم المأمومين في الجهة المقابلة للإمام من التقدم على الإمام أم لا؟
فأجاب بقوله: أما إذا كان الإمام والمأموم في جهة واحدة فإنه لا يجوز تقدم المأموم على الإمام إلا عند الضرورة على قول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله.
وأما إذا كان الإمام في جهة والمأموم في جهة كما في صف الناس حول الكعبة في المسجد الحرام فلا بأس أن يكون المأمومون أقرب إلى الكعبة من الإمام في جهتهم.

415 وسئل فضيلة الشيخ: - جزاه الله خيراً -: هل يجوز تقدم المأموم على الإمام؟
فأجاب قائلاً: الصحيح أن تقدم الإمام واجب، وأنه لا يجوز أن يتقدم المأموم على إمامه، لأن معنى كلمة إمام أن يكون إماماً
__________
(1) نص الحديث: قال سهل بن سعد: ثم رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى عليها وكبر وهو عليها ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي". رواه البخاري، وهذا لفظه في الجمعة باب: الخطبة على المنبر ح(917)، ورواه مسلم في المساجد باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة ح44 (544).

(13/44)


يعني يكون قدوة ويكون مكانه قدام المأمومين فلا يجوز أن يصلي المأموم قدام إمامه، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي قدام الصحابة – رضي الله عنهم – وعلى هذا فالذين يصلون قدام الإمام ليس لهم صلاة ويجب عليهم أن يعيدوا صلاتهم إلا أن بعض أهل العلم استثنى من ذلك ما دعت الضرورة إليه مثل أن يكون المسجد ضيقاً وما حواليه لا يسع الناس فيصلي الناس عن اليمين واليسار والأمام والخلف لأجل الضرورة.

416 سئل فضيلة الشيخ: ورد في بعض الأحاديث: إن الملائكة تصلي على ميامن الصفوف، فهل الصلاة في الصف الأيمن أفضل من الصلاة في الصف الأيسر؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (1) ضعيف وإن كان بعض العلماء حسنه، وأما الأيمن فلا شك أنه أفضل إذا تساوى مع الأيسر، أما إذا كان الأيسر اقرب إلى الإمام بفرق واضح فالأيسر أفضل.

417 سئل فضيلة الشيخ: هل يشرع للمصلي أن يلصق قدمه بجاره؟ وهل صح في ذلك حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب بقوله: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر الصحابة بتسوية الصفوف والتراص. فكان أحدهم يلصق كعبه بكعب أخيه تحقيقاً لهذه
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب من يستحب أن يلي الإمام 1/437 (676).

(13/45)


المساواة والتراص (1) . فإلصاق الكعب بالكعب مقصود لغيره.
418 وسئل فضيلة الشيخ: إذا ازدحم المصلون في المسجد فهل يجوز لبعضهم أن يصلي عن يمين الإمام ويساره. وهل يعتبر المصلي عن يمين الإمام مدركاً لأجر الصف الأول؟
فأجاب بقوله: إذا ازدحم المصلون في المسجد فلا بأس أن يصلوا عن يمين الإمام وعن يساره أو عن يمينه فقط، ولا يعتبر الذين إلى جانبه الصف الأول؛ لأن الصف الأول هو أول صف يلي الإمام من وراءه.
419 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم توسيط الإمام؟
فأجاب بقوله: توسيط الإمام هو السنة وهو الأفضل لأجل أن لا يميل مع أحد الجانبين، ولذلك إذا احتيج أن يصلي المأمومون إلى جانب الإمام فالأفضل أن يكون بعضهم عن يمينه وبعضهم عن يساره (2) .

420 وسئل فضيلة الشيخ: هل تسوية جميع الصفوف وإقامتها من واجب الإمام بعينه أو هو واجب فردي على كل مصل؟
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص28 وهو في البخاري.
(2) الإشارة هنا إلى حديث: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل". رواه أبو داود في الصلاة باب مقام الإمام من الصف 1/439 (681).

(13/46)


فأجاب بقوله: المسئول الأول عن ذلك هو الإمام، فإن كان لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه وكل من يقوم مقامه. ومع ذلك فعلى المأمومين نصيب من ذلك فليساعدوه.

421 وسئل فضيلة الشيخ: هل المرور بين صفوف المصلين يقطع الصلاة أو ينقص من أجر المصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يضر إذا مر بين يدي الصفوف؛ لأن سترة الإمام سترة لهم، وقد أقر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – حين مر بين يدي بعض الصف وهم يصلون في منى (1) .

422 وسئل فضيلة الشيخ: ماذا يسن للإمام أن يقول للمأمومين عند تسوية الصفوف؟
فأجاب بقوله: يقول ما يناسب الحال إذا رآهم لم يستووا قال: استووا، وإذا رآهم لم يتراصوا قال: تراصوا، وإذا رآهم لم يكملوا الصف الأول فالأول قال: أكملوا الصف الأول فالأول؛ لأن هذا القول ليس متعبداً به بذاته ولكنه يقال إذا دعت الحاجة إليه.

423 وسئل فضيلة الشيخ: يحرص بعض المصلين على الجهة اليمنى من الصف بينما يقل عدد المصلين في الجهة
__________
(1) روى حديثه البخاري في العلم باب متى يصح سماع الصغير (76) ومسلم في الصلاة، باب سترة المصلي 1/361 – 254 (504).

(13/47)


اليسرى فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن يمين الصف أفضل من يساره، لكن هذا مع التقارب أو التساوي، أما إذا بعد اليمين فاليسار أفضل؛ لأنه يمتاز بقرب الإمام.
424 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان في الصف طفل لم يبلغ السابعة، أو غير متوضئ أو يلعب ويأتي بحركات تبطل الصلاة، هل هذا يكون قاطعاً لاتصال الصف؟ وهل تشرع تنحيته من الصف؟ وهل يكون هذا الصف كالمقطوع بالسارية أم ماذا؟
فأجاب بقوله: قيام الطفل في الصف ليس قطعاً للصف، لكن إذا كان يشوش على المصلين فإنه يمنع. فيتصل بوليه ويقال له لا تأت به.

425 وسئل فضيلة الشيخ: هل يكفي أمر الإمام بتسوية الصفوف بدون توجيه المصلين والإشارة إلى بعض الأفراد المخالفين بالتقدم أو التأخر، خصوصاً وأن كثيراً من المصلين لا يلفت انتباهه إلى ما يقول الإمام نظراً لجهله أو نحو ذلك؟
فأجاب بقوله: لا يكفي ذلك، بل لابد أن يتفقدهم بعد أن يأمرهم بالتسوية. ويأمر من خالف السنة في التسوية والمراصة أن يوافقها. حرر في 29/2/1418هـ.

426 ...

(13/48)


وسئل فضيلة الشيخ:عن قوم لا يسوون الصفوف في الصلاة ويتركون ثغرات بينهم؟
فأجاب بقوله: عدم تسوية الصفوف وترك ثغرات خطأ عظيم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة وقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتسويتها والتراص فيها (1) .

427 وسئل فضيلة الشيخ: أنا إمام مسجد أشكو من عدم تسوية المصلين صفوفهم عند إقامة الصلاة، فعندما أقول تراصوا يغضبون بل والعياذ بالله ترتفع أصواتهم في المسجد ويزعمون أن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله لم يفعل ذلك فنرجو من فضيلتكم إرشادهم ونصحهم؟
فأجاب بقوله: المشروع للإمام إذا أقيمت الصلاة أن يستقبل المأمومين بوجهه ويأمرهم بإقامة الصفوف والتراص، ودليل ذلك حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا". أخرجه البخاري ومسلم (2) . ولما رأى رجلاً بادياً صدره في الصف
__________
(1) ولفظ الحديث: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة". رواه البخاري في الأذان باب 74 إقامة الصف من تمام الصلاة (722)، وفي رواية مسلم: "من تمام الصلاة". رواه في الصلاة باب 28 تسوية الصفوف 1/324 ح124 (433).
(2) رواه البخاري في الأذان باب 72، إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف (719)، ومسلم في الصلاة، باب 28 تسوية الصفوف 1/324 ح124 (433) بلفظ: "سووا صفوفكم".

(13/49)


قال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (1) أي بين قلوبكم كما في رواية لأبي داود (2) فتوعدهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا لم يسووا صفوفهم أن يخالف الله بين قلوبهم، وقال النعمان بن بشير – رضي الله عنه -: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسوي – يعني الصفوف – إذا قمنا للصلاة فإذا استوينا كبر. رواه أبو داود (3) ، وفي الموطأ – موطأ الإمام مالك بن أنس – أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاؤوا فأخبروه أن الصفوف قد استوت كبر (4) ، وكان قد وكل رجالاً بتسوية الصفوف. وقال مالك بن أبي عامر: كنت مع عثمان بن عفان فقامت الصلاة وأنا أكلمه يعني في حاجة حتى جاء رجال كان قد وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت فقال لي استوفي الصف ثم كبر (5) .
فهذا عمل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعمل الخليفتين الراشدين عمر وعثمان – رضي الله عنهما – لا يكبرون للصلاة حتى تستوي الصفوف، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وإذا فرط في هذا الأمر من فرط من بعض أئمة المساجد فإن السنة أحق بالاتباع.
...
__________
(1) رواه البخاري في الموضع السابق باب 71 تسوية الصفوف من قوله: "لتسون صفوفكم..." (717"، ورواه مسلم بهذا اللفظ في الموضع السابق ح128 – (436).
(2) رواه أبو داود في الصلاة، باب تسوية الصفوف 1/431 ح (662)، (665).
(3) تقدم تخريجه 41.
(4) رواه مالك في الصلاة، باب تسوية الصفوف 1/163 (422) و(423).
(5) تقدم تخريجه أعلاه.

(13/50)


وأما من قال: إن الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – لا يفعل كذلك.
فأنا أشهد على الشيخ – رحمه الله – أنه كان يتلفت إذا أقيمت الصلاة يميناً وشمالاً فإذا رأى تقدماً أو تأخراً قال: تقدموا يا طرف الصف أو تأخروا.
هذا وأسأل الله للجميع التوفيق لما يرضيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 10/7/1412هـ.

428 سئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته – عن المعتمد في إقامة الصفوف؟ وهل يشرع للمصلي أن يلصق كعبه بكعب من بجانبه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب حفظه الله بقوله: الصحيح أن المعتمد في تسوية الصف محاذاة الكعبين بعضهما بعضاً لا رؤوس الأصابع، وذلك لأن البدن مركب على الكعب، والأصابع تختلف الأقدام فيها فهناك القدم الطويل، وهناك القدم القصير فلا يمكن ضبط التساوي إلا بالكعب.
وأما إلصاق الكعبين بعضهما ببعض فلا شك أنه وارد عن الصحابة – رضي الله عنهم – فإنهم كانوا يسوون الصفوف بإلصاق الكعبين بعضهما ببعض (1) ، أي أن كل واحد منهم يلصق كعبه
__________
(1) فيه إشارة لقول أنس بن مالك: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه. رواه البخاري في الأذان باب 76 إلزاق المنكب ح (725).

(13/51)


بكعب جاره لتحقق المحاذاة وتسوية الصف، فهو ليس مقصوداً لذاته لكنه مقصود لغيره كما ذكر ذلك أهل العلم، ولهذا إذا تمت الصفوف وقام الناس ينبغي لكل واحد أن يلصق كعبه بكعب صاحبه لتحقق المساواة، وليس معنى ذلك أن يلازم هذا الإلصاق ويبقى ملازماً له في جميع الصلاة.
ومن الغلو في هذه المسألة ما يفعله بعض الناس من كونه يلصق كعبه بكعب صاحبه ويفتح قدميه فيما بينهما حتى يكون بينه وبين جاره في المناكب فرجة فيخالف السنة في ذلك، والمقصود أن المناكب والأكعب تتساوى.

429 وسئل فضيلة الشيخ: بعض المصلين خوفاً من وجود فرجة بينه وبين الذي بجانبه في الصلاة يضع إصبع رجليه على من بجانبه نرجو النصيحة؟
فأجاب بقوله: بعض الناس يظنون أن معنى قول الصحابة – رضي الله عنهم-: "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" (1) أن أهم شيء أن تلزق الكعب، فتجده يلزق رجله ثم يحاول أيضاً أن يفركها؛ لأن ا لكعب لا يمكن يلزق في الكعب إلا إذا فركته، ولو تركها طبيعية لا يمكن.
ويقول ابن حجر في فتح الباري (2) : "إنهم يفعلون ذلك
__________
(1) رواه البخاري ح (725) ص51.
(2) الفتح 2/247.

(13/52)


مبالغة في المراصة والتسوية" حتى يعرف الواحد منا أنه مساو لصاحبه؛ لأن الكعب هو الذي عليه البدن، فإذا تساوى الكعبان بحيث إن وضعنا كل واحد على الثاني معناه تساوينا، فهذا التساوي، والمناكب أيضاً إذا تساوت فهذا هو التساوي.
لكن بعض الناس تجده يحاول أن يلصق كعبه بكعب صاحبه، وأما من فوق فبينهما فرجة؛ لأن يفتح رجليه، وبالضرورة سوف ينفتح ما بين الكتفين.
والسنة هي التراص والتساوي بقدر الإمكان، وعلى وجه لا يؤذي؛ لأن التراص الذي يؤذي أيضاً لاشك أنه غير وارد شرعاً لكن ا لتراص الذي يحصل به سد الخلل هذا هو المطلوب.
واعلموا أن الصحابة كانوا يتراصون، فعن جابر بن سمرة – رضي الله عنه – قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، أسكنوا في الصلاة". قال ثم خرج علينا فرآنا خلقاً، فقال: "مالي أراكم عزين". قال ثم خرج علينا فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف". رواه مسلم (1) .
ولا شك أنه يوجد في المسجد الحرام وفي غيره صفوف الفرج فيها ظاهرة جداً، وهذا خطأ والمبالغة التي ذكرها الأخ إلى حد أن يضع رجله على رجله هي خطأ أيضاً، وإنما يتراص الناس
__________
(1) في الصلاة باب 27 الأمر بالسكون في الصلاة 1/322 ح119 (430).

(13/53)


بحيث يمس المنكب، المنكب والقدم القدم حتى يتضح الأمر من التراص والتساوي.

430 سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصلاة حتى يؤخرهم الله"؟
فأجاب بقوله: الحديث ليس كما قال السائل: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصلاة" وإنما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوماً يتأخرون في المسجد يعني: لا يتقدمون إلى الصفوف الأولى فقال: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" (1) . ولا شك أيضاً أن التأخر عن الصلاة أشد من التأخر عن الصف الأول، وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عود نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله عز وجل في جميع مواطن الخير.

431 وسئل الشيخ: هل المصافة في الصلاة والمساواة بالأكعب أو بأطراف الأصابع، وسد الخلل في الصف؟ نرجو من فضيلتكم توضيح ذلك؟
فأجاب بقوله: المساواة إنما هي بالأكعب لا بالأصابع؛ لأن الكعب هو الذي عليه اعتماد الجسم؛ حيث إنه في أسفل الساق، والساق يحمل الفخذ، والفخذ يحمل الجسم، وأما الأصابع فقد تكون رجل الرجل طويلة فتتقدم أصابع الرجل
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 28 تسوية الصفوف 1/325 ح130 (438).

(13/54)


على أصابع الرجل الذي بجانبه وقد تكون قصيرة وهذا الاختلاف لا يضر، وليس التساوي بأطراف الأصابع بل بالأكعب، أكرر ذلك لأني رأيت كثيراً من الناس يجعلون مناط التسوية رؤوس الأصابع وهذا غلط.
وهناك أمر آخر يخطئ فيه المأمومون كثيراً، ألا وهو تكميل الصف الأول فالأول ولاسيما في المسجدين: المسجد الحرام والمسجد النبوي، فإنهم لا يبالون أن يصلوا أوزاعاً؛ أربعة هنا، وأربعة هناك، أو عشرة هنا وعشرة هناك، أو ما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه خلاف السنة.
والسنة إتمام الصف الأول فالأول حتى إن صلاة الرجل وحده خلف الصف والصف الذي أمامه لم يتم غير صحيحة وباطلة، ويجب عليه أن يعيدها؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلاً يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (1) .
فإن قال قائل: إذا ذهبت إلى طرف الصف فاتتني الركعة فهل أصلي وحدي خلف الصف اغتناماً لإدراك الركعة؟
نقول: لا، اذهب إلى طرف الصف ولو فاتتك الركعة، ولو كانت الركعة الأخيرة، لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أدرتكم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (2) ، وأنت مأمور بتكميل الصف الأول فالأول، فافعل ما أمرت به وما أدرك فصل وما فاتك فأتم.
وهنا تنبيه أرجو الله سبحانه وتعالى أن يجد آذاناً مصغية من
__________
(1) تقدم تخريجه ص"20".
(2) جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، وتقدم تخريجه في ص8.

(13/55)


إخواننا الأئمة والمأمومين وهو أن قول بعض الأئمة: إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج؛ لا يصح؛ حيث إن هذا الحديث لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
432 وسئل فضيلة الشيخ: هل المراد بقول الإمام: استووا واعتدلوا استقامة الصف واعتداله، أو أنه متضمن لسد الفرجات، وإلصاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب؟ وما صحة الحديث الذي ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (1) فنرجو التوضيح والله يحفظكم؟
فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن على الإمام مسئولية تسوية الصفوف، وأن يأمر الناس بذلك، وإذا لم يمتثلوا تقدم هو بنفسه إلى من تأخر عن الصف أو تقدم ليعدله؛ لأن نبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وسلم كان يسوي الصفوف كأنما يسوي القداح، وكان يمر بالصف يمسح المناكب والصدور، ويأمرهم بالاستواء. والأئمة اليوم لا يفعلون ذلك، ولو فعلوا لقام الناس عليهم وصاحوا بهم، ولكن سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحق أن تتبع.
فعلى الإمام أن يعتني بتسوية الصفوف فيلتفت يميناً، ويستقبل الناس بوجهه، ويلتفت يساراً ويقول: استووا، سووا
__________
(1) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير، وتقدم تخريجه في ص50.

(13/56)


صفوفكم، لا تختلفوا قلوبكم، تراصوا، سدوا الخلل، كل هذه الكلمات وردت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وسلم.
وقد خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً من الأيام بعد أن عقل الناس عنه تسوية الصفوف، وصاروا يسوونها بأنفسهم، فرأى رجلاً بادياً صدره، يعني متقدماً بعض الشيء، فقال: "عباد الله لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (1) . وهو حديث صحيح، وفيه وعيد شديد؛ لأن مخالفة الله بين الوجوه قيل فيها معنيان:
إما أن الله يدير وجه الإنسان فيكون وجهه إلى كتفه والعياذ بالله.
وإما أن المراد ليخالفن الله بين وجهات نظركم فتفترق القلوب وتختلف لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (2) . وأياً كان الأمر سواء لي الرقبة حتى يكون الوجه إلى جانب البدن، أو أن المراد اختلاف القلوب، فكله وعيد شديد، ويدل على وجوب تسوية الصفوف وأنه يجب على الإمام أن يعنى بتسوية الصف، لكن لو التفت ووجد الصف مستقيماً متراصاً والناس متساوون في أماكنهم، فالظاهر أنه لا يقول لهم استووا لأنه أمر بما قد حصل إلا أن يريد اثبتوا على ذلك.
لأن هذه الكلمات لها معناها، ليست كلمات تقال هكذا بلا فائدة، فالإمام إذا قال: استووا ورآهم لم يستووا، يجب أن يعيد القول وألا يكبر إلا وقد استوت الصفوف.
__________
(1) هذا بقية حديث النعمان وقد تقدم في الصفحة السابقة.
(2) رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص22.

(13/57)


ومما يدل على أهمية تسوية الصفوف في الصلاة أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وكذلك عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس جعل وكيلاً يمر بالصوف يسويها، حتى إذا جاء وقال إنها استوت كبر (1) .
وهذا يدل على عناية الشرع بتسوية الصف.
فإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب لأمرين:
الأمر الأول: التسوية.
الأمر الثاني: سد الفرج والخلل. كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله" (2) . وبذلك يعلم خطأ من فهم من فعل الصحابة أنهم يفرجون بين أرجلهم حتى يلزق أحدهم قدمه بقدم صاحبه مع تباعد ما بين مناكبهم فإن هذا بدعة لا يحصل بها اتباع الصحابة – رضي الله عنهم – ولا يحصل بها سد الخلل.
433 وسئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وبدأ المصلون يعتدلون للصلاة يحصل في الصف الأول مثلاً بعض الفرج، فيأتي من كان في الصف الثاني ليقف في الصف الأول وربما حجز الناس بيديه لتوسعة المكان الذي يريد الوقوف فيه، فهل يمنع أهل الصف الأول مثل هذا الداخل أم يتركونه مع أنه قد يضيق بهم المكان؟
...
__________
(1) الإشارة إلى حديث رواه مالك سبق تخريجه في ص50.
(2) فتح الباري 2/247 مع شرح حديث أنس رقم (725).

(13/58)


فأجاب بقوله: لا يجوز لهذا الداخل أن يحجز الناس بيديه ليدخل في الفرجة التي كانوا يتهيئون لسدها؛ لأن في ذلك عدواناً على الغير والعدوان محرم.
أما إذا كانت هناك فرجة كبيرة ولم يسدها من هم بالصف الأول فلا بأس حينئذ أن يتقدم هذا ويقف في ذلك الموضع بشرط أن يسعه المكان ولا يحصل بذلك ضغط على الذين يقفون في الصف الأول.

434 وسئل فضيلة الشيخ: عن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (1) فلو جاء أكثر من رجل، وأدركوا الإمام وهو راكع، ووقفوا في الصف الثاني لإدراك الركعة مع وجود فجوات من اليمين والشمال، هل نقول إن صلاتهم لا تصح وعليهم الإعادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وقف اثنان خلف الصف الذي لم يتم، سواء خافوا فوات الركعة أم لم يخافوا، فصلاتهم صحيحة، لكنهم تركوا الأفضل، وهو إتمام الأول فالأول. ...
وأما صلاة المنفرد خلف الصف فالقول الراجح؛ إنك إذا وجدت الصف تاماً، فلا حرج عليك أن تصلي منفرداً (2) .
وأما أيهما أفضل الصلاة عن يمين الإمام أم عن يساره؟
__________
(1) تقدم تخريجه في ص20.
(2) يأتي حكم صلاة المنفرد خلف الصف مفصلاً إن شاء الله تعالى في المجلد الخامس عشر ص186.

(13/59)


فجوابه: إذا كان يصلي مع الإمام إلا رجل واحد فإن المأموم يقف عن يمينه ولا يقف عن يساره، لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه بات عند خالته ميمونة - رضي الله عنها - فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالليل فقام ابن عباس عن يساره فأخذه ورائه وأقامه عن يمينه، فهذا دليل على أن المأموم إذا كان واحداً فإنه يكن عن اليمين ولا يكون عن اليسار، أما إذا كان المأموم أكثر من واحد فإنه يكون خلفه ويمين الصف أفضل من يساره وهذا إذا كانا متقاربين، فإذا بعد اليمين بعداً بيناً فإن اليسار والقرب من الإمام أفضل.
وعلى هذا فلا ينبغي للمأمومين أن يكونوا عن يمين الإمام حتى لا يبقى في اليسار إلا رجل أو رجلان، وذلك لأنه لما كان المشروع في حق الثلاثة أن يكون إمامهم بينهم كان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ولم يكونوا كلهم عن اليمين، فدل هذا على أن يكون الإمام متوسطاً في الصف أو مقارباً.
والخلاصة: أن اليمين أفضل إذا كان متساويين أو متقاربين، وأما مع بعد اليمين فاليسار أفضل، لأنه أقرب إلى الإمام.
*

(13/60)


التكبير ومواضع رفع اليدين في الصلاة.

* موضع اليدين في الصلاة .

*استعمال مكبرات الصوت في الصلاة .

(13/61)


435 وسئل فضيلة الشيخ: هل ثبت رفع اليدين في الصلاة في غير المواضع الأربعة؟ وكذلك في صلاة الجنازة والعيدين؟
فأجاب فضيلته بقوله: المواضع الأربعة التي ترفع فيها اليدان يجب أولاً أن نعرفها وهي: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول، فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده". قال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (1) .
وإذا كان ابن عمر – رضي الله عنهما – الحريص على تتبع فعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد تتبعه فعلاً فرآه يرفع يده في التكبير، وفي الركوع وفي الرفع منه، والقيام من التشهد الأول وقال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" ولا يقال: إن هذا من باب المثبت والنافي، وأن من أثبت الرفع فهو مقدم على النافي في حديث ابن عمر؛ لأن حديث ابن عمر صريح بأنه تأكد من عدم الرفع، فالذي يشاهده إذا رفع للركوع والرفع من الركوع ثم يقول لا يفعل ذلك في السجود، فهل نقول إنه يمكن غفل ولم ينتبه؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه جزم بأنه لم يفعله في السجود وجزم بأنه كان يفعله في الركوع وفي الرفع منه.
__________
(1) رواه البخاري في الأذان، باب 83 رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء. ح(735)، ورواه مسلم في الصلاة باب 9، "استحباب رفع اليدين..." ح21 و22 (390).

(13/63)


436 سئل فضيلة الشيخ: هل ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يفرق بين الفظة التكبير "الله أكبر" بزيادة مد أو نقصان في القيام أو الجلوس للتشهد الأول أو الأخير، كما تعارف عليه الناس.
فإن كان لم يرد فما موقف الإمام بالنسبة للمأمومين هل يوافقهم على ما اعتادوا عليه أو يجعل ألفاظ التكبير "الله أكبر" على وتيرة واحدة؟
وما الجواب على هذه الإشكالات:
1- ما يحدث للناس من مخالفة الإمام بسبب التعود على إطالة المد خاصة عند التشهد الأول والأخير.
2- ما يحدث للمسبوق من مخالفة الإمام.
3- هناك من النساء من تخالف الإمام وذلك سبب عدم "مد التكبير" وغالباً يكون ذلك عند التشهد الأول أو التشهد الأخير، خاصة والنساء لا يتسنى لهن رؤية الإمام.
4- بعض المساجد يكون فيها الصف طويلاً فلا يتسنى للمصلي رؤية الإمام.
5- ما يحدث للأعمى في أي حالة من الحالات السابقة.
كما نرجو يا فضيلة الشيخ إيضاح الأصل فيما لم يرد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهل يتوقف فيه أو ينظر للمصلحة العامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة فيما أعلم، ولا عن أئمة وأتباعهم التفريق بين تكبيرات الانتقال، بحيث يجعل للجلوس هيئة معينة

(13/64)


كمد التكبير وللقيام هيئة أخرى مخالفة، ولا رأيت هذا في كتب الفقهاء – رحمهم الله – وغاية ما رأيت أن بعض الفقهاء استحب مد تكبير السجود من القيام والقيام من السجود حتى يستوعب التكبير ما بين الركنين القيام والقعود، ولم أجد لذلك دليلاً سوى هذا التعليل.
وبناء على ذلك فإن الأولى عدم التفريق بين التكبيرات اتباعاً للسنة؛ ولأن في عدم التفريق حملاً للمأمومين على الانتباه وحضور القلب، وضبط عدد الركعات؛ لأنه يعتمد على نفسه فيكون منتبهاً وقلبه حاضراً، أما إذا كان الإمام يفرق بين التكبير فإنه يعتمد على الفرق بين التكبيرات فيسهو قلبه.
وأما مشكلة النساء فإن أكثر الأوقات لا يكون في المسجد نساء، وإذا كان فيه نساء واعتدن على عدم التفريق زال عنهن الإشكال.
وأما المسبوق فهو يشاهد الناس إن قاموا قام، وإن قعدوا قعد والأعمى ينبهه من كان بجانبه على أن مشكلة الأعمى قليلة ولله الحمد.
وأما مخالفة بعض المأمومين للإمام إذا لم يفرق وذلك لعدم انتباههم وسهوهم فهم الذين أخلوا على أنفسهم ولو انتبهوا لعلموا أن الإمام قاعد أو قائم بدون أن يفرق بين التكبير.
وأما عدم رؤية الإمام فليس من شرط إمكان المتابعة رؤية الإمام فالداخل مع الإمام يعرف ما الإمام فيه بانتباهه لا برؤية الإمام، والمسبوق يعرف ذلك بجاره ولو طال الصف.
...

(13/65)


والأصل فيما لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العبادات وهيئاتها أو صفاتها الإمساك حتى يرد ذلك، والمصلحة كل المصلحة في اتباع ما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك.
وأرجو من إخواني إذا عثروا على دليل من قوله أو فعله حجة في التفريق بين التكبير أن يدلوني عليه فإني لهم عليه شاكر وله منقاد إن شاء الله. والله الموفق. حرر في 13/6/1409هـ.

437 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول سنة.

438 سئل فضيلة الشيخ: إذا أدرك الإنسان الإمام وهو راكع فهل يلزمه تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل المسبوق في الصلاة والإمام راكع فإنه يلزمه تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم تكبيرة الركوع إن شاء كبر وإن شاء لم يكبر، تكون تكبيرة الركوع في هذه الحال مستحبة، هكذا قال أهل العلم – رحمهم الله -.

(13/66)


439 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: إذا أدرك المأموم الإمام راكعاً فهل يكبر تكبيرتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان والإمام راكع ثم كبر للإحرام فليركع فوراً وتكبيره للركوع حينئذ سنة وليس بواجب، فإن كبر للركوع فهو أفضل، وإن تركه فلا حرج عليه ثم بعد ذلك لا يخلو من حالات:
* الحال الأولى:
أن يتيقن أنه وصل إلى الركوع قبل أن ينهض الإمام منه، فيكون حينئذ مدركاً للركعة وتسقط عنه الفاتحة في هذه الحال.
* الحال الثانية:
أن يتيقن أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يصل هو إلى الركوع وحينئذ تكون الركعة قد فاتته ويلزمه قضاؤها.
* الحال الثالثة:
أن يتردد ويشك هل أدرك الإمام في ركوعه أو أن الإمام رفع قبل أن يدركه في الركوع وفي هذه الحال يبني على غالب ظنه فإن ترجح عنده أنه أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة وإن ترجح عنده أنه لم يدرك الإمام في الركوع فقد فاتته الركعة وفي هذه الحال إن كان قد فاته شيء من الصلاة فإنه يسجد للسهو بعد السلام وإن لم يفته شيء من الصلاة بأن كانت الركعة المشكوك فيها هي الركعة الأولى وغلب على ظنه أنه أدركها فإن سجود السهو في هذه الحال يسقط عنه لارتباط صلاته بصلاة الإمام، والإمام يتحمل سجود

(13/67)


السهو عن المأموم إذا لم يفت المأموم شيء من الصلاة.
وهناك حال أخرى في حال الشك يكون الإنسان متردداً في إدراك الإمام راكعاً بدون ترجيح، ففي هذه الحال يبني على المتيقن وهو عدم الإدراك لأنه الأصل وتكون هذه الركعة قد فاتته ويسجد للسهو قبل السلام.
وهاهنا مسألة أحب أن أنبه لها في هذه المناسبة وهي أن كثيراً من الناس إذا دخل المسجد والإمام راكع صار يتنحنح بشدة وتتابع، وربما يتكلم "إن الله مع الصابرين" وربما يخبط بقديمه وكل هذا خلاف السنة، وفيه إحداث التشويش على الإمام وعلى المأمومين، ومن الناس من إذا دخل والإمام راكع أسرع إسراعاً قبيحاً، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (1) .

440 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: إذا نسي المصلي أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي المصلي أن يرفع يديه عند تكبير الإحرام فلا شيء عليه؛ لأن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة, رواه البخاري في الأذان باب 21 – لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ح(636)، ورواه مسلم في المساجد باب 28 – استحباب إتيان الصلاة بوقار ح151 (602).

(13/68)


سنة إن فعله الإنسان كان مأجوراً وإن تركه فليس عليه شيء.
ورفع اليدين يكون في أربعة مواضع:
1- عند تكبيرة الإحرام.
2- عند الركوع.
3- عند الرفع منه.
4- عند القيام من التشهد الأول.
وأما السجود والقيام منه فليس فيه رفع يدين.

441 وسئل فضيلته: ما حكم رفع اليدين في الصلاة؟ ومتى يكون؟ وهل يشرع رفع اليدين في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في الصلاة له أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول.
ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وله أن يرفع ثم يكبر، أو يكبر ثم يرفع.
أما عند الركوع فإذا أراد أن يهوي إلى الركوع رفع يديه ثم أهوى ووضع يديه على ركبتيه.
وعند الرفع من الركوع يرفع يديه عن ركبتيه رافعاً لها حتى يستوي قائماً ثم يضعهما على صدره.
وفي القيام من التشهد الأول إذا قام رفع يديه إلى حذو

(13/69)


المنكبين كما يكون كذلك عند تكبيرة الإحرام. وما عدا هذه المواضع الأربعة فإنه لا يرفع يديه.
أما رفع اليدين في صلاة الجنازة فإنه مشروع في كل تكبيرة.

442 سئل فضيلة الشيخ: هل ثبت رفع اليدين في الصلاة في غير المواضع الأربعة؟ وما الجواب عما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال السائل رفع اليدين في غير المواضع الأربعة وهذا يحتاج إلى بيان، فالمواضع الأربعة:
عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما (1) – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده، وإذا قام من التشهد الأول، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود".
فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما ما عداها فلم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يرفع يديه لا إذا سجد، ولا إذا قام من السجود، وعلى هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع يديه إذا سجد، ولا إذا قام من السجود.
وأما ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه يرفع يديه في كل خفض
__________
(1) رواه البخاري ومسلم، وتقدم في ص63.

(13/70)


ورفع" فقد حقق ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد (1) أن ذلك وهم من الراوي، أراد أن يقول: "كان يكبر في كل خفض ورفع" فقال: "كان يرفع يديه في كل خفض ورفع". ...
وإذا كان ابن عمر – رضي الله عنهما – وهو الحريص على تتبع فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وقد تتبعه فعلاً فرآه يرفع يديه في التكبير، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول وقال: "لا يفعل ذلك في السجود". فهذا أصح من حديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يرفع يديه كلما خفض وكلما رفع" (2) ، ولا يقال: إن هذا من باب المثبت والنافي، وأن من أثبت الرفع فهو مقدم على النافي في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – لأن حديث ابن عمر صريح في أن نفيه ليس لعدم علمه بالرفع، بل لعلمه بعدم الرفع، فقد تأكد ابن عمر من عدم الرفع وجزم بأنه لم يفعله في السجود، مع أنه جزم بأنه فعله في الركوع، والرفع منه وعند تكبيرة الإحرام، والقيام من التشهد الأول.
فليست هذه المسألة من باب المثبت والنافي التي يقدم فيها المثبت لاحتمال أن النافي كان جاهلاً بالأمر، لأن النافي هنا كان نفيه عن علم وتتبع وتقسيم فكان نفيه نفي علم لا احتمال للجهل فيه فتأمل هذا فإنه مهم مفيد، والله أعلم.
__________
(1) زاد المعاد 1/223.
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب رفع اليدين في الصلاة (723).

(13/71)


443 وسئل فضيلة الشيخ: هل رفع اليدين في الصلاة منسوخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في المواضع الأربعة التي أشرنا إليها (1) ليس منسوخاً، فهو باق ولا دليل على نسخه. وإذا لم يكن هناك دليل على نسخ ما ثبت فيجب اعتباره، ودعوى النسخ تحتاج إلى شرطين أساسيين:
الأول: أن لا يمكن الجمع بين الدليلين.
الثاني: أن يعلم التاريخ.
فإن أمكن الجمع بين الدليلين عمل به، لأن الجمع بين الدليلين أعمال لهما جميعاً وهو واجب متى أمكن، وإن لم يمكن الجمع ولم نعلم التاريخ رجعنا إلى المرجح وإن لم يوجد مرجح وجب التوقف حتى يتبين الأمر.

444 وسئل فضيلته: بعض الناس عند تكبيرة الإحرام لا يرفع يديه إلى المنكبين بل يرفع يديه قريباً من السرة أو فوقها بقليل فهل هذا الرفع مشروع؟
فأجاب بقوله: هذا الرفع الذي ذكر السائل ليس رفعاً مشروعاً، بل هو عبث منهي عنه؛ لأن الرفع المشروع إما إلى المنكبين، وإما إلى فروع الأذنين، وما تقاصر عن ذلك فهو قصور عن السنة فينهى عنه، ويقال: إما أن ترفع كاملاً وإما أن تتركه فينبه ويعلم بالسنة.
__________
(1) انظر ص63.

(13/72)


445 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: هل ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع اليدين أثناء الوقوف في الصلاة على أعلى الصدر؟ وعن حديث وضع اليدين تحت السرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليدين أثناء القيام ليس فيه حديث صحيح بين في هذا الأمر، وأمثل ما فيه حديث وائل بن حجر (1) أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يضعهما على صدره" لا أعلى الصدر. وأما حديث أنه "يضعها تحت السرة" فإنه حديث ضعيف (2) .

446 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله وغفر الله: هل يجب الجهر في صلاة الفجر، والمغرب، والعشاء؟ وإذا تعمد الإمام ترك الجهر في الصلاة الجهرية؟ وإذا صلى الإنسان منفرداً فهل يجهر؟ وإذ ترك الجهر فهل يسجد للسهو؟ وهل يشرع للمرأة رفع يديها في مواضع الرفع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية ليس على سبيل الوجوب بل هو على سبيل الأفضلية، فلو أن الإنسان قرأ سراً فيما يشرع فيه الجهر لم تكن صلاته باطلة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (3) ولم يقيد هذه
__________
(1) رواه ابن خزيمة في الصلاة، باب وضع اليمين على الشمال (479)، والبيهقي 2/30.
(2) رواه الإمام أحمد 1/110، وأبو داود في الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (756).
(3) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت، رواه البخاري في الأذان باب 95 – وجوب القراءة للإمام و (756)، ومسلم في الصلاة باب 11 – وجوب قراءة الفاتحة 1/295 ح34 (394) كلاهما من حديث عبادة بن الصامت.

(13/73)


القراءة بكونها جهراً أو سراً، فإذا قرأ الإنسان ما يجب قراءته سراً أو جهراً فقد أتى بالواجب، لكن الأفضل الجهر فيما يسن فيه الجهر مما هو معروف كصلاة الفجر والجمعة.
ولو تعمد الإنسان وهو إمام ألا يجهر فصلاته صحيحة لكنها ناقصة.
أما المنفرد إذا صلى الصلاة الجهرية فإنه يخير بين الجهر والإسرار وينظر ما هو أنشط له وأقرب إلى الخشوع فيقدم به. ...
أما لو ترك القراءة في الصلاة الجهرية سهواً فإنه يسجد للسهو، ولكن لا على سبيل الوجوب؛ لأنه لا يبطل الصلاة عمده، وكل قول أو فعل لا يبطل الصلاة عمده لا تركاً ولا فعلاً فإنه لا يوجب سجود السهو.
وأما رفع اليدين فإنه مشروع في حق النساء كما هو مشروع في حق الرجال لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل يدل على خلاف ذلك.

447 سئل فضيلة الشيخ: كثر في الآونة الأخيرة استعمال أئمة المساجد لمكبرات الصوت الخارجية والتي غالباً ما تكون في المئذنة وبصوت مرتفع جداً وفي هذا العمل تشويش بعض المساجد على بعض في الصلاة الجهرية لاستعمالهم المكبرات

(13/74)


في القراءة. فما حكم استعمال مكبرات الصوت في الصلاة الجهرية إذا كان مكبر الصوت في المئذنة ويشوش على المساجد الأخرى؟ نرجو من فضيلتكم الإجابة على هذا السؤال حيث إن كثير من أئمة المساجد في حرج من ذلك. والله يحفظكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته: ما ذكرتم من استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية على المنارة فإنه منهي عنه؛ لأنه يحصل به كثير من التشويش على أهل البيوت والمساجد القريبة، وقد روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ 1/167 من شرح الزرقاني في (باب العمل في القراءة) عن البياضي فروة بن عمرو – رضي الله عنه – أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (1) . وروى أبو داود 2/38 (2) تحت عنوان: (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل) عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: اعتكف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان.
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص14.
(2) تقدم تخريجه ص14.

(13/75)


ففي هذين الحديثين النهي عن الجهر بالقراءة في الصلاة حيث يكون فيه التشويش على الآخرين وأن في هذا أذية ينهى عنها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله 23/61 من مجموع الفتاوى: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين.
وفي جواب له 1/350 من الفتاوى الكبرى ط قديمة: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه. أهـ.
...
وأما ما يدعيه من يرفع الصوت من المبررات فجوابه من وجهين:
الأول: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يجهر بعض الناس على بعض في القرآن وبين أن ذلك أذية، ومن المعلوم أنه لا اختيار للمؤمن ولا خيار له في العدول عما قضى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً).
ومن المعلوم أيضاً أن المؤمن لا يرضى لنفسه أن تقع منه أذية لإخوانه.
الوجه الثاني: أن ما يدعيه من المبررات – إن صح وجودها – فهي معارضة بما يحصل برفع الصوت من المحذورات فمن ذلك:
1- الوقوع فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النهي عن جهر المصلين بعضهم على بعض.

(13/76)


2- أذية من يسمعه من المصلين وغيرهم ممن يدرس علماً أو يتحفظه بالتشويش عليهم.
3- شغل المأمومين في المساجد المجاورة عن الاستماع لقراءة إمامهم التي أمروا بالاستماع إليها.
4- أن بعض المأمومين في المساجد المجاورة قد يتابعون في الركوع والسجود الإمام الرافع صوته، لاسيما إذا كانوا في مسجد كبير كثير الجماعة حيث يلتبس عليهم الصوت الوافد بصوت إمامهم، وقد بلغنا أن ذلك يقع كثيراً.
5- أنه يفضي إلى تهاون بعض الناس في المبادرة إلى الحضور إلى المسجد؛ لأنه يسمع صلاة الإمام ركعة ركعة، وجزءاً جزءاً فيتباطأ اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة فيمضي به الوقت حتى يفوته أكثر الصلاة أو كلها.
6- أنه يفضي إلى إسراع المقبلين إلى المسجد إذا سمعوا الإمام في آخر قراءته كما هو مشاهد، فيقعون فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الإسراع بسبب سماعهم هذا الصوت المرفوع.
7- أنه قد يكون في البيوت من يسمع هذه القراءة وهم في سهو ولغو كأنما يتحدون القارئ وهذا على عكس ما ذكره رافع الصوت من أن كثيراً من النساء في البيوت يسمعن القراءة ويستفدن منها وهذه الفائدة تحصل بسماع الأشرطة التي سجل عليها قراءة القراءة المجيدين للقراءة.
وأما قول رافع الصوت إنه قد يؤثر على بعض الناس فيحضر ويصلي لاسيما إذا كان صوت القارئ جميلاً، فهذا قد يكون حقاً،

(13/77)


ولكنه فائدة فردية منغمرة في المحاذير السابقة.
والقاعدة العامة المتفق عليها: أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد، وجب مراعاة الأكثر منها والأعظم، فحكم بما تقتضيه فإن تساوت فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
فنصيحتي لإخواني المسلمين أن يسلكوا طريق السلامة، وأن يرحموا إخوانهم المسلمين الذين تتشوش عليهم عباداتهم بما يسمعون من هذه الأصوات العالية حتى لا يدري المصلي ماذا قال ولا ماذا يقول في الصلاة من دعاء وذكر وقرآن.
ولقد علمت أن رجلاً كان إماماً وكان في التشهد وحوله مسجد يسمع قراءة إمامه فجعل السامع يكرر التشهد لأنه عجز أن يضبط ما يقول فأطال على نفسه وعلى من خلفه.
ثم إنهم إذا سلكوا هذه الطريق وتركوا رفع الصوت من على المنارات حصل لهم مع الرحمة بإخوانهم امتثال قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن" (1) . وقوله: "فلا يؤذين بعضهم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" (2) . ولا يخفى ما يحصل للقلب من اللذة الإيمانية في امتثال أمر الله ورسوله وانشراح الصدر لذلك وسرور النفس به.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. كتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين.
__________
(1) تقدم تخريجه ص14.
(2) تقدم تخريجه ص14.

(13/78)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى ....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد فشا في الآونة الأخيرة استعمال كثير من الأئمة لمكبر الصوت الذي فوق المنارة لتسمع منه الصلاة تكبيرها وقراءتها في الصلوات الخمس.
وهذا أمر لا تدعو الحاجة إليه، فإن الإمام إنما يصلي بأهل المسجد لا بمن كان خارجه وهو مع ذلك يوقع في أمور منها:
* أن بعض الناس قد يتهاون في المبادرة إلى حضور المسجد؛ لأنه يسمع الصلاة ركعة ركعة، وجزءاً جزءاً، فيتباطأ اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة، فيمضي به الوقت حتى ربما تفوته الصلاة.
* ومنها: أن المقبل إلى المسجد وهو يسمع قراءة الإمام قريبة الانتهاء تجده يسرع إسراعاً يوقعه في النهي رغبة في إدراك الركوع.
* ومنها: أن في ذلك تشويشاً وأذية لمن يسمعه من المصلين في البيوت والمساجد كما اشتكى من ذلك بعض الناس، حتى أخبرني أحدهم أن بعض المصلين في مسجد أمن بتأمين إمام مسجد آخر سمع صوته، وكبر آخر بتكبيره، وعلمت أن رجلاً تشوش عليه التشهد لسماعة قراءة إمام مسجد آخر.
...

(13/79)


ولا يخفى ما رواه الإمام مالك في الموطأ (1) 1/167 شرح الزرقاني في باب العمل في القراءة عن البياضي (فروة بن عمرو) – رضي الله عنه – أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجى ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وما رواه أبو داو (2) 2/38 تحت عنوان: رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". وقد نقل الزرقاني في شرح الموطأ عن ابن عبد البر أنه قال: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان.
وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه لابن قاسم 23/64: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. ومن جواب له 1/305 من الفتاوى المطبوعة قديماً: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه. أهـ.
وما ذكره الشيخ – رحمه الله تعالى – موافق لما دل عليه الحديثان المذكوران. ويزداد المنع قوة حين يكون التشويش أعظم إذا فتحت نوافذ المساجد أو كان الناس يصلون في الرحبات وفي
__________
(1) تقدم تخريجه في ص14.
(2) تقدم تخريجه في ص14.

(13/80)


إغلاقها درء لما يحصل من التشويش والأذية ولا مانع أن يستثنى من ذلك المسجدان المكي والنبوي، وكذلك الجوامع في صلاة الجمعة؛ لأنه ربما يكون بعض المصلين خارج المسجد فيحتاجون إلى سماع صوت الإمام بشرط أن لا تكون الجوامع متقاربة يشوش بعضها على بعض، فإن كانت كذلك فإنه توضع سماعات على جدار المسجد تسمع منها الخطبة والصلاة وتلفى حينئذ سماعات المنارة لتحصل الفائدة بدون أذية للآخرين.
هذا وأسأل الله تعالى للجميع التوفيق لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا جميعاً صالحين مصلحين وهداة مهتدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 7/7/1407هـ.

448 ...

(13/81)


وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية؟ وما رأي فضيلتكم فيمن يكره الصلاة في المسجد الذي فيه مكبر صوت ويتعرض لعرض من يستعمله؟ وبعض الناس يرى تحريمه؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن استعمال مكبر الصوت أثناء الصلاة إذا كان فيه تشويش على أهل البيوت أو المساجد التي حوله فإنه منهي عنه، لما فيه من أذية المسلمين والتشويش عليهم في صلواتهم، وقد بلغني أن بعض المصلين في المساجد التي حول من يستعملون مكبر الصوت ربما يؤمنون على قراءة المسجد الذي فيه مكبر الصوت، وربما يتابعونه دون إمامهم وفي هذا من الإخلال بصلاة الآخرين ما يقتضي المنع من استعمال مكبر الصوت، وقد أخرج الإمام مالك في الموطأ (1) 1/167 من شرح الزرقاني في (باب العمل في القراءة) عن البياضي فروة بن عمرو – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضهم على بعض في القرآن". وأخرج أبو داود 2/38 (2) تحت عنوان: (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا
__________
(1) تقدم تخريجه ص13.
(2) تقدم تخريجه ص14.

(13/82)


يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". قال ابن عبد البر: حديث البياضي، وأبي سعيد، ثابتان، صحيحان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه 23/61 مج الفتاوى: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. وفي جواب له 1/305 من الفتاوى الكبرى: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه.أهـ.
أما إذا كان استعمال مكبر الصوت لا يشوش على أحد، ولا يؤذي أحداً بحيث تكون السماعات داخل المسجد، فهذا إن كان فيه مصلحة كتنشيط القارئ والمصلين، أو كان له حاجة مثل: أن يكون المسجد كبيراً، أو يكون صوت الإمام ضعيفاً فلا بأس به، وقد يترجح جانب استعماله على جانب تركه.
وإن لم يكن في ذلك مصلحة ولا له حاجة فلا يستعمل لأن في ذلك استهلاكاً للكهرباء، واستعمالاً بلا مصلحة ولا حاجة وفي ذلك ما فيه.
وأما ما ذكرتهم من أن بعض الناس يكره الصلاة في المسجد الذي فيه مكبر الصوت وربما تحول عنه إلى مسجد آخر، وربما تعرض لعرض من يستعمله، فلا وجه لكراهته هذه، ولا ينبغي له أن يتحول عن المسجد من أجل هذا السبب؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتبع أذواق الناس وما يهوونه، بل هي مضبوطة بحدود من قبل الله ورسوله، ولهذا يعبر الله تعالى عن كثير من الأحكام بأنها حدوده، فإن كانت أوامر قال: "فلا تعتدوها" وإن كانت نواهي قال: "فلا تقربوها".
...

(13/83)


وأما تعرضه لعرض من يستعمله فإنه في الحقيقة إنما يضر نفسه بانتهاك عرض أخيه، ولا يخفى أن الغيبة من كبائر الذنوب كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والسنة، وقد نص الإمام أحمد على أنها من الكبائر.
قال صاحب النظم ابن عبد القوي:
وقد قيل صغرى غيبة ونميمة وكلتاهما كبرى على نص أحمد
وأما ما ذكرتهم من أن بعض الناس يرى تحريم استعمال مكبر الصوت، فهذا إن كان يرى ذلك في الحال التي يكون فيها تشويش أو أذية، فرأيه قريب؛ لأن الأصل أن أذية المسلمين والتشويش عليهم في عباداتهم التحريم لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً). ولنهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصلين عن أذية بعضهم بعضاً والتشويش عليهم بالجهر بالقراءة كما سبق.
وإن كان يرى تحريم استعمال مكبر الصوت بكل حال فلا وجه لرأيه؛ لأن التحريم لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل في غير العبادات الحل حتى يقوم دليل التحريم لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
ولا يحل لأحد أن يقول عن شيء إنه حلال أو حرام إلا بدليل لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). وقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
...

(13/84)


فتحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله إن لم يكن أعظم، لما يحصل في التحريم من الإشقاق على الناس والتضييق عليهم، والرب عز وجل يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وهو سبحانه يحب أن تؤتى رخصه التي فيها إسقاط لما أصله واجب، أو تحليل لما أصله محرم لما في ذلك من التخفيف والتيسير، فكما أن على المسلم أن يحترز في تحليل الحرام فعليه أن يحترز في تحريم الحلال أولى.

449 سئل فضيلة الشيخ: أنا إمام مسجد في وسط حي وعندما أقوم بقراءة القرآن بمكبر الصوت في الصلاة الجهرية يوجد عندي من الإخوان المأمومين من يعارض ذلك ويقول إنه لا يصلح ذلك الشيء، علماً بأن من سمع القراءة في صلاة الفجر يحاول إدراك الصلاة مع الجماعة، أرجو الجواب من فضيلتكم حفظكم الله لما فيه الخير والسداد للإسلام والمسلمين؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الصواب معهم، ولا ينبغي لك أن تصلي بمكبر الصوت الخارجي لا صلاة الفجر ولا غيرها؛ لأن ذلك يشوش على من حولك من المصلين في المساجد أو في البيوت من النساء أو المعذورين.
والصلاة جماعة لأهل المسجد لا لمن كان خارجه. حرر في 17/7/1412هـ.

(13/85)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم إمام مسجد . حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنكم – بارك الله فيكم – تظهرون الصلاة والقراءة فيها في مكبر الصوت (الميكرفون) من سماعات المنارة. وهذا أمر لا تدعوا الحاجة إليه؛ لأن الإمام إنما يصلي بمن كان داخل المسجد لا من كان خارجه، وحينئذ يكون إظهار الصوت من سماعات المنارة عديم الفائدة، ومع كونه عديم الفائدة فإن فيه تشويشاً على من يسمعه من أهل البيوت والمساجد، كما اشتكى من ذلك بعض الناس. وقد روى الإمام مالك في موطئه (1) 1/167 أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وروى أبو داود 2/97 (2) (مختصر الخطابي)، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعهم يجهرون بالقراءة فقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة".
...
__________
(1) تقدم تخريجه في ص14.
(2) تقدم تخريجه في ص14.

(13/86)


وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميه 23/64: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين.
ومن جواب له 1/305 من الفتاوى ط قديمة: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه أهـ.
وفي إظهار الصوت من سماعات المنارة – بالإضافة إلى التشويش والتأذي – تهاون الناس بالمسارعة إلى الحضور؛ لأنهم يسمعون الصلاة ركعة ،ركعة وجزءاً جزءاً فيتباطئون اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة فلا يزال بهم التباطؤ حتى تفوتهم الصلاة.
وفيه أيضاً أن المقبل إلى المسجد قد تحدوه رغبته في الإدراك إلى السرعة فيقع فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا" (1) .
والإنسان إذا علم أن فعله يترتب عليه أذية لإخوانه وتشويش عليهم في عبادتهم، ووقوع فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أذية المصلين بعضهم بعضاً بالجهر، وأن فعله عديم الفائدة، أو قليلها فلن يتردد في تركه طاعة لله تعالى ورسوله، وتفادياً لأذية إخوانه والتشويش عليهم، والله الموفق.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 24/5/1407هـ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) متفق عليه وهذا لفظ البخاري رواه في الأذان باب 21 – لا يسعى إلى الصلاة (636)، ورواه مسلم في المساجد باب 28 – استحباب إتيان الصلاة بوقار 1/420 ح151 (602).

(13/87)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم إمام مسجد . حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإن الداعي لتحريره أنه اتصل بي اليوم أحد جماعة المساجد القريبة منكم يذكر أن الميكرفون في مسجدكم مفتوح على سماعة المنارة، وأنه يشوش عليهم صلاتهم في استماع قراءة إمامهم وتسبيح ركوعهم وسجودهم ودعائهم.
ولقد كنا البارحة ونحن في الجامع نسمع القراءة في الميكرفون نسمعها بوضوح، حيث كان القارئ يقرأ في سورة مريم فلما وصل آية السجد مدها وسجد، ونسمعه كذلك في دعاء القنوت فإذا كنا نسمع ذلك ونحن في الجامع فما بالك في المساجد التي هي أقرب إلى الصوت من الجامع.
ثم ما بالك بمن يتهجد في بيته من شيخ كبير وعجوز، ومن لا يرغب الحضور إلى المسجد في آخر الليل؟ أظن أنهم لا يستطيعون إتقان قراءتهم، وتسبيحهم لله، ودعائهم له وهم يسمعون هذا الصوت الرفيع حولهم.
وفي ظني أن الذي يقرأ في الميكرفون في سماعة المنارة المرتفعة صوتاً ومكاناً ظني أنه إنما قصد خيراً – إن شاء الله – ولم

(13/88)


يقصد الإضرار بإخوانه، لكن هو في الحقيقة قد أضر بهم من حيث لا يشعر حيث شوش عليهم في صلاتهم ودعائهم، كما أنه وقع أيضاً فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن". رواه الإمام مالك في الموطأ (1) . قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح.
وإذا كان الجهر بالقرآن حيث يشوش على من حوله من المصلين والذاكرين والداعين وقوعاً فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأذية على المسلمين فإنكم تعلمون ما يترتب على مخالفة أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأذية المؤمنين.
وقد سئل شيخ الإسلام بن تيميه – رحمه الله – عمن يجهر بقراءته فيحصل به أذى على المصلين فأجاب بقوله: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. انتهى.
فالواجب على المسلم الابتعاد عن الوقوع فيما نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيما فيه أذية إخوانه المسلمين لاسيما المتعبدون منهم بالصلاة والدعاء، وأن يقدر حال إخوانه ويعرف مدى الأذية التي تلحقهم في عبادتهم من أجل جهره في قراءته، فإن لو قدرت مسجداً حولك قد رفع إمامه، أو المحدث فيه صوته عالياً على المنارة حتى صار يشوش عليك، لا تدري ما تقول في صلاتك، يخلط عليك في قراءتك ودعائك، وتسبيحك في ركوعك
__________
(1) برقم (225) وسبق تخريجه في ص14.

(13/89)


وسجودك، أفلا ترى أنه أساء إليك وأن الواجب عليه كف هذه الإساءة، فما بال الإنسان يستسيغ هذا الفعل من نفسه ويرى أنه من غيره إساءة؟
والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فكما أن المرء يحب أن يقبل على صلاته ويعرف ما يقول فيها، ويكره أن يسمع ما يشوش عليه فيها، فإخوانه المسلمون يحبون ما يحب، ويكرهون ما يكره، يحبون أن يقبلوا على صلاتهم ويعرفوا ما يقولون فيها، ويكرهون أن يسمعوا ما يشوش عليهم، فاتقوا الله فيهم وابتعدوا عما يشوش عليهم، وكونوا عوناً لهم على كمال صلاتهم فإن الله سبحانه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
ولا طريق لكم إلى ذلك إلا باتباع أحد أمرين:
إما بوضع سماعة داخلية لأهل المسجد خاصة تكون داخل المسجد كما صنع الناس في مساجدهم.
وإما بإلغاء الميكرفون والاكتفاء بصوتكم وفيه كفاية إن شاء الله ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
وأما فتح الصوت على سماعة المنارة ففيه تشويش على من يسمعه من المصلين والذاكرين والداعين وقد علمتم ما في ذلك من المخالفة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأذية المؤمنين، ومثلكم لا يرضى بذلك.
وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح، وجعلنا جميعاً من دعاة الخير، وأنصار الحق، السائرين على نور من الله وبصيرة في أمرهم إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(13/90)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم .. حفظه الله تعالى.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فإننا لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض وتسخيره لهم ما في السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه).
ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ). وإذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلمرواه مسلم

(13/91)


في المساجد باب 17 – نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها 1/395 ح76 (565).¥– في شأن البصل والكراث -: "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله.
فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام.
قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله؛ لأنه مما خلق الله لنا في تحريمه، وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
وأما السنة فمن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وأخبر أن ما سكت عنه فهو عفو" (1) . والميكرفون مما خلق تعالى في الأرض وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً.
الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية: "جلب المصالح، ودفع المفاسد".
__________
(1) رواه الدارقطني في الرضاع 4/183، والبيهقي في الضحايا 10/12، والطبراني في الكبير 22/221 (589) وحسنه النووي في "رياض الصالحين" 457.

(13/92)


والميكرفون يشتمل على مصالح كالمبالغة برفع الصوت بتكبير الله تعالى وتوحيده، والشهادة لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة خصوصاً، وإلى الفلاح عموماً.
ومن مصالحة: تنبيه الغافلين، وإيقاظ النائمين، ومع هذه المصالح ليس فيه مفسدة تقابل أو تقارب هذه المصالح، بل ليس فيه مفسدة مطلقاً فيما نعلم.
الرابع: أن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية: "أن الوسائل لها أحكام المقاصد".
والميكرفون وسيلة ظاهرة إلى إسماع الناس الأذان والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم ما يلقى في المساجد من خطب ومواعظ، وإسماع الناس الأذان، والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم المواعظ والخطب من الأمور المأمور بها بإجماع أهل العلم، فما كان وسيلة إلى تعميمها وإيصالها إلى الناس كان مأموراً به أيضاً.
الخامس: أن أهل العلم قالوا ينبغي أن يكون المؤذن صيتاً – أي رفيع الصوت – ليكون أشمل لإبلاغ الأذان، وقد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رأى في المنام من يعمل الأذان: "اذهب فألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك" (1) . فدل هذا على طلب علو الصوت في الأذان، والميكرفون من وسائله بلا شك فيكون مطلوباً.
__________
(1) رواه الإمام أحمد 4/42 – 43، وأبو داود في الصلاة/ باب كيف الأذان (499)، والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء في الأذان (189)، وابن ماجة في الأذان/ باب كيف بدء الأذان (706).

(13/93)


السادس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتحرى من كان عالي الصوت في إبلاغ الناس، كما أمر أبا طلحة أن ينادي عام خيبر: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس" (1) ، وكما أمر العباس أن ينادي في الناس بأعلى صوته حين انصرفوا في حنين يقول مستحثاً لهم على الرجوع: "يا أصحاب السمرة (2) ، يا أصحاب سورة البقرة، أو يا أهل".
وهذا يدل على التماس ما هو أبلغ في إيصال الأحكام الشرعية والدعوة إلى الله تعالى. ولقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب الناس على راحلته ليكون أبلغ في سماع صوته.
السابع: أن الميكروفون آلة لتكبير الصوت وتقويته فكيف نقول إنه محرم ولا نقول إن نظارة العين التي تقوي النظر وتكبر الحرف إنها محرمة، هذه تكبر الحرف وتقوي نظر العين، وذاك يقوي الصوت ويضخم الكلمات ولا فرق بين الأمرين.
وأما توهم بعض الناس أن الميكروفون لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
فنقول:
ما أكثر الأشياء التي وجدت بعد عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأجمع المسلمون على جوازها، فإن تدوين السنة وتصنيفها في الكتب لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعارض في جواز ذلك إلا نفر
__________
(1) رواه البخاري في المغازي باب 40 – غزوة خيبر (4199). ومسلم في الصيد باب 5 – تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية 3/1540ح.
(2) رواه مسلم في الجهاد باب 28 – غزوة حنين 3/1398 ح76 – (1775).

(13/94)


قليل من الصدر الأول خوفاً من اختلاطها بالقرآن، ثم انعقد الإجماع على الجواز بعد ذلك، وبناء المدارس لم يكن معروفاً على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أجمع المسلمون على جوازه. وتصنيف الكتب في علم التوحيد والفقه وغيرها لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أجمع المسلمون على جوازه، والمطابع التي تطبع الكتب لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أجمع المسلمون من بعد حدوثها على جواز طباعة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلام أهل العلم في التفسير، وشرح السنة، وعلم التوحيد والفقه وغيرها بهذه المطابع ولم يقل أحد: إنا لا نطبع بها، لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثامن: أن الميكرفون يستعمل في أفضل المساجد المسجد الحرام، ومسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما علمنا أن أحداً ممن يقتدى به من أهل العلم عارض ذلك أو أنكر على ولاة الأمور.
وهذا أمر واضح ولله الحمد ولا حرج عليكم في استعمال الميكرفون في المنارة للتأذين به، وإذا كان أحد من الإخوان يكرهه فلا ينبغي أن يحرمه على غيره، كما قال البراء بن عازب – رضي الله عنه – لمن قال إنه يكره أن يكون في أذن الأضحية أو قرنا نقص، فقال له البراء: "ما كرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك".
والله الموفق. قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 13/6/1399هـ.

(13/95)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فآمل من فضيلتكم التكرم ببيان حكم استعمال مكبر الصوت "الميكروفون" في الخطبة؟ وكذلك حكم استعمال المكبر في صلاة الجمعة وغيرها؟ والله يحفظكم ويرعاكم ويمدكم بعونه وتوفيقه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المكرم إمام جامع . حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
استعمل الميكرفون في الخطبة لينتفع بها من يسمعها خارج المسجد؛ إلا أن يكون حولك مساجد تشوش عليهم بذلك.

أما في الصلاة فلا تستعمله لا يوم الجمعة، ولا غيرها.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/6/1414هـ.

450 ...

(13/96)


وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر أو فوق القلب؟ وما حكم وضع اليدين تحت السرة؟ وهل هناك فرق بين الرجل والمرأة؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة سنة، لحديث سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". أخرجه البخاري (1) .
ولكن أين يكون الوضع؟
الجواب: أقرب الأقوال إلى الصحة في ذلك أن الوضع يكون على الصدر لحديث وائل بن حجر – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره" (2) . والحديث وإن كان فيه شيء من الضعف، لكنه أقرب من غيره إلى الصحة.
وأما وضعها على القلب على الجانب الأيسر فهو بدعة لا أصل لها.
وأما وضعها تحت السرة فقد روى ذلك أثراً عن علي – رضي الله عنه (3) – لكنه ضعيف، وحديث وائل بن حجر أقوى منه.
ولا فرق في هذا الحكم بين المرأة والرجل؛ لأن الأصل اتفاق النساء والرجال في الأحكام إلا أن يقوم دليل على التفريق أو على الفرق بينهما ولا أعلم دليلاً صحيحاً يفرق بين الرجل والمرأة في هذه السنة.
__________
(1) رواه في الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى ح(740).
(2) تقدم تخريجها ص73.
(3) تقدم تخريجها ص73.

(13/97)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الشيخ .. حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد تشرفت بكتابكم الكريم المؤرخ في 29 من الشهر الماضي، وسررت بصحتكم الحمد لله على ذلك. سؤالكم عن فصل الخطاب في موضوع وضع اليدين في الصلاة حال القيام.
جوابه: فصل الخطاب هو: أن من السنة الثابتة عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع اليد اليمنى على اليسرى، جاء عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما.
ولكن أين يكون محل اليدين؟
حكى في نيل الأوطار قولين:
أحدهما: تحت السرة، استناداً إلى ما رواه الإمام أحمد (1) وأبو داود عن علي – رضي الله عنه – "أن ذلك من السنة"، والحديث في إسناده مقال.
الثاني: فوق السرة إما تحت الصدر، أو فوق السرة نفسها، وفيه أثر عن علي – رضي الله عنه - "أنه كان يمسك شماله بيمينه فوق السرة" (2) . ذكر صاحب نيل الأوطار أن في إسناده أبا طالوت
__________
(1) تقدم تخريجه ص73.
(2) رواه أبو داود في الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى ح(757).

(13/98)


عبد السلام بن أبي حازم يكتب حديثه (1) ، ثم ذكر بعد ذلك حديث وائل بن حجر قال: "صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (2) ، وقال: لا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور.
وقد حكى الأقوال الثلاثة القرطبي في تفسيره.
وإذا تبين أن حديث وائل أصح شيء في الباب كان العمل به أولى، وقد قال الشيخ الألباني في رسالته (صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ص79 ط7): "وضعهما على الصدر هو الذي ثبت في السنة، وخلافه إما ضعيف، أو لا أصل له". أهـ.
أما ما ذكره ابن القيم – رحمه الله – في البدائع عن مسائل الإمام أحمد، فلا أدري ما وجهه وقد فسر التكفير بوضع اليدين على الصدر، ولكن صاحب النهاية فسره: بأن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع (3) .
وأما ما أشرتم إليه من كلام ابن القيم في أعلام الموقعين فقد راجعته في طبعتين عندي فلم أجده، ولعلي أبحث في طبعة ثالثة إن شاء الله عسى أن أظفر به.
وأما انفراد مؤمل عن سفيان برواية "وضع اليدين على الصدر" فينظر في مؤمل، فإن كان ثقة لم يضر انفراده، وإن كان غير ثقة فهو مردود، وينظر هل له طريق آخر.
...
__________
(1) نيل الأوطار 2/188.
(2) رواه ابن خزيمة وتقدم في ص73.
(3) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 4/188.

(13/99)


هذا وقد ذكر صاحب الفروع أنه يكره وضع اليدين على الصدر وقال: نص عليه مع أنه رواه أحمد فكأنه استغرب ذلك.
ثم إني وجدت كلامه في أعلام الموقعين ص9 ج3 وتحققت من حال مؤمل بن إسماعيل فإذا العلماء مختلفون فيه: فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومقتضى صنيع ابن القيم في الأعلام تعليل الحديث بانفراده بذلك والله أعلم.
وقد ذكر الحديث في بلوغ المرام وعزاه لابن خزيمة وسكت عنه، وقد راجعت كثيراً من كتب الحديث التي عندي فوجدت كلاماً كثيراً حول هذه المسألة ووجدت حديثاً مرسلاً في أبي داود سنده حسن عن طاووس قال: "كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة" (1) . وهذا يؤيد حديث مؤمل ابن إسماعيل، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله، لكن القول بكراهة وضعها على الصدر يحتاج إلى دليل تنبني عليه الكراهة. حرر في 4/3/1396هـ.

451 وسئل فضيلته: هل ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أسدل يديه في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سدل يديه في الصلاة، ولا أنه أمر به، وإنما السنة في الصلاة أن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى فوق صدره، فإن شاء وضع اليد اليمنى على
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (759).

(13/100)


الرسغ – أي على المفصل الذي بين الكف والذراع – وإن شاء وضع اليد اليمنى على الذراع نفسه، قال سهل بن سعد – رضي الله عنه-: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (1) .
وأما السدل فإنه ليس بسنة لا قبل الركوع ولا بعد الركوع، وإنما السنة قبل الركوع وبعده أن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى كما ذكرنا.

452 وسئل أيضاً: هل يجب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؟
فأجاب قائلاً: لا يجب ذلك، ولا أعلم أحداً قال بوجوبه. ولعل أحداً يقول بوجوبه مستدلاً بقوله: "كان الناس يؤمرون"، والأصل في الأمر الوجوب ولكن رأي الجمهور أنه ليس بواجب إنما ذلك من السنة.

453 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله وحفظه: هل الأفضل لمن يصلي في الحرم أن ينظر إلى الكعبة أم إلى موضع السجود؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل لمن يصلي أن ينظر إلى موضع سجوده لا إلى الكعبة؛ لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المصلي أن ينظر إلى الكعبة إذا كان يشاهدها؛ ولأن نظره إلى الكعبة وهو
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 87 وضع اليمنى على اليسرى (740).

(13/101)


يصلي يستلزم أن ينشغل بصره بالطائفين؛ لأن الطائفين بالكعبة كثيرون ويلفتون النظر، وربما ينشغل بالنظر إلى الكعبة بهؤلاء الطائفين ويبعد عن صلاته، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عليه ذات يوم خميصة، فنظر إلى أعلامها وهو يصلي نظرة، فلما انصرف من صلاته قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني – أي الخميصة – آنفاً عن صلاتي" (1) .
فكل ما يلهي المصلي ينبغي له أن يبتعد عنه.

454 وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل للمتمكنين من رؤية الكعبة في الصلاة خصوصاً في المطاف، النظر إلى الكعبة أم إلى مكان السجود؟
فأجاب بقوله: الأفضل للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده، لا إلى الكعبة، لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المصلي أن ينظر إلى الكعبة إذا كان يشاهدها؛ ولأن نظره إلى الكعبة وهو يصلي يستلزم أن ينشغل بصره بالطائفين؛ لأن الطائفين حول الكعبة كثيرون ويلفتون النظر، فربما ينشغل بالنظر إلى الكعبة وبهؤلاء الطائفين ويبعد عن صلاته.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عليه ذات يوم وهو يصلي خميصة فنظر إلى أعلامها وهو يصلي نظرة فلما انصرف من صلاته قال: "اذهبوا
__________
(1) رواه البخاري في الصلاة باب 14 – إذا صلى في ثوب له أعلام. (373). ورواه مسلم في المساجد باب 15 – كراهة الصلاة في ثوب له أعلام 1/391 ح62 (556).

(13/102)


بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني - أي الخميصة - آنفاً عن صلاتي" (1) . فكل ما يلهي المصلي فإنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكن ما تقولون في مصل يتعمد اللهو حيث ينظر إلى الساعة وهو يصلي، وينظر إلى القلم، وهو يصلي، وإذا تذكر حاجة وهو يصلي أخرج القلم والورقة وكتبه، فلا شك أن هذا خطأ عظيم؛ ولأن الشيطان يأتي إلى الإنسان وهو يصلي يقول: اذكر كذا، أو اذكر كذا، فيذكره بشيء نسيه (2) ، حتى إنه ذكر أن رجلاً جاء لأبي حنيفة رحمه الله؛ وأبو حنيفة إمام عالم جليل إمام من الأئمة الأربعة، وكان رجلاً قد أعطاه الله علماً وذكاء، والذكاء مع العقل، والعلم يفيد صاحبه، جاءه رجل فقال له: إني نسيت حاجة أهمتني وشغلتني فماذا تأمرني؟ قال: اذهب فتوضأ وصل ثم أتني بعد صلاتك، فذهب الرجل فتوضأ وصلى، وفي أثناء الصلاة ذكره الشيطان إياها، ثم جاء إلى أبي حنيفة بعد ذلك وأخبره أنه ذكرها حين شرع في الصلاة، لكنني أقول هذا ولست أريد منكم عبرة، إنما الإنسان إذا أقبل على صلاته فينبغي أن يقبل على ربه؛ لأنه واقف بين يديه.
*
__________
(1) تقدم تخريجه ص102.
(2) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب فضل التأذين ح (608)، ومسلم في الصلاة باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه 1/291 ح19 (389).

(13/103)


بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني - أي الخميصة - آنفاً عن صلاتي" (1) . فكل ما يلهي المصلي فإنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكن ما تقولون في مصل يتعمد اللهو حيث ينظر إلى الساعة وهو يصلي، وينظر إلى القلم، وهو يصلي، وإذا تذكر حاجة وهو يصلي أخرج القلم والورقة وكتبه، فلا شك أن هذا خطأ عظيم؛ ولأن الشيطان يأتي إلى الإنسان وهو يصلي يقول: اذكر كذا، أو اذكر كذا، فيذكره بشيء نسيه (2) ، حتى إنه ذكر أن رجلاً جاء لأبي حنيفة رحمه الله؛ وأبو حنيفة إمام عالم جليل إمام من الأئمة الأربعة، وكان رجلاً قد أعطاه الله علماً وذكاء، والذكاء مع العقل، والعلم يفيد صاحبه، جاءه رجل فقال له: إني نسيت حاجة أهمتني وشغلتني فماذا تأمرني؟ قال: اذهب فتوضأ وصل ثم أتني بعد صلاتك، فذهب الرجل فتوضأ وصلى، وفي أثناء الصلاة ذكره الشيطان إياها، ثم جاء إلى أبي حنيفة بعد ذلك وأخبره أنه ذكرها حين شرع في الصلاة، لكنني أقول هذا ولست أريد منكم عبرة، إنما الإنسان إذا أقبل على صلاته فينبغي أن يقبل على ربه؛ لأنه واقف بين يديه.
*
__________
(1) تقدم تخريجه ص102.
(2) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب فضل التأذين ح (608)، ومسلم في الصلاة باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه 1/291 ح19 (389).

(13/104)


الاستعاذة والبسملة .

* دعاء الاستفتاح .

* قراءة الفاتحة .

* السكوت بعد قراءة الفاتحة .

(13/105)


الاستعاذة والبسملة

455 وسئل فضيلة الشيخ: هل تكفي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة الفاتحة في الصلاة أو لابد من الإتيان بالبسملة؟ وإذا استعذت وبسملت للفاتحة هل أبسمل للسورة التي بعدها في الصلاة وإن تعددت السور؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم مشروع عند كل قراءة، كلما أراد الإنسان أن يقرأ شيئاً من القرآن في الصلاة أو غير الصلاة فإنه مشروع له أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقوله سبحانه وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أما البسملة، فإن كان القارئ يريد أن يبتدئ السورة من أولها فبسمل؛ لأن البسملة آية فاصلة بين السور يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة البراءة؛ فإن سورة براءة ليس في أولها بسملة.
وعلى هذا فإذا أراد الإنسان قراءة الفاتحة في الصلاة فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم أولاً ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقد اختلف أهل العلم في البسملة في الفاتحة هل هي من الفاتحة أو لا؟
فذهب بعض أهل العلم إلى أنها من الفاتحة، ولكن الصحيح أنها ليست منها، وأن أول سورة الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

(13/107)


الْعَالَمِينَ)؛ لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الثابت في الصحيح أن الله سبحانه وتعالى قال: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" (1) .
وعلى هذا فتكون الفاتحة أولها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهي سبع آيات، الأولى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، الثانية: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، الثالثة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، والرابعة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، الخامسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، السادسة: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ). السابعة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).
أما على القول بأن البسملة منها؛ فأول آية هي البسملة والثانية هي: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). والثالثة: (الرَّحْمَنِ
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 11 – وجوب قراءة الفاتحة 1/296 ح38 (395)، وأبو داود في الصلاة باب من ترك القراءة في صلاته (821)، والترمذي في التفسير باب ومن سورة فاتحة الكتاب (2953)، والنسائي في الافتتاح باب ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (908).

(13/108)


الرَّحِيمِ). والرابعة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). الخامسة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). والسادسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). والسابعة: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).
ولكن الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة، كما أنها ليست من غيرها من السور إلا في سورة النمل؛ فإنها بعض آية منها.

456 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الجهر بالبسملة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن الجهر بالبسملة لا ينبغي، وأن السنة الإسرار بها؛ لأنها ليست من الفاتحة، ولكن لو جهر بها أحياناً فلا حرج؛ بل قد قال بعض أهل العلم: إنه ينبغي أن يجهر بها أحياناً؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد روي عنه "أنه كان يجهر بها" (1) .
ولكن الثابت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه كان لا يجهر بها" (2) وهذا هو الأولى أن لا يجهر بها.
ولكن لو جهر بها تأليفاً لقوم مذهبهم الجهر فأرجو أن لا يكون به بأس.
__________
(1) رواه النسائي في الافتتاح/ باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (904)، وابن حبان 1788، وابن خزيمة 499، والدارقطني 1/305، والبيهقي 2/46، 58.
(2) لما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "صليت خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، فلم أسمع أحد منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم"، رواه مسلم في الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة (399).

(13/109)


457 وسئل فضيلته: هل الاستعاذة في كل ركعة أو في الأولى فقط؟
فأجاب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة سنة.
واختلف العلماء - رحمهم الله - هل يستعيد في كل ركعة، أم في الركعة الأولى فقط بناء على القراءة في الصلاة هل هي قراءة واحدة أم لكل ركعة قراءة منفردة؟
والجواب: الذي يظهر لي: أن قراءة الصلاة واحدة، فتكون الاستعاذة في أول ركعة، إلا إذا حدث ما يوجب الاستعاذة، كما لو انفتح عليه باب الوساوس، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر الإنسان إذا انفتح عليه باب الوساوس أن يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. فقد روى مسلم أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً" (1) .

458 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: ما حكم دعاء الاستفتاح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاستفتاح سنة وليس بواجب، لا في الفريضة ولا في النافلة.
والذي ينبغي أن يأتي الإنسان في الاستفتاح بكل ما ورد عن
__________
(1) رواه مسلم في السلام باب 25 - التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة 4/1728 ح68 (2203).

(13/110)


النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتي بهذا أحياناً، وبهذا أحياناً، ليحصل له بذلك فعل السنة على جميع الوجوه، وإن كان لا يعرف إلا وجهاً واحداً من السنة واقتصر عليه فلا حرج؛ لأن الظاهر أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينوع هذه الوجوه في الاستفتاح، وفي التشهد من أجل التيسير على العباد، وكذلك في الذكر بعد الصلاة كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينوعها لفائدتين:
الفائدة الأولى: أن لا يستمر الإنسان على نوع واحد، فإن الإنسان إذا استمر على نوع واحد صار إتيانه بهذا النوع كأنه أمر عادي، ولذلك لو غفل وجد نفسه يقول هذا الذكر، وإن كان من غير قصد؛ لأنه صار أمراً عادياً فإذا كانت الأذكار متنوعة وصار الإنسان يأتي أحياناً بهذا، وأحياناً بهذا صار ذلك أحضر لقلبه، وأدعى لفهم ما يقوله.
الفائدة الثانية: التيسير على الأمة، بحيث يأتي الإنسان تارة بهذا، وتارة بهذا، على حسب ما يناسبه.
فمن أجل هاتين الفائدتين صارت بعض العبادات تأتي على وجوه متنوعة مثل دعاء الاستفتاح، والتشهد، والأذكار بعد الصلاة.

459 سئل فضيلة الشيخ: هل يجمع الإنسان بين نوعين من دعاء الاستفتاح؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجمع بين نوعين من دعاء الاستفتاح، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي

(13/111)


الله عنه - قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ فسألته فقال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (1) .
فالنبي عليه الصلاة والسلام ما أجابه عندما سأله ما يقول إلا بواحد فقط، فدل هذا على أنه ليس من المشروع الجمع بين الأنواع.

460 وسئل فضيلة الشيخ: إذا جاء المصلي والإمام قد شرع في الصلاة وهو يعلم أنه إن شرع في دعاء الاستفتاح ركع الإمام ولم يتمكن من قراءة الفاتحة فما العمل؟
فأجاب بقوله: إذا جاء الإنسان ودخل مع الإمام فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ويستفتح ويشرع بقراءة الفاتحة ثم إن تمكن من إتمامها قبل أن يفوته الركوع فعل، فإن لم يتمكن فإنها تسقط عنه ما لم يتمكن منه؛ لأنه مسبوق في القيام، وحينئذ يكون قد أتى بالصلاة على ترتيبها المشروع حسبما أمر به.
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 89: ما يقول بعد التكبير (744)، ومسلم في المساجد باب 27: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة 1/419 ح147 (598).

(13/112)


461 وسئل فضيلته: لقد عقدت دورة لتلاوة القرآن الكريم وحفظه في دولة...، وقد أوفدت لنا الجهة المختصة رجلاً فاضلاً من علماء القرآن لتعليم الناس كيفية التلاوة الصحيحة – جزاه الله خيراً – وقد أثار هذا الشيخ المدرس منذ اللحظة الأولى مسألة وجوب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: إننا في هذا البلد نقرأ القرآن على رواية حفص، وبما أن هذه الرواية تعتبر البسملة آية من الفاتحة إذن لابد من الجهر بها في الصلاة الجهرية، والذي لا يجهر بها تبطل صلاته حتى لو قرأها سراً. فكنت يا شيخنا من الذين ناقشوه حول هذه المسألة بفرعيها الأول: وهو قوله "بوجوب الجهر بالبسملة" والثاني: عن قوله ببطلان صلاة من أسر بها. لكنه لم يناقش الأمر بموضوعية ولم يأت بأدلة على كلامه وطلب إنهاء النقاش حول المسألة مع إصراره على قوله. فقمت من باب تبيان الحق للناس – إن شاء الله – بكتابة رد على أقواله ووزعته على بعض الناس وأعطيته نسخة من الرد معتذراً إليه، وقائلاً له: هذه وجهة نظر أرجو منك الإطلاع عليها، وكنت قد اتصلت بالشيخ...، قبل توزيع الرد عارضاً عليه المسألة فوافقني على ما كتبت جزاه الله خيراً، وقد أرفقت صورة عما كتبت مع هذه الرسالة لفضيلتكم أرجو منكم توجيهي حول ذلك، فما كان من ذلك الشيخ في الحصة التي بعدها إلا أن قام بالتهجم عليَّ بالكلام، واتهمني بسوء الأدب وغير ذلك، وهذا لا يهم، ثم أصر على كلامه السابق بالقول ببطلان صلاة من لم يجهر بالبسملة. لذا نرجو من

(13/113)


فضيلتكم أن تفتونا مأجورين حول ما ذكرت بهذه الرسالة وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
القول الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة فلا يجهر بها في الجهرية ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين" قال الله: "حمدني عبدي" أخرجه مسلم في صحيحه (1) . وتمام الحديث فيه.
فبدأ بقوله الحمد لله رب العالمين ولم يذكر البسملة.
ويدل لذلك أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه (2) عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: "صليت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي لفظ: "صليت خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". رواه أحمد (3) والنسائي (4) بإسناد على شرط الصحيح. قال الحافظ الدارقطني: إنه لم يصح بالجهر بها حديث.
...
__________
(1) وقد سبق تخريجه في ص108.
(2) في الصلاة باب 13: حجة من قال لا يجهر بالبسملة 1/299 ح50 (399) وهو في البخاري بمعناه في الأذان باب 89: ما يقول بعد التكبير (743).
(3) في مسند أنس 3/111.
(4) في الافتتاح باب: ترك الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) (906).

(13/114)


ولما ذكر في نيل الأوطار الخلاف في المسألة قال: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع أهـ (1) .
فتبين بهذا:
أولاً: أن البسملة ليست من الفاتحة لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ثانياً: أن السنة عدم الجهر بالبسملة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر، وعثمان لم يكونوا يجهرون بها، لحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.
ثالثاً: أن الصلاة لا تبطل بترك الجهر بالإجماع، وأن من قال تبطل فقد خالف الإجماع.
فاجتمع في ترك الجهر بالبسملة سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنة الخلفاء الثلاثة، وقد حث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 10 من محرم سنة 1418هـ.

462 وسئل فضيلة الشيخ: هل التأمين سنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، التأمين سنة مؤكدة، لاسيما إذا أمن الإمام، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه
__________
(1) نيل الأوطار 2/205.

(13/115)


تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (1) .
ويكون تأمين الإمام والمأموم في آن واحد، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآله وسلم: "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" (2) .

463 وسئل فضيلة الشيخ: ورد في الحديث: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، فهل من سبق إمامه يدخل في هذا الفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: من سبق إمامه في التأمين فإنه لا يدخل في هذا الفضل، لأنه قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا فمن وافق" (3) .
لكن لو فرض أن الإمام تأخر فحينئذ لا حرج على المأموم أن يؤمن.

464 سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المصلي في الصلاة السرية من قراءة الفاتحة وسورة والإمام لم يركع فهل يسكت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يسكت المأموم إذا فرغ من قراءة الفاتحة وسورة قبل أن يركع الإمام، بل يقرأ حتى يركع الإمام، حتى لو كان في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول وانتهى من الفاتحة ولم يركع الإمام فإنه يقرأ سورة أخرى حتى يركع الإمام؛ لأنه ليس في
__________
(1) أخرجه البخاري في الأذان باب 111: جهر الإمام بالتأمين (780)، ومسلم في الصلاة باب 18: التسميع والتحميد والتأمين 1/307 ح72 (410).
(2) أخرجه البخاري في الأذان باب 113: جهر المأموم بالتأمين (782)، ومسلم في الموضع السابق ح76 (410).
(3) أخرجه البخاري في الموضع السابق، ومسلم في الموضع السابق ح72 (410).

(13/116)


الصلاة سكوت مشروع إلا في حال استماع المأموم لقراءة إمامه.

465 وسئل فضيلة الشيخ: إذا دخل الإنسان في صلاة سرية وركع الإمام ولم يتمكن هذا الشخص من إكمال الفاتحة فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مسبوقاً بمعنى أنه جاء والإمام قد شرع في الصلاة ثم كبر، واستفتح، وقرأ الفاتحة، وركع الإمام قبل انتهائه منها، فإنه يركع مع الإمام ولو فاته بعض الفاتحة؛ لأنه كان مسبوقاً فسقط عنه ما لم يتمكن من إدراكه قبل ركوع الإمام، وأما إذا كان دخل مع الإمام في أول الصلاة وعرف من الإمام أنه لا يتأنى في صلاته، وأنه لا يمكنه متابعة الإمام، إلا بالإخلال بأركان الصلاة ففي هذه الحال يجب عليه أن يفارق الإمام، وأن يكمل الصلاة وحده؛ لأن المتابعة هنا متعذرة إلا بترك الأركان، وترك الأركان مبطل للصلاة.

466 وسئل فضيلة الشيخ: بعض المأمومين إذا قرأ (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: استعنا بالله، فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع في حق المأموم أن ينصت لإمامه، فإذا فرغ من الفاتحة أمن الإمام، وأمن المأموم، وهذا التأمين يغني على كل شيء يقوله الإنسان في أثناء قراءة الإمام للفاتحة.

(13/117)


467 وسئل فضيلة الشيخ: بعض المأمومين حين يقرأ الإمام في الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) يقولون: استعنا بالله، وبعضهم يقول ذلك جهراً، فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في ذلك أنه لا ينبغي للمأموم هذا القول ولا وجه له، لأن قارئ الفاتحة حين يقول (إياك نعبد وإياك نستعين) فذلك خبر عما في نفسه وضميره من أنه لا يعبد إلا الله، ولا يستعين إلا به، والمطلوب من المأموم أن يؤمن على قراءة الإمام حين يقول (ولا الضالين) ذلك هو المطلوب فقط.
أما هذا الذي يقولونه فليس بمشروع، وأيضاً فهو يؤذي من حوله بالتشويش عليهم.

468 وسئل فضيلته: عن قول بعض الناس إذا قال الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) "استعنا بالله"؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: قول المأموم إذا قال الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) "استعنا بالله" لا أصل له، وينهى عنه؛ لأنه إذا انتهى الإمام من الفاتحة أمن المأموم، فتأمينه هذا كاف عن قوله استعنا بالله.

(13/118)


قراءة الفاتحة

469 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى-: ما حكم قراءة الفاتحة في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في قراءة الفاتحة على أقوال متعددة:
القول الأول: أن الفاتحة لا تجب لا على الإمام، ولا المأموم، ولا المنفرد، لا في الصلاة السرية، ولا الجهرية، وأن الواجب قراءة ما تيسر من القرآن ويستدلون بقول الله تعالى في سورة المزمل: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). وبقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (1) .
القول الثاني: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد، في الصلاة السرية والجهرية، وعلى المسبوق وعلى الداخل في جماعة من أول الصلاة.
القول الثالث: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام والمنفرد، وليست واجبة على المأموم مطلقاً لا في السرية، ولا في الجهرية.
القول الرابع: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، وركن في حق المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية.
...
__________
(1) رواه البخاري في الأذان/ باب وجوب القراءة للإمام والمأموم (757)، ومسلم في الصلاة/ باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397).

(13/119)


والراجح عندي: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً فإن قراءة الفاتحة تسقط عنه في هذه الحال، ويدل لذلك عموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) . وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (2) – بمعنى فاسدة – وهذا عام، ويدل لذلك أيضاً حديث عبادة بن الصامت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف من صلاة الصبح فقال لأصحابه: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (3) ، وهذا نص في الصلاة الجهرية.
وأما سقوطها عن المسبوق فدليله: حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكعاً، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صلاته سأل عمن فعل ذلك، فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (4) ، فلم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعادة الركعة التي أسرع من أجل ألا تفوته، ولو كان ذلك واجباً عليه لأمره به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
__________
(1) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت وتقدم تخريجه في ص73.
(2) رواه مسلم في الصلاة/ باب وجوب قراءة الفاتحة (395).
(3) رواه الإمام أحمد 5/316، وأبو داود في الصلاة/ باب من ترك القراءة في الصلاة (823)، والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، والحاكم 1/238 – 239 والدارقطني 1/120.
(4) رواه البخاري وتقدم في ص7.

(13/120)


كما أمر الذي يصلي بلا طمأنينة أن يعيد صلاته، هذا من جهة الدليل الأثري.
أما من جهة الدليل النظري فنقول:
إن هذا الرجل المسبوق لم يدرك القيام الذي هو محل قراءة الفاتحة، فلما لم يدرك المحل سقط ما يجب فيه، بدليل أن الأقطع الذي تقطع يده لا يجب عليه أن يغسل العضد بدل الذراع، بل يسقط عنه الفرض لفوات محله، كذلك تسقط قراءة الفاتحة على من أدرك الإمام راكعاً؛ لأنه لم يدرك القيام الذي هو محل قراءة الفاتحة، وإنما سقط عنه القيام هنا من أجل متابعة الإمام.
فهذا القول عندي هو الصحيح، ولولا حديث عبادة بن الصامت الذي أشرت إليه قبل قليل – وهو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف من صلاة الصبح – لولا هذا لكان القول بأن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية هو القول الراجح؛ لأن المستمع كالقارئ في حصول الأجر، ولهذا قال الله تعالى لموسى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)، مع أن الداعي موسى وحده، قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). فهل ذكر الله لنا أن هارون دعا؟ فالجواب لا، ومع ذلك قال: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا). قال العلماء في توجيه التثنية بعد الإفراد: إن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن.
...

(13/121)


وأما حديث أبي هريرة الذي فيه: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (1) فلا يصح؛ لأنه مرسل كما قاله ابن كثير في مقدمة تفسيره، ثم إن هذا الحديث على إطلاقه لا يقول به من استدل به، فإن الذين استدلوا به بعضهم يقول: إن المأموم تجب عليه القراءة في الصلاة السرية فلا يأخذون به على الإطلاق. ...
فإن قيل: إذا كان الإمام لا يسكت فمتى يقرأ المأموم الفاتحة؟
فنقول: يقرأ الفاتحة والإمام يقرأ؛ لأن الصحابة كانوا يقرءون مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقرأ، فقال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (2) .

470 سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: ما وجه الجمع بين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وكذلك قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام" وبين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، ما وجه الجمع؟ وما الحكم إذا قرأ المصلي في الركعة الأولى (قل هو الله أحد) وفي الثانية: العاديات؟ أو في الأولى بسورة البقرة كلها، وفي الثانية بسورة آل عمران؟
...
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/339، وابن ماجة في إقامة الصلاة/ باب إذا قرأ (850).
(2) رواه البخاري في الجماعة/ باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (657)، ومسلم في الصلاة/ باب ائتمام المأموم بالإمام (412)، وزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" عند أبي داود في الصلاة/ باب الإمام يصلي من قعود (604)، والنسائي في الافتتاح (920) وابن ماجة (846)، والإمام أحمد 1/420.

(13/122)


فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين وبعد:
فإن من المهم لطالب العلم خاصة أن يعرف الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، ليتمرن على الجمع بين الأدلة، ويتبين له عدم المعارضة؛ لأن شريعة الله لا تتعارض، فإنها من وحي الله عز وجل. ...
وكلام الله تبارك وتعالى، وما صح عن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتعارض، وما ذكره السائل من الأحاديث الأربعة التي قد يظهر منها التعارض فيما بينها فإن الجمع بينها – ولله الحمد – ممكن متيسر وذلك أن نحمل الحديثين الأخيرين "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (1) ، إن صح فإن بعض أهل العلم ضعفه، وقال: لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه مرسل، فإن هذا العموم وهو قوله: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" يخصص بحديث الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (2) . فتكون قراءة الإمام في ما عدا سورة الفاتحة له قراءة.
وكذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا قرأ فأنصتوا" يحمل على ما عدا الفاتحة فيقال: إذا قرأ في غير الفاتحة وأنت قد قرأتها فأنصت له ولا تقرأ معه؛ لأن قراءة الإمام قراءة لك هذا هو الجمع بين الحديثين. والأخذ بالحديثين الأولين وهو "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (3) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص122.
(2) رواه البخاري ومسلم وتقدم ص73.
(3) تقدم تخريجه ص73.

(13/123)


وحديث: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". الأخذ بهما أحوط؛ لأن القاري يكون قد أدى صلاته بيقين دون شك إذا قرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ ففي السنة من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه الصبح فلما انصرف قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وأما قول السائل: ما حكم قراءة قل هو الله أحد في الركعة الأولى وفي الثانية سورة العاديات؟
فهذا لا ينبغي، والذي ينبغي أن تقرأ القرآن في الركعتين مرتباً، فإذا قرأت سورة فالأولى أن تقرأ بما بعدها لا بما قبلها، فإذا قرأ الإنسان (قل يا أيها الكافرون) في الركعة الأولى، فليقرأ في الركعة الثانية (إذا جاء نصر الله والفتح) أو (قل هو الله أحد) ولا يقرأ (أرأيت الذي يكذب بالدين) أو ما كان قبلها وهكذا.
وأما قوله: هل يقرأ في الركعة الأولى بسورة البقرة كلها، والثانية بسورة آل عمران؟
فجوابه: أنه لا يجوز لك أن تفعل هذا إذا كنت إماماً، أن تقرأ بسورة البقرة كاملة وآل عمران كاملة، بل ولا بسورة البقرة وحدها، اللهم إلا أن تكون الجماعة عدداً محصوراً ويوافقوا على ذلك فلا حرج، ووجه هذا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زجر معاذاً – رضي الله عنه – ووعظه موعظة عظيمة حينما أطال بأصحابه وقال: "أتريد يا معاذ أن تكون فتاناً". وليس للإمام أن يقرأ بأصحابه أكثر مما جاءت به السنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن صلاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتم الصلاة، وأحسنها، وأوفقها، وأرفقها بالخلق. والله الموفق.

(13/124)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فلا شك أنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) ، وأن هذا النفي نفي للصحة لا نفي للكمال كما يدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (2) وأن ذلك واجب في كل صلاة، وفي كل ركعة من الركعات لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته حين ذكر له ما يفعل بالركعة من قراءة وغيرها قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (3) .
وأنه لا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد لعموم الحديث، وأما الأحاديث الواردة في إخراج المأموم من ذلك فلا يصح الاستدلال بها إما لضعفها، وإما لضعف دلالتها على ذلك (4) .
كما أن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الصلاة جهرية سمع فيها المأموم قراءة الإمام الفاتحة، أم سرية لعموم الحديث، ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصبح فتفلتت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون
__________
(1) متفق عليه وتقدم ص73.
(2) تقدم في ص120.
(3) رواه البخاري في الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم (757)، ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397).
(4) تقدم تخريجها ص122.

(13/125)


وراء إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". رواه أبو داود والترمذي (1) . وفي لفظ: "فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن". رواه أبو داود والنسائي (2) .
لكن من جاء والإمام راكع فإنها تسقط عنه في هذه الركعة التي أدرك ركوعها لما في صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (3) . وفي رواية لأحمد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي يسعى عجلاً) يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: "من الساعي"؟ قال أبو بكرة أنا. وعند الطبراني أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خشيت أن تفوتني الركعة معك. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تعد" بفتح التاء وضم العين، وسكون الدال، من العود وهو يتضمن الدلالة على النهي عن السعي، وعن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وعلى إدراك أبي بكرة للركعة. ووجه الدلالة منه على إدراكها ما يأتي:
1- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمره بقضائها، ولو لم يدركها لأمره بقضائها، كما أمر المسيء في صلاته بإعادة صلاته حين لم يصلها بطمأنينة، ولم يتم ركوعها، ولا سجودها، ولو أمره بقضائها لنقل إلينا قطعاً لأنه من الشريعة، وقد تكفل الله بحفظها فلا يمكن أن يترك
__________
(1) تقدم تخريجه ص120.
(2) تقدم تخريجه ص120.
(3) رواه البخاري وتقدم تخريجه في ص7.

(13/126)


منها ثابت بدون نقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يكن.
وهذه قاعدة هامة ينبغي مراعاتها.
2- أن سعي أبي بكرة وركوعه قبل أن يصل إلى الصف دليل على أنه ليدرك الركعة بذلك، وقد صرح للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك في رواية الطبراني، وهو معلوم، وإن لم يصرح به إذ لا يمكن للعاقل أن يفعل مثل ذلك إلا لفائدة يحصل عليها وهي إدراك الركعة هنا، ولو لم يكن بينه وبين من فاته الركوع فرق في عدم الإدراك، لما كان يحسن أن يسعى ويركع قبل أن يصل إلى الصف.
3- أنه لما كان يفهم من فعل أبي بكرة قصد إدراك الركعة ولم يبين له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يدركها مع قيام هذا المقتضى القوي للبيان كان دليلاً واضحاً على إقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكرة لما قصده، وأنه قد أدرك الركعة، وهذا أقوى دلالة من الإقرار المجرد الذي لم يسبق بما يقتضي وجوب الإنكار، لو كان العمل مما يجب إنكاره.
هذا من حيث الدليل الأثري على إدراك الركعة إذا أدرك المأموم إمامه راكعاً، وأنه تسقط عنه الفاتحة في هذه الركعة حينئذ.
أما من حيث الدليل النظري فنقول: الفاتحة قرآن واجب حال القيام، وقد سقط القيام عنه حينئذ لوجوب متابعة الإمام، فسقط ما كان واجباً فيه؛ لسقوط محله، كما يسقط التشهد الأول عن المأموم إذا أدرك إمامه في الركعة الثانية من الرباعية، ويزيده في الركعة الأولى مع أنه لو تعمد ذلك في حال غير متابعة الإمام لبطلت صلاته. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 29/4/1398هـ.

(13/127)


471 وسئل فضيلة الشيخ: في حالة الصلاة الجهرية كالفجر مثلاً هل يلزم المأموم قراءة الفاتحة مع العلم بأن بعض الأئمة بعد انتهائه من قراءة الفاتحة يقرأ سورة أخرى بسرعة لا تتيح للمأموم قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء – رحمهم الله – في وجوب قراءة الفاتحة، وذلك أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة:
فمنهم من قال: لا قراءة على المأموم مطلقاً لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية، لا الفاتحة ولا غيرها.
ومنهم من قال: بل يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية، ولا تسقط الفاتحة إلا في حق المسبوق الذي أدرك الإمام وهو راكع، وهذا القول أقرب إلى ظواهر النصوص، أعني أن الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، وأنها واجبة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية إلا المسبوق إذا دخل مع الإمام وهو راكع أو قبل ركوعه في حال لا يتمكن فيها من قراءة الفاتحة، ففي هذه الحالة تسقط عنه.
وعلى هذا فإذا كنت خلف إمام يشرع في قراءة السورة بعد الفاتحة مباشرة، فاقرأ الفاتحة ولو كان إمامك يقرأ، وقد يحصل من ذلك مشقة في أنك تقرأ وإمامك يقرأ، ولاسيما إن كان الإمام من الذين يقرأون بواسطة مكبر الصوت، ولكن نقول: تحمل واصبر ومن صبر ظفر.

(13/128)


472 وسئل أيضاً: رجل يصلي الفريضة، قرأ الفاتحة ثم ركع دون أن يقرأ سورة معها ناسياً، فما حكم صلاته؟
فأجاب بقوله: لا شيء عليه، لأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة ليس بواجب، وإنما هو سنة، إذا أتى به الإنسان فهو أفضل، وإن لم يأت به فلا حرج عليه، ولا فرق في ذلك بين الصلاة الجهرية والسرية وبين المأموم والإمام، والمأموم في الصلاة الجهرية إنما يقرأ الفاتحة فقط ثم يستمع لقراءة الإمام.

473 سئل فضيلة الشيخ: متى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة مع قراءة الإمام للفاتحة أو عندما يقرأ في السورة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تكون قراءة الفاتحة للمأموم بعد قراءة الإمام لها؛ لأجل أن ينصت للقراءة المفروضة الركن؛ لأنه لو قرأ الفاتحة والإمام يقرأ الفاتحة لم ينصت للركن، وصار إنصاته لما بعد الفاتحة وهو التطوع، فالأفضل أن ينصت لقراءة الفاتحة؛ لأن الاستماع إلى القراءة التي هي ركن أهم من الاستماع إلى السنة، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أن الإمام إذا قال: (ولا الضالين) وأنت لم تتابع فلن تقول "آمين" وحينئذ تخرج عن الجماعة فالأفضل هو هذا.

474 وسئل حفظه الله: هل تجب قراءة الفاتحة في كل الركعات، أو يكفي لو قرأها في بعض الركعات؟
...

(13/129)


فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن يقرأ الفاتحة في كل الركعات؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم المسيء في صلاتِه صلاتَه وقال له: "افعل ذلك في صلاتك كلها" (1) ، فما وجب في الركعة الأولى فإنه يجب في الركعات التي بعدها.
أما ما كان سنة في الركعة الأولى، كالاستفتاح والتعوذ فإنه لا يشرع في الركعات التي بعدها.

475 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة التراويح؟ وما حكم من تركها؟ هل ينقص ثواب الصلاة أو تبطل؟ وكيف نقرأها مع الإمام وهو يقرأ القرآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة قد تقدم الكلام عليه، وبينا أن الراجح من كلام أهل العلم أنها ركن في كل صلاة سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وأنه إذا كان خلف الإمام الذي يجهر بالقراءة فإنه يقرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ، لحديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (2) . وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما، وعام ليس في استثناء، وفي السنن أيضاً من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أنهم صلوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الفجر وهي صلاة جهرية فلما انصرف قال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم" قالوا:
__________
(1) متفق عليه وتقدم ص125.
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه ص73.

(13/130)


نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (1) .
وأما حديث أبي هريرة الذي في السنن أيضاً، وهو أنه ذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
فالمراد بالقراءة التي انتهى الناس عنها هي قراءة غير الفاتحة لأنه لا يمكن أن ينتهوا عن قراءة سورة قال فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
ولهذا كان الصواب أن قول من أدعى أنه منسوخ، أي أن القراءة خلف الإمام الذي يجهر منسوخة. قوله هذا ليس بصواب لأنه لا يمكن ادعاء النسخ مع إمكان الجمع، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الجمع بطريق التخصيص فإنه لا يصار إلى النسخ.

476 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح الصلاة بدون قراءة الفاتحة؟ وهل يجوز للمأموم ترك قراءة سورة الفاتحة خلف الإمام؟ وهل يجوز للمنفرد والإمام ترك قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الفريضة؟ وهل يجوز ترك الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا السؤال أن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة وذلك لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم
__________
(1) تقدم تخريجه ص120.
(2) رواه أبو داود والنسائي وتقدم في ص120.

(13/131)


يقرأ بفاتحة الكتاب". متفق عليه (1) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن، أو قال بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (2) ، وخداج معناه الشيء الفاسد الذي لا نفع فيه، وهذا البيان من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيان للمجمل في قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). وعلى هذا فمن لم يقرأ بها فإنه لا صلاة له، وعليه إعادة الصلاة، فإن لم يفعل فإن ذمته لا تبرأ بذلك، وظاهر الأدلة وعمومها يدل على أنها ركن في حق الإمام والمأموم والمنفرد، وذلك لعدم التفصيل في هذا، ولو كان أحدهم يختلف عن الآخر لبينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما ما يذكر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قوله فيما ينسب إليه: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (3) .
فإن هذا لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم إن ظاهر الأدلة أنها تجب على المأموم حتى في الصلاة الجهرية وذلك لعدم التفصيل، ولأن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم صلاة الصبح، فلما انصرف سألهم من الذي يقرأ خلفه أو قال: "هل تقرأون خلف إمامكم؟" قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (4) . فاستثنى النبي عليه
__________
(1) تقدم تخريجه في ص73.
(2) تقدم تخريجه في ص120.
(3) تقدم تخريجه في ص122.
(4) تقدم تخريجه في ص120.

(13/132)


الصلاة والسلام أم القرآن من النهي، مع أن الصلاة صلاة الفجر وهي صلاة جهرية، فدل هذا على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم حتى في الصلاة الجهرية، وفي هذه الحال يقرأ، ولو كان إمامه يقرأ فيكون هذا مخصصاً لعموم قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وأما قول السائل: هل يجوز ترك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فجوابه: أن صلاة الجنازة صلاة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فتدخل في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) ، فإذا صلى أحد على الجنازة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب فإن الصلاة لا تصح، ولا تبرأ بها الذمة، ولا تقوم بما يجب قيامه جهة أخينا الميت من حق، وقد ثبت في صحيح البخاري أن ابن عباس – رضي الله عنهما – قرأ سورة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "لتعلموا أنها سنة أو ليعلموا أنها سنة" (2) ، ومراده بالسنة هنا الطريقة، وليست السنة الاصطلاحية عند الفقهاء، وهي التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؛ لأن السنة في عرف المتقدمين تطلق على طريقة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سواء كانت واجبة أم مستحبة، كما في حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه قال (أي أنس): "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً" (3) والمراد بالسنة هنا السنة الواجبة.
...
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص73.
(2) رواه البخاري في الجنائز باب 65: قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة (1335).
(3) رواه البخاري في النكاح باب 102 – إذا تزوج الثيب على البكر (5214) ورواه مسلم في الرضاع باب قدر ما تستحقه البكر.. ح44 و45 (1461).

(13/133)


وعلى هذا فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل في نفسه، وأن يرجع فيما يتعبد به لله، أو يعامل به عباد الله إلى كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففيهما الكفاية، وفيهما الهدى والنور والشفاء.

477 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من ترك الفاتحة سهواً في بعض ركعات الصلاة؟ وما الحكم إذا أدرك الإمام راكعاً؟ وإذا تركها المصلي عمداً فما الحكم؟ وما الحكم في رجل صلى مع جماعة صلاة رباعية من أول الصلاة فلما سلم الإمام قام هذا الرجل وأتى بركعة خامسة فلما سأله الإمام قال: إنني في الركعة الثالثة لم أتمكن من قراءة الفاتحة فأتيت بهذه الركعة بدلاً عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب المسألة الأولى: إذا ترك المأموم الفاتحة سهواً في بعض ركعات الصلاة، فإن قلنا، إنها سنة في حق المأموم كما هو المذهب فلا يعيد الركعة التي ترك منها الفاتحة، وإن قلنا، إنها ركن وهو الراجح وجبت إعادتها كما لو كان منفرداً أو إماماً.
وأما إذا أدرك الإمام راكعاً فإن قراءة الفاتحة تسقط عنه حينئذ؛ لأن محل قراءة الفاتحة القيام، وقد سقط عنه هنا من أجل متابعة الإمام فسقطت عنه الفاتحة لفوات محلها.
أما إذا تركها عمداً وهو إمام أو منفرد أو مأموم وقلنا بأنها ركن في حقه، فإنها تبطل الصلاة كلها لا الركعة فقط.
جواب المسألة الثانية: هذا صحيح، وخير من ذلك أنه لما

(13/134)


قام وركع الإمام قبل أن يكمل قراءة الفاتحة أن يكمل الفاتحة ويتابع الإمام ولو رفع الإمام من الركوع.

478 وسئل فضيلة الشيخ: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم في صلاة القيام والتهجد؟ وهل تعتبر قراءة الإمام قراءة له؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح من أقوال أهل العلم أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، فإذا قال قائل: ما الدليل على قولك هذا؟
فالجواب: حديث عبادة بن الصامت: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) ، والنفي هنا للصحة.
وهناك قاعدة أصولية تقول: (إذا ورد النفي فالأصل أنه نفي للشيء بعينه، فإن لم يمكن ذلك فهو نفي للصحة، فإن لم يمكن ذلك فهي نفي للكمال)، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، لكن التطبيق يختلف بناء على تحقيق المناط في هذه المسألة. ...
وحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ليس فيه استثناء.
فإن قلت: هذا العموم معارض في القرآن بقوله: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فمادام أنني أقرأ فأنصت.
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص73.

(13/135)


فانصرف، فقال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟" فقالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (1) .
وصلاة الفجر جهرية، إذن فهذا الحديث يرجع عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، ويكون مخصصاً لقول الله عز وجل: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) فيكون (وَإِذَا قُرِئَ) في غير الفاتحة، فالفاتحة لابد من قراءتها.
وبناء على هذا نقول: إن من صلى خلف الإمام في التراويح أو القيام، وجب عليه أن يقرأ الفاتحة ولو كان إمامه يقرأ.
وأما قول السائل: هل يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة؟
فجوابه: الصحيح أنه في الثلاثية والرباعية يقرأ في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة، وما بعد التشهد الأول يقتصر فيه على الفاتحة، ولا بأس في صلاة الظهر والعصر أن يزيد على الفاتحة أحياناً لا دائماً، فلو زاد على الفاتحة في الظهر والعصر في الثالثة والرابعة فإنه لا بأس به، والأفضل أن يكون الأكثر أن لا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة في الركعة التي بعد التشهد الأول. والله الموفق.
__________
(1) رواه أبو داود والترمذي وتقدم في ص120.

(13/136)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أشكركم على نشر العلم بين زملائكم، وأسأل الله تعالى أن يثيبكم على ذلك.
وأما ما ذكرتم من جهة قراءة الفاتحة فأفيدكم بأن العلماء مختلفون في وجوب قراءتها على المأموم.
فمن العلماء من قال لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقاً، لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية.
ومن العلماء من قال تجب قراءتها على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية.
ومن العلماء من قال تجب قراءتها على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، وهذا هو القول الراجح لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". متفق عليه (1) ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرأون وراء إمامكم"، قالوا: أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". رواه أبو داود
__________
(1) تقدم في ص73.

(13/137)


والنسائي بمعناه (1) ، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وهذا نص في أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة الفاتحة حتى في حق المأموم في الصلاة الجهرية، ولكنها تسقط عن المسبوق حين يدخل والإمام في الركوع، لحديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد". رواه البخاري (2) ، ولم يأمره أن يقضي الركعة التي أدرك ركوعها ولم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فدل ذلك على أن الفاتحة تسقط عمن أدرك الإمام راكعاً، لأنه لم يدرك القيام الذي هو محل القراءة لكنها لا تسقط عنه في بقية الركعات.
كتب ذلك محمد الصالح العثيمين ليلة 17/7/1415هـ.

__________
(1) تقدم تخريجه ص120.
(2) تقدم تخريجه في ص7.

(13/138)


479 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم التأمين خلف الإمام؟
فأجاب بقوله: إذا كان المراد التأمين على قراءة الفاتحة فالتأمين على قراءة الفاتحة ثبت به النص، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أمن الإمام فأمنوا"، وفي لفظ "إذا قرأ (ولا الضالين) فقولوا آمين" (1) ، والسنة فيه الجهر بالتأمين على الفاتحة، ومعنى "آمين" اللهم استجب، والله عز وجل قال في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي، وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخره قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (2) . إذن يكون قول الإمام (اهدنا الصراط المستقيم) دعاء والمأموم مستمع فالمشروع في حقه أن يؤمن.
أما التأمين على دعاء القنوت فإنه أيضاً بالقياس على التأمين على قراءة الفاتحة يكون مشروعاً؛ لأن القانت يدعو لنفسه ولغيره، ولهذا جاء في الحديث "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم..." (3) . ...
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص116.
(2) رواه مسلم تقدم تخريجه في ص108.
(3) رواه أبو داود في الطهارة/ باب أيصلي الرجل وهو حاقن (90)، والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء (357) وابن ماجة في إقامة الصلاة (853)، والإمام أحمد 5/280.

(13/139)


والمراد بالدعاء الدعاء الذي يؤمن عليه المأموم، فإن الإمام لا يخص به نفسه، أما الدعاء الذي لا يؤمن عليه المأموم فله أن يخص نفسه به، فيقول اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.

480 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجهر بالتأمين؟ وهل ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التأمين سراً في الصلاة الجهرية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية سنة؛ لأنه تبع للقراءة، وقد وردت في ذلك أحاديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنه كان يجهر بهذا حتى إن المسجد يرتج من أصوات المأمومين بالجهر" (1) ؛ ولأن المأموم يؤمن على قراءة إمامه التي يجهر بها، فالدعاء مجهور به فناسب أن يكون التأمين مجهوراً به أيضاً، هذا من الناحية النظرية، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن تكون هذه المسألة مثاراً للجدل، والحقد بين المسلمين، فإن ذلك ليس من طريق السلف الصالح، فالسلف الصالح يختلفون في أمور كهذه، ولا يضلل بعضهم بعضاً من أجل هذا، فإذا أمن الإنسان ورفع صوته بالتأمين في الصلاة الجهرية كان ذلك خيراً وأفضل.
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة/ باب التأمين وراء الإمام (934)، والبيهقي 2/9، والحاكم 1/23، وعند ابن ماجة بلفظ: "فيرتج المسجد" (853).

(13/140)


481 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم من يسخر بالذي يرفع يديه في صلاته، ويؤمن بجهر، ويقرأ سورة الفاتحة خلف الإمام، ويصلي التراويح إحدى عشرة ركعة، وأن طلاق الثلاث واحدة، ويعامله معاملة عداوة، ولا يصلي خلفه، ويلقبه بأنه وهابي وأنه خارج عن أهل السنة والجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يسخر بمن يقوم بهذه الأعمال المشروعة لا يخلو من حالين:
إما أن يسخر به لكونه طبق الأمر المشروع، ولهذا على خطر عظيم؛ لأنه إذا سخر به من أجل اتباع المشروع كان ساخراً بالمشروع نفسه، والسخرية بشرع الله كفر – والعياذ بالله – كما قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ).
وأما إن كان يسخر به لسوء فهم عنده، ولعدم معرفة بالشرع عنده، فإنه لا يكفر، لكنه يكون قد أتى معصية حيث احتقر أخاه المسلم، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (1) .
فتبين أن السخرية بمن يقوم بشرائع الله تنقسم إلى هذين القسمين:
إن سخر به من أجل تطبيق ما يراه شرعاً فهو كافر؛ لأن
__________
(1) رواه مسلم في البر باب 10 – تحريم ظلم المسلم 4/1986 ح 32 – (2564) وفي أوله: لا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً إلخ.

(13/141)


سخريته به سخرية بالشرع.
وإن سخر به معتقداً أنه ناقص الفهم، قليل العلم، حيث خالف رأي أئمة عنده، فهذا لا يكفر، لكنه يكون فاعلاً لمعصية عظيمة، عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أن يكون مثل هذا الخلاف سبباً للعداوة والبغضاء بين المسلمين، فإن هذه الأمور من الأمور الاجتهادية التي إذا بذل الإنسان فيها الجهد بقصد الوصول للحق من كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أخطأ فيها فإن له أجراً واحداً، وإن أصاب فإن له أجرين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا اجتهد الحاكم فحكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران" (1) .
وأما تلقيب من فعل هذه السنن وهذه الأمور المشروعة بأنه مبتدع، وأنه وهابي، وأنه خارج عن السنة والجماعة، فإن هذا منكر وذلك لأن الذي يفعل الأمور المشروعة التي ثبتت بها السنة أقرب إلى الحق ممن يعتمد على تقليد فلان وفلان ممن هم عرضة للخطأ، ومن العجب أن هؤلاء المقلدين يضللون من خالفهم في تقليدهم وهم يتناقضون، فإننا إذا أبحنا لمن يقلد واحداً من الأئمة الأربعة أن يقدح بمن يقلد الإمام الثاني، فإننا نبيح لمن يقلد الإمام أن يقدح بمن يقلدون الإمام الأول، وهكذا يعرف المسلمون كلهم لا يعرفون إلا بقدح بعضهم لبعض، ومثل هذا لا تأتي به الشريعة أبداً، وليس أبو حنيفة بأولى بالصواب من مالك، ولا مالك بأولى بالصواب من
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الاعتصام باب 21 – أجر الحاكم إذا اجتهد. ح(7352)، ورواه مسلم في القضاء (الأقضية) باب 6 – بيان أجر الحاكم 3/1342 ح15 (1716).

(13/142)


أبي حنيفة، ولا هذان بأولى بالصواب من الإمام أحمد، ولا الإمام أحمد بأولى بالصواب منهما ولا هؤلاء بأولى بالصواب من الشافعي، ولا الشافعي أولى بالصواب منهم، بل كلهم مجتهدون، والمصيب منهم من وافق الشريعة.
وأما قول السائل: بأن من فعل هذا كان وهابياً، فإني أبلغ السامعين جميعاً بأن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً أو مذهباً خارجاً عن المذاهب الإسلامية، بل إنها حركة لتجديد ما اندثر من الحق، وخفي على كثير من الناس، فهم في عقيدتهم متبعون للسلف، وفي مذهبهم في الفروع مقلدون للإمام أحمد – رحمه الله – ولا يعني ذلك أنه إذا تبين الصواب لا يدعون من قلدوه، بل هم إذا تبين لهم الصواب، ذهبوا إليه وإن كان مخالفاً لمن قلدوه؛ لأنهم يؤمنون بأن المقلد عرضة للخطأ، ولكن النصوص الشرعية ليس فيها خطأ.
وبهذا تبين أن هذه الدعوى التي يقصد بها التشويه لا حقيقة لها، وأن الوهابية ما هي إلا حركة لتجديد ما اندثر من علم السلف في شريعة الله سبحانه وتعالى، وهي لا تخلو أن تكون دعوة سلفية محضة كما يعرف ذلك من تتبعها بعلم وإنصاف.
حرر في 20/4/1407هـ.
482 وسئل فضيلة الشيخ: إذا انتهى الإنسان من الفاتحة في الصلاة السرية هل يؤمن أم لا؟ وهل يجهر بالتأمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتهى من الفاتحة يقول: آمين في

(13/143)


الصلاة السرية والجهرية، لكن لا يجهر بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية.

483 وسئل فضيلة الشيخ: كيف يمكننا الخشوع في الصلاة، وعند قراءة القرآن في الصلاة وخارجها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الخشوع هو لب الصلاة ومخها، ومعناه حضور القلب، وألا يتجول قلب المصلي يميناً وشمالاً، وإذا أحس الإنسان بشيء يصرفه عن الخشوع فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم كما أمر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ، ولا شك أن الشيطان حريص على إفساد جميع العبادات لاسيما الصلاة التي هي أفضل العبادات بعد الشهادتين، فيأتي المصلي ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا (2) ، ويجعله يسترسل في الهواجس التي ليس منها فائدة والتي تزول عن رأسه بمجرد انتهائه من الصلاة.
فعلى الإنسان أن يحرص غاية الحرص على الإقبال على الله – عز وجل – وإذا أحسن بشيء من هذه الهواجس والوساوس فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم سواء كان راكعاً، أو في التشهد، أو القعود، أو في غير ذلك من صلاته.
ومن أفضل الأسباب التي تعينه على الخشوع في صلاته أن يستحضر أنه واقف بين يدي الله وأنه يناجي ربه عز وجل.
__________
(1) سبق تخريجه في ص110 من حديث عثمان بن أبي العاص.
(2) تقدم في ص103.

(13/144)


484 وسئل فضيلته الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: إني أصلي صلاة الظهر والعصر بصوت عالٍ حتى لا أخرج من جو الصلاة فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا غلط؛ لأن السنة في صلاة الظهر والعصر الإسرار، وكون الإنسان لا يخشع إلا بمخالفة السنة غلط. بل يمرن نفسه على موافقة السنة، ويحاول أن يخشع بقدر ما يستطيع.
485 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: عندما يصلي الإنسان لوحده في صلاة جهرية، هل يجهر بالقراءة؟ أو هو مخير؟ وما حكم إقامة بعض الشباب صلاة التهجد جماعة في كل ليلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن الإنسان إذا صلى وحده في صلاة الليل فهو مخير بين أن يجهر بالقراءة، أو يسر بها، ولكن إذا كان معه أحد يصلي فلابد من الجهر، ودليل ذلك حديث حذيفة بن اليمان أنه صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة، فقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرع في سورة البقرة، وكان لا تمر به آية رحمة إلا سأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ، قال حذيفة: فظننت أنه يركع عند المائة آية فمضى حتى أتمها، ثم قرأ بعدها سورة النساء، وآل عمران ثم ركع (1) .
__________
(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب 27 – استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل 1/536 ح203 (772).

(13/145)


وهذا يدل على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجهر بذلك، ولولا هذا ما علم حذيفة بما كان يقف له عند آية الرحمة، وآية العذاب، وآية تسبيح، وأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا مر بآية تسبيح سبح.
وهنا إشكالان في هذا الحديث:
الأول: هل تشرع صلاة التهجد جماعة أم لا؟
الجواب على هذا الإشكال أن يقال: لا تشرع صلاة التهجد على وجه الاستمرار، أما أحياناً فلا بأس، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى معه حذيفة بن اليمان كما في هذا الحديث، ومرة أخرى صلى معه العباس – رضي الله عنهما – ومرة ثالثة صلى معه عبد الله بن مسعود، ولكنه عليه الصلاة والسلام لا يتخذ هذا دائماً، ولا يشرع ذلك إلا في أيام رمضان، فإذا كان أحياناً يصلي جماعة في التهجد فلا بأس، وهو من السنة.
وأما ما يفعله بعض الأخوة من الشباب الساكنين في مكان واحد من إقامة التهجد جماعة في كل ليلة هذا خلاف السنة.
الإشكال الثاني: في حديث حذيفة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ سورة النساء بعد سورة البقرة، ثم آل عمران، والذي بين أيدينا أن سورة آل عمران بعد البقرة، والنساء بعد آل عمران، فكيف يكون الأمر؟
الجواب: أن يقال استقر الأمر على أن تكون سورة آل عمران بعد البقرة، ولهذا تأتي الأحاديث في فضائل القرآن بجمع سورة البقرة وسورة آل عمران، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان، أو غمامتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما يوم

(13/146)


القيامة" (1) . فكان الأمر على الترتيب الموجود الآن.

486 وسئل فضيلة الشيخ: ما هي السكتات التي يسكتها الإمام في القراءة الجهرية؟ وكذلك ما حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله: للاستفتاح، وهذه ثابتة في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" (2) .
والسكتة الثانية: بعد قراءة الفاتحة أخرجها أبو داود وغيره (3) من أهل السنن، وقال الحافظ في الفتح إنها ثابتة، ولكنها سكتة
__________
(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب 42 - فضل قراءة القرآن وسورة البقرة 1/553 ح252 - (804).
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة رواه البخاري في الأذان باب 89 - ما يقول بعد التكبير (744)، ومسلم في المساجد باب 27 - ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة 1/419 ح147- (598).
(3) من حديث سمرة بن جندب، رواه أبو داود في الصلاة باب السكتة عند الافتتاح (777 – 780). ورواه الترمذي وحسنه في الصلاة باب: ما جاء في السكتتين ح(251) وصححه الشيخ أحمد شاكر.

(13/147)


ليست كما قاله بعض الفقهاء، إنها طويلة بحيث يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة بل هي سكتة يسيرة يتأمل الإمام فيها ما سيقرأ بعد الفاتحة، وينتظر شروع المأموم في قراءتها.
والسكتة الثالثة: وهي سكتة لا تكاد تذكر بعد القراءة التي بعد سورة الفاتحة قبل الركوع، لكنها سكتة يسيرة جداً ولهذا حذفت من بعض الأحاديث.
وأما قراءة المأموم خلف إمامه: فإن كان في صلاة سرية فإنه يقرأ الفاتحة وما تيسر حتى يركع الإمام، وإن كان في صلاة جهرية فإنه لابد من قراءة الفاتحة، ثم ينصت لقراءة إمامه لحديث عبادة بن الصامت أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف من صلاة الصبح فقال لهم: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم"، قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (1) ، وهذا القول هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الذي يدل عليه حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرته آنفاً، إلا أن الفاتحة تسقط إذا جاء المأموم ودخل مع الإمام في حال لم يتمكن فيها من قراءة الفاتحة، كما لو أدرك الإمام راكعاً، أو أدركه قريباً من الركوع بحيث لم يتمكن من قراءة الفاتحة، فإنه في هذه الحال تسقط عنه لحديث أبي بكرة رضي الله عنه حين دخل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الركوع واعتد بتلك الركعة ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقضائها حين قال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (2) .
__________
(1) رواه أبو داود والترمذي وسبق تخريجه في ص120.
(2) رواه البخاري وتقدم ص7.

(13/148)


487 وسئل فضيلة الشيخ: يرى شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية، ويميل إلى تضعيف حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – "لعلكم تقرأون خلف إمامكم" فما تعليقكم على ذلك؟
فأجاب فضيلته: شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – كما قال السائل يرى أنها لا تجب على المأموم في الجهرية، ولا ريب أن شيخ الإسلام – رحمه الله – له ثقله ولكلامه وزنه، ولكن فيما أرى أن الصواب مع الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة، والحديث وإن ضعفه شيخ الإسلام فقد صححه غيره، ويؤيده عموم الحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب" وهو في الصحيحين (1) .

488 وسئل فضيلة الشيخ: هناك بعض الأئمة يسكت سكتتين: سكتة قبل قراءة الفاتحة وسكتة بعد القراءة كلها فما هو تعليقكم على هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: تعليقي على هذا يفهم من جوابي الأول في موضع السكتات والذي ذكرته هو الأقرب، وفي بعض ألفاظ حديث سمرة بن جندب فإذا قال (ولا الضالين) (2) .
__________
(1) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت تقدم في ص73.
(2) حديث سمرة بن جندب رواه أبو داود وتقدم في ص147.

(13/149)


489 وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسكت بين الفاتحة والسورة بعدها؟
فأجاب فضيلته بقوله: السكتة بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على حسب ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن الإمام يسكت سكوتاً يتمكن به المأموم من قراءة الفاتحة، وإنما هو سكوت يسير يرتد به النفس من جهة، ويفتح الباب للمأموم من جهة أخرى، حتى يشرع في القراءة ويكمل ولو كان الإمام يقرأ، فهي سكتة يسيرة ليست طويلة.

490 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم السكتة التي يفعلها بعض الأئمة بعد قراءة الفاتحة؟ وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟
فأجاب فضيلته بقوله: السكتة التي يسكتها الإمام بعد الفاتحة سكتة يسيرة، للتمييز بين قراءة الفاتحة التي هي ركن، وبين القراءة التي بعدها وهي نفل، ويشرع فيها المأموم في قراءة الفاتحة.
ويجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) . ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف ذات يوم من صلاة الصبح فقال: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟" قالوا: نعم. قال: "لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه ص73.

(13/150)


بها" (1) . وهذا نص في أن قراءة الفاتحة واجبة حتى في الصلاة الجهرية. والنفي هنا نفي للصحة ويدل على ذلك قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أبي هريرة: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي خداج" (2) . يعني فاسدة، فالنفي هنا نفي للصحة. و"من" في حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ.." اسم موصول، والاسم الموصول للعموم، في "لمن لم يقرأ" عام، يشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد، فإذا كانت الصلاة سرية فواضح أن المأموم سيقرأ، أما إذا كانت جهرية فهل يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ؟ الجواب: نعم، ولكن لا يقرأ غيرها.

491 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: إذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فلا شيء عليه؛ لأن السورة التي بعد الفاتحة لا تجب قراءتها، فغاية أمره أن يكون قد ترك سنة، وترك السنة لا شيء فيه، ولا سجود عليه للسهو.

492 سئل فضيلة الشيخ: هل يسن تطويل صلاة الفجر وخاصة القراءة؟
...
__________
(1) تقدم تخريجه في ص120.
(2) رواه مسلم وغيره وتقدم في ص120.

(13/151)


فأجاب فضيلته بقوله: نعم. السنة في صلاة الفجر أن تطول القراءة فيها وأن تكون من طوال المفصل وهي من (ق) إلى (عم) فيطيلها أي قراءتها، ويطيل كذلك الركوع والسجود أكثر من غيرها.
493 سئل فضيلة الشيخ: كثير من الأئمة يداومون على قراءة بعض السور التي فيها سجدة وخاصة يوم الجمعة، هل ورد في ذلك شيء أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما قراءة السور التي فيها السجدة فلا بأس بها لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ).
أما قراءة السجدة في يوم الجمعة فالمشروع أن يقرأ الإنسان (آلم* تَنْزِيل) السجدة في الركعة الأولى، و(هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَان) في الركعة الثانية، وليس المقصود بقراءة (آلم السجدة) السجدة التي فيه بل المقصود نفس السورة، فإن تيسر له أن يقرأ هذه السورة في الركعة الأولى، (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَان) في الثانية فهذا هو المطلوب والمشروع، وإلا فلا يتقصد أن يقرأ سورة فيها سجدة عوضاً عن آلم تنزيل السجدة.

494 وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل فاتته ركعة من صلاة الفجر، هل يكمل جهراً أو سراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو مخير، ولكن الأفضل أن يتمها

(13/152)


سراً، لأنه قد يكون هناك أحد يقضي فيشوش عليه لو جهر.

495 سئل فضيلة الشيخ: عن شخص له جدة حريصة على أداء الصلاة في وقتها، ولكن لتقدم سنها لا تقرأ قراءة صحيحة، فجميع الآيات تحرفها وذلك ليس من هواها، وأحياناً تقدم آية على آية، أو تحذف بعض الحروف، فكلما أراد أن يعلمها تأبى وتقول أنا أعرف، فتركها لعجزه عن إقناعها، فهل يأثم بذلك؟ وهل تأثم هي أيضاً؟ علماً بأنها ليس في سن الخرف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليه أن يعلم هذه المرأة باللطف واللين، وأنا أخشى أن قولها: أنا أعرف، وأنا أعلم أنها تقول ذلك؛ لأنه يؤذيها بالتوجيه والتعليم، فالواجب أن يعلمها باللطف، فيقول أذن الظهر مثلاً، ثم يقول صل الظهر، وإذا كانت تسنى كم صلت فليكن حولها حتى يعلمها أن هذه هي الركعة الأولى، وكذلك في الثانية والثالثة وهكذا.
ويتقي الله تعالى ما استطاع، وما عجز عنه فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
496 وسئل فضيلة الشيخ: إذا فاتت الركعة الأولى أو الثانية مع الجماعة فهل يقرأ القاضي لصلاته سورة مع الفاتحة باعتبارها قضاء لما فاته أو يقتصر على قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن ما يقضيه المأموم من

(13/153)


الصلاة بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، وعلى هذا فلا يقرأ فيه إلا الفاتحة إذا كان الفائت ركعتين، أو ركعة في الرباعية أو ركعة في المغرب، أما الفجر فيقرأ الفاتحة وسورة؛ لأن كلتا الركعتين تقرأ فيهما الفاتحة وسورة.

497 وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإمام يصل القراءة بعد الفاتحة، فهل لي أن استمع إلى القراءة أو أقرأ الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإمام يصل القراءة بالفاتحة فاقرأ الفاتحة ولو كان يقرأ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) . وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (2) . وخداج يعني فاسدة، فقيل لأبي هريرة: "إذا كان الإمام يقرأ فكيف اقرأ"؟ قال: "اقرأ بها في نفسك".
فالإنسان إذا كان لم يقرأ، يقرأ في نفسه سراً، وفي السنن من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه صلاة الصبح فلما انصرف، قال: "مالي أنازع القرآن، لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟" قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (3) .
__________
(1) متفق عليه، وقد تقدم في ص73.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص120.
(3) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وتقدم تخريجه في ص120.

(13/154)


وعلى هذا فنقول: اقرأ القرآن ولو كان إمامك يقرأ، وإذا كانت السورة التي يقرأها الإمام قصيرة ولا تتمكن من قراءة الفاتحة فلا حرج أن تقرأها، ولو كان الإمام يقرأ الفاتحة.
498 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: ما حكم صلاة ركعتي سنة الفجر بالفاتحة في الركعتين بدون قراءة سورة أخرى مع الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج أن تقتصر على الفاتحة في ركعتي الفجر، لكن الأفضل أن تقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وفي الركعة الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، أو في الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) الآية في سورة البقرة، و(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)، الآية في سورة آل عمران، فأحياناً بسورتي الإخلاص، وأحياناً بآية البقرة، وآية آل عمران.

499 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عن رجل يصلي الفريضة قرا الفاتحة ثم ركع دون أن يقرأ سورة معها ناسياً فما حكم صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليه؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة ليس بواجب، وإنما هو سنة إذا أتى به الإنسان فهو أفضل، وإن لم يأت به فلا حرج عليه، ولا فرق في ذلك بين

(13/155)


الصلاة الجهرية والسرية، وبين المأموم والإمام، والمأموم في الصلاة الجهرية لا يقرأ إلا الفاتحة فقط ثم يستمع لقراءة الإمام.

500 وسئل فضيلة الشيخ: هل يجب تحريك اللسان بالقرآن في الصلاة أو يكفي بالقلب؟ وهل يجوز تكرار سورة واحدة بعد الفاتحة؟ وهل تجوز القراءة من أواسط السور في الركعة الأولى وفي الثانية بسورة قصيرة أو العكس؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة لابد أن تكون باللسان فإذا قرأ الإنسان بقلبه في الصلاة فإن ذلك لا يجزئه، وكذلك أيضاً سائر الأذكار، لا تجزئ بالقلب، بل لابد أن يحرك الإنسان بها لسانه وشفتيه؛ لأنها أقوال، ولا تتحقق إلا بتحريك اللسان والشفتين.
ويجوز للإنسان أن يقرأ بعد الفاتحة سورتين، أو ثلاثاً، وله أن يقتصر على سورة واحدة، أو يقسم السورة إلى نصفين وكل ذلك جائز لعموم قوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل، الآية: 20) ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (1) .
والأولى أن يقرا الإنسان في صلاته ما ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن المحافظة على ما كان يقرؤه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل، وأما مسألة الجواز فالأمر في هذا واسع والله الموفق.
ويجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الأولى من أواسط السور، وفي الركعة الثانية سورة قصيرة.
وأما أن يقرأ في الركعة الأولى سورة قصيرة وفي الركعة الثانية سورة أطول فهذا خلاف الأفضل؛ لأن هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تكون القراءة في الركعة الأولى أطول منها في الركعة الثانية، إلا أن أهل العلم استثنوا ما إذا كان الفرق يسيراً، كما في سورة سبح والغاشية فإنه لا بأس به، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ بسبح والغاشية في الجمعة والعيدين.
*
__________
(1) تقدم تخريجه ص125.

(13/156)


صفة الركوع .

* صفة السجود .

* تقديم الركبتين على اليدين عند السجود .

* صفة الجلوس بين السجدتين .

(13/157)


501 وسئل فضيلة الشيخ: جزاه الله تعالى خيراً -: عن حكم من ترك الركوع والطمأنينة عمداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الركوع ركن لابد منه، فمن لم يركع فإن صلاته باطلة، والطمأنينة في الأركان ركن لابد منه، فمن لم يطمئن لم يطمئن فيها، ثم جاء فسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع الرجل فصلى كما صلى أولاً، ثم رجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع الرجل فصلى كصلاته الأولى، ثم أتى فسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"؛ وذلك لأنه كان لا يطمئن في صلاته.
فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن رافعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (1) . فمن ترك الركوع، أو السجود، أو لم يطمئن في ذلك فلا صلاة له.
__________
(1) حديث المسيء في صلاته: رواه البخاري في الأذان باب - وجوب القراءة للإمام والمأموم ح(757، 793)، ومسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة 1/298 ح45 (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(13/159)


502 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: قرأت في أحد الكتب عن كيفية صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع بدعة ضلالة، فما الصواب جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله:
أولاً: أنا أتحرج من أن يكون مخالف السنة على وجه يسوغ فيه الاجتهاد مبتدعاً، فالذين يضعون أيديهم على صدورهم بعد الرفع من الركوع إنما يبنون قولهم هذا على دليل من السنة، فكوننا نقول: إن هذا مبتدع؛ لأنه خالف اجتهادنا، هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي للإنسان أن يطلق كلمة بدعة في مثل هذا؛ لأنه يؤدي إلى تبديع الناس بعضهم بعضاً في المسائل الاجتهادية التي يكون الحق فيها محتملاً في هذا القول أو ذاك، فيحصل به من الفرقة والتنافر ما لا يعلمه إلا الله.
فأقول: إن وصف من يضع يده بعد الركوع على صدره بأنه مبتدع، وأن عمله بدعة هذا ثقيل على الإنسان، ولا ينبغي أن يصف به إخوانه.
والصواب: أن وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع هو السنة، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (1) .
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 87 – وضع اليمنى على اليسرى ح(740).

(13/160)


ووجه الدلالة من الحديث: الاستقراء والتتبع؛ لأننا نقول: أي توضع اليد حال السجود؟.
فالجواب: على الأرض.
ونقول أين توضع حال الركوع؟
والجواب: على الركبتين.
ونقول أين توضع اليد حال الجلوس؟
والجواب: على الفخذين، فيبقى حال القيام قبل الركوع أو بعد الركوع داخلاً في قوله رضي الله عنه: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" فيكون الحديث دالاً على أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى في القيام قبل الركوع وبعد الركوع، وهذا هو الحق الذي تدل عليه سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فصار الجواب على هذا السؤال مكوناً من فقرتين:
الفقرة الأولى: أنه لا ينبغي لنا أن نتساهل في إطلاق بدعة على عمل فيه مجال للاجتهاد.
الفقرة الثانية: أن الصواب أن وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع سنة وليس ببدعة، بدليل الحديث الذي ذكرناه وهو حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه -.

503 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: المروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن طول ركوعه مثل أو مقارب لطول قيامه، وطول رفعه مقارب لركوعه، وطول سجوده مقارب لطول ركوعه، بمعنى أن طول

(13/161)


الركوع أقصر قليلاً من القيام، والرفع من الركوع أقصر قليلاً من الركوع، والسجود أقصر قليلاً من الركوع فهل هذا صحيح؟
وإذا كانت السنة كذلك، فهل إذا قرأت بعد الفاتحة سورة الحجرات وسورة ق وسورة الملك وسورة القلم مثلاً، هل سيكون ركوعي قريباً من مدة هذا القيام؟ وماذا ستكون أذكار الرفع من الركوع، هل أقتصر على ذكر: ربنا ولك الحمد، ثم أكرر هذا الذكر عدة مرات إلى أن أتيقن أنه قارب زمن قيامي وطوله، أو أكرر ذكر: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه عدة مرات، أو أذكر أنواعاً أخرى خاصة بالرفع من الركوع وأجمعها في وقفة واحدة، وباختصار هل آتي بجميع أذكار الركوع، وأذكار الرفع منه، أو أقتصر على نوع واحد وأكرره حتى يكون ركوعي ورفعي منه متقارباً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يشتمل على وهمين:
الوهم الأول: أنه ذكر أن الركوع أطول من القيام بعده، وأن القيام بعده أطول من السجود وهكذا. وهذا خطأ؛ فإن صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين قريباً من السواء كما صح ذلك عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ، فهذه الأركان الأربعة
__________
(1) متفق عليه من حديث البراء بن عازب ولفظه عند البخاري، "كان سجود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وركوعه وقعوده بين السجدتين قريباً من ....". رواه في الأذان باب المكث بين السجدتين ح(720) وبأطول من هذا ح (.....) ورواه مسلم في الصلاة باب اعتدال أركان الصلاة ح193 (471).

(13/162)


قريبة من السواء: الركوع والقيام منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، هذه قريبة من السواء وليست مقرونة بالقيام قبل الركوع، وهذا هو الوهم الثاني في سؤاله؛ حيث ظن أن القيام الذي قبل الركوع يكون مساوياً للركوع وليس الأمر كذلك؛ بل إن القيام قبل الركوع له سنة خاصة به ويكون أطول من الركوع.
والحاصل أننا نقول: إن من هدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الركوع والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، أن هذه الأركان الأربعة متقاربة كما ثبت هذا عنه صلاة الله وسلامه عليه، وليست مساوية للقيام قبل الركوع، وحينئذ لا إشكال، ولكن إذا كان الرجل يطيل الركوع كما في صلاة الليل، فإنه ينبغي له أن يطيل القيام بعده بحيث يكون قريباً منه، وحينئذ يقول ما ورد في الحمد، "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه (1) ملء السموات والأرض، وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد.." إلى آخر ما هو معروف.
ثم إن كان القيام يقصر عن الركوع، إما أن يكرر هذا الحمد مرة أخرى أو يأتي بما وردت به السنة أيضاً في هذا المقام، وكذلك في الجلوس بين السجدتين يدعو الله تعالى بما ورد، ثم يدعوه بما شاء من أدعية.
__________
(1) قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ربنا ولك الحمد حمداً إلى . مباركاً فيه" رواه البخاري في أثناء حديث رفاعة بن رافع في الأذان باب 126 ح(799)، وأما لفظ "ربنا ولك الحمد ملء السموات..." فرواه مسلم في الصلاة باب 40 – ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع 1/347 ح205 (477).

(13/163)


504 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الرفع من الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع سنة، كما دل على ذلك حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه – الذي رواه البخاري في صحيحه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (1) ، فإذا تأملت هذا الحديث وهو أن الناس مأمورون بوضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى تبين لك: أن القيام بعد الركوع يشرع فيه هذا الفعل وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ لأن الحديث عام يخرج منه الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، ويخرج منه السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويخرج منه الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين أو على الركبتين، فيبقى ما عدا ذلك وهو: القيام قبل الركوع وبعد الركوع تكون اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى، إما على الذراع، وإما على الرسغ وهو المفصل الذي بين الكف وبين الذراع، والأفضل أن يكون وضعهما على الصدر؛ لأن حديث وائل بن حجر هو أحسن ما روى في ذلك، قال: "صليت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه في ص160.
(2) رواه ابن خزيمة وتقدم في ص73.

(13/164)


505 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: أين توضع اليد بعد الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليدين بعد الركوع كوضعهما قبل الركوع، أي أن الإنسان إذا رفع من الركوع يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح البخاري قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (1) . فسهل رضي الله عنه لم يفصل بين ما قبل الركوع وبعده، وعلى هذا فيكون حديث سهل واضح الدلالة على أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى بعد الركوع كما توضع قبله؛ لأنه عام، لكن يستثنى منه حال الركوع، والسجود، والقعود؛ لأن السنة جاءت بصفة خاصة في وضع اليد في هذه الأحوال.
506 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع ليس فيه نص صحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك رأى الإمام أحمد – رحمه الله – أن المصلي يخير بينه وبين إرسالهما، ولكن الظاهر ترجيح وضعهما؛ لأن ظاهر حديث سهل بن سعد الذي رواه البخاري يدل على ذلك ولفظه: "كان الناس يؤمرون أن
__________
(1) تقدم في ص160.

(13/165)


يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (1) ، فإذا أخرج من هذا العموم حال الركوع، والسجود، والجلوس تعين أن يكون في القيام، وليس في الحديث تفريق بين القيام قبل الركوع وبعده.
فإن قيل: إن حديث وائل بن حجر في صحيح مسلم يدل على عدم الوضع ولفظه: "أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر وركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد ،سجد بين كفيه". فإنه ذكر الوضع قبل الركوع وسكت عنه بعده.
فالجواب: أن نقول إن السكوت ليس ذكراً للعدم، فلا يكون هذا الظاهر الذي مستنده السكوت معارضاً للظاهر الذي مستنده العموم في حديث سهل، نعم لو صرح بإرسالهما كان مقدماً على ظاهر العموم في حديث سهل، وقد روى النسائي حديث وائل بن حجر بلفظ: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله" (2) ، وهو صحيح ولم يفرق فيه بين القيام قبل الركوع وبعده فيكون عاماً. والعموم يكون في العبادات، والمعاملات وغيرهما؛ لأنه من عوارض الألفاظ، فأي لفظ جاء بصيغة العموم في العبادات أو المعاملات، أو غيرهما، أخذ بعمومه ألا ترى أن
__________
(1) تقدم تخريجه ص160.
(2) رواه في الافتتاح باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة (886).

(13/166)


قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (1) يعم كل صلاة وهو في العبادات، وأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" يعم كل شرط وهو في المعاملات وغيرها. وهذا ظاهر وأمثلته كثيرة لا يمكن حصرها.

507 وسئل فضيلة الشيخ: عن المنفرد هل يقول سمع الله لمن حمده، أو يقول ربنا ولك الحمد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإمام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد ولا يقول "سمع الله لمن حمده، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا قال – يعني الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (2) .

508 سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس يزيد كلمة "والشكر" بعد قوله ربنا ولك الحمد فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن التقيد بالأذكار الواردة هو الأفضل، فإذا رفع الإنسان من الركوع فليقل: ربنا ولك الحمد، ولا يزد والشكر لعدم ورودها.
...
__________
(1) متفق على صحته من حديث عبادة بن الصامت وتقدم ص73.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة رواه البخاري في الأذان باب 124 وباب 125 – فضل اللهم ربنا لك الحمد ح(795) وح(796) ورواه مسلم في الصلاة باب 18- التسميع والتحميد والتأمين 1/306 ح71- (409).

(13/167)


وبهذه المناسبة فإن الصفات الواردة في هذا المكان أربع:
1- 1- ربنا ولك الحمد.
2- 2- ربنا لك الحمد.
3- 3- اللهم ربنا لك الحمد.
4- 4- اللهم ربنا ولك الحمد.
فهذه الصفات الأربع تقولها لكن لا جميعاً، ولكن تقول هذه مرة وهذه مرة، ففي بعض الصلوات تقول: ربنا ولك الحمد، وفي بعض الصلوات تقول: ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا ولك الحمد.
وأما الشكر فليست واردة فالأولى تركها.

509 وسئل فضيلة الشيخ: عن معنى هذا الدعاء "أحق ما قال العبد"؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الدعاء تابع لما قبله وهو "ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد" (1) فأحق خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك أحق ما قال العبد – أي: ما سبق من الثناء والحمد، أحق ما قال العبد – أي أصدقه وأثبته.
__________
(1) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس في الصلاة باب 4 ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع 1/347 ح205 (477) و406 (478) وفي آخره زيادة: لا مانع لما أعطيت إلخ.

(13/168)


510 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم رفع اليدين حذو المنكبين عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للركعة الثالثة؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة سنة كما ثبت في حديث ابن عمر (1) – رضي الله عنهما – "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه – أي حذو منكبيه – إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده"، وكذلك في صحيح البخاري (2) : "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام للتشهد الأول رفع يديه إلى حذو منكبيه" وهذا الرفع سنة، إذا فعله الإنسان كان أكمل لصلاته، وإن لم يفعله لا تبطل صلاته، لكن يفوته أجر هذه السنة، والذي ينبغي للمرء المحافظة على هذه السنة؛ لأن فيه من اتباع سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي ندب إليها في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (3) . ولأن في هذا الرفع إشارة إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى، فإذا كان عبادة وتعظيماً لله فينبغي للمؤمن أن يحافظ عليه ولا يدعه.

511 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: إذا كان الإنسان يصلي
__________
(1) متفق عليه وتقدم ص63.
(2) في الأذان باب 86- رفع اليدين إذا قام من الركعتين (739). ولفظه: "أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
(3) رواه البخاري في الأذان باب: 18- الأذان للمسافر.. (630)، وفي الأدب باب 27- رحمة الناس بالبهائم (6008) وفيه زيادة في أوله وآخره.

(13/169)


وأراد السجود وما زال واقفاً، هل يكبر ثم يسجد؟ أو يسجد ثم يكبر؟ أو يكبر وهو نازل للسجود؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير للانتقال في الصلاة من ركن إلى آخر، يكون فيما بين الركنين، فإذا أراد السجود فليكبر ما بين القيام والسجود، وإذا أراد القيام من السجود فليكبر ما بين السجود والقيام، هذا هو الأفضل.
وإن قدر أنه ابتدأ التكبير قبل أن يهوي إلى السجود وكمله في حال الهبوط فلا بأس، وكذلك لو ابتدأ في حال الهبوط ولم يكمله إلا وهو ساجد فلا بأس.

512 سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليبدأ بيديه قبل ركبتيه" (1) ؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث معناه أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يبرك الإنسان في سجوده كما يبرك البعير؛ لأن الله تعالى فضل بني آدم على الحيوانات، ولاسيما في العبادة التي هي من أجل العبادات وهي الصلاة، فتشبه الإنسان بالبهائم مخالف لمقصود الصلاة ومخالف للحقيقة التي عليها بنو آدم من التفضيل على البهائم والحيوانات، ولهذا لم يذكر الله تعالى مشابهة الإنسان للحيوان إلا
__________
(1) رواه الإمام أحمد 2/381 وأبو داود في الصلاة/ باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه (840)، والنسائي في التطبيق (الصلاة) باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (1090)، والبيهقي 2/98، وانظر زاد المعاد 1/230.

(13/170)


في مقام الذم كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا). وكما في قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا). وكما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً" (1) . وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "العائد في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيئه" (2) .
فالتشبيه بالحيوان في أداء العبادة يكون النهي عنه أشد وأعظم، والبعير إذا برك كما نشاهده يبدأ بيديه، فأول ما يثني يديه ويخر عليهما، ثم يتمم بروكه، فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الساجد أن يبرك كما يبرك البعير، وذلك بأن يقدم يديه قبل ركبتيه فإذا قدم يديه قبل ركبتيه في حال السجود فقد برك كما يبرك البعير وعلى هذا يكون المشروع: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه، كما في حديث وائل بن حجر قال: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد وضع ركبته قبل يديه" (3) ، وكما أن هذا هو الموافق للنزول باعتبار البدن فتنزل الأسافل أولاً بأول، كما ترتفع الأعالي أولاً بأول، ولهذا عند النهوض من السجود يبدأ بالجبهة والأنف، ثم باليدين، ثم بالركبتين، ففي
__________
(1) رواه أحمد 3/475 (2033).
(2) رواه البخاري في الهبة باب 30- لا يحل لأحد أن يرجع في هبته (2621) و(2622)، ومسلم في الهبات باب 2- تحريم الرجوع في الصدقة والهبة 3/1240 ح5- (1622).
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه (838)، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود (268)، والنسائي في التطبيق (الصلاة) باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده (1088) و(1153).

(13/171)


النزول كذلك يبدأ بالأسفل الركبتين، ثم باليدين، ثم الجبهة، والأنف.
وأما قوله في الحديث: "وليبدأ بيديه قبل ركبتيه" فهذا مما انقلب على الراوي، كما حقق ذلك ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد (1) ، وكما هو ظاهر من اللفظ، لأنه لو قدر أن الحديث ليس فيه انقلاب، لكن آخره مخالفاً لأوله؛ لأنه إذا بدأ بيديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، والنهي "لا يبرك كما يبرك البعير" مقدم على المثال لأن النهي محكم، والتمثيل قد يقع فيه الوهم من الراوي، وحينئذ نقول صواب الحديث: "وليبدأ بركبتيه قبل يديه" ليكون المثال مطابقاً للقاعدة، وهي: النهي عن البروك كما يبرك البعير.
فإن قال قائل: إن البعير يبرك على ركبتيه؛ لأن ركبتيه في يديه فإذا وضع الإنسان ركبتيه قبل يديه فقد برك على ما يبرك عليه البعير.
قلنا: نعم ركبتا البعير في يديه ولا إشكال في ذلك، ولكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: "فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير" حتى نقول إنك إذا بدأت بالركبتين عند السجود فقد بركت على ما يبرك عليه البعير، وهو الركبتان، وإنما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كما يبرك البعير" فالنهي عن الكيفية والصفة، وليس عن العضو المسجود عليه، وبهذا يتبين جلياً أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن بروك كبروك
__________
(1) زاد المعاد 1/215 – 223.

(13/172)


البعير موافق لحديث وائل بن حجر المروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يبدأ بركبتيه قبل يديه. والله أعلم.

513 وسئل فضيلة الشيخ: عن كيفية الهوي للسجود؟
فأجاب فضيلته بقوله: يكون السجود على الركب أولاً، ثم على الكفين؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يسجد على كفيه، حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" (1) ، هذا لفظ الحديث.
لكن سنتكلم عليه، فالجملة الأولى "فلا يبرك كما يبرك البعير" والنهي عن صفة السجود؛ لأنه أتى بالكاف الدالة على التشبيه، وليس نهياً عن العضو الذي يسجد عليه، فلو كان النهي هنا عن العضو الذي يسجد عليه لقال (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير)، وحينئذ نقول: لا تبرك على الركبتين؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه، لكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: "لا يبرك على ما يبرك عليه"، لكن قال: "لا يبرك كما يبرك" فالنهي عن الكيفية والصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه.
ولهذا جزم ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (2) بأن آخر الحديث منقلب على الراوي، وآخر الحديث (وليضع يديه قبل
__________
(1) هذا حديث أبي هريرة، رواه أبو داود والنسائي والترمذي بمعناه وتقدم تخريجه في السؤال السابق.
(2) زاد المعاد 1/215.

(13/173)


ركبتيه) وقال: إن الصواب "وليضع ركبتيه قبل يديه"؛ لأنه لو وضع يديه قبل ركبتيه لبرك كما يبرك البعير، فإن البعير إذا برك يقدم يديه، ومن شهد البعير عند البروك تبين له هذا.
فحينئذ يكون الصواب إذا أردنا أن يتطابق آخر الحديث وأوله "وليضع ركبتيه قبل يديه"؛ لأنه لو وضع اليدين قبل الركبتين كما قلت لبرك كما يبرك البعير. وحينئذ يكون أول الحديث وآخره متناقضان.
وقد ألف بعض الأخوة رسالة سماها (فتح المعبود في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود) وأجاد فيه وأفاد.
وعلى هذا فإن السنة التي أمر بها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السجود أن يضع الإنسان ركبتيه قبل يديه.

(13/174)


تقديم الركبتين على اليدين عند السجود

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من أخيكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الشيخ: . حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد:
فأشكركم على عنايتكم بهذه الأمور، وحرصكم على إبلاغ النصيحة، وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
وأقول: إن طريقكم هذا هو سبيل أهل العلم الناصحين، وقد فهمت ما ذكرتم في حكم المسألة (مسألة تقديم اليدين، أو الركبتين عند السجود) ودليلها.

والحقيقة أن من تأمل حديث أبي هريرة (1) تبين له أن لا معارضة بينه وبين حديث وائل (2) حتى يحتاج إلى ترجيح، فإن حديث أبي هريرة فيه النهي أن يبرك كما يبرك البعير، فهو نهي عن الهيئة، والبعير يقدم يديه فينحط مقدمه قبل مؤخره، وإذا قدم الساجد يديه كان باركاً كما يبرك البعير، حيث قدم يديه فانحط
__________
(1) رواه أبو داود ولفظه: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليبدأ بيديه قبل ركبتيه". وتقدم في السؤال السابق والذي قبله.
(2) رواه أبو داود ولفظه: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه". وتقدم في السؤال السابق والذي قبله.

(13/175)


مقدمه قبل مؤخره، وبهذا نعرف توافق الحديثين ولله الحمد.
نعم لو كان لفظ حديث أبي هريرة (فلا يبرك على ما يبرك عليه) لكان معارضاً لحديث وائل؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه.

وأما ما ذكرتم من أن دعوة القلب لا تقبل بلا دليل، فهذا حق، ولكن في هذا الحديث ما يدل عليها وهو أوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" الموافق لحديث وائل.

هذا ما نراه في المسألة، فإن كان خطأ فمنا، ونستغفر الله تعالى، وإن كان صواباً فمن الله، وله الفضل أولاً وأخراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 10/8/1402هـ.

514 ...

(13/176)


سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: ما القول الراجح في الهوي إلى الأرض بعد الركوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح في الهوي إلى الأرض بعد الركوع: أن الإنسان يبدأ بركبتيه ثم يديه، وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن البداءة باليدين حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (1) فنهى أن يبرك الإنسان كما يبرك البعير، وبروك البعير كما هو معلوم لكل من شاهدها وهي تبرك أنها تقدم اليدين، وقد ظن بعض أهل العلم – رحمهم الله – من السابقين، ومن المعاصرين أن هذا نهي عن البروك على الركب، وقال: إن ركبة البعير في يديه، وإن نهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبرك الإنسان كما يبرك البعير معناه: النهي أن يبرك على ركبتيه.
ولكن من تأمل الحديث وجد أنه لا يدل على هذا، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير)، فلو قال: (لا يبرك على ما يبرك عليه البعير) لقلنا: نعم، لا تبدأ بالركبتين قبل؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عنه، ولكنه قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير". فجعل النهي منصباً على الهيئة، ولاشك أن البعير ينزل مقدم جسمه قبل مؤخره فيهبط على يديه وهذا شيء معلوم لمن شاهده وتأمله، وقد بحث ابن القيم – رحمه الله – هذا في كتابه: "زاد المعاد" (2) بحثاً وافياً شافياً، وبين أن آخر الحديث "وليضع يديه قبل ركبتيه"
__________
(1) حديث أبي هريرة رواه أبو داود، وتقدم ص170.
(2) زاد المعاد 1/215 – 223.

(13/177)


مناقض لأوله وحكم – رحمه الله – بأنه منقلب على الراوي وأن الصواب: "وليضع ركبتيه قبل يديه" لأجل أن يوافق آخر الحديث أوله، لأن كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتناقض، ومن المعلوم أن الإنسان منهي عن التشبه بالحيوان ولاسيما في أجل العبادات البدنية وهي الصلاة، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا يبسط أحدكم ذراعية انبساط الكلب" (1) .
ولم يرد فيما أعلم في النصوص تشبيه الإنسان بالحيوان إلا على سبيل الذم، كما قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (2) . وقال سبحانه وتعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (3) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً (4) . وقال في الذي يعود في هبته: "كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه" (5) .
__________
(1) متفق عليه من حديث أنس بن مالك وفي قوله: "اعتدلوا في السجود"، رواه البخاري في الأذان باب 141- لا يفترش ذراعيه في السجود (822)، ومسلم في الصلاة، باب 45- الاعتدال في السجود 1/355 ح233 (493).
(2) سورة الأعراف، الآيتان: 175، 176.
(3) سورة الجمعة، الآية: 5.
(4) رواه أحمد بلفظ: "من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار" 3/475.
(5) متفق عليه وتقدم ص171.

(13/178)


فإذا كان كذلك فإننا نقول: إن البعير إذا برك يقدم يديه، فإذا كان كذلك كان الحديث كما قال ابن القيم فيه انقلاب على الراوي.
وهذه المسألة وإن كنت أنا أعتقد أن هذا هو الصواب، وأنه ينهى أن يقدم الإنسان يديه قبل ركبتيه لحديث أبي هريرة هذا، فأنا لا أحب أن تكون مثل هذه المسألة مثاراً للجدل، أو العداوة، أو البغضاء أو التضليل وما أشبه ذلك، لا هذه ولا غيرها من مسائل الاجتهاد، فكل المسائل الاجتهادية التي يعذر فيها الإنسان باجتهاده يجب أن يعذر الإنسان أخاه فيها، فكما أنه هو ينتصر لما يرى أن النصوص دلت عليه، فكذلك أيضاً يجب عليك أن تعامله بمثل ما تحب أن يعاملك به، كما أنه لو انتقدك لرأيته مخطئاً عليك، فأنت إذا انتقدته تكون مخطئاً عليه، أما ما لا يقبل الاجتهاد فلا تسكت عنه وأنكره وبين الحق، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في مسائل أعظم من هذه، ومع ذلك فالقلوب واحدة، والهدف واحد، والتآلف موجود. والله الموفق.

515 سئل فضيلة الشيح: كيف يتم الجمع بين حديث وائل بن حجر – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقدم ركبتيه في السجود قبل يديه، وبين حديث أبي هريرة عندما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه". مع أن الحافظ ابن حجر رجح في بلوغ المرام حديث

(13/179)


أبي هريرة وهو موقوف، والحافظ ابن القيم تكلم عليه من عشرة وجوه ما قولكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: قولي في ذلك أنه ليس بينهما تعارض، وأن معناهما متفق، فحديث وائل بن حجر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع ركبتيه قبل يديه (1) يوافق حديث أبي هريرة تماماً؛ لأن حديث أبي هريرة يقول: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (2) ، والبعير إذا برك يقدم يديه كما يعرفه من شاهده، فكان مطابقاً تماماً لحديث وائل بن حجر، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى في حديث أبي هريرة أن يضع يديه قبل ركبتيه؛ لأنه إذا فعل ذلك صار كالبعير.
وقد توهم بعض الناس فقال: إن ركبتي البعير في يديه، وصدق فإن ركبتي البعير في يديه، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير)، بل قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فإنه في الحقيقية نهي عن الهيئة والصفة، وكل من شاهد البعير عند بروكه يجد أنه يقدم يديه أولاً، وبذلك يتطابق حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مع حديث وائل بن حجر، ويبقى النظر في قوله في آخر الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه" (3) . فإن هذا لا شك وهم من الراوي، وانقلاب عليه، إذ أنه لا يتطابق مع أول الحديث، وأول الحديث هو العمدة وهو الأساس، وآخره فرع عليه، وإذا كان فرعاً عليه وجب أن يكون
__________
(1) حديث وائل بن حجر رواه أبو داود والترمذي والنسائي وتقدم ص171.
(2) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وتقدم ص170.
(3) هو حديث أبي هريرة، تقدم ص170.

(13/180)


الفرع مطابقاً للأصل، وحينئذ لا يطابق الأصل إلا إذا كان لفظه: "وليضع ركبتيه قبل يديه".
516 وسئل فضيلة الشيخ: لقد ظهر من بعض المصلين حركة جديدة في الصلاة ما كانت تفعل من قبل، فبعض الناس إذا أراد السجود نزل على يديه أولاً قبل ركبتيه، وذلك بوضع ظاهر أصابعه كأنه يعجن، وكذا إذا قام من السجدة الثانية، وأما البعض الآخر من هؤلاء المصلين فإنه إذا قام من جلسة الاستراحة وضع كذلك ظهر أصابع يديه يعتمد على يديه، ثم يرفع يديه ويضعهما على ركبتيه، ويعتمد على ركبتيه في القيام، فما حكم هذه الحركات الزائدة في الصلاة؟
فأجاب بقوله: المشروع للإنسان أن يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (1) . وقد ذكر مالك بن الحويرث – رضي الله عنه -: "أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً" (2) ، يعني يجلس في الركعة الأولى، ثم يقوم للثانية، ويجلس في الركعة الثالثة، ثم يقوم للرابعة، وهذه الجلسة سماها العلماء: جلسة الاستراحة، وروى مالك بن الحويرث – أيضاً – أن
__________
(1) رواه البخاري وتقدم ص169.
(2) رواه البخاري في الأذان/ باب من استوى قاعداً في وتر من صلاته ثم نهض (789).

(13/181)


النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض ثم قام" (1) .
ولكن هل هو على صفة العاجن أم لا؟
والجواب: هذا ينبني على صحة الحديث الوارد في ذلك، وقد أنكر النووي – رحمه لله – في المجموع صحة هذا الحديث، أي أنه يقوم كالعاجن (2) ، وبعض المتأخرين صححه، وعلى كل حال فالذي يظهر من حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يجلس لأنه كبر وأخذه اللحم، فكان لا يستطيع النهوض من السجود إلى القيام مرة واحدة، فكان يجلس ثم إذا أراد أن ينهض ويقوم اعتمد على يديه ليكون ذلك أسهل له، هذا هو الظاهر من حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وسلم، ولهذا كان القول الراجح في هذه الجلسة – أعني الجلسة التي يسميها العلماء جلسة الاستراحة – أنه إن احتاج إليها لكبر، أو ثقل، أو مرض، أو ألم في ركبتيه أو ما أشبه ذلك فليجلس، ثم إذا احتاج أن يعتمد عند القيام على يديه فليعتمد على أي صفة كانت، سواء اعتمد على ظهور الأصابع، أي جميع أصابعه، أو على راحته، أو غير ذلك، المهم أنه إذا احتاج إلى الاعتماد فليعتمد، وإن لم يحتج فلا يعتمد.
أما النزول للسجود فالصحيح أن الإنسان يبدأ بركبتيه قبل
__________
(1) رواه البخاري في الأذان/ باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة (790).
(2) ولفظ الحديث: عن ابن عباس: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن"، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (3371) وأورده ابن حجر في "التلخيص" 1/265.

(13/182)


يديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يضع الإنسان يديه قبل ركبتيه حيث قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (1) . ونحن نشاهد البعير إذا برك يقدم يديه، هذا شيء واضح، وقد فهم بعض العلماء أن المراد من ذلك أنه لا يقدم ركبتيه فقال: إن ركبتي البعير في يديه، فإذا قدم ركبتيه عند السجود فقد برك كما يبرك البعير، وهذا فهم فيه نظر، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير)، فلوا قال ذلك لقلنا: لا تبرك على الركبتين، بل قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فالنهي عن الكيفية والهيئة، وعليه فيكون الرجل إذا قدم يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير.
فإن قال قائل: يؤيد الفهم الثاني أن الحديث "وليضع يديه قبل ركبتيه" فالجواب عن هذا: أن هذه الجملة لا تصح، لأنها لا تتلاءم مع أول الحديث، بل هي منقلبة على الراوي وصوابها: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، كما حقق ذلك ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد (2) ، وعلى هذا فالسجود يكون على الركبتين، فإن احتاج الإنسان إلى أن يضع يديه قبل ركبتيه، كما لو كان يشق عليه النزول على الركبتين فلا بأس حينئذ بأن يضع اليدين قبل الركبتين.
__________
(1) أخرجه أبو داود وتقدم تخريجه ص170.
(2) زاد المعاد 1/215.

(13/183)


517 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: انتشر في الآونة الأخيرة فرش المساجد الجديدة أو المجددة بنوع من الإسفنج الأبيض المتين، يوضع تحت السجاد الموضوع للصلاة مما يجعل المصلي يمشي على أرض لينة جداً، وأيضاً تمنع المصلي من ثبوت جبهته وأنفه وركبتيه في سجوده، فنرجو من فضيلتكم بيان الحكم في هذا الأمر، حيث أصبح ينتشر بين المساجد وقد يرفع السجاد الأول ويجدد مع وضع هذا الإسفنج الجديد؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإسفنج خفيفاً ينكبس عند السجود عليه فلا بأس، لكن تركه أولى لئلا يتباهى الناس بذلك. حرر في: 27/4/1414هـ.

518 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن امرأة تعاني من ألم في المفاصل، وتصلي وهي جالسة، هل يجب عليها عند السجود أن تضع شيئاً تسجد عليه مثل وسادة أو غيرها؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمران بن حصين: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (1) .
فإذا كانت هذه المرأة لا تستطيع القيام، قلنا لها: صلي جالسة وتكون في حال القيام متربعة، كما صح ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، ثم تومئ بالركوع وهي متربعة، ثم إن استطاعت السجود
__________
(1) رواه البخاري في تقصير الصلاة باب 19- إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب (1117).
(2) رواه النسائي في قيام الليل/ باب كيف صلاة القاعد (1660) ولفظه: عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي متربعاً".

(13/184)


سجدت وإلا أومأت برأسها أكثر من إيماء الركوع، وليس في السنة أن تضع وسادة أو شيئاً تسجد عليه، بل هذا إلى الكراهة أقرب؛ لأنه من التنطع والتشدد في دين الله، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" (1) .

519 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: إذا سجد المصلي وجعل عمامته وقاية بينه وبين الأرض فما حكم صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة ذلك المصلي صحيحة، ولكن لا ينبغي أن يتخذ العمامة وقاية بينه وبين الأرض إلا من حاجة، مثل: أن تكون الأرض صلبة جداً، أو فيه حجارة تؤذيه، أو شوك ففي هذه الحال لا بأس أن يتقي الأرض بما هو متصل به من عمامة، أو ثوب لقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" (2) . فهذا دليل على أن الأولى أن تباشر الجبهة مكان السجود، وأنه لا بأس أن يتقي الإنسان الأرض بشيء متصل به من ثوب، أو عمامة إذا كان محتاجاً لذلك لحرارة الأرض، أو لبرودتها، أو لشدتها، إلا أنه يجب أن يلاحظ أنه لابد أن يضع أنفه
__________
(1) رواه مسلم في العلم باب 4- هاك المتنطعون 4/2055 ح7 (2670).
(2) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب 11- وقت الظهر عند الزوال (542) ومسلم في المساجد باب 33- استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر 1/433 ح191 (620).

(13/185)


على الأرض في هذه الحال، لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (1) .

520 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى-: عمن يلبس نظارات كبيرة جداً، لا تمكنه من السجود كاملاً على الأعضاء السبعة فقد تحول دون الأنف، كما أن البعض قد يلبس عقالاً سميكاً لا تتمكن جبهته من السجود، ويقولون إن مجرد ملامسة النظارة والعقال للأرض كافيان عن ملامسة الأنف أو الجبهة للأرض لأنهما ملتصقان بهما، فما قولكم – وفقكم الله تعالى-؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما العقال: فإن كان نازلاً إلى الجبهة فإن السجود عليه كاف، لكنه مكروه للحيلولة دون اتصال جبهته بمكان السجود.
وأما إذا كان العقال ليس على الجبهة كما هو الغالب، ولكنه على أسفل الرأس، أو على المنحنى من الجبهة وارتفعت الجبهة على الأرض فإن ذلك لا يجزئه، لأن الجبهة لم تمس الأرض ولا ما اتصل بالأرض.
أما بالنسبة للنظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض فإن السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 134- السجود على الأنف ح(812)، ومسلم في الصلاة باب 44- أعضاء السجود ح230 (490) 1/354.

(13/186)


هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود.

521 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: لقد رأينا بعض المصلين – هدانا الله وإياهم – إذا سجدوا رفعوا جباههم عن الأرض حتى تلامس الأرض أوقد لا تلامسها، وإذا نصحوا عللوا ذلك بعلل واهية (كإفساد الشماغ وغير ذلك) فما صحة صلاتهم؟ وما هي نصيحتكم لهم؟ نفع الله بعلمكم وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن ابتعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يجب عليهم أن يمكنوا جباههم من الأرض، وإذا كانوا لا يسجدون إلا بمجرد الملامسة فإن سجودهم غير صحيح، وإذا كان السجود غير صحيح صارت الصلاة غير صحيحة أيضاً، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد. حرر في 23/5/1417هـ.

522 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً-: عن حكم الامتداد الزائد أثناء السجود؟
فأجاب فضيلته بقوله: الامتداد الزائد أثناء السجود خلاف السنة، فإن الواصفين لصلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل أحد منهم أنه كان يمد ظهره

(13/187)


في السجود، كما قالوا أنه يمد ظهره حال الركوع (1) ، وإنما المشروع في حال السجود أن يرفع الإنسان بطنه عن فخذيه ويعلو بذلك، لا أن يمده كما يفعله بعض الناس.

523 وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد أن العلامة التي يحدثها السجود في الجبهة من علامات الصالحين؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من علامات الصالحين، وإنما هو النور الذي يكون في الوجه، وانشراح الصدر، وحسن الخلق وما أشبه ذلك، أما الأثر الذي يسببه السجود في الوجه فقد تظهر في وجوه من لا يصلون إلا الفرائض لرقة الجلد، وقد لا تظهر في وجه من يصلي كثيراً ويطيل السجود.

524 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السجود؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، تجوز الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السجود لأنها دعاء، والسجود من مواضع الدعاء.
__________
(1) أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حميد قال: "ركع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم هصر ظهره" في صفة الصلاة/ باب استواء الظهر في الركوع (758) وعند مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: " وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك..." في الصلاة/ باب صفة الركوع والاعتدال منه (498).

(13/188)


525 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله وعفا عنه -: هل يجوز أن يسجد المسلم على ظهر أخيه عند الزحام؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يسجد على ظهر أخيه إذا كان زحام.
القول الثاني: قال بعض العلماء إنه يومئ إيماء.
القول الثالث: أنه ينتظر حتى يرفع من السجود ثم يسجد.
فهذه ثلاثة أقوال، والمشهور من المذهب أنه يسجد على ظهر أخيه أو رجله.
ولننظر ما الراجح من هذه الأقوال:
إذا قلنا: إنه يسجد على ظهره ففيه مشكلة وهي: التصرف في الغير، والتشويش عليه، ثم إن السجود لا يتم في الواقع؛ لأنه إذا سجد عليه لا يكون على هيئة الساجد لأن الظهر مرتفع.
وإذا قلنا: إنه يومئ، فإن الإيماء له أصل في الشرع وهو: أن العاجز عن السجود يومئ، وهذا في الحقيقة عاجز عن السجود؛ لأن السجود إنما يكون على الأرض وهنا لم يمكن.
وإذا قلنا: إنه ينتظر فله وجه؛ لأنه تخلف عن الإمام لعذر، فهو كالنائم، فإنه يوجد بعض الناس ينام وهو يصلي إذا سجد السجدة الأولى بقي، فيقوم الإمام ويجلس بين السجدتين ويسجد للثانية وهو على نومه فماذا يصنع إذا استيقظ؟
نقول: يقوم من السجود ويجلس بين السجدتين، ويسجد الثانية، ويلحق الإمام؛ لأنه تخلف لعذر، هذا إن كان نومه غير

(13/189)


عميق، فإن كان نومه عميقاً بطلت صلاته، واستأنفها من جديد. والله الموفق.

526 وسئل فضيلة الشيخ: في ليلة السابع والعشرين من رمضان ازداد الزحام في المسجد الحرام فلم أتمكن من الركوع والسجود في الصلاة، فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) ، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (2) ، وهذا الرجل يفعل ما هو بديل عن السجود وهو الإيماء، وكذلك يومئ عند الركوع إن لم يستطع الركوع. وهذا هو القول الراجح.
وقال بعض العلماء: ينتظر حتى يقوم الناس فيركع ويسجد، وهذا وإن كان فيه تحقيق للركوع والسجود، لكن فيه تخلف عن الإمام.
وقال بعض العلماء: ينتظر حتى يقوم الناس فيركع ويسجد، وهذا وإن كان فيه تحقيق للركوع والسجود، لكن فيه تخلف عن الإمام.
وقال بعض العلماء: يسجد على ظهر من أمامه، وهذا وإن كان فيه حصول الركوع، والسجود، ومتابعة الإمام، لكن فيه تصرف في الغير وتشويش عليه، فكيف تجعل ظهر إنسان مصلى لك، وقد يشوش ذلك عليه جداً، ثم قد يكون في الأمر فتنة.
...
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة رواه البخاري في الاعتصام باب (2): الاقتداء بسنن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (7288)، ورواه مسلم في الفضائل باب:

(13/190)


فالقول الأخير أضعف الأقوال، والراجح عندي الأول لما سبق من الدليل.

527 سئل فضيلة الشيخ: يحصل مع الزحام الشديد في مكة وغيرها ألا يتمكن المصلي من السجود على الأرض، فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تمكن أن يسجد ولو على غير الصفة المشروعة التي هي تفريج الذراعين، فإنه يسجد على أي حال كانت، فإن لم يتمكن فإنه يجلس ويومئ بالسجود.
ويرى بعض العلماء أنه ينتظر حتى يقوم الإمام من السجود فيتسع المكان ثم يسجد. ويرى آخرون أن يسجد على ظهر إنسان.
ولكن القول الأول أقرب إلى الصواب أنه يومئ بالسجود إيماءً؛ لأنه عاجز عنه في هذه الحال، ومن عجز عن السجود أومأ به.

528 وسئل فضيلة الشيخ: هل ورد حديث صحيح في تحريك السبابة بين السجدتين في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ورد الحديث الذي في صحيح مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قعد في الصلاة وذكر أنه يشير بإصبعه (1) ، وفي لفظ، إذا قعد في
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 (580).

(13/191)


التشهد (1) . فاللفظ الأول عام، والثاني خاص، والقاعدة أن ذكر الخاص بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، ومثال ذلك أن يقول رجل لآخر: أكرم طلبة العلم، ويقول له: أكرم محمداً، ومحمد من طلبة العلم، فهذا لا يقتضي أنه لا يكرم بقية طلبة العلم، وقد نص علماء الأصول على هذا، وذكره الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - في أضواء البيان.
لكن لو قال: أكرم الطلبة، ثم قال: لا تكرم من ينام في الدرس، فهذا يقتضي التخصيص؛ لأنه ذكر بحكم يخالف الحكم العام.
ثم في هذا حديث خاص، رواه الإمام أحمد في مسنده (2) بسند قال فيه صاحب الفتح الرباني: سنده حسن (3) ، وقال بعض المحدثين على زاد المعاد (4) : سنده صحيح. "أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جلس بين السجدتين قبض أصابعه وأشار بالسبابة".
ومن قال لا يحركها، فنقول له: فماذا يصنع باليد اليمنى؟ إذا قلت يبسطها على الفخذ فنطالبك بالدليل. ولم يرد في الأحاديث أنه كان يبسط يده اليمنى على فخذه، ولو كان يبسطها لبينه الصحابة كما بينوا أنه كان يبسط يده اليسرى على الفخذ اليسرى. فهذه ثلاثة أدلة.
__________
(1) الموضع السابق ح115.
(2) يأتي ص196.
(3) الفتح الرباني 3/147.
(4) زاد المعاد 1/231.

(13/192)


529 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تحريك السبابة حال الدعاء بين السجدتين في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه سنة، لحديث وائل بن حجر (1) في مسند الإمام أحمد، وقد صححه من المتقدمين ابن خزيمة، وابن حبان (2) ، ومن المتأخرين الساعاتي في مسند الإمام أحمد فقد قال عنه: إن سنده جيد، قاله في الفتح الرباني (3) ، والأرناؤوط في زاد المعاد (4) .
وفيه التصريح بأن وضع اليد اليمنى بين السجدتين كوضعها في التشهد سواء، ولي سلف من أهل العلم وهو ابن القيم – رحمه الله تعالى – في زاد المعاد فقد صرح أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين.
ثم يقال: إنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه وضع يده اليمنى على فخذه مبسوطة.
أما اليسرى فالسنة في هذا صريحة أنها تبسط على الفخذ أو تلقم الركبة، كل ذلك جائز، وهم صفتان.
لكن يبقى النظر، متى يشير بإصبع اليمنى.
...
__________
(1) انظر ص195.
(2) رواه ابن خزيمة في الصلاة باب وضع اليدين على الركبتين في التشهد وتحريك السبابة عند الإشارة بها 1/714 وصحح الألباني إسناده في تعليقه على ابن خزيمة، وابن حبان 5/170 (1860) "الإحسان".
(3) الفتح الرباني 4/14.
(4) زاد المعاد 1/231 أو 1/238.

(13/193)


والجواب: الذي بلغني من السنة أنه يشار بها عند الدعاء، فيحركها الإنسان إلى فوق كلما دعا، والمناسبة في ذلك أن الدعاء موجه إلى الله عز وجل؛ والإشارة إلى العلو إشارة إلى الله عز وجل، هذا ما تبين لي في هذه المسألة، والله أعلم.

530 وسئل فضيلة الشيخ: عن دليل مشروعية قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة بين السجدتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: دليل ذلك عموم حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – فإن في بعض ألفاظه: "إذا قعد في الصلاة أو قعد يدعو" (1) ، وكذلك حديث وائل بن حجر الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (2) ، وجوده صاحب الفتح الرباني قال: إسناده جيد، وكذلك نقول، إذا قلنا لا يقبض بين السجدتين فماذا يصنع باليمنى؟ فإن بسطها فما الدليل؟ لأن البسط ورد في اليسرى، واليمنى ما فيها إلا عموم حديث ابن عمر، وهذا الحديث بخصوصه حديث وائل بن حجر فيؤخذ به، وهذا الحديث وإن كان بعض أهل العلم ضعفه، فيؤخذ به لقوته بشاهد، وهو عموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما في بعض ألفاظه.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 و115 (580).
(2) المسند 4/318.

(13/194)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه الشيخ المكرم الفاضل: . حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإليكم إيضاح ما حصل فيه الإشكال في كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين، فقد دلت السنة على أن وضعها بين السجدتين كوضعها في التشهدين، وأن المصلي يرفع أصبعه يدعو بها، ففي صحيح مسلم 1/408-409 (1) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – قال: "كان (يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". وفي رواية له: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"، فقوله: "إذا قعد في الصلاة" عام أو مطلق يتناول كل قعود حتى ما بين السجدتين، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند 4/317 من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبر فرفع يديه حين كبر – فذكر الحديث وفيه – فسجد فوضع
__________
(1) رواه مسلم وتقدم في ص194.

(13/195)


يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه (وفي رواية) عقد ثلاثين وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة". قال في الفتح الرباني 3/147: وسنده جيد. وقال الأرناؤوطان في التعليق على زاد المعاد 1/238: وسنده صحيح. وقد رواه بنحوه أبو داود 1/219 والنسائي 3/30.
وأما ما ورد في بعض ألفاظ حديث ابن عمر في صحيح مسلم: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة" (1) فإن ذلك لا يقتضي تقييد المطلق؛ لأن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يوافق حكم المطلق غير مقتض للتقييد عند جمهور الأصوليين وهو الحق.
وأما ما ادعاه بعضهم من أن حديث وائل بن حجر شاذ، فغير صحيح؛ لأن الشاذ عند أهل العلم بالحديث ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه، وأين المخالفة في حديث وائل؟! فإنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يبسط يده اليمنى على فخذه اليمنى بين السجدتين، فيكون مؤيداً لحديث وائل وشاهداً له.
...
__________
(1) رواه مسلم وتقدم في ص194.

(13/196)


ولهذا ذهب ابن القيم – رحمه الله – إلى أن ما بين السجدتين كالتشهدين في وضع اليد اليمنى. (زاد المعاد 1/238- تحقيق الأرناؤوطين).
وفي قول ابن عمر – رضي الله عنهما -: "ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها" دليل على أن السبابة ترفع عند الدعاء، وهو يؤيد حديث وائل بن حجر في المسند 4/318 "فرأيته يحركها يدعو بها". وعلى هذا يشرع تحريكها عند كل جملة دعائية إشارة على علو من يدعوه وهو الله تعالى، وهذا التحريك أمر زائد على مطلق الإشارة التي جاءت في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – فإن هذه الإشارة تكون في جميع الجلوس لا حال الدعاء فقط، فيرفعها كأنه يشير إلى شيء، لكن تكون محنية شيئاً يسيراً كما في سنن النسائي 3/32 (1) .
هذا وأرجو أن يكون فيما كتبته إيضاح للإشكال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 2/8/1411هـ.
__________
(1) سنن النسائي في الافتتاح باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة 2/463 ح(888). وفي السهو باب: موضع المرفقين 3/42 (1264).

(13/197)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم وصل وسرنا صحتكم، والحمد لله على ذلك، تهنئتكم بعيد الفطر لكم منا مثلها ونسأل الله أن يتقبل من الجميع.
تذكرون أنكم تصفحتم (رسالة في الوضوء، والغسل، والصلاة) وأنه لفت نظركم كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين.
فيا محب إن الذي في الرسالة هو مقتضى ما جاءت به السنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما رواه مسلم (1) ص408 تحقيق محمد فؤاد من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "كان (يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". وفي رواية: "وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"، وظاهرة أن رفعها للدعاء بها، وهو رفع فوق مطلق الإشارة التي جاءت في الرواية الأولى، وفي حديث ابن الزبير (2) ، وعلى هذا فتكون السبابة مرفوعة رفع إشارة، فإذا ذكر الجملة الدعائية رفعها زيادة، إشارة إلى علو من دعاه وهو الله تعالى، ويؤيد
__________
(1) في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 و115 (580).
(2) رواه مسلم في الموضع السابق ح112 (579).

(13/198)


ذلك حديث وائل بن حجر (1) ، "ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها"، وفي حديث ابن الزبير عند الدارمي: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو هكذا في الصلاة وأشار ابن عيينة بإصبعه". رواه الدارمي (2) .
ولم يرد التفريق بين جلوس التشهد، والجلوس بين السجدتين فيما أعلم، ويدل على أنه لا فرق بين الجلستين ما رواه الإمام أحمد في المسند ص317 ج4 من حديث وائل بن حجر قال: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبر فرفع يديه حين كبر" فذكر الحديث، وفيه: "وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذارعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". وفي رواية: "عقد ثلاثين، وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة" وذكر الحديث في الفتح الرباني ترتيب المسند ص147 ج3 وقال: سنده جيد. وقد رواه بنحوه أبو داود (3) وقال فيه: "وقبض اثنتين وحلق حلقة" يعني حلق الإبهام مع الوسطى، وبهذا تبين أن لا فرق بين جلستي التشهد والجلوس بين السجدتين، فأما تقييد الجلوس في بعض روايات حديث ابن عمر بالجلوس للتشهد، فلا ينافي الإطلاق لأن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يطابق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وإن كان قد يقتضيه إذا لم يقم دليل على الإطلاق.
__________
(1) تقدم تخريجه ص196.
(2) في الصلاة/ باب صفة صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(3) في الصلاة/ باب رفع اليدين في الصلاة (726).

(13/199)


531 وسئل فضيلة الشيخ عن حكم تحريك الإصبع وضم أصابع اليد اليمنى بين السجدتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم تحريك الإصبع وضم أصابع اليد بين السجدتين كحكمه في التشهد لما روى مسلم ص408 ج1 (1) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي في باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين عن عبد الله بن الزبير عن أبيه (2) قال: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قعد يدعو"، وفي رواية: "إذا قعد في الصلاة وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته". وروي في نفس الصفحة عن ابن عمر – رضي الله عنهما – "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها". ففي حديث الزبير: "إذا قعد يدعو" والقعود بين السجدتين قعود دعاء، وفي حديث ابن عمر "إذا جلس في الصلاة" وهو عام في جميع الجلسات، فيشمل ما بين السجدتين لاسيما وأنه قال: "ورفع إصبعه اليمنى فدعا بها" ويؤيد العموم ما رواه الإمام أحمد في المسند ص317 ج4 عن وائل بن حجر – رضي الله عنه (3) – قال: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبر فرفع يديه حين
__________
(1) في المساجد عن ابن عمر ح114 و115 (580).
(2) رواه مسلم أيضاً ح112 و113 (579).
(3) تقدم تخريجه ص196.

(13/200)


كبر" فذكر الحديث وفيه: "وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". وفي رواية في الصفحة التي تليها: "فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها". قال في الفتح الرباني ص147 ج3 سنده جيد.
وفي حديث ابن عمر ووائل دليل على أن تحريك الإصبع يكون عند الدعاء فقط وليس كما فهمه بعض الناس، من كونه يحرك دائماً كالعابث بها، فالإشارة بالإصبع وهي رفعه تكون في كل الجلسة، وأما التحريك فلا يكون إلا حال الدعاء. تقول: "رب اغفر لي". فتحرك. "وارحمني"، فتحرك، وتقول: "السلام عليكم أيها النبي"، فتحرك، "السلام علينا"، فتحرك، "اللهم صل على محمد"، فتحرك، وهكذا.

532 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-: ما حكم الإشارة بالسبابة بين السجدتين؟ وما جواب فضيلتكم لمن زعم أن حديث وائل ابن حجر شاذ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإشارة بالسبابة بين السجدتين عند الدعاء مشروع وسنة، وذلك لعموم حديث ابن عمر الثابت في صحيح مسلم (1) في بعض ألفاظه: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قعد يدعو حلق
__________
(1) رواه مسلم في المساجد ح114 و115 (580).

(13/201)


بإبهامه والوسطى" وذكر بقية الحديث؛ ولأن في مسند الإمام أحمد (1) من حديث وائل بن حجر "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك بين السجدتين ويشير بها ويحركها"، وهذا الحديث ذكر صاحب الفتح الرباني بأن إسناده جيد، وذكر المعلق على زاد المعاد أن إسناده صحيح (2) ، وابن القيم – رحمه الله – ذكره في زاد المعاد جازماً به، وذكر أنه يشرع للمصلي بين السجدتين أن يحلق إبهامه مع الوسطى، ويرفع السبابة ويشير بها عند الدعاء.
ونقول لمن زعم أن هذا الحديث شاذ: آت بالدليل الذي يثبت شذوذ ذلك؟ أين الدليل على أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ؟
لا يوجد دليل على ذلك، فإذا لم يكن دليل، وكان لدينا دليل عام، أو دليل خاص بأنها تضم أصابعها كما في التشهد فأين الشذوذ؟
ولو قال قائل: إن عقد الأصابع أمر زائد عن طبيعة الوضع فيحتاج إلى دليل، ولو كان هذا ثابتاً لذكره الصحابة، ولا حاجة لذكر البسط لأنه الأصل.
قلنا: هذا ليس بصحيح، فالصحابة ذكروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى، فلما ذكروا البسط في اليسرى، علم أن ذكر البسط لابد منه، ولو كانت اليد اليمنى تبسط لكان ذكر بسطها في السنة ظاهراً كما كان ذكر بسط اليد اليسرى ظاهراً، والله أعلم.
__________
(1) المسند 4/317 وتقدم تخريجه ص196.
(2) الفتح الرباني 4/14، وزاد المعاد 1/231.

(13/202)


533 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-: ما حكم رفع السبابة بين السجدتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول: إن رفع السبابة بين السجدتين مستحب وهو السنة، ودليل ذلك حديث ابن عمر – رضي الله عنهما (1) – في بعض ألفاظه حيث قال: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قعد في الصلاة" وذكر قبض الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام، ورفع السبابة. وهذا عام، وأما ذكر التشهد في بعض ألفاظ الحديث فهذا لا يقتضي التخصيص؛ لأن في علم الأصول قاعدة مهمة وهي: "أن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يقتضي التنصيص على هذا الفرد من إفراد العام فهو مقتض للتنصيص لا للتخصيص". هكذا حديث ابن عمر رضي الله عنهما إذا قعد يدعو في الصلاة فعل كذا وكذا لا يقتضي قوله "إذا قعد في التشهد" أن يكون مخصصاً لهذا العموم؛ لأنه ذكر هذا الخاص بحكم يوافق العام، ويؤيد ذلك حديث وائل بن حجر عند الإمام أحمد رحمه الله (2) وهو نص صريح في أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سد ثم جلس وذكر قبض الأصابع قال ثم سجد. وقد قال مرتب المسند الساعاتي قال: إن سنده جيد. وقال المعلق على زاد المعاد: إن سنده صحيح، وابن القيم – رحمه الله – مشى على ذلك في زاد المعاد، وذكر أنه بين السجدتين يقبض كما يقبض في التشهد.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد ح114 و115 (580) وتقدم ص194.
(2) المسند 4/ 317 ورواه غيره أيضاً راجع ص196.

(13/203)


ثم نقول ثالثاً: لم يرد في السنة أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ أبداً، ومن وجد في السنة أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ بين السجدتين فليسعفنا به؛ لأننا نعتقد الآن أنه ليس في السنة ما يدل على أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ اليمنى، لا في التشهد، ولا بين السجدتين، وإذا لم يكن هناك دليل على أنها تبسط بقيت على الحالة الموصوفة وهي أنها تقبض. والله أعلم.

534 وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك أدلة شرعية على تحريك الإصبع في الجلسة بين السجدتين؟
فأجاب بقوله: نعم، هناك أدلة شرعية، كل الأدلة التي أثبت بها من اثبت تحريك الأصابع في التشهد فإنه يدخل فيها الجلوس بين السجدتين، فحديث عبد الله بن الزبير، وحديث عبد الله بن عمر (1) في إثبات الإشارة يقول: "إذا قعد يدعو أشار بإصبعه" هذا لفظ حديث عبد الله بن الزبير. ومعلوم أننا لو سألناكم جميعاً ما هي القعدة التي فيها الدعاء، هل هي التشهد أو الجلوس بين السجدتين أو التشهد وحده أو هما جميعاً؟ والجواب: هما جميعاً. كل الجلستين محل للدعاء، بل إن الجلسة بين السجدتين ليس فيها إلا دعاء، بينما الجلوس في التشهد فيه تشهد ودعاء. فعلى هذا يكون دخول الجلسة بين السجدتين دخولاً أولياً في الإشارة بالإصبع
__________
(1) رواهما مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة وحديث ابن الزبير برقم 112 و113 (579) وحديث ابن عمر 114 و115 و116 (580).

(13/204)


وقبض الخنصر والبنصر، والتحليق بالإبهام مع الوسطى. ...
ثم إنه قد روى الإمام أحمد (1) من حديث وائل بن حجر حديثاً صريحاً في ذلك حيث ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر أنه يسجد، ثم يقعد ويقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بسبابته، ثم يسجد ثم يصنع في صلاته كذلك ما بقي. وهذا الحديث قال صاحب الفتح الرباني في ترتيب المسند إن إسناده جيد، وذكر الأرناؤوط الذي علق على زاد المعاد: أن سنده صحيح (2) . وابن القيم ذكر ذلك أيضاً في زاد المعاد. وعلى هذا فالذي ينبغي للإنسان أن يصنع في الجلسة بين السجدتين كما يصنع في التشهد. والفقهاء فرقوا بينهما فقالوا: إذا جلس بين السجدتين فإنه يبسط أصابع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأما في التشهد فإنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة. لكن مقتضى السنة هو ما ذكرنا من قبل. ...
فإن قيل: هل يحرك في جلسة الاستراحة؟ قلنا: لا يحركها لأن جلسة الاستراحة ليس فيها دعاء، والحديث يقول: "إذا قعد في الصلاة حرك إصبعه يدعو بها".
وعلى هذا فالتحريك في الدعاء فقط، أما تحريكها كما يفعل بعض الناس الذين يحركون دائماً كأنهم يلعبون بأصابعهم، فهذا ليس من السنة، إنما يحرك الإنسان إصبعه يدعو به، كلما قال مثلاً: "
__________
(1) المسند 4/317 وتقدم ص196.
(2) راجع زاد المعاد 1/231.

(13/205)


رب اغفر لي"، رفعه، "وارحمني"، رفعه، لأنه يدعو من في السماء تبارك وتعالى، فيشير، أما تحريكها سواء يحركها بتدوير أو بغير تدوير دائماً فهذا من العبث الذي تنزه الصلاة عنه.

535 سئل فضيلة الشيخ: نرى بعض الإخوان يرفع إصبعه أثناء التشهد، أو في الجلسة بين السجدتين، فهل لهذا أصل؟ وكذلك هل يرفع الإصبع عند النطق بالشهادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قلنا من قبل إنه يقبض الخنصر والبنصر والإبهام والوسطى، أو يحلق الإبهام مع الوسطى، وتبقى السبابة مفتوحة، لكنها عند الدعاء تحرك.
أما التشهد فقد ذكر الفقهاء أنه يشير بها أيضاً عند التشهد لكن قيل: إن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة، فالله أعلم لا أعلم عنها الآن.

(13/206)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

"بحث حول كيفية وضع اليد اليمنى على الفخذ بين السجدتين"

حديث وائل بن حجر الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/317 من طريق عبد الرزاق صريح في ذلك، وسياقه: "رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبر فرفع يديه حين كبر – يعني استفتح الصلاة – ورفع يديه حين كبر ورفع يديه حين قال: سمع الله لمن حمده، وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذاء أذنيه".
وأخرجه من حديث عبد الصمد قال: حدثنا زائدة قال: حدثنا عاصم بن كليب، ثم تم السند إلى وائل أنه قال: "لأنظرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يصلي، قال: فنظرت إليه قام فكبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد، ثم قال لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه ثم قعد فافترش رجله اليسرى فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه لحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها".
...

(13/207)


وهذا صريح في أن هذه القعدة هي القعدة التي بين السجدتين؛ لأنه قال: "ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها ثم سجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى..." إلخ. وهل هذه القعدة إلا قعدة ما بين السجدتين؟!
وأخرجه أيضاً من حديث أسود بن عامر قال: حدثنا زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب به، ولفظه أن وائل بن حجر قال: "قلت لأنظرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يصلي"، وذكر الحديث، وفيه قال بعد ذكر الرفع من الركوع، "ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى فخذه – في صفة عاصم – ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثلاثاً، وحلق حلقة، ثم رأيته يقول هكذا" وأشار زهير بسبابته الأولى وقبض إصبعين، وحلق الإبهام على السبابة الثانية.
وظاهر هذا اللفظ أو صريحه كسابقيه في أن القبض والإشارة بين السجدتين كما في التشهدين.
وعلى هذا فلا يصح توهيم عبد الرزاق بذكر السجود بعد هذه القعدة؛ لأن ذكره زيادة لا تنافي ما رواه غير بل توافقه كما علم.
ولم أعلم من السنة حديثاً واحداً فيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبسط يده اليمنى حين يجلس بين السجدتين، ولا وجدت ذلك عن الصحابة.
...

(13/208)


وما رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة" (1) فإنه لا ينافي حديث وائل، ولا يبطله لاختلاف الموضعين على أن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قد رواه مسلم بلفظ الإطلاق: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها" (2) وفي لفظ آخر: "وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى" (3) .
فقد روى مسلم هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: اثنان مطلقان والثالث مقيد بالتشهد، ولا منافاة أيضاً لدخول المقيد في المطلق، ولم يرد في السنة التفريق بين الجلوس بين السجدتين والتشهدين.
وقد قال البنا في ترتيب مسند الإمام أحمد 3/149 عن حديث وائل بن حجر: سنده جيد. وقال الأرناؤوط في حاشية زاد المعاد 1/238: سنده صحيح.
...
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21 – صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح115 (580).
(2) المرجع السابق ح114 (580).
(3) المرجع السابق ح116 (580).

(13/209)


وكلام ابن القيم – رحمه الله – لا غبار عليه في ذلك، والنسبة إليه صحيحة وهذا نص عبارته قال 1/322: ثم كان يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، وساق كلاماً كثيراً ثم قال 1/338 فصل: ثم كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع رأسه مكبراً غير رافع يديه، ويرفع من السجود رأسه قبل يديه، ثم يجلس مفترشاً، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى. وذكر النسائي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى" (1) ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه. وكان يضع يديه على فخذيه يجعل مرفقه على فخذه، وطرف يده على ركبته ويقبض ثنتين من أصابعه، ويحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه يدعو بها ويحركها، هكذا قال وائل بن حجر عنه. إلى أن قال 339: ثم كان يقول (بين السجدتين) رب اغفر لي إلخ وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث انتهى المقصود منه.
والمقوس عليه بين السجدتين هو هكذا في الأصل وهو محذوف في نسخ أخرى.
وهذا صريح في إثباته القبض والتحريك بين السجدتين فإن قوله: "وكان يضع يديه على فخذيه" إلخ. إما أن يكون حاكماً به مستدلاً عليه بحديث وائل كما هو الظاهر من عبارته هنا وفي كثير من عباراته كما قال هنا: ثم كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي
__________
(1) رواه النسائي في التطبيق باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة (1157)، والحديث عند البخاري بالمعنى في الأذان باب سنة الجلوس في التشهد (827).

(13/210)


إلخ. هكذا ذكره ابن عباس – رضي الله عنهما (1) -، وذكر حذيفة (2) أنه كان يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي.
وإما أن يكون حاكياً له عن وائل مخبراً به عنه.
فإن كان حاكماً به مستدلاً عليه بقول وائل فنسبة القول به إليه واضحة.
وإن كان حاكياً مخبراً فمن البعيد أن يجزم به عن وائل، ثم يكون المراد به أن يتعقبه لأنه – أي وائلاً – صحابي عدل مقبول الخبر فلا يمكن أن يجزم ابن القيم بما قاله بقصد تعقبه، وإنما يريد ابن القيم بقوله هذا: دفع حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – "أنه كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها" (3) حيث قال: فهذه الزيادة في صحتها نظر، ثم قال بعد ذلك: وأيضاً فليس في حديث أبي داود أن هذا كان في الصلاة، وأيضاً لو كان في الصلاة لكان نافياً، وحديث وائل مثبتاً وهو مقدم وهو حديث صحيح ذكره أبو حاتم في صحيحه (4) . انتهى.
__________
(1) روى حديث ابن عباس وفيه: "رب اغفر لي وارحمني وعافني..." أبو داود في الصلاة باب الدعاء بين السجدتين (850) ورواه الترمذي في الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (284)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (898).
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (874)، ورواه النسائي في التطبيق (الصلاة) باب الدعاء بين السجدتين (1144)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (897).
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب الإشارة في التشهد ح(989).
(4) الإحسان 5/170 (1860).

(13/211)


536 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين-: عن الحكمة من تحريك الإصبع في الصلاة، وكيفية التحريك، وما صحة استدلال بعض العلماء بحديث عائشة – رضي الله عنها – في صحيح مسلم: "عندما أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه" (1) على تحريك الإصبع يميناً وشمالاً، وعن تضعيف بعض أهل العلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كان يشير بإصبعه إذا دعا، لا يحركها" (2) ، وما معنى حديث: "لهي أشد على الشيطان من الحديد – يعني السبابة-" (3) وما حكم الدعاء في السجود وإذا كان طول السجود يتعب المصلي؟ أفتونا وفقكم الله وجزاكم خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحريك الإصبع في الصلاة من أسفل إلى أعلى إشارة إلى علو من يدعوه وهو الله تعالى، وأما الحديث الذي ذكرت فلا يدل على ما ذهب إليه بعضهم من التحريك يميناً وشمالاً في الصلاة بل ربما يدل على عكس ذلك لأننا نهينا أن نتشبه بالبهائم.
...
__________
(1) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب 34- فضائل حسان 4/1935 ح157 (2490)، رواه في أثناء حديث.
(2) تقدم تخريجه ص211.
(3) رواه أحمد 2/119.

(13/212)


وأما تضعيف أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحركها فيحتاج إلى مراجعة سبب الضعف الذي وصفه به من ضعفه.
وأما كون الإشارة بها أشد على الشيطان من الحديد، فالظاهر والله أعلم أن معناه أشد من الطعن بالحديد.
وأما الدعاء في السجود: فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الرجوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (1) .
وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (2) .
وعلى هذا فإن الساجد أقرب ما يكون إلى ربه، واقرب ما يكون من الإجابة وأحرى ما يكون بها، فينبغي بعد أن يسبح التسبيح الواجب والمستحب أن يكثر من الدعاء بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ومن أجمع الدعاء وأفضله أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار).
والأفضل أن يطيل المرء الدعاء في صلاة الليل، كما ينبغي أن تكون الصلاة متجانسة متفقة، إذا أطال فيها الركوع أطال القيام بعد الركوع، وأطال السجود، وأطال الجلسة بين السجدتين لقول البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "كان ركوع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريباً من
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (482).
(2) رواه مسلم في الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (479).

(13/213)


السواء" (1) . فهذا هو الأفضل الذي ينبغي.
أما إذا كان الأمر يتعبك فإنك تدعو الله بما تستطيع ولا تكلف نفسك، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرنا بالعمل بما نطيق فقال: "عليكم بالعمل بما تطيقون" (2) ونهى أن يكلف الإنسان نفسه ويتعبها بالعمل، فإن النفس إذا تعبت كلت وملت، وأما إذا يسر الإنسان على نفسه وأعطاها من العمل ما تقدر عليه فإنه ينصرف منه وهو أشد ما يكون فيه حباً وأسلم عاقبة. والله أعلم.

*
__________
(1) تقدم تخريجه ص162.
(2) رواه البخاري في الإيمان (43) ومسلم في صلاة المسافرين (782).

(13/214)


جلسة الاستراحة

* صفة الجلوس للتشهد

* الصلاة على النبي في التشهد الأخير .

* صفات الجلوس في التشهد الأخير .

* التسليم .

(13/215)


جلسة الاستراحة

537 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه-: ما حكم جلسة الاستراحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: للعلماء في جلسة الاستراحة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الاستحباب مطلقاً.
القول الثاني: وعدم الاستحباب مطلقاً.
القول الثالث: التفصيل بين من يشق عليه القيام مباشرة فيجلس، ومن لا يشق عليه فلا يجلس، قال في المغني ص529 ج1 ط دار المنار" "وهذا فيه جمع بين الأخبار وتوسط بين القولين" وذكر في الصفحة التي تليها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع". رواه الأثرم (1) ،ثم قال: وحديث مالك (يعني ابن الحويرث) (2) "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعداً ثم اعتمد على الأرض"، محمول على أنه كان من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمشقة القيام عليه لضعفه وكبره، فإنه قال عليه السلام: "إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود". أهـ.
__________
(1) أخرجه البيهقي 2/136، وابن قدامة في المغني 2/214.
(2) رواه البخاري في الأذان باب 143 – كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة (824) وراجع ص182.

(13/217)


وهذا القول هو الذي أميل إليه أخيراً وذلك لأن مالك بن الحويرث قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتجهز في غزوة تبوك (1) والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك الوقت قد كبر وبدأ به الضعف، وفي صحيح مسلم (2) ص506 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "لما بدن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وثقل كان أكثر صلاته جالساً"، وسألها عبد الله بن شقيق هل كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وهو قاعد؟ قالت: "نعم، بعدما حطمه الناس"، وقالت حفصة – رضي الله عنها -: "ما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعداً" (3) . وفي رواية: "بعام واحد أو اثنين"، وكل هذه الروايات في صحيح مسلم، ويؤيد ذلك أن في حديث مالك بن الحويرث ذكر الاعتماد على الأرض والاعتماد على الشيء إنما يكون عند الحاجة إليه، وربما يؤيد ذلك ما في حديث عبد الله بن بحينة – رضي الله عنه – عند البخاري وغيره: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم الظهر، فقام من الركعتين، ولم يجلس" (4) فإن قوله: "ولم يجلس" عام لم يستثن منه جلسة الاستراحة، وقد يقال إن الجلوس المنفي جلوس التشهد لا مطلق الجلوس، والله أعلم.
__________
(1) راجع فتح الباري 2/131.
(2) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب 16 – جواز النافلة قائماً وقاعداً. ح117 (732).
(3) الموضع السابق ح115 (732) وح118 (733).
(4) متفق عليه: رواه البخاري في الأذان باب من لم ير التشهد واجباً (829) في السهو باب 1 – ما جاء في السهو.. (1225). ورواه مسلم في المساجد باب السهو في الصلاة.. ح85 (570).

(13/218)


538 وسئل فضيلته: عن جلسة الاستراحة إذا علم المأموم أن إمامه لا يجلسها، فما هو الأفضل له في ذلك؟ وإذا فعلها فهل يكون مخالفاً لإمامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: جلسة الاستراحة هي أن الإنسان إذا قام للثانية أو إلى الرابعة في الرباعية، جلس قليلاً ثم نهض، هذه ثبتت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث مالك بن الحويرث (1) ، وهو في صحيح البخاري، ولكن ذكر الواصفون لصلاته، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجلس هذه الجلسة، فاختلف العلماء في ذلك:
فقال بعض العلماء: إن هذه الجلسة ليست مشروعة مطلقاً.
وقال آخرون: بل هي مشروعة بكل حال.
وفصل آخرون فقالوا: إن كان الإنسان محتاجاً لهذه الجلسة لثقل بدنه، أو مرضه، أو شيخوخته، فيجلس، وإلا فلا، قال صاحب المغني: وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، واختاره كذلك ابن القيم في زاد المعاد.
على أنه إذا كان الإنسان محتاجاً لهذه الجلسة فالسنة أن يجلس، وإلا فلينهض معتمداً على صدور قدميه بدون جلوس.
وهذا فيما إذا كان المصلي منفرداً، أو كان إماماً، أما إذا كان مأموماً فهو تبع لإمامه، إن جلس الإمام فاجلس، وإن كنت لا ترى أنها سنة اجلس اتباعاً لإمامك، وإن لم يجلس فلا تجلس وإن كنت ترى أنها سنة، اتباعاً للإمام؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بمتابعة الإمام فوراً،
__________
(1) تقدم تخريجه ص181 وهو في البخاري.

(13/219)


فإذا قام من السجود ولم يجلس، فتمام المتابعة أن تقوم ولا تجلس؛ لأنك لو جلست لتأخرت في متابعة القيام، لكن لما كانت هذه الجلسة يسيرة فإنه لو جلسها المأموم لا يعد مخالفاً لإمامه، لأنه سوف ينهض بسرعة إلا أن تمام المتابعة أن لا تجلس، ولا يضرك إذا تركت هذه الجلسة ولا ينقص صلاتك؛ لأن التشهد الأول أوكد منها، ومع ذلك لو نسي الإمام التشهد الأول، وقام وجب عليك أن تقوم ولا تجلس، فتترك هذه الجلسة الواجبة من أجل متابعة الإمام، ولو دخلت مع الإمام في الصلاة الرباعية، فدخلت معه في الركعة الثانية لوجب عليك الجلوس، وأنت في الركعة الأولى، ووجب عليك ترك الجلوس، وأنت في الركعة الثانية، كل هذا تحقيقاً لمتابعة الإمام.
فإذا سقط الجلوس في التشهد من أجل المتابعة فليسقط الجلوس للاستراحة من أجل المتابعة، لكني أقول لما كان التخلف في جلسة الاستراحة يسيراً فإن الجلسة لا تعد مخالفة للإمام ولا تبطل الصلاة لو جلس لكننا نأمره أن لا يجلس.

539 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم جلسة الاستراحة؟ وهل تشرع للإمام والمأموم؟
فأجاب فضيلته بقوله: جلسة الاستراحة هي: التي تكون عند القيام إلى الركعة الثانية، أو الرابعة في الرباعية – يعني تكون في الرباعية في موضعين عند القيام للركعة الثانية، وعند القيام للركعة

(13/220)


الرابعة، وفي الثلاثية والثنائية في موضع واحد وهو عند القيام للركعة الثانية.
وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا كان في وتر من صلاته أنه لا ينهض حتى يستوي قاعداً.
أي أن هذه الجلسة ثبتت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث مالك بن حويرث (1) .
وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – هل هي جلسة للراحة أو جلسة للتعبد:
فمن قال أنها جلسة للراحة قال إنها لا تسن إلا عند الحاجة إليها كأن يكون الإنسان كبيراً في السن لا يستطيع النهوض مرة واحدة، أو في ركبتيه وجع أو مريضاً أو ما أشبه ذلك.
فإذا كان محتاجاً إليها فإنه يجلس وفي هذه الحال تكون مشروعة من جهة أن ذلك أرفق به، وما كان أرفق بالمرء فهو أولى.
ومن العلماء من قال: إنها جلسة عبادة وإنها مشروعة لكل مصل سواء كان نشيطاً أو غير نشيط.
ومنهم من قال: إنها غير مشروعة مطلقاً.
فالأقوال إذاً ثلاثة، وأرجح الأقوال عندي: أنها جلسة راحة ودليل ذلك أنها ليس لها تكبير عند الجلوس ولا عند القيام منها، وليس فيها ذكر مشروع وكل فعل مقصود فإنه يكون فيه ذكر مشروع، فعلم بهذا أنها جلسة راحة، وأن الإنسان إذا كان محتاجاً
__________
(1) رواه البخاري وتقدم في ص181.

(13/221)


إليها فليرح نفسه اقتداءً بنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلا فلا يجلس.
وهذا اختيار صاحب المغني واختيار ابن القيم في زاد المعاد، وهو أرجح الأقوال فيما أرى.
ولكن يبقى النظر إذا كان الإمام يرى هذه الجلسة والمأموم لا يراها لأنه نشيط. فهل يجلس تبعاً لإمامه، أو يقوم وإن كان إمامه جالساً، أو ينتظر في السجود إذا كان يعلم أن إمامه يجلس حتى يغلب على ظنه أن إمامه استتم واقفاً؟
والجواب على هذا نقول: إذا كان الإمام يرى أن يجلس وجلس فليجلس معه حتى وإن لم يكن المأموم يراها مشروعة اتباعاً لإمامه، وإذا كان الإمام لا يرى الجلسة والمأموم يراها فإن المأموم لا يجلس في هذه الحال اتباعاً للإمام؛ لأن موافقة المأموم للإمام أمر مطلوب حتى لو أن الإمام قام عن التشهد الأول ناسياً وجب على المأموم متابعته مع أن الأصل أن التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة.
وقد ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – هذا في الفتاوى وقال: إن المأموم لا يجلس إذا كان إمامه لا يجلس للاستراحة.

540 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: إذا كان الإمام لا يجلس جلسة الاستراحة فهل يسن للمأموم أن يجلس؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان المأموم يرى جلسة الاستراحة والإمام لا يجلس فإن الأفضل للمأموم أن لا يجلس، كما نص على

(13/222)


ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – لأن متابعة الإمام أهم، ولذلك وجب على المأموم أن يتابع إمامه حتى في ترك الواجب، وذلك فيما لو قام الإمام من التشهد الأول سهواً فإن المأموم لا يجلس، وكذلك لو دخل المأموم في الركعة الثانية من الظهر مثلاً فإنه سوف يجلس للتشهد في غير محله، وسوف يدع التشهد في محله كل ذلك من أجل متابعة الإمام.
ولهذا نقول: إن جلسة الاستراحة للمأموم إذا كان الإمام لا يجلس لا تنبغي بل الأفضل عدمها موافقة للإمام، والعكس بالعكس فلو كان الإمام يجلس لأنه يرى مشروعية الجلسة والمأموم لا يرى مشروعية الجلسة فإنه يجلس متابعة للإمام.
541 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تحريك السبابة في التشهد من أوله إلى آخره؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحريك السبابة إنما يكون عند الدعاء، وليس في جميع التشهد، فإذا دعى حركها كما جاء ذلك في بعض الأحاديث.. "يحركها يدعو بها" (1) ووجه ذلك أن الداعي إنما يدعو الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى في السماء لقوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ
__________
(1) تقدم تخريجه ص201.

(13/223)


نَذِيرِ). وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (1) فالله تعالى في السماء - أي في العلو - فوق كل شيء، فإذا دعوت الله فإنك تشير إلى العلو، ولهذا ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه خطب الناس في حجة الوداع وقال: "ألا هل بلغت"؟ قالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى السماء وجعل ينكتها إلى الناس يقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاثاً" (2) ،
وهذا يدل على أن الله تعالى فوق كل شيء، وهو أمر واضح معلوم بالفطرة، والعقل، والسمع، والإجماع، وعلى هذا فكلما دعوت الله عز وجل فإنك تحرك السبابة تشير بها إلى السماء، وفي غير ذلك تجعلها ساكنة، فلنتتبع الآن مواضع الدعاء في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، هذه ثمانية مواضع يحرك الإنسان إصبعه فيها نحو السماء، وإن دعا بغير ذلك أيضاً رفعها؛ لأن القاعدة أن يرفعها عند كل دعاء.
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، رواه البخاري في المغازي باب 63 بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن (4351)، ورواه مسلم في الزكاة باب 47 - ذكر الخوارج وصفاتهم ح144 (1064).
(2) هو جزء من حديث جابر في حجة الوداع وبهذا اللفظ رواه مسلم في الحج باب 19 - حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2/890 ح147 (1218)..

(13/224)


542 وسئل فضيلة الشيخ: يقال إن ضم الإبهام إلى الوسط ومد السبابة وتحريكها والنظر إليها أثناء التشهد في الصلاة أشد على الشيطان من ضرب الحديد. ما مدى صحة هذه الرواية؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الرواية لا أعرف عنها شيئا (1) ً، لكن من الأمور المشروعة أن الإنسان يقبض الخنصر والبنصر، ويلحق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة كلما دعا.

543 وسئل فضيلة الشيخ: عن الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد هل تكون بصيغة كاف الخطاب أو لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أكثر العلماء على أن السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون بكاف الخطاب (عليك) بعد وفاته كما هو كذلك قبل وفاته وذلك لأن الكاف ليست خطاب حاضر يكلم، بل كان الصحابة يقولون ذلك والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير حاضر عندهم، فقد كانوا يقولونها وهم في بلد والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بلد، وإذا قالوها في حضرته في الصلاة فلم يكونوا يسمعونها إياه، ولو أسمعوها إياه وكانت خطاب حاضر يكلم لأمكن أن يقال بوجوب الرد عليهم، وهذا دليل على أن الكاف هنا لتنزيل الغائب منزلة الحاضر لقوة استحضار القلب له.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – في كتاب (اقتضاء
__________
(1) أخرجها الإمام أحمد بلفظ: "لهي أشد على الشيطان من الحديد - يعني السبابة"، المسند 2/119، وانظر ما تقدم ص212.

(13/225)


الصراط المستقيم) ص416 بعد كلام له: هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب أهـ.
وإذا تبين أن الكاف هنا ليست خطاب حاضر يكلم علم أن الأولى اتباع ما أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به فيؤتى بالسلام على اللفظ الذي أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال بذلك جمهور أهل العلم. وروى مالك في الموطأ (1) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن القاري أنه سمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا التحيات لله فذكر الحديث وفيه السلام عليك أيها النبي إلخ. وهذا يدل على أن فعل ابن مسعود – رضي الله عنه (2) – كان اجتهاداً منه، وليس إجماعاً للصحابة وحينئذ يكون ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما أعلنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأعلمه الناس على المنبر مقدماً على اجتهاد عبد الله بن مسعود – رضي الله
__________
(1) رواه مالك في كتاب الجمعة باب التشهد في الصلاة 1/193 (499).
(2) حديث ابن مسعود متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 148 – التشهد في الآخرة ح(831)، مسلم في الصلاة باب 16- التشهد في الصلاة ح55 (402). ولفظه في البخاري: كنا إذا صلينا خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام= = على الله، السلام على فلان وفلان. فالتفت إلينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "إن الله هو السلام فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته إلى أن محمداً عبده ورسوله". وفي البخاري ح(6265) قال عبد الله في نهاية الحديث: وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(13/226)


عنه – فيقال: السلام عليك أيها النبي امتثالاً لما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يقال السلام على النبي.
544 وسئل فضيلة الشيخ: هل تشرع الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأول؟ وهل يكمل المسبوق التشهد الأخير متابعة للإمام؟ وما حكم الدعاء في التشهد الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: مشروعية الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأولى اختارها كثير من العلماء، واختار الجمهور عدم استحباب ذلك وهو الأقرب عندي، ولو قالها المصلي فلا حرج.
والمسبوق يكمل التشهد ولا حرج عليه.
أما الدعاء في التشهد الأول فما علمت أحداً قال به، بل صرح بعض العلماء بكراهة تطويل التشهد الأول، والزيادة فيه على ما ورد، قال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: يكره أن يزيد في التشهد الأول على لفظ التشهد، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والآل إذا سنناهما فيكره أن يدعو فيه أو يطوله بذكر آخر.
وبناء على هذا يكون قوله من الدعاء الوارد فيه نظر إذ لم يرد دعاء في التشهد الأول.
وأما التشهد الذي فيه السلام فيدعو فيه بما أحب من الوارد وغيره.

(13/227)


545 وسئل فضيلة الشيخ: هل يكره إفراد الصلاة أو السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أنه لا كراهة في إفراد الصلاة أو السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعدم الدليل على ذلك، بل إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم أمته التشهد أولاً وليس فيه ذكر الصلاة. حرر في 19/1/1418هـ.

546 وسئل فضيلته: ما معنى قولنا "اللهم صل على محمد"؟
فأجاب بقوله: إذا قال القائل: "اللهم صل على محمد" فإن معناه: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، أي كرر مدحه في الملأ الأعلى، أي في الملائكة. هكذا قال أبو العالية – رحمه الله – وهو القول الحق، وهو أصح من قول من قال: (إن صلاة الله على عبده هي رحمته) لأن هذا القول ضعيف لأن الله قال في كتابه: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ). فعطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة؛ ولأنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لكان الإنسان يصلي على كل أحد كما يدعو لكل أحد بالرحمة، والصلاة لا تكون إلا على النبي أو على غيره معه مثل قول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد".
أما الصلاة على غير النبي فقد اختلف العلماء في جوازها. منهم من قال: إنها جائزة لقول الله تبارك وتعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).

(13/228)


وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان" (1) . ومنهم من قال: تجوز إذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعاراً لشخص معين.
ومنهم من قال: تجوز مطلقاً إذا لم تتخذ شعاراً.
وعلى كل حال فهذا يدل على أن الصلاة ليست هي الرحمة، إذ لم يختلف العلماء في جواز الدعاء بالرحمة لكل مسلم، وعلى هذا يتبين بوضوح أن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

547 وسئل فضيلة الشيخ: هل يقال في التشهد السلام على النبي أو يقال السلام عليك أيها النبي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب بلا شك أننا نقول: السلام عليك أيها النبي كما قالها الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد روى مالك في الموطأ (2) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله الذاكيات لله الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
...
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن أبي أوفى ولفظه: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتاه أهل بيت بصدقة صلى عليهم فتصدق أبي بصدقة فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". رواه البخاري في الزكاة باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (1497) ورواه مسلم في الزكاة باب 54 – الدعاء لمن أتى بصدقة 2/756 ح176 (1078).
(2) في كتاب الجمعة باب التشهد في الصلاة 1/193 (499).

(13/229)


فهو هو عمر – رضي الله عنه – يعلمه الناس كما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته بلفظ السلام عليك أيها النبي، وما أنكر ذلك عليه أحد، ثم إن الصحابة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكونوا يقصدون بكاف الخطاب مخاطبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنهم في أماكن بعيدة عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهم في مكة والطائف، وبادية الجزيرة، وفي المدينة فلم يكن يسمعهم، بل الذين معه في مسجده لم يكونوا يقصدون إسماعه ذلك، وأنهم يسلمون عليه في الصلاة كما يسلمون عليه عند الملاقاة. حرر في 19/1/1418هـ.

548 سئل فضيلة الشيخ: ما الكيفية الصحيحة للصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أفضل الأعمال كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً). وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإكثار من الصلاة عليه، وأخبر أنه من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً (1) . وخير صيغة يقولها الإنسان في الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اختاره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصلاة عليه بها مثل قوله: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل
__________
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة في الصلاة باب 17 – في ثواب الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد التشهد 1/306 ح70 (408).

(13/230)


محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (1) ، وغيرها من صيغ الصلوات التي وردت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن خير ما ألف في ذلك كتاب العلامة ابن القيم – رحمه الله – المسمى "جلاء الإفهام في الصلاة على خير الأنام" فليرجع إليه السائل وغيره للاستفادة منه.

549 وسئل فضيلته الشيخ: هل يقتصر المصلي في التشهد الأول على التشهد أو يزيد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التشهد الأول في الثلاثية والرباعية يقتصر فيه على قول: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) (2) ، هذا هو الأفضل فإن زاد وقال: (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (3) ، فلا بأس.
...
__________
(1) متفق عليه من حديث كعب بن عجره رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 11 (3369 و3370) ومسلم في الصلاة باب 17 – الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد التشهد 1/305 ح66 (405).
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود راجع ص226.
(3) راجع التخريج في السؤال السابق.

(13/231)


ومن العلماء من استحب هذه الزيادة؛ لكن الأقرب عندي الاقتصار على الحد الأول، وإن زاد فلا بأس، لاسيما إذا أطال الإمام التشهد، فحينئذ يزيد الصلاة التي ذكرناها.

550 وسئل فضيلة الشيخ: متى يكون التكبير عند القيام من التشهد الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير عند القيام من التشهد الأول يكون عند النهوض - أي فيما بين الجلوس والقيام - وليس وهو جالس، ففي صحيح البخاري (1) عن سعيد بن الحارث قال: (صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين)، وقال: (هكذا رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وقال مطرف: (صليت أنا وعمران صلاة خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بيدي فقال: قد صلى بنا هذا صلاة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (2) .
وهكذا كل تكبيرات الانتقال محلها ما بين الركنين المنتقل منه والمنتقل إليه.
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب 144 - يكبر وهو ينهض من السجدتين ح(825).
(2) رواه البخاري في الموضع السابق ح(826) وراجع أيضاً ح(786).

(13/232)


صفة الجلوس للتشهد الأخير
551 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التورك في الصلاة؟ وهل هو عام للرجال والنساء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: جلسة التورك في الصلاة سنة في التشهد الأخير في كل صلاة فيها تشهدان؛ كصلاة المغرب، والعشاء، والظهر والعصر. وأما الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد فليس فيها تورك. بل يفترش. هذا عن حكم التورك.
أما كونه للرجال والنساء، فنعم فهو ثابت في حق النساء والرجال؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا بدليل شرعي يدل على عدم التساوي، وليس هناك دليل شرعي صحيح على أن المرأة تختلف عن الرجل في هيئات الصلاة؛ بل هي والرجل على حد سواء.

552 سئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: هناك أدعية ثابتة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل: (ربي أجرني من النار)، فهل يجوز عند الدعاء بها إضافة شيء إليها كأن يقال: (ربي أجرني من النار ووالدي وإخواني)، بقصد الدعاء لهم؟ وهل يجوز الاستغفار والدعاء للوالدين وغيرهم في صلاة الفرض وأثناء خطبة الإمام يوم الجمعة؟ وكذلك الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذكر والإمام يخطب؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأدعية فالأولى المحافظة فيه على الصيغة الواردة بدون زيادة، ثم بعد ذلك

(13/233)


تدعو لمن أحببت.
والدعاء للوالدين وغيرهم من المؤمنين جائز في الفرض والنفل بعد المحافظة على الذكر الوارد؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (1) .
أما الدعاء أثناء خطبة الجمعة فلا يجوز لا للوالدين ولا لغيرهم؛ لأنه يشغل عن استماع الخطبة، لكن لو ذكر الخطيب الجنة أو النار، وقلت: أسأل الله من فضله، أو أعوذ بالله من النار من غير أن يشغلك عن سماع الخطبة، أو تشويش على غيرك فلا بأس، ومثل ذلك الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذكره في الخطبة إذا لم يشغلك عن سماعها فصل عليه.

553 سئل فضيلة الشيخ - وفقه الله تعالى-: جمع الإمام بين المغرب والعشاء للمطر وعندما سلم الإمام من المغرب لم يسلم رجل من جماعة المسجد بل وصلها بصلاة العشاء ولم يكبر تكبيرة الإحرام للعشاء، فهل تصح صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل المذكور الذي قام مع الإمام في الجمع بدون سلام من صلاة المغرب، وبدون تكبيرة إحرام للعشاء هذا الرجل صلاته للمغرب باطلة؛ لأنه لم يسلم منها بل قرنها بصلاة أخرى، والسلام ركن، وقرن الصلاة بأخرى بدون سلام من الأولى لا يجوز.
...
__________
(1) رواه البخاري في الأذان/ باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد (800).

(13/234)


وكذلك صلاته للعشاء باطلة لأنه لم يكبر لها تكبيرة الإحرام ووصلها بصلاة ثانية.
وعلى هذا فيجب عليه إعادة الصلاتين صلاة المغرب وصلاة العشاء مع التوبة إلى الله من هذا العمل. حرر في 28/2/1394هـ.

554 وسئل فضيلة الشيخ: التسليم من الصلاة هل يكون مصاحباً للالتفات، أو قبله، أو بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: التسليم للصلاة مع الالتفات من حين تبدأ حتى تختم السلام وأنت ملتفت تماماً؛ لأنك تخاطب من ورائك.
أما بعض الناس يقول: السلام عليكم هكذا يرفع رأسه وإذا بقي "عليكم" التفت بسرعة هذا ليس بصحيح إنما تقول: "السلام عليكم" تبدأ من حين تبدأ بالجملة تبدأ بالالتفات حتى يكون التفاتك عند قولك "عليكم" لأنك تخاطب الجماعة وراءك.

555 وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن إمام يسلم تسليمة واحدة عن يمينه فقط فهل يجزئ الاقتصار على تسليمه واحدة؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أنه يجوز الاقتصار على واحدة - أي على تسلميه واحدة - ويرى بعضهم أنه لابد من التسليمتين، ويرى آخرون أن التسليمه الواحدة تكفي في النفل دون الفرض.
...

(13/235)


والاحتياط للإنسان أن يسلم مرتين؛ لأن هذا أكثر ما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أحوط وأكثر ذكراً، لكن إذا سلم الإمام مرة واحدة وكان المأموم لا يرى الاقتصار على واحدة فليسلم المأموم مرتين ولا حرج عليه في هذا، أما لو سلم الإمام مرتين والمأموم يرى تسلميه واحدة فليسلم مع الإمام من أجل متابعته.

556 وسئل الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: ما حكم من يزيد في اليمين في السلام من الصلاة بقوله (وبركاته)؟
فأجاب فضيلته بقوله: من زاد في السلام على اليمين (وبركاته) فقد وافق بعض العلماء في ذلك، وهذا مبني على صحة هذه الزيادة، وفيها مقال معروف، فقد قال النووي في كتاب (الأذكار) ولا يستحب أن يقول معه وبركاته لأنه خلاف المشهور عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود وقد ذكره جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين وزاهر السرخسي والروياني في الحلية، ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمناه، والله أعلم.
ومراده في الشذوذ يعني في المذهب ورواية أبي داود فيها موسى بن قيس الحضرمي قل العقيلي: من الغلاة في الرفض، يلقب عصفور الجنة، يحدث بأحاديث مناكير وفي نسخة بواطيل، ووثقه ابن معين وغيره، وقال في التقريب: صدوق رمي بالتشيع من السادسة. أهـ. قلت: والظاهر عدم استحبابها ولا ينكر على من قالها.
حرر في 27/6/1418هـ.

*

(13/236)


انصراف الإمام.

*المصافحة بعد السلام .

* استعمال المسبحة .

* عدد التسبيح .

* الجهر بالذكر بعد الصلاة والدعاء ورفع اليدين .

(13/237)


انصراف الإمام

557 وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: هل الأولى للإمام أن ينصرف بعد الصلاة مباشرة أو ينتظر قليلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى للإمام أن يبقى مستقبل القبلة بقدر ما يستغفر الله ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى جهة المأمومين (1) .

أما بقاؤه في مكانه فإن كان يلزم من قيامه تخطي رقاب المأمومين فالأولى أن يبقى حتى يجد متسعاً، وإلا فله الانصراف.

أما المأموم فالأولى أن لا ينصرف قبل إمامه لقول النبي :"لا تسبقوني بالانصراف" (2) . لكن إذا أطال الإمام البقاء مستقبل القبلة أكثر من السنة فللمأموم أن ينصرف.

558 سئل فضيلة الشيخ: ما رأى فضيلتكم في المصافحة وقول"تقبل الله" بعد الفراغ من الصلاة مباشرة؟ وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: لا أصل للمصافحة، ولا لقول،"تقبل الله" بعد الفراغ من الصلاة، ولم يرد عن النبي، ولا عن أصحابه - رضي الله عنهم -.

حرر في 25/5/1409هـ.

__________
(1) هذا حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب 26 - استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح135 (591).
(2) رواه مسلم في الصلاة باب 25 - تحريم سبق الإمام 1/320 ح112 - (426) وفي أوله:"أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا السجود ولا بالقيام ولا بالانصراف".

(13/239)


559 سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله مكانه ومكانته عنده -: ما حكم استعمال السبحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهن "مستنطقات" (1) كما أرشد ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيراً من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يميناً وشمالاً، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالباً، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيراً من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة
__________
(1) لما رواه الإمام أحمد في المسند 611/370، وأبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (1501)، والترمذي في الدعوات، باب فضائل التسبيح (3583) ونص الحديث: عن يسيرة قالت: قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات".

(13/240)


أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله سبحانه وتعالى بأنامله.
ثم أن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعقد التسبيح بيمينه (1) واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلاً على الأيسر، ونهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك" (2) . وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (3) . فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعاً للسنة، وأخذاً باليمين فقد: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (4) .
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (1502).
(2) متفق عليه، رواه البخاري في الأطعمة باب 2 – التسمية على الطعام والأكل باليمين (5376)، ورواه مسلم في الأشربة باب 13 – آداب الطعام والشراب 3/1599 ح108 (2022).
(3) رواه مسلم في الموضع السابق ح106 (2020).
(4) متفق عليه، رواه البخاري في الوضوء، باب 31 – التيمن في الوضوء والغسل (168)، ورواه مسلم في الطهارة باب 19: التيمين في الطهور وغيره 1/226 ح66 و67 (268).

(13/241)


إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.

560 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له-: ما رأيكم في استخدام المسبحة في التسبيح؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: استخدام المسبحة جائز، لكن الأفضل أن يسبح بالأنامل وبالأصابع؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اعقدن بالأصابع فإنهن مستنطقات" (1) .
ولأن حمل السبحة قد يكون فيه شيء من الرياء؛ ولأن الذي يسبح بالسبحة غالباً تجده لا يحضر قلبه فيسبح بالمسبحة وينظر يميناً وشمالاً. فالأصابع هي الأفضل وهي الأولى.

561 سئل فضيلة الشيخ: هل يعد الإنسان التسبيح بالأنامل أو بالأصابع؟
فأجاب فضيلته بقوله: التسبيح بالأنامل أو الأصابع واسع، إن شاء عقد بالأنامل، وإن شاء عقد بالأصابع، والأفضل أن يكون عقد التسبيح باليمين كما جاء به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (2) .
__________
(1) راجع تخريجه في السؤال السابق.
(2) تقدم تخريجه ص240.

(13/242)


562 سئل فضيلة الشيخ: عن عد التسبيح هل يكون باليد اليمنى فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يسبح اليمنى لأن هذا هو ما رواه أبو داود من أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعقد التسبيح بيمينه (1) ، ولكن لا ينبغي التشديد في هذا الأمر بحيث ينكر على من يسبح بكلتا يديه، بل نقول إن السنة أن تقتصر على اليمين؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأن ذلك أفضل وأكمل؛ لأن اليمين تقدم في الأمور المحمودة، واليسرى في الأمور الأخرى.

563 وسئل الشيخ - حفظه الله تعالى - عن حكم التسبيح بالسبحة، وهل تعتبر من الوسائل المعينة على العبادة؟ أفتونا وفقكم الله تعالى.
فأجاب بقوله: التسبيح بالأصابع خير من التسبيح بالسبحة من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله لجماعة نسوة: "اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات" (2) .
الثاني: أنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.
الثالث: أنه أقرب إلى حضور القلب ولذلك ترى المسبح بالسبحة يتجول بصره حين التسبيح يميناً وشمالاً لا لكونه قد ضبط العدد بخرز السبحة فهو يسردها حتى ينتهي إلى آخرها ثم يقول
__________
(1) تقدم تخريجه ص241.
(2) تقدم تخريجه ص240.

(13/243)


سبحت مائة مرة أو ألف مرة مثلاً بخلاف الذي يعقد بالأنامل فقلبه حاضر.
وأما وسائل العبادة فهو كل ما أوصل إلى العبادة فإذا لم يكن طريقاً محرماً لذاته ولم يكن موجباً للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية فلا بأس به، أما إن كان محرماً لذاته كالكذب والمعازف فلا يصح أن يكون وسيلة للدعوة إلى الله تعالى ولا يحل فعله. وكذلك لو كان موجباً للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية كالأناشيد التي تلهي عن أصول الدعوة الشرعية فإنه ينهى عنها.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 10 رجب 1418هـ.

564 وسئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد الصلاة المكتوبة؟ وما قولكم في قول بعضهم إن رفع الصوت في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل التعليم؟ وما رأيكم في قول شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم - رحمهما الله-: إن الدعاء يكون قبل السلام والذكر بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد المكتوبة: كل ذكر يشرع بعد الصلاة، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا

(13/244)


سمعتهم" (1) ، فدل هذا على أن كل ما يشرع من ذكر في أدبار الصلاة فإنه يجهر به.
وأما من زعم من أهل العلم أنه كان يجهر به في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للتعليم، وأنه لا يسن الجهر به الآن فإن هذا في الحقيقة مبدأ خطير، لو كنا كلما جاءت سنة بمثل هذا الأمر قلنا إنها للتعليم، وأن الناس قد تعلموا الآن فلا تشرع هذه السنة لبطل كثير من السنن بهذه الطريقة، ثم نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام قد أعلمهم بما يشرع بعد الصلاة، كما في قصة الفقراء الذين جاءوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [في أن الأغنياء سبقوهم فقال: "ألا أخبركم بشيء تدركون به من سبقكم" (2) ؟ ثم ذكر لهم أن يسبحوا ويكبروا ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين]. فقد علمهم بالقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فالصواب في هذا أنه يشرع أدبار الصلوات المكتوبة أن يجهر الإنسان بكل ما يشرع من ذكر سواء بالتهليل، أو بالتسبيح أو الاستغفار بعد السلام ثلاثاً أو بقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وتباركت يا ذا الجلال والإكرام (3) .
وأما ذكر السائل عن شيخ الإسلام بن تيميه، وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – من أن الدعاء قبل السلام والذكر بعده، فهذا
__________
(1) رواه البخاري في الأذان/ باب الذكر بعد الصلاة (841)، ومسلم في المساجد/ باب الذكر بعد الصلاة (583).
(2) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (843)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/416 ح142 (595).
(3) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم في الموضع السابق ح135 (951).

(13/245)


كلام جيد جداً ويدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما ذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمهم التشهد، ثم قال بعد ذلك: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" (1) . فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام المصلي أن يدعو بعد التشهد مباشرة وقبل السلام.
وأما أن الذكر بعد السلام فلقول الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). وعلى هذا فيكون ما بعد السلام ذكراً ويكون ما قبل السلام دعاءً هذا ما يقتضيه الحديث، وما يقتضيه القرآن، وكذلك المعنى يقتضيه أيضاً لأن المصلي بين يدي الله عز وجل فمادام في صلاته فإنه يناجي ربه كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، وإذا انصرف وسلم انصرف من ذلك فكيف نقول أجل الدعاء حتى تنصرف من مناجاة الله، المعقول يقتضي أن يكون الدعاء قبل أن تسلم ما دمت تناجي ربك تبارك وتعالى، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وتلميذه ابن القيم، هو الصواب الذي دل عليه المنقول والمعقول، ولكن لا حرج أن الإنسان يدعو بعد الصلاة أحياناً، أما اتخاذ ذلك سنة راتبة كما يفعله بعض الناس كلما انصرف من السنة رفع يديه يدعو فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري وتقدم تخريجه ص234.
(2) حديث المناجاة رواه مالك في الموطأ في الصلاة باب 7 – العمل في القراءة 1/86 (225) وتقدم لفظه في ص13.

(13/246)


رسالة

الجهر بالذكر بعد الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ في الشهر الماضي وصل، وسؤالكم عن: حكم الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة وصورته.
فالجواب: أن الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة، دل عليها ما رواه البخاري (1) من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته". ورواه الإمام أحمد (2) وأبو داود (3) وهذا الحديث من أحاديث العمدة، وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا قضى الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له". الحديث (4) ، ولا يسمع القول إلا إذا جهر به القائل.
...
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (841) و(842)ن ورواه مسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح122 (583).
(2) رواه أحمد 1/367.
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب التكبير بعد الصلاة 1/609 (1003).
(4) متفق عليه، فرواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (844)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).

(13/247)


وقد اختار الجهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – وجماعة من السلف، والخلف، لحديثي ابن عباس، والمغيرة – رضي الله عنهم – والجهر عام في كل ذكر مشروع بعد الصلاة سواء كان تهليلاً، أو تسبيحاً، أو تكبيراً، أو تحميداً لعموم حديث ابن عباس، ولم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التفريق بين التهليل وغيره بل جاء في حديث ابن عباس أنهم يعرفون انقضاء صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتكبير (1) ، وبهذا يعرف الرد على من قال لا جهر في التسبيح والتحميد والتكبير.
وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة فقد أخطأ فكيف يكون الشيء المعهود في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدعة؟! قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم).
وأما احتجاج منكر الجهر بقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
فنقول له: إن الذي أمر أن يذكر ربه في نفسه تضرعاً وخيفة هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة، فهل هذا المحتج أعلم بمراد الله من رسوله، أو يعتقد أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم المراد ولكن خالفه، ثم إن الآية في ذكر أول النهار وآخره (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)
__________
(1) متفق عليه رواه البخاري في الموضع السابق ح(842)، ومسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح120 (583).

(13/248)


وليست في الذكر المشروع خلف الصلوات، وقد حمل ابن كثير في تفسيره الجهر على الجهر البليغ.
وأما احتجاج منكر الجهر أيضاً بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم". الحديث (1) .
فإن الذي قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم" هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، فهذا له محل، وذاك له محل، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله.
ثم إن السياق في قوله: "اربعوا على أنفسكم" يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعاً بليغاً يشق عليهم ويتكلفونه، ولهذا قال: "أربعوا على أنفسكم". أي: ارفقوا بها ولا تجهدوها، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد.
أما من قال: إن في ذلك تشويشاً.
فيقال له: إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السنة زال عنه التشويش، إن أردت أنه يشوش على المصلين، فإن المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع، لأنهم مشتركون فيه، وإن كان فيهم مسبوق يقضي فإن كان قريباً منك بحيث تشوش عليه فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه لئلا تلبس عليه صلاته، وإن كان بعيداً منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك.
...
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الجهاد باب 131 – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)، ومسلم في الذكر والدعاء باب 13 – استحباب خفض الصوت بالذكر 4/2076 ح44 (2704).

(13/249)


وبما ذكرنا يتبين أن السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح ولا بنظر صريح، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في 15/6/1409هـ.

565 ...

(13/250)


سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجهر بالذكر بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يجهر به كما كان عليه الصلاة والسلام يجهر بذلك، قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ، والناس إذا رفعوا أصواتهم جميعاً لم يشوش بعضهم على بعض. لكن يشوش بعضهم على بعض إذا كان أحدهم يجهر والآخر يسر، والذي يسر لاشك أنه يشوش عليه، فإذا كان الذي يقضي إلى جنب الإنسان وخاف أن يشوش عليه فحينئذ لا يرفع صوته على وجه يشوش، حتى على الذين يقضون؛ لأن الأصوات إذا اختلطت تداخل بعضها في بعض فارتفع التشويش، كما تشاهد الآن في يوم الجمعة الناس يقرأون كلهم القرآن يجهرون به ويأتي المصلي ويصلي ولا يحدث له تشويش.

566 سئل فضيلة الشيخ: وفقه الله تعالى -: ما الأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الله تعالى بعد الصلوات قد أمر الله به في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). (النساء: 103). وهذا الذكر الذي أمر الله به مجملاً
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه ص245.

(13/251)


بينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتقول إذا سلمت: استغفر الله ثلاثاً، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام (1) ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (2) لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (3) ، وتسبح الله تعالى بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن ذلك أن تسبح الله وتحمده وتكبره ثلاثاً وثلاثين تقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين (4) ، وتقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (5) .
وسواء قلتها مجموعة سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، أو قلت التسبيح وحده، والتحميد وحده، والتكبير وحده وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
...
__________
(1) هذا من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه ص245.
(2) هذا اللفظ متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (844)، وفي الدعوات باب الدعاء بعد الصلاة (6329) وفي غيرهما، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).
(3) هذا حديث عبد الله بن الزبير رواه مسلم في الموضع السابق ح139 (594).
(4) متفق عليه من حديث أبي هريرة (حديث الفقراء) رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (843)، وفي مواضع أخرى، ورواه مسلم في الموضع السابق ح142 (595).
(5) هذه الزيادة رواها مسلم في المساجد باب 26: استحباب الذكر ح146 (597).

(13/252)


كذلك يجوز أن تسبح وتحمد وتكبر عشراً عشراً، بدلاً من الثلاثة وثلاثين فتقول: سبحاه الله، عشر مرات، والحمد لله، عشر مرات، والله أكبر، عشر مرات، فهذه ثلاثون وهذا مما جاءت به السنة (1) .
ومما جاءت به السنة في هذا أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر هذه أربع تقال خمساً وعشرين فيكون المجموع مائة (2) .
فأي نوع من هذه الأنواع سبحت به فهو جائز؛ لأن القاعدة الشرعية: "أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يسن فعلها على هذه الوجوه كلها هذه مرة وهذه مرة" لأجل أن يأتي الإنسان بالسنة في جميع وجوهها، وهذه الأذكار التي قلت عامة في الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي المغرب وفي الفجر يكون التهليل عشر مرات، وكذلك "ربي أجرني من النار" سبع مرات بعد المغرب والفجر، والله الموفق.

567 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم رفع اليدين والدعاء بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من المشروع أن الإنسان إذا أتم
__________
(1) رواه أبو داود في الأدب باب في التسبيح عند النوم ح(5065)، ورواه الترمذي في الدعوات باب 25 – منه ح(3410)، النسائي في السهو باب عدد التسبيح بعد التسليم (1347)، وابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقال بعد التسليم (926).
(2) سيأتي تخريجه في ص285.

(13/253)


الصلاة رفع يديه ودعا، وإذا كان يريد الدعاء فإن الدعاء في الصلاة أفضل من كونه يدعو بعد أن ينصرف منها، ولهذا أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذلك في حديث ابن مسعود (1) حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء".
وأما ما يفعله بعض العامة من كونهم كلما صلوا تطوعاً رفعوا أيديهم حتى إن بعضهم تكاد تقول إنه لم يدع؛ لأنك تراه تقام الصلاة وهو في التشهد من تطوعه فإذا سلم رفع يديه رفعاً كأنه والله أعلم رفع مجرد، ثم مسح وجهه، كل هذا محافظة على هذا الدعاء الذي يظنون أنه مشروع، وهو ليس بمشروع. فالمحافظة عليه إلى هذا الحد يعتبر من البدع.
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه ص234.

(13/254)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
سؤالكم عن رفع الأيدي في الدعاء وعن الدعاء بعد الصلوات.
والجواب: وبالله التوفيق ومنه تستمد الهداية والصواب: اعلم أن دعاء الله تعالى من عبادته؛ لأن الله تعالى أمر به وجعله من عبادته في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
وإذا كان الدعاء من العبادة فالعبادة تتوقف مشروعيتها على ورود الشرع بها في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
ولا ريب أن الأصل في الدعاء مشروعية رفع اليدين فيه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل رفع اليدين فيه من أسباب الإجابة، حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" (الحديث (1) وفيه): "ثم ذكر
__________
(1) رواه مسلم في الزكاة باب 19 – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 1/703 ح65 (1015).

(13/255)


الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".
وفي حديث سلمان الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً" (1) .
لكن ما ورد فيه عدم الرفع كان السنة فيه عدم الرفع، والرفع فيه بدعة سواء ورد عدم الرفع فيه تصريحاً، أو استلزاماً.
فمثال ما ورد فيه عدم الرفع تصريحاً: الدعاء حال خطبة الجمعة، ففي صحيح مسلم عن عمارة ابن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه السبابة (2) .
ويستثنى من ذلك ما إذا دعا الخطيب باستسقاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو
__________
(1) رواه الإمام أحمد 5/438 ورواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (1488)، ورواه الترمذي في الدعوات وحسنه باب 105 ح(3556)، ورواه ابن ماجة في الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء (3865)، وصححه ابن حبان 3/160 (876).
(2) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/595 ح53 (874) وفيه بإصبعه المسبحة وعند أحمد 4/135 والنسائي في الجمعة باب الإشارة في الخطبة (1411) بإصبعه السبابة.

(13/256)


يخطب يوم الجمعة أن يستسقي قال: "فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون". وقد ترجم عليه البخاري: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء (1) . ...
وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري أيضاً عنه قال: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه" (2) فيكون المراد به دعاءه في الخطبة، ولا يرد على هذا رفع يديه في الخطبة للاستصحاء لأن القصة واحدة. وقد أيد صاحب الفتح (ابن حجر) حمل حديث أنس على أن المراد بالنفي في حديث أنس نفي الصفة لا أصل الرفع كما في ص517 ج2 طبعة الخطيب.
وأياً كان الأمر فإن حديث عمارة يدل على أنه لا ترفع الأيدي في خطبة الجمعة وإنما هي إشارة بالسبابة، وحديث أنس يدل على رفعها في الاستسقاء، والاستصحاء، فيؤخذ بحديث عمارة فيما عدا الاستسقاء، والاستصحاء، ليكون الخطيب عاملاً بالسنة في الرفع والإشارة بدون رفع.
ومثال ما ورد فيه عدم الرفع استلزاماً: دعاء الاستفتاح في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهدين، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يضع يديه على فخذيه في الجلوس، ويضع يده اليمنى على اليسرى في القيام". ولازم ذلك أن لا يكون رافعاً لهما.
__________
(1) رواه في الاستسقاء باب 20 المذكور ح(1029) معلقاً، وفي الدعوات كذلك ح(6341).
(2) رواه في الموضع السابق باب 21 – رفع الإمام يده في الاستسقاء ح(1031).

(13/257)


وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي، بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شك. وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثاً (1) فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء ومثل قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (2) عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: "رب أجرني من النار سبع مرات" (3) بعد المغرب والفجر إلى غير ذلك مما وردت به السنة.
أما ما لم يرد في السنة تعيينه بعد السلام فالأفضل أن يدعو به قبل السلام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – حين ذكر التشهد: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو"، رواه البخاري (4) ، ولأنه في الصلاة يناجي ربه فينبغي أن يكون دعاؤه قبل أن ينصرف. وإن دعا بعد السلام فلا حرج، لكن لا ينبغي أن يتخذ ذلك سنة راتبة فيلحقه بالوارد لما سبق في أول الجواب من أن العبادات تتوقف على الوارد عن الشارع في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
...
__________
(1) يشير إلى حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة ح135 (591).
(2) حديث معاذ رواه أبو داود في الصلاة باب في الاستغفار 2/180 (1522). ورواه النسائي في السهو باب 60- نوع آخر من الدعاء 3/61 (1302)، وصححه ابن حبان 5/364 (2020).
(3) رواه أبو داود في الأدب باب ما يقول إذا أصبح 5/319 (5080) ورواه ابن حبان 5/366 (2022).
(4) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وانظر تخريجه في ص234.

(13/258)


والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبعه في هديه. قال ذلك كاتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين في 5/6/1405هـ.

568 ...

(13/259)


سئل فضيلة الشيخ: عن حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، حتى قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: إنها لا تقوم بها الحجة.
وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً.
فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه (1) ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه.

569 سئل فضيلة الشيخ - وفقه الله تعالى -: عن حكم ترديد الأذكار المسنونة بعد الصلاة بشكل جماعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه بدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما الوارد إن كل إنسان يستغفر ويذكر لنفسه.
...
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الاستسقاء/ باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (1014)، ومسلم في الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (897).

(13/260)


لكن السنة الجهر بهذا الذكر بعد الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف إذا سمعهم (1) ، وهذا دليل على أن السنة الجهر به، خلافاً لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليل دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلاً من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما السنة الجهر.
وقول بعض الناس: إن الرسول عليه الصلاة والسلام جهر به من أجل أن يعلمه الناس فقط.
هذا مردود، وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" (2) .
ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم، فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضاً في صفته، فالرسول عليه الصلاة والسلام علمنا هذا الذكر أصله وصفته وهو: الجهر، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على ما يكون به علم الناس ثم يمسك.
فالمهم أن القول الراجح: أنه يسن الذكر أدبار الصلوات على
__________
(1) تقدم تخريجه ص245.
(2) متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص252.

(13/261)


الوجه المشروع، وأنه يسن الجهر به أيضاً – أعني رفع الصوت – ولا يكون رفعاً مزعجاً فإن هذا لا ينبغي، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في قفولهم من خيبر قال: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم" (1) ، فالمقصود بالرفع، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج.

570 وسئل فضيلة الشيخ: سمعت من بعض الناس إنكار رفع اليدين في الدعاء فرجعت إلى بعض كتب السنة وشروحها وجمعت منها الكلمة المرفقة في مشروعية رفع اليدين في الدعاء مطلقاً، وأنه من آدابه ومن أسباب إجابة الدعاء، ثم سمعت أخيراً أنه صدر منكم فتوى في عدم مشروعية ذلك أظنه قيل بعد السنة، أرجو الإفادة عن صحة ذلك؟
فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اطلعت على الورقة المطبوعة المصاحبة لكتابكم التي
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري، فرواه البخاري في مواضع منها الجهاد باب 131 – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)، ومسلم في الذكر والدعاء باب 13 – استحباب خفض الصوت بالذكر 4/2076 ح44 (2704).

(13/262)


تتضمن بيان أن رفع اليدين حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته، ولاشك أن الأمر كما ذكرتم من أن رفع الأيدي حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته للأحاديث الواردة في ذلك من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفعله، هذا هو الأصل.

وقد تأملت في ذلك فظهر لي أن ذلك على أربعة أقسام:
الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين بخصوصه كرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه في خطبة الجمعة حين قال: "اللهم أغثنا" (1) ، وحين قال: "اللهم حوالينا ولا علينا" (2) .
الثاني: ما ثبت فيه عدم الرفع كالدعاء حال خطبة الجمعة بغير الاستسقاء، والاستصحاء، كما دل على ذلك ما رواه مسلم 2/595 عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة" (3) ، وفي رواية: "رأيت بشر بن مروان يوم جمعة يرفع يديه فقال عمارة" فذكر نحوه.
الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع، كالدعاء بين السجدتين، وفي آخر التشهد، فإن الظاهر فيهما عدم رفع اليدين
__________
(1) متفق عليه من حديث أنس، فرواه البخاري في أثناء قصة في الاستسقاء باب 6 – الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة (1014)، وكذلك مسلم في الاستسقاء باب 2 – الدعاء في الاستسقاء 2/612 ح8 (897).
(2) المرجع السابق.
(3) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/595 ح35 (874).

(13/263)


وكذلك دعاء الاستفتاح كما في حديث أبي هريرة، وكذلك الاستغفار بعد السلام.
وهذه الأقسام الثلاثة حكمها ظاهر؛ لأن الأدلة فيها خاصة.
الرابع: ما سوى ذلك فالأصل فيه استحباب رفع اليدين؛ لأن رفعهما من آداب الدعاء، وأسباب أجابته لما فيه من إظهار اللجوء إلى الله عز وجل والافتقار إليه، كما يشير إليه حديث أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيب" وفيه "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب". الحديث (1) .
وكذلك حديث سلمان المرفوع: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً" (2) .
هذا ما تبين لي من السنة.
وأما ما ذكرتم من أنكم سمعتم أنه صدر مني فتوى في عدم مشروعية ذلك.
فهذا كذب علينا، إما عن سوء فهم من ناقله، أو سوء قصد منه، وما أكثر ما ينقل عن الناس من الأشياء المخالفة للواقع لهذين السببين، أو غيرهما، وكثير من الناس يصوغ السؤال للتعبير عما في نفسه، ويجيبه المسؤول بمقتضى ظاهر سؤاله المخالف لما في نفسه، فيفهم السائل الجواب عما في نفسه وينقله عن المسؤول
__________
(1) رواه مسلم في الزكاة باب 19 – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 1/703 ح65 (1015).
(2) تقدم تخريجه ص256.

(13/264)


على حسب فهمه، وكثير من الناس يجاب فيفهم الجواب خطأ وينقله كذلك.
وأما قولكم أظنه قيل بعد السنة: فهذا الذي وقع منكم موقع الظن، وصغتموه بصيغة التمريض، هو الواقع فإنه ليس من السنة أن يعتاد الرجل كلما صلى تطوعاً رفع يديه يدعو الله عز وجل، حتى ليكاد يجعله من الواجب، كما يفعله كثير من العامة ويشعر في نفسه أنه في هذه الحال أقوى رجاء، وأكثر قرباً، وأشد إنابة إلى الله من دعائه في الصلاة.
بل السنة لمن أراد أن يدعو الله عز وجل من المصلين أن يكون دعاؤه قبل السلام مثل أن يجعله في السجود، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (1) ، أو يجعله بعد التشهد قبل السلام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن مسعود (2) – رضي الله عنه – حين علمه التشهد وقال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، أو قال: "ما أحب".
وكما أن الدعاء قبل السلام مقتضى ما دلت عليه السنة، فهو أيضاً مقتضى النظر الصحيح، فإن دعاء المصلي ربه حين مناجاته له أولى من دعائه إذا انصرف من صلاته، وانقطعت المناجاة.
وأما قولكم: ما دام الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبة فلماذا لا ترفع الأيدي في هذه المواطن وغيرها؟
...
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 41 – النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود 1/348 ح207 (479) وفي أوله زيادة عن الرؤيا الصالحة.
(2) متفق عليه وهذا لفظ البخاري، وتقدم تخريجه في ص234.

(13/265)


فالدعاء بين الأذان والإقامة لا ينكر، ورفع اليدين فيه من القسم الرابع، ولكن الناس إذا صلوا النافلة بعد الأذان ثم دعوا لا يقصدون بذلك أنهم دعوا من أجل أن هذا وقت إجابة لكونه بين الأذان والإقامة، وإنما يدعون من أجل أنهم صلوا هذه النافلة ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنهم يدعون بعد النافلة التي بعد الفريضة وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثاني: أنهم يدعون بهذا الدعاء أحياناً وإن لم يسلموا إلا بعد الإقامة كما نشاهدهم ويشاهدهم غيرنا وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثالث: أن الكثير منهم إذا دعا بعد الأذان بما يشرع الدعاء به كالصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسؤال الوسيلة له لا تكاد تراه يرفع يديه بل ربما أنكر على من رفع يديه في هذا الدعاء مع أن هذا من القسم الرابع فالله المستعان.
فقد اتخذوا الدعاء بعد النافلة سنة راتبة ربما يحافظ عليها محافظته على الواجب، مع أن ذلك لا أصل له من السنة، فالدعاء من حيث هو دعاء من العبادة، لكن ربطه بسبب معين يحافظ عليه عنده بدون دليل يجعله من البدع، فإن العبادة لا تتحقق فيها المتابعة إلا حيث توافق الشرع في ستة أمور: سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
وأما الدعاء أدبار الصلوات المكتوبة ففيه الاستغفار، فقد

(13/266)


كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً (1) ، والاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء لكن ظاهر السنة فيه عدم الرفع.
وفيه حديث أبي أمامه – رضي الله عنه – سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة". أخرجه الترمذي (2) من طريق عبد الرحيم بن سابط، لكن قال في التقريب عن عبد الرحمن هذا: إنه كثير الإرسال. وقال ابن معين: إنه لم يسمع من أبي أمامة.
وعلى تقدير ثبوته لا يتعين أن يكون المراد بدبر الصلوات ما بعدها فقد يكون المراد به آخرها فيكون مجملاً يفسر بالأحاديث الدالة على أن آخر الصلاة موضع الدعاء كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – في التشهد (3) .
وفي صحيح مسلم 1/412 عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". (الحديث) (4) . والظاهر أن ذلك في آخر صلاته؛ لأن ذلك هو الموافق لما أمر به أمته حيث قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فيتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب
__________
(1) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص252.
(2) رواه في الدعوات باب 79 ح(3499).
(3) تقدم تخريجه في ص234.
(4) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 149 – الدعاء قبل السلام (832)، ورواه مسلم في المساجد باب 25 – ما يستعاذ منه في الصلاة 129 (589).

(13/267)


القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه 1/412 (1) .
والظاهر أن المراد بدبر الصلوات المكتوبة (في حديث أبي أمامة إن صح) آخر الصلاة لأن دبر الصلاة إذا كان صالحاً لآخرها فتفسيره به أولى؛ لأن كلام الله ورسوله يفسر بعضه بعضاً.
والمتأمل في هذه المسألة يتبين له: أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان ذكراً فهو بعدها، وإن كان دعاء فهو في آخرها.
أما الأول: فلأن الله تعالى جعل ما بعد الصلاة محلاً للذكر فقال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم) وجاءت السنة مبينة لما أجمل في هذه الآية من الذكر مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" (الحديث) (2) . فيحمل كل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة على ما بعدها ليطابق الآية الكريمة.
وأما الثاني: فلأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ما بعد التشهد الأخير محلاً للدعاء كما في حديثي ابن مسعود، وأبي هريرة – رضي الله عنهما – فيحمل كل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة على آخرها، ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه، إلا أن يكون حمل النص على ذلك ممتنعاً، أو بعيداً بمقتضى السياق المعين فيحمل على ما يقتضيه السياق.
...
__________
(1) رواه مسلم في الموضع السابق ح130 (588).
(2) متفق عليه وهو جزء من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (843)، ومسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة ح42 (595).

(13/268)


واعلم أن الفتوى التي صدرت مني عبر برنامج (نور على الدرب) ونقلها بعض الناس ووزعها موضوعها المهم منها هو الدعاء المقرون برفع الأيدي، لا مجرد رفع الأيدي كما ستراه في صورة المنشور صحبة كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا علماً نافعاً تصلح به القلوب والأعمال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 10/4/1408هـ.

571 سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلاد وبعد الصلوات المفروضة يقرأون الفاتحة، والذكر، وآية الكرسي بصوت جماعي، فما الحكم في هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والذكر بعد الصلاة بصوت مرتفع جماعي من البدع، فإن المعروف عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه أنهم بعد الصلاة يذكرون الله بصوت مرتفع،ولكن كل واحد منهم يذكر الله تعالى على انفراده دون أن يشتركوا،فرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المفروضة سنة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (1) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص245.

(13/269)


وأما قراءة الفاتحة بعد الصلاة سواء كان ذلك سراً أو جهراً فلا أعلم فيه حديثاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما ورد الحديث بقراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين فقط (1) .
__________
(1) يدل لذلك ما رواه أبو أمامة الخزرجي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت". رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" ص185، وحديث: "أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ المعوذات دبر كل صلاة" أخرجه الإمام أحمد 4/115.

(13/270)


رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد سألني الأخ عن حكم رفع الصوت، فأجبته بما يلي:
رفع الصوت بالذكر الذي بعد الصلوات الخمس، والجمعة سنة بشرطين:
الأول: أن لا يجهد نفسه بذلك بحيث يرفع رفعاً شديداً كالصراخ.
والثاني: أن لا يكون أحد إلى جانبه يقضي ما فاته فيشوش عليه.

ودليل رفع الصوت بذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1) .

ودليل أن لا يجهد نفسه بذلك أن الصحابة كانوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فلما رفعوا أصواتهم بالذكر قال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم" (2) . أي هونوا عليها.

ودليل أن لا يشوش على من يقضي الصلاة بجانبه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه حين كانوا يصلون صلاة الليل ويجهرون بالقراءة: "لا
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.
(2) تقدم تخريجه ص249.

(13/271)


يجهر بعضكم على بعض" (1) . وفي حديث آخر قال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً (2) .

وعلى هذا فينبغي للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بالذكر بعد الجمعة، والصلوات المكتوبة الخمس اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم مع نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن بالشرطين السابقين. حرر في 3/2/1412هـ.
__________
(1) تقدم تخريجه في ص13.
(2) تقدم تخريجه في ص14.

(13/272)


572 سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلدان إذا سلم الإمام قرأ آية الكرسي جهراً، ثم يبدأ بالدعاء، والمأمومون يؤمنون، ثم بعد ذلك يجهرون بالذكر، كل على حده فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول: وهو قراءة الإمام لآية الكرسي جهراً ثم دعاؤه، وتأمين المأمومين عليه فإن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أصحابه، وكل من تعبد بما لم يرد به الشرع فقد ابتدع.
وأما الثاني: وهو الجهر بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل بعد الصلاة المكتوبة فإن هذا من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1) ، فالذي ينبغي أن يجهر الإنسان بالذكر خلف الصلوات الخمس اقتداء بالصحابة – رضي الله عنهم – في عهد نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لكن لو كان أحد من المأمومين يقضي ما فاته وهو قريب بحيث يشوش عليه رفع الصوت فلا يرفع الصوت حينئذ.

573 وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عن حكم دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت مرتفع وتأمين المصلين عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت جهوري، وتأمين المأمومين عليه من البدع المنكرة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.

(13/273)


وخلفاءه الراشدين، وسائر الأئمة، والمحققين من أتباعهم لم يفعلوها ولم يروها مشروعة.
والمشروع رفع الصوت بالذكر المشروع كل على انفراده، كما كان ذلك على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ابن عباس – رضي الله عنهما – "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس عن المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1)
حرر في 24/7/1407هـ.

574 وسئل فضيلته: عن حكم الدعاء لشخص معين بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع، فلم يكن من عادة السلف الدعاء لمعين بعد الصلاة، بل أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته إلى الدعاء بعد إكمال التشهد قبل التسليم كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه (2) . حرر في 24 رجب 1407هـ.

575 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الدعاء بعد الصلاة؟ وما صحة حديث "من صلى ولم يدع فقد مقته الله"؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الصلاة بغير ما ورد لا ينبغي، وذلك لأن الأفضل أن يكون الدعاء قبل السلام، هذا ما أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه –
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص234.

(13/274)


بعد أن ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (1) وهذا بمقتضى النظر الصحيح، فإن الإنسان قبل أن يسلم من صلاته بين يدي الله عز وجل، وفي حال مناجاته فلا ينبغي أن يؤخر الدعاء حتى ينصرف من مناجاة الله عز وجل، بل الدعاء في حالة المناجاة أفضل وأولى.
أما ما ورد به النص مثل قول المصلي: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، حين يسلم فإن هذا يبقى على مشروعيته. وإنما شرع ذلك لما عسى أن يكون من خلل أو تقصير في الصلاة فكانت مشروعيته بعدها.
أما الحديث الذي ذكر السائل فليس بصحيح، وعلى فرض صحته فإن المراد من صلى ولم يدع في حال صلاته، لأن الصلاة فيها دعاء واجب، فإن قراءة الفاتحة فيها دعاء: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. وفي التشهد دعاء: السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيها أعوذ بالله من عذاب جهنم.
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص234.

(13/275)


رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
كتابكم وصل، وما تضمنه من الأسئلة فهذا جوابها:
جـ1: حديث: "اللهم أعني على ذكرك..." (1) إلخ لا أعلم فيه رواية بتكرار (على) والمحافظة على لفظ الحديث أولى.
جـ2: لا أعلم أني قلت إن الدعاء بعد الفريضة بدعة، هكذا على الإطلاق، ولكني أقول إن المحافظة على الدعاء بعد الفريضة والنافلة كلتيهما ليس بسنة بل هو بدعة؛ لأن المحافظة عليه يلحقه بالسنة الراتبة سواء كان قبل الأذكار الواردة بعد الصلاة أم بعدها.
وأما فعله أحياناً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان الأولى تركه؛ لأن الله تعالى لم يشرع بعد الصلاة سوى الذكر لقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ). ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرشد إلى الدعاء بعد الصلاة، وإنما أرشد إلى الدعاء بعد التشهد قبل التسليم، وكما أن هذا هو المسموع أثراً فهو الأليق نظراً، لكون المصلي يدعو ربه حين مناجاته له في الصلاة قبل الانصراف.
فأما ما ذكرتم من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – أن النبي
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/244، وأبو داود في الصلاة/ باب الاستغفار (1522) ونصه: عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

(13/276)


صلّى الله عليه وسلم سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات" (1)
فقد أعله ابن معين بأنه من رواية عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه ولم يسمع منه، وعلى تقدير سلامته من العلة، فالمراد بدبر الصلوات: أخرها قبل التسليم، وهذا وإن كان خلاف المتبادر، لكن يؤيده أن الله جعل ما بعد انتهاء الصلاة ذكراً، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ما بين التشهد والتسليم دعاء.
وأما حديث أم سلمه – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا صلى الصبح حين يسلم: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً" (2) ففيه مولى أم سلمة وهو مجهول، وحديث المجهول غير مقبول حتى تعلم حاله.
وأما سؤالكم عن دبر الصلاة هل هو بعدها أو قبل السلام؟
فدبر الصلاة يطلق على آخرها قبل السلام، وعلى ما بعد السلام، لكن حسب التتبع يتبين أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان دعاء فهو قبل السلام وإن كان ذكراً فهو بعد السلام، بناء على ما سبق من الآية والحديث.
وهذه قاعدة مفيدة.
وأما حديث فضالة بن عبيد (3) فذاك في التشهد في الصلاة،
__________
(1) رواه الترمذي في الدعوات (3499).
(2) رواه الإمام أحمد 6/317، وابن ماجة في إقامة الصلاة/ باب ما يقال بعد التسليم (925).
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (1418)، والترمذي في الدعوات باب 66 ح(3476) و(3477) وصححه، والنسائي في السهو باب التمجيد والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة (1283).

(13/277)


وليس بعد الفراغ منها كما يفيده سياقه في مشكاة المصابيح 1/293 قال: "بينما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعداً إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم ادعه"، فالمراد بالقعود والله أعلم القعود للتشهد، ثم اطلعت عليه في زاد المعاد (1) كذلك، مع احتمال أن يكون المراد بالصلاة هنا معناها اللغوي، فإنها قد تأتي في السنة مراداً بها ذلك مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" (2) ، فإن المراد بالصلاة هنا الدعاء كما في قوله تعلى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع لهم بذلك (3) .
وأما سلام المصلي بعد السلام على من حوله ممن مر بهم فهذا دعاء له سبب ولا إشكال في جوازه لوجود سببه، ومن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه (4) – في قصة وضع المشركين سلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة قال: "فلما قضى صلاته رفع صوته فدعا عليهم"،
__________
(1) زاد المعاد 1/250.
(2) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الداعي.. 2/1045 ح106 (1431).
(3) راجع هذا التفسير في صحيح ابن حبان بعد روايته للحديث المذكور 12/120 (5306).
(4) رواه البخاري في الوضوء باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر (240) ومسلم في الجهاد باب ما لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أذى المشركين 3/1418 ح107 (1794).

(13/278)


هكذا في مسلم "رفع صوته"، فهذا له سبب وذلك من أجل إرهاب قريش.
ولا شك أن الدعاء من العبادة وأنه مشروع كل وقت لكن يجب أن يعرف الفرق بين العموم والخصوص، فتقييد العام بشيء معين من زمان، أو مكان، أو حال، أو عمل يحتاج إلى دليل، فإذا قلنا يسن الدعاء بعد الصلاة؛ لأن الدعاء مشروع كل وقت، قلنا: يحتاج في تقييده بعد الصلاة إلى دليل.
ولو قال قائل: يسن للآكل إذا فرغ من أكله أن يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن الصلاة عليه مشروعة كل وقت، قلنا: هذا يحتاج إلى دليل.
ولو قال قائل: يسن لمن فرغ من قضاء حاجته أن يذكر الله تعالى بالتهليل، والتسبيح؛ لأنه مشروع كل وقت. قلنا: تقييده بذلك يحتاج إلى دليل، وهلم جرا. فافهم هذه القاعدة فإنها مفيدة جداً.
وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجعلنا هداة مهتدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 29/1/1417هـ.

576 وسئل فضيلة الشيخ: قلتم إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل يكون جماعياً؟
فأجاب فضيلته بقوله: في الواقع أني لم أقل يجوز، بل قلت: إنه من السنة يعني الأفضل، وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛

(13/279)


لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يكونوا يفعلون هذا، بل كل مصلي يقول الذكر وحده لكنهم يجهرون.
577 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: اعتاد بعض الأخوة بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وبعد الاستغفار أن يرفعوا أيديهم بالدعاء، وهذا العمل (رفع اليدين بالدعاء) يتكرر دائماً وبعد كل فريضة، وهناك من يسميه دعاء ختم الصلاة، فهل لهذا العمل أصل في الكتاب والسنة؟ وهل كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة؟ وهل هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة؟ وما هو توجيهكم لمن يقوم بهذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الفريضة ليس بسنة، ولا ينبغي فعله، إلا ما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل: الاستغفار ثلاثاً بعد السلام (1) ، والذي ينبغي للإنسان المصلي أن يدعو وهو في صلاته، إما في السجود لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (2) ، ولقوله: "وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (3) ، أي حريّ أن يستجاب لكم.
__________
(1) ورد ذلك في حديث ثوبان قال: "كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح135 (591).
(2) رواه مسلم في الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود 1/350 ح215 (482).
(3) رواه مسلم في الصلاة باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود 1/348 ح207 (479).

(13/280)


وأما في آخر التشهد قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (1) ، وأمر المصلي إذا تشهد التشهد الأخير "أن يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (2) . ولم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة حتى الاستغفار ثلاثاً ولم ينقل عنه أنه كان يرفع يديه فيه.
وليس هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة بل المأمور به بعد الصلاة ذكر الله، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم).
وتوجيهي لمن يدعو الله تعالى عقب كل فريضة رافعاً يديه أن يترك ذلك اتباعاً لسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمسكاً بهديه، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها.
وفي الله الجميع لما يحب ويرضى إنه قريب مجيب. حرر في 7/7/1414هـ.

__________
(1) تقدم تخريجه ص234.
(2) ولفظ الحديث: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه مسلم من حديث أبي هريرة في المساجد باب ما يستعاذ منه في الصلاة 1/412 ح128 (588).

(13/281)


578 سئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي تقال بعد الفرائض؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للمصلي إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل، بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم)، ومن ذلك: أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (1) ، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين (2) ، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعاً، أي إن شاء قال سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وإن شاء قال: سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، ثم الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين، ثم: الله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضاً صفة أخرى: أن يسبح عشراً، ويكبر عشراً، ويحمد عشراً. وتجوز صفة رابعة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وعشرين مرة، فتتم مائة.
والمهم أن كل ما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله
__________
(1) رواه مسلم في حديث ثوبان وتقدم تخريجه ص445.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص252.

(13/282)


تعالى في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) واتباعاً لسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1) فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بالتكبير" (2) .
وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وإن جهر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعاً، لكان يكفي ما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلما سلم رفع صوته بالذكر، فالحاصل أن الجهر بالذكر بعد الصلاة سنة.
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس وتقدم تخريجه في ص245.
(2) أخرجه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (842)، ومسلم في المساجد باب الذكر بعد الصلاة 1/410 ح120 (583).

(13/283)


579 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: ما الأذكار والأدعية المشروعة التي تقال بعد الانتهاء من الصلاة؟ وهل هناك فرق بين الأدعية بالنسبة للصلوات؟ بمعنى: هل لكل صلاة دعاء خاص بها؟
فأجاب بقوله: الأذكار الواردة بعد الصلوات متنوعة، فإذا أتى الإنسان بنوع منها كان كافياً؛ لأن العبادات المتنوعة يشرع للإنسان أن يفعلها على تلك الوجوه التي أتت عليها، فمثال ذلك: الاستفتاح هناك استفتاحات متنوعة إذا استفتح بواحد منها أتى بالمشروع. فمنا ما دل عليه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (1) . ومنها أيضاً: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (2) .
فلو استفتح بالأول، أو الثاني، أو بغيرهما مما ورد من الاستفتاحات. فلا حرج عليه، بل الأفضل أن يستفتح بهذا تارة وبهذا تارة.
وكذلك ما ورد في التشهد، وكذلك ما ورد في أذكار الصلوات، فإذا فرغ الإنسان من الصلاة فإنه يستغفر ثلاثاً يقول:
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة تقدم في ص112.
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب من رأى الاستفتاح بسبحانك (776)، والترمذي في الصلاة باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (243)، وابن ماجة في إقامة الصلاة باب افتتاح الصلاة (806).

(13/284)


أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (1) . (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (2) . ثلاث مرات (3) ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) (4) .
ويقول أيضاً: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (5) . ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمساً وعشرين مرة فهذه مائة (6) ، وإن شاء قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين مرة، فهذه تسعة وتسعون (7) . ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء
__________
(1) رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص245.
(2) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة وتقدم في ص252.
(3) هذا اللفظ "ثلاث مرات" انفرد به النسائي عن الكتب الستة وقد رواه في السهو باب 86 كم مرة يقول ذلك 3/80 (1342).
(4) رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير وتقدم في ص251.
(5) جزء من حديث المغيرة بن شعبة وتقدم في ص251.
(6) رواه الترمذي في الدعوات باب 25 – منه (3413) وصححه، والنسائي في السهو باب 93 نوع آخر من التسبيح 3/85 (1349) و(1350).
(7) 10) وردت في حديث الفقراء أو فقراء المهاجرين المتفق عليه من حديث أبي هريرة، وتقدم في ص252.

(13/285)


قدير (1) . ويجوز أن يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة جميعاً.
ويقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين مرة جميعاً. بمعنى أن يسبح ثلاثاً وثلاثين مرة وحدها، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين مرة وحدها، ويكبر أربعاً وثلاثين جميعا (2) ً؛ فهذه مائة، هذه الأنواع من الأذكار الأفضل أن يأتي الإنسان منها مرة بهذا، ومرة بهذا ليكون قد أتى بالسنة.
أما في صلاة المغرب وصلاة الفجر فإنه ورد أنه يقول بعدها عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير" (3) .
وكذلك يقول: "رب أجرني من النار" سبع مرات (4) .
وأعلم أن تنوع العبادات والأذكار من نعمة الله عز وجل على الإنسان؛ وذلك لأنه يحصل بها عدة فوائد، منها:
أن تنوع العبادات يؤدي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذكر؛ فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحد صار يأتي به بدون أن
__________
(1) هذه الزيادة رواها مسلم في المساجد 1/418 ح145 (597).
(2) بهذه الصيغة رواه مسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة 1/418 ح144 – (596). ورواه الترمذي في الدعوات باب: منه ح3412 و3413، والنسائي في السهو باب: نوع آخر من عدد التسبيح 3/84 (1348) وفي أوله: "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة الحديث".
(3) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/227، والترمذي في الدعوات (3474).
(4) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/234، وأبو داود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (5080).

(13/286)


يحضر قلبه، فإذا تعمد وقصد تنويعها فإنه بذلك يحصل له حضور القلب.
ومن فوائد تنوع العبادات: أن الإنسان قد يختار الأسهل منها والأيسر لسبب من الأسباب، فيكون في ذلك تسهيل عليه.
ومنها: أن في كل نوع منها ما ليس في الآخر فيكون في ذلك زيادة ثناء على الله عز وجل.
والحاصل أن الأذكار الواردة في الصلوات متنوعة كما سبق.

580 وسئل فضيلة الشيخ: هل الأذكار بعد الصلاة بشكل منفرد أم يقولها الإمام ويرددون خلفه جماعياً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار بعد الصلوات بشكل منفرد، ولا يرددونها وراء الإمام؛ لأن هذه بدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

581 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم المصافحة في المسجد حيث اعتاد كثير من الناس ذلك بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته قائلاً: هذه المصافحة لا أعلم لها أصلاً من السنة أو من فعل الصحابة – رضي الله عنهم – ولكن الإنسان إذا فعلها بعد الصلاة لا على سبيل أنها مشروعة، ولكن على سبيل التأليف والمودة، فأرجو أن لا يكون بهذا بأس، لأن الناس اعتادوا ذلك.
أما من فعلها معتقداً بأنها سنة فهذا لا ينبغي ولا يجوز له، حتى يثبت أنها سنة، ولا أعلم أنها سنة.

(13/287)


582 وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل في الذكر بعد السلام من الصلاة؟ هل قوله: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؟ أو سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذكر بالتسبيح والتهليل والتحميد بعد صلاة الفريضة له عدة صفات:
منها أن يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، فهذه تسعة وتسعون، ويقو تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
ومنها أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين. ولا يقول سوى ذلك.
ومنها أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات.
ومنها أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وعشرين مرة، فهذه مائة مرة (1) .
هذه كلها وردت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأي صفة ذكرت أجزأ ذلك، والأحسن إذا كان يحفظها جيداً أن يقول هذا مرة وهذا مرة.
__________
(1) سبق تخريج الأحاديث في ص286.

(13/288)


583 وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: جاءت السنة بمشروعية رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل: "اللهم أنت السلام" ونحوه، أو أنه يعم جميع الذكر مع التسبيح والتهليل والتكبير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة؛ الاستغفار، وقول: "اللهم أنت السلام" والتسبيح، والتهليل، وقد ألف بعض علمائنا رسالة وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا، وهذا هو الصحيح.
لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك، وقد فاته شيء من الصلاة، وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على الصحابة وهم يصلون ويجهرون بالقراءة ويوش بعضهم على بعض، فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه (1) ، أما إذا لم يكن هناك تشويش، فالسنة أن يجهر.

584 سئل فضيلة الشيخ: متى يقول الإمام: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (2) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول هذا الدعاء إذا فرغ من الصلاة قبل أن يقبل على الناس. حرر في 24/1/1407هـ.

__________
(1) فيه إشارة إلى حديث البياضي تقدم في ص13 وحديث أبي سعيد الخدري في ص13..
(2) هذا حديث ثوبان وتقدم في ص245.

(13/289)


585 وسئل فضيلة الشيخ: ما الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة، أن الإنسان لا يخلو من تقصير في صلاته؛ فلهذا شرع له أن يستغفر ثلاثاً ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذات الجلال والإكرام (1) . ثم يأتي بالأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
586 وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل من السنة أن يقول الإمام وبصوت عال بعد الصلاة: جل ربنا الكريم، جل ربنا العظيم. سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، يا ربنا دائماً نشكرك شكراً كثيراً "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جل شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟
...
__________
(1) هذا حديث ثوبان وتقدم في ص245.

(13/290)


فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصفات التي ذكرها السائل من كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه.
لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم (1) ، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة، خلافاً لما عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلاً من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما لسنة الجهر.
وقول بعض الناس: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول، كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" (2) .
ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضاً بصفته، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، وكون
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص245.
(2) جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم في ص252.

(13/291)


الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس: هذا الذكر سراً، فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به.
...
587 سئل فضيلة الشيخ: هناك من الناس من يزيد في الأذكار بعد الصلاة كقول بعضهم: "تقبل الله" أو قولهم بعد الوضوء "زمزم" فما تعليقكم حفظكم الله تعالى ونفع بكم الإسلام والمسلمين آمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من الذكر، بل هذا من الدعاء إذا فرغ وقال: "تقبل الله منك" ومع ذلك لا نرى أن يفعلها الإنسان، لا بعد الوضوء، ولا بعد الصلاة، ولا بعد الشرب من ماء زمزم؛ لأن مثل هذه الأمور إذا فعلت لربما تتخذ سنة فتكون مشروعة بغير علم.
*

(13/292)


مكروهات الصلاة.

* الحركة في الصلاة .

* السترة في الصلاة .

(13/293)


مكروهات الصلاة

588 وسئل فضيلة الشيخ: إذا حضر العشاء والإنسان يشتهيه فهل له أن يبدأ به ولو خرج الوقت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا محل خلاف، فبعض العلماء يقول يؤخر الصلاة إذا انشغل قلبه بما حضر من طعام وشراب أو غيره، ولو خرج الوقت.
ولكن أكثر أهل العلم يقولون: إنه لا يعذر بحضور العشاء في تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما يعذر بحضور العشاء بالنسبة للجماعة يعني أن الإنسان يعذر بترك الجماعة إذا حضر العشاء وتعلقت نفسه به فليأكل، ثم يذهب إلى المسجد فإن أدرك الجماعة وإلا فلا حرج عليه.
ولكن يجب أن لا يتخذ ذلك عادة بحيث لا يقدم عشاءه إلا وقت الصلاة؛ لأن هذا يعني أنه مصمم على ترك الجماعة، لكن إذا حدث هذا على وجه المصادفة فإنه يعذر بترك الجماعة، ويأكل حتى يشبع؛ لأنه إذا أكل لقمة أو لقمتين ربما يزداد تعلقاً به.
بخلاف الرجل المضطر إلى الطعام إذا وجد طعاماً حراماً مثل الميتة، فهل نقول إذا لم تجد إلا الميتة وخفت على نفسك الهلاك أو الضرر فكل من الميتة حتى تشبع؟ أو نقول كل بقدر الضرورة؟ نقول له كل بقدر الضرورة. فإذا كان يكفيك لقمتان فلا تأكل الثالثة.
وهل يلحق بالعشاء من الأشياء التي تشوش على الإنسان مثل البول والغائط والريح؟
...

(13/295)


الجواب: نعم يلحق به بل في صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان" (1) يعني البول والغائط ومثل ذلك الريح.
فالقاعدة أن كل ما أشغل الإنسان عن حضور قلبه في الصلاة وتعلقت به نفسه إن كان مطلوباً، أو قلقت منه إن كان مكروهاً فإن يتخلص منه قبل أن يدخل في الصلاة.
ونخلص من هذا إلى فائدة: وهي أن لب الصلاة وروح الصلاة هو حضور القلب، ولذلك أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإزالة كل ما يحول دون ذلك قبل أن يدخل الإنسان في صلاته.
وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم وجدنا أن الوساوس والهواجس لا تأتي إلا إذا دخل المصلي في صلاته، ومن ذلك العبث في الصلاة فإن العبث يشغل القلب، فالإنسان إذا دخل في الصلاة جاء الشيطان يكره يقول اذكر كذا، اذكر كذا حتى يذكره ما لم يذكره من قبل، يذكر أن رجلاً جاء إلى أحد العلماء وقال: إنه أودع وديعة، وأنه نسي مكانها، وأن صاحب الوديعة جاء يطلبها فماذا أصنع؟ قال العالم: اذهب فصل، وستذكرها، فذهب الرجل وجعل يصلي فذكر مكانها.
استدل العالم على ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام "إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا
__________
(1) رواه مسلم في المساجد، باب 16، كراهة الصلاة بحضرة الطعام 1/393 ح67 (560).

(13/296)


قضي النداء أقبل، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يحظر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" (1) .
ومما يشغل عن الصلاة ما يفعله بعض من يقف خلف الإمام تجده يمسك المصحف، ويتابع الإمام في قراءته، والحقيقة أن هذا العمل يترتب عليه أمور محاذير:
أولاً: أن الإنسان يتحرك بحركات لا حاجة إليها، إخراج المصحف، فتح المصحف.
ثانياً: أن هذا الفعل يشغله عن سنة مطلوبة منه، وهي وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على صدره.
ثالثاً: أنه يشغل بصره بالانتقال من أعلى الصفحة إلى أسفلها وبالانتقال من أول السطر إلى آخره. والبصر له حركات كما أن اليد لها حركات لاشك في هذا.
رابعاً: أن هذا المتابع يشعر وكأنه منفصل عن الصلاة، كأنه يمسك على هذا القارئ من أجل النظر هل يخطئ أو يصيب فيشطح قلبه عن الصلاة ويبعد.
أما إذا وقف وراء الإمام من أجل إذا أخطأ يرده فهذا جائز من أجل الحاجة.
ولكن ما علاج هذه الوساوس الذي يثيرها الشيطان في الصلاة؟
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص103.

(13/297)


علاجها بينه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتفل الإنسان عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم هذا هو العلاج (1) .
بقي أن يقول سائل هل يلتفت ويتفل عن يساره وهو يصلي؟
والجواب: نقول نعم، يلتفت لأن هذا الالتفات لحاجة والالتفات لحاجة لا بأس به.
وقد يقول قائل: كيف أتفل والناس عن يساري؟
نقول إذا كنت مأموماً فلا تتفل لأنك ستؤذي من كان على يسارك، ولكن استعذ بالله.

589 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإنسان حاقن وخشي أن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة فهل يصلي وهو حاقن ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقضي حاجته ويتوضأ، ولو فاتته الجماعة؛ لأن هذا عذر، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" (2) .

590 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تغميض العينين في الصلاة.
...
__________
(1) من حديث عثمان بن أبي العاص، رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص110.
(2) تقدم تخريجه ص296.

(13/298)


فأجاب فضيلته بقوله: تغميض العينين في الصلاة مكروه؛ لأنه خلاف ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا ما كان لسبب، كما لو كان أمامه زخرفة في الجدار أو في الفراش، أو كان أمامه نور قوي يؤذي عينيه. المهم إذا كان التغميض لسبب فلا بأس به، وإلا فإنه مكروه، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب زاد المعاد لابن القيم – رحمه الله تعالى-.

591 وسئل فضيلته: ما حكم تغميض العينين في الصلاة عند القراءة، وعند دعاء القنوت حتى يحصل الخشوع في الصلاة؟
فأجاب فضيلته قائلاً: تغميض العينين في الصلاة ذكر أهل العلم أنه مكروه، إلا إذا كان هناك سبب مثل أن يكون أمامه شيء يشغله، أو أنوار ساطعة قوية تؤثر على عينيه، ففي هذه الحال يغمض عينيه درءاً لهذه المفسدة.
وأما ما يدعيه بعض الناس من أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له في صلاته، فأخشى أن يكون هذا من تلبيس الشيطان ليوقعه في هذا المكروه من حيث لا يشعر، ولو عود نفسه على أن لا يخشع إلا إذا أغمض عينيه فهذا هو الذي يجعله يخشع في حال تغميض العينين أكثر مما يخشع لو كان فاتح العينين.

(13/299)


592 وسئل فضيلة الشيخ: عن الانحناء الزائد أثناء الوقوف في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الانحناء الزائد أثناء الوقوف خلاف المشروع، فإن ظاهر الأدلة أن القائم ينتصب ويعتدل، ولا يكون حانياً رقبته أو ظهره، حتى إن بعض الفقهاء يقول: يكره أن تمس لحيته صدره.

593 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: هل يجوز أن يدخل المصلي المسجد وأن يصلي وعلبة السجائر معه؟ وهل الدخان حرام؟ وما هو الدليل؟
فأجا فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يصلي ومعه السجائر.
والدخان حرام، والدليل قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم)، وقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن إضاعة المال، وثبت من الناحية الطبية أن الدخان ضار وربما أدى إلى الموت، فتناوله سبب لقتل شاربه لنفسه، وشاربه ملق بنفسه إلى التهلكة، وشاربه مفسد لماله حيث صرفه في غير ما جعله الله له، فإن الله جعله قياماً للناس، تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، والدخان ليس مما تقوم به مصالح الدين ولا الدنيا، فصرف المال فيه إضاعة له، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال.

(13/300)


594 وسئل فضيلة الشيخ: أشاهد بعضاً من الناس يدخلون إلى المسجد لكي يصلوا وهم يحملون معهم السجائر في جيوبهم، هل عليهم إثم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليهم إثم في حملهم لهذه السجائر بالنسبة للصلاة؛ لأن حملها لا يؤثر في الصلاة؛ لأن السجائر ليست نجسة النجاسة الحسية، ولكن عليه إثم يشرب هذه السجائر. فإن شرب الدخان محرم؛ لأنه ثبت من الناحية الطبية أنه مضر وأنه يسبب الإصابة بأمراض مستعصية قد تؤدي إلى الهلاك، قال الله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن أكل البصل والثوم قبل الذهاب إلى المساجد وقال: "إن ذلك يؤذي، وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (1) . وإذا نظرنا إلى التدخين وجدنا أن الدخان فيه ضرر على البدن، وفيه إضاعة للمال، وفيه أذية للناس (2) .

595 وسئل فضيلته: ما صحة ما يروى أن الصلاة في الظلام مكروهة؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: أنا لا أعرف هذا الحديث، وعلى من أتى به أن يتحقق منه.
والصلاة في الظلام في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت هي الأصل؛ لأن مساجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك الوقت ليس فيها مصابيح، كما قالت
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب 17 – نهي من أكل ثوماً.. 1/395 ح74 (564).
(2) سيأتي حكم شرب الدخان مفصلاً في موضعه من الفتاوى إن شاء الله تعالى.

(13/301)


عائشة – رضي الله عنها – "والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح" (1) .

596 وسئل فضيلة الشيخ: هل النهي الوارد في حديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أكل الثوم والبصل والكراث يشمل إذا طبخت مع الطعام أو لا؟ وهل إذا أكلها الإنسان من دون طبخ ثم أكل ما يزيل ريحها هل يشمله النهي؟ وهل النهي خاص بمسجد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عام؟ وبماذا نرد على الذي يأكل هذه الأشياء ويجعلها ذريعة إلى ترك الصلاة بالمسجد ويقول إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهى من أكلها أن يأتي إلى المسجد؟ أفتونا مأجورين والله يحفظكم ويرعاكم ويمدكم بعونه وتوفيقه.
فأجاب فضيلته بقوله: النهي عن أكل الثوم والبصل والكراث ليس نهياً عنها بذاتها، ولكن من أجل تأذي غير الآكل برائحتها، ولهذا إذا طبخت حتى ذهب ريحها فلا بأس، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخاً"رواه مسلم في المساجد باب نهى من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها 1/396 ح78 (567)
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الصلاة باب 22 – الصلاة على الفراش (382)، ومسلم في الصلاة باب الاعتراض بين يدي المصلي 1/367 ح272 (512).

(13/302)


وفي أوله خطبة عمر يوم جمعة.¥.
وفي
حديث أبي سعيد الخدري (1) - رضي الله عنه - في فتح خيبر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد". فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها". أخرجه مسلم.
فتبين بهذا أن هذه الشجرة الثوم حلال وليس حراماً ولا مكروهاً، ولكن هي مكروهة من جهة ريحها، فإذا أكل ما يزيل ريحها زالت الكراهة.
والنهي شامل للمسجد النبوي وغيره لحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من أكل من هذه البقلة (الثوم) فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها" (2) . وفي لفظ: "فلا يأتين المساجد". أخرجه مسلم (3) .
ولأن العلة وهي: تأذي الملائكة لا يختص بالمسجد النبوي.
ولا يحل لأحد أن يأكل منها ليتخذ ذلك ذريعة للتخلف عن صلاة الجماعة، كما لا يحل السفر في رمضان من أجل أن يفطر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجبات لا يسقطها. حرر في 28/12/1414هـ.

__________
(1) رواه مسلم في الموضع السابق ح76 (565).
(2) رواه البخاري في الأذان باب: ما جاء في الثوم.. (853)، ومسلم في باب: نهي من أكل ثوماً.. ح68 (561).
(3) هذه الزيادة وردت عند مسلم ح69 (561).

(13/303)


597 وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل سقيم له رائحة كريهة فهل يجوز إخراجه من المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان في هذا الرجل السقيم الذي ذكر السائل رائحة كريهة فلا بأس من إخراجه من المسجد إذا لم يزل هذه الرائحة عنه؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى من أكل ثوماً أو نحوه مما له رائحة كريهة أن يقرب المساجد، وعلى هذا فإذا قرب المسجد من كان فيه رائحة كريهة فقد عصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعصية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منكر، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (1) .
وإخراج صاحب الرائحة الكريهة من المسجد من إزالة المنكر فيكون مأموراً به. بل في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا وجد ريحهما - يعني البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخاً".
ولهذا قال في شرح المنتهى وفي شرح الإقناع: يستحب إخراجه من المسجد - يعني إخراج من فيه رائحة كريهة - من إصنان أو بصل أو نحوهما والله الموفق. حرر في 22/3/1399هـ.

__________
(1) رواه مسلم في الإيمان باب كون النهي عن المنكر من الإيمان 1/69 ح78 (49).

(13/304)


598 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تشبيك الأصابع بعد الصلاة، وقبلها، وأثنائها؟
فأجاب فضيلته بقوله: تشبيك الأصابع بعد الصلاة لا بأس به، فقد ثبت (1) أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبك بين أصابعه بعد الصلاة.
وأما إذا كان قبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة فمكروه، لحديث ورد في هذا، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (2) عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة".

599 سئل فضيلة الشيخ: عن فرقعة الأصابع أثناء الصلاة سهواً هل تبطل الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: فرقعة الأصابع لا تبطل الصلاة، ولكن فرقعة الأصابع من العبث، وإذا كان ذلك في صلاة الجماعة أوجب التشويش على من يسمع فرقعتها فيكون ذلك أشد ضرراً مما لو لم يكن حوله أحد.
وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن الحركة في الصلاة تنقسم إلى
__________
(1) رواه البخاري في التيمم باب تشبيك الأصابع (468)، ومسلم في المساجد/ باب السهو في الصلاة والسجود له (573).
(2) رواه أحمد 4/241، وأبو داود في الصلاة باب ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة (562)، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (386).

(13/305)


خمسة أقسام: حركة واجبة، وحركة مسنونة، وحركة مكروهة، وحركة محرمة، وحركة جائزة.
أما الحركة الواجبة: فهي التي يتوقف عليها فعل واجب في الصلاة، مثل أن يقوم الإنسان يصلي ثم يذكر أن على غترته نجاسة فحينئذ يتعين عليه أن يخلع هذه الغترة، وهذه حركة واجبة، ودليل ذلك (1) أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه جبريل وهو يصلي فأخبره أن في نعليه قذراً فخلعهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أثناء الصلاة ومضى في صلاته، وكذلك إذا كان يصلي متجهاً إلى غير القبلة مجتهداً ولكنه أخطأ اجتهاده، فجاءه رجل آخر أعلم منه وقال له: إن القبلة على يمينك فحينئذ يتعين عليه أن يدور حتى يتجه إلى القبلة. وهذه حركة واجبة. ودليل ذلك أن الناس كانوا يصلون في مسجد قباء في صلاة الصبح فجاءهم آتٍ فقال لهم: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أنزل عليه الليلة قرآن وأمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانصرفوا إلى الكعبة وهم يصلون (2) ، وهذه حركة واجبة وضابطها أن يترتب عليها فعل واجب في الصلاة أو ترك محرم.
وأما الحركة المسنونة: فهي أن يتوقف عليها كمال الصلاة. مثل الدنو في الصف إذا انفتحت الفرجة فدنا الإنسان إلى جاره لسد
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب الصلاة في النعل ح(650) وصححه ابن خزيمة 1/384 (786)، وابن حبان 5/560 (2185).
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر، فرواه البخاري في الصلاة باب ما جاء في القبلة (403) ورواه في مواضع أخرى، ورواه مسلم في المساجد باب تحويل القبلة 1/375 ح13 (526).

(13/306)


هذه الفرجة فإن هذه سنة، فيكون هذا الفعل مسنوناً.
وأما الحركة المكروهة: فهي الحركة التي لا حاجة إليها ولا تتعلق بتكميل الصلاة.
وأما الحركة المحرمة: فهي الحركة الكثيرة المتوالية، مثل أن يكون الإنسان وهو قائم يعبث، وهو راكع يعبث، وهو ساجد يعبث، وهو جالس يعبث حتى تخرج الصلاة عن هيئتها، فهذه الحركة محرمة لأنها تبطل الصلاة.
وأما الحركة المباحة: فهي ما عدا ذلك، مثل أن تشغل الإنسان حكة فيحكها، أو تنزل غترته على عينه فيرفعها فهذه من الحركة المباحة. أو يستأذنه إنسان فيرفع يده ويأذن له فهذه من الحركات المباحة.

600 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن مبطلات الصلاة.
فأجاب فضيلته بقوله: مبطلات الصلاة تدور على شيئين:
الأول: ترك ما يجب فيها.
الثاني: فعل ما يحرم فيها.
فأما ترك ما يجب، مثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً، أو شرطاً من شروطها متعمداً أو واجباً من واجباتها متعمداً.
مثال ترك الركن أن يترك الركوع متعمداً، ومثال ترك الشرط أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً، ومثال ترك الواجب

(13/307)


أن يترك التشهد الأول متعمداً، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته باطلة سواء سمي ذلك الواجب شرطاً، أم ركناً، أم واجباً.
الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة: فعل ما يحرم فيها كأن يحدث في صلاته، أو يتكلم بكلام الآدميين، أو يضحك، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة يفعلها متعمداً عالماً فإن صلاته تبطل في هذه الحال.

601 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم كف الكم في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كفه لأجل الصلاة فإنه يدخل في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف ثوباً ولا شعراً" (1) . وإن كان قد كفه من قبل لعمل قبل أن يدخل في الصلاة، أو كفه لكثرة العرق وما أشبه ذلك فليس بمكروه.
أما إذا كان كفه لأجل أنه طويل، فينبغي عليه تقصيره حتى لا يدخل في الخيلاء.

602 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن الغترة أو الشماغ إذا جعله الإنسان على الورى، هل يعد ذلك من كف الثوب المنهي عنه؟
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري في الأذان باب: السجود على سبعة أعظم ح(810)، ومسلم في الصلاة باب أعضاء السجود 1/354 ح227 (490).

(13/308)


فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه لا يعد من كف الثوب المنهي عنه؛ لأن هذه من صفات لبس الغترة والشماغ، فهي كالثوب القصير كمه والعمامة الملوية على الرأس.

603 سئل فضيلة الشيخ: نرجو من فضيلتكم بيان حكم الحركة في الصلاة؟
فأجاب بقوله: الحركة في الصلاة الأصل فيها الكراهة إلا لحاجة، ومع ذلك فإنها تنقسم إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: حركة واجبة.
القسم الثاني: حركة محرمة.
القسم الثالث: حركة مكروهة.
القسم الرابع: حركة مستحبة.
القسم الخامس: حركة مباحة.
فأما الحركة الواجبة: فهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة، مثل أن يرى في غترته نجاسة، فيجب عليه أن يتحرك لإزالتها ويخلع غترته، وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه جبريل وهو يصلي بالناس فأخبره أن في نعليه خبثاً فخلعها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في صلاته واستمر فيها (1) ، ومثل أن يخبره أحد بأنه اتجه إلى غير القبلة فيجب عليه أن يتحرك إلى القبلة.
وأما الحركة المحرمة: فهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير
__________
(1) رواه أبو داود وتقدم في ص306.

(13/309)


ضرورة؛ لأن مثل هذه الحركة تبطل الصلاة، وما يبطل الصلاة فإنه لا يحل فعله؛ لأنه من باب اتخاذ آيات الله هزواً.
وأما الحركة المستحبة: فهي الحركة لفعل مستحب في الصلاة، كما لو تحرك من أجل استواء الصف، أو رأى فرجة أمامه في الصف المقدم فتقدم نحوها وهو في صلاته، أو تقلص الصف فتحرك لسد الخلل، أو ما أشبه ذلك من الحركات التي يحصل بها فعل مستحب في الصلاة؛ لأن ذلك من أجل إكمال الصلاة، ولهذا لما صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام عن يساره أخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأسه من ورائه فجعله عن يمينه (1) .
وأما الحركة المباحة: فهي اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة للضرورة، أما اليسيرة لحاجة فمثلها فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينت بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جدها من أمها فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها (2) .
وأما الحركة الكثيرة للضرورة: فمثل قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). فإن من يصلي وهو يمشي لا شك أن عمله كثير ولكنه لما كان للضرورة كان مباحاً لا يبطل الصلاة.
وأما الحركة المكروهة: فهي ما عدا ذلك وهو الأصل في
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص27.
(2) رواه البخاري/ الصلاة/ باب: إذا حمل جارية (516) ومسلم/ المساجد/ بال جواز حمل الصبيان في الصلاة (543).

(13/310)


الحركة في الصلاة، وعلى هذا نقول لمن يتحركون في الصلاة إن عملكم مكروه، منقص لصلاتكم، وهذا مشاهد عند كل أحد فتجد الفرد يعبث بساعته، أو بقلمه، أو بغترته، أو بأنفه، أو بلحيته، أو ما أشبه ذلك، وكل ذلك من القسم المكروه إلا أن يكون كثيراً متوالياً فإنه محرم مبطل للصلاة.

604 وسئل فضيلة الشيخ: كم عدد الحركات التي تبطل الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لها عدد معين، بل الحركة التي تنافي الصلاة بحيث إذا رؤى هذا الرجل فكأنه ليس في صلاة، هذه هي التي تبطل؛ ولهذا حدده العلماء رحمهم الله بالعرف، فقالوا: "إن الحركات إذا كثرت وتوالت فإنها تبطل الصلاة" بدون ذكر عدد معين، وتحديد بعض العلماء إياها بثلاث حركات، يحتاج إلى دليل؛ لأن كل من حدد شيئاً بعدد معين، أو كيفية معينة، فإن عليه الدليل، وإلا صار متحكماً في شريعة الله.

605 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: ما حكم حمل المرأة لطفلها في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تحمل المرأة طفلها إذا كان طاهراً واحتاج إلى حملها، لكونه يصيح ويشغلها عن صلاتها إذا لم تحمله، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي وهو حامل أمامه بنت

(13/311)


زينت بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان يصلي بالناس وهو حاملها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام حملها وإذا سجد وضعها" (1) ، فإذا فعلت المرأة ذلك بطفلها فلا بأس به، لكن الأفضل أن لا تفعل إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والله أعلم.

606 وسئل فضيلة الشيخ: عن إمام مسجد إذا كبر للصلاة وانتهى من التكبيرة، يتقدم يمشي خطوتين أو ثلاث خطوات، وأصبحت عادة عنده فما حكم فعل هذا الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا شيئاً بغير اختياره فهو معذور؛ لأن بعض الناس قد يكون معه شيء من الدوخة فيحاول أن يتماسك فيتقدم عندئذ، أو يتأخر، وإن كان باختياره فإنه ينهى عنه؛ لأن هذه حركة في الصلاة بدون حاجة، وكل حركة في الصلاة بدون حاجة فإنها مكروهة.
وهنا يحسن بنا أن نبين أقسام الحركات في الصلاة:
أقسام الحركات في الصلاة خمسة: حركة واجبة، وحركة محرمة، وحركة جائزة، وحركة مكروهة، وحركة مستحبة.
فالحركة الواجبة هي: التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا ضابط الحركة الواجبة ونذكر لذلك مثالين:
المثال الأول: إنسان تذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي،
__________
(1) تقدم تخريجه ص310.

(13/312)


فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة ويتسمر في صلاته. والغترة نوع مما يلبس على الرأس.
المثال الثاني: رجل يصلي إلى غير القبلة، فجاءه عالم بالقبلة فقال له: القبلة على يمينك، فهنا يجب عليه أن يتجه إلى القبلة، ولكل واحدة من هاتين المسألتين دليل.
أما المسألة الأولى: فدليلها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي في نعليه وفيهما قذراً (1) لم يعلم به، فجاءه جبريل فأخبره بذلك، فخلع نعليه واستمر في صلاته.
وأما الثانية: فإن أهل قباء كانوا يصلون صلاة الفجر إلى جهة بيت المقدس، وكانت مكة وراءهم، وأتاهم آت فقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم يصلون (2) .
والحركة المستحبة: هي التي يتوقف عليها فعل مستحب هذا ضابطها.
مثال ذلك: انفتحت فرجة أمامك في الصف، وسد الفرج سنة، فتقدمت لهذه الفرجة، فهذه حركة مستحبة، وكذلك تقارب الصف، فإذا صار بينك وبين جارك فرجة فقربت منه فهذه أيضاً حركة مستحبة.
والحركة المحرمة: هي الحركة التي تنافي الصلاة. يعني أنها كثيرة بحيث يقول من رآك تتحرك: إنك لست في صلاة، فهذه
__________
(1) رواه أبو داود وغيره، وتقدم في ص306.
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر، وتقدم في ص306.

(13/313)


محرمة وضابطها أن تكون كثيرة متوالية.
والحركة المكروهة: هي الحركة القليلة بلا حاجة، مثل ما يحصل من بعض الناس حيث يعبث في صلاته بقلمه، أو ساعته، أو عقاله، أو مشلحه بدون حاجة، فهذه حركة مكروهة.
الحركة الجائزة: هي الحركة اليسيرة إذا كانت لحاجة، أو الحركة الكثيرة إذا كانت لضرورة.
مثال الحركة اليسيرة للحاجة: إنسان يشق عليه أن يصلي على الأرض مباشرة لأنها حارة، أو لأن فيها شوكاً، أو فيها حصى يؤلم جبهته، فصار يتحرك، ويضع المنديل ليسجد عليه، فهذه حركة جائزة؛ لأنها لحاجة، لكنها يسيرة، والمنديل ينبغي أن يكون واسعاً بحيث يتسع لكفيه وجبهته، هذا هو الأحسن، لكن إذا لم يكن معه إلا منديل صغير لا يتسع إلا الجبهة وهو محتاج أن يسجد عليه فلا بأس. فهذه حركة يسيرة لحاجة.
وهناك الحركة الكثيرة للضرورة: إن كنت تصلي فهاجمك سبع ففي هذه الحال تحتاج إلى حركات كثيرة وسريعة، فلا بأس بأن تدفع عن نفسك هذا الخطر ولو كنت في صلاتك لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) يعني إن خفتم على أنفسكم فصلوا رجالاً يعني: على أرجلكم ولو كنت تهرب، أو ركباناً على الرواحل.
هذه أقسام الحركات في الصلاة، فاحرص على أن يخشع قلبك وجوارحك، حتى تكون صلاتك تامة، فقد امتدح الله الذين هم في صلاتهم خاشعون.

(13/314)


607 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز لي أن أرد السلام وأنا أثناء الصلاة على من سلم عليَّ بصوت مرتفع، بحيث يسمعني من سلم عليَّ أو بصوت منخفض جداً بيني وبين نفسي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سلم الإنسان على المصلي فإن المصلي لا يرد عليه بالقول، ولو رد عليه لبطلت صلاته؛ لأن الرد عليه من كلام الآدميين، وقد قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما التكبير، والتسبيح، وقراءة القرآن" (1) . ولكنه يرد عليه بالإشارة بأن يرفع يده – هكذا – مشيراً إلى أنه يرد عليه السلام، ثم إن بقي المسلم حتى انصراف المصلي من صلاته رد عليه باللفظ، وإن لم يبق وانصرف فالإشارة تكفي.

608 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الكلام في مصلحة الصلاة مثل أن ينسى الإمام قراءة الفاتحة فنقول له اقرأ الفاتحة، وإذا نسي الركوع وسجد وقيل له سبحان الله فلم يفهم فنقول له لم تركع فهل ذلك يبطل الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، الكلام يبطل الصلاة، وأعني بالكلام كلام الآدميين، والدليل على ذلك قصة معاوية بن الحكم (2) - رضي الله عنه - حين جاء والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بأصحابه فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله، فقال معاوية: يرحمك
__________
(1) هذا جزء من حديث معاوية بن الحكم وسيأتي كاملاً في السؤال الذي بعده.
(2) رواه مسلم في المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/381 ح33 (537).

(13/315)


الله، فرماه الناس بأبصارهم فقال: وا ثكل أماه فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت فلما قضى صلاته دعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه صلوات الله وسلامه عليه، والله ما كهرني، ولا نهرني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" الشاهد قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" وهذا عام فشيء نكرة في سياق النفي يفيد العموم سواء لمصلحة الصلاة، أو لغير مصلحة الصلاة، وعلى هذا فلا يجوز لنا أن ننبه الإمام بشيء من الكلام، فإذا سجد في غير موضع السجود فلا نقول له: قم. بل نقول: سبحان الله؛ وإذا قام في غير موضع القيام، فلا نقول له: اجلس؛ لأنك إن قلت: اجلس، فإنك تكون قد كلمت الآدمي فتبطل صلاتك.
فإذا تكلم أحد الناس جاهلاً فلا عليه إعادة، ولهذا لم يأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاوية بالإعادة، مع أنه تكلم مرتين، مرة قال للعاطس (يرحمك الله) ومرة قال: (وا ثكل أماه) ولم يأمره بالإعادة، لكن لو أن الإمام في صلاة جهرية نسي أن يجهر فقلنا له: سبحان الله، فلم يفهم نقرأ جهراً يرفع أحد المصلين صوته بقراءة الفاتحة فينتبه الإمام.

609 وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: ما حكم

(13/316)


السترة؟ وما مقدارها؟
فأجاب فضيلته بقوله: السترة في الصلاة سنة مؤكدة إلا للمأموم، فإن المأموم لا يسن له اتخاذ السترة اكتفاءً بسترة الإمام.
فأما مقدارها فقد سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها فقال: "مثل مؤخرة الرحل" (1) .
لكن هذا أعلاها ويجزئ ما دون ذلك فقد جاء في الحديث: "إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم" (2) . وجاء في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود بإسناد حسن "أن من لم يجد فليخط خطاً. قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (3) : لم يصب من زعم أنه مضطرب، فالحديث ليس فيه علة توجب رده. فنقول: أقلها خط، وأعلاها مثل مؤخرة الرحل.
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة، باب سترة المصلي 1/358 ح241 (499).
(2) رواه ابن خزيمة في أبواب سترة المصلي 2/12 (811)، ورواه أحمد 3/404 (وط الرسالة 24/57 (15340).
(3) انظر سبل السلام شرح بلوغ المرام باب سترة المصلي 1/283 ح8.

(13/317)


610 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: إذا مرت المرأة أمام امرأة تصلي وليس أمامها سترة فهل عليها إعادة الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول إن المرأة، والكلب الأسود، والحمار إذا مر واحد منها بين المصلي وبين سترته، بطلت الصلاة، ووجب استئنافها من جديد، إلا إذا كان يصلي خلف الإمام، فإنه لا يقطع صلاته شيء؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، هذا إذا كان للمصلي سترة، فإذا لم يكن له سترة وكان له مصلى فإن من مر وراء المصلى لا يقطع الصلاة ولو كان أحد الثلاثة، فإذا كانت المرأة تصلي على سجادة فمر من وراء السجادة أحد من رجل أو امرأة أو كبير أو صغير فإن ذلك لا يخل بالصلاة لأنه من وراء المصلى، فإن لم يكن له سترة ولا مصلى خاص فإن منتهى ذلك منتهى سجوده أي موضع جبهته حال السجود، وما وراء ذلك فإنه لا يضره من مر فيه.

611 سئل فضيلة الشيخ: هل تقطع المرأة صلاة المرأة إذا مرت بين يديها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، تقطع لأنه لا فرق في الأحكام بين الرجل والنساء إلا بدليل. ولكن إذا مرت من وراء سترتها إن كان لها سترة، أو من وراء سجادتها إن كانت تصلي على سجادة، أو من وراء موضع سجودها إن لم يكن لها سترة ولا سجادة فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر.

(13/318)


612 وسئل فضيلة الشيخ: هل يستثنى الحرمان الشريفان من قطع الصلاة لوجود المشقة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث لم يستثن شيئاً، وليس في هذا مشقة لأن في الإمكان أن تمنع، والناس سوف يمتنعون، وإذا لم يتيسر ذلك فأجل النافلة إلى وقت يكون فيه المكان غير مزدحم، أو تقدم إلى مكان آخر يكون خالياً، أو إذا كانت نافلة اجعلها في البيت، فإن النافلة في البيت أفضل من النافلة في المسجد سواء في المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو في غيرها من المساجد؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وهو في المدينة: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (1) ، وكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتطوع في بيته.

613 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن حكم مرور المرأة بين يدي المصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: مرور المرأة بين يدي المصلي مبطل للصلاة إلا إذا كان تابعاً لإمامه، فإن سترة الإمام سترة له ولمن خلفه، فأما إذا كان يصلي منفرداً، أو كان هو الإمام ومرت بينه وبين سترته، أو بينه وبين موضع سجوده إن لم يكن له سترة امرأة بالغة فإن صلاته تبطل ويجب عليه أن يستأنف الصلاة من جديد، هكذا
__________
(1) رواه ابو داود في الصلاة باب صلاة الرجل التطوع في بيته ح(1044)، ورواه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في فضل التطوع في البيت (450) وحسنه.

(13/319)


ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه (1) ، ولا يرد على هذا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تنام بين يدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، لأن الحديث الذي فيه أن المرأة تقطع الصلاة إنما هو في المرور، والنوم ليس مروراً، والله أعلم.

614 سئل فضيلة الشيخ: عن الأشياء التي تقطع الصلاة إذا مرت أمام المصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يقطع الصلاة ثلاثة: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة البالغة، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه إذا لم يكن بين المصلي وبين هؤلاء المارين مثل مؤخرة الرحل" (3) فإنهم يقطعون صلاته.
وعلى هذا فنقول: إذا كان للإنسان سترة ثم مر هؤلاء من وراءها فإنهم لا يقطعون الصلاة ولا ينقضونها حتى لو كانت السترة قريبة من موضع السجود ولم يكن بينهم وبين قدميه إلا أقل من ثلاثة أذرع فإن الصلاة صحيحة ما داموا من وراء السترة.
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب قدر ما يستر المصلي 1/365 ح265 (510) وسيأتي في س 615.
(2) متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري في الصلاة باب الصلاة على الفراش (382) و(508) و(511) ومواضع أخرى، ومسلم في الصلاة باب الاعتراض بين يدي المصلي 1/366 ح267 و272 (512).
(3) تقدم في السؤال الذي قبله ص317.

(13/320)


أما إذا لم يكن للمصلي سترة ومروا بين يديه فإنهم يقطعون صلاته فإذا مر الحمار بين يديه قطع صلاته ووجب عليه أن يعيدها من جديد، وإذا مر الكلب الأسود بين يديه قطع صلاته ووجب عليه أن يعيدها من جديد، وإذا مرت المرأة البالغة من بين يديه فإنها تقطع صلاته ويجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
ولكن ما المراد بما بين يديه؟
كثير من أهل العلم يقولون إن المراد بما بين يديه مسافة ثلاثة أذرع – أي متر ونصف تقريباً من قدميه -.
وبعض العلماء يقول: ما بين يديه هو منتهى سجوده يعني موضع جبهته، وما وراء ذلك فإنه لا حق له فيه؛ لأن الإنسان يستحق من الأرض ما يحتاج إليه في صلاته، وهو لا يحتاج في صلاته، إلى أكثر من موضع سجوده، وهذا القول هو الأصح عندي، وهو أن المصلي إذا لم يكن له سترة فإن منتهى المكان المحترم له هو موضع سجوده، وما وراء مكان جبهته من السجود لا حق له فيه ولا يضره من مر من ورائه.
والخلاصة: أن المرأة البالغة، والحمار، والكلب الأسود إذا مرت إحدى هذه الثلاثة بين المصلي وبين سترته بطلت صلاته ووجب عليه إعادتها من جديد، وإذا لم يكن له سترة ومروا من بينه وبين موضع سجوده بطلت صلاته ووجب إعادتها من جديد.

(13/321)


615 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: هل تقطع المرأة الصلاة؟ وهل هناك فرق بين المسجد الحرام وغيره؟ وهل يشمل ذلك المسبوق؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يقطع صلاة الرجل المسلم – أو قال – المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار والكلب الأسود" (1) ، فإذا مرت المرأة بين المصلي وسترته إن كان له سترة، أو بينه وبين موضع سجوده إن لم يكن له سترة، بطلت صلاته ووجب عليه استئنافها حتى ولو كان في الركعة الأخيرة فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
ولا فرق في ذلك بين المسجد وغيره على القول الراجح؛ لأن النصوص عامة، وليس فيها تخصيص بقعة دون أخرى، ولهذا ترجم البخاري على هذه المسألة بقوله: "باب السترة بمكة وغيرها" (2) واستدل بالعموم.
وعليه فإذا مرت المرأة بين الرجل وبين سترته، أو بينه وبين موضع سجوده وجب عليه إعادة الصلاة، إلا إذا كان مأموماً فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فيجوز أن يمر الإنسان بين يدي المصلين الذين يصلون خلف إمام ولا إثم عليه، ولا يحل له أن يمر بين يدي غير المأمومين فإن ذلك حرام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لو يعلم
__________
(1) تقدم تخريجه في ص317.
(2) البخاري في الصلاة باب 94.

(13/322)


المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه" (1) . وهذا الأربعين في الصحيحين مطلقة، لكن روى البزار (2) أن المراد بالأربعين أربعون خريفاً يعني أربعين سنة لو يبقى الإنسان أربعين سنة واقفاً لكان خيراً من أن يمر بين يدي المصلين.
أما المسبوق فإنه إذا كان يصلي ما فاته في حكم المنفرد.

616 سئل الشيخ – وفقه الله تعالى -: هل يجوز المرور أمام الصف في صلاة الجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء رحمهم الله هل يأثم المار بين يدي المصلين خلف الإمام؟
فقال بعض العلماء: إنه يأثم لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه". متفق عليه. وأخرجه البزار (3) بلفظ: "لكان أن يقف أربعين خريفاً" أي أربعين سنة خيراً من أن يمر بين يديه، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يمر بين يدي المصلي لعموم الحديث.
وقال بعض العلماء: إن المرور بين يدي المأمومين ليس
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي جهيم، فرواه البخاري في الصلاة باب: إثم المار بين يدي المصلي (510). ومسلم في الصلاة باب منع المار بين يدي المصلي 1/363 ح261 (507).
(2)
(3) أورده الهيثمي في المجمع في كتاب الصلاة، باب فيمن يمر بين يدي المصلي وصححه 2/202 (2302).

(13/323)


بمحرم، لأن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك أحد" (1) . فدل هذا على أنه لا يحرم على الإنسان أن يمر بين يدي المصلين إذا كان لهم إمام وهذا القول أقرب إلى الصواب، وهو أنه يجوز للإنسان أن يمر بين يدي المصلين خلف الإمام، لكن إذا كان يخشى من التشويش فلا يمر لأن بعض الناس المصلين إذا رأى الإنسان قد مر يلاحظه حين يقبل إلى أن يتجاوزه، فيحصل في ذلك تشويش على المصلين، فإذا حصل أن يبتعد الإنسان عن المرور بين يدي المصلين فهو أفضل، ولكنه لو مر لا يأثم بذلك، ولو كانت امرأة فإنها لا تقطع الصلاة، والله الموفق.

617 سئل فضيلة الشيخ: هل يأثم من يترك السترة في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قلنا إن السترة واجبة أثم، ولكن الصحيح أنها ليست بواجبة، بل هي سنة، إلا للمأموم فإنه لا يتخذ سترة؛ لأن سترة الإمام سترة له، وعلى هذا لا يأثم المصلي إذا صلى دون سترة.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في العلم باب 19 متى يصح سماع الصغير (76) وفي مواضع أخرى، ومسلم في الصلاة باب 47 سترة المصلي 1/361 ح254 (504).

(13/324)


618 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام سواء كان المصلي مفترضاً أو متنفلاً مأموماً أو منفرداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المرور بين يدي المأموم فلا بأس به في المسجد الحرام وفي غيره، لأن ابن عباس – رضي الله عنهما – جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في منى وهو يصلي بالناس إلى غير جدار فمر بين يدي الصف، وهو راكب على حمار أتان، ولم ينكر عليه أحد (1) .
وأما إذا كان المصلي إماماً أو منفرداً فإنه لا يجوز المرور بين يديه لا في المسجد الحرام ولا في غيره لعموم الأدلة، وليس هناك دليل يخص مكة، أو المسجد الحرام يدل على أن المرور بين يدي المصلي فيهما لا يضر ولا يأثم به المار.

619 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: عن حكم وضع الحذاء سترة للمصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: السترة للمصلي جائزة بكل شيء حتى لو كان سهماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا صلى أحدكم فليستر لصلاته ولو بسهم" (2) ، بل قال العلماء إنه يمكن أن يستر بالخيط وبطرف السجادة بل جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من
__________
(1) تقدم تخريجه ص324.
(2) رواه الإمام أحمد في "المسند" 3/404، والبيهقي 2/270.

(13/325)


لم يجد عصاً فليخط خطاً، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه" (1) . رواه الإمام أحمد، وقال ابن حجر في البلوغ: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. وكل هذا يدل على أن السترة لا يشترط أن تكون كبيرة، وإنما يكتفي فيها بما يدل على التستر.
فالنعال لاشك أنها ذات جسم وكبيرة إلا أني أرى أنه لا ينبغي أن يجعلها سترة له؛ لأن النعال في العرف مستقذرة، ولا ينبغي أن تكون بين يديك وأنت واقف بين يدي الله عز وجل، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصلي أن يتنخع بين يديه يعني يتفل النخامة بين يديه، وقال عليه الصلاة والسلام معللاً ذلك: "فإن الله تعالى قبل وجهه" (2) .
620 سئل
فضيلة
الشيخ
– حفظه
الله
تعالى -: عن مقدار السترة للمصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: السترة التي يضعها المصلي الأفضل أن تكون كمؤخرة الرحل نحو ثلثي ذراع، وإن كانت أقل من ذلك فلا حرج حتى لو كانت سهماً أو عصاً فإنه تجزئ، فإذا وضع
__________
(1) رواه أبو داود وتقدم في ص317.
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر ولفظه: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى". رواه البخاري في الصلاة باب حك البزاق من المسجد (406). ورواه مسلم في المساجد باب النهي عن البصاق في المسجد 1/388 ح50 (547).

(13/326)


الإنسان سترة ومر من ورائها شيء رجل، أو امرأة، أو كلب، أو حمار أو غير ذلك فإنه لا يضره؛ لأن السترة تحجز عن المصلي ذلك المار، وإذا لم يكن له سترة ومر أحد من وراء مصلاة – سجادته – فإنه لا يضر أيضاً فإذا كانت المرأة تصلي في بيتها على سجادة ومر من وراء السجادة أحد رجل أو امرأة فإن ذلك لا يضر لأنه خارج مصلاها.

621 وسئل الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: هل السترة في صلاة الجماعة كما هي في صلاة الفرد؟
فأجاب بقوله: السترة في صلاة الجماعة بالنسبة للإمام كما هي في صلاة المنفرد، أما بالنسبة للمأموم فإنه لا يشرع للمأموم أن يتخذ سترة؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله عنهما – "أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي في الناس بمنى إلى غير جدار فأرسلت الأتان ترتع فمرت أو قال فمررت بين يدي بعض الصف" (1) وهذا دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه وأنه إذا مر أحد يقطع الصلاة بين يدي المأمومين فإن صلاتهم لا تنقطع؛ لأن سترة الإمام سترة لهم.
وقد ظن بعض الناس أن قول ابن عباس: "ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي إلى غير جدار". أن الحرم أي ما كان داخل الأميال لا تشرع فيه السترة، وقالوا: "إن قوله: "إلى غير جدار" يدل على أن الحرم لا تتخذ فيه السترة يعني ما كان داخل الأميال. ولكن من تأمل الحديث
__________
(1) تقدم تخريجه في ص324.

(13/327)


وجد أنه يدل على خلاف ذلك؛ لأن قول ابن عباس: "إلى غير جدار"، غير صفة ولا تقع غير إلا صفة لموصوف، فعليه يكون تقدير الكلام إلى شيء غير جدار، والمعروف أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي فتركز له العنزه كما في حديث أبي جحيفة وهو ثابت في الصحيحين أنه قال: "رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسح منه، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة وركزها، وخرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حلة حمراء مشمراً صلى بالناس ركعتين، ورأيت الناس يمرون بين يدي العنزة" (1) . وهذا نص صريح في أن السترة تتخذ حتى فيما كان داخل الأميال؛ لأن الأبطح أقرب إلى الكعبة من منى، ومع ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتخذ فيه السترة.

622 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم اتخاذ النعل سترة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس إلا إذا كان فيها شيء بين من نجاسة أو أذى، فلا يتخذها سترة؛ إلا أن الأولى أن لا يجعلها سترة له؛ لأن النعال في العرف مستقذرة، ولهذا فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وسلم نهى أن يبصق المصلي أمام وجهه (2) .
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي جحيفة، فرواه البخاري في الصلاة باب الصلاة في الثوب الأحمر (376)، ورواه مسلم في الصلاة باب سترة المصلي 1/360 ح249 و250 (503).
(2) تقدم تخريجه في ص326.

(13/328)


623 وسئل فضيلة الشيخ: ذكر ابن القيم – رحمه الله تعالى – في زاد المعاد (1) أن من السنة في اتخاذ السترة للمصلي أنها لا تكون أمامه مباشرة، بل تكون عن يمينه، أو عن يساره، فنريد توضح ذلك وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: يريد ابن القيم – رحمه الله – أنك إذا اتخذت سترة في الصلاة فلا تقابلها مقابلة تامة، اجعلها عن يمينك شيئاً ما، أو عن يسارك شيئاً ما، لورود حديث بذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام (2) ، لكن الحديث الذي ورد في هذا لين، فيه شيء من الضعف، وظاهر الأدلة أن السترة تكون بين يدي المصلي تماماً، وأنه يستقبلها بدون أن تكون عن يمينه أو عن شماله، والأمر في هذا واسع؛ إن صمد إليها صمداً فلا بأس، والإنسان بعيد عن أن يجعلها كالصنم، وإن جعلها عن يمينه أو عن يساره شيئاً ما فلا بأس.

624 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عن المسافة التي يمنع فيها المرور من بين يدي المصلي؟
...
__________
(1) زاد المعاد 1/305.
(2) رواه الإمام أحمد 6/4، وأبو داود في الصلاة/ باب إذا صلى على سارية أو نحوها أين يجعلها منه (693) ونصه: عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها، قال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمداً".

(13/329)


فأجاب فضيلته بقوله: المسافة التي يمنع فيها المرور بين يدي المصلي إن كان للمصلي سترة فما بينه وبين سترته محرم لا يحل لأحد أن يمر منه.
وإن لم يكن له سترة؛ فإن كان له مصلى كسجادة يصلي عليها فإن هذه السجادة محترمة؛ فإنه لا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها.
وإن كان ليس له مصلى فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده، فلا يمر بينه وبين هذا الموضع.

625 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: هل يأثم الإنسان إذا مر بين يدي المصلي في المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: يأثم الإنسان إذا مر بين يدي المصلي مطلقاً في مكة وفي غيرها؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً من أن يمر بين يديه" (1) . وأمر المصلي أن يدفعه إذا أراد المرور بين يديه، وهذا عام يشمل مكة وغيرها، وقد ترجم البخاري على ذلك في صحيحه فقال: "باب السترة بمكة وغيرها" (2) . إلا أن أهل العلم يقولون: إذا صلى الإنسان في مكان يحتاج الناس إلى المرور به كالطريق فإن
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص323.
(2) الباب 94 من كتاب الصلاة.

(13/330)


الجناية منه؛ لأن الحق للمارة.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يصلي في مكان الطواف ويمنع الناس، ولا يلزم الناس أن يتحاشوا من المرور بين يديه؛ لأنه هو الذي وقف يصلي في مكانهم.

626 وسئل فضيلة الشيخ: معلوم أن سترة المأموم هي سترة إمامه، ولكن إذا سلم الإمام فهل تبقى السترة للمسبوقين أم لابد من وجود سترة جديدة، فقد لاحظت أن بعض الناس يمر أمام المسبوق ولا يفعل له شيئاً.. فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سلم الإمام وقام المسبوق لقضاء ما فاته فإنه يكون في هذا القضاء منفرداً حقيقة، وعليه أن يمنع من يمر بين يديه لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، وترك بعض الناس منع المار قد يكون عن جهل منهم بهذا، أو قد يكون عن تأويل حيث إنهم ظنوا أنهم لما أدركوا الجماعة صاروا بعد انفرادهم عن الإمام بحكم الذين خلف الإمام، لكن لابد أن يمنع المسبوق من يمر بين يديه إذا قام لقضاء ما فاته.

627 سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم فيمن يرفع صوته بالبكاء في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن البكاء من خشية الله عز وجل من صفات أهل الخير والصلاح، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخشع في

(13/331)


صلاته ويكون لصدره أزيز كأزيز المرجل (1) ، وقال الله تبارك وتعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً). فالبكاء عند قراءة القرآن، وعند السجود، وعند الدعاء من صفات الصالحين، والإنسان يحمد عليه، والأصوات التي تسمع أحياناً من بعض الناس هي بغير اختيارهم فيما يظهر، لا هو شيء يجده في نفسه ويقع بغير اختياره، وقد قال العلماء – رحمهم الله -: إن الإنسان إذا بكى من خشية الله فإن صلاته لا تبطل ولو بان من ذلك حرفان فأكثر، لأن هذا أمر لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيه، ولا يمكن أن نقول للناس لا تخشعوا في الصلاة ولا تبكوا، بل نقول إن البكاء الذي يأتي بتأثر القلب مما سمع أو مما استحضره إذا سجد؛ لأن الإنسان إذا سجد يستحضر أنه أقرب ما يكون إلى ربه عز وجل، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (2) . والقلب إذا استحضر هذا وهو ساجد لاشك أنه يخشع ويحصل البكاء.
ولا أستطيع أن أقول للناس امتنعوا عن البكاء، ولكني أقول: إن البكاء من خشية الله محمود، والصوت الذي لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيه لا يلام عليه.

628 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله وحفظه -: عن كيفية رد السلام في الصلاة؟
...
__________
(1) رواه النسائي في السهو باب البكاء في الصلاة 3/18 (1213).
(2) رواه مسلم، وتقدم تخريجه في ص280.

(13/332)


فأجاب فضيلته بقوله: رد السلام في الصلاة بالإشارة دون اللفظ باللسان، فإن بقي عندك حتى انتهت الصلاة فرد عليه باللفظ، وإن انصرف فإنه تكفي الإشارة.
ولكن هل يسلم على المصلي، أولا يسلم؟
فنقول: ينظر، فإن كان يخشى أن يشوش على المصلي فإنه لا يسلم عليه، وإن كان لا يخشى ذلك فلا بأس أن يسلم، والله الموفق.

*

(13/333)


فأجاب فضيلته بقوله: رد السلام في الصلاة بالإشارة دون اللفظ باللسان، فإن بقي عندك حتى انتهت الصلاة فرد عليه باللفظ، وإن انصرف فإنه تكفي الإشارة.
ولكن هل يسلم على المصلي، أولا يسلم؟
فنقول: ينظر، فإن كان يخشى أن يشوش على المصلي فإنه لا يسلم عليه، وإن كان لا يخشى ذلك فلا بأس أن يسلم، والله الموفق.

*

(13/334)


حكم الدفايات والمدخنة أمام المصلي.
* السؤال عند آيات الرحمة والاستعاذة والتسبيح .
* أركان الصلاة .
* تعليم صفة الصلاة بالصورة .

(13/335)


حكم الدفايات والمدخنة أمام المصلي
629 وسئل فضيلة الشيخ: لا يخفى على فضيلتكم حاجة الناس في الأيام الباردة في فصل الشتاء إلى استخدام الدفايات الكهربائية في المساجد، ولكن ظهر بعض الخلاف بين بعض المصلين حول جواز الصلاة أمام هذه الدفايات حيث إن الأمر مهم، والناس بحاجة إلى توضيح الحكم الصحيح في هذا ونشره لهم، لذا نرجو من فضيلتكم كتابة ما تراه في هذا الحكم، وبمناسبة قرب موعد إجازة الربيع، حيث يكثر جلوس بعض الشباب في مخيمات في البر، نرجو بيان حكم الصلاة أمام المكان الذي يكون مخصص لشب النار (الوجار) إذا كانت النار مشتعلة.
فأجاب فضيلته بقوله: وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلين ليس مكروهاً، بل هو جائز، ولا يدخل في استقبال النار التي ذكر بعض الفقهاء أنه مكروه؛ لأن الذي ذكره بعض الفقهاء هي النار التي تشبه نار المجوس التي يعبدونها وهي نار مشتعلة ذات لهب.
وأما ما يقع في المخيمات فإن كان دفايات كهربائية فقد بان حكمها، وإن كانت نار موقدة مشتعلة فإنها تدخل فيما كره بعض الفقهاء فليجعلوها خلفهم، أو عن أيمانهم، أو عن شمائلهم.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 4/7/1412هـ.

630 ...

(13/337)


سئل فضيلة الشيخ: وقع مشكلة بين بعض المصلين في المساجد حول الدفايات الكهربائية، ووضعها أمام المصلين هل هذا حرام؟ أو مكروه يتنزه عنه، أو لا بأس به؟ وهل الصلاة أمام النار محرمة أو مكروهة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً بالجواب المحرر لكي يقرأ على المصلين ويزول الإشكال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اختلف العلماء – رحمهم الله تعالى – في الصلاة إلى النار:
فمنهم من كرهها، ومنهم من لم يكرهها، والذين كرهوها عللوا ذلك بمشابهة عباد النار. والمعروف أن عبدة النار يعبدون النار ذات اللهب، أما ما ليس لها لهب فإن مقتضى التعليل أن لا تكره الصلاة إليها.
ثم إن الناس في حاجة إلى هذه الدفايات في أيام الشتاء للتدفئة، فإن جعلوها خلفهم فاتت الفائدة منها أو قلت، وإن جعلوها عن أيمانهم، أو شمائلهم لم ينتفع بها إلا القليل منهم، وهم الذي يلونها، فلم يبق إلا أن تكون أمامهم ليتم انتفاعهم بها، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن المكروه تبيحه الحاجة.
ثم إن هذه الدفايات في الغالب لا تكون أمام الإمام وإنما تكون أمام المأمومين وهذا يخفف أمرها؛ لأن الإمام هو القدوة ولهذا كانت سترته سترة للمأموم. والله أعلم. كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/6/1409هـ.

631 ...

(13/338)


وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: عن حكم وضع مدخنة البخور، أمام المصلين في المسجد؟
فأجاب بقوله: لا حرج في ذلك، ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء من كراهة استقبال النار، عللوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه.
وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلي، ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلي أيضاً لاسيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام.

632 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع المدفأة الكهربائية أمام المصلين أثناء تأديتهم للصلاة، وهل ورد في ذلك محذور شرعي؟ أثابكم الله ونفع المسلمين بكم وبعلمكم.
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن توضع الدفايات في قبلة المسجد أمام المصلين، ولا أعلم في ذلك محذوراً شرعياً.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 11/8/1418هـ.

633 سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: عن حديث "أمرت أن لا أكف ثوباً" هل هو صحيح؟ وما معناه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث صحيح، والمراد أنه لا يكف الثوب في حال الصلاة، فإن الذي ينبغي للمصلي أن يبقي ثيابه

(13/339)


على حالها، ولا يكفها رفعاً عن الأرض، ولا يكف أكمامه أيضاً؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً، ولا ثوباً" (1) . والله أعلم.

634 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمصلي إذا مر في قراءة على ذكر الجنة والنار أن يسأل الله الجنة، ويتعوذ به من النار؟ وهل هناك فرق بين المأموم والمنفرد في ذلك.
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز ذلك، ولا فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، غير أن المأموم يشترط فيه أن لا يشغله ذلك عن الإنصات المأمور به.

635 وسئل فضيلة الشيخ: ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة أنه صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية وعيد إلا تعوذ، هل هذا في صلاة النافلة الجهرية والسرية؟
فأجاب
فضيلته
قائلاً
: نعم
، ثبت
في
صحيح
مسلم
من
حديث
حذيفة
(2) أنه
صلى مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة.. ثم مضى وذكر
__________
(1) متفق عليه، تقدم تخريجه في ص308.
(2) تقدم
تخريجه
في
ص
145.

(13/340)


تمام الحديث وفيه: "كان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ" وهذا في صلاة الليل، لكن العلماء قالوا: إنه يجوز في الفريضة؛ لأن الأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، لكن يعكر على هذا: أن الذين وصفوا صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يذكروا أنه يفعله في الفرض ولو كان يفعله لنقلوه، ولكن ليس هناك دليل على منعه في الفريضة لأن غاية ما فيه أنه دعاء وتسبيح وهذا لا ينافي الصلاة، ولا فرق في هذا بين الإمام والمنفرد، وإن كان في صلاة الجهر وأشغله فلينصت لإمامه إلا أن يسكت الإمام بحيث تمكن من ذلك فيكون حكمة كالإمام والمنفرد.

636 وسئل فضيلته: هل يجوز للمصلي أن يحمد الله إذا عطس، ويتعوذ بالله إذا سمع نهيق الحمار؟ وهل هناك فرق في ذلك بين الفرض والنفل؟
فأجاب – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً – بقوله: أما حمده إذا عطس، وتعوذه عند سماع نهيق الحمار فهو جائز على اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – ومكروه على المشهور من المذهب، والأصح اختيار شيخ الإسلام بالنسبة لحمده عند العطاس، أما بالنسبة لتعوذه عند سماع النهيق فالأولى أن لا يتعوذ، والفرق بينهما: أن الحمد عند العطاس جاءت به السنة، ولأنه

(13/341)


مشروع بأمر يتعلق به نفسه، بخلاف نهيق الحمار فإنه لأمر خارج، ولا ينبغي أن يشغل نفسه بسماع ما هو خارج عن الصلاة.
ولا فرق فيما تقدم بين الصلاة المكتوبة والنافلة.

637 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: إذا عطس المصلي هل يحمد الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا عطس المصلي فإنه يقول: الحمد لله، كما صح ذلك في قصة معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - أنه دخل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله. فرما الناس معاوية بأبصارهم منكرين عليه ما قال، فقال: واثكل أماه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال معاوية: بأبي هو وأمي والله ما كهرني، ولا نهرني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن" (1) .
ولم ينكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على العاطس الذي حمد الله؛ فدل ذلك على أن الإنسان إذا عطس في الصلاة حمد الله لوجود السبب القاضي بالحمد، ولكن لا يكون ذلك في كل ما يوجد سببه من الأذكار في الصلاة.
__________
(1) رواه مسلم، وتقدم تخريجه في ص315.

(13/342)


638 سئل فضيلة الشيخ: عن أركان الصلاة؟ وحكم من ترك شيئاً منها؟
فأجاب فضيلته بقوله: من الأركان:
الركن الأول: القيام مع القدرة: وهذا ركن في الفرض خاصة لقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: 238). ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمران بن حصين: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (1) .
أما النافلة فتصح من القاعد وإن كان قادراً على القيام، لكن أجره نصف أجر القائم.
الثاني من الأركان: تكبيرة الإحرام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" (2) . ولابد أن يقول الله أكبر فلا يجزي أن يقول: الله أجل، أو الله أعظم وما أشبه ذلك، ولا يصح التكبير بمد هزة آل فلا يقول: "الله أكبر" لأنها تنقلب حينئذ استفهاماً، ولا يصح أن يمد الباء فيقول: "أكبار" لأنه حينئذ تكون جمعاً للكبر، والكبر هو الطبل فهو أكبار كأسباب جمع سبب وأكبار جمع كبر هكذا قال أهل العلم.
وأما ما يقوله بعض الناس "الله وكبر" فيجعل الهمزة واواً، فهذا له مساغ في اللغة العربية فلا تبطل به الصلاة.
...
__________
(1) رواه البخاري تقدم تخريجه في ص184.
(2) تقدم تخريجه ص125.

(13/343)


الركن الثالث: قراءة الفاتحة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) . ولكن إذا كان لا يعرفها فإنه يلزمه أن يتعلمها، فإن لم يتمكن من تعلمها قرأ ما يقوم مقامها من القرآن إن كان يعلمه، وإلا سبح الله وحمده وهلل.
الركن الرابع: الركوع لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل الذي أساء في صلاته ولم يصلها على وجه التمام: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً".
الركن الخامس: الرفع من الركوع لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً".
الركن السادس: السجود لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا). ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً".
الركن السابع: الجلوس بين السجدتين لقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً".
الركن الثامن: السجود الثاني لأنه لابد في كل ركعة من سجودين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً". بعد قوله: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" (2) .
الركن التاسع: التشهد الأخير لقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (3) ، فدل هذا
__________
(1) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت، تقدم تخريجه ص73.
(2) الأركان من 4-9 ثم 10 و11 من حديث المسيء صلاته تقدم في ص125.
(3) متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص119.

(13/344)


على أن التشهد فرض.
الركن العاشر: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأخير على المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله -.
الركن الحادي عشر: الترتيب بين الأركان فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته؛ لأنه أخل بالترتيب، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث المسيء في صلاته: "ثم اركع، ثم ارفع، ثم اسجد" إلخ فعلمه إياها مرتبة بـ "ثم".
الثاني عشر: الطمأنينة في الأركان لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن، ثم ارفع حتى تطمئن، ثم اسجد حتى تطمئن" إلخ، والطمأنينة أن يسكن الإنسان في الركن حتى يرجع كل فقار إلى موضعه، قال العلماء: "وهي السكون وإن قل" فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له، ولو صلى ألف مرة، وبهذا نعرف خطأ ما نشاهده من كثير من المصلين من كونهم لا يطمئنون، ولاسيما في القيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، فإنك تراهم قبل أن يعتمد الإنسان قائماً إذا هو ساجد، وقبل أن يعتدل جالساً إذا هو ساجد، وهذا خطأ عظيم، فلو صلى الإنسان على هذا الوصف ألف صلاة لم تقبل منه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للرجل الذي كان يخل بالطمأنينة فجاء فسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، وهذا يدل على أن من صلى صلاة أخل فيها بشيء من أركانها، أو واجباتها على وجه العمد فإنه لا صلاة له ولو كان جاهلاً في مسألة الأركان فإنه لا صلاة له.
...

(13/345)


الركن الأخير وهو الثالث عشر: التسليم بأن يقول في منتهى صلاته السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، والصحيح أن التسليمتين كلتاهما ركن، وأنه لا يجوز أن يخل بواحدة منهما لا في الفرض ولا في النفل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة.
وذهب آخرون إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في النافلة دون الفريضة فلابد فيها من التسليمتين.
لكن الأحوط أن يسلم الإنسان التسليمتين كلتيهما.
وإذا ترك الإنسان ركناً من هذه الأركان متعمداً فصلاته باطلة بمجرد تركه، أما إذا كان ناسياً فإنه يعود إليه، فلو نسي أن يركع ثم سجد حين أكمل قراءته، ثم ذكر وهو ساجد أنه لم يركع، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع، ثم يكمل صلاته، ويجب عليه أن يرجع إلى الركن الذي تركه ما لم يصل إلى مكانه من الركعة الثانية فإن وصل إلى مكانه من الركعة الثانية، قامت الركعة الثانية مقام الركعة التي ترك الركن منها، فلو أنه لم يركع، ثم سجد وجلس بين السجدتين، وسجد الثانية، ثم ذكر فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع، ثم يستمر فيكمل صلاته، أما لو لم يذكر أنه لم يركع إلا بعد أن وصل إلى موضع الركوع من الركعة التالية، فإن الركعة هذه الثانية تقوم مقام الركعة التي ترك ركوعها، وهكذا لو نسى الإنسان السجدة الثانية ثم قام من السجدة الأولى، ولما قرأ ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية ولم يجلس بين السجدتين، فيجب عليه حينئذ أن يرجع ويجلس بين

(13/346)


السجدتين ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يكمل صلاته، بل لو لم يذكر أنه ترك السجدة الثانية والجلوس بين السجدتين إلا بعد أن ركع فإنه يجب عليه أن ينزل ويجلس، ويسجد ثم يستمر في صلاته.
أما لو لم يذكر أنه ترك السجود من الركعة الأولى إلا بعد أن جلس بين السجدتين في الركعة الثانية فإن الركعة الثانية تقوم مقام الأولى وتكون هي ركعته الأولى.
وفي كل هذه الأحوال يجب عليه أن يسجد سجود السهو لما حصل من الزيادة في الصلاة في هذه الأفعال، ويكون سجوده بعد السلام؛ لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإن محله بعد السلام كما تدل على ذلك سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

639 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: ما قولكم حفظكم الله في رسم صور توضيحية لكيفية الصلاة، خصوصاً لبعض أفعال الصلاة التي قد لا تفهم بالشرح، وكذلك رسم بعض الأفعال الخاطئة مع توضيح الخطأ فيها، أفتونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى بأساً برسم كيفية الصلاة بصور توضيحية بشرط أن لا تكون محرمة، لكن ترك ذلك أولى، ويكتفى بالتعليم العملي أمام الطالب.

(13/347)


640 وسئل فضيلته: ما حكم الصلاة بالبنطال؟ وما المقصود بأن النبي عليه الصلاة والسلام "نهى عن لبستين، ومنها أن يصلي في سروال ليس عليه شيء غيره" أخرجه ابن أبي شيبة جـ8 ص486؟
فأجاب فضيلة الشيخ قائلاً: الصلاة أعني صلاة الرجل بالبنطال لا بأس بها إذا تمكن من إقامة الصلاة من التجافي في موضعه، والاعتدال في السجود، والجلوس بشرط أن لا يكون ضيقاً يصف حجم البدن، ولعل الحديث المذكور في السؤال محمول على ذلك.

641 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: صلى بنا الإمام، وفي الركعة الثانية تذكر أنه ليس على طهارة، فقطع صلاته وقدم المؤذن، وقال له: أعد الصلاة، فكبر وأعاد الصلاة من أولها، وعلى ذلك صلى الجماعة خمس ركعات؛ لأنهم صلوا مع الإمام ركعة ومع المؤذن أربع ركعات، إلا ثلاثة فقط صلوا الرباعية وخالفوا المؤذن، فجلسوا في الركعة الخامسة إلى أن سلم فسلموا معه، فما الحكم في هذه المسألة وفقكم الله تعالى؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل في هذه المسألة إذا تذكر الإمام أنه ليس على طهارة، أن يخلف من يصلي بهم بقية الصلاة

(13/348)


بدون استئناف، فيقول مثلاً للمؤذن أو من ورائه ممن يمكن أن يصلي بالجماعة يقول: يا فلان تقدم أكمل الصلاة بهم ثم يكمل الصلاة بهم ويبني على ما فعل بهم الإمام الأول، إلا أنه في قراءة الفاتحة ينبغي أن يقرأها من أولها، ليكون الركن مبتدءاً من أوله هذا هو الأفضل.
فإذا لم يفعل هذا وانصرف ولم يوكل أحداً يقوم مقامه، فللمأمومين أن يقدموا واحداً يقوم بهم، فإن لم يفعلوا أتموا فرادى، أما استئناف الصلاة فقد قال به بعض أهل العلم، لكن لا وجه له، لأن المأمومين معذورون، ولا يعلمون عن حدث الإمام، ولو علموا عن حدث الإمام ما صلوا وراءه، ولنبهوه قبل أن يصلي بهم.
أما بالنسبة لهؤلاء الذين صلوا خمساً بناءاً على أن هذا هو الواجب عليهم، فليس عليهم شيء، ولا تلزمهم الإعادة، لأنهم معذورون بالجهل، ومجتهدون متأولون، وقد قال الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: 286). والمتأول لاسيما الباني على أصل، ليس عليه شيء، ولهذا لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام المرأة المستحاضة أن تقضي ما فاتها من الصلاة، بناء على أن الاستحاضة حيض، فليس عليهم شيء، لا إعادة، ولا حتى سجود سهو.

(13/349)


642 وسئل الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عمن يصلي جالساً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة جالساً إن كان عاجزاً عن القيام فلا حرج عليه، وإن كان قادراً لم تصح صلاته إلا أن يكون في تطوع غير فريضة.

643 سئل فضيلة الشيخ: نأمل من فضيلتكم التكرم ببيان أركان الصلاة على وجه التفصيل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأركان هي: الأعمال القولية، أو الفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها.
فمن ذلك: القيام مع القدرة وهذا ركن في الفرض خاصة.
ومن ذلك: تكبيرة الإحرام أن يقوم الإنسان عند الدخول في الصلاة "الله أكبر" ولا يمكن أن تنعقد الصلاة إلا بذلك، فلو نسى الإنسان تكبيرة الإحرام فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقاً؛ لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل علمه كيف يصلي قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" (1) .
فلابد من التكبير، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مداوماً على ذلك.
ومن ذلك قراءة الفاتحة: فإن قراءة الفاتحة ركن لا تصح
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص119.

(13/350)


الصلاة إلا به لقوله تعالى: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن). وهذا أمر مبهم، وقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المبهم في قوله (مَا تَيَسَّرَ) بأنه الفاتحة فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) . وقال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب أو بأم القرآن فهي خداج" (2) . أي فاسدة غير صحيحة.
فقراءة الفاتحة ركن على كل مصل: الإمام، والمأموم والمنفرد؛ لأن النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئاً، وإذا لم يستثن الله – تعالى – ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً فإن الواجب الحكم بالعموم؛ لأنه لو كان هناك مستثنى لبينه الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال الله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء).
ولم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية.
لكن الفرق بين السرية والجهرية: أن الجهرية لا تقرأ فيها إلا الفاتحة وتسكت وتسمع لقراءة إمامك.
أما السرية فتقرأ الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلت السنة على أنه يستثنى من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فإنه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة – رضي الله عنه -: أنه دخل والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكع في المسجد فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص73.
(2) رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص120.

(13/351)


دخل في الصف، فلما سلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أيكم الذي صنع هذا؟" قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله قال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (1) ، فقال له: "زادك الله حرصاً ولا تعد" أي لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أتيتم الصلاة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار" (2) .
ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقضائها؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يمكن أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه مبلغ والمبلغ يبلغ متى احتيج إلى التبليغ، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل له إنك لم تدرك الركعة علم أنه قد أدركها وفي هذا الحال تسقط عنه الفاتحة، وهناك تعليل مع الدليل وهو: أن الفاتحة إنما تجب مع القيام، والقيام في هذه الحال قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه.
فصار الدليل والتعليل يدلان على أن من جاء والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرأ، بل يركع مباشرة، ولكن إن كبر للركوع مرة ثانية فهو أفضل، وإن لم يكبر فلا حرج وتكفيه التكبيرة الأولى.
ويجب أن يقرأ الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلاً تجده يجلس ولا يقوم
__________
(1) رواه البخاري وتقدم تخريجه في ص7.
(2) متفق عليه وتقدم في ص12.

(13/352)


مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة ثم يقوم وهو قادر على القيام.
نقول لهذا الرجل: إن قراءتك للفاتحة غير صحيحة؛ لأن الفاتحة يجب أن تكون في حال القيام، وأنت قادر على القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة.
أما ما زاد على الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين على الفاتحة، وإن قرأ أحياناً في العصر والظهر شيئاً زائداً على الفاتحة فلا بأس به، لكن الأصل الاقتصار على الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول إن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة إن كانت ثلاثية.
ومن أركان الصلاة: الركوع وهو الانحناء تعظيماً لله عز وجل لأن تستحضر أنك واقف بين يدي الله فتنحني تعظيماً له عز وجل.
ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (1) . أي قولوا: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن الركوع تعظيم بالفعل، وقول "سبحان ربي العظيم" تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان، بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله.
فيجتمع في الركوع ثلاث تعظيمات:
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود 1/348 ح207 (479).

(13/353)


الأول: تعظيم القلب.
الثاني: تعظيم الجوارح.
الثالث: تعظيم اللسان.
والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مس ركبتيه بيديه، فالانحناء اليسير لا ينفع فلابد من أن تهصر ظهرك حتى تتمكن من مس ركبتيك بيديك.
وقال بعض العلماء: إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام.
والمؤدي متقارب، والمهم أنه لابد من هصر الظهر.
ومما ينبغي في الركوع أن: يكون الإنسان مستوي الظهر لا محدوباً، وأن يكون رأسه محاذياً لظهره، وأن يضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، وأن يجافي عضديه عن جنبيه ويقول سبحان ربي العظيم يكررها ويقول: "سبحانك اللهم وبحمد اللهم اغفر لي" (1) . ويقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (2) .
ومن أركان الصلاة: الرفع من الركوع لقوله عليه الصلاة والسلام: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" (3) .
__________
(1) متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري في الأذان، باب الدعاء في الركوع (794)، ومسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود 1/350 ح217 (484).
(2) رواه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود 1/353 ح223 (487).
(3) تقدم تخريجه في ص125.

(13/354)


ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ)، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (1) .
فالسجود لابد منه لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به.
ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وتأمل الحكمة أنك في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى" لأن الهيئة هيئة نزول.
فالإنسان نزل أعلى ما في جسده وهو الوجه إلى أسفل ما في جسده وهو القدمين، فترى في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون من النزول، ولهذا تقول: "سبحان ربي الأعلى" أي أنزه ربي الأعلى الذي هو فوق كل شيء عن كل سفل ونزول، أما أنا فمنزل رأسي وأشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول سبحان ربي الأعلى تكررها ما شاء ثلاثاً، أو أكثر حسب الحال وتقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (2) . وتقول: "سبوح قدوس ربك الملائكة والروح" (3) وتكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين، ومن أمور
__________
(1) رواه البخاري في الأذان، باب السجود على الأنف (812)، ومسلم في الصلاة، باب أعضاء السجود 1/354 ح230 (490).
(2) متفق عليه وتقدم في الصفحة السابقة.
(3) رواه مسلم، وتقدم في الصفحة السابقة.

(13/355)


الدنيا، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (1) . وقال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" (2) . فأكثر من الدعاء بما شئت من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ وهكذا، وما شئت من خير الدين والدنيا، لأن الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم)، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
وعلى الإنسان أن لا يستبطئ الإجابة؛ لأن الله حكيم قد لا يجيب الدعوة بأول مرة، أو ثانية، أو ثالثة من أجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله، فيزدادوا دعاء، والله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما أمرنا به من كثرة الدعاء.
وصفة السجود أن يسجد على ركبتيه أولاً، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه. ولا يسجد على اليدين أولاً؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن ذلك فقال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير" (3) .
وبروك البعير يكون على اليدين أولاً كما هو مشاهد، وإنما نهى الرسول عن ذلك لأن تشبه بني آدم بالحيوان، ولا سيما في
__________
(1) رواه مسلم وتقدم تخريجه ص280.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص280.
(3) رواه أبو داود وغيره، وتقدم الكلام عليه بالتفصيل في ص170.

(13/356)


الصلاة أمر غير مرغوب فيه، ولم يذكر الله تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم، استمع إلى قول الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) (الأعراف: 175-176)، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) (الجمعة: 5)، وقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه" (1) ، وقال: "الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً" (2) .
فأنت ترى أن تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصلي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه، بل قدم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر كرجل كبير يشق عليه أن ينزل على الركبتين أولاً فلا حرج، أو إنسان مريض، أو إنسان في ركبته أذى وما أشبه ذلك.
ولابد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس وتقدم في ص171.
(2) رواه أحمد وغيره وتقدم تخريجه في ص171.

(13/357)


الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين" (1) . ونسجد على الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجدين فلا يجوز أن نرفع شيئاً من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقى هذه الأعضاء مادمنا ساجدين.
وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرج.
أما الركبتان فلم يرد فيهما شيء فتبقى على ما هي عليه.
وأما اليدان فتكون على حذو المنكبين أي الكتفين، أو تقدمها قليلاً حتى تسجد بينهما، فلها صفتان كلتاهما وردتا عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
وينبغي أن تجافي عضديك عن جنبيك وأن ترفع ظهرك، إلا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذي جارك؛ لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه.
وقد رأيت بعض الأخوة الذين يحبون أن يطبقوا السنة يمتدون في حال السجود امتداداً طويلاً حتى تكاد تقول: إنهم مبطحون وهذا لا شك أنه خلاف السنة، وهذه الصفة كما أنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن؛ لأن التحمل يكون على الجبهة والأنف في هذه الحال وتجد الإنسان يضجر من إطالة السجود.
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص186.

(13/358)


ففيها مخالفة السنة، وتعذيب البدن، فلهذا ينبغي أن يرشد من يفعل ذلك، وأن يبين له أن ذلك ليس بسنة.
وينبغي في حال السجود أيضاً أن يكون الإنسان خاشعاً لله عز وجل، مستحضراً علو الله سبحانه وتعالى، لأنك سوف تقول: "سبحان ربي الأعلى" أي تنزيهاً له بعلوه عز وجل عن كل سفل ونزول، ونحن نعتقد بأن الله عال بذاته فوق جميع مخلوقاته كما قال الله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). وإثبات علو الله في القرآن والسنة أكثر من أن يحصر. وقد تقدم الكلام على ذلك بحمد الله تعالى.
ومن أركان الصلاة: الجلوس بين السجدتين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثم رافع حتى تطمئن جالساً".
ومن أركان الصلاة: السجود الثاني؛ لأنه لابد في كل ركعة من سجودين.
ومن الأركان: التشهد الأخير لقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" فدل هذا على أن التشهد فرض.
ومن الأركان: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأخير على المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -.
ومن الأركان: الترتيب بين الأركان، فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته؛ لأنه أخل بالترتيب.
...

(13/359)


ومن أركان الصلاة: الطمأنينة: أي الاستقرار والسكون في أركان الصلاة.
يطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود وفي الجلوس بين السجدتين وفي بقية أركان الصلاة، وذلك لما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء فدخل المسجد فصلى ثم سلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرد عليه السلام وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (1) أي لم تصل صلاة تجزئك، فرجع الرجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرد عليه وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فرجع وصلى ولكنه كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه فرد عليه وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، وهذه هي الفائدة من كون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلمه لأول مرة بل ردده حتى صلى ثلاث مرات من أجل أن يكون متشوقاً للعلم، مشتاقاً إليه حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل على أرض يابسة تقبل الماء، ولهذا أقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلمه، ومن المعلوم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيعلمه لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يعلم صار أشد تمسكاً وحفظاً لما بلغ إليه، وتأمل قسمه بالذي بعث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، فقال: "والذي بعثك بالحق" ولم يقل والله. لأجل أن يكون معترفاً غاية الاعتراف بأنما يقوله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق.
__________
(1) حديث المسيء صلاته متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص125.

(13/360)


فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء" أي توضأ وضوءً كاملاً "ثم استقبل القبلة فكبر" أي قل الله أكبر وهذه تكبيرة الإحرام "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وقد بينت السنة أنه لابد من قراءة الفاتحة "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" أي لا تسرع بل اطمئن واستقر "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" أي إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام من الركوع متساويين أو متقاربين "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" أي تطمئن وتستقر، "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" وهذه الجلسة بين السجدتين "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" هذا هو السجود الثاني "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" أي افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية في جميع الصلاة.
والشاهد من هذا قوله: "حتى تطمئن" وقوله فيما قبل: "إنك لم تصل". فدل هذا على أن من لا يطمئن في صلاته فلا صلاة له.
ولا فرق في هذا بين الركوع، والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها.
قال بعض العلماء: إن الطمأنينة أن يستقر بقدر ما يقول الذكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول "سبحان ربي العظيم"، وفي السجود كذلك وهكذا، ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك؛ لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول "سبحان ربي العظيم" في الركوع لا يظهر أثر، لأن الإنسان إذا قال: "الله أكبر سبحان ربي العظيم" ثم يرفع أين الطمأنينة؟
...

(13/361)


الظاهر أنه لابد من استقرار بحيث يقال هذا الرجل مطمئناً، وعجباً لابن آدم كيف يلعب به الشيطان وهو واقف بين يدي الله عز وجل، يناجي الله، ويتقرب إليه بكلامه، وبالثناء عليه، وبالدعاء ثم كأنه ملحوق في صلاته كأنما كان عدواً لاحق له فتراه يهرب من الصلاة.
أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك لو بقيت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلاً، وتفرح أن هذا الملك يكلمك، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، وأمدك، وأعدك، تناجيه وتهرب هذا الهروب.
لكن الشيطان عدو للإنسان والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتخذ الشيطان عدواً كما قال الله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6).
فالواجب على الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة وكذلك أقوالها. ...
ومن أركان الصلاة وهو الأخير: التسليم بأن يقول في منتهى صلاته: السلام عليكم ورحمة الله.
والصحيح: أن التسليمتين كلتاهما ركن، ولا يجوز أن يخل بواحدة منهما لا في الفرض أو النفل.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة.
...

(13/362)


وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الركن التسليمة الأولى في النافلة فقط، دون الفريضة فلابد من التسليمتين.

644 وسئل فضيلة الشيخ: لي أطفال لم يتجاوز أكبرهم ثلاثة أعوام، يقفون خلفي أثناء صلاتي بالمنزل، وذلك لأعلمهم كيفية الصلاة، ويكون ذلك بدون وضوء منهم، فهل يجوز ذلك؟ وماذا أفعل تجاه زوجتي التي تتهاون أحياناً في أداء الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب الشق الأول من السؤال: أنه يجوز للإنسان أن يعلم أولاده الصلاة بالقول وبالفعل، ولهذا لما صنع المنبر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صعد عليه وجعل يصلي عليه، فإذا أراد السجود نزل وسجد على الأرض، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (1) . وينبغي أيضاً أن يعلم هؤلاء الوضوء ماداموا يفقهون ويفهمون، لكن الذين في السن التي ذكرها السائل وهو أن أكبرهم له ثلاث سنوات لا أظنهم يعقلون كما ينبغي. والنبي عليه الصلاة والسلام أمر أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، وأن نضربهم عليها لعشر (2) .
وأما جواب الشق الثاني وهو أن الزوجة لا تصلي: فإن الواجب على زوجها أن يأمرها بالصلاة ويؤدبها عليها، فإن أصرت
__________
(1) رواه البخاري في الجمعة/ باب الخطبة على المنبر (875)، ومسلم في المساجد/ باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (544).
(2) أخرجه الإمام أحمد 2/187، وأبو داود في الصلاة/ باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (495).

(13/363)


إلا أن تدع الصلاة فإنها بذلك تكون كافرة والعياذ بالله، وحينئذ ينفسخ النكاح ولا تحل له مادامت قد تركت الصلاة لقول الله تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن) (الممتحنة: 10). فالمسلم لا يحل له أن يتزوج بكافرة مرتدة عن الإسلام، وإذا وقعت منها هذه الردة بعد النكاح فإن النكاح ينفسخ، ثم إن عادت إلى الإسلام قبل انتهاء العدة لهي زوجته وإلا فإنها تبين منه (1) .
*
__________
(1) تقدم حكم تارك الصلاة مفصلاً في المجلد الثاني عشر ص20 – 154 من هذا المجموع.

(13/364)


رسائل في صفة الصلاة .

* رسالة حول خمس مسائل .

(13/365)


رسالة في
صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه أجمعين، أما بعد: فنتكلم هذه الليلة عن صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أولاً: أعتقد أنك إذا قمت إلى الصلاة فإنما تقوم بين يدي الله عز وجل، الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك، وحينئذ حافظ على أن يكون قلبك مشغولاً بصلاتك، كما أن جسمك مشغولاً بصلاتك، جسمك متجه إلى القبلة، إلى الجهة التي أمرك الله عز وجل، فيكن قلبك أيضاً متجهاً إلى الله.
أما أن يتجه الجسم إلى ما أمر الله بالتوجه إليه، ولكن القلب ضائع فهذا نقص كبير، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا غلب الوسواس – أي الهواجس – على أكثر الصلاة فإنها تبطل، والأمر شديد.
فإذا أقبلت إلى الصلاة فاعتقد أنك مقبل إلى الله عز وجل.
وإذا وقفت تصلي فاعتقد أنك تناجي الله عز وجل، كما قال ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إذا كان أحدكم في صلاة، فإنه يناجي ربه" (1) .
__________
(1) متفق عليه من حديث أنس بن مالك رواه البخاري في الصلاة باب ليبزق عن يساره.. (413)، ومسلم في المساجد باب النهي عن البصاق في المسجد ح54 (551).

(13/367)


وإذا وقفت في الصلاة فاعتقد أن الله عز وجل قبل وجهك، ليس في الأرض التي أنت فيها، ولكنه قبل وجهك، وهو على عرشه عز وجل، وما ذلك على الله بعسير، لأن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) في جميع صفاته، فهو فوق عرشه، وهو قبل وجه المصلي إذا صلى، وحينئذ تدخل وقلبك مملوء بتعظيم الله عز وجل، ومحبته، والتقرب إليه.
فتكبر وتقول: "الله أكبر"، ومع هذا التكبير ترفع يديك إلى حذو منكبيك، أو إلى فروع أذنيك.
والمنكب هو: الكتف وفروع الأذنين أعلاها، ثم تضع يدك اليمنى على يدك اليسرى، على الذراع كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (1) .
ثم تخفض رأسك فلا ترفعه إلى السماء لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، واشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهين – أي الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة – عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم" (2) .
ولهذا ذهب بعض من أهل العلم إلى تحريم رفع المصلي رأسه إلى السماء أو بصره إلى السماء، وهو قول وجيه جداً؛ لأنه لا
__________
(1) رواه البخاري، وتقدم في ص160.
(2) رواه البخاري في الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، ح(750) من حديث أنس، ورواه مسلم من حديث جابر بن سمرة، وأبي هريرة في الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ح117 (428) وح118 (429).

(13/368)


وعيد على شيء إلا وهو محرم.
فتخفض بصرك وتطأطيء رأسك، لكن كما قال العلماء: لا يضع ذقنه على صدره – أي لا يخفضه كثيراً – حتى يقع الذقن – وهو مجمع اللحيين – على الصدر بل يخفضه مع فاصل يسير عن صدره.

أدعية الاستفتاح

ويستفتح ويقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وهذا هو الاستفتاح الذي سأل أبو هريرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي..." إلى آخر الحديث، فذكر له الحديث (1) .
وله أن يستفتح بغير ذلك وهو (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) (2) .
ويستفتح صلاة الليل بما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتح به وهو (اللهم رب جبرائيل وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص112.
(2) رواه أبو داود في الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك (775) و(776)، ورواه الترمذي في الصلاة باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (242) و(243).

(13/369)


تشاء إلى صراط مستقيم) (1) .
ولكن لا يجمع بين هذه الاستفتاحات، بل يقول هذا مرة وهذا مرة، ليأتي بالسنة على جميع وجوهها.
ثم يقول بعد الاستفتاح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يقرأ الفاتحة، والفاتحة سبع آيات أولها (الحمد لله رب العالمين)، وآخرها: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين)، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: (الرحمن الرحيم)، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: (مالك يوم الدين)، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين)، قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم)، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (2) .
فتبين بهذا الحديث أن أول الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين).
أما البسملة فهي آية في كتاب الله، ولكنها ليست آية من كل سورة، بل هي آية مستقلة يؤتى بها في كل سورة سوى سورة براءة فإنها ليس فيها بسملة وليس فيها بدل، خلافاً لما يوجد في بعض المصاحف عند ابتداء براءة: "أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار،
__________
(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب: الدعاء في صلاة الليل ح200 (770).
(2) رواه مسلم وتقدم في ص108.

(13/370)


ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين"، وهذا خطأ ليس بصواب، فهي ليس فيها بسملة، وليس فيها شيء بديل عن البسملة.

مسألة: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، ولم يعين ما يقرأ، فهل يجوز للإنسان أن يقرأ آية أو آيتين ثم يركع؟
الجواب: لا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (1) وبين في أحاديث أخرى أنه لابد من قراءة الفاتحة حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (2) .
وفي حديث آخر قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (3) ، والخداج الشيء الفاسد الذي لا ينفع.
ولا تسقط الفاتحة إلا في صورة واحدة فقط وهي إذا جاء الإنسان إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً فإنه في هذه الحال يكبر تكبيرة الإحرام ثم يركع، وتسقط عنه الفاتحة في هذه الصورة.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
فالجواب: الدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكع، فركع دون
__________
(1) جزء من حديث المسيء صلاته، متفق عليه، وتقدم في ص125.
(2) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت وتقدم في ص73.
(3) رواه مسلم وتقدم في ص120.

(13/371)


الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (1) . ...
فالشاهد قوله: "لا تعد" ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقضي الركعة التي أسرع إليها ليدرك ركوعها، ولو كان لم يدركها لبين له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
وهذا القول هو مقتضى هذا الحديث من حيث الدلالة، كما أنه مقتضى النظر.
لأن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام في هذه الصورة قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط ما وجب فيه وهو قراءة الفاتحة، هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل يكتفي بقراءة الإمام؟
الجواب: في هذه المسألة خلاف بين العلماء، منهم من قال: إن قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم مطلقاً في السرية والجهرية.
ومنهم من قال: إنها لا تكفي عن قراءة المأموم لا في السرية ولا في الجهرية.
ومنهم من قال: إنها تكفي عن قراءة المأموم في الجهرية دون السرية.
...
__________
(1) رواه البخاري وتقدم في ص7.

(13/372)


والذي يظهر لي من الأدلة أن قراءة الإمام لا تسقط القراءة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وأن الواجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية لعموم الأدلة الدالة على ذلك.
فمنها: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "كل صلاة لا يقرا فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (2) ، وهذا مطلق. ...
فإن قال قائل: لماذا لا نختار القول الوسط في هذه المسألة؟
ونقول: إن الإمام يتحملها في الصلاة الجهرية لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فإذا قرأ إمامي فأنا مأمور بالإنصات وقراءتي على خلاف هذا الأمر.
فالجواب: أن هذا القول يجب المصير إليه لولا أن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه صلاة الفجر فلما انصرف قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم" قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (3) .
وهذا الحديث نص في أن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية، ومادام الحديث قد دل على ذلك فإن
__________
(1) متفق عليه، وتقدم في ص73.
(2) رواه مسلم، وتقدم في ص120.
(3) رواه أبو داود وغيره، تقدم في 120.

(13/373)


الآية: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تحمل على غير قراءة الفاتحة، وأن الإمام إذا كان يقرأ فإنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ سوى الفاتحة كالآيات أو السور التي يقرأها الإمام أو غيرها.
ثم إذا انتهى من الفاتحة يقول: (آمين) لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه (1) .
ومعناها: اللهم استجب، فهي اسم فعل أمر بمعنى استجب، ثم يقرأ بعد ذلك سورة ينبغي أن تكون في المغرب غالباً بقصار المفصل. ...
وفي الفجر من طوال المفصل، وفي باقي الصلوات الخمس من أوساطه، والمفصل أوله (ق) وآخره (قل أعوذ برب الناس) وسمي مفصلاً لكثرة فواصله، وطوال المفصل من (ق) إلى (عم)، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى)، وقصاره من (الضحى) إلى (الناس) ولا بأس بل من السنة أن يقرأ الإنسان أحياناً في المغرب بطوال المفصل فقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن قرأ في المغرب بـ (الطور) و(المرسلات) (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه في ص116.
(2) حديث القراءة بالطور في المغرب متفق عليه من حديث جبير بن مطعم، رواه البخاري في الأذان باب الجهر في المغرب (765)، ومسلم في الصلاة باب القراءة في الصبح ح174 (463). وحديث المرسلات متفق عليه من حديث أم الفضل، رواه البخاري في الأذان باب القراءة في المغرب (763)، ومسلم في الموضع السابق ح173 (462).

(13/374)


كيفية الركوع
وبعد أن يقرأ السورة مع الفاتحة، ويرفع يديه مكبراً ليركع، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه ثم يضع اليدين على الركبتين مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويسوي ظهره برأسه ويهصر ظهره فلا يقوسه، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" (1) ويقول: (سبحان ربي العظيم) يكررها ثلاث مرات (2) ، ويقول أيضاً: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (3) ويقول أيضاً: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) (4) ، ويكثر من تعظيم الله سبحانه وتعالى في حال الركوع.
ثم يرفع رأسه قائلاً: (سمع الله لمن حمده) رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في هذا القيام لقول سهل بن سعد: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (5) ، وهذا
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة 1/357 ح240 (498).
(2) رواه أبو داود في الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود (886)، والترمذي فيه باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود (261)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب التسبيح في الركوع والسجود (890) ثلاثتهم من حديث ابن مسعود، وعند ابن ماجة (888) من حديث حذيفة.
(3) متفق عليه من حديث عائشة وتقدم في ص354.
(4) رواه مسلم وتقدم في ص354.
(5) رواه البخاري وتقدم في ص160.

(13/375)


عام يستثنى منه السجود، والجلوس، والركوع، لأن السجود توضع فيه اليد على الأرض، والجلوس على الفخذين، والركوع على الركبتين، فيبقى القيام الذي قبل الركوع والذي بعده داخلاً في عموم قوله: (في الصلاة).
ويقول بعد رفعه: (ربنا لك الحمد)، أو (ربنا ولك الحمد) أو (اللهم ربنا لك الحمد) أو (اللهم ربنا ولك الحمد)، فالصفات أربع مختلفة وهل يقولها في آن واحد؟
الجواب: يقول هذا مرة وهذا مرة.
وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذا مرة وعلى هذا مرة.
وفي ذلك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الإتيان بالسنة على جميع وجوهها.
الفائدة الثانية: حفظ السنة، لأنه لو أهملت إحدى الصفتين لنسيت ولم تحفظ.
الفائدة الثالثة: أن لا يكون فعل الإنسان لهذه السنة على سبيل العادة، لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة ولا يستحضرها، لكن إذا كان يعود نفسه أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار منتبهاً للسنة، قلنا بعد الرفع من الركوع يقول أحد هذه الوجوه، فمتى يقول ذلك؟
الجواب: يقول ذلك بعد أن يقوم؛ لأنه في حال القيام يقول: "سمع الله لمن حمده" إلا إذا كان مأموماً فإن المأموم لا يقول (سمع

(13/376)


الله لمن حمده)، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وإذا قال – أي الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (1) ويكون هذا في حال نهوضه من الركوع قبل أن يستتم قائماً، وبعد أن يقول (ربنا ولك الحمد) أو إحدى الصفات الأخرى، يقول (ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (2) .

كيفية السجود

ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، لقول ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (3) ، ويخر على الركبتين لا على يديه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (4) .
والبعير عند بروكه يقدم اليدين فيخر البعير لوجهه، فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخر الإنسان في سجوده على يديه؛ لأنه إذا فعل ذلك برك كما يبرك البعير.
هذا ما يدل على الحديث خلافاً لمن قال: إنه يدل على أنك تقدم يديك ولا تخر على ركبتيك؛ لأن البعير عند البروك يخر على
__________
(1) متفق عليه، وتقدم في ص167.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص168.
(3) متفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري في الأذان باب 83 و84، رفع اليدين في التكبيرة الأولى (735) و(736) ومسلم في الصلاة باب استحباب رفع اليدين ح21 و22 (390).
(4) رواه أبو داود وغيره، وراجع التفصيل في ص170.

(13/377)


ركبتيه، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير)؛ لأنه لو قال ذلك، قلنا: نعم، إذاً لا تبرك على الركبتين لأن البعير يبرك على ركبتيه لكنه قال: "فلا يبرك كما يبرك البعير" فالنهي إذن عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه الإنسان ويخر عليه، والأمر في هذا واضح جداً لمن تأمله، فلا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا وأن نقول: إن ركبتي البعير في يديه وإنه يبرك عليهما لأننا في غنى عن هذا الجدل، حيث إن النهي ظاهر في أنه نهي عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه.
ولهذا قال ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد: إن قوله في آخر الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه" منقلب على الراوي؛ لأنه لا يتطابق مع أول الحديث، وإذا كان لا يتطابق مع أول الحديث فإننا نأخذ بالأصل لا بالمثال، فإن قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" هذا على سبيل التمثيل والتفريغ، وحينئذ إذا أردنا أن نرده إلى أصل الحديث صار صوابه: "وليضع ركبتيه قبل يديه".
فيخر على ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه، ويسجد على سبعة أعضاء، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده إلى أنفه – ليبين أن الأنف من الجبهة، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين" (1) .
فيسجد المصلي على هذه الأعضاء وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض (2) ولا على ركبتيه بل ينصبهما ويجافي
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص308.
(2) لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا سجدت فضع كفيك ورافع مرفقيك". رواه مسلم في الصلاة باب 45: الاعتدال في السجود ح234 (494).

(13/378)


عضديه عن جنبيه (1) وبطنه عن فخذيه فيكون الظهر مرفوعاً ولا يمد ظهره – كما يفعله بعض الناس تجده يمد ظهره ويبالغ فيه، فلا يمد الظهر بل يرفع حتى يتجافى عن الفخذين ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اعتدلوا في السجود" (2) .
وهذا الامتداد الذي يفعله بعض الناس في السجود يظن أنه السنة، فهو مخالف للسنة وفيه مشقة على الإنسان شديدة؛ لأنه إذا امتد تحمل ثقل البدن على الجبهة، وتأثرت رقبته وشق ذلك عليه كثيراً وعلى كل حال فهذا ليس هو السنة.

أذكار السجود

وفي حال السجود يقول: "سبحان ربي الأعلى" (3) يقولها ثلاث مرات: ...
ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"
ويقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (4) .
__________
(1) لحديث ابن بحينة، "إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". متفق عليه. رواه البخاري في الصلاة باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود (390) ومسلم في الصلاة باب 46 – ما يجمع صفة الصلاة ح235 (495).
(2) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب: لا يفترش ذراعيه في السجود (822) ومسلم في الصلاة باب 45 ح(233 (493).
(3) هذا جزء من حديث حذيفة رواه مسلم في صلاة المسافرين باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ح203 (772).
(4) رواه مسلم، وتقدم في ص354.

(13/379)


ويكثر في السجود من الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (1) . أي حري أن يستجاب لكم.
لماذا كان حرياً أن يستجاب لنا؟
الجواب: لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (2) .
ولكن لاحظ إذا كنت مع الإمام فالمشروع في حقك متابعة الإمام، لا تمكث في السجود لتدعو لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر..." إلى أخر الحديث (3) .
فأمرنا أن نتابع الإمام وأن لا نتأخر عنه.
الرفع من السجود

ثم ينهض من السجود مكبراً ويجلس بين السجدتين، مفترشاً، والافتراش هو: أن يجعل الرجل اليسرى فراشاً له وينصب الرجل اليمنى من الجانب الأيمن، هذا هو الافتراش.
أما اليدان فيضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى أو على رأس
__________
(1) رواه مسلم، وتقدم في ص280.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص280.
(3) متفق عليه بهذا اللفظ غير قوله: "ولا تكبروا حتى يكبر" فهي لأحمد 2/341، وأبو داود في الصلاة، باب الإمام يصلي قعوداً (603).

(13/380)


الركبة، واليد اليسرى على الفخذ اليسرى، أو يلقمها الركبة كلتاها صفتان واردتان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن اليد اليمنى يضم منها الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام أو تحلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فإنها تبقى مفتوحة غير مضمومة ويحركها عند الدعاء فقط لا تحريكاً دائماً ولا سكوناً دائماً ولكن يحركها يدعو بها، فمثلاً إذا قال: رب اغفر لي يحركها، وارحمني يحركها، واجبرني يحركها، وعند كل جملة دعائية يحركها (1) .
أما اليد اليسرى فإنها مبسوطة على الفخذ أو ملقمة الركبة – ولم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أعلم أن اليد اليمنى تكون مبسوطة لا بين السجدتين ولا في التشهدين بل في سياق حديث وائل بن حجر – رضي الله عنه – عند الإمام أحمد النص على أن هذه حال اليد اليمنى بين السجدتين وعليه مشى في زاد المعاد (2) ، وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر – رضي الله عنهما -: "كان إذا قعد في الصلاة". وفي بعضها: إذا قعد في التشهد (3) ، وتقييد ذلك بالتشهد لا يعني أنه لا يعم جميع جلسات الصلاة.
لأن الراجح من أقوال الأصوليين أنه إذا ذكر العموم، ثم ذكر بعض أفراده بحكم يطابقه فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، كما نص على هذا أهل الأصول، وهذا هو قول جمهورهم.
__________
(1) راجع ص192.
(2) راجع ص193.
(3) راجع ص194.

(13/381)


الأذكار بين السجدتين

وفي هذا الجلوس يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني" (1) ، سواء كان إماماً، أو مأموماً، أو منفرداً.
هل الإمام يقول رب اغفر لي؟
الجواب: نعم.
فإن قال قائل: كيف يفرد الإمام الضمير وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرجل إذا كان إماماً وخص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين (2) ؟
والجواب: نقول هذا في دعاء يؤمن عليه المأمومون، فإن الإمام إذا أفرده يكون قد خان المأمومين، مثل دعاء القنوت علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحسن بن علي – رضي الله عنه – بصيغة الإفراد: اللهم اهدني فيمن هديت (3) ، فلو قال الإمام: اللهم اهدني فيمن هديت لكان هذا خيانة؛ لأن المأموم سيقول: آمين. والإمام دعا لنفسه وترك المأمومين إذاً فلابد أن يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت فلا
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب: الدعاء بين السجدتين ح(850) وهذا لفظه: والترمذي فيه باب: ما يقول بين السجدتين ح (284) و(285) وابن ماجة في إقامة الصلاة باب: ما يقول بين السجدتين ح(897). وراجع أيضاً صحيح أبي داود للألباني (756).
(2) تقدم تخريجه ص140.
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب: القنوت في الوتر (1425)، والنسائي في قيام الليل باب الدعاء في الوتر (1744) وابن ماجة في إقامة الصلاة باب: ما جاء في القنوت في الوتر (1178).

(13/382)


يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين في دعاء يؤمن عليه المأموم.
لو قال قائل: دع الإمام يقول: اللهم اهدني فيمن هديت ونقول للمأموم: قل: وأنا مثلك هل يصلح أم لا؟
الجواب: لا يصلح، لأن المشروع في حق المأموم أن يقول: آمين إذاً لابد من صيغة تكون شاملة للإمام والمأموم.
ثم يسجد السجدة الثانية وكيفية السجود الثاني كالأول ويقال فيه ما يقال في السجود الأول.

جلسة الاستراحة

ثم ينهض إلى الركعة الثانية مكبراً معتمداً على ركبتيه قائماً بدون جلوس، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وقيل: بل يجلس ثم يقوم معتمداً على يديه كما هو المشهور من مذهب الشافعي، وهذه الجلسة مشهورة عند العلماء بجلسة الاستراحة، وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – في مشروعيتها.
* فمنهم من يرى أنها مستحبة مطلقاً.
* ومنهم من يرى أنها غير مستحبة مطلقاً.
* ومنهم من يفصل ويقول: إن احتجت إليها لضعف أو كبر أو مرض أو ما أشبه ذلك فإنك تجلس ثم تنهض، وأما إذا لم تحتج إليها فلا تجلس، واستدل لذلك بأن هذه الجلسة ليس لها داء، وليس لها تكبير عند الانتقال منها بل التكبير واحد من السجود إلى القيام. فلما لم يكن لها تكبير قبلها ولا بعدها، وليس فيها ذكر دل على أنها

(13/383)


غير مقصودة في ذاتها، لأن كل مقصود في ذاته في الصلاة لابد فيه من ذكر مشروع وتكبير سابق وتكبير لاحق.
وقالوا أيضاً في حديث مالك بن الحويرث (1) أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتمد على يديه، والاعتماد على اليدين لا يكون غالباً إلا من حاجة وثقل بالجسم لا يتمكن معه من النهوض بدون اعتماد.
فلهذا نقول: إن احتجت إليها فلا تكلف نفسك في النهوض من السجود إلى القيام مباشرة، وإن لم تحتج فالأولى أن تنهض من السجود إلى القيام مباشرة.
وهذا هو ما اختاره صاحب المغني ابن قدامة المعروف بالموفق – رحمه الله – وهو اختيار ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد (2) .
ويقول صاحب المغني: إن هذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة التي فيها إثبات هذه الجلسة ونفيها.
والتفصيل هذا عندي أرجح من الإطلاق وإن كان رجحانه عندي ليس بذاك الرجحان القوي.
فالمراتب عندي ثلاث:
أولاً: مشروعية هذه الجلسة عند الحاجة إليها وهذا لا إشكال فيه.
يليه ثانياً: مشروعيتها مطلقاً وليس بعيداً عنه في الرجحان.
ثالثاً: أنها لا تشرع مطلقاً وهذا عندي ضعيف لأن الأحاديث
__________
(1) تقدم تخريجه في ص182.
(2) راجع ص217.

(13/384)


فيها ثابتة، لكن هل هي ثابتة عند الحاجة أو مطلقاً.. هذا هو محل البحث.
والذي يترجح عندي يسيراً أنها تشرع للحاجة فقط.
ثم في الركعة الثانية يفعل كما يفعل في الركعة الأولى، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسيء في صلاته: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" متفق عليه. إلا الاستفتاح فلا يستفتح، قال ابن القيم – رحمه الله – في الزاد: وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الثانية كالأولى سواء إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها أي القراءة، وأما التعوذ ففيه خلاف بين العلماء.
* منهم من يرى أنه يتعوذ في كل ركعة.
* ومنهم من يرى أنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى.
فإذا صلى الركعة الثانية جلس للتشهد.

كيفية الجلوس للتشهد الأول

يجلس للتشهد كجلوسه بين السجدتين في كيفية الرجلين وفي كيفية اليدين ويقرأ التشهد.
التشهد الأول:
التشهد ورد على صفات متعددة وقولنا فيه كقولنا في دعاء الاستفتاح، أي أن الإنسان ينبغي له أن يقول مرة تشهد ابن عباس (1) ، ولفظه: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله،
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 16 – التشهد في الصلاة ح60 (403).

(13/385)


السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله". رواه مسلم. ومرة تشهد ابن مسعود ولفظه: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". متفق عليه، ومرة بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير هاتين الصفتين.
فيقول: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (1) .
فإن كان في ثنائية أتم التشهد، وإن كان في ثلاثية أو رباعية قام بعد التشهد الأول وصلى بقية الصلاة، وتكون الصلاة بعد هذا التشهد بالفاتحة فقط لا يقرأ مع الفاتحة سورة أخرى، وإن قرأ أحياناً فلا بأس لوروده في ظاهر حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- (2) .
ويرفع يديه إذا قام من هذا التشهد إلى حذو منكبيه أو على فروع أذنيه.
__________
(1) هذا لفظ حديث ابن مسعود المتفق عليه وتقدم تخريجه في ص226.
(2) رواه مسلم في الصلاة باب القراءة في الظهر والعصر ح156 و157 (452).

(13/386)


التشهد الثاني:
ثم يجلس للتشهد الثاني، وهذا التشهد يختلف عن التشهد الأول في كيفية الجلوس؛ لأنه يجلس متوركاً، والتورك له ثلاث صفات:
الصفة الأولى: أن ينصب الرجل اليمنى ويخرج الرجل اليسرى من تحت الساق ويجلس بأليتيه على الأرض (1) .
الصفة الثانية: أن يفرش رجليه جميعاً ويخرجهما من الجانب الأيمن وتكون الرجل اليسرى تحت الساق اليمنى (2) .
الصفة الثالثة: أن يفرش الرجل اليمنى ويجعل الرجل اليسرى بين الفخذ والساق (3) . فهذه ثلاث صفات للتورك ينبغي له أن يفعل هذا تارة، وأن يفعل هذا تارة أخرى.

ثم يقرأ التشهد الأخير ويضيف على ما قاله في التشهد الأول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (4) .
__________
(1) رواها البخاري في الأذان باب سنة الجلوس في التشهد (828) في حديث أبي حميد الساعدي.
(2) رواها أبو داود في الصلاة باب: من ذكر التورك في الرابعة ح(965) من حديث أبي حميد أيضاً.
(3) رواها مسلم في المساجد باب صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح112 (579) من حديث عبد الله بن الزبير.
(4) متفق عليه من حديث كعب بن عجرة وسيأتي تخريجه في فصل حول معاني التشهد.

(13/387)


ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال (1) .
والتعوذ بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما ثبت ذلك في صحيح مسلم.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب التعوذ من هذه الأربع في التشهد الأخير. وقالوا: لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بها.
وكثير من الناس اليوم لا يبالي بها، تجده إذا صلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلم، مع أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بأن يستعيذ بالله من هذه الأربع.
وكان طاووس – رحمه الله – وهو من التابعين يأمر من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع أن يعيد الصلاة كما أمر ابنه بذلك.
فالذي ينبغي لك أن لا تدع التعوذ بالله من هذه الأربع لما في النجاة منها من السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم يدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة.

السلام

ثم تسلم عن يمينك السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسارك السلام عليكم ورحمة الله، وبهذا تنتهي الصلاة.
__________
(1) بهذا اللفظ رواه مسلم من حديث أبي هريرة في المساجد باب: ما يستعاذ منه في الصلاة ح28 (588)، وأما في حديث عائشة المتفق عليه: التعوذ من المأتم والمغرم بدلاً من النار.

(13/388)


أفضلية الدعاء في الصلاة

وينبغي للإنسان إذا كان يحب أن يدعو الله عز وجل أن يجعل الدعاء قبل أن يسلم، يعني بعد أن يكمل التشهد وما أمر به النبي صلى الله عليه سلم من التعوذ يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
مسألة: هل يصح أن يدعو بشيء يتعلق بالدنيا؟ فيقول مثلاً: اللهم ارزقني زوجة صالحة، أو داراً واسعة أو ما أشبه ذلك؟
والجواب: نعم يصح؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" (1) .
والإنسان مفتقر إلى ربه في حوائج دينه ودنياه.
ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا، فقوله ضعيف؛ لأنه يخالف عموم قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء".
فأنت إذا كنت تريد الدعاء فادع الله قبل أن تسلم.
وبهذا نعرف أن ما اعتاده كثير من الناس اليوم كلما سلم من التطوع ذهب يدعو الله عز وجل حتى يجعله من الأمور الراتبة والسنن اللازمة لهذا أمر لا دليل عليه، والسنة إنما جاءت بالدعاء قبل السلام.
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص234.

(13/389)


فصل
في التسبيح خلف الصلوات

التسبيح أدبار الصلوات قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، محيت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (1) .
والأذكار خلف الصلوات (2) وردت على أنواع متنوعة منها (سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فيكون المجموع تسعة وتسعين، وتختم بالمائة بوحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
ومنها سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، الحمد لله، الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين، الله أكبر، الله أكبر أربعاً وثلاثين) فيكون الجميع مائة.
(ومنها سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات) فالجميع ثلاثون.
(ومنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة وعشرين مرة) فيكون الجميع مائة، فإذا سبحت وذكرت مرة
__________
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة ح146 (597).
(2) تقدم تخريج هذه الأنواع في ص251 + 252.

(13/390)


بهذا ومرة بهذا، فهذا خير، وإن اقتصرت على نوع واحد منها فلا بأس.
وأعلم أن بعض العبادات يرد على وجوه متنوعة، والأفضل أن تأتي بهذا الوجه تارة وبهذا الوجه تارة أخرى، لأجل أن تحصل على سنته كلها.
فإن قلت ما الحكمة من أن هذه العبادات تأتي على وجوه متنوعة؟
لماذا لا تكون نوعاً واحداً؟
والجواب عن ذلك: أن فيه فائدتين.
الفائدة الأولى: حتى لا يتبلد الذهن والحس فتكون مجرد عادة، يسبح الإنسان ولا يدري كم سبح؛ لأنه أخذ على العادة، فإذا تنوعت انتبه.
فأتى هذه المرة بهذا النوع والمرة الأخرى بالنوع الثاني وهكذا.
والفائدة الثانية: تحقق الاتباع لرسول الله؛ لأنك تسبح من أجل موافقته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مخلصين لوجهه الكريم محققين المتابعة لرسوله الأمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(13/391)


645 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه – عن صفة الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: معرفة صفة الصلاة كمعرفة صفة غيرها من العبادات من أهم ما يكون ذلك؛ لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمتابعة لا تمكن إلا بمعرفة كيفية عبادة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يتبعه الإنسان فيها، فمعرفة صفة الصلاة مهم جداً، وإني أحث نفسي، وإخواني المسلمين على أن يتلقوا صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتب الصحيحة: من كتب الحديث المعتبرة حتى يقيموها على حسب ما أقامها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو قدوتنا، وإمامنا، وأسوتنا – صلوات الله وسلامه عليه – وجعلنا من أتباعه بإخلاص.
فصفة الصلاة: أن يقوم الإنسان بشروطها السابقة التي تسبقها كالطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط؛ لأن شروط الصلاة تتقدم عليها، ثم يكبر فيقول: "الله أكبر" رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره (1) ثم يستفتح بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الاستفتاح. يستفتح بأي نوع ورد، إما بقول "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (2) . أو بقول: "
__________
(1) رواه ابن خزيمة وتقدم في ص72.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص112.

(13/392)


سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (1) . أو بغيرهما مما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة، ويقف على كل آية منها، فيقول كل آية ويقف.
ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، والأفضل أن يقرا سورة تامة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره غالباً، وفي الباقي من أوساطه، ثم يرفع يديه مكبراً للركوع فيقول: "الله أكبر" ويضع يديه مفرجة الأصابع على ركبتيه، ويمد ظهره مستوياً مع رأسه لا يرفع ولا يصوبه ويقول: "سبحان ربي العظيم" ويكررها ثلاثاً وهو أدنى الكمال، وإن زاد فلا بأس، ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" ويرفع يديه كذلك، كما رفعها عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع ثم يقول بعد قيامه" "ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد"، ثم يسجد مكبراً ولا يرفع يديه حال السجود، ولا يرفع يديه إذا هوى إلى السجود، قال ابن عمر – رضي الله عنهما -: "وكان لا يفعل ذلك أي الرفع في السجود (2) . ويسجد على ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، يسجد على أعضاء سبعة: الجبهة والأنف وهما عضو واحد، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع ظهره ولا يمده، ويجعل يديه حذاء وجهه، أو حذاء منكبيه، مضمومتي الأصابع، مبسوطة، ورؤوس
__________
(1) رواه أبو داود وتقدم في ص369.
(2) متفق عليه، تقدم تخريجه في ص63.

(13/393)


الأصابع نحو القبلة، ويقول "سبحان ربي الأعلى" أدنى الكمال ثلاث، ويزيد ما شاء، ولكن ليغلب في السجود جانب الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (1) . ثم يرفع من السجود مكبراً، ولا يرفع يديه (2) ،
ويجلس مفترشاً رجله اليسرى ناصباً، رجله اليمنى، ويضع يديه على فخذيه أو على أعلى ركبتيه، وتكون اليمنى مضمومة الأصابع الثلاثة الخنصر والبنصر والإبهام، وإن شاء حلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فتبقى مفتوحة ويحركها عند الدعاء ويقول: "رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وعافني، وارزقني" وكلما دعا حرك إصبعه نحو السماء إشارة إلى علو المدعو، وهو الله عز وجل.
أما اليد اليسرى فإنها تبقى على الفخذ أو على طرف الركبة مبسوطة أصابعها، متجهاً بها إلى القبلة، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يقال وما يفعل، ثم يرفع من السجود إلى القيام مكبراً، ولا يرفع يديه عند هذا القيام؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث صحيح.
ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر، لكن تكون قراءته دون قراءته في الركعة الأولى، ويصلي الركعة الثانية كما صلاها في الركعة الأولى ثم يجلس للتشهد، ويجلس للتشهد كجلوسه للدعاء بين
__________
(1) رواه مسلم وتقدم في ص280.
(2) بقية صفة الصلاة تقدم تخريج الأحاديث الواردة فيها في فصل صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل هذه الرسالة..

(13/394)


السجدتين، أي يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى على صفة ما سبق في الجلوس بين السجدتين، ويقرأ التشهد "التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله" (1) وإن كان في ثنائية كالفجر والنوافل فإنه يكمل: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". ثم إن أحب أطال في الدعاء ما شاء، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.
أما إذا كان في ثلاثية أو رباعية فإنه بعد أن يقول في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً عبده ورسوله" يقوم فيصلي ما بقي من صلاته مقتصراً على قراءة الفاتحة، أما الركوع، والسجود فكما سبق في الركعتين الأوليين، ثم يجلس للتشهد الثاني وهو الأخير، ولكن يكون جلوسه توركاً، والتورك له ثلاثة صفات (2) :
__________
(1) تقدم تخريجها في رسالة صفة صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2) تقدم تخريجها في رسالة صفة الصلاة تحت عنوان التشهد الثاني.

(13/395)


أما أن ينصب رجله اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساقها. وإما أن يفرش الرجل اليمنى واليسرى من تحت ساقها أي من تحت الساق اليمنى، وإما أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين ساقه اليمنى وفخذها، كل ذلك ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم إذا أكمل التشهد سلم عن يمينه وعن يساره كما سبق.
وهنا مسألة يكثر السؤال عنها وهي: وضع الرجلين في الصلاة، فأقول:
وضع الرجلين في حال القيام طبيعي بمعنى أنه لا يلصق بعضهما ببعض، ولا يباعد ما بينهما، كما روي ذلك عن ابن عمر – رضي الله عنهما – ذكره في شرح السنة "أنه كان رضي الله عنه لا يباعد بين رجليه ولا يقارب بينهما" (1) هذا في حال القيام، وفي حال الركوع، أما في حال الجلوس: فقد عرفت فيما سبق.
وأما في حال السجود فمن الأفضل أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى، وأن لا يفرق بينهما كما يدل على ذلك حديث عائشة – رضي الله عنها – حين وقعت يدها على قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منصوبتين وهو ساجد (2) ، ومعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضهما قد ضم إلى بعض، وكذلك جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة (3) – رحمه الله – أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود.
...
__________
(1) شرح السنة للبغوي 3/33.
(2) رواه ابن خزيمة ح(654) تقدم في ص29 – 30.
(3) ح(655) تقدم في ص29 – 30.

(13/396)


هذه هي صفة الصلاة الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليجتهد الإنسان باتباعها ما استطاع؛ لأن ذلك أكمل في عبادته، وأقوى في إيمانه، وأشد في اتباعه لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الأذكار بعد الصلاة: ينبغي على الإنسان إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)، ومن ذلك أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله) ويقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (1) ، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميع، كل ذلك جائز.
ويجوز أيضاً صفة أخرى: أن يسبح عشراً، ويكبر عشراً، ويحمد عشراً.
ويجوز أيضاً صفة أخرى: أن يقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمساً وعشرين مرة فتتم مائة.
فالمهم أن كل ما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذكار بعد الصلاة فليقله إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع؛ لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض، وبعضها يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى
__________
(1) تقدم تخريجه في ص245.

(13/397)


لقوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) واتباعاً لسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) فعلى المصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر، اقتداء بالصحابة في عهد سول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل اقتداء بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بالتكبير" (2) .
وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وأن جهر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه - وهو رفع الصوت به - مشروعاً لكان يكفي ما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته، فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة لأن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول عليه الصلاة والسلام كلما سلم رفع صوته بالذكر.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

646 وسئل فضيلته - حفظه الله ورعاه -: كيف كانت صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام؟
...
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص245.
(2) متفق عليه، تقدم تخريجه في ص283.

(13/398)


فأجاب بقوله: إذا توضأ الإنسان وارتفع حدثه فإنه يصلي على الصفة التالية:
يستقبل القبلة، ويكبر تكبيرة الإحرام، ومع هذه التكبيرة يرفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه. كل ذلك ثبت به الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم بعد هذا يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح بالاستفتاح الوارد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبأي استفتاح استفتح مما صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يجزئه.
وأصح ما ورد في ذلك: حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الثابت في الصحيحين قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة، فقلت: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (1) . هذا أصح حديث ورد في هذا الاستفتاح.
وإن استفتح بغيره مما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا حرج، ومنه قول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (2) .
ثم بعد ذلك يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقرأ البسملة،
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص112.
(2) تقدم تخريجه ص369.

(13/399)


ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها سورة؛ وهذه السورة تكون طويلة في الفجر، وتكون قصيرة في المغرب، وتكون بين ذلك فيما عداهما، ثم بعد هذا يرفع يديه إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه ويكبر للركوع، فيركع ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويمد ظهره مستوياً، مساوياً رأسه ظهره، قالت عائشة – رضي الله عنها -: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك" (1) . ويقول في هذا الركوع: "سبحان ربي العظيم"؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزل قول الله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة: 74). قال: "اجعلوها في ركوعكم" (2) .
ويقول أيضاً، "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (3) ، ويقول أيضاً: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (4) ، ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" رافعاً يديه حتى يكونا حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، وبعد قيامه وانتصابه يقول: "ربنا ولك الحمد"، وإذا كان مأموماً يقول في رفعه: "ربنا ولك الحمد" ولا يقول: "سمع الله لمن حمده" لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: "ربنا ولك الحمد" (5) ، ثم يقول: "
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب ما يجمع صفة الصلاة ح240 (498).
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب التسبيح في الركوع والسجود.
(3) رواه مسلم وتقدم في ص354.
(4) متفق عليه وتقدم في ص354.
(5) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص167.

(13/400)


ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (1) .
وفي هذا القيام يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره كما وضعهما قبل الركوع.
وأما من قال: إنه يرسلهما. فإنه ليس له حجة من سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل السنة أن يضعهما كما وضعهما قبل الركوع؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري في حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه - قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (2) ، وهذا في جميع الحالات، ويستثنى منه ما استثنته السنة وذلك حال السجود، فإن اليدين توضعان على الأرض، وحال الجلوس فإنهما توضعان على الفخذين، وحال الركوع توضعان الركبتين. ويبقى ما سوى هذه الأحوال الثلاثة على العموم في حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه -.
ويجوز للإنسان أن يقول: ربنا ولك الحمد، وأن يقول: ربنا لك الحمد دون واو، وأن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد – كل هذه الصفات الأربع جاءت بها السنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
...
__________
(1) رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص168.
(2) رواه البخاري وتقدم في ص160.

(13/401)


ثم يكبر ساجداً أي: يكبر من القيام ساجداً على سبعة أعظم، ولا يرفع يديه؛ لقول ابن عمر – رضي الله عنهما – حين ذكر المواضع التي رفع فيها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه قال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (1) . يسجد على سبعة أعظم، على الجبهة والأنف، وعلى الكفين، وعلى الركبتين، وعلى أطراف القدمين، وفي حال هويه إلى الأرض للسجود يقدم ركبتيه ثم رجليه، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (2) .
فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الساجد أن يبرك كما يبرك البعير. أي على صفة بروك البعير، وبروك البعير يقدم يديه قبل رجليه، وهنا لم يقل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) حتى نقول: إن ذلك نهي عن تقديم الركبتين، ولكنه قال: "كما يبرك البعير"؛ فالنهي عن الصفة، وليس عن العضو المسجود عليه، ولهذا ينبغي أن يتنبه لهذا حتى يكون هذا الحديث وهو حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – موافقاً لحديث وائل بن حجر (3) الدال على أن الركبتين تقدمان حال السجود.
ومن كان عاجزاً أو في ركبتيه وجع أو ما أشبه ذلك فلا حرج عليه أن يقدم يديه قبل ركبتيه، وفي السجود ينبغي أن يجعل يديه إما حذو منكبيه، وإما أن يقدمهما حتى تكون الجبهة والأنف بينهما،
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص186.
(2) هذا حديث أبي هريرة وتقدم تخريجه في ص170.
(3) تقدم تخريجه في ص172.

(13/402)


وأما بالنسبة إلى ظهره فإنه لا يمده ولكنه يرفعه عن فخذه، ويرفع فخذيه عن ساقيه، ويضم قديمه بعضهما إلى بعض، ولا يفرق بينهما.
وأما من قال من أهل العلم: إنه يفرق بينهما (بين القدمين) حال السجود بمقدار شبر فإني لا أعلم في ذلك سنة، فالظاهر من حديث عائشة – رضي الله عنها – حين فقدت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة فخرجت فوجدته ساجداً قالت: "فوقعت يدي على قدميه" (1) ، ومن المعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على القدمين إلا إذا كان بعضهما مضموماً إلى بعض.
وقد جاء ذلك أيضاً في صحيح ابن خزيمة – رحمه الله -: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضم إحدى رجليه إلى الأخرى في حال السجود (2) . ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" (3) ، ويقول أيضاً: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (4) . ويقول أيضاً: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (5) كل هذا مما جاءت به السنة.
وإذا أطال الركوع والسجود، فإنه يكثر في الركوع من الثناء وتعظيم الله عز وجل، ويكثر في السجود من الدعاء، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: "ألا وإني نهيت أن أقرأ
__________
(1) رواه مسلم وتقدم في ص30.
(2) في ح(654) و(655) وتقدم أيضاً في ص29.
(3) هذا جزء من حديث حذيفة رواه مسلم في صلاة المسافرين باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ح203 (772). وتقدم تخريجه في ص374.
(4) رواه مسلم وتقدم في ص351.
(5) متفق عليه وتقدم في ص354.

(13/403)


القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (1) . أي حري أن يستجاب لكم إذا دعوتم الله سبحانه وتعالى في حال السجود، ولهذا ورد في الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (2) .
والدعاء هنا وفي غيره من الأماكن التي يشرع فيها في الصلاة، ينبغي أن يحافظ الإنسان فيه على الوارد، فإذا فعل الوارد فله أن يدعو بما أحب؛ يدعو لنفسه، ويدعو لوالديه في الفريضة وفي النفل أيضاً، ويدعو لمن أحب من المسلمين، ويدعو أيضاً بما شاء من أمور الدنيا والدين والآخرة.
ولا تبطل الصلاة إذا دعا بشيء يتعلق بأمر الدنيا؛ لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن مسعود حين ذكر التشهد قال: "ليتخير في الدعاء ما شاء" (3) .
وبعد السجدة يقوم مكبراً، ولا يرفع يديه، ويجلس بين السجدتين مفترشاً جالساً على رجله اليسرى، ناصباً رجله اليمنى، فينصب الرجل اليمنى ويجعل بطون أصابعها إلى الأرض. ...
أما اليدان فإنه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض منها الأصابع الثلاثة: الخنصر والبنصر والوسطى، فيضع الإبهام عليها ويشير بالسبابة كلما دعا فيقول مثلاً: رب اغفر لي فيرفع إصبعه،
__________
(1) رواه مسلم وتقدم في ص280.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص280.
(3) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص234.

(13/404)


وارحمني فيرفع إصبعه، هكذا كلما دعا يحركها إشارة إلى علو البارئ جل وعلا الذي دعاه.
أما يده اليسرى فإن فيها صفتين:
الصفة الأولى: أن يلقمها ركبته.
والصفة الثانية: أن يضعها مبسوطة على فخذه، كل من تلك الصفتين جائزة. ويقول في هذا الجلوس: "رب اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني (1) .
ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يكمل صلاته على صفة الركعة الأولى التي سبق ذكرها، إلا أنه لا يستفتح فيها؛ لأن الاستفتاح محله أول ركعة، ولهذا يسمى استفتاحاً؛ لأنه تستفتح به الصلاة.
وأما التعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الركعة الثانية وفي الركعة الثالثة والرابعة فإن العلماء اختلفوا فيه: ...
فمنهم من يرى أنه يتعوذ بناء على أن قراءة الصلاة كل ركعة مستقلة عن الأخرى.
ومنهم من يرى: أنه يكفيه التعوذ الأول؛ لأن الصلاة قراءة واحدة في جميع الركعات.
وعلى كل حال فإني لا أعلم في ذلك سنة تفصل بين القولين ولكن إذا تعوذ في الركعة الثانية والثالثة والرابعة فلا حرج عليه، وإن ترك فلا حرج عليه.
ثم يجلس للتشهد بعد الركعتين فيجلس مفترشاً كما يجلس
__________
(1) رواه أبو داود وتقدم تخريجه تحت عنوان "الأذكار بين السجدتين من رسالة صفة الصلاة".

(13/405)


بين السجدتين ويقرأ التحيات، إن قرأ التحيات بما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (1) ولفظه: "التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، أو بما ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" (2) ، فكل ذلك جائز؛ لأن الصواب من أقوال أهل العلم أن ما وردت به السنة مختلفاً، فإنه يفعل هذا مرة وهذا مرة؛ ليأتي الإنسان بالسنة على وجهيها أو وجوهها.
فإذا قال قائل: ما الحكمة في أن ترد السنة مختلفة في بعض الأمور في صفاتها؟
نقول:
من الحكمة – والله أعلم – أن لا يحصل الملل للمتعبد؛ لأنه إذا بقي على شيء واحد قد يلحقه الملل في ذلك.
ومنها: أنه يكون أخف في بعض الأحيان؛ لأن بعض الصفات الواردة في العبادات تكون أخف من بعض في بعض الأحيان، فيكون في ذلك مراعاة التخفيف على العباد، وأضرب
__________
(1) راجع صفة الصلاة تحت عنوان التشهد الأول.
(2) راجع صفة الصلاة تحت عنوان التشهد الأول.

(13/406)


لهذا مثلاً بالتخفيف، لقد ورد أن الإنسان يحمد، ويكبر، ويهلل دبر الصلاة حتى يبلغ تسعاً وتسعين ويختم بقوله: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وورد أيضاً صفة أخرى وهو أن يسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً (1) ، ولا ريب أن هذه الصفة الأخيرة أخف على المكلف من الصفة الأولى.
ومن الحكم أيضاً: تنويع العبادات، فإنه أحضر لقلبه؛ لأن الإنسان إذا اتخذ عبادة واحدة دائمة فقد يفعلها بصفة اعتيادية لا يحس بها؛ لأنها عادته، لكن إذا كان يراعي الصفات المختلفة الواردة فإنه بذلك يكون أحضر لقلبه وأجمع.
هذه بعض الحكم من حكم اختلاف الصفات في بعض العبادات.
ترجع إلى صفة الصلاة.. فإذا تشهد المصلي بما رواه ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحسن، وإذا تشهد بما رواه ابن عباس فحسن، ولكن الذي ينبغي أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، ليأتي بالسنة على وجهيها.
ثم إذا كان في صلاة ثلاثية أو رباعية فإنه ينهض بعد التشهد الأول ليكمل صلاته، وإن كان في ثنائية وهي الصلاة الثنائية مفروضة كانت كالفجر والصلاة المقصورة للمسافر فإنه يتم التشهد. وكذلك السنن، فإن الإنسان يقتصر فيها على ركعتين
__________
(1) تقدم تخريج هذه الصفات في ص252.

(13/407)


ويسلم من ركعتين، لاسيما في صلاة الليل، فإن الواجب أن يقتصر فيها الإنسان على ركعتين؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى" (1) .
وقال الإمام أحمد – رحمه الله -: إنه إذا قام إلى الثالثة ليلاً فكأنما قال إلى ثالثة في الفجر، يعني: أنه إن لم يرجع فإن صلاته تبطل.
وبهذا نعرف أنه إذا أخطأ الإمام في التراويح، وقام إلى الثالثة فإنه يجب عليه أن يرجع متى ذكر؛ قبل القراءة، أو في أثناء القراءة، أو في الركوع، أو بعد الركوع، يجب أن يرجع ويجلس ويقرأ التشهد ويكمل، ويسلم، ثم يسجد سجدتين للسهو بعد السلام، وإن تعمد المضي في الثالثة عامداً وكملها رابعة فإن صلاته تبطل لمخالفة قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وهذا في غير الوتر، أما في الوتر فقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها (2) ، وأوتر بسبع ولم يجلس إلا في آخرها (3) ، وأوتر بتسع فجلس في الثامنة فتشهد، ثم قام فأتى بالتاسعة ثم سلم (4) .
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري في أول الوتر (990)، ومسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الليل مثنى مثنى ح145 (749).
(2) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الليل ح123 (737)، ورواه أبو داود في الصلاة رقم (1338)، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في الوتر بخمس ح(459)، ورواه النسائي في قيام الليل باب كيف الوتر بخمس 3/266 )1716) من حديث عائشة.
(3) رواه الترمذي في الصلاة باب ما جاء في الوتر بسبع ح(457)، ورواه النسائي في الموضع السابق ح(1713) (1714) عن أم سلمة.
(4) هذا جزء من حديث عائشة الطويل رواه مسلم في صلاة المسافرين باب جامع صلاة الليل ح139 (746.

(13/408)


وينبغي للمرء أن لا يترك الدعاء الذي أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأخير؛ حيث أمر عليه الصلاة والسلام أن يتعوذ الإنسان في التشهد الأخير من أربع فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (1) .
وقد ذهب بعض أصحاب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى وجوب التعوذ بالله من هذه الأربع؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بها، ولأن التعوذ منها أمر مهم لا ينبغي للإنسان أن يدعه، ويجلس في التشهد الأخير متوركاً.
* إما أن ينصب رجله اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساقها.
* وإما أن يفرش الرجل اليمنى ويخرج اليسرى من تحت ساق اليمنى.
* وإما أن يفرش اليمنى ويدخل رجله اليسرى بين ساقه اليمنى وفخذها.
ثم بعد أن يكمل التشهد الأخير، يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.
__________
(1) تقدم تخريجه في صفة الصلاة - الاستعاذة من أربع.

(13/409)


بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الشيخ المكرم الفاضل حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإنه يسرني ما تقومون به من كتابات قيمة من الرسائل وما فوقها، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلنا وإياكم ممن دعا إلى الله على بصيرة.
ثم إنه وقع في يدي رسالة ألفتموها بعنوان: "........." وهي رسالة مفيدة إلا أنه استوقفني فيها مسائل:
الأولى: أن من ألفاظ التسوية للصف: "استقيموا" فهل ثبتت هذه عندكم بسنة، أو أثر، فإني أحب أن أتبين.
الثانية: قبض أصابع اليد اليمنى، والإشارة بالسبابة في الجلوس بين السجدتين كما في التشهدين، قلتم: إنه من الحركات الجديدة، وأن عمل المسلمين المتوارث على عدم الإشارة والتحريك بين السجدتين، وأن نسبة القول بالتحريك بين السجدتين إلى ابن القيم غلط عليه. أ.هـ.
مع أن حديث وائل بن حجر (1) الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/317 من طريق عبد الرزاق صريح في ذلك وسياقه: "
__________
(1) راجع ص194.

(13/410)


رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبر فرفع يديه حين كبر - يعني استفتح الصلاة - ورفع يديه حين كبر، ورفع يديه حين قال سمع الله لمن حمده، وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذاء أذنيه".
وأخرجه من حديث عبد الصمد قال: حدثنا زائدة، قال: حدثنا عاصم بن كليب، ثم تم السند إلى وائل أنه قال: "لأنظرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يصلي" قال: "فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم قال: لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه، فحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها" (1) .
وهذا صريح في أن هذه القعدة هي القعدة التي بين السجدتين؛ لأنه قال: "ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها ثم سجد، ثم قعد فافترش رجله اليسرى" إلخ، وهل هذه القعدة إلا قعدة ما بين السجدتين؟!
وأخرجه أيضاً من حديث أسود بن عامر قال: حدثنا زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب به. ولفظه: أن وائل بن حجر قال: "
__________
(1) راجع ص194.

(13/411)


قلت: لأنظرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يصلي" وذكر الحديث، وفيه قال بعد ذكر الرفع من الركوع: "ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى (فخذه في صفة عاصم) ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثلاثاً، وحلق حلقة، ثم رأيته يقولك هكذا"، وأشار زهير بسبابته الأولى وقبض إصبعين، وحلق الإبهام على السبابة الثانية.
وظاهر هذا اللفظ أو صريحه كسابقيه في أن القبض والإشارة بين السجدتين كما في التشهدين، وعلى هذا فلا يصح توهيم عبد الرزاق بذكر السجود بعد هذه القعدة؛ لأن ذكره زيادة لا تنافي ما رواه غيره، بل توافقه كما علم.
ولم أعلم من السنة حديثاً واحداً فيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبسط يده اليمنى حين يجلس بين السجدتين، ولا وجدت ذلك عن الصحابة.
وما رواه مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة" (1) .
فإنه لا ينافي حديث وائل ولا يبطله، لاختلاف الموضعين، على أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قد رواه مسلم بلفظ
__________
(1) تقدم في ص192.

(13/412)


الإطلاق: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها". وفي لفظ آخر: "وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى".
فقد روى مسلم هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: اثنان مطلقان، والثالث مقيد بالتشهد، ولا منافاة أيضاً لدخول المقيد في المطلق، ولم يرد في السنة التفريق بين الجلوس بين السجدتين والتشهدين.
وأما ما ذكر فضيلتكم من أن القبض والتحريك ليس عليه عمل المسلمين المتوارث.
فقد راجعت ما تيسر لي من كتب الآثار فلم أجد عن الصحابة والتابعين ما يقتضي التفريق بين جلسات الصلاة، ثم لو فرض أن هناك آثاراً صحيحة عنهم فالأخذ بما دلت عليه السنة.
وقد قال البناء في ترتيب مسند الإمام أحمد 3/149 عن حديث وائل بن حجر: سنده جيد، وقال الأرناؤوط في حاشية زاد المعاد 1/238: سنده صحيح.
وأما قول فضيلتكم: إن نسبة القول بالتحري بين السجدتين إلى ابن القيم غلط عليه.
فإن كلام ابن القيم رحمه الله لا غبار عليه في ذلك، والنسبة إليه صحيحة وهذا نص عبارته: قال 1/322: ثم كان يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، وساق كلاماً كثيراً ثم قال 1/338: فصل: ثم كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع رأسه مكبراً غير رافع يديه، ويرفع من السجود رأسه

(13/413)


قبل يديه، ثم يجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، وذكر النسائي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى، ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه، وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل مرفقه على فخذه، وطرف يده على ركبته، ويقبض ثنتين من أصابعه ويحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه يدعو بها، ويحركها هكذا قال وائل بن حجر عنه - إلى أن قال 239: ثم كان يقول (بين السجدتين) رب اغفر لي إلخ وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث أهـ المقصود منه. - والمقوس عليه هو هكذا في الأصل وهو محذوف في طبعة أخرى -.
وهذا صريح في إثباته القبض والتحريك بين السجدتين؛ فإن قوله: "وكان يضع يديه على فخذيه"، إلخ إما أن يكون حاكماً به مستدلاً عليه بحديث وائل كما هو الظاهر من عبارته هنا، وفي كثير من عباراته كما قال هنا "ثم كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي" إلخ، هكذا ذكره ابن عباس (1) - رضي الله عنهما -، وذكر حذيفة أنه كان يقول: "رب اغفر لي رب اغفر لي" (2) .
وإما أن يكون حاكياً له عن وائل مخبراً به عنه.
فإن كان حاكماً به مستدلاً عليه بقول وائل فنسبة القول به إليه واضحة.
وإن كان حاكياً مخبراً فمن البعيد أن يجزم به عن وائل، ثم
__________
(1) و(2) راجع ص211.

(13/414)


يكون المراد به أن يتعقبه لأنه – أي وائلاً – صحابي عدل مقبول الخبر، فلا يمكن أن يجزم ابن القيم بما قاله بقصد تعقبه، وإنما يريد ابن القيم بقوله هذا دفع حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – أنه كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها حيث قال: "فهذه الزيادة في صحتها نظر" ثم قال عن ذلك: "وأيضاً فليس في حديث أبي داود أن هذا كان في الصلاة، وأيضاً لو كان في الصلاة لكان نافياً، وحديث وائل مثبتاً وهو مقدم حديث صحيح ذكره أبو حاتم في صحيحه" أهـ (1) .
وهذا واضح جداً بأدنى تأمل، وليس غرضي من كتابة هذا لفضيلتكم أن أواجهكم للقول به، فإن هذه مسألة من مسائل الاجتهاد التي من أصاب فيها فله أجران، ومن أخطأ فله واحد، وإنما غرضي أنه كلما أمكن تفادي توهيم الحفاظ فهو أولى، وكلما أمكن تفادي تغليط الناقل فهو أولى.
وقد تبين مما كتب أنه لا وهم في رواية عبد الرزاق، ولا غلط فيما نقل عن ابن القيم – رحم الله الجميع -.
هذا وقد ذكر فضيلتكم أن البيهقي – رحمه الله – أشار إلى ضعفها وترجيح حديث ابن عمر وابن الزبير – رضي الله عنهم – وهو إنما رجحهما من حيث قبض الأصابع كلها على التحليق بين الإبهام والوسطى؛ لأنه احتج بحديث عاصم في الباب الثاني مما بعده.
ثم إن البيهقي لما ذكر حديث وائل في التحليق قال: "ونحن نجيزه ونختار ما روينا في حديث ابن عمر ثم ما روينا في حديث ابن
__________
(1) صحيح ابن حبان 5/170 (1860).

(13/415)


الزبير". والضعيف لا يعمل به، ولا يظن بالبيهقي أن يجيز العمل به. ...
المسألة الثالثة: ذكر فضيلتكم مثالاً للترتيب الذكرى في حرف العطف (ثم) هو قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وقلتم: ليست (ثم) للترتيب؛ لأن الاستواء على العرش قبل رفع السموات.
ومن المعلوم أن الأصل في ترتيب (ثم) أنه ذكري حكمي، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل.
ومن المعلوم أيضاً أن استواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية المتوقفة على الأدلة السمعية، ولم يبين الله لنا أنه كان مستوياً على عرشه قبل خلق السموات والأرض.
ومن المعلوم أن قوله تعالى: : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) كقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) فإن السموات خلقت مرفوعة لقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ).
ومن المعلوم أن الواجب في نصوص الصفات القرآنية والحديثية إجراؤها على أصل الكلام وظاهره، وحينئذ لا يمكن الجزم بأن الاستواء على العرش كان قبل خلق السموات أو رفعها.
المسألة الرابعة: ما ترجمتم عنه بقولكم: التطبيق العملي الجديد لحديث عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما -: "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش

(13/416)


قدمه اليمنى"، رواه مسلم ص408 (1) والبيهقي 2/130 وابن خزيمة في صحيحه 1/345.
قال ابن القيم في زاد المعاد 1/243: ومعنى حديث ابن الزبير – رضي الله عنه – "أنه فرش قدمه اليمنى" أنه كان يجلس في هذا الجلوس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشة، وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه ومقعدته على الأرض، وفي ص253 قال بعد ذكر هذا الحديث: وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخرقي في مختصره، وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن وفي نصب اليمنى، ولعله كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا أظهر ويحتمل أن تكون من اختلاف الرواة. أهـ.
وهذا الحديث رواه مسلم بهذا اللفظ من طريق أبي هشام المخزومي، عن عبد الواحد بن زياد، وكذلك البيهقي، ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الجبار عن عبد الواحد.
وقد رواه أبو داود (2) بلفظ: "جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه وفرش قدمه اليمنى"، رواه من طريق عفان بن مسلم عن عبد الواحد.
ولا شك أن ما أخرجه ثلاثة حفاظ من طريقين أقرب إلى الصواب مما رواه حافظ من طريق واحد.
ولا شك أن معنى قوله "بين فخذه وساقه" غير معنى "تحت فخذه وساقه" ولا يمكن حمل البينة على التحت؛ لأن هذا تأباه اللغة
__________
(1) ورقمه 112 (579) وتقدم في صفة الصلاة تحت عنوان: التشهد الثاني.
(2) في الصلاة باب الإشارة في التشهد 1/603 ح(988).

(13/417)


العربية وحينئذ الترجيح بما سبق، والله أعلم.
المسألة الخامسة: عقد التسبيح هل هو باليمين وحدها، أو باليدين جميعاً، وبناء على ما ذكر فضيلتكم من ألفاظ الحديث يتبين أنها لا تتنافى؛ فإن لفظ اليد مجمل، ولفظ اليمين مبين، فلفظ اليد صالح لليمين واليسار، فإذا بين أنها اليمين فلا اختلاف حتى نلجأ إلى الترجيح؛ لأنه لا يخفى أن الترجيح يعني إلغاء أحد اللفظين وفضيلتكم يعرف ما في هذا.
ولما كان هذا اللفظ ورد بالإفراد صار المتعين أن يكون بإحدى اليدين: إما اليمنى، وإما اليسرى، ولا يحمل على الثنتين إلا بدليل لأن الأصل أن ما كان بصيغة المفرد فهو فرد، ولو كان يعقد التسبيح بيديه لقالوا: بيديه، كما هو المعتاد حين يذكرون مثل ذلك كما في رفع اليدين للدعاء.

هذا ما أحببت كتابته فضيلتكم؛ لأن الواجب التعاون فيما يقرب إلى الله تعالى، وأرجو أن يكون ذلك منه، وأن يكون منكم عناية فيما كتبناه.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حرر في 3/7/1413هـ.

تم بحمد الله تعالى المجلد الثالث عشر
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد الرابع عشر

(13/418)