مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

باب الغسل

162 ) وسُئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا : عن موجبات الغسل ؟
فأجاب بقوله : موجبات الغسل منها :
الأول : إنزال المني بشهوة يقظة أو مناما ، لكنه في المنام يجب عليه الغسل ، وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال .
الثاني : الجماع ، فإذا جامع الرجل زوجته ، وجب عليه الغسل بأن يولج الحشفة في فرجها ، فإذا أولج في فرجها الحشفة أو ما زاد ، فعليه الغسل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الأول : ( الماء من الماء ) يعني أن الغسل يجب من الإنزال ، وقوله عن الثاني : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ) وإن لم ينزل، وهذه المسألة ـ اعني الجماع بدون إنزال ـ يخفى حكمها على كثير من الناس ، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع والشهور وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلا منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب أن يعلم الإنسان حدود ما أنزل الله على رسوله ، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل وجب عليه الغسل وعليها، للحديث الذي ذكرناه آنفا .
الثالث : من موجبات الغسل خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت ، وجب عليها الغسل لقوله تعالى : (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ

(11/217)


أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(1) . ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل ، والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل.
وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة ، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في النظافة لها وتطهيرها .
وذكر بعض العلماء أيضا من موجبات الغسل الموت ، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته : اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) . وبقوله ، صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم : ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ) . فقالوا : إن الموت موجب للغسل ، لكن الوجوب هنا يتعلق بالحي لأن الميت انقطع تكليفه بموته ، ولكن على الأحياء أن يغسلوا موتاهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، بذلك .
163 ) وسُئل فضيلته : هل يجب الغسل بالمداعبة أو التقبيل ؟
فأجاب قائلا : لا يجب على الرجل ولا على المرأة غسل بمجرد الاستمتاع بالمداعبة أو التقبيل إلا إذا حصل إنزال المني فإنه يجب الغسل على الجميع إذا كان المني قد خرج من الجميع ، فإن خرج من أحدهما فقط وجب عليه الغسل وحده، وهذا إذا كان الأمر مجرد مداعبة أو تقبيل أو ضم ، أما إذا كان جماعا فإن الجماع فيه الغسل على كل حال، على الرجل وعلى المرأة حتى وإن لم يحصل إنزال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 222.

(11/218)


رواه أبو هريرة:(إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ). وفي لفظ لمسلم : ( وإن لم ينزل ) . وهذه المسألة قد تخفى على كثير من النساء، تظن المرأة بل وربما يظن الرجل أن الجماع إذا لم يكن إنزال فلا غسل فيه ، وهذا جهل عظيم، فالجماع يجب فيه الغسل على كل حال ، وما عدا الجماع من الاستمتاع لا يجب فيه الغسل إلا إذا حصل الإنزال .
164) وسُئل : عن الرجل إذا داعب زوجته وأحس بنزول شيء منه ، فوجد في ملابسه سائلا لزجا بدون لون فهل يجب عليه الغسل ؟
فأجاب بقوله : إذا كان هذا منيا فيجب عليه الغسل، والمني المعروف يخرج دفقا بلذة، وإن كان غير مني بأن كان مذيا وهو الذي يخرج من غير إحساس ويخرج عند فتور الشهوة غالبا ، إذا اشتهى الإنسان ثم فترت شهوته وجد هذا السائل فإن المذي لا يوجب الغسل وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين فقط مع الوضوء ، وأما المني فإنه يوجب الغسل، وإذا شككت هل هو مني أو مذي فإن الأصل عدم وجوب الغسل، فأصل هذا على أنه مذي تغسل الذكر والأنثيين وما أصاب من ثوب وتتوضأ للصلاة .
165) سُئل الشيخ حفظه الله تعالى : عمن وجد منيا في ثيابه بعد أن صلى الفجر ولم يعلم به فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب قائلا : إذا لم ينم الإنسان بعد صلاة الفجر فإن صلاة الفجر غير صحيحة لوقوعها وهو جنب حيث تيقن أنه قبل الصلاة.
أما إذا كان الإنسان قد نام بعد صلاة الفجر ولا يدري هل هذه

(11/219)


البقعة من النوم الذي بعد الصلاة أو من النوم الذي قبل الصلاة فالأصل أنها مما بعد الصلاة، وأن الصلاة صحيحة، وهكذا الحكم أيضا فيما لو وجد الإنسان أثر مني وشك هل هو من الليلة الماضية أو من الليلة التي قبلها، فليجعله من الليلة القريبة وأن يجعله من آخر نومه نامها ، لأن ذلك هو المتيقن وما قبلها مشكوك فيه، والشك في الإحداث لا يوجب الطهارة منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد ). رواه مسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ . والله الموفق .

166) وسُئل فضيلة الشيخ : شخص صلى المغرب والعشاء ، ثم عاد إلى بيته، وعند خلعه لثوبه وجد في ملابسه الداخلية أثر مني ، فماذا يلزمه ؟
فأجاب ـ أعلى الله درجته في المهتدين ـ بقوله : إذا كان هذا الرجل الذي وجد المني على لباسه لم يغتسل ، فإنه يجب عليه أن يغتسل ويعيد الصلوات التي صلاها وهو على جنابة ، لكن أحيانا يرى الإنسان أثر الجنابة على لباسه ولا يدري أكان في الليلة التي قبلها ، فهل يعتبره من الليلة الماضية القريبة أم من الليلة السابقة؟
الجواب : يعتبره من الليلة الماضية القريبة لأن ما قبل الليلة الماضية مشكوك فيه، والأصل الطهارة، وكذلك لو نام بعد صلاة الصبح واستيقظ ووجد في لباسه أثر الجنابة ولا يدري أهو من النوم الذي بعد صلاة الفجر أو من النوم في الليل ، فهل يلزمه إعادة صلاة الفجر؟
الجواب : لا يلزمه إعادة صلاة الفجر ، لأن نوم الليل مشكوك في حصول الاحتلام فيه، وهكذا اجعلها قاعدة عندك: كلما شككت هل هذه الجنابة من نومة سابقة أو لاحقة فاجعله من اللاحقة .

(11/220)


167) وسُئل الشيخ : إذا استيقظ الإنسان فوجد في ملابسه بللا فهل يجب عليه الغسل ؟
فأجاب بقوله : إذا استيقظ الإنسان فوجد بللا ، فلا يخلو من ثلاث حالات :
الحال الأولى : أن يتيقن أنه مني، فيجب عليه حينئذ الاغتسال سواء ذكر احتلاما أم لم يذكر .
الحال الثانية : أن يتيقن أنه ليس بمني ، فلا يجب عليه الغسل في هذه الحال، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه ، لأن حكمه حكم البول.
الحال الثالثة : أن يجهل هل هو مني أم لا ؟ ففيه تفصيل :
أولا : إن ذكر أنه احتلم في منامه، فإنه يجعله منيا ويغتسل، لحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها غسل ؟ قال: ( نعم إذا هي رأت الماء ). فدل هذا على وجوب الغسل على من احتلم ووجد الماء.
ثانيا : إذا لم ير شيئا في منامه، فإن كان قد سبق نومه تفكير في الجماع جعله مذيا .
وإن لم يسبق نومه تفكير فهذا محل خلاف :
قيل : يجب عليه الغسل احتياطا .
وقيل : لا يجب وهو الصحيح لأن الأصل براءة الذمة .
168) وسُئل : عن حكم السائل الذي يخرج بعد الغسل من الجنابة ؟
فأجاب بقوله : هذا السائل الذي يخرج بعد الغسل إذا لم يكن هناك شهوة جديدة أوجبت خروجه فإنه بقية ما كان من الجنابة الأولى ،

(11/221)


فلا يجب الغسل منه، وإنما عليه أن يغسله ويغسل ما أصابه ويعيد الوضوء فقط.
169 ) وسُئل الشيخ : عن الفرق بين المني والمذي والودي ؟
فأجاب بقوله : الفرق بين المني والمذي ، أن المني غليظ له رائحة، ويخرج دفقا عند اشتداد الشهوة وأما المذي فهو ماء رقيق وليس له رائحة المني، ويخرج بدون دفق ولا يخرج أيضا عند اشتداد الشهوة بل عند فتورها إذا فترت تبين للإنسان .
أما الودي فإنه عصارة تخرج بعد البول نقط بيضاء في آخر البول.
هذا بالنسبة لماهية هذه الأشياء الثلاثة .
أما بالنسبة لأحكامها : فإن الودي له أحكام البول من كل وجه.
والمذي يختلف عن البول بعض الشيء في التطهر منه ، لأن نجاسته أخف فيكفي فيه النضح ، وهو أن يعم المحل الذي أصابه بالماء بدون عصر وبدون فرك، وكذلك يجب فيه غسل الذكر كله والأنثيين وإن لم يصبهما .
أما المني فإنه طاهر لا يلزم غسل ما أصابه إلا على سبيل إزالة الأثر فقط، وهو موجب للغسل وأما المذي والودي والبول فكلها توجب الوضوء
170 ) وسُئل فضيلته : هل المذي يوجب الغسل ؟
فأجاب بقوله : المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين والوضوء ، لكن لو خرج منه مني ولو بالنظر أو بالتفكر وجب عليه الغسل، والفرق بينهما : أن المني يخرج دفقا مع اللذة، والمذي يخرج بغير دفق ، ويكون بعد برود الشهوة .

(11/222)


171 ) وسُئل فضيلة الشيخ : إذا خرج من الإنسان ماء أبيض رقيق ، قبل البول أو بعده بدون لذة، وليس بسبب نظر أو تذكر ، فما الحكم ؟
فأجاب قائلا : الذي يبدو أن هذا ليس ناتجا عن الشهوة أو تذكر ، كما جاء في آخر السؤال ، وعلى هذا فلا يعتبر مذيا ولا منيا ، وإنما هي رواسب ـ فيما يبدو ـ في قنوات البول ، وتتعقد على هذا الوجه، وتخرج قبل البول وربما بعده أحيانا ، فعليه يكون حكمها حكم البول تماما ، بمعنى أنه يجب تطهيرها وتطهير ما أصابت ويتوضأ ولا يجب أكثر من ذلك . والله الموفق .
172 ) سُئل الشيخ : عن الرجل يجلس بين شعبها الأربع ويمس الختان الختان من غير مجاوزة، ثم ينزل خارج الفرج فهل عليها غسل ؟
فأجاب بقوله : الرجل عليه الغسل ، لأنه أنزل ، وأما المرأة فليس عليها غسل لأنه من شرط وجوب الغسل الإيلاج ، ومن المعلوم أن موضع الختان فوق الحشفة مما يلي قصبة الذكر ، فإذا كان كذلك فلا يمس موضع ختان المرأة إلا بعد أن تلج الحشفة ، ولذلك اشترطنا في وجوب الغسل من الجماع أن يغيب الحشفة، وقد ورد في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : ( إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل ) .

173 ) سُئل : هل يجب على الزوجين الغسل بعد الجماع وإن لم يحصل إنزال؟
فأجاب قائلا : نعم يجب عليهما الغسل ، سواء أنزل أم لم ينزل ،

(11/223)


لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل). متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: (وإن لم ينزل ) . وهذا صريح في وجوب الغسل، حتى مع عدم الإنزال وهذا يخفى على كثير من الناس، فالواجب التنبيه لذلك .
174 ) وسُئل فضيلة الشيخ : عن الأحكام المتعلقة بالجنابة؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله : الأحكام المتعلقة بالجنابة هي :
أولا : أن الجنب تحرم عليه الصلاة ، فرضها ونفلها، حتى صلاة الجنازة . لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ـ إلى قوله ـ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)(1).
ثانيا : أن الجنب يحرم عليه الطواف بالبيت ، لأن الطواف بالبيت مكث في المسجد ، وقد قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)(2) .
ثالثا : أنه يحرم عليه مس المصحف، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم : ( لا يمس القرآن إلا طاهر ) .
رابعا : أنه يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)(2)
خامسا: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
__________
(1) سورة المائدة ، الآية : 6.
(2)سورة النساء ، الآية :43.

(11/224)


يقرئ الصحابة القرآن ما لم يكونوا جنبا .
هذه الأحكام الخمسة التي تتعلق بمن عليه جنابة .

175 ) وسُئل فضيلة الشيخ : هل يحرم على الجنب والحائض لمس الكتب والمجلات التي تشتمل على آيات قرآنية ؟
فأجاب بقوله : لا يحرم على الجنب ولا الحائض ولا على غير المتوضئ لمس شيء من الكتب أو المجلات التي فيها شيء من الآيات ، لأن ذلك ليس بمصحف .
176) وسُئل فضيلة الشيخ : عن صفة الغسل ؟
فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله : صفة الغسل على وجهين :
الوجه الأول : صفة واجبة، وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه على أي وجه كان فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر وتمت طهارته ، لقول الله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(1).
الوجه الثاني : صفة كاملة وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا أراد أن يغتسل من الجنابة فإنه يغسل كفيه ، ثم يغسل فرجه وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءا كاملا ـ على صفة ما ذكرناه في الوضوء ـ ثم يغسل بالماء ثلاثا تروية ثم يغسل بقية بدنه . هذه صفة الغسل الكامل .

(11/225)


177 ) سُئل الشيخ : عن المرأة إذا كانت عليها جنابة واغتسلت ، هل تغسل شعرها حتى يدخل الماء إلى البشرة ؟
فأجاب قائلا : الغسل من الجنابة أو غيرها من موجبات الغسل فيه إيصال الماء إلى منبت الشعر ، سواء كان ذلك من الرجال أو من النساء، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(1) ولا يجوز لها أن تغسل ظاهر الشعر فقط، بل لابد أن يصل الماء إلى أصول الشعر إلى جلدة الرأس، ولكن إذا كان مجديا فإنه لا يجب عليها نقضه بل يجب عليها أن يصل الماء إلى كل الشعرات بأن تضع الجديلة تحت مصب الماء ثم تعصره حتى يدخل الماء إلى جميع الشعر .
178 ) وسُئل الشيخ ـ أعلى الله تعالى منزلته ـ : هل يلزم الإنسان إذا دخل مغتسله أن يستقبل القبلة ويتلفظ بالنية ؟
فأجاب بقوله : ما ذكره السائل من أن الرجل إذا دخل مغتسله فإنه يستقبل القبلة عند الغسل ليس بصحيح ؛ فإن جميع الذين نقلوا صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يستقبل القبلة حين اغتساله، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لأمته ، إما بقوله ، وإما بفعله، فلما لم يرد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه لو كان مشروعا ، علم أنه ليس بمشروع، وهذه قاعدة تنفع الإنسان في هذا المقام وغيره، وهي : ( أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يشرع له قول أو فعل ، فإنه لا يشرع له قول أو فعل ، فإنه لا يشرع له قول ولا فعل ). ومن ذلك النية ـ نية العبادة أي التلفظ بها ـ فإن العبادات كان الرسول عليه الصلاة والسلام ، يفعلها ولا يتلفظ بالنية لها ، ولو كان هذا مشروعا
__________
(1) سورة المائدة ،الآية : 6.

(11/226)


لفعله ولو فعله لنقل إلينا ، وكذلك استقبال القبلة حين الغسل؛ نقول هذا وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الغسل ، ولم ينقل عنه أنه كان يتجه إلى القبلة حين اغتساله، ولو كان مشروعا لفعله ولو فعله لنقل إلينا .
179 ) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ : إذا توضأ الإنسان بعد الغسل من الجنابة وهو عار فهل وضوؤه صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله : الأفضل أن الإنسان إذا انتهى من الاغتسال أن يلبس ثيابه، لئلا يبقى مكشوف العورة بلا حاجة، ولكن لو توضأ بعد الاغتسال من الجنابة، فلا حاجة عليه في ذلك ووضوؤه صحيح، ولكن هذا الوضوء ينبغي أن يكون قبل أن يغتسل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يتوضأ عند الاغتسال قبل الاغتسال ، أما بعد الغسل فلا وضوء عليه ، ولو أن الإنسان نوى الاغتسال واغتسل بدون وضوء سابق ولا لاحق أجزأه ذلك ، لأن الله تعالى لم يوجب على الجنب إلا الطهارة بجميع البدن،حيث قال عز وجل: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(1) . ولم يوجب الله تعالى وضوءا،وعلى هذا فلو أن أحدا نوى رفع الحدث من الجنابة ، وانغمس في بركة أو بئر أو في البحر وهو قد نوى رفع الحدث الأكبر، أجزأه ذلك إذا تمضمض واستنشق ولم يحتج إلى وضوء . والله أعلم .
__________
(1) سورة المائدة ،الآية : 6.

(11/227)


180 ) وسُئل الشيخ : هل يجزئ الغسل من الجنابة عن الوضوء ؟
فأجاب بقوله : إذا كان على الإنسان جنابة واغتسل فإن ذلك يجزئه عن الوضوء، لقوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(1) .ولا يجب عليه إعادة الوضوء بعد الغسل، إلا إذا حصل ناقض من نواقض الوضوء، فأحدث بعد الغسل ، فيجب عليه أن يتوضأ ، وأما إذا لم يحدث فإن غسله من الجنابة يجزئ عن الوضوء سواء توضأ قبل الغسل أم لم يتوضأ ، لكن لابد من ملاحظة المضمضة والاستنشاق، فإنه لابد منهما في الوضوء والغسل .
181) وسُئل : هل يجزئ الغسل غير المشروع عن الوضوء ؟
فأجاب قائلا : الغسل غير المشروع لا يجزئ عن الوضوء، لأنه ليس بعبادة.
182) وسُئل : هل الاستحمام يكفي عن الوضوء ؟
فأجاب قائلا : الاستحمام ـ إن كان عن جنابة ـ فإنه يكفي عن الوضوء لقوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) . فإذا كان على الإنسان جنابة وانغمس في بركة أو في نهر أو ما أشبه ذلك، ونوى بذلك رفع الجنابة وتمضمض واستنشق ، فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر، لأن الله تعالى لم يوجب عند الجنابة سوى أن نطهر، أي أن نعم جميع البدن بالماء غسلا ، وإن كان الأفضل أن المغتسل من الجنابة يتوضأ ، أولا، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل فرجه بعد أن يغسل كفيه ثم يتوضأ
__________
(1) سورة المائدة ،الآية : 6.

(11/228)


وضوءه للصلاة ، ثم يفيض الماء على رأسه،
فإذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه ثلاث مرات ، ثم يغسل باقي جسده .
أما إذا كان الاستحمام لتنظيف أو لتبرد ، فإنه لا يكفى عن الوضوء، لأن ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة لكن لا على هذا الوجه ، بل النظافة مطلقا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. وعلى كل حال إذا كان الاستحمام للتبرد أو النظافة فإنه لا يجزئ عن الوضوء . والله أعلم.
183 ) وسُئل ـ حفظه الله تعالى ـ إذا اغتسل الإنسان ولم يتمضمض ولم يستنشق فهل يصح غسله ؟
فأجاب بقوله : لا يصح الغسل بدون المضمضة والاستنشاق ، لأن قوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا). يشمل البدن كله، وداخل الفم وداخل الأنف من البدن الذي يجب تطهيره، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، لدخولهما في قوله تعالى: (اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)(1) فإذا كانا داخلين في غسل الوجه ـ والوجه مما يجب تطهيره وغسله في الطهارة الكبرى ـ كان واجبا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق .

184 ) وسُئل ـ رعاه الله ـ : إذا جامع الرجل زوجته وأراد العود مرة ثانية فماذا يلزمه ؟
فأجاب بقوله : هاهنا ثلاث مراتب :
الأولى : أن يغتسل قبل أن يعود، وهذه أكمل المراتب .
__________
(1) سورة المائدة ،الآية : 6.

(11/229)


الثانية : أن يقتصر على الوضوء فقط قبل أن يعود، وهذه دون الأولى.
الثالثة : أن يعود بدون غسل ولا وضوء ، وهذه أدنى المراتب وهي جائزة.
لكن الأمر الذي ينبغي التفطن له أن لا يناما إلا على أحد الطهارتين إما الوضوء أو الغسل .
185 ) وسُئل : هل تحتلم المرأة ؟ وإذا احتلمت فماذا يجب عليها ؟ ومن احتلمت ولم تغتسل فماذا يلزمها؟
فأجاب بقوله : المرأة قد تحتلم، لأن النساء شقائق الرجال، فكما أن الرجال يحتلمون فالنساء كذلك .
وإذا احتلمت المرأة أو الرجل كذلك ولم يجد شيئا بعد الاستيقاظ ، أي ما وجد أثرا من الماء فإنه ليس عليها غسل، وإن وجدت الماء فإنه يجب إن تغتسل لأن أم سلمة قالت : يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال : ( نعم إذا هي رأت الماء) فإذا رأت الماء وجب عليها الغسل.
وأما من احتلمت فيما مضى فإن كانت لم تر الماء فليس عليها شيء ، وأما إن كانت رأته فإنها تتحرى كم صلاة تركتها وتصليها .

(11/230)