مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز

زيارة القبور ثلاثة أنواع
س : ما حكم الدين الإسلامي في زيارة القبور والتوسل بالأضرحة وأخذ خروف وأموال للتوسل بها كزيارة السيد البدوي والحسين والسيدة زينب ؟ أفيدونا أفادكم الله (1) .
ج : زيارة القبور نوعان :
أحدهما : مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (2) وكان يزورها صلى الله عليه وسلم ، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم ، وهذا النوع للرجال خاصة لا للنساء ، أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور ، بل يجب نهيهن عن ذلك ؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء ، ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها
__________
(1) سبق نشره في (الجزء الرابع)، ص 344 من هذا المجموع .
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له

(13/285)


فتنة لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن . وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لما ثبت في الصحيح عن أم عطية رضي الله عنها قالت : « نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا » (1) فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن ، وقلة الصبر .
والأصل في النهي التحريم ؛ لقول الله سبحانه : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (2) أما الصلاة على الميت فمشروع للرجال والنساء ، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك. أما قول أم عطية رضي الله عنها : لم يعزم علينا فهذا لا يدل على جواز اتباع الجنائز للنساء ؛ لأن صدور النهي عنه صلى الله عليه وسلم كاف في المنع ، وأما قولها : لم يعزم علينا فهو مبني على اجتهادها وظنها ، واجتهادها لا يعارض بها السنة .
النوع الثاني : بدعي ، وهو زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم ، وهذا منكر وشرك أكبر- نسأل الله العافية- ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (مسند القبائل) برقم (26758) ، والبخاري في (الجنائز) برقم (1278) ، ومسلم في (الجنائز) برقم (938) .
(2) سورة الحشر الآية 7

(13/286)


عندها والصلاة عندها والقراءة عندها ، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك ، فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع :
النوع الأول : مشروع ، وهو أن يزوروها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة .
النوع الثاني : أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة ومن وسائل الشرك .
النوع الثالث : أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك ، أو لدعاء الميت من دون الله ، أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر ، فهذا شرك أكبر - نسأل الله العافية - فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة . ولا فرق بين كون المدعو نبيا أو صالحا أو غيرهما . ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه والاستغاثة به ، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم . والله المستعان .

(13/287)


حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور (1) .
__________
(1) سبق نشرها في (الجزء الثالث) من هذا المجموع ص 317 .

(13/287)


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ، أما بعد : فقد سئلت عن حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور فأجبت بما يلي :
إذا كانت الزيارة لسؤال الموتى والتقرب إليهم بالذبائح والنذر لهم والاستغاثة بهم ودعوتهم من دون الله فهذا شرك أكبر ، وهكذا ما يفعلونه مع من يسمونهم بالأولياء ، سواء كانوا أحياء أو أمواتا ، حيث يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم أو يجيبون دعوتهم أو يشفون مرضاهم ، كل هذا شرك أكبر والعياذ بالله. وهذا كعمل المشركين مع اللات والعزى ومناة ، ومع أصنامهم وآلهتهم الأخرى.
والواجب على ولاة الأمر والعلماء في بلاد المسلمين أن ينكروا هذا العمل ، وأن يعلموا الناس ما يجب عليهم من شرع الله ، وأن يمنعوا هذا الشرك ، وأن يحولوا بين العامة وبينه ، وأن

(13/288)


يهدموا القباب التي على القبور ويزيلوها ؛ لأنها فتنة ، ولأنها من أسباب الشرك ، ولأنها محرمة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور ، وأن تجصص ، وأن يقعد عليها ، وأن يصلى إليها ، ولعن من اتخذ عليها المساجد ، فلا يجوز البناء عليها ، لا مساجد ولا غيرها ، بل يجب أن تكون بارزة ليس عليها بناء ، كما كانت قبور المسلمين في المدينة المنورة ، وفي كل بلد إسلامي لم يتأثر بالبدع والأهواء .
أما زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم فذلك سنة في حق الرجال من دون شد رحل ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (1) خرجه مسلم في صحيحه . وكان عليه الصلاة والسلام « يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين » (2) وخرج الترمذي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور برقم (974) .

(13/289)


ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر » (1) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : « لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى » (2) والله ولي التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
__________
(1) رواه الترمذي في (الجنائز) باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر برقم (1053) .
(2) رواه البخاري في (الجمعة) باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة برقم (1189) ، وفي (الحج) باب حج النساء برقم (1864) ، ومسلم في (الحج) باب سفر المرأة مع محرم برقم (827) واللفظ له .

(13/290)


لا يجوز التبرك بالأموات
س : مات عندنا في البلد رجل وجاء خبر وفاته في النهار ورأينا نساء مسنات من البلد يذهبن إلى بيته وهو مسجى بعد تكفينه وسط النساء وهن حوله فسألناهن لم تذهبن عنده قلن نتبارك به. فما حكم عملهن هذا ؟ وهل هو سنة ؟ (1)
ج : هذا العمل لا يجوز ، بل هو منكر ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم ، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك ؛ لأن العبادة حق الله وحده ، ومنه تطلب البركة ، وهو سبحانه الموصوف بالتبارك ، كما قال عز وجل في سورة الفرقان : { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } (2) وقال سبحانه : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } (3) ومعنى ذلك أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة ، أما العبد فهو مبارك - بفتح
__________
(1) سبق نشرها في (الجزء الرابع) ص 330 ، وفي (مجلة البحوث الإسلامية) العدد (28) ص 123.
(2) سورة الفرقان الآية 1
(3) سورة الملك الآية 1

(13/291)


الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد ، كما قال عز وجل عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } (1) { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } (2) والله ولي التوفيق .
__________
(1) سورة مريم الآية 30
(2) سورة مريم الآية 31

(13/292)


الزيارة الشرعية للقبور
س : سائل يسأل عن أولئك الذين يزورون القباب وقبور بعض الصالحين ما هو توجيهكم ؟ (1) .
ج : يجب أن يعلموا الزيارة الشرعية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم « كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (2) وفي حديث آخر قال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع
__________
(1) من برنامج (نور على الدرب).
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .

(13/292)


الغرقد » (1) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام : « يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر » (2) وبهذه الأحاديث وما جاء في معناها والأحاديث تعلم الزيارة الشرعية والمقصود منها أن يدعى للموتى ، ويتذكر الزائر الموت والآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (3) .
أما وضع القباب على القبور والمساجد فلا يجوز ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (4) ولقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه : « لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته » (5) وصح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث جابر
__________
(1) رواه مسلم في ( الجنائز ) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم ( 974) .
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (974) والترمذي في (الجنائز) باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر برقم ( 1053) .
(3) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(4) رواه البخاري في (الجنائز) باب ما يكره من اتخاذ القبور مساجد برقم (1390) ، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور برقم (529) .
(5) رواه مسلم في (الجنائز) باب الأمر بتسوية القبر برقم (969) .

(13/293)


رضي الله عنه أنه « نهى عليه الصلاة والسلام عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها » (1) . أخرجه مسلم في صحيحه .
فالقبور لا يجوز البناء عليها ولا يتخذ عليها مساجد ولا قباب ولا يجوز تجصيصها ولا القعود عليها كل هذا ممنوع ولا يجوز أن تكسى بالستور وإنما يرفع القبر قدر شبر ليعرف أنه قبر حتى لا يمتهن ولا يوطأ. فالواجب على كل من لديه علم أن يبلغ إخوانه ويعلمهم. وهذا هو واجب العلماء عليهم أن يعلموا الناس ما شرعه الله والمؤمن يتعلم من العلماء ويعلم من يأتي القبور يقول لهم : إن الزيارة الشرعية كذا وكذا وإن البناء على القبور أو سؤال الميت أو التبرك بتراب القبر أو تقبيل القبر أو الصلاة عنده كل هذا من البدع فلا يصلى عند القبور ولا تتخذ محلا للدعاء أو القراءة عندها وكل هذا من البدع ، أما طلب البركة منها أو الشفاعة منها أو الشفاء للمرضى فهذا من أنواع الشرك الأكبر ، فإذا قال : يا سيدي فلان اشفع لي إلى الله ، أو يقول للميت : انصرني أو اشف مريضي ونحو ذلك هذا لا يجوز ؛ لأن الميت انقطع عمله بعد موته إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له. أما أن
__________
(1) رواه مسلم في (الجنائز) باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه برقم ( 970 )

(13/294)


يطلب منه شفاء المرضى أو النصر على الأعداء أو الشفاعة إلى ربه بكذا فهذا من الشرك الأكبر ولا يجوز طلبه من الموتى وإنما يطلب ذلك من الله تعالى فيقول : اللهم اشفني ، اللهم أعطني كذا ، اللهم شفع في أنبياءك ، اللهم شفع في نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم ، اللهم شفع في الملائكة والمؤمنين فهذا لا بأس به ؛ لأنه طلب من الله جل وعلا .
والخلاصة أن المسلمين ينصح بعضهم بعضا ويعلم بعضهم بعضا في أمر الشرع ، والعلماء عليهم في ذلك التوجيه للعامة إلى شرع الله جل وعلا ، ومن ذلك أن يعلموا الزيارة الشرعية للقبور التي جاءت في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تقدم بيانها ، ويعلموا أنه لا يجوز البناء على القبور ولا وضع القباب ولا المساجد عليها ، وأنها لا تجصص ولا يقعد عليها ولا تتخذ محلا للدعاء عندها أو الصلاة عندها أو القراءة عندها ، كل هذه الأمور من البدع ومن وسائل الشرك الأكبر . والله ولي التوفيق .

(13/295)


حديث : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة لا أصل له
س : زيارة القبور أمثال الإمام علي رضي الله عنه والحسين والعباس وغيرهم . وهل الزيارة إليهم تعدل سبعين حجة إلى بيت الله الحرام ؟ وهل قال الرسول صلى الله عليه وسلم : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة ؟ نرجوا أن تفيدونا جزاكم الله خيرا (1) .
ج : زيارة القبور سنة ، وفيها عظة وذكرى ، وإذا كانت القبور من قبور المسلمين دعا لهم . وكان النبي عليه الصلاة والسلام يزور القبور ويدعو للموتى ، وكذا أصحابه رضي الله عنهم . ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام : « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (2) « وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (3)
__________
(1) من برنامج (نور على الدرب) شريط رقم (8) ، وسبق نشره في (الجزء التاسع ) ص 283 من هذا المجموع .
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(3) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .

(13/296)


وفي حديث عائشة : « يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين » (1) وفي حديث ابن عباس : « يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن في الأثر » (2) فالدعاء لهم بهذا وأشباهه كله طيب ، وفي الزيارة ذكرى وعظة ؛ ليستعد المؤمن لما نزل بهم وهو الموت ، فإنه سوف ينزل به ما نزل بهم ، فليعد العدة ويجتهد في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويبتعد عما حرم الله ورسوله من سائر المعاصي ، ويلزم التوبة عما سلف من التقصير ، هكذا يستفيد المؤمن من الزيارة. أما ما ذكرت من زيارة القبور لعلي رضي الله عنه والحسن والحسين أو غيرهم أنها تعدل سبعين حجة - فهذا باطل ومكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليس له أصل ، وليست الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم- الذي هو أفضل الجميع- تعدل حجة. الزيارة لها حالها وفضلها ، لكن لا تعدل حجة ، فكيف بزيارة غيره عليه الصلاة والسلام ؟ هذا من الكذب ، وهكذا قولهم : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة كل هذا لا أصل له ، وكله باطل ، وكله مما كذبه الكذابون. فيجب على المؤمن الحذر من هذه الأشياء الموضوعة المكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم .
__________
(1) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور برقم ( 974) .
(2) رواه الترمذي في (الجنائز) باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر برقم (1053) .

(13/297)


وإنما تسن الزيارة للقبور ، سواء كانت قبور أهل البيت أو غيرهم من المسلمين ، يزورهم ويدعو لهم ويترحم عليهم وينصرف .
أما إن كانت القبور للكفار فإن زيارتها للعظة والذكرى من دون أن يدعو لهم ، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ، ونهاه ربه سبحانه أن يستغفر لها ، زارها للعظة والذكرى ولم يستغفر لها. وهكذا القبور الأخرى - قبور الكفرة - إذا زارها المؤمن للعظة والذكرى فلا بأس ، ولكن لا يسلم عليهم ولا يستغفر لهم ؛ لأنهم ليسوا أهلا لذلك .

(13/298)


حكم زيارة قبر سيدنا الحسين رضي الله عنه وموضعه
س : يقول السائل : كثر كلام الناس واختلف حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه ، وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد ؟ (1)
ج : بالواقع قد اختلف الناس في ذلك ، فقيل : إنه دفن في الشام ، وقيل : في العراق ، والله أعلم بالواقع. أما رأسه
__________
(1) سبق نشرها في ( الجزء السادس ) من هذا المجموع ص366 .

(13/298)


فاختلف فيه ؛ فقيل : في الشام ، وقيل في العراق ، وقيل: في مصر . والصواب أن الذي في مصر ليس قبرا له ، بل هو غلط وليس به رأس الحسين ، وقد ألف في ذلك بعض أهل العلم ، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر ولا وجه لذلك ، وإنما الأغلب أنه في الشام ؛ لأنه نقل إلى يزيد بن معاوية وهو في الشام ، فلا وجه للقول بأنه نقل إلى مصر ، فهو إما حفظ في الشام في مخازن الشام ، وإما أعيد إلى جسده في العراق . وبكل حال فليس للناس حاجة في أن يعرفوا أين دفن وأين كان ، وإنما المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة ، غفر الله له ورضي عنه ، فقد قتل مظلوما فيدعى له بالمغفرة والرحمة ، ويرجى له خير كثير ، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة (1) ، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عنهما وأرضاهما ، ومن عرف قبره وسلم عليه ودعا له فلا بأس ، كما تزار القبور الأخرى ، من غير غلو فيه ولا عبادة له ، ولا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها ، كسائر الأموات ؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور
__________
(1) رواه الإمام أحمد في مسند (أبي سعيد الخدري) برقم (10616)، و(11200)، والترمذي في المناقب باب مناقب الحسن والحسين برقم (3768)

(13/299)


فإنها تذكركم الآخرة » (1) .
فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين- فهذا سنة ، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة - فهذا من المنكرات ، بل من الشرك الأكبر ، ولا يجوز أن يبنى عليها مسجد ولا قبة ولا غير ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (2) متفق على صحته ، ولما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه « نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها » (3) فلا يجوز أن يجصص القبر أو يطيب أو توضع عليه الستور أو يبنى عليه ، فكل هذا ممنوع ومن وسائل الشرك ، ولا يصلى عنده ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام : « ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » (4) خرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد ؛
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(2) صحيح البخاري الصلاة (425),صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (529),سنن النسائي المساجد (703),مسند أحمد بن حنبل (6/146),سنن الدارمي الصلاة (1403).
(3) صحيح مسلم الجنائز (970),سنن الترمذي الجنائز (1052),سنن النسائي الجنائز (2028),سنن أبو داود الجنائز (3225),مسند أحمد بن حنبل (3/339).
(4) رواه مسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب النهي عن بناء المساجد على القبور برقم (532) .

(13/300)


ولأن ذلك وسيلة للشرك وأن يعبدوا من دون الله بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والتمسح بقبورهم طلبا لبركتهم ؛ فلهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك ، وإنما تزار القبور زيارة شرعية فقط ، للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم من دون شد رحل لذلك . والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

(13/301)


الدعاء عند القبور غير مشروع (1) .
__________
(1) صدرت من مكتب سماحته حينما كان رئيسا للجامعة الإسلامية برقم ( 3456 \ 1 \ 1 ) ، وتاريخ 25 \ 2 \ 1394 هـ

(13/301)


من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. ع. وفقه الله ، آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بعده :
كتابكم الكريم المؤرخ في 3 \ 3 \ 1974 م وصل وصلكم الله بهداه ، وما تضمنه كان معلوما ، ونبارك لكم في الزواج ، جعله الله زواجا مباركا ، وقد ذكرتم في كتابكم أن ندعو لكم عند قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ونفيدكم أن الدعاء عند القبور غير مشروع ، سواء كان القبر قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، وليست محلا للإجابة ، وإنما المشروع زيارتها والسلام على الموتى والدعاء لهم وذكر الآخرة والموت. أحببنا تنبيهك على هذا حتى تكون على بصيرة .
وفي إمكانك أن تراجع أحاديث الزيارة في آخر كتاب الجنائز من بلوغ المرام حتى تعلم ذلك ، وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة والعمل بما يرضي الله سبحانه ويقرب لدينه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

(13/302)


عدم جواز الطلب إلى الميت
س: يقول بعض الناس إن الطلب إلى الميت في القبر جائز ، بدليل إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور فهل هذا الحديث صحيح أم لا ؟ (1) .
ج : هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ، حيث قال رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء الأول صفحة (356) بعد ما ذكره - ما نصه: " هذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه ، لم يروه أحد من العلماء بذلك ، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة " انتهى كلامه رحمه الله .
وهذا المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مضاد لما جاء به الكتاب والسنة من وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الإشراك به. ولا ريب أن دعاء الأموات والاستغاثة
__________
(1) سبق نشرها في ( الجزء الرابع ) من هذا المجموع ص327 وفي ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد ( 28 ) ص119 .

(13/303)


بهم والفزع إليهم في النائبات والكروب من أعظم الشرك بالله عز وجل كما أن دعاءهم في الرخاء شرك بالله سبحانه.
وقد كان المشركون الأولون إذا اشتدت بهم الكروب أخلصوا لله العبادة ، وإذا زالت الشدائد أشركوا بالله ، كما قال الله عز وجل: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } (1)
والآيات في هذا المعنى كثيرة . أما المشركون المتأخرون فشركهم دائم في الرخاء والشدة ، بل يزداد شركهم في الشدة والعياذ بالله ، وذلك يبين أن كفرهم أعظم وأشد من كفر الأولين من هذه الناحية ، وقد قال الله عز وجل: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } (2) وقال سبحانه: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } (3) وقال عز وجل: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } (4) { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } (5) وقال سبحانه: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } (6) { إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } (7)
__________
(1) سورة العنكبوت الآية 65
(2) سورة البينة الآية 5
(3) سورة غافر الآية 14
(4) سورة الزمر الآية 2
(5) سورة الزمر الآية 3
(6) سورة فاطر الآية 13
(7) سورة فاطر الآية 14

(13/304)


وهاتان الآيتان تعم جميع من يعبد من دون الله من الأنبياء والصالحين وغيرهم ، وقد أوضح سبحانه أن دعاء المشركين لهم شرك به سبحانه ، كما بين أن ذلك كفر به سبحانه في قوله تعالى: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } (1)
والآيات الدالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتوجيه الدعاء إليه دون كل ما سواه ، وعلى تحريم عبادة غيره سبحانه من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار ونحو ذلك كثيرة جدا ، يعلمها من تدبر كتاب الله وقصد الاهتداء به .
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
__________
(1) سورة المؤمنون الآية 117

(13/305)


حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها
س : ما حكم التقرب بذبح الذبائح في أضرحة الأولياء الصالحين وقول: "بحق وليك الصالح فلان اشفنا أو أبعد عنا الكرب الفلاني؟ (1)
__________
(1) سبق نشرها في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص324 .

(13/305)


ج : من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات- شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين ، قال الله عز وجل: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (1) { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (2) والنسك هو: الذبح ، بين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله ، قال تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } (3) { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (4) أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له ، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } (5) وقال سبحانه وتعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } (6) والآيات في هذا المعنى كثيرة .
والذبح من العبادة ، فيجب إخلاصه لله وحده. وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لعن الله من ذبح لغير الله » (7) .
__________
(1) سورة الأنعام الآية 162
(2) سورة الأنعام الآية 163
(3) سورة الكوثر الآية 1
(4) سورة الكوثر الآية 2
(5) سورة الإسراء الآية 23
(6) سورة البينة الآية 5
(7) رواه مسلم في (الأضاحي) باب تحريم الذبح لغير الله برقم (1978) .

(13/306)


وأما قول القائل : أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي- فهذا ليس من الشرك ، ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك ؛ لأن الدعاء عبادة وكيفيته من الأمور التوقيفية ، ولم يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق ، فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه ؛ لقوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ } (1) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » (2) متفق على صحته ، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » (3) ومعنى قوله : فهو رد أي مردود على صاحبه لا يقبل. فالواجب على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع .
أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته
__________
(1) سورة الشورى الآية 21
(2) رواه البخاري في (الصلح) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم (2697) ، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .
(3) رواه البخاري معلقا في (البيوع) باب النجش (4 \ 355 - فتح ) ، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .

(13/307)


وبتوحيده وبالأعمال الصالحات ، ومنها الإيمان بالله ورسوله ، ومحبة الله ورسوله ، ونحو ذلك من أعمال البر والخير. والأدلة على ذلك كثيرة ، منها: قوله سبحانه: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } (1) ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم « سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال صلى الله عليه وسلم لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب » (2) أخرجه أهل السنن الأربع وصححه ابن حبان .
ومنها: « حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بأعمالهم الصالحة ، فإن الأول منهم توسل إلى الله سبحانه ببره بوالديه ، والثاني توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته عليه ، والثالث توسل إلى الله سبحانه بكونه نمى أجرة الأجير ثم سلمها له ، ففرج الله كربتهم وقبل دعاءهم وأزال عنهم الصخرة التي سدت عليهم باب الغار » (3) ، والحديث متفق على صحته . والله ولي التوفيق .
__________
(1) سورة الأعراف الآية 180
(2) رواه الترمذي في (الدعوات) باب ما جاء في جامع الدعوات برقم (3475) ، وابن ماجه في الدعاء باب اسم الله الأعظم برقم (3857) واللفظ له .
(3) صحيح البخاري الإجارة (2152),سنن أبو داود البيوع (3387),مسند أحمد بن حنبل (2/116).

(13/308)


فائدة فيما يتعلق بزيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها (1)
.
__________
(1) من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .

(13/308)


لا شك أن موضوع زيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها موضوع مهم ، والناس في حاجة دائمة لبيان ما شرع الله في ذلك وما نهى الله عنه حتى يكون الناس على بصيرة ، فإن القبور قد ابتلي الناس فيها منذ قديم الزمان ، من عهد نوح صلى الله عليه وسلم ؛ فقد وقعت الفتنة بالموتى والغلو فيهم في زمن أول رسول أرسله الله عز وجل إلى أهل الأرض ، بعدما وقع فيهم الشرك- وهو نوح عليه السلام- ثم لم يزل الناس يقع منهم ما يقع من الفتن في القبور والغلو فيها والشرك بأهلها إلى يومنا هذا.
فإن الناس كانوا قبل زمن نوح عليه الصلاة والسلام على الإسلام ، من عهد آدم عليه السلام إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام عشرة قرون ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، ثم إن الناس وقعوا في الشرك بعد ذلك بسبب الغلو في خمسة من الصالحين ماتوا في زمن متقارب يقال لهم: ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ؛ فعظم عليهم ذلك واشتدت

(13/309)


بهم المصيبة بموت هؤلاء الأخيار منهم ، فجاءهم الشيطان وزين لهم أن يصوروا صورهم ، وأن ينصبوها في مجالسهم ، وقال لهم: هذا تذكار تذكرونهم به في عبادتهم وأحوالهم الطيبة حتى لا تنسوهم ، وتجتهدوا في العبادة كما اجتهدوا ، فأتاهم من باب النصح ، وقال بالتذكير بطاعة الله عز وجل ، والخبيث له مقاصد أخرى فيما بعد ، فيهم أو فيمن بعدهم في آخر زمانهم وعند طول الأمد ، فإنه اعتقد أن هؤلاء إذا طال بهم الأمد سوف تتغير حالهم ، وسوف يتغير اعتقادهم بهذه الصور ، أو من يأتي بعدهم من ذرياتهم. فوقع كما اعتقد الخبيث ، وكما ظن إذا طال الأمد: عبدوهم من دون الله ، أو عبدهم ذرياتهم من دون الله ، كما ذكر العلماء ذلك رحمة الله عليهم ، وأنزل الله فيهم قوله جل وعلا: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (1) { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } (2) بين الله سبحانه أنهم أضلوا كثيرا بسبب الشيطان وتزيينه لهم صور هؤلاء الخمسة الصالحين حتى عبدوهم من دون الله فاستغيث بهم وعظمت قبورهم ، وبني عليها ، إلى غير ذلك ، حتى بعث الله نبيه خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام فبين للناس ما فعله من قبلهم وما فعله اليهود والنصارى مع الأنبياء في هذا
__________
(1) سورة نوح الآية 23
(2) سورة نوح الآية 24

(13/310)


الصدد ، فقال: « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (1) وأخبرهم عما تفعله النصارى في شأن موتاها ، كما في الحديث الذي روته أم حبيبة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة الكنيسة التي رأتاها في أرض الحبشة ، فقال فيها عليه الصلاة والسلام: « أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله » (2) . فبين أن النصارى من عادتهم البناء على قبور صالحيهم ، ووضع الصور على تلك القبور ، ثم أخبر أنهم شرار الخلق عند الله بسبب ذلك .
وشرعت الزيارة للقبور لا للطواف بها والتبرك بها ؛ وإنما شرعت لتذكر الناس الآخرة ، ولقاء الله ، والزهد في الدنيا ، وأن الموت لا بد منه ، وأنه سوف يأتي عليه كما أتى على من قبله من الأموات.
وفي الزيارة إحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين.
ولقد « استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ربه في زيارة قبر أمه فأذن له » (3) ؛ لما في زيارتها
__________
(1) رواه البخاري في (الجنائز) باب ما يكره من اتخاذ القبور مساجد برقم (1390)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور برقم (529) .
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23731)، والبخاري في (الجنائز) برقم (1341)، ومسلم في ( المساجد ومواضع الصلاة ) برقم (528)
(3) سنن الترمذي الجنائز (1054).

(13/311)


من الاعتبار والذكرى للموت والآخرة. ولما استأذن في أن يستغفر لها لم يؤذن له ؛ لأنها ماتت على الجاهلية دين قومها ؛ فدل ذلك على أن القبور إذا كانت قبور كفار أو من قبور أهل الجاهلية فإنه لا يدعى لهم ، ولا يستغفر لهم ، ولا يسلم عليهم ، وإنما تزار للذكرى والاعتبار ، ولكن لا يسلم عليهم ولا يدعى لهم ؛ لأنهم ماتوا على غير دين الإسلام ، وقد قال سبحانه وتعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } (1)
فالسنة أن يقول الزائر إذا زار مقابر المسلمين: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (2) وفي لفظ آخر: « يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين » (3) .
وكان إذا زار القبور صلى الله عليه وسلم يدعو لهم ويستغفر لهم ، ولما زار البقيع قال: « اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد » (4) وإذا زار الشهداء دعا لهم ، وهذه هي السنة في زيارة القبور.
وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الأمر ، لما
__________
(1) سورة التوبة الآية 113
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .
(3) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور برقم (974) .
(4) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (974)

(13/312)


كان الناس حديثي عهد بالجاهلية والكفر ، وقد كانوا اعتادوا الغلو في الموتى ودعاءهم والاستغاثة بهم ، فمنعهم صلى الله عليه وسلم عن الزيارة ؛ لئلا يبقى في قلوبهم تعلق بالشرك بالله عز وجل ، ولئلا تقع منهم أشياء لا ترضي الله ؛ لأنهم حدثاء عهد بعبادة القبور وتعظيمها.
ولما استقر التوحيد في قلوب المسلمين ، وعرفوا معنى الشهادتين ، وعرفوا شريعة الله ، أذن لهم بزيارة القبور بعد ذلك ؛ لما فيها من المصلحة والتذكر للآخرة ، ولقاء الله عز وجل ، والزهد في الدنيا ، والاستعداد للموت ، وأن ما أصاب هؤلاء الموتى سيصيبك ، مع ما فيها من الإحسان إلى الموتى بالدعاء والاستغفار لهم.
وقد كانت القبور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ترفع عن الأرض قدر شبر ، وليس هناك بناء عليها ولا تجصيص ولا قباب ، هكذا كان الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه والقرون المفضلة ، ثم غير الناس بعد ذلك ، وبنوا على القبور وجصصوها وفرشوها تقليدا لليهود والنصارى إلا من رحم الله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن » (1)
__________
(1) رواه البخاري في (أحاديث الأنبياء) باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (3456) ، ومسلم في (العلم) باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (2669) ، وهو بهذا اللفظ في تفسير ابن كثير ج4 ص490 .

(13/313)


متفق على صحته. والمعنى فمن المعني إلا أولئك؟ فلهذا وقع ما وقع ، قلدوا اليهود والنصارى بالبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب وفرشها حتى حدث الغلو فيها ، وحتى عبدها الناس من دون الله وطافوا بها وطلبوا منها المدد من دون الله فوقع الشرك من الأكثرين. وكثير من العامة الذين لا بصيرة لهم يدعونها ويطلبون منها المدد والغوث وشفاء المرضى والنصر على الأعداء ، وهذا هو الشرك بالله جل وعلا.
قال تعالى في سورة فاطر: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } (1) { إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } (2) وهو ما وقع في الناس اليوم ، فكثير منهم ممن يعرفون بالشيعة وغيرهم يدعون الحسين بن علي ، ويدعون الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا من مكان بعيد ، ويدعون عليا رضي الله عنه ، وكل هذا من الجهل العظيم ، فيقولون: الغوث الغوث ، المدد المدد ، النصر على الأعداء ، وأنت تعرف ما جرى في الأمة وما جرى فينا ، فأسعفونا وأغيثونا وانصرونا ، إلى غير ذلك ، ينسون الله ويدعون هؤلاء
__________
(1) سورة فاطر الآية 13
(2) سورة فاطر الآية 14

(13/314)


الأموات ، وإذا اشتدت الأمواج في البحار كذلك يسألون الموتى ويصرخون بهم لإنقاذهم من الغرق . والمشركون الأولون أقل شركا من هؤلاء ، كان الأولون إذا نزلت بهم الشدة استغاثوا بالله وحده وأفردوا له العبادة ، كما قال سبحانه : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } (1)
هذه حال الأولين من المشركين ، كأبي جهل وأشباهه ، أما هؤلاء المتأخرون - عباد القبور عباد الأموات - فشركهم دائم في الرخاء والشدة جميعا .
ومما وقع في الناس أيضا الإيقاد عند الموتى في المقابر ، وهذا لا أصل له ، وما جاء فيه من الأخبار فهو موضوع لا أساس له ، ولا أساس للقراءة على الموتى في المقابر ، كل هذا باطل ، كذلك القراءة عند دفن الميت . وبعضهم أحدث بدعة أخرى ، وهي بدعة الأذان والإقامة في القبر ، إذا حفروه نزلوا فأذنوا وأقاموا فيه ثم جعلوا الميت فيه بعد ذلك ، وهي بدعة جديدة لا أساس لها ، وكذلك التلقين ، تلقين الميت بعد إنزاله في القبر ودفنه بقولهم: يا فلان بن فلانة ، فإن لم تعرف أمه قالوا: يا فلان بن حواء ، اذكر ما كنت عليه في الدنيا ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، إلى آخره.
وهذا لا أصل
__________
(1) سورة العنكبوت الآية 65

(13/315)


له ، والأخبار فيه موضوعة لا أساس لها ، وإنما فعلها بعض أهل الشام بعد انقراض القرن الأول ، وليس في قول أحد أو فعله حجة فيما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما المشروع الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يدعى له بالتثبيت والمغفرة ، والسنة للمشيعين أن لا يعجلوا بالانصراف حتى يفرغ من دفن الميت ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها وحتى يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد » (1) يعني من الأجر ، فدل على أن المشيع يبقى مع الجنازة حتى يفرغ من دفنها ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: « استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » (2) هذه هي السنة ، ولم يكن يلقنه ، فالتلقين يكون قبل الموت ما دام حيا وظهرت عليه أمارات الموت ، فإنه يلقن بأن يقول: لا إله إلا الله ، أو يذكرون الله عنده حتى يقولها ويختم له بها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (10018) ، والبخاري في (الإيمان) برقم (47) .
(2) رواه أبو داود في (الجنائز) برقم (3221) .

(13/316)


« من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة » (1) ولقوله صلى الله عليه وسلم: « لقنوا موتاكم لا إله إلا الله » (2) رواه مسلم في صحيحه .
وإذا لم ينتبه فلا بأس لمن عنده من إخوانه أن يقول: يا فلان ، قل: لا إله إلا الله ، برفق وكلام طيب .
وكذلك لا يجلس الإنسان على القبر ، ولا يجوز الصلاة في المقبرة إلا صلاة الجنازة على القبر إذا لم يصل الإنسان على الميت ، فلا بأس أن يصلي على القبر ، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى على قبر مضى عليه شهر ؛ فدل ذلك على أنه لا بأس أن يصلى على القبر بعد مضي شهر على دفنه ، وإن مضى على الدفن أكثر من شهر فالواجب ترك ذلك ، إلا أن تكون الزيادة يسيرة كاليوم واليومين ؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما شرعه الله سبحانه أو رسوله عليه الصلاة والسلام . وهكذا لا تجوز « الكتابة على القبور ولا البناء عليها ولا تجصيصها ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك » (3) فيما رواه مسلم في صحيحه ، وغيره ؛ فعلى الجميع التعاون على البر والتقوى.
ونسأل الله عز وجل
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (21529) ، وأبو داود في (الجنائز) برقم (3116) .
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب تلقين الموتى لا إله إلا الله برقم (916) .
(3) صحيح مسلم الجنائز (970),سنن الترمذي الجنائز (1052),سنن النسائي الجنائز (2028),سنن أبو داود الجنائز (3225),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1563),مسند أحمد بن حنبل (3/339).

(13/317)


التوفيق والسداد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

(13/318)


حكم الإقامة عند القبر بالمدح والأذكار ثلاثة أيام
س: يوجد في بلدتنا رجل صالح متوفى قد بني له مقام على قبره وله عادة عندنا في كل عام ، نذهب مع الناس إليه رجالا ونساء ويقيمون عنده ثلاثة أيام بالمدح والتهاليل والأذكار ويستمر بالأوصاف المعروفة ، فنرجو التوجيه والإرشاد (1) .
ج: هذا العمل لا يجوز ، وهو من البدع التي أحدثها الناس ، فلا يجوز أن يقام على قبر أحد بناء ، سواء سمي مقاما أو قبة أو مسجدا أو غير ذلك. وكانت القبور في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة في البقيع وغيره مكشوفة ليس عليها بناء ، والنبي صلى الله عليه وسلم « نهى أن يبنى على القبر أو يجصص » (2) وقال: « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (3) متفق على صحته .
وقال جابر بن
__________
(1) سبق نشرها في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص285 .
(2) صحيح مسلم الجنائز (970),سنن الترمذي الجنائز (1052),سنن النسائي الجنائز (2027),سنن أبو داود الجنائز (3225),مسند أحمد بن حنبل (3/339).
(3) رواه البخاري في (الجنائز) باب ما يكره من اتخاذ القبور مساجد برقم (1390) ، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة ) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور برقم (529) .

(13/318)


عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه » (2) رواه الإمام مسلم في صحيحه . فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك ، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها. وهكذا زيارتها على الوجه الذي ذكره السائل من الجلوس عندها والتهاليل وأكل الطعام والتمسح بالقبر والدعاء عند القبر والصلاة عنده كل هذا منكر وكله بدعة لا يجوز ، إنما المشروع زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم ثم ينصرف.
والمشروع للزائر للقبور أن يقول: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين » (3) وما أشبه ذلك من الدعوات فقط. هذا هو المشروع الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم. وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبور المدينة فقال السلام عليكم
__________
(1) صحيح مسلم الجنائز (970),سنن الترمذي الجنائز (1052),سنن النسائي الجنائز (2027),سنن أبو داود الجنائز (3225),مسند أحمد بن حنبل (3/339).
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب النهي عن تجصيص القبر برقم (970) . (1)
(3) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .

(13/319)


يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر » (1) وأما الإقامة عند القبر للأكل والشرب أو التهاليل أو للصلاة أو قراءة القرآن فكل هذا منكر لا أصل له في الشرع المطهر .
وأما دعاء الميت والاستغاثة به وطلب المدد منه فكل ذلك من الشرك الأكبر ، وهو من عمل عباد الأوثان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنام الجاهلية وأوثانها. فيجب الحذر من ذلك وتحذير العامة منه وتبصيرهم في دينهم حتى يسلموا من هذا الشرك الوخيم ، وهذا هو واجب العلماء الذين من الله عليهم بالفقه في الدين ومعرفة ما بعث الله به المرسلين ، كما قال الله سبحانه: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (2) وقال سبحانه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (3) وقال عز وجل: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (4) وقال سبحانه: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (5)
__________
(1) رواه الترمذي في (الجنائز) باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر برقم ( 1053) .
(2) سورة النحل الآية 125
(3) سورة النحل الآية 36
(4) سورة فصلت الآية 33
(5) سورة يوسف الآية 108

(13/320)


والآيات في هذا المعنى كثيرة .
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: « إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله » (1) وفي رواية للبخاري رحمه الله: « فادعهم إلى أن يوحدوا الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب » (2) متفق على صحته . فأمره أن يبدأهم بالدعوة إلى التوحيد والسلامة من الشرك مع الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة .
فعلم بذلك أن الدعوة إلى إصلاح العقيدة وسلامتها مقدمة على بقية الأحكام ؛ لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأحكام ، كما قال الله عز وجل: { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (3)
__________
(1) رواه البخاري في(المغازي) باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن برقم (4347) ، ومسلم في (الإيمان) باب الدعاء إلى الشهادتين برقم (19) .
(2) رواه البخاري في (الزكاة) باب وجوب الزكاة برقم (1395) ، ومسلم في (الإيمان) برقم (18) .
(3) سورة الأنعام الآية 88

(13/321)


وقال سبحانه: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (1) والآيات في هذا المعنى كثيرة .
فالواجب على أهل العلم في كل مكان وزمان مضاعفة الجهود في ذلك حتى يبصروا العامة بحقيقة الإسلام ويبينوا لهم العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم. وفق الله علماء المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه ، إنه خير مسئول .
__________
(1) سورة الزمر الآية 65

(13/322)


من بدع زيارة القبور
س: إذا توفي واحد عندنا في السودان بعد أربعين يوما تقوم الأسرة بزيارة القبر النساء والأولاد يفتحون القبر ومعهم حبوب ذرة ينشرونها على الميت ويرمون فيما أعتقد حجارة على الميت ، وهل الحريم يزرن القبر؟ (1)
__________
(1) سبق نشرها في ( الجزء السادس ) ص372 من هذا المجموع .

(13/322)


ج: هذا بدعة لا أصل له في الشرع ، فرمي الحبوب والطيب والملابس كله منكر لا أصل له ، فالقبر لا يفتح إلا لحاجة كأن ينسى العمال أدواتهم كالمسحاة فيفتح لأجل ذلك ، أو يسقط لأحدهم شيء له أهمية فيفتح القبر لذلك ، أما أن يفتح للحبوب أو ملابسه أو نحو ذلك فلا يجوز ، وليس للنساء زيارة القبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم « لعن زائرات القبور » ، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وحسان بن ثابت رضي الله عنهم ، فلا يجوز لهن زيارتها ، لكنها مشروعة للرجال ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (1) رواه مسلم في صحيحه . والحكمة- والله أعلم- في نهي النساء عن ذلك هي أنهن فتنة وقليلات الصبر .
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له

(13/323)


حكم زيارة النساء للقبور
س: توفي والد خالتي ، وزارت قبره مرة ، وتريد أن تزوره مرة أخرى ، وسمعت حديثا معناه تحريم زيارة المرأة للقبور ، فهل هذا الحديث صحيح؟ وإذا كان

(13/323)


صحيحا فهل عليها إثم يستوجب الكفارة ؟ (1)
ج: الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز ؛ للحديث المذكور ، وقد « ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن زائرات القبور » (2) . فالواجب على النساء ترك زيارة القبور ، والتي زارت القبر جهلا منها فلا حرج عليها ، وعليها أن لا تعود ، فإن فعلت ؛ فعليها التوبة والاستغفار ، والتوبة تجب ما قبلها ، فالزيارة للرجال خاصة ، قال صلى الله عليه وسلم: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (3) وكانت الزيارة في أول الأمر ممنوعة على الرجال والنساء ؛ لأن المسلمين حدثاء عهد بعبادة الأموات والتعلق بالأموات ، فمنعوا من زيارة القبور ؛ سدا لذريعة الشر ، وحسما لمادة الشرك ، فلما استقر الإسلام وعرفوا الإسلام ، شرع الله لهم زيارة القبور ؛ لما فيها من العظة والذكرى ، من ذكر الموت والآخرة والدعاء للموتى والترحم عليهم ، ثم منع الله النساء من ذلك في أصح قولي العلماء ؛ لأنهن يفتن الرجال وربما فتن في أنفسهن ولقلة صبرهن وكثرة جزعهن ، فمن رحمة الله وإحسانه إليهن أن حرم عليهن زيارة القبور ، وفي ذلك أيضا إحسان للرجال ؛ لأن اجتماع الجميع عند القبور
__________
(1) سبق نشره في ( الجزء التاسع ) ص282 من هذا المجموع .
(2) سنن الترمذي الصلاة (320),سنن النسائي الجنائز (2043),سنن أبو داود الجنائز (3236),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1575),مسند أحمد بن حنبل (1/337).
(3) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له

(13/324)


قد يسبب فتنة ، فمن رحمة الله أن منعن من زيارة القبور .
أما الصلاة فلا بأس ، فتصلي النساء على الميت ، وإنما النهي عن زيارة القبور ، فليس للمرأة زيارة القبور في أصح قولي العلماء ؛ للأحاديث الدالة على منع ذلك ، وليس عليها كفارة وإنما عليها التوبة فقط .

(13/325)


س: ما حكم زيارة المرأة للقبور ؟ (1) .
ج: لا يجوز للنساء زيارة القبور ؛ « لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور » (2) ، ولأنهن فتنة ، وصبرهن قليل ، فمن رحمة الله وإحسانه أن حرم عليهن زيارة القبور ؛ حتى لا يفتن ولا يفتن. أصلح الله حال الجميع .
__________
(1) نشرت في ( كتاب الدعوة ) الجزء الثاني ص141 .
(2) سنن الترمذي الصلاة (320),سنن النسائي الجنائز (2043),سنن أبو داود الجنائز (3236),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1575),مسند أحمد بن حنبل (1/337).

(13/325)


س: هل تشرع زيارة القبور للنساء ؟ (1) .
ج: « ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لعن زائرات القبور » (2) من حديث ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم جميعا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة ؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم ، بل يدل على أنه من الكبائر ؛ لأن العلماء ذكروا أن المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من
__________
(1) سبق نشره في ( الجزء الخامس ) ص332 من هذا المجموع .
(2) سنن الترمذي الصلاة (320),سنن النسائي الجنائز (2043),سنن أبو داود الجنائز (3236),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1575),مسند أحمد بن حنبل (1/337).

(13/325)


الكبائر.
فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. والسبب في ذلك- والله أعلم- أنهن في الغالب قليلات الصبر ، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب. وهن فتنة ، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتتن بالرجال. والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن ، وذلك من رحمة الله بعباده.
وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » (1) متفق على صحته . فوجب بذلك سد الذرائع المفضية إلى الفتنة المذكورة. ومن ذلك ما جاءت به الشريعة المطهرة من تحريم تبرج النساء ، وخضوعهن بالقول للرجال ، وخلوة المرأة بالرجل غير المحرم ، وسفرها بلا محرم. وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الفتنة بهن. وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما- قول بلا دليل. والصواب أن المنع يعم الجميع ، يعم جميع القبور ، حتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى قبر صاحبيه رضي الله عنهما.
وهذا هو
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (21322) ، والبخاري في (النكاح) برقم (5096) ، ومسلم في (الذكر والدعاء والتوبة) برقم (2740 ، 2741) .

(13/326)


المعتمد من حيث الدليل. وأما الرجال فيستحب لهم زيارة القبور ، وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبر صاحبيه ، لكن بدون شد الرحل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (1) رواه مسلم في صحيحه .
وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز ، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى » (2) متفق على صحته .
وإذا زار المسلم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل. فلا يسافر لأجل الزيارة ، ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه ، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء .
أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى » (3) أما إذا شد الرحل إلى المسجد
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(2) روا ه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (23338) واللفظ له ، والبخاري في (الجمعة) برقم (1189) .
(3) صحيح البخاري الجمعة (1132),سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1410).

(13/327)


النبوي فإن الزيارة للقبر الشريف والقبور الأخرى تكون تبعا لذلك. فإذا وصل المسجد صلى فيه ما تيسر ، ثم زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وزار قبر صاحبيه ، وصلى وسلم عليه (عليه الصلاة والسلام) ودعا له ، ثم سلم على الصديق رضي الله عنه ودعا له ، ثم على الفاروق ودعا له ، هكذا السنة. وهكذا القبور الأخرى ، لو زار مثلا دمشق ، أو القاهرة ، أو الرياض ، أو أي بلد ، يستحب له زيارة القبور ؛ لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (1) وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين » (2) هذه هي السنة من دون شد الرحل ، ولكن لا يزورهم لدعائهم من دون الله ؛ لأن هذا شرك بالله عز وجل وعبادة لغيره ، وقد حرم الله ذلك على عباده في قوله سبحانه: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (3) وقال سبحانه: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } (4) { إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } (5)
__________
(1) صحيح مسلم الجنائز (976),سنن النسائي الجنائز (2034),سنن أبو داود الجنائز (3234),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1569),مسند أحمد بن حنبل (2/441).
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .
(3) سورة الجن الآية 18
(4) سورة فاطر الآية 13
(5) سورة فاطر الآية 14

(13/328)


فبين سبحانه أن دعاء العباد للموتى ونحوهم شرك به سبحانه وعبادة لغيره .
وهكذا قوله سبحانه : { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } (1) فسمى الدعاء لغير الله كفرا ؛ فوجب على المسلم أن يحذر هذا ، ووجب على العلماء أن يبينوا للناس هذه الأمور ، حتى يحذروا الشرك بالله. فكثير من العامة إذا مر بقبور من يعظمهم استغاث بهم وقال: المدد المدد ، يا فلان أغثني ، انصرني ، اشف مريضي ، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله ، وهذه الأمور تطلب من الله عز وجل ، لا من الموتى ولا من غيرهم من المخلوقين .
أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه ، إذا كان حاضرا يسمع كلامك ، أو من طريق الكتابة ، أو من طريق الهاتف وما أشبه ذلك من الأمور الحسية ، تطلب منه ما يقدر عليه . تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف ، تقول ساعدني على عمارة بيتي ، أو على إصلاح مزرعتي ؛ لأن بينك وبينه شيئا من المعرفة أو التعاون. وهذا لا بأس به ، كما
__________
(1) سورة المؤمنون الآية 117

(13/329)


قال الله عز وجل في قصة موسى: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } (1) أما أن تطلب من الميت ، أو الغائب ، أو الجماد كالأصنام ، شفاء مريض ، أو النصر على الأعداء ، أو نحو ذلك ، فهذا من الشرك الأكبر. وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى يعتبر شركا به سبحانه وتعالى ؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب ، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد ، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده ، يقول الله جل وعلا: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } (2) أو تعتقد أن له سرا يتصرف به في الكون ، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء ، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان.
فالزيارة الشرعية للموتى زيارة إحسان وترحم عليهم وذكر للآخرة والاستعداد لها ، فتذكر أنك ميت مثلما ماتوا ، فتستعد للآخرة وتدعو لإخوانك المسلمين الميتين وتترحم عليهم وتستغفر لهم. وهذه هي الحكمة في شرعية الزيارة للقبور. والله ولي التوفيق .
__________
(1) سورة القصص الآية 15
(2) سورة النمل الآية 65

(13/330)


الجواب عن حديث تعليم
النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة دعاء زيارة القبور
س: كيف يحمل حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة دعاء زيارة القبور؟ (1)
ج: كانت الزيارة أولا منهيا عنها للجميع ، ثم رخص فيها للجميع ثم خصت النساء بالمنع فعلى هذا يكون تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة آداب الزيارة كان ذلك في وقت شرعية الزيارة للجميع والله ولي التوفيق .
__________
(1) هذا السؤال وخمسة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/331)


الجواب عن حديث « اتقي الله واصبري » (1)
س : هل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « اتقي الله واصبري » (2) للمرأة التي رآها تبكي عند القبر دليل على جواز زيارة النساء للقبور؟
__________
(1) صحيح البخاري الجنائز (1194),صحيح مسلم الجنائز (926),سنن أبو داود الجنائز (3124),مسند أحمد بن حنبل (3/143).
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (12049) ، والبخاري في ( الجنائز ) برقم ( 1252 ) ، ومسلم في ( الجنائز ) برقم ( 926 ) .

(13/331)


ج: لعل هذا كان في وقت الإذن العام منه صلى الله عليه وسلم للرجال والنساء في الزيارة ؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها .

(13/332)


المرأة لا تسلم على الموتى
ولو مرت بسور المقبرة أو فوقها .
س: إذا مرت المرأة بسور المقبرة فهل تسلم على الأموات ؟
ج: الذي يظهر لي أنه لا ينبغي لها ذلك ؛ لأنه وسيلة إلى الزيارة ، وقد يعد زيارة فالواجب ترك ذلك ، وتدعو لهم من غير زيارة.
س: إذا وجد فوق المقبرة جسر وتوقفت السيارة وفيها امرأة هل يعد هذا من جنس الزيارة ، وهل تسلم المرأة على الأموات ؟ .
ج: هذا ليس من الزيارة وحتى لو مرت بالأرض ونظرت فهذا ليس بزيارة وترك السلام على الموتى بالنسبة للمرأة أولى ولو كانت مارة بالمقبرة .

(13/332)


حكم زيارة النساء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم
س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك ؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك ، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستثن قبره ولا قبر غيره ، بل نهاهن نهيا عاما ، ولعن من فعل ذلك منهن ، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق .

(13/333)


الأفضل لمن مر بجوار سور المقبرة أن يسلم
س: إذا مر المسلم بجوار سور المقبرة أو شاهد القبور فهل يسلم عليهم ؟ .
ج: الأفضل أن يسلم حتى ولو كان مارا ؛ ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل .

(13/333)


س: أنا أسكن في حي به مقبرة وأسلك كل يوم طريقا بجانبها بل أسلك هذا الطريق في اليوم أكثر من مرة. ماذا يجب علي في هذه الحالة ، هل أسلم على الموتى دائما أم ماذا أفعل؟ أرشدوني بارك الله فيكم . (1) .
ج: زيارة القبور الزيارة الشرعية سنة ؛ لما فيها من التذكير بالآخرة وبالموت ، ولما فيها من الدعاء للموتى- إذا كانوا مسلمين- بالمغفرة والرحمة والعافية من النار ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (2) وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: « السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (3) والأحاديث في الزيارة كثيرة ، ويشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها وتدعو لهم بالمغفرة والعافية ، وليس ذلك واجبا ، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم ، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج. وبالله التوفيق .
__________
(1) نشرت في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند (2 \ 45) .
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(3) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .

(13/334)


يكفي السلام على الموتى
في أول المقبرة مرة واحدة
س: هل يكفي السلام على الموتى في أول المقبرة مرة واحدة؟ (1)
ج: يكفي ذلك وتحصل به الزيارة ، وإن كانت القبور متباعدة فزارها من جميع جهاتها فلا بأس .
س: عند زيارة القبور هل يشرع للزائر أن يصل إلى القبر الذي يقصد زيارته ؟ .
ج: يكفي عند أول القبور ، وإن أحب أن يصل إلى قبر من يقصد زيارته ويسلم عليه فلا بأس .
__________
(1) هذا السؤال وعشرة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/335)


ما جاء في أن الميت يعرف من زاره
س: هل يعرف الميت من يزوره ؟ .
ج: جاء في بعض الأحاديث « إذا كان يعرفه في الدنيا

(13/335)


رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام » ولكن في إسناده نظر ، وقد صححه ابن عبد البر رحمه الله.

(13/336)


علم الموتى بأعمال الأحياء
س: هل الموتى يعلمون بأعمال أقاربهم من الأحياء ؟ .
ج: لا أعلم في الشرع ما يدل على ذلك .

(13/336)


حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر
س: ما حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر ؟ .
ج: لا أصل لذلك ، والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسر للزائر من ليل أو نهار ، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » (1) متفق على صحته ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » (2) أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها .
__________
(1) رواه البخاري في (الصلح) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم (2697) ، وأبو داود في (الأدب) باب في بر الوالدين برقم (5142) .
(2) رواه البخاري معلقا في (البيوع) باب النجش (4\ 355 - فتح ) ، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .

(13/336)


حكم تخصيص العيدين لزيارة القبور
س: هل تخصيص العيدين لزيارة القبور له أصل ؟ .
ج: لا أعلم لذلك أصلا وإنما السنة أن يزور القبور متى تيسر له ذلك.

(13/337)


حكم زيارة قبور الكفار
س: هل تجوز زيارة قبور الكفار ؟
ج : إذا كان ذلك للعبرة فلا بأس به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد زار قبر أمه واستأذن ربه أن يستغفر لها فلم يؤذن له ، وإنما أذن له بالزيارة .
س: ما صحة حديث: إذا مررتم بقبر كافر فبشروه بالنار ؟ .
ج: لا أعرف له طرقا صحيحة .

(13/337)


حكم رفع اليدين أثناء
الدعاء للميت عند قبره
س: هل يكون الدعاء عند قبر الميت برفع اليدين؟

(13/337)


ج: إن رفع يديه فلا بأس ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: « أنه صلى الله عليه وسلم زار القبور ورفع يديه ودعا لأهلها » (1) رواه مسلم .
س: هل يجوز رفع اليدين أثناء الدعاء للميت ؟ .
ج: جاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه لما زار القبور ودعا لأهلها وقد ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم « زار القبور ودعا لهم ورفع يديه » أخرجه مسلم في صحيحه .
__________
(1) رواه مسلم في (الجنائز) برقم (974) .

(13/338)


حكم استقبال القبر حال الدعاء للميت
س: هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت ؟ .
ج: لا ينهى عنه ؛ بل يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القبر بعد الدفن وقال: « استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » (1) ولم يقل استقبلوا القبلة فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر ، والصحابة رضي الله عنهم دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر .
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (10018) ، والبخاري في (الإيمان) برقم (47) .

(13/338)


لا بأس بالقيام أو الجلوس
عند القبر من أجل الدعاء للميت
س : أيحل لنا القيام أو الجلوس عند القبر من أجل الدعاء للميت ؟ (1) .
ج : الزيارة الشرعية للقبور أن يقصد إليها للعظة والاعتبار وتذكر الموت ، لا للتبرك بمن قبر فيها من الصالحين. فمن جاءها سلم على من فيها فقال : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (2) وإن شاء دعا للأموات بغير ذلك من الأدعية المأثورة .
ولا يدعو الأموات ولا يستغيث بهم في كشف ضر أو جلب نفع ، فإن الدعاء عبادة ؛ فيجب التوجه به إلى الله وحده. ولا بأس أن يقف عند القبر أو يجلس من أجل الدعاء للميت ، لا للتبرك أو الاستراحة ، فإن القبور ليست بموضع استراحة أو سكنى حتى يجلس فيها.
ويشرع الوقوف على القبر بعد الدفن للدعاء للميت بالثبات والمغفرة ؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من الدفن وقف عليه
__________
(1) نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 740 ) .
(2) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .

(13/339)


وقال: « استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » (1) .
__________
(1) رواه أبو داود في (الجنائز) برقم (3221) .

(13/340)


حكم الدعاء الجماعي عند القبور
س: الدعاء الجماعي عند القبور ما حكمه؟ (1) .
ج: ليس فيه مانع إذا دعا واحد وأمن السامعون فلا بأس إذا لم يكن ذلك مقصودا ، وإنما سمعوا بعضهم يدعو فأمن الباقون ولا يسمى مثل هذا جماعيا لكونه لم يقصد .
__________
(1) من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/340)


حكم قراءة الفاتحة للميت عند قبره
س: الأخ م. ع . ص. من الليث في المملكة العربية السعودية يقول في سؤاله: هل تجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن الكريم للميت عند زيارة قبره؟ وهل ينفعه ذلك؟ أفتونا جزاكم الله خيرا . (1) .
__________
(1) نشرت في ( المجلة العربية ) في شعبان 1413 هـ .

(13/340)


ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزور القبور ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ونقلوها عنه ، من ذلك: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية » (1) ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة من القرآن الكريم أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم فلو كان ذلك مشروعا لفعله وبينه لأصحابه رغبة في الثواب ورحمة بالأمة وأداء لواجب البلاغ ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (2) فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع وقد عرف ذلك أصحابه رضي الله عنهم فاقتفوا أثره واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم ولم يثبت عنهم أنهم قرأوا قرآنا للأموات فكانت القراءة لهم بدعة محدثة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » (3) والله الموفق .
__________
(1) رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (975) ، وابن ماجه في كتاب ( ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر برقم ( 1547) .
(2) سورة التوبة الآية 128
(3) رواه البخاري معلقا في (البيوع) باب النجش (4\ 355 - فتح ) ، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .

(13/341)


حكم قراءة الفاتحة على قبور الأولياء
س: ما حكم من يزور القبور ثم يقرأ الفاتحة وخاصة على قبور الأولياء كما يسمونهم في بعض البلاد العربية المجاورة ، بالرغم أن بعضهم يقول: لا أريد الشرك ، ولكن إذا لم أقم بزيارة هذا الولي فإنه يأتي إلي في المنام ويقول لي: لماذا لم تزرني؟ فما حكم ذلك؟ جزاكم الله خيرا (1) .
ج : يسن للرجال من المسلمين زيارة القبور كما شرعه الله سبحانه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » (2) خرجه الإمام مسلم في صحيحه . وروى مسلم في صحيحه أيضا عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: « كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية » (3) وصح عنه صلى الله عليه وسلم من
__________
(1) سبق نشره في ( الجزء الخامس ) ص345 من هذا المجموع .
(2) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له
(3) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) باقي مسند أبي هريرة برقم (9395) ، ومسلم في (الجنائز) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم (976) ، وابن ماجه في (ما جاء في الجنائز ) باب ما جاء في زيارة القبور برقم ( 1569) واللفظ له

(13/342)


حديث عائشة رضي الله عنها أنه « كان إذا زار القبور يقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد » (1) ولم يكن حال الزيارة عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة الفاتحة ولا غيرها من القرآن ، فقراءتها وقت الزيارة بدعة ، وهكذا قراءة غيرها من القرآن ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » (2) متفق على صحته ، وفي رواية مسلم رحمه الله يقول صلى الله عليه وسلم: « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » (3) .
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه « كان يقول في خطبته يوم الجمعة أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة » (4) وأخرجه النسائي وزاد: « وكل ضلالة في النار » (5) فالواجب على المسلمين التقيد بالشرع المطهر والحذر من البدع في زيارة القبور وغيرها .
__________
(1) رواه مسلم في ( الجنائز ) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم ( 974) .
(2) رواه البخاري في (الصلح) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم (2697) ، وأبو داود في (الأدب) باب في بر الوالدين برقم (5142) .
(3) رواه البخاري معلقا في (البيوع) باب النجش (4\ 355 - فتح ) ، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .
(4) صحيح مسلم الجمعة (867),سنن النسائي صلاة العيدين (1578),سنن ابن ماجه المقدمة (45),مسند أحمد بن حنبل (3/371),سنن الدارمي المقدمة (206).
(5) رواه مسلم في (الجمعة) برقم (867) .

(13/343)


والزيارة مشروعة لقبور المسلمين جميعا ، سواء سموا أولياء أم لم يسموا أولياء ، وكل مؤمن وكل مؤمنة من أولياء الله ، كما قال عز وجل : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } (1) { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } (2) وقال الله سبحانه: { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } (3) ولا يجوز للزائر ولا لغيره دعاء الأموات ، أو الاستغاثة بهم ، أو النذر لهم ، أو الذبح لهم عند قبورهم ، أو في أي مكان يتقرب بذلك إليهم ليشفعوا له ، أو يشفوا مريضه ، أو ينصروه على عدوه ، أو لغير ذلك من الحاجات ؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده ، كما قال سبحانه: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } (4) وقال عز وجل: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (5) وقال سبحانه: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (6) وقال عز وجل: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } (7) والمعنى: أمر ووصى ، وقال
__________
(1) سورة يونس الآية 62
(2) سورة يونس الآية 63
(3) سورة الأنفال الآية 34
(4) سورة البينة الآية 5
(5) سورة الذاريات الآية 56
(6) سورة الجن الآية 18
(7) سورة الإسراء الآية 23

(13/344)


عز وجل: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } (1) وقال عز وجل: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (2) { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (3) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » (4) متفق على صحته من حديث معاذ رضي الله عنه ، وهذا يشمل جميع العبادات من صلاة وصوم وركوع وسجود وحج ودعاء وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة ، كما أن الآيات السابقات تشمل ذلك كله. وفي صحيح مسلم عن علي رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لعن الله من ذبح لغير الله » (5) وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد » (6)
__________
(1) سورة غافر الآية 14
(2) سورة الأنعام الآية 162
(3) سورة الأنعام الآية 163
(4) رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (21553) ، والبخاري في (الجهاد والسير) برقم (2856) ، ومسلم في (الإيمان) برقم (30) .
(5) رواه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) برقم (857) ، ومسلم في (الأضاحي) برقم (1978)
(6) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3261),مسند أحمد بن حنبل (1/24).

(13/345)


« فقولوا عبد الله ورسوله » (1) . والأحاديث في الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن الإشراك به وعن وسائل ذلك كثيرة معلومة. أما النساء فليس لهن زيارة القبور ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور ، والحكمة في ذلك والله أعلم أن زيارتهن قد تحصل بها الفتنة لهن ولغيرهن من الرجال. وقد كانت الزيارة للقبور في أول الإسلام ممنوعة ؛ حسما لمادة الشرك ، فلما فشا الإسلام وانتشر التوحيد أذن صلى الله عليه وسلم في الزيارة للجميع ، ثم خص النساء بالمنع ؛ حسما لمادة الفتنة بهن .
أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار ، ولكن لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم ؛ لما ثبت في صحيح مسلم (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له » (3) ، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها .
وأسأل الله أن يوفق المسلمين رجالا ونساء للفقه في الدين ، والاستقامة عليه قولا وعملا وعقيدة ، وأن يعيذهم
__________
(1) رواه البخاري في (الحدود) برقم (6830) ، والدارمي في (الرقائق) باب (68)
(2) رواه مسلم في ( الجنائز ) برقم ( 976 ) وابن ماجة في ( الجنائز ) برقم ( 1572 ) .
(3) صحيح مسلم الجنائز (976),سنن النسائي الجنائز (2034),سنن أبو داود الجنائز (3234),سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1572),مسند أحمد بن حنبل (2/441).

(13/346)


جميعا من كل ما يخالف شرعه المطهر ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .

(13/347)


ما مدى صحة ما يذكر
من قصص عن أهوال القبور
س: تورد قصص عن أهوال القبور مثل قصة الرجل الذي أراد أن يدفن فخرج له ثعبان ثم وضع في قبر آخر فخرج له ثعبان كذلك؟ (1) .
ج: الله أعلم بذلك ، ولكن ليس ذلك ببعيد ، وابن رجب ذكر في كتابه (أهوال القبور) أشياء حول هذه القصص فالله أعلم بصحتها .
__________
(1) هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/347)


حكم الاستشهاد بقصص أهوال القبور
س: هل يستشهد بمثل هذه القصص في المواعظ؟
ج: تركه أولى ؛ لعدم العلم بصحتها ، ويكفي ما جاء في

(13/347)


الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، المهم حث الناس على الطاعة والتحذير من المعاصي ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة. أما الحكايات التي قد تثبت أو لا تثبت فتترك .

(13/348)


حكم اصطحاب بعض الغافلين لزيارة القبور
س: هناك بعض الشباب الصالحين يصطحبون معهم بعض الغافلين لزيارة القبور وتخويفهم من الله فما رأيكم في ذلك ؟
ج: ليس فيه مانع وذلك حسن ، وجزاهم الله خيرا ، وهو من التعاون على البر والتقوى.

(13/348)


من سمع ميتا يشكو
في قبره من حقوق عليه
س: ما الواجب على من سمع ميتا يشكو في قبره من حقوق عليه ، وهل يجب عليه أن يبلغ ورثته؟ ن. ع (1) .
__________
(1) نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1445 ) في 26\7\1415 هـ .

(13/348)


ج : بسم الله والحمد لله ، إن تأكد له ذلك فعليه أن يبلغهم ، أو إذا رآه في المنام وتأكد من ذلك ، فعليه أن يبلغ أهله بذلك ، وهذه من العبر التي يريها الله بعض عباده في الأرض ليعتبروا ، فإذا وجد ذلك فلينظر أهله إذا كانت عليه حقوق ثابتة فتؤدى ، وليتصدقوا عنه ويدعوا له.
وقد ذكر ابن رجب في كتابه في أهوال القبور ، شيئا من ذلك في تعذيبهم من هذا النمط ، وذكر من فتح قبره لبعض الأسباب فوجدوا صاحبه يلتهب نارا. نسأل الله السلامة .

(13/349)