مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز

التحذير من التعامل بالربا وبيان سوء عاقبته
الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه . أما بعد :
فقد بلغني أن بعض الشركات تتعامل بالربا أخذا وعطاء, وكثر السائلون من المساهمين وغيرهم عن حكم الأرباح التي تحصل لهم نتيجة التعامل بالربا ، ونظرا لما أوجب الله من النصيحة للمسلمين ، ولوجوب التعاون على البر والتقوى رأيت تنبيه من يفعل ذلك على أن ذلك محرم, ومن جملة كبائر الذنوب كما قال الله عز وجل : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (1) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (2) وقد جعل الله سبحانه ذلك محاربة له ولرسوله
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 276

(19/183)


صلى الله عليه وسلم حيث قال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (2)
وثبت « عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء » (3) والآيات والأحاديث في التحذير من الربا وبيان عواقبه الوخيمة كثيرة جدا ، فالواجب على كل من يتعاطى ذلك من الشركات وغيرها التوبة إلى الله من ذلك وترك المعاملة به مستقبلا ؛ طاعة لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وحذرا من العقوبات المترتبة على ذلك ، وابتعادا عن الوقوع فيما حرم الله عملا بقوله سبحانه وتعالى : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (4) وقوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } (5)
ومن صور الربا
__________
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) رواه مسلم في (المسافاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).
(4) سورة النور الآية 31
(5) سورة التحريم الآية 8

(19/184)


الفاشية بين الناس الإقراض والاستقراض بالفائدة ووضع الودائع بالفائدة ؛ كخمسة في المائة وعشرة في المائة ونحو ذلك . وهذه المعاملات من جنس ربا الجاهلية المنوه عنه في الآيات المذكورة .
وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للتوبة إليه من جميع الذنوب ، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وأن يصلح أحوالنا جميعا إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

(19/185)


من صور المداينات المحرمة
س 118 : احتجت إلى مبلغ من المال لإكمال بناء منزلي في إحدى مدن المملكة ، وذهبت إلى شخص وطلبت منه أن يسلفني ما يستطيع من مال ، فقال : أريد أن أعطيك سيارة - اسم أنني بعت عليك سيارة - فأعطاني ( 12000 ) ريال وسجلها عنده بواحد وعشرين ألف ريال ، وحيث إنني لم أشاهد السيارة ولا أدري ما لونها ، فقط سجلها بالورقة وقال : تسدد كل شهر ألف ريال ، وحيث إنني رضيت بهذا العمل في نفس الوقت حين كنت مضطرا إلى المال وأنا الآن سددت ( 8500 ) ريال فقط ، وبقي ( 12500 ) فهل يلزمني تسديد المبلغ الزائد عن رأس ماله ؟ أرجو إفادتي جزاكم الله خيرا (1)
ج : إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل ، فهذه المعاملة باطلة ، وقد اجتمع فيها ربا الفضل وربا النسيئة ، وليس للذي دفع لك الدراهم إلا رأس ماله وهو اثنا عشر ألف ريال فقط ؛
__________
(1) نشر في كتاب ( فتاوى إسلامية ) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص 381 ، ونشر في كتاب ( فتاوى البيوع في الإسلام ) من نشر جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ص 20 .

(19/186)


لأنه لم يعطك السيارة ، ولا باعها عليك حسب ما ذكرت ، وإنما أعطاك دراهم بدراهم ، وهذا منكر ظاهر وربا صريح فعليكما جميعا التوبة إلى الله من ذلك وعدم العود إلى مثله . نسأل الله أن يتوب عليكما .

(19/187)


- حكم إعطاء الموظفين شهادة بالراتب للحصول على قرض من البنك
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
أعرض لسماحتكم مشكلتي هذه التي تتلخص في أنني أحد الموظفين في إحدى الإدارات الحكومية ويتبع هذه الإدارة عدد من الإدارات الأخرى وعملي في هذه الإدارة في قسم التأدية والرواتب, وحدث أن تقدم أحد الموظفين التابعين لإحدى الإدارات الفرعية إلى أحد البنوك الربوية طالبا منه قرضا ومن ضمن مسوغات منح القرض أن يحضر شهادة من مرجعه موضحا بها راتبه, وهذه الشهادة لا تكتب إلا من قبل موظفي سجلات الرواتب وأنا واحد منهم, وعندما طلب مني أن أكتب له راتبه والبدلات الأخرى بادرته بالنصيحة بالتورع وعدم الإقدام على هذا القرض حيث إنه ربا ولكنه لم يقتنع بذلك وأصر على طلبه وأصريت أنا على موقفي بعدم منحه هذه الورقة ووصل

(19/187)


الأمر إلى مدير الإدارة الذي بدوره أصر على أن أكتب هذه الورقة التي تحمل مقدار الراتب والبدلات التي يتقاضاها هذا المقترض, ورفضت وأوضحت أن هذه مساعدة على الربا إلا أنه أصر على موقفه حتى إنه هددني بالنقل من عملي هذا في حالة عدم كتابة هذه الورقة .
سؤالي هو : هل يحق له كمسئول أن يجبرني على ذلك؟ وهل إذا جاء أي موظف يطلب صافي الراتب والبدلات دون أن يشير إلى أي جهة يريد تقديم هذه المعلومات لها, ولكني أعلم أنه يريد بها أحد البنوك الربوية هل يحق لي الرفض كذلك ؟
عليه أرجو إعطائي فتوى أستند عليها لإقناع من يتقدم بطلب هذه القروض وكذلك أقدمها إلى مدير الإدارة عله يتورع عن تقديم هذه الشهادات حيث إن الأمر ازداد سوءا وزاد عدد المتقدمين بطلب هذه الشهادات (1)
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
قد أحسنت فيما فعلت إذا كنت تعلم أن القرض المذكور ربوي . ولا شك أن الاقتراض من البنوك أو غيرها بزيادة على القروض الممنوحة من جملة أنواع الربا بإجماع المسلمين .
__________
(1) استفتاء مقدم من الأخ م. ع. ح. أجاب عنه سماحته في 5 \ 1 \ 1412 هـ .

(19/188)


وليس لك ولا لغيرك من المسلمين المساعدة على المعاملات الربوية ؛ لقول الله سبحانه : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (1) وفق الله الجميع لما يرضيه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
__________
(1) سورة المائدة الآية 2

(19/189)


حكم إثبات المحاسب في الشركات التجارية عقود القروض الربوية في الدفاتر
س 120 : أنا محاسب لدى شركة تجارية وتضطر هذه الشركة للإقراض من البنك قرضا ربويا ، وتأتيني صورة من عقد القرض لإثبات مديونية الشركة ، بمعنى هل أعتبر آثما بقيد العقد دون إبرامه ؟ (1)
ج : لا يجوز التعاون مع الشركة المذكورة في المعاملات الربوية ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه » (2) وقال : « هم سواء » (3) رواه مسلم ، ولعموم قوله سبحانه : { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (4)
__________
(1) نشر في كتاب ( فتاوى إسلامية ) من جمع محمد المسند ج2 ص 404 ، وفي كتاب ( فتاوى في الإسلام ) من نشر جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ص 58 ، وفي ( كتاب الدعوة ) ج1 ص 148 .
(2) صحيح مسلم المساقاة (1598),مسند أحمد بن حنبل (3/304).
(3) رواه مسلم في ( المساقاة ) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم ( 1598 ) .
(4) سورة المائدة الآية 2

(19/190)


121 - حكم إصدار سندات اقتراض بربح
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد : (1)
فقد اطلعت على إعلان في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في يوم 13\ 8 \ 1409 هـ وفيها إعلان عن إصدار خزينة إحدى الدول العربية سندات اقتراض بربح أحد عشر واثني عشر في المائة ( 11% و 12 % ) لسنوات مبينة في الإعلان . ولقد كدرني ذلك كثيرا ورأيت أن من واجب النصح لله ولعباده بيان حكم هذا الاقتراض فأقول :
قد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على تحريم الربا بنوعيه : ربا الفضل ، وربا النسيئة ، تحريما شديدا ، وأبان الله سبحانه في كتابه الكريم الوعيد على ذلك فقال عز وجل : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (2) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (3) وذكر سبحانه أن الربا
__________
(1) نشرت في مجلة ( الدعوة ) العدد ( 1186 ) وتاريخ 30 \ 8 \ 1409 هـ .
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 276

(19/191)


محاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (2) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز » (3) متفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وقال عليه الصلاة والسلام : « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد, فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » (4) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه . والأحاديث في هذا الباب كثيرة, ولا شك أن المعاملات الورقية لها حكم المعاملات بالذهب والفضة ؛ لأنها حلت محلها في قيم المقومات وثمن المبيعات ، فلا يجوز بيع عملة
__________
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) رواه البخاري في ( البيوع ) باب بيع الفضة برقم ( 2177 ) ومسلم في ( المساقاة ) باب الربا برقم ( 1584 ) .
(4) رواه مسلم في (المساقاة) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1587) .

(19/192)


منها بعملة أخرى نسيئة ولا اقتراض شيء منها بفائدة من جنسها ولا من غير جنسها إلا يدا بيد مثلا بمثل إذا كانت عملة واحدة ، فإن اختلفت العمل كالدولار بالجنيه الاسترليني فلا بد من التقابض في المجلس ، ولا يشترط التماثل لاختلاف الجنس .
وقد أجمع العلماء على أن كل قرض شرطت فيه فائدة أو اتفق الطرفان فيه على فائدة فهو ربا .
فنصيحتي للخزينة المذكورة ترك هذه المعاملة والحذر منها ؛ لكونها معاملة ربوية . ونصيحتي لكل مسلم ألا يدخل فيها لكونها معاملة محرمة مخالفة للشرع المطهر ؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة . الدين النصيحة . الدين النصيحة . قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » (1)
وأسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا حكاما ومحكومين للعمل بشريعته والحذر مما يخالفها إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
الرئيس العالم لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
__________
(1) رواه الإمام أحمد في ( مسند الشاميين ) حديث تميم الداري برقم ( 16499 ) ومسلم في ( الإيمان ) باب بيان أن الدين النصيحة برقم ( 55 ).

(19/193)


حكم الصدقة بأموال الربا
س122 : نحن من العمال من إحدى الدول الإسلامية نعمل بالمدينة المنورة ونسأل عن حكم الانتفاع بأموال الربا من البنوك :
أولا : هل يجوز لنا أخذ الربا من تلك البنوك ونتصدق به على الفقراء وبناء دور الخير بدل تركه لهم ؟
ثانيا : إذا كان هذا غير جائز فهل يجوز وضع النقود في تلك البنوك لعلة ضرورة حفظه من السرقة والضياع بدون استلام الربا مع العلم بأن البنك يشغله ما دام فيه ؟
وسدد الله خطاكم ونفع بكم وتولاكم لما يحبه ويرضاه (1)
ج : إذا دعت الضرورة إلى الحفظ عن طريق البنوك الربوية فلا حرج في ذلك إن شاء الله ؛ لقوله سبحانه : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } (2) ولا شك أن التحويل عن طريقها من الضرورات العامة في هذا العصر ، وهكذا الإيداع فيها
__________
(1) سؤال موجه لسماحته من عمال بالمدينة المنورة ، ونشر في كتاب ( فتاوى إسلامية) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص 58 ، وفي ( كتاب الدعوة ) ج1 ص 18 .
(2) سورة الأنعام الآية 119

(19/194)


للضرورة بدون اشتراط الفائدة ، فإن دفعت إليه الفائدة من دون شرط ولا اتفاق, فلا بأس بأخذه لصرفها في المشاريع الخيرية كمساعدة الفقراء والغرماء ونحو ذلك لا ليمتلكها ، أو ينتفع بها بل هي في حكم المال الذي يضر تركه للكفار بالمسلمين مع كونه من مكسب غير جائز ، فصرفه فيما ينفع المسلمين أولى من تركه للكفار يستعينون به على ما حرم الله ، فإن أمكن التحويل عن طريق البنوك الإسلامية أو من طرق مباحة لم يجز التحويل عن طريق البنوك الربوية ، وهكذا الإيداع إذا تيسر في بنوك إسلامية أو متاجر إسلامية لم يجز الإيداع في البنوك الربوية لزوال الضرورة ، ولا يجوز للمسلم أن يعامل الكفار ولا غيرهم معاملة ربوية ولو أراد عدم تملك الفائدة الربوية بل أراد صرفها في مشاريع خيرية ؛ لأن التعامل بالربا محرم بالنص والإجماع فلا يجوز فعله ولو قصد عدم الانتفاع بالفائدة لنفسه ، والله ولي التوفيق .
حكم التعامل مع أرباب الأموال المحرمة
س 123 : أيصح لشخص أن يتعامل مع من يعرف أن ماله حرام أم لا تزر وازرة وزر أخرى ؟ (1)
__________
(1) سؤال موجه إلى سماحته بعد درس ألقاه في المسجد الحرام في 28\12\1418 هـ .

(19/195)


ج : إذا كان يعرف أن ماله حرام لا يعامله ، أما إذا كان مخلوطا فله أن يعامله مثل ما عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ، واليهود أموالهم مخلوطة ، عندهم الربا وعندهم العقود الباطلة والنبي صلى الله عليه وسلم عاملهم ، اشترى منهم وأكل طعامهم وأباح الله لنا طعامهم وعندهم ما عندهم ، كما قال تعالى : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } (1) { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } (2) فعندهم بيوع جائزة وعندهم بيوع محرمة وعندهم أكساب مباحة وأكساب محرمة ، فالذي ماله مخلوط لا بأس أن يعامل ، أما إذا علمت أن هذا المال محرم فلا تشتر منه ولا تبع عليه في هذا المال المحرم .
__________
(1) سورة النساء الآية 160
(2) سورة النساء الآية 161

(19/196)


124 - حكم أكل الأولاد والأقارب والضيوف من الأموال الربوية
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء حفظه الله ووفقه لك خير آمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
امرأة زوجها يعمل مديرا لبنك ربوي ، وهي موظفة ، والسؤال :
1 - هل يستجاب دعاء زوجة آكل الربا ؟ علما بأنها تأكل هي وأولادها من ماله وذلك ليس لحاجتها الماسة ، فكما سبق أن أشير إلى أنها موظفة ..... ولكنها تخشى من فساد العلاقات بينها وبينه ؛ لأنه يتضايق إذا رفضت الأكل أو الشراء من ماله ؟
2 - هل يجوز للأقارب زيارتهم والأكل من أكلهم ؟ أي زيارة المرابي والأكل من ماله ؟
3 - هل يجب على الزوجة إخبار ضيوفها أن المال مال ربا ؟ وهل تأثم إذا أكل عندها غير عالم بحال زوجها ومصدر ماله ؟

(19/197)


4 - وما حكم الأموال التي مصدرها هذا الطريق؟ وهل تكون تجارته منها صالحة وصحيحة لا سيما إذا أراد أن يترك العمل في البنك استنادا على ما عنده من مشاريع أسسها من هذه الأموال أم أن هذه المشاريع تكون كلها حراما نظرا لأن أصلها مال ربوي ؟
5 - هل تورث أمواله أم لا يحق لأولاده وزوجته منها شيء نظرا لأنها ربوية ؟ وماذا يفعلون بها أي بأمواله بعد موته ؟
6 - إذا كان عالما بالحكم ومع ذلك أصر على أكل الربا فهل يستدعي ذلك لطلب الطلاق منه ؟ أفتونا وفقكم الله وفتح عليكم وجعلكم ذخرا للإسلام والمسلمين .... نرجو إيضاح الإجابة وذكرها بالتفصيل إذ إن البلاء شديد ؟ يسر الله لنا أمورنا وأعاننا على اتباع شرعه ونهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1)
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، بعده :
الواجب نصيحته وتحذيره من البقاء في العمل المذكور ؛ لأن مباشرة الأعمال الربوية من أكبر الكبائر ، ومن أسباب عدم قبول الدعاء والصدقة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله
__________
(1) أسئلة مقدمة من الأخت ن. م. ص. وقد أجاب عنها سماحته برقم ( 287 \خ ) في 12 \ 2 \ 1415 هـ .

(19/198)


طيب لا يقبل إلا طيبا » (1) إلى أن قال في آخر الحديث ثم ذكر : « الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك » (2) ونوصيك بأن تكون نفقة البيت من كسبك أنت ما دام زوجك في العمل المذكور وفق الله الجميع لما يرضيه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
__________
(1) صحيح مسلم الزكاة (1015),سنن الترمذي تفسير القرآن (2989),مسند أحمد بن حنبل (2/328),سنن الدارمي الرقاق (2717).
(2) رواه مسلم في ( الزكاة ) باب قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم ( 1015 ).

(19/199)


علاج المريض لا يسوغ التعامل بالربا
س 125 : رجل عنده ثلاثون ألف ريال ، وعنده ولد مريض قرر الأطباء إجراء عملية له تكلفتها ستون ألف ريال ، ولم يجد من يقرضه المبلغ المتبقي ، ولم يجد طريقة أخرى فاستثمر المبلغ الثلاثون ألف ريال في الربا فأصبح ستين ألف ريال فعالج ابنه به وهو يقول : الضرورات تبيح المحذورات . فما رأي الدين في هذا ؟ (1)
ج : تجب عليه التوبة إلى الله من المعاملة الربوية ؛ لأن الحاجة لا تبيح المعاملات الربوية ، ولا يسمى مثل هذا الواقع ضرورة ؛ لأن العلاج للمريض مستحب وليس بواجب ، ولأن في إمكانه أن يستدين بالقرض أو بشراء سلعة بثمن مؤجل ، ثم يبيعها بثمن معجل أقل من المؤجل إلى غير ذلك من الأسباب التي تعينه على قضاء حاجته ، نسأل الله أن يوفقنا وإياه للتوبة النصوح ، والله الموفق .
__________
(1) من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من جريدة ( المسلمون ).

(19/200)


حكم الاقتراض بالفائدة لسداد الديون
س 126 : أنا موظف مرتبي حوالي 3048 ريال ومتزوج منذ عام تقريبا ، وعلي ديون تصل إلى 53 ألف ريال وكثيرا ما يحرجني أصحاب الديون ولا أجد ما أسدد لهم ، فهل يجوز لي أن أقترض من أحد البنوك التي تقرض بأخذ فائدة ؟ علما بأن القرض لا يكفي نصف ديوني ، أفيدوني جزاكم الله خيرا (1)
ج : لا يجوز للمسلم أن يقترض من البنك ولا غيره قرضا بالفائدة ؛ لأن ذلك من أعظم الربا ، وعليه أن يأخذ بالأسباب المباحة في طلب الرزق ، وقضاء الدين . وفيما أباح الله من المعاملات وأنواع الكسب ما يغني المسلم عما حرم الله عليه ، والواجب على أصحاب الدين أن ينظروك إلى ميسرة إذا عرفوا إعسارك ؛ لقول الله سبحانه : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (2) وصح
__________
(1) نشر في كتاب ( فتاوى إسلامية ) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص 412 ، وفي كتاب ( فتاوى البيوع في الإسلام ) من نشر جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ص 67 .
(2) سورة البقرة الآية 280

(19/201)


عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله » (1) وقال صلى الله عليه وسلم : « من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة » (2)
حكم صرف الراتب قبل وقته مقابل مبلغ من المال
س 127 : هل يجوز صرف شيك الراتب للموظفين قبل تاريخ صرفه لدى بنوك أخرى مقابل عشرين ريالا لقاء الصرف ؟ جزاكم الله خيرا (3)
ج : لا يجوز صرف هذا الشيك على هذا الوجه ؛ لما في ذلك من الربا .
__________
(1) رواه الإمام أحمد في ( مسند المكيين ) حديث أبى اليسر الأنصاري كعب بن عمرو رضي الله عنه برقم ( 15095 ) ومسلم في (الزهد والرقائق) باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (3014) .
(2) رواه مسلم في (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) باب فضل الاجتماع على ذكر القرآن برقم ( 2699 ) .
(3) نشر في مجلة ( الدعوة ) العدد ( 1659 ) في 26 جمادى الأولى 1419 هـ .

(19/202)


الرد على ما أثير حول الفوائد المصرفية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ، ومن سلك سبيلهم ، واتبع هداهم إلى يوم الدين, أما بعد : (1)
فقد اطلعت على ما نشرته ( مجلة منار الإسلام ) في عددها الثالث الصادر في ربيع الأول من عام 1404 هـ السنة التاسعة من إعلان إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الدول العربية بعض المبادئ بخصوص الفوائد المصرفية ، والتقاضي بشأنها أمام المحاكم ، وما تضمنته من أن الفائدة البسيطة للقرض تجوز استثناء من أصل تحريم الربا إذا دعت الحاجة إليها واقتضتها المصلحة ، واعتبار أن البنوك في حالتها الراهنة ووفقا لأنظمتها العالمية تتطلبها حاجة العباد, ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها ، وأن المحاكم لا تملك الامتناع من القضاء بالفوائد بمقولة: إن الشريعة تحرم الفائدة ، وأنه ليس للقاضي في حالة الفائدة الاتفاقية إلا أن يحكم بها ، وأخيرا القول بجواز الفائدة البسيطة ما دامت في
__________
(1) رد من سماحته على ما نشرته مجلة (منار الإسلام) ونشر في مجلة (الدعوة) العدد (946) و (مجلة البحوث الإسلامية) العدد (13) عام 1405هـ.

(19/203)


حدود 12 % في المسائل التجارية و 9 % في غيرها .
واعتبارهم أن هذه الفوائد في تلك الحالات لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها الدولة المسلمة .
وإنني أستغرب جدا هذه الخطوة الجريئة على إعلان هذه المبادئ الغريبة التي تحمل انتهاكا لحرمات الله وتعاليم شريعته السمحة المعلومة في دين الإسلام ، من نصوص القرآن الصريحة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، وخاصة أنها أعلنت في ظل دولة إسلامية يرأسها رجل مسلم ، وفي هذه البادرة الخطيرة افتراء على الإسلام, وتحليل لما هو من أشد المحرمات في شريعة الله .
ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد حرم الربا بجميع أشكاله وألوانه في كتابه العزيز في آيات كثيرة, منها قوله تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (1) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (2) وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (3)
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 276
(3) سورة آل عمران الآية 130

(19/204)


وقال : { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } (1) وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (2) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (3)
وهذا الأسلوب الشديد يدل على أن الربا من أكبر الجرائم وأفظعها, وأنه من أعظم الكبائر الموجبة لغضب الله والمسببة لحلول العقوبات العاجلة والآجلة ، قال سبحانه وتعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (4) وقال عليه الصلاة والسلام : « اجتنبوا السبع الموبقات قالوا : يا رسول الله : وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » (5) ومعنى المو بقات : المهلكات . وقال صلى
__________
(1) سورة الروم الآية 39
(2) سورة البقرة الآية 278
(3) سورة البقرة الآية 279
(4) سورة النور الآية 63
(5) رواه البخاري في ( الوصايا ) باب قول الله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) برقم (2767) وفي (الحدود) باب رمي االمحصنات برقم (6857) ومسلم في (الإيمان) باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (89) .

(19/205)


الله عليه وسلم : « الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه » (1) وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء » (2) , وقال صلى الله عليه وسلم : « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والتمر بالتمر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى, الآخذ والمعطي فيه سواء » (3) (4) . فهذه الآيات والأحاديث وغيرها تؤكد حرمة الربا قليله وكثيره . وتبين خطره على الفرد والمجتمع ، وأن من تعامل به أو تعاطاه فقد أصبح محاربا لله ورسوله ، وليس بين جميع أهل العلم خلاف في تحريم ذلك لصراحة النصوص فيه .
وكيف يجيز المسلم الغيور على دينه ، الذي يؤمن بأن هذا الإسلام العظيم جاء دينا شاملا كاملا متضمنا جلب المصالح ودرء المفاسد ، صالحا للتطبيق في كل العصور
__________
(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (7151) ج7 ص 158ط. دار الحرمين بالقاهرة .
(2) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598) .
(3) صحيح البخاري البيوع (2067,2068),صحيح مسلم المساقاة (1584,1584,1587),سنن الترمذي البيوع (1240,1241),سنن النسائي البيوع (4561,4565),سنن أبو داود البيوع (3349),سنن ابن ماجه التجارات (2254),مسند أحمد بن حنبل (3/4,3/47,3/51,3/53,3/61,3/73,3/81,3/9),باقي مسند الأنصار (5/314),موطأ مالك البيوع (1324),سنن الدارمي البيوع (2579).
(4) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) مسند أبي هريرة برقم (7131) وفي (مسند الأنصار) حديث أزواج النبي صلى الله عليه وسلم برقم (21825) ومسلم في (المساقاة) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1584) وبرقم (1588).

(19/206)


والأمكنة ، كيف يجيز لنفسه إباحة الربا والتعامل به .
وإن هذه المبادئ التي أعلنتها إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في تلكالدولة ؛ لتحليل ما حرمه الله ورسوله ، بحجة قيام الحاجة إليه ، فيها جرأة على الله ، ومحادة لأحكامه وقول عليه بغير علم ، وحاجة الناس إلى المصارف لا تكون إلا بسيرها على أسس من الشريعة الإسلامية ، بإحلال ما أحله الله وتحريم ما حرمه, فإذا كانت خلاف ذلك فهي شر وفساد ، وأحكام شريعة الله ثابتة وقطعية؛ لأنها صدرت من عزيز حكيم يعلم شئون عباده وما يصلح أحوالهم ، ولا يجوز لنا تحكيم الرأي أو الهوى أو ما أشبههما في تحليل حرام أو تحريم حلال .
وامتثالا لأمر الله ورسوله في وجوب التناصح بين المسلمين ، وأداء لما يجب على مثلي من البيان والتحذير عما حرمه الله ورسوله ، جرى تحرير هذه الكلمة الموجزة ، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه ، والنصح لله ولعباده والحذر من كل ما يخالف شرعه المطهر ، إنه جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

(19/207)


129 - تكذيب ما نسب إلى سماحته من القول بجواز الفوائد الربوية للضرورة
تكذيب خبر نشر في صحيفة الأهرام الصادرة في 18\2\1411 هـ (1) .
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، أما بعد :
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الأهرام الصادرة في 18\ 2\ 1411 هـ ، نقلا عن معالي وزير الأوقاف المصري بأنني أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة . انتهى المقصود .
ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم أعلن أن هذا النقل لا صحة له . وقد صدرت مني فتاوى كثيرة نشرت في الصحف المحلية وغيرها بتحريم الفوائد البنكية المعروفة؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك . وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا لكل ما
__________
(1) صدر من مكتب سماحته عندما كان رئيسا عاما لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

(19/208)


يوافق شرعه المطهر ، ويعيذهم من أسباب غضبه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية

(19/209)


حكم المعونة من البنك مقابل الإيداع
س 130 : أحد البنوك عرض على المسئولين عن صندوق الطلبة حفظ أموال الصندوق مقابل ما يسميه البنك معونة وهي عبارة عن مبلغ من المال يتم إعطاؤه دون مقابل سوى حفظ المبلغ ويقوم البنك بدوره بتشغيله واستثمارة, فهل يجوز إيداع المبلغ في ذلك في ذلك البنك ؟ (1)
ج : هذا العمل لا يجوز ؛ لأنه عن الربا ، وحقيقته أن البنك يتصرف في أموال الصندوق بفائدة معلومة يسلمها للصندوق ، وإنما سماها البنك ( معونة ) تلبيسا وخداعا وتغطية للربا . والربا ربا وإن سماه الناس ما سموه ، والله المستعان .
لا يجوز الإيداع في البنوك بفائدة من أجل دفع الضرائب
س : 131 : الأخ الذي رمز لاسمه بـ أ . ع . من اللاذقية
__________
(1) نشر في كتاب ( فتاوى إسلامية ) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص 398 ، وفي كتاب ( فتاوى البيوع في الإسلام ) من نشر جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ص 60 ، و ( كتاب الدعوة ) ج1 ص 150 .

(19/210)


في سوريا يقول في سؤاله : هل يجوز أن أضع وديعة في البنك بفائدة ؛ من أجل أن أدفع الضرائب المترتبة علي من تلك الفائدة ؟ أرجو التكرم بالإجابة وجزاكم الله خيرا (1) .
ج : لا يجوز هذا العمل ؛ لأن هذه المعاملة معاملة ربوية لا يجوز فعلها ؛ لقول الله سبحانه : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) والله ولي التوفيق .
__________
(1) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته من ( المجلة العربية ).
(2) سورة البقرة الآية 275

(19/211)


الواجب على المسلمين إنشاء بنوك إسلامية
س 132 : ما رأيكم في البنك الإسلامي الذي لا يتعامل بالربا ؟ (1)
ج : الواجب على الحكومات الإسلامية وعلى تجار المسلمين أن ينشئوا بنوكا إسلامية حتى يسلم المسلمون من الربا .
__________
(1) من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته عقب المحاضرة التي ألقاها بعنوان : '' الزكاة ومكانتها في الإسلام '' بالجامع الكبير بالرياض .

(19/211)


133 - مقدمة لمقالة الدكتور محمد بن أحمد الصالح في الرد على الدكتور إبراهيم الناصر (1)
تقديم : الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه .
أما بعد : فقد قرأت هذا المقال القيم المتضمن الرد على ما كتبه الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر في موضوع الربا تحت عنوان : (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) الصادر من فضيلة الدكتور محمد بن أحمد بن صالح ، فألفيته قد أعطى المقام حقه, واستوفى الأدلة الدالة على بطلان ما حاوله الدكتور إبراهيم من تحليل أنواع الربا ما عدا مسألة واحدة ، وهي : ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على التأجيل بفائدة معلومة . ولا ريب أن ما حاوله الدكتور إبراهيم في بحثه المذكور من تحليل أنواع الربا ما عدا المسألة المذكورة ، قد حاد فيه عن الصواب بشبه واهية أوضح الدكتور محمد في مقاله المذكور بطلانها وكشف زيغها . فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أنصار الحق .
__________
(1) نشر في ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد (18) عام 1407هـ.

(19/212)


ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة الصحيحة علم تحريم ربا الفضل وربا النسيئة في جميع الصور التي تتعامل بها البنوك وبعض التجار الذين لا يتحرجون من المعاملات الربوية . وقد توعد الله المرابين بأشد الوعيد فقال سبحانه: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (1) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (2) وقال عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (3) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (4) وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء . » (5)
خرجه مسلم في الصحيح.
والأحاديث في تحريم الربا بأنواعه كلها كثيرة جدا ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر المعاملات الربوية وأن
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 276
(3) سورة البقرة الآية 278
(4) سورة البقرة الآية 279
(5) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/213)


يبتعد عنها وألا يغتر ببعض من زلت قدمه في تحليلها أو التساهل فيها .
ونسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير, وأن يمنحهم الفقه في الدين, وأن يوفق أخانا الدكتور محمد بن أحمد للمزيد من العلم النافع والعمل الصالح, وأن يشكر له سعيه ويجزل مثوبته .
وأن يهدي الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر للحق, وأن يلهمه رشده ويعيذه من شر نفسه إنه جواد كريم . وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

(19/214)


رد على مقالة الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر
حول موقف الشريعة الإسلامية من المصارف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: (1)
فقد اطلعت على البحث الذي أعده الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر تحت عنوان (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) فألفيته قد حاول فيه تحليل ما حرم الله من الربا بأساليب ملتوية وحجج واهية وشبه داحضة, ورأيت أن من الواجب على مثلي بيان بطلان ما تضمنه هذا البحث ومخالفته لما دل عليه الكتاب والسنة وإحماع علماء الأمة من تحريم المعاملات الربوية, وكشف الشبهة التي تعلق بها, وبيان بطلان ما استند إليه في تحليل ربا الفضل وربا النسيئة ما عدا مسألة واحدة وهي ما اشتهر من ربا الجاهلية من قول الدائن للمدين المعسر عند حلول الدين: إما أن تربي وإما أن تقضي. فهذه المسألة عند إبراهيم المذكور هي المحرمة من مسائل الربا
__________
(1) نشر في ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد (18) عام 1407 هـ ، وفي كتاب لسماحته تحت عنوان : ( نصيحة هامة في التحذير من المعاملات الربوية ) ط1 عام 1416هـ .

(19/215)


وما سواها فهو حلال ومن تأمل كتابته اتضح له منها ذلك وسأبين ذلك إن شاء الله بيانا شافيا يتضح به الحق ويزهق به الباطل والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإلى القارىء بيان ذلك.
أولا : قال إبراهيم في أول بحثه ما نصه: "يمكن القول أنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية, ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك, ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد".
والجواب : أن يقال: يمكن تسليم المقدمة الأولى؛ لأن المسلمين في كل مكان يجب عليهم أن يعنوا باقتصادهم الإسلامي بالطرق التي شرعها الله سبحانه؛ حتى يتمكنوا من أداء ما أوجب الله عليهم, وترك ما حرم الله عليهم ,وحتى يتمكنوا بذلك من الإعداد لعدوهم وأخذ الحذر من مكائده. قال الله عز وجل: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (1) وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } (2) وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } (3)
__________
(1) سورة المائدة الآية 2
(2) سورة المائدة الآية 1
(3) سورة البقرة الآية 282

(19/216)


إلى قوله سبحانه: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } (1) الآية, وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (2) الآية. وقال سبحانه: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } (3) الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة وهي مشتملة على توجيه الله سبحانه لعباده إلى التعاون على كل ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى, وتحذيرهم من التعاون على الإثم والعدوان, كما أمرهم سبحانه بالوفاء بالعقود, وإثبات حقوقهم بالطرق الشرعية, وحذرهم من أكل أموالهم بالباطل, وأمرهم سبحانه بالإعداد لعدوهم ما استطاعوا من قوة, وبذلك يستقيم اقتصادهم الإسلامي, ويحصل بذلك تنمية الثروات وتبادل المنافع والوصول إلى حاجاتهم ومصالحهم بالوسائل التي شرع الله لهم, كما حذرهم سبحانه في آيات كثيرات من الكذب والخيانة, وشهادة الزور, وكتمان شهادة الحق,
__________
(1) سورة البقرة الآية 282
(2) سورة النساء الآية 29
(3) سورة الأنفال الآية 60

(19/217)


ومن أكل أموالهم بينهم بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام؛ ليميلوا عن الحق إلى الحكم بالجور ,وعظم سبحانه شأن الأمانة وأمر بأدائها في قوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } (1) وقوله سبحانه: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } (2) الآية. وحذرهم عز وجل من خيانة الأمانة في قوله سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (3) ووصف عباده المؤمنين في سورة المؤمنون وفي سورة المعارج بأنهم يرعون الأمانات والعهود وذلك في قوله سبحانه: { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } (4) فمتى استقام المسلمون على هذا التعليم والتوجيه, وتواصوا به وصدقوا في ذلك فإن الله عز وجل يصلح لهم أحوالهم, ويبارك لهم في أعمالهم وثرواتهم, ويعينهم على بلوغ الآمال والسلامة من مكائد الأعداء, وقد أكد هذه المعاني سبحانه في قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } (5) وفي قوله سبحانه:
__________
(1) سورة النساء الآية 58
(2) سورة الأحزاب الآية 72
(3) سورة الأنفال الآية 27
(4) سورة المعارج الآية 32
(5) سورة التوبة الآية 119

(19/218)


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (1) وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (2) وقال سبحانه: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } (3) الآية, وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } (4) والآيات في هذا أكثر من أن تحصر .
وأما المقدمتان الثانية والثالثة وهما قوله: "ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك, ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد" فهما مقدمتان باطلتان والأدلة الشرعية التي قدمنا بعضها وما درج عليه المسلمون من عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى أن أنئشت البنوك, كل ذلك يدل على بطلان هاتين المقدمتين, فقد استقام اقتصاد المسلمين طيلة القرون الماضية وهي أكثر من ثلاثة عشر قرنا بدون وجود بنوك, وبدون فوائد ربوية, وقد نمت
__________
(1) سورة النساء الآية 135
(2) سورة المائدة الآية 8
(3) سورة الأنفال الآية 60
(4) سورة النساء الآية 71

(19/219)


ثرواتهم واستقامت معاملاتهم وحصلوا على الأرباح الكثيرة والأموال الجزيلة بواسطة المعاملات الشرعية, وقد نصر الله المسلمين في عصرهم الأول على أعدائهم ,وسادوا غالب المعمورة, وحكموا شرع الله في عباده, وليس هناك بنوك ولا فوائد ربوية, بل الصواب عكس ما ذكره الكاتب إبراهيم وهو أن وجود البنوك والفوائد الربوية صار سببا لتفرق المسلمين وانهيار اقتصادهم, وظهور الشحناء بينهم وتفرق كلمتهم إلا من رحمه الله؛ وما ذاك إلا لأن المعاملات الربوية تسبب الشحناء والعداوة وتسبب المحق ونزع البركة وحلول العقوبات كما قال عز وجل: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } (1) ولأن ما يقع بين الناس بسبب الربا من كثرة الديون ومضاعفتها بسبب الزيادة المتلاحقة, كل ذلك يسبب الشحناء والعداوة مع ما ينتج عن ذلك من البطالة وقلة الأعمال والمشاريع النافعة؛ لأن أصحاب الأموال يعتمدون في تنميتها على الربا ويعطلون الكثير من المشاريع المفيدة النافعة من أنواع الصناعات وعمارة الأرض وغير ذلك من أنواع الأعمال المفيدة, وقد شرع الله لعباده أنواعا من المعاملات يحصل بها تبادل المنافع ونمو الثروات والتعاون على كل ما ينفع المجتمع ويشغل الأيدي العاطلة, ويعين الفقراء على كسب الرزق الحلال والاستغناء عن
__________
(1) سورة البقرة الآية 276

(19/220)


الربا والتسول وأنواع المكاسب الخبيثة, ومن ذلك المضاربات وأنواع الشركات التي تنفع المجتمع, وأنواع المصانع؛ لما يحتاج إليه الناس من السلاح والملابس والأواني والمفارش وغير ذلك, وهكذا أنواع الزراعة التي تشغل بها الأرض ويحصل بها النفع العام للفقراء وغيرهم؛ وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم, وضد المصالح العامة ,ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة, ومحق البركات وتسليط الأعداء وحلول العقوبات المتنوعة والعواقب الوخمة, فنسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك, وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق.
ثانيا : قال إبراهيم : "إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصاد ما تشبه إلى حد قريب وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تماما... إلخ.
والجواب : ليس الأمر كما قال بل يمكن أن يقوم الجهاز المصرفي بما ذكره الكاتب من غير حاجة إلى الربا ولا ضرورة إليه, كما قام اقتصاد المسلمين في عصورهم الماضية وفي عصرهم الأول الذهبي بأكمل اقتصاد وأطهره من دون وجود بنوك ربوية كما تقدم, وقد نصر الله بهم دينه, وأعلى بهم كلمته, وأدر عليهم من الأرزاق والغنى, وأخرج لهم من الأرض ما كفاهم وأغناهم وأعانهم على جهاد عدوهم وحماهم به من

(19/221)


الحاجة إلى ما حرم الله عليهم, ومن درس تاريخ العالم الإسلامي من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل إنشاء المصارف الربوية علم ذلك يقينا, وإنما يؤتى المسلمون وغيرهم في اقتصادهم, ونزع البركات مما في أيديهم بأسباب انحرافهم عن شريعة الله, وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم, وعدم سيرهم على المنهج الذي شرعه الله لهم فيما بينهم من المعاملات, وبذلك تنزل بهم العقوبات, وتحل بهم الكوارث بأسباب أعمالهم المخالفة لشرع الله كما قال عز وجل: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } (1) وقال عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (2) وقال سبحانه: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } (3) { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } (4) الآية, وقال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } (5) { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (6) وقال سبحانه: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } (7)
__________
(1) سورة الشورى الآية 30
(2) سورة الأعراف الآية 96
(3) سورة المائدة الآية 65
(4) سورة المائدة الآية 66
(5) سورة الطلاق الآية 2
(6) سورة الطلاق الآية 3
(7) سورة الطلاق الآية 4

(19/222)


ثالثا : ذكر إبراهيم في بحثه ما نصه: والسؤال الذي لم نعثر له على جواب حتى الآن؛ هو كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة؟ ولماذا يعتبر القرض بالفائدة محرما في نظرهم؟... إلخ
والجواب : عما ذكره هنا إلى نهاية بحثه المشار إليه أن يقال: إنما نظر الفقهاء من سائر علماء المسلمين في أمر الفائدة, وعلقوا بها التحريم؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناطت بها التحريم ,وهي أحاديث مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا مغمز فيها, وهي تدل دلالة صريحة قطعية على أن بيع المال الربوي بجنسه مع أي زيادة, ولو قلت ربا صريح محرم ولكن الكاتب إبراهيم المذكور هداه الله وألهمه رشده أعرض عنها كلها ولم يلتفت إليها, وإنما تكلم على الربا المجمل الوارد في القرآن الكريم, وحاول بكل ما استطاع أن يحصر الربا في مسألة واحدة وهي: ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على إمهاله بفائدة معينة. هذا ملخص بحثه, وما سوى ذلك فقد حاول في هذا البحث إلحاقه بقسم الحلال لحاجة الناس بزعمه إلى ذلك, وأن هذا

(19/223)


هو الذي تقوم به المصارف, وزعم أن الحاجة داعية إلى ذلك ,وأن مصالح العباد لا تتم إلا بهذه المعاملات الربوية التي تستعملها البنوك, وقد تعلق بأشياء مجملة من كلام الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهم الله جميعا فيما ذكروه عن المصلحة, وأن الشرع الشريف لا يمنع تحقيق المصالح التي تنفع المسلمين بدون ضرر على أحد ولا مخالفة لنص من الشرع المطهر, وهذا كله لا حجة له فيه؛ لأن المصالح التي أراد هؤلاء الأئمة وأمثالهم تحقيقها إنما أرادوا ذلك حيث لا مانع شرعي يمنع من ذلك, وذلك في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها يوضح الحكم الشرعي, وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم ربا الفضل وعلى تحريم ربا النسيئة, وذكر بعض أهل العلم أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل؛ لأن عاقلا لا يبيع شيئا بأكثر منه من جنسه يدا بيد, وإنما يكون ذلك إذا كان أحد العوضين مؤجلا أو كان أحدهما أنفس من الآخر, ولهذا لما باع بعض الصحابة رضي الله عنهم صاعين من التمر الرديء بصاع واحد من التمر الطيب؛ وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: « أوه عين الربا عين الربا لا تفعل » (1) الحديث
__________
(1) رواه البخاري في (الوكالة) باب إذا باع الوكيل شيئا فاسدا فبيعه مردود برقم (2312) ومسلم في (المساقاة) باب بيع الطعام مثلا بمثل برقم (1594).

(19/224)


متفق عليه وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل, ولا تشفوا بعضها على بعض, ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل, ولا تشفوا بعضها على بعض, ولا تبيعوا منها غائبا بناجز » (1) . وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء, يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » (2) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وغيرهما . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: « إنما الربا في النسيئة » (3) فالمراد به عند أهل العلم معظم الربا وليس مراده صلى الله عليه وسلم كل أفراد الربا؛ للحديثين السابقين وما جاء في معناهما
__________
(1) رواه البخاري في (البيوع) باب بيع الفضة برقم (2177) ومسلم في (المساقاة) باب الربا برقم (1584).
(2) رواه مسلم في (المساقاة) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1587).
(3) رواه مسلم في (المساقاة) باب بيع الطعام مثلا بمثل برقم (1596).

(19/225)


من الأحاديث الصحيحة, وقد علم أن المعاملات الربوية تجمع بين ربا الفضل وربا النسيئة, فإن المودع بالفائدة قد جمع هو وصاحب البنك بين الأمرين وهما النسيئة والفائدة فباءا بإثم المعاملتين. وأما كون المرابي الباذل للفائدة قد يكون محتاجا فهذا ليس هو الموجب للتحريم وحده, بل قد جمع هذا العقد بين الربا وبين ظلم المعسر بتحميله الفائدة, وقد عجز عن الأصل, وبذلك تكون المعاملة على هذا الوجه أعظم تحريما وأشد إثما؛ لأن الواجب إنظاره وعدم تحميله ما حرم الله من الربا, وأما اشتراك الدائن والمدين في الانتفاع بالمعاملة الربوية, وأن كل واحد منهما يحصل منها على فائدة فهذا الاشتراك لا ينقل المعاملة من التحريم إلى الحل, ولا يجعلهما معاملة شرعية يباح فيها الربا؛ لأن الشارع الحكيم لم يلتفت إلى ذلك بل حرم الفائدة تحريما مطلقا, ونص على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة؛ منها ما تقدم, ولو كان انتفاع المدين بالفائدة يحلها لنص عليه المولى سبحانه وبينه في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم, وقد قال الله عز وجل في سورة النحل: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } (1)
__________
(1) سورة النحل الآية 89

(19/226)


وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم, وينذرهم شر ما يعلمه لهم » (1) ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل وأكملهم بلاغا وأتمهم بيانا فلو كانت المعاملة بالفائدة المعينة جائزة إذا كان المدين ينتفع بها لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وأوضح لهم حكمها, فكيف وقد بين صلى الله عليه وسلم في صريح أحاديثه تحريمها والتحذير منها والوعيد على ذلك, وقد علم أن السنة الصحيحة تفسر القرآن وتدل على ما قد يخفى منه كما قال تعالى في سورة النحل: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (2) وقال عز وجل: { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (3) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما ما نقله عن الشيخ رشيد رضا في إجازته الربا في صندوق التوفير فهو غلط منه, ولا يجوز أن يعول عليه والحجة قائمة عليه وعلى غيره من كل من يحاول مخالفة النصوص
__________
(1) رواه مسلم في (الإمارة) باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول برقم (1844).
(2) سورة النحل الآية 44
(3) سورة النحل الآية 64

(19/227)


برأيه واجتهاده, وقد تقرر في الأصول أنه لا رأي لأحد ولا اجتهاد لأحد مع وجود النص, وإنما محل الرأي والاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر إذا كان أهلا للاجتهاد, واستفرغ وسعه في طلب الحق؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران, وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » (1) متفق على صحته . من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه, وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. أما المسائل التي نص على حكمها القرآن الكريم أو الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته فليس لأحد أن يجتهد في مخالفة ما دل عليه النص, بل الواجب التمسك بالنص وتنفيذ مقتضاه بإجماع أهل العلم. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رابعا : ثم قال الكاتب الدكتور إبراهيم في نهاية البحث ما نصه: "وخلاصة البحث بعد هذه المقارنة الواضحة بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم وبين المعاملات المصرفية يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماما عن
__________
(1) رواه البخاري في (الاعتصام بالكتاب والسنة) باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم (7352) ومسلم في (الأقضية) باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم (1716).

(19/227)


الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم؛ لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا, ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في إباحته بيع (السلم) رغم ما فيه من بيع غير موجود, وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصل, وقد أجمع العلماء على أن إباحة "السلم" كانت لحاجة الناس إليه, وهكذا فقد اعتمد العلماء على "السلم"
وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها.
والجواب : أن يقال: إن المعاملات المصرفية لا تختلف عن المعاملات الربوية التي جاء النص بتحريمها, والله سبحانه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين, وشرع لهم من الأحكام ما يعم أهل زمانه ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة, فيجب أن تعطى المعاملات الجديدة حكم المعاملات القديمة إذا استوت معها في المعنى, أما اختلاف الصور والألفاظ فلا قيمة له, إنما الاعتبار بالمعاني والمقاصد, ومعلوم أن مقاصد المتأخرين في المعاملات الربوية من جنس مقاصد الأولين وإن تنوعت الصور واختلفت الألفاظ, فالتفريق بين المعاملات الربوية القديمة والجديدة بسبب اختلاف الألفاظ والصور مع

(19/229)


اتحاد المعنى والمقاصد تفريق باطل, وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قول من قال يوم حنين : ( اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) مثل قول بني إسرائيل لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ولم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى اختلاف الألفاظ, لما اتحد المعنى وهكذا عاقب الله بني إسرائيل لما نصبوا الشباك يوم الجمعة ليصيدوا بها الصيد المحرم عليهم يوم السبت ولم يعذرهم بهذه الحيلة, مع أنهم لم يأخذوا الصيد من الشباك إلا يوم الأحد, وذلك لاتحاد المعنى وإن اختلفت الوسيلة, والأمثلة في هذا كثيرة في النصوص الشرعية, وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » (1) , وأما التشبيه بالسلم فهو من باب المغالطة والتعلق بما لا ينفع, فإن إباحة السلم من محاسن الشريعة الكاملة, وقد أباحه الله سبحانه لحاجة العباد إليه, وشرط فيه شروطا تخرجه عن المعاملات المحرمة, فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجلس, يشترك فيه البائع والمشتري في
__________
(1) ذكره الحافظ ابن قيم الجوزية في حاشيته على سنن أبي داود عند التعليق على الحديث رقم (3462) في كتاب البيوع باب النهي عن العينة.

(19/230)


المصلحة المترتبة على ذلك فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجاته الحاضرة والمشتري ينتفع بالمسلم فيه عند حلوله؛ لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول وذلك في الغالب, فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا. أما المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقدا أو نسيئة, وجعله من أكبر الكبائر لماله سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة, ولما للعباد في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم, ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتمادا على فوائد الربا.
وأما زعم الكاتب إبراهيم أن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها . . . إلخ. فهو زعم لا أساس له من الصحة, وقد تمت مصالح العباد في القرون الماضية قبل القرن الرابع عشر وقبل وجود المصارف, ولم تتعطل حاجاتهم ولا مشاريعهم النافعة, وإنما يأتي الخلل وتعطل المصالح من المعاملات المحرمة وعدم قيام المجتمع بما يجب عليه في معاملة إخوانه من النصح والأمانة والصدق والبعد عن جميع المعاملات المشتملة على الربا أو الضرر أو الخيانة أو الغش, والواقع بين الناس في

(19/131)


سائر الدنيا يشهد بما ذكرنا, ولا سبيل إلى انتعاش المصالح وتحقيق التعاون المفيد إلا بسلوك المسلك الشرعي المبني على الصدق والأمانة والابتعاد عن الكذب والخيانة وسائر ما حرم الله على العباد في معاملاتهم, كما قال الله سبحانه في كتابه المبين : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (1) وقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } (2) الآية. وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (3)
وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } (4) الآية. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } (5) { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } (6) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن
__________
(1) سورة المائدة الآية 2
(2) سورة النساء الآية 58
(3) سورة الأنفال الآية 27
(4) سورة البقرة الآية 282
(5) سورة الأحزاب الآية 70
(6) سورة الأحزاب الآية 71

(19/232)


كتما وكذبا محقت بركة بيعهما » (1) متفق على صحته وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح, مثلا بمثل, يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء » (2) رواه أحمد والبخاري . وعن جابر رضي الله عنه قال « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه, وقال: هم سواء » (3) رواه مسلم . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء, والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء, والشعير بالشعير ربا إلا هاء
__________
(1) رواه البخاري في (البيوع) باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا برقم (2079) ومسلم في (البيوع) باب الصدق في البيع والبيان برقم (1532).
(2) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) مسند أبي هريرة برقم (7131) وفي (مسند الأنصار) حديث أزواج النبي صلى الله عليه وسلم برقم (21825) ومسلم في (المساقاة) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1584) وبرقم (1588).
(3) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/233)


وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء » (1) متفق عليه وقال عليه الصلاة والسلام: « من غشنا فليس منا » (2) رواه مسلم وقال عليه الصلاة والسلام: « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر, فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور » (3) متفق عليه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولا يجوز لأحد من الناس أن يحلل ما حرم الله بالنص قياسا على ما حلل بالنص, ومن حاول أن يحلل ما حرم الله من الربا قياسا على ما أحل الله من السلم فقد أتى منكرا عظيما, وقال على الله بغير علم, وفتح للناس باب شر عظيم وفساد كبير, وإنما يجوز القياس عند أهل العلم القائلين به في المسائل الفرعية التي لا
__________
(1) رواه البخاري في (البيوع) باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة برقم (2134) ومسلم في (المساقاة) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1586) واللفظ له.
(2) رواه مسلم في (الإيمان) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ''من غشنا فليس منا'' برقم (101).
(3) رواه البخاري في (الأدب) باب عقوق الوالدين من الكبائر برقم (5976) ومسلم في (الإيمان) باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (87).

(19/234)


نص فيها إذا استوفى الشروط التي تلحق الفرع بالأصل كما هو معلوم في محله, وقد حرم الله القول عليه بغير علم وجعله في مرتبة فوق مرتبة الشرك, وبين عز وجل أن الشيطان يدعو إلى ذلك ويأمر به كما يدعو إلى الفحشاء والمنكر قال الله سبحانه: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (1) وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (2) { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (3)
فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين, وأن يمنحهم الفقه في الدين, وأن يوفق علماءهم لبيان ما أوجب عليهم من أحكام شرعه والدعوة إلى دينه والتحذير مما يخالفه, وأن يكفيهم شر أنفسهم وشر دعاة الباطل, وأن يوفق الكاتب إبراهيم للرجوع إلى الحق والتوبة مما صدر منه, وإعلان ذلك على الملأ لعل الله يتوب عليه كما قال عز وجل: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (4) وقال سبحانه:
__________
(1) سورة الأعراف الآية 33
(2) سورة البقرة الآية 168
(3) سورة البقرة الآية 169
(4) سورة النور الآية 31

(19/235)


{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } (1) { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } (2)
ولا شك أن مقاله يحتاج إلى أكثر مما كتبت ولكن أرجو أن يكون فيما بينته مقنع وكفاية لطالب الحق. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
__________
(1) سورة البقرة الآية 159
(2) سورة البقرة الآية 160

(19/236)


135 -
الواجب ترك
المال الذي ثبت أنه من الربا
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ص.غ.غ. سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (6009) وتاريخ 28\8\1409هـ الذي جاء فيه :" أفيد سماحتكم بأنه في عام 1406هـ صدر قرار معالي وزير التجارة بتأسيس الشركة السعودية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية . وأعلنت الشركة عن بدء وضع التصاميم ودراسات المشروع في حينه وبدأت الشركة في إنشاء المباني التي تقرر أن تنتهي في نهاية العام الحالي 1409هـ. وهذا يعني أن عملية تصنيع الأدوية لم تبدأ بعد، ومع ذلك فقد أعلنت الشركة للمساهمين بأنها تنوي توزيع الأرباح التي بلغت أكثر من ثلاثة وثلاثين مليونا( بالريال السعودي) حيث جاءت هذه الأرباح نتيجة لاستثمار أموال المساهمين في البنوك.
وعلى حسب ما أسمع من الناس أن مثل هذا الاستثمار في البنوك تقوم به معظم الشركات المساهمة. وحيث إنني أحد المساهمين في هذه الشركة وأملك عدة أسهم في عدة شركات

(19/237)


زراعية وصناعية، فإن هذا الموضوع يشغلني ويشغل كثيرا من الناس الذين يحرصون على اللقمة الحلال. وبناء على رغبتكم في معرفة الحقيقة بعد الاتصال التلفوني بسماحتكم وتشجيعكم لي في الكتابة إليكم عن الموضوع فإني ألبي رغبتكم جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ولزيادة التوضيح فإني أرفق مع خطابي هذا نسخة من تقرير الشركة المذكورة مع صورة من جريدة الجزيرة التي نشرت تفاصيل التقرير السنوي المذكور عن الشركة. وختاما أرجو التكرم بإفادتي بالحكم الشرعي في هذا العمل وبماذا تنصحوني به وهل أستمر في التعامل مع هذه الشركة وغيرها أم لا ؟".
وأفيدك بأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست استفتاءكم وما ورد في كتابكم ومشفوعاته، ورأت أن الواجب عليكم ترك ما ثبت لديكم أنه اكتسب من طريق الربا ولا مانع من قبضه وصرفه في بعض أعمال البر كمواساة الفقراء ومساعدة المجاهدين وأمثالهم للتخلص منه وبراءة للذمة.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه وأعانكم على كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

(19/238)


حكم دراسة الاقتصاد الربوي
س 136: ما حكم الإسلام في دراسة الاقتصاد الربوي؟ وما حكم العمل في البنوك الربوية ؟ (1) .
ج: دراسة الاقتصاد الربوي إذا كان المقصود منها معرفة أعمال الربا، وبيان حكم الله في ذلك فلا بأس، أما إن كانت الدراسة لغير ذلك فإنها لا تجوز، وهكذا العمل في البنوك الربوية لا يجوز؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله سبحانه : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (2)
__________
(1) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته من مجلة (الدعوة).
(2) سورة المائدة الآية 2

(19/239)


137 - بيان الحكم الشرعي
في المعاملات الربوية في البنوك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: (1) .
فقد اطلعت على ما ورد في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في يوم الأربعاء 2\1\1416هـ، من تصريح مفتي الديار المصرية د. محمد سيد طنطاوي بتحليل الفوائد الربوية التي تتعامل بها البنوك. فرأيت أن الواجب على مثلي التنبيه على ما يقتضيه الشرع المطهر في ذلك نصحا لله ولعباده، وأداء لواجب البلاغ الذي أوجبه الله على أهل العلم في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } (2) { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } (3) الآية، وقوله سبحانه : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } (4)
__________
(1) رد من سماحته على مفتي الديار المصرية محمد سيد طنطاوي الذي نشر في صحيفة (الشرق الأوسط) بتاريخ 2\1\1416هـ.
(2) سورة البقرة الآية 159
(3) سورة البقرة الآية 160
(4) سورة آل عمران الآية 187

(19/240)


الآية، والمقصود تحذير هذه الأمة من عمل أهل الكتاب، ولا شك أن هذا أمر خطير، وفيه معصية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لأمر الله تعالى، حيث قال سبحانه وتعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (1) ولا ريب أن القول بحل ما تتعامل به البنوك من أنواع الربا، فيه تحليل لما حرمه الله تعالى؛ لأن الربا كما هو معلوم كبيرة من كبائر الذنوب التي جاء تحريمها مغلظا في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (2) { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (3) { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (4) وقال تعالى : { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } (5) وقال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (6)
__________
(1) سورة النور الآية 63
(2) سورة آل عمران الآية 130
(3) سورة آل عمران الآية 131
(4) سورة آل عمران الآية 132
(5) سورة الروم الآية 39
(6) سورة البقرة الآية 275

(19/241)


{ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (1) وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (2) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (3)
فما أعظم جريمة من حارب الله ورسوله نسأل الله العافية من ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام: « اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » (4) ، متفق على صحته . وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء » (5) ،
__________
(1) سورة البقرة الآية 276
(2) سورة البقرة الآية 278
(3) سورة البقرة الآية 279
(4) رواه البخاري في (الوصايا) باب قول الله :(إن الذين يأكلون أمول اليتامى ظلما) برقم (2767) وفي (الحدود) باب رمي المحصنات برقم (6857) ومسلم في (الإيمان) باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (89).
(5) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/242)


فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة، وأن من تعامل به وتعاطاه، فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد أصبح محاربا لله ولرسوله وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني :( أجمعت الأمة على أن الربا محرم ) وقال ابن المنذر في كتاب (الإجماع):( أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المقترض زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا سواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة ) ومن المعلوم أن الاشتراك في البنوك الربوية، أو الإيداع فيها أو الاقتراض منها بفوائد، كل ذلك من المعاملات الربوية التي نهى الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها فيجب الابتعاد عنها.
نسأل الله الهداية والعافية من مضلات الفتن، والتوفيق للعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحكيم شرع الله في جميع شؤوننا الخاصة، والعامة، وأن يأخذ بنواصينا وجميع المسلمين إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يجنبنا جميعا طريق المغضوب عليهم والضالين إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونصيحتي لفضيلة المفتي محمد سيد طنطاوي أن يتقي الله، وأن يعيد النظر فيما كتب، وأن يتوب إلى الله سبحانه مما طغى به اللسان، وزل به القلم، ولا ريب

(19/243)


أن الرجوع إلى الحق واجب وفضيلة، وشرف لصاحبه، وخير من التمادي في الخطأ ، والله المسئول أن يوفقه للرجوع إلى الحق، وأن يجعلنا وإياه وسائر إخواننا من الهداة المهتدين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

(19/244)


الفرق بين مسألة التورق
وبين نوعي الربا: الفضل والنسيئة
س 138: من تعريف ربا النسيئة أنه الزيادة في الشيء مقابل التأجيل، فما مدى انطباق هذا الشيء على دينة الأكياس والسيارات المعمول بها الآن بدلا من القرض الحسن أفتونا جزاكم الله خيرا ؟ (1) . ج: الربا هو أن يأخذ شيئا بجنسه مع الزيادة هذا هو ربا الفضل؛ كصاع بصاعين من جنس واحد أو درهم بدرهمين سواء كان حالا أو مؤجلا. وإن كان دينا بدين صار ربا الفضل والنسيئة جميعا، فإذا أخذ دراهم بدراهم وزيادة، فهذا ربا الفضل سواء كان يدا بيد أو نسيئة، وأما مسألة التورق فليست من هذا الباب وهي أخذ سلعة بدراهم إلى أجل ثم يبيعها هو بنقد في يومه أو غده أو بعد ذلك على غير من اشتراها منه.
والصواب حلها لعموم الأدلة ولما فيها من التفريج والتيسير وقضاء الحاجة الحاضرة. أما من باعها على من اشتراها منه فهذا لا يجوز بل هو من أعمال الربا وتسمى مسألة العينة وهي محرمة لأنها تحيل على الربا. وهو بيع جنس بجنسه متفاضلا نسيئة أو نقدا. أما التورق فلا بأس به كما تقدم وهو شراء
__________
(1) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته في برنامج ( نور على الدرب).

(19/245)


سلعة من طعام أو سيارة أو أرض أو غير ذلك بدراهم معدودة إلى أجل معلوم ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بنقد ليقضي حاجته من زواج أو غيره.

(19/246)


الموقف من البنوك الربوية اليوم
س 139: ما هو الموقف من البنوك الربوية اليوم ؟ وما حكم التعامل معها ؟ وما هو موقفنا تجاه ما يحدث لكثير من إخواننا المسلمين في بعض البلاد الإسلامية ؟ (1) .
ج: أما ما يتعلق بالربا فالأمر واضح وليس في وجود الربا وتحريمه شك، وهو أمر تدل عليه آيات من القرآن الكريم ودلت عليه السنة وإجماع أهل العلم. فالربا من أكبر الكبائر ومن المحرمات المجمع عليها، وقد بين الله ذلك في كتابه العظيم فقال جل وعلا : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) الآية، وقال عز وجل
__________
(1) من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته بعد محاضرة بعنوان :( حكمة الداعي وأدب المدعو) ألقاها سماحته في مسجد الفقيه بمكة المكرمة عام 1412هـ، ونشر في المجموع ج7 ص 282.
(2) سورة البقرة الآية 275

(19/246)


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (2) والرسول صلى الله عليه وسلم : « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء » (3) خرجه مسلم في صحيحه، فالواجب على المسلمين الحذر من الربا وعدم المساهمة فيها وعدم المعاملة معها، ووجود الشيء بين الناس لا يحله، فالخير موجود، والشر موجود والواجب الأخذ بالخير والحذر من الشر، ووجود الشر ليس بدليل على حله، بل يجب الحذر منه. فالحاصل أن الربا من المحرمات والواجب الحذر من ذلك والبعد عن ذلك، والتواصي بترك ذلك، وعن قريب إن شاء الله تزول البنوك الربوية من هذه المملكة، فقد وافق خادم الحرمين الشريفين على إيجاد البنوك الإسلامية، وسيغني الله بها عن هذه البنوك وتزول إن شاء الله من هذه البلاد.
فالحاصل أن الإخوان والمحبين للخير حريصون على إيجاد البنوك الإسلامية والمساهمة فيها وينبغي للإخوان جميعا
__________
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/247)


أن يتشجعوا في هذا، وأن يحرصوا على التقدم في طلب البنوك الإسلامية حتى تكثر وحتى يغني الله بها عن هذه البنوك الربوية، وحتى ينتهي أمرها عن قريب إن شاء الله.
أما ما يتعلق بإخواننا المسلمين في كل مكان كالجزائر والفلبين وفي أفغانستان والبوسنة والهرسك وغيرها. فالواجب الدعاء لهم بالتوفيق والهداية، وأن يفقههم الله في الدين، وأن يجمع كلمتهم على خيرهم، وأن ينصرهم على عدوهم، وأن يهدي المسئولين في جميع بلاد المسلمين، وأن ينصر بهم الحق.
والدعاء لإخوانكم بظهر الغيب في كل مكان أمر مشروع وفائدته عظيمة. فالمسلم يدعو الله لإخوانه في الفلبين وفي الجزائر وفي تونس وفي المغرب وفي أفغانستان وفي البوسنة والهرسك وفي كل مكان، وفي بلده أيضا يدعو الله للجميع بالتوفيق والصلاح والإعانة على كل خير، وأن يجمعهم الله سبحانه على الخير والهدى، وأن يكفيهم شر الولاة، وأن يعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه على بصيرة، وأن يعيذهم من الأساليب التي تنفر من الحق وتصد عنه، وأن يوفقهم للأساليب الطيبة والطرق الصالحة التي تعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه وتعينهم على قبوله والرضا به.

(19/348)


حكم المساهمة في
الشركات التي تتعامل بالربا
س 140: في الربا كثرت الأسئلة عن بعض الشركات مثل شركة مكة للإنشاء والتعمير، وشركة القصيم الاستثمارية للزراعة، يقولون هل المشاركة فيها من الربا أو لا تتعامل بالربا ؟ (1) .
ج : شركة طيبة وشركة مكة وغيرها من الشركات لا نعلم عنها ما يمنع المشاركة فيها إلا أنه يبلغنا عن كثير من الشركات أنها تستعمل أموالها بالربا بواسطة البنوك، فننصح جميع الشركات التي تستعمل هذا أن تدعه، أو أن تستعمل أموالها في الطرق الشرعية لا بالربا، فالشركة التي تستعمل أموالا بالربا يجب أن تجتنب، وأن لا يتعاون معها في هذا الشيء وإذا عرف الإنسان مقدار الربا الذي دخل عليه فليخرج ما يقابله للفقراء عشرة في المائة أو عشرين في المائة أو أقل أو أكثر حتى يسلم من شر الربا.
وعلى كل شركة أن تتقي الله، وأن تحذر الربا في جميع المعاملات فإن الله جل وعلا قد حرم الربا ونزع بركته كما قال سبحانه : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) وقال سبحانه: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } (3)
__________
(1) سؤال موجه لسماحته بعد المحاضرة التي ألقاها في مسجد فقيه بمكة المكرمة عام 1412هـ، ونشر في هذا المجموع ج7 ص 288.
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 276

(19/249)


فالربا منزوع البركة، فالواجب الحذر منه، فعلى جميع الشركات: شركة مكة، شركة المدينة، شركة القصيم، وأي شركة كانت، على جميع الشركات أن تتقي الله، وأن يتقي رؤساؤها ومديروها في ذلك وأن يحرصوا على أن تكون أعمالهم ومعاملاتهم كلها طبق الشرع، وأن يستفتوا أهل العلم فيما أشكل عليهم حتى يكونوا على بصيرة، وما تجمع لديهم من الأموال يعملون به ما شرع الله من المعاملات السليمة سواء كانت بالنقد أو بالأجل فيشترون به السلع ويبيعونها إلى أجل، أو يشترون العمل المختلفة المتنوعة ثم يبيعونها بالعمل الأخرى يدا بيد بفائدة إذا كانت من أجناس مختلفة، فالعملة لا تباع بمثلها إلا يدا بيد مثلا بمثل، وإذا كانت عملة بعملة أخرى كريال بالدولار أو جنيه استرليني بغيره جاز البيع يدا بيد بدون تأجيل ولو تفاضلا، فالطرق الشرعية موجودة وكافية بحمد الله وليس الناس بحاجة إلى الربا لولا أن الشيطان يدعوهم إلى ذلك ويزين لهم الفائدة السريعة بالربا، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يغضبه.

(19/250)


حكم صرف الرواتب من البنوك الربوية
س 141: فيما يتعلق بالربا أسئلة كثيرة منها التحرج عن أخذ الرواتب من البنوك الربوية فما رأي سماحتكم ؟ (1) .
ج: هذا لا حرج فيه فأخذ الرواتب بواسطة البنوك لا يضر؛ لأن الموظف لم يجعلها للربا، وإنما جعلت بواسطة ولاة الأمر لحفظها هناك حتى تؤخذ، وهكذا ما يحول عن طريق البنوك من بلد إلى بلد، أو من دولة إلى دولة هذا لا بأس به لدعاء الحاجة إليه، فالمحذور كونه يستعمل الربا أو يعين عليه، أما كونه يحفظ ماله في البنك للضرورة لعدم وجود مكان يحفظه فيه، أو لأسباب أخرى وبدون ربا، أو يحوله بواسطة البنك فلا بأس بذلك إن شاء الله ولا حرج فيه، لكن لو جعلت الدولة الرواتب في غير البنوك لكان أسلم وأحسن.
__________
(1) سؤال موجه لسماحته بعد المحاضرة التي ألقاها في مسجد فقيه بمكة المكرمة عام 1412هـ، ونشر في هذا المجموع ج7 ص 290.

(19/251)


حكم بيع الطعام بجنسه متفاضلا
س 142: بلادنا تنتج الحب، والعملة عندنا بالحبوب لقلة النقود، فإذا جاء وقت البذر اشترينا من التجار

(19/251)


الصاع بريال، فإذا جاء وقت الحصاد وصفيت الحبوب سلمنا للتجار عن كل ريال صاعين مثلا؛ لأن السعر في وقت الحصاد أرخص منه في وقت البذر، فهل تجوز هذه المعاملة ؟ (1) .
ج: هذه المعاملة فيها خلاف بين العلماء، وقد رأى كثير منهم أنها لا تجوز، لأنها وسيلة إلى بيع الحنطة ونحوها بجنسها متفاضلا ونسيئة، وذلك عين الربا من جهتين: جهة التفاضل وجهة التأجيل، وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن ذلك جائز إذا كان البائع والمشتري لم يتواطآ على تسليم الحنطة بدل النقود، ولم يشترطا ذلك عند العقد، هذا هو كلام أهل العلم في هذه المسألة، ومعاملتكم هذه يظهر منها التواطؤ على تسليم حب أكثر بدل حب أقل؛ لأن النقود قليلة، وذلك لا يجوز، فالواجب على الزراع في مثل هذه الحالة أن يبيعوا الحبوب على غير التجار الذين اشتروا منهم البذر، ثم يوفوهم حقهم نقدا هذا هو طريق السلامة والاحتياط والبعد عن الربا، فإن وقع البيع بين التجار، وبين الزراع بالنقود، ثم
__________
(1) نشر في كتاب (فتاوى إسلامية) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص 386، و(مجلة الجامعة الإسلامية) العدد (2) في السنة الثانية عام 1390هـ.

(19/252)


حصل الوفاء من الزراع بالحبوب من غير تواطؤ ولا شرط، فالأقرب صحة ذلك كما قاله جماعة من العلماء، ولا سيما إذا كان الزارع فقيرا ويخشى التاجر أنه إن لم يأخذ منه حبا بالسعر بدل النقود التي في ذمته فات حقه ولم يحصل له شيء؛ لأن الزارع سوف يوفي به غيره ويتركه، أو يصرفه- أي الحب- في حاجات أخرى، وهذا يقع كثيرا من الزراع الفقراء، ويضيع حق التجار، أما إذا كان التجار والزراع قد تواطأوا على تسليم الحب بعد الحصاد بدلا من النقود، فإن البيع الأول لا يصح من أجل التواطؤ المذكور، وليس للتاجر إلا مثل الحب الذي سلم للزارع من غير زيادة، تنزيلا له منزلة القرض لعدم صحة البيع مع التواطؤ على أخذ حب أكثر.

(19/253)


حكم بيع الطعام بالطعام مؤجلا
س 143: هل يجوز بيع غير الطعام بالطعام نسيئة كبيع الثياب بالقمح مثلا.... إلخ ؟ (1) .
ج: يجوز ذلك في أصح أقوال أهل العلم، والأدلة عليه كثيرة، منها: عموم الأدلة في حل البيع والمداينة، ومنها: ما
__________
(1) نشر في (مجلة الجامعة الإسلامية) بالمدينة المنورة العدد الثالث السنة السابعة عام 1395 هـ ص 134.

(19/253)


ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : « أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما نسيئة ورهنه درعا من حديد » (1) ، ومنها: بيع السلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة والناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال عليه الصلاة والسلام : « من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » (2) ولم يشترط أن يكون الثمن نقدا، فدل ذلك على أنه يجوز أن يسلف مكيلا من الطعام أو موزونا من الطعام في حيوان أو ثياب أو صوف أو غيرها مما ينضبط بالصفة إذا توفرت بقية الشروط والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
(1) رواه البخاري في (السلم) باب الكفيل في السلم برقم (2251) ومسلم في (المساقاة) باب الرهن وجوازه في الحضر كالسفر برقم (1603).
(2) رواه البخاري في (السلم) باب السلم في وزن معلوم برقم (2241) ومسلم في (المساقاة) باب السلم برقم (1604).

(19/254)


144 - حكم من يدفع إلى البنك أو غيره
مالا معلوما على أن يدفع القابض للدافع
ربحا معلوما كل شهر أو كل سنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: (1) .
فقد سألني غير واحد عن معاملة يتعاطاها كثير من الناس وهي: أن بعضهم يدفع إلى البنك أو غيره مالا معلوما على سبيل الأمانة أو ليتجر به القابض، على أن يدفع القابض إلى الدافع ربحا معلوما كل شهر أو كل سنة.مثال ذلك: أن يدفع شخص إلى البنك أو غيره عشرة آلاف ريال أو أقل أو أكثر على أن يدفع إليه القابض مائة ريال أو أكثر أو أقل كل شهر أو كل سنة، وهذه المعاملة لا شك أنها من مسائل الربا المحرم بالنص والإجماع، وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن أكل الربا من كبائر الذنوب ومن الجرائم المتوعد عليها بالنار واللعنة. قال الله سبحانه : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (2) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (3)
__________
(1) نشر في (مجلة الجامعة الإسلامية) العدد الأول السنة الثالثة 1390هـ ص4،3.
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 276

(19/255)


وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (2)
ففي هذه الآيات الكريمات الدلالة الصريحة على غلظ تحريم الربا وأنه من الكبائر الموجبة للنار، كما أن فيها الدلالة على أن الله سبحانه يمحق كسب المرابي ويربي الصدقات أي يربيها لأهلها ويمنيها حتى يكون القليل كثيرا إذا كان من كسب طيب. وفي الآية الأخيرة التصريح بأن المرابي محارب لله ورسوله، وأن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وأخذ رأس ماله من غير زيادة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه : « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال : هم سواء » (3) ، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله سبحانه ويراقبه في جميع الأمور وأن يحذر ما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال والمكاسب الخبيثة، ومن أعظمها وأخطرها مكاسب
__________
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) سورة البقرة الآية 279
(3) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/256)


الربا الذي أنزل الله فيه ما يوجب الحذر منه والتواصي بتركه، وقد نقل أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله في كتابه المغني عن الحافظ ابن المنذر إجماع العلماء على تحريم مثل هذه المعاملة وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

(19/257)


ينبغي العمل على
إيجاد البديل للبنوك الربوية
س 145: أفيدونا عن المعاملات الربوية ؟ (1) .
ج: أما ما يتعلق بالربا فالأمر فيه واضح، ولكن تحريم الربا دل عليه القرآن الكريم ودلت عليه السنة وإجماع أهل العلم وهو من أكبر الكبائر ومن المحرمات المعروفة، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز فقال جل وعلا : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) الآية، ويقول جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (3) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (4) والرسول صلى الله عليه وسلم : « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه » (5) .
__________
(1) من ضمن الأسئلة التي ألقيت على سماحته بعد الحج في مكة عام 1417هـ.
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 278
(4) سورة البقرة الآية 279
(5) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).

(19/258)


فالواجب على المسلمين الحذر من الربا، وعدم المساهمة فيه لا في بنك كذا ولا في جميع البنوك الربوية في الداخل والخارج، بل يجب الحذر منها وعدم المساهمة فيها وعدم المعاملة ووجود الشيء بين الناس لا يحله، الخير موجود، والشر موجود هذا يكون حلالا وهذا يكون محرما، ووجود الشيء ليس دليلا على حله بل يجب الحذر إذا وجد يكون الحذر أكثر من المعصية الموجودة.
الحاصل أن الربا من المحرمات ويجب الحذر من ذلك والبعد عن ذلك والتواصي بترك ذلك وعن قريب يزول إن شاء الله بحول الله.
فالحاصل أن الإخوان والمحبين للخير حريصون على إيجاد البنوك الإسلامية والمساهمة فيها، وينبغي لإخواني جميعا أن يتشجعوا في هذا ويحرصوا على التقدم في طلب البنوك الإسلامية حتى تكثر وحتى يغني الله بها عن هذه البنوك الربوية وحتى ينتهي أمرها عن قريب إن شاء الله.

(19/259)


146 - التخلص من المال الربوي
فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
سماحة الشيخ: لدي مشكلة وأود أن أعرف رأي الدين فيها ألا وهي: منذ حوالي عشرين عاما أدان والدي مبلغ (2000) ريال لصديقين له لكل واحد منهما (1000) ريال على أن يتم إرجاع المبلغ بعد مضي عام مع زيادة قدرها (500) ريال على كل (1000) ريال، وقد كان والدي فقيرا جمع هذا المبلغ بعد جهد وتعب، ثم توفي والدي قبل أن يسترد نقوده فاستردتهم والدتي، وقد دفع أحد الرجلين مبلغ بدون زيادة بينما دفع الآخر الزيادة الربوية، حدث ذلك وأنا صغير، في المرحلة الابتدائية، ولم أتمكن من توجيه والدتي إلى أن هذا العمل حرام، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتألم أشد الألم وذلك بسبب خوفي على والدي من هذا العمل مع العلم أن والدي غير متعلم، ولا أعلم إن كان يعرف أن ما عمله حرام أم لا، وأرجو من الله ثم من سماحتكم أن ترشدوني إلى ما أعمل لأكفر عن والدي ذنبه، أيضا ماذا أعمل بخصوص الربا الذي أخذته والدتي عند إرجاع دين أسرتنا مع أنها قد تعرف أن هذا

(19/260)


المبلغ ربا لكنها هي الأخرى غير متعلمة، أفيدوني ماذا أعمل وبأقصى سرعة كلما أمكن. جزاكم الله كل خير (1) .
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده:
عليك أن ترد الزيادة وهي خمسمائة على صاحبها؛ لأنها ربا وتدعو لوالدك بالمغفرة والعفو، بارك الله فيك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
__________
(1) هذا السؤال والذي بعده استفتاء شخصي موجه لسماحته من الأخ أ.د. من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.

(19/261)


147 - الواجب التصدق بالمال الربوي إذا لم يعلم صاحبه
سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
سماحة الشيخ سبق أن أرسلت إلى فضيلتكم في شهر رمضان المبارك رسالة تضمنت السؤال عن مبلغ من المال قدره (500) ريال كان والدي رحمه الله قد أخذه من أحد أصدقائه في صورة ربا وكان جواب فضيلتكم وجوب رد هذا المبلغ إلى صاحبه وقد تعذر علي رده إلى صاحبه. فهل يجوز أن أتصدق بالمبلغ على الفقراء كأن أضعه في أحد صناديق التبرع أو أدفعه إلى أحد الأقارب المحتاجين؟ أفيدوني في ذلك جزاكم الله خيرا.
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده:
الواجب عليك دفع الخمسمائة (500) ريال إلى بعض الفقراء إذا كنت لم تعرفي صاحبها ولا عنوانه ولا من يعرفه.
مفتي عام المملكة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

(19/262)


حكم من وقع في الربا دون علمه
س 148: امرأة كانت تقرض شخصا ألف ريال على أن يردها ألف وثلاثمائة ريال وهي لا تعرف أن هذا ربا، فهل يلحقها شيء في ذلك وماذا يجب عليها ؟ (1) .
ج: هذا لا شك أنه ربا، فالذي فعل ذلك قبل أن يعلم لا شيء عليه، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (2) فبين سبحانه أن من جاءه موعظة من ربه، يعني عرف الحق ووعظ وذكر، فانتهى وتاب إلى الله فلا شيء عليه. ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فبين لنا سبحانه أن الواجب على من عرف الربا أن يحذره ويتباعد عنه ويتوب إلى الله من ذلك، وعلى المؤمن أن يسأل ويتفقه في دينه ويتعلم حتى لا يقع فيما حرم الله عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين » (3) (4) ، متفق على صحته . وهذا يدلنا على أن
__________
(1) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته في برنامج (نور على الدرب).
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) صحيح البخاري العلم (71),صحيح مسلم الإمارة (1037),سنن ابن ماجه المقدمة (221),مسند أحمد بن حنبل (4/93),موطأ مالك الجامع (1667),سنن الدارمي المقدمة (226).
(4) رواه البخاري في (العلم) باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين برقم (71) ومسلم في (الزكاة) باب النهي عن المسألة برقم (1037).

(19/263)


الإنسان إذا تفقه في الدين وتبصر وتعلم فهذا من الدلالة على أن الله أراد به خيرا. أما إذا استمر في الجهالة والإعراض فهذا من علامة أن الله أراد به شرا والعياذ بالله، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : « من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا للجنة » (1) . فالتعلم من أهم المهمات، والتفقه في الدين من أعظم الواجبات، والواجب على المرأة المذكورة أن تتصدق بالثلاثمائة التي حصلتها من طريق الربا مع التوبة إلى الله سبحانه؛ لقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (2) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (3) نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
__________
(1) رواه مسلم في (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن برقم (2699).
(2) سورة البقرة الآية 278
(3) سورة البقرة الآية 279

(19/264)


الفقراء من المصارف
الشرعية للأموال التي ليس لها مالك
س 149: صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، حفظه الله تعالى وأبقاه.

(19/264)


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرجو أن تجيبوني على سؤالي هذا بصورة مستعجلة؛ لأن عملي متوقف على ورود جوابكم الكريم.
أنا وصي على ثلث تركة متوفى؛ لجعله في صدقة جارية، لكن الذي حدث أن الدولة أعزها الله تعالى حجزت التركة في أحد البنوك العاملة في المملكة لمدة أربع سنوات، مما زاد في أصل التركة قبل القسمة زيادة ربوية بلا شك.
وسؤالي الآن منصب على تلك الزيادة؛ لأنها قد أصبحت مظلمة من المظالم الملتبس أهلها؛ لأنه من المتعذر معرفة من أخذت منه، فمن العلماء من يرى صرف المظالم الملتبسة في مصالح المسلمين العامة، وهو رأي قوي، ومنهم من يرى صرفها في الفقراء، وهو أقل نفعا من القول السابق. كما أن تركها للبنك إعانة له على تكرار المعصية وإعادة استعمالها في الربا إلى ما لا نهاية، وهو ذنب عظيم لا يجوز فعله أبدا. كما أن موظفي المتوفى كان لهم منحة يمنحهم إياها في رأس كل سنة والورثة امتنعوا عن دفع أي شيء لهم بعد وفاته، فهل لي أن أدفع لهم ما كانوا يعتادونه من هذه الزيادة الربوية.

(19/265)


أرجو أن أتلقى جوابكم الشافي في أقرب وقت، أثابكم الله تعالى وأجزل لكم المثوبة (1) ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده: نرى أخذ الزيادة وصرفها في وجوه الخير، وتنفيذ ما أوصى به الموصي حسب ما أوصى إذا كانت الوصية شرعية ليس فيها ما يخالف الشرع، وأنت مأجور في ذلك إن شاء الله، ضاعف الله مثوبتكم، وإذا كان في الورثة فقراء فلا مانع من مساعدتهم من الزيادة الربوية من دون إخبارهم بذلك؛ لأن الفقراء من المصارف الشرعية للأموال التي ليس لها مالك شرعي أو جهل مالكها، وفق الله الجميع. والسلام.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
__________
(1) استفتاء مقدم لسماحته من السائل ح.ع.س.ي.أ. أجاب عنه سماحته بتاريخ 27\3\1414هـ.

(19/266)


يجب التخلص من الكسب
الخبيث بصرفه فيما ينفع المسلمين
س 150: الأخ الذي رمز لاسمه بـ ف.ع.ع. من الرياض، يقول في سؤاله: ساهمت في أحد البنوك منذ عام، وندمت على ذلك، وبعت الأسهم . وجاءت منها أرباح، والآن لا أدري ماذا أفعل بالمال، الربح الذي جاء منها وأصل المال الذي ساهمت به، فما الواجب علي حفظكم الله ؟ (1) .
ج: الواجب صرف الأرباح التي قبضها قبل التوبة في الفقراء والمساكين، ونحو ذلك مما ينفع المسلمين، كإصلاح الطرقات والحمامات ونحوها؛ لأنه مال حصل من كسب خبيث فوجب التخلص منه بما ينفع المسلمين؛ لقول الله سبحانه في سورة البقرة : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) وقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (3) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (4) والله ولي التوفيق.
__________
(1) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته من (المجلة العربية).
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 278
(4) سورة البقرة الآية 279

(19/267)


كيفية التخلص من الفوائد الربوية
س 151: إذا أخذت مالا لي من البنك له مدة تزيد عن السنة وجاءني معه ربح، فهل يجوز التصدق به أو رده للبنك أم ماذا أفعل ؟ (1) .
ج: يجب عليك إخراج زكاته كلما دارت عليه السنة، سواء كان في البنك أو غيره إذا كان نصابا. أما ما أعطاك البنك من الربح فلا ترده على البنك ولا تأكله، بل اصرفه في وجوه البر؛ كالصدقة على الفقراء ، وإصلاح دورات المياه، ومساعدة الغرماء العاجزين عن قضاء ديونهم، وعليك التوبة من ذلك، ولا يجوز لك أن تعامل البنك بالربا ولا غير البنك؛ لأن الربا من أقبح الكبائر، وقد قال الله سبحانه في كتابه العظيم: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (2) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (3) إلى أن قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (4) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (5)
__________
(1) نشر في كتاب (فتاوى إسلامية) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص407.
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 276
(4) سورة البقرة الآية 278
(5) سورة البقرة الآية 279

(19/268)


فهذه الآيات الكريمات كلها تدل على شدة تحريم الربا وأنه من كبائر الذنوب، فإن من أصر عليه فهو متوعد بالخلود في النار نسأل الله العافية، وهذا الخلود على ظاهرة مثل خلود الكفار، ليس له نهاية إذا كان مستحلا للربا.
أما من يعلم أن الربا حرام، ويعتقد ذلك، ثم أصر عليه، فإنه يعمه الوعيد المذكور، ولكن خلوده في النار - إن دخلها- ليس مثل خلود الكفار، بل هو خلود له نهاية كما درج على ذلك سلف الأمة وأئمتها، خلافا للخوارج والمعتزلة، وهكذا خلود قاتل نفسه، وقاتل غيره عمدا وعدوانا، وخلود الزاني، كله من هذا الباب، من استحل منهم هذه المعاصي كفر وخلد في النار مثل خلود الكفار. نعوذ بالله من ذلك.
أما من لم يستحلها وإنما فعلها طاعة للهوى والشيطان فإنه لا يخلد في النار، إن دخلها- مثل خلود الكفار ، ولكنه يخلد فيها خلودا له نهاية؛ لأن العرب يعبرون في لغتهم عن الإقامة الطويلة بالخلود، والقرآن الكريم نزل بلغتهم، وهذه مسألة عظيمة يجب التنبيه لها والتفريق ما بين خلود الكافرين وخلود العاصين، وبسبب الجهل بالفرق بين الخلودين وقعت

(19/269)


الخوارج والمعتزلة في منكر عظيم، واعتقاد فاسد، وهو حكمهم على العصاة بالخلود في النار أبد الآباد، كخلود الكفار، وقد أنكر عليهم أهل السنة، وبينوا بطلان مذهبهم بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء » (1) ، رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي جحيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : « لعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور » (2) .
فالواجب على جميع المسلمين الحذر من المعاملات الربوية والتعاون مع أهلها في ذلك؛ للحديثين المذكورين، ولقوله سبحانه : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (3) نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، إنه خير مسئول.
__________
(1) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (1598).
(2) رواه البخاري في (البيوع) باب موكل الربا برقم (2086).
(3) سورة المائدة الآية 2

(19/270)


152 - ليس للورثة أخذ
الزيادة الربوية لمال مورثهم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم أ.ح. جمهورية مصر العربية محافظة الدقهلية المطرية، وفقه الله (1) . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
فإجابة لرسالتكم التي تسألون فيها عن المال الذي وضع لكم في البنك بعد وفاة والدكم، نفيدكم بأنه لا حرج عليك في أخذ المال الذي وضع لأبيك في البنك، وهو بينك وبين بقية الورثة، إلا أن يكون لدى الدولة تعليمات في ذلك فعليكم اتباعها، أما الربا فيصرف في وجوه البر، كالصدقة على الفقراء، ونحو ذلك من أعمال الخير. وليس لك ولا للورثة أكله. وإليك برفقة نسخة من العقيدة الواسطية، وفتح المجيد، ولمعة الاعتقاد، وثلاثة الأصول، ونسخة من الجزء الأول والجزء الثاني من الفتاوى
__________
(1) رسالة جوابية صدرت من مكتب سماحته برقم (160\1) في 22\1\1410هـ إلى السائل أ.ح. من مصر.

(19/271)


الصادرة منا، ونسخة من شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، وكلها كتب مفيدة. وفقنا الله وإياك للعلم النافع والعمل به مع العمل الصالح الذي يقربنا إلى رضى الله ورحمته. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

(19/272)


التكفير عن المرابي المتوفى
س:153: توفي قريب لي وهو يتعامل بالربا ونريد الآن أن نكفر عنه، فما الطريق الشرعي لذلك؟ (1)
ج: يشرع للورثة أن يتحروا مقدار ما دخل عليه من الربا فيتصدقوا به عنه، ويدعوا له بالمغفرة والعفو. نسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعن كل مسلم .
__________
(1) نشر في كتاب(فتاوى إسلامية) من جمع الشيخ محمد المسند ج2 ص387 .

(19/273)


الواجب التخلص من المال
الربوي لصالح الفقراء والمحتاجين
س:154: نحن في بلادنا البنوك ربوية، وقد كنت في الماضي قبل خمس سنوات آخذ هذه الأموال وأضعها بجانب لا أستعملها، فهل يجوز لي فضيلة الشيخ أن أشتري بهذه الأموال شقة لمحتاج، وإن كان لا يجوز فماذا أفعل بها؟ (1)
__________
(1) سؤال بعد الدرس الذي ألقاه سماحته بالمسجد الحرام في 27\12\1418هـ.

(19/273)


ج: الربا من أقبح المحرمات، الله جل وعلا يقول : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (2) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (3) فالربا من أقبح السيئات، ومن أقبح الكبائر. فإذا كان دخل عليك شيء من الربا وأنت تعلم، فالواجب إخراجه، والتخلص منه للفقراء والمساكين، أو في بعض المشاريع الخيرية؛ كالحمامات وإصلاح الطرقات، وتسوير المقابر، وما أشبه ذلك مما يحتاجه الناس، ولا تأكل منه شيئا. أما إذا كنت جاهلا ثم علمت فلك ما سلف، قال تعالى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (4) فإذا كنت دخل عليك شيء من الربا وأنت جاهل ثم هداك الله فلك ما سلف .
__________
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 278
(3) سورة البقرة الآية 279
(4) سورة البقرة الآية 275

(19/274)