سير أعلام النبلاء - الذهبي ج 1
سير أعلام النبلاء
الذهبي ج 1

(1/)


سير اعلام النبلاء

(1/1)


جميع الحقوق المحفوظة لمؤسسة الرسالة ولا يحق لاية جهة ان تطبع أو تعطي حق الطبع لاحد سواء كان مؤسسة رسمية أو افرادا الطبعة التاسعة 1413 ه 1993 م مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة

(1/2)


سير اعلام النبلاء تصنيف الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى 748 ه 1374 م الجزء الاول أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه * حقق هذا الجزء شعيب الارنؤوط * حسين الاسد مؤسسة الرسالة

(1/3)


بسم الله الرحمن الرحيم

(1/4)


تقديم الكتاب بقلم الدكتور بشار عواد معروف أستاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة بغداد

(1/5)


الذهبي وكتابه سير أعلام النبلاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الامي، وعلى آله وأصحابه الطيبين نجوم الهدى في كل حين، وبعد: فهذا مختصر نافع إن شاء الله في سيرة مؤرخ الاسلام الامام الثقة التقن الناقد البارع شمس الدين الذهبي، وفي كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " ومنزلته بين الكتب التي من بابته، جعلته في فصلين: الاول في سيرة الذهبي والثاني في كتابه " السير ".
تناول الفصل الاول البيئة الدمشقية التي نشأ بها الذهبي بكل ما كان فيها من نهضة علمية واسعة، وما اعتراها من صراعات عقائدية، وانتشار الجهل، والاعتقاد بالمغيبات بين العوام.
وحاولت أن أقدم صورة لبيئته العائلية المتدينة المعنية بالعلم التي ربته على حب العلم والعلماء منذ نعومة أظفاره مما هيأه لمستقبل علمي مرسوم، فرأيناه عند اكتمال شخصيته يعنى بطلب العلم من قراءات وحديث، ثم تتبعت رحلاته في طلب العلم، واستطعت أن أحددها بالبلاد الشامية والمصرية والحجازية، وبينت نتيجة تتبعي لنشاطه أن رحلته إلى البلاد المصرية كانت بين شهر رجب، وذي القعدة من سنة 695 ه،
فصححت بذلك آراء بعض المؤرخين في هذه المسألة.
وأوضحت طبيعة دراساته، وذكرت أنها كانت متنوعة لم تقتصر على جانب واحد، لكنها في الوقت نفسه لم تخرج عن دائرة العلوم الدينية عموما والعلوم المساعدة لها من تاريخ ونحو ولغة وأدب.

(1/7)


وتناول الفصل صلات الذهبي الشخصية بابن تيمية والمزي والبرزالي وأثرها في تبلور فكره السلفي المتمثل بميله إلى آراء الحنابلة ودفاعه عن مذهبهم في العقائد، وارتباطه الشديد بالحديث والمحدثين، ونظرته إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية، مما أثر في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا، فظهر في اهتمامه الكبير بالتراجم التي صارت تكون أسس كتبه، ومحور تفكيره التاريخي، وفي نظرته إلى الاحداث التاريخية وأسس انتقائها، ثم فيما وجه إلى كتاباته من نقد أثار نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤ وابعده.
أما نشاطه العلمي، فقد بينت أنه اتخذ وجهتين رئيستين: أولاهما كتاباته الكثيرة، وثانيتهما تدريسه الحديث في أمهات دور الحديث بدمشق بحيث استطعنا التعرف على خمس دور للحديث كان يتولى مشيختها في آن واحد قبيل وفاته.
وأبنت منزلة الذهبي العلمية استنادا إلى دراسة مسهبة لآثاره الكثيرة التي خلفها.
وقد أظهرت الدارسة أن منزلته العلمية وبراعته ظهرتا في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستي له محدثا ومؤرخا وناقدا.
وعلى الرغم من أنه عاش في بيئة غلب عليها الجمود والنقل والتلخيص، فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته.
وكان مفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي الشريف وعلومه، وقد ظهر ذلك في عنايته التامة بكتب التراجم التي قامت عليها شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا.
وقد جعلت منه معرفته الرجالية الواسعة ناقدا ماهرا، ظهر ذلك في مؤلفاته المعنية بالنقد وفي التفاتاته البارعة في أصول النقد، ورده لكثير من الروايات، وتخطئته لكبار النقاد، وقدرته الفائقة على البحث والاستدلال.

(1/8)


وختمت الفصل بتذكرة مختصرة في تآليفه واختصاراته وتخريجاته مرتبة حسب موضوعاتها، وأشرت إلى ما طبع منها وما هو مخطوط مع بيان مكان النسخة الخطية على سبيل الاختصار.
وقد تمكنت أن أعد له مئتين وخمسة عشر مؤلفا ومختصرا وتخريجا.
أما الفصل الثاني الذي خصصته لمنهج " السير " وأهميته، فقد بدأته بالكلام على عنوان الكتاب وتأليفه، وتمكنت فيه أن أحدد تاريخ تأليف الكتاب بسنة 732 ه خلافا لما هو شائع عند الناس.
ثم غرجت على نطاق الكتاب وعدد مجلداته وتوصلت إلى أن الذهبي لم يكتب المجلدين الاول والثاني منه إنما طالب النساخ باستلالهما من تاريخه الكبير " تاريخ الاسلام "، وأن المجلدين لم يفقدا كما نصت وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية، ثم أثبت بما لا يقبل الشك أن المجلد الثالث عشر الذي وصل إلينا ليس هو آخر الكتاب، كما ادعى الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد، وتابعه الناس عليه، بل إن هناك مجلدا آخر يتمم الكتاب هو المجلد الرابع عشر ومنه رجحت أن يكون الذهبي قد رتب كتابه على أربعين طبقة تقريبا وليس على خمس وثلاثين كما هو شائع.
وتناولت في هذا الفصل أيضا ترتيب الكتاب على الطبقات فرأيت أن
مستلزمات البحث تقتضي استعراضا لظهور هذا الترتيب في تاريخ الحركة التأليفية عند المسلمين، ومحاولة لتحديد هذا المفهوم التنظيمي عند الذهبي عن طريق دراسة مؤلفاته التراجمية المرتبة على الطبقات، ومنها كتابه " السير ".
وقد تمكنت فيما أعتقد من تفسير التناقض الظاهري الناتج عن اختلاف عدد الطبقات في مؤلفاته ضمن وحدة زمنية محددة معلومة، باختلاف نوعية المترجمين بين كتاب وآخر.
وأوضحت بعد ذلك أن فائدة

(1/9)


الترتيب على الطبقات إنما تظهر في العصور الاسلامية الاولى، لذلك صرنا لا نشعر بوجود " الطبقة " في كتاب " السير كلما مضى الزمن بالكتاب، وضربت لكل ذلك أمثلة من الكتاب تعزز هذه الآراء وتقويها.
وكان لا بدلي، وأنا أبحث في منهج الكتاب، أن أتناول طبيعة التراجم المذكورة فيه، والاسس التي استند عليها الذهبي في ذكر ترجمة وإسقاط أخرى، فأبنت أنه ذكر " الاعلام " وأسقط المشهورين والمغمورين، وحاول أن يوجد موازنة بين الاعلام في النوعية والازمان والامكنة، واجتهد أن يقدم ترجمة كاملة، ومختصرة في الوقت نفسه لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر عنده.
ولما كان الذهبي فنانا تراجميا متميز الاسلوب في صياغة الترجمة وأساليب عرضها، فقد حاولت استشفاف منهجه الذي انتهجه في " السير " في هذا المجال.
ثم تناولت بالدراسة منهجه النقدي، فوجدته معنيا بكل أنواعه، لم يقتصر فيه على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى
أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الاحكام على الاحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية.
وحاولت بعد ذلك أن أستبين مدى تعصبه، أو إنصافه في النقد، فتبين لي، بعد دراستة لجملة من كتاباته، أن الرجل قد وفق إلى حد كبير أن يكون منصفا، ونبهت إلى وجوب التفريق بين التعصب وبين الايمان بالشئ، والدفاع عنه بكل ممكن.
أما أهمية كتاب " السير " فقد اجتهدت أن أستشرفها من دراسة علاقته بكتاب " تاريخ الاسلام " إذ كان قد شاع بين أوساط الدارسين أن " السير "

(1/10)


مختصر من " تاريخ الاسلام "، وقد أبانت دراستي للكتابين بطلان هذه الدعوى، ثم تكلمت على أهمية الكتاب في دراسة الحركة الفكرية العربية الاسلامية، وأهميته في دراسة المجتمع الاسلامي.
وحاولت بعد ذلك توضيح العوامل التي يسرت ظهور هذا الكتاب محققا بهذه الهيئة العلمية الرائعة، والصفة البارعة النافعة التي تسر كل محب للتراث، حريص عليه.

(1/11)


الفصل الاول
حياة الذهبي ومنزلته العلمية
أولا بيئة الذهبي ونشأته:
قامت دولة المماليك البحرية على أنقاض الدولة الايوبية بمصر والشام وتمكن المماليك أن يكونوا دولة قوية كان لها أثر في إيقاف التقدم المغولي، وتصفية الامارات الصليبية في بلاد الشام (1).
وكانت دمشق في نهاية القرن السابع الهجري ومطلع القرن الثامن قد
أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحياة الفكرية، فيها من المدارس العامرة ودور الحديث والقرآن العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها لا سيما منذ عهد نور الدين زنكي (2).
وكانت العناية بالدراسات الدينية، من تفسير وحديث وفقه وعقائد، هي السمة البارزة لهذا العصر، ولم بعد هناك اهتمام كثير بدراسة العلوم الصرفة التي كانت قد أصبحت من " الصنائع المظلمة " (3) و " الهذيان " (4).
__________
(1) راجع عن عصر المماليك: الدكتور علي إبراهيم حسن: " دراسات في تاريخ المماليك البحرية "، ط 2 (القاهرة 1948) والدكتور سعيد عاشور: " العصر المماليكي في مصر والشام "، وغيرهما.
والكتاب الاخير أحسن ما كتب في الموضوع.
(2) يتضح ذلك من العدد الذي ذكره النعيمي في كتابه " تنبيه الدارس ".
(3) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 263 (أيا صوفيا 3008).
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2، الورقة 4.

(1/12)


ثم لا حظنا تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ووجدنا القليل من المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة.
وقد زاد من صعوبة الابداع أن الواحد من العلماء كان يجد أمامة تراثا ضخما في الموضوع الذي يروم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذين لم يجابهوا مثل هذا التراث.
وشهدت دمشق في هذا العصر نزاعا مذهبيا وعقائديا حادا، كان الحكام المماليك يتدخلون فيه في كثير من الاحيان، فيناصرون فئة على أخرى (1).
وكان الايوبيون قبل ذلك قد عنوا عناية كبيرة بنشر مذهب الامام الشافعي، فأسسوا المدارس الخاصة به، وأوقفوا عليها الوقوف (2).
وعنوا في الوقت نفسه بنشر عقيدة الاشعري، واعتبروها السنة التي يجب اتباعها (3).
لذلك أصبحت للاشاعرة قوة عظيمة في مصر والشام.
وقد أثر ذلك على المذاهب الاخرى، فأصابها الوهن والضعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانب كبير من القوة، وكانت لهم في دمشق مجموعة من دور الحديث والمدارس (4).
وكان النزاع العقائدي بين الحنابلة والاشاعرة مضطرما، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الاشاعرة على الاستدلال
__________
(1) ابن كثير: البداية، 14 / 28، 38، 49، وابن حجر: " الدرر " 1 / 61 وغيرهما.
(2) انظر التفاصيل في كتابنا: المنذري وكتابه " التكملة "، ص 38 فما بعد.
(3) وكان صلاح الدين أشعريا متعصبا كما هو معروف من سيرته.
(4) انظر النعيمي:: " تنبيه الدارس " 2 / 126 29.

(1/13)


العقلي والبرهان المنطقي في دراستها (1).
وبقدر ما ولد هذا التعصب من تمزق في المجتمع، فإنه ولد في الوقت نفسه نشاطا علميا واضحا في هذا المضمار، تمثل في الكتب الكثيرة التي ألفت فيه.
كما ظهر تحيز واضح في كثير من كتابات العصر.
وكان الجهل والاعتقاد بالخرافات والمغيبات سائدا بين العوام في المجتمع الدمشقي.
وكان التصوف منتشرا في أرجاء البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا على العوام أيما تأثير.
بل عمل الحكام المماليك على الاهتمام بهم، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكان للملك
الظاهر بيبرس البندقداري " ت 676 ه " شيخ اسمه الحخضر بن أبي بكر بن موسى العدوي، كان " صاحب حال، ونفس مؤثرة، وهمة إبليسية، وحال كاهني "، وكان الظاهر يعظمه، ويزوره أكثر من مرة في الاسبوع، ويطلعه على أسراره، ويستصحبه في أسفاره لاعتقاده التام به (2).
وانتشر تقديس الاشياخ، والاعتقاد فيهم، وطلب النذور عند قبورهم، بل كانوا يسجدون لبعض تلك القبور، ويطلبون المغفرة من أصحابها (3).
في هذه البيئة الفكرية والعقائدية المضطربة، ولد مؤرخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي في شهر ربيع الآخر سنة 673 (4).
وكان من أسرة تركمانية الاصل، تنتهي بالولاء
__________
(1) أبو زهرة: ابن تيمية، ص 25.
(2) الذهبي: " تاريخ الاسلام " الورقة 36 (أيا صوفيا 3014).
(3) المصدر نفسه، الورقة 75 (أيا صوفيا 3007).
(4) انظر مثلا: الذهبي: " طبقات القراء "، ص 549، الصفدي: " الوافي "، 2 / 164، و " نكت الهميان "، ص 242، وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور (الدرر، 3 / 426).

(1/14)


إلى بني تميم (1)، سكنت مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر (2).
ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياته فيها (3)، وتوفي سنة 661 ه وقد جاوز المئة، قال الذهبي: " قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي.
قال لي ابن عم والدي علي بن فارس النجار: توفي جدنا عن مئة وتسع سنين.
قلت عمر، وأضر بأخرة، وتوفي سنة إحدى وستين وست مئة " (4)، وكان قد حج (5).
وكان جده فخر الدين أبو أحمد عثمان أميا لم يكن له حظ من علم، قد اتخذ من النجارة صنعة له، لكنه كان " حسن اليقين بالله " (6).
ويبدو أنه هو الذي قدم إلى دمشق، واتخذها سكنا له، وتوفي بعد ذلك بها سنة 683 ه وهو في عشر السبعين (7).
أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة 641 ه تقريبا، وعدل عن صنعة أبيه إلى صنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز، وعرف بالذهبي، وطلب العلم، فسمع " صحيح البخاري " سنة 666 ه، من المقداد القيسي،
__________
(1) كتب الذهبي بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من " تاريخ الاسلام " (نسخة أيا صوفيا 3012) " تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز مولى بني تميم ".
(2) ياقوت: معجم البلدان، 4 / 703، فما بعد.
(3) لم يذكر الذهبي في نسبته أنه دمشقي، بل قال: " الفارقي "، مما يدل على أنه لم ينتقل إلى دمشق.
وذكر الدكتور صلاح الدين المنجد في مقدمة الجزء الذي طبعة من " سير أعلام النبلاء " أن قايماز هو الذي قدم دمشق، وأشار إلى معجم الشيوخ، ولم نجد لذلك دليلا في مصدره 1 / 15 وانظر معجم الشيوخ (م 1 الورقة 89).
(4) الذهبي: أهل المئة فصاعدا، ص 137، و " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 89.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 89.
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 89.
(7) المصدر نفسه.

(1/15)


وحج في أواخر عمره، وكان دينا يقوم من الليل (1).
وقد يسرت له صنعته رخاء وغنى، فأعتق من ماله خمس رقاب (2)، وتزوج من ابنة رجل موصلي الاصل هو علم الدين أبو بكر سنجر بن عبد الله عرف بغناه، وكان " خيرا عاقلا
مديرا للمناشير بديوان الجيش..وخلف خمسة عشر ألفا " (3) من الدنانير، وأحله علمه وغناه ومروءته مكانا جعلت خلقا من أهل دمشق يشيعونه يوم وفاته في آخر جمادى الاولى سنة 697 ه،، يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين ابن جماعة الكناني (4).
وعرف محمد بابن الذهبي، نسبة إلى صنعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه " ابن الذهبي " (5).
ويبدو أنه اتخذ صنعة أبيه مهنة له في أول أمره، لذلك عرف عند بعض معاصريه ب " الذهبي " مثل الصلاح الصفدي (6)، وتاج الدين السبكي (7)، والحسيني (8)، وعماد الدين ابن كثير (9)، وغيرهم.
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام " (وفيات 697) نسخة أيا صوفيا 3014، و " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 13، والصفدي: " الوافي "، م 7 ورقة 86.
(2) كان من بينهم فك أسر امرأتين من أسر الفرنجة من عكا (انظر المصادر في الهامش السابق).
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 55 وتوفي سنة 686.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 13.
(5) ونسبة ب " ابن الذهبي " مقيدة بخطه في معظم الكتب والطباق التي بخطه مثل طبقة سماع كتاب أهل المئة فصاعدا (ص 111 بتحقيقنا)، وطرر المجلدات التي وصلت بخطه من " تاريخ الاسلام " (نسخة أيا صوفيا) وطبقة سماع لكتاب " الكاشف " له (نسخة التيمورية رقم 1936) وجاء في أول " معجم شيوخه ": " أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد..ابن الذهبي ".
(6) " الوافي "، 2 / 163 و " نكت الهميان "، ص 241.
(7) " طبقات الشافعية الكبرى " 9 / 100.
(8) " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 34.
(9) " البداية والنهاية "، 14 / 225.

(1/16)


وعاش طفولته بين أكناف عائلة علمية متدينة، فكانت مرضعته وعمته ست الاهل بنت عثمان، الحاجة أم محمد، قد حصلت على الاجازة من ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة آخرين، وسمعت من عمر بن القواس وغيره، وروى الذهبي عنها (1).
وكان خاله علي قد طلب العلم، وروى عنه الذهبي في " معجم شيوخه "، وقال: " علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، ثم الدمشقي الذهبي الحاج المبارك أبو إسماعيل خالي.
مولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر ابن الانماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية.
وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة.
وكان ذا مروءة وكد على عياله وخوف من الله.
توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة " (2).
وكان زوج خالته فاطمة، أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي الانصاري الذهبي، المعرف بابن الحرستاني، قد سمع الحديث، ورواه، وكان حافظا للقرآن الكريم، كثير التلاوة له، وتوفي بمصر سنة 700 (3) ه.
وطبيعي أن تعتني مثل هذه العائلة المتدينة التي كان لها حظ من العلم بأبنائها، لذلك وجدنا أخاه من الرضاعة علاء الدين أبا الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العطار الشافعي: " 724 654 ه " (4) يسرع، ويستجيز
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 ورقة 57، ولدت سنة الاهل سنة 653 ه وتوفيت سنة 729 ه.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 6.
(3) المصدر السابق، م 1 ورقة 12.
(4) الذهبي: " ذيل العبر "، ص 136، و " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 1، ابن كثير: = سير 1 / 2

(1/17)


للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده (1) منهم من دمشق: أحمد بن عبد القادر، أبو العباس العامري " 673 609 ه " (2)، وابن الصابوني " 680 604 ه " (3)، وأمين الدين ابن عساكر " 686 614 ه " (4)، وجمال الدين ابن الصيرفي " 678 583 ه " (5).
ومن حلب: أحمد بن محمد ابن النصيبي " 692 609 ه " (6)، ومن مكة: الامام محب الدين الطبري محدث الحرم ومفتيه " 694 615 ه " (7)، وغيره (8).
ومن المدينة: كافور بن عبد الله الطواشي (9).
ويبدو أن علاء الدين ابن العطار قد حج في تلك السنة (10) فحصل بعض الاجازات من مكة والمدينة.
وذكر ابن حجر أن الذين أجازوه في هذه السنة " جمع جم (11) " وقال في ترجمة ابن
__________
= " البداية "، 14 / 117، ابن حجر: " الدرر "، 3 / 74 73، النعيمي: " تنبيه الدارس "، 1 / 70 68، 99، 112.
ورأينا لابي الحسن ابن العطار هذا رسالة في السماع في خزانة كتب جستربتي بدبلن ضمن مجموع برقم 3296.
(1) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 426.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 12.
(3) المصدر السابق، م 2 الورقة 55.
(4) المصدر السابق، م 1 الورقة 80.
(5) المصدر السابق، م 2 الورقة 87.
(6) المصدر السابق، م 1 الورقة 18.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م الورقة 8.
(8) انظر مثلا: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 90، م 2 الورقة 6، 31، 60 59، 88، وابن حجر: " الدرر "، 3 / 436.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 26.
(10) المصدر السابق، م 2 الورقة 60 59.
(11) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 426.

(1/18)


العطار: " وهو الذي استجاز للذهبي سنة مولده، فانتفع الذهبي بعد ذلك بهذه الاجازة انتفاعا شديدا " (1).
ويمضي الطفل إلى أحد المؤدبين هو علاء الدين علي بن محمد الحلبي المعروف بالبصبص، وكان من أحسن الناس خطا، وأخبرهم بتعليم الصبيان، فيقيم في مكتبه أربعة أعوام (2)، وفي أثناء ذلك كان جده عثمان يدمنه على النطق بالراء يقوم بذلك لسانه (3).
ولا نعرف في أية سنة ترك المكتب، ولكنه كان في سنة 682 ه، لم يزل عنده حيث أنشده في هذه السنة شعرا لابي محمد القاسم الحريري (4).
وقد اتجه الذهبي بعد ذلك إلى شيخة مسعود بن عبد الله الصالحي، فلقنه جميع القرآن، ثم قرأ عليه نحوا من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمام مسجد الشاغور، وكان خيرا متواضعا برا بصبيانه، لقن خلقا.
وتوفي سنة 720 ه (5).
وبدأ الصبي بالحضور إلى مجالس الشيوخ ليسمع كلام بعضهم (6).
ولما قدم عز الدين الفاروثي، عالم العراق، إلى دمشق سنة 690 ه، ذهب الفتى وسلم عليه، وحدثه (7)، مما يدلل على حبه للعلم والعلماء منذ الصغر.
__________
(1) المصدر السابق، 3 / 73.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 11.
(3) المصدر السابق، م 1 الورقة 89.
(4) المصدر السابق، م 2 الورقة 11 ومات مؤدبه في حدود سنة 690 ه.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 2 الورقة 78.
(6) المصدر السابق، م 2 الورقة 58.
(7) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 544.
وتوفي الفاروثي سنة 694 ه.

(1/19)


ثانيا بدء عنايته بطلب العلم:
بدأ الذهبي يعتني بطلب العلم حينما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتوجهت عنايته إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات، والحديث الشريف.
أ القراءات: اهتم الذهبي بقراءة القرآن الكريم، والعناية بدراسة علم القراءات، فتوجه سنة 691 ه هو ورفقة له، إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني، ثم الدمشقي، المعروف بالفاضلي، فشرع عليه بالجمع الكبير (1)، وكان الفاضلي قد صحب الشيخ علم الدين السخاوي المتوفي سنة 643 ه، وهو الذي انتهت إليه رياسة الاقراء في زمانه (2)، وجمع عليه القراءات السبع، وتصدر للاقراء بتربة أم الصالح، ولكنه أصيب بطرف من الفالج، فكان يقرئ في بيته وينتهي الذهبي عليه إلى أواخر سورة القصص، ويزداد الفالج على الشيخ، فيمنع الطلبة من الدخول عليه، ثم يموت سنة 692 ه، وتظل قراءة الذهبي على الفاضلي ناقصة (3).
ولكنه كان في أثناء شروعه بالجمع الكبير على الفاضلي، قد شرع في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكبير على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي
المقرئ الدمشقي " ت 708 (4) ه ".
وقرأ ختمة جامعة لمذاهب القراء
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، " ومعرفة القراء "، ص 563 562 ابن الجزري: " غاية "، 2.
71.
(2) سبط ابن الجوزي: " مرآة "، 8 / 758، القفطي: " إنباه "، 2 / 311، الحسيني: " صلة التكملة "، (وفيات 643)، الذهبي: " العبر "، 5 / 178، ابن كثير: " البداية "، 13 / 17، ابن الجزري: " غاية " 1 / 568.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، و " معرفة القراء "، ص 563 562، 576، 592.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 30، و " معرفة القراء "، ص 576.

(1/20)


السبعة بما اشتمل عليه كتاب " التيسير " للداني، وكتاب " حرز الاماني " للشاطبي على ابن جبريل المصري نزيل دمشق (1).
وما لبث الذهبي أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءات، وأصولها ومسائلها، وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي ثم الدمشقي الشافعي المتوفي سنة 693 ه: " جلست بين يديه، وسألني عن غير مسألة من القراءات، فمن الله وأجبته وشهد في إجازتي من الحاضرين، وأجاز لي مروياته (2) ".
على أنه استمر في تحصيل هذا الفن، فكتب في سنة 691 ه " المقدمة في التجويد " عن مؤلفها المقرئ المجود أبي عبد الله محمد بن جوهر التلعفري المتوفى سنة 696 (3) ه، وتلا ختمة للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة 718 (4) ه وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى سنة 695 (5) ه، وقرأ
بالسبع أيضا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي المتوفى سنة 700 ه، وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الاموي (6).
وقرأ كتاب " المبهج في القراءات السبع (7) " لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و " السبعة " لابن مجاهد، وغيرهما على
__________
(1) (1) الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 36.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 31.
(3) المصدر السابق، م 2 الورقة 39.
(4) المصدر السابق، م 2 الورقة 39.
(5) المصدر السابق، م 2 الورقة 74.
(6) المصدر السابق، م 2 الورقة 66 65.
(7) عندي منه نسخة مصورة عن نسخة معهد إحياء المخطوطات (رقم 75 قراءات وتجويد) وهو كتاب نفيس للغاية.

(1/21)


شيخه أبي حفص عمر ابن القواس المتوفى سنة 698 ه، وسمع " الشاطبية " من غير واحد من القراء (1).
وتميز الشاب في دراسة القراءات، وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين أبا عبد الله محمد بن عبد العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي، وهو من المقرئين المجودين، يتنازل له عن حلقته بالجامع الاموي في أواخر سنة 692 ه، أو أوائل سنة 693 ه، حينما أصابه المرض الذي توفي فيه، وكان الذهبي قد أكمل عليه القراءات قبل ذلك (2)، فكان هذا أول منصب علمي يتولاه الذهبي فيما نعلم، وإن لم يدم فيه أكثر من سنة واحدة (3).
ب الحديث:
وفي الوقت نفسه كان الذهبي، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قد مال إلى سماع الحديث، واعتنى به عناية فائقة (4).
وانطلق في هذا العلم حتى ؟ طغى على كل تفكيره، واستغرق كل حياته بعد ذلك، فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب والاجزاء، ولقي كثيرا من الشيوخ والشيخات، وأصيب بالشره في سماع الحديث وقراءته، ورافقه ذلك طيلة حياته، حتى كان يسمع من أناس قد لا يرضى عنهم، قال في ترجمة علاء الدين أبي الحسن علي بن مظفر
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 35، 69.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 48، توفي شيخه بعد ذلك في صفر من سنة 693 (3) قال الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد بن علي شمس الدين أبي عبد الله الرضي الحنفي من معرفة القراء: " ولما سافرت إلى بعلبك، سنة ثلاث وتسعين، وتعوقت بالقراءة على الموفق، وثب على حلقتي، فأخذها لكوني لم أستأذن الحاكم في الغيبة، وهو الآن يقرئ بالجامع " ص 600.
(4) السبكي: " طبقات الشافعية الكبرى "، 9 / 102، والسيوطي: " طبقات الحفاظ "، الورقة 84.

(1/22)


الاسكندراني، ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية، المتوفى سنة 716 ه: " ولم يكن عليه ضوء في دينه، حملني الشره على السماع من مثله، والله يسامحه كان يخل بالصلوات، ويرمى بعظائم الامور (1) "، وقال في ترجمة شيخه شهاب الدين غازي بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة 709 ه: " وكان ذا سيرة غير محمودة، فالله يعفو عنه، كتب عنه خلق من أبناء البلد " (2)، وقال في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المتوفي سنة 706 ه: " فقير مسكين..ورأيتهم يذمونه..روى لنا عن
خطيب مردا جزء البطاقة (3) "، وذكر عن شيخه محمود بن يحيى التميمي الدمشقي المتوفي سنة 733 ه أنه كان " سئ الحال، سفيها (4) "، وقال عن أحد شيوخه: " لا ينبغي الرواية عنه، حكوا لي عنه مصائب (5) "، وقال عن آخر: إنه كان " من عوام الطلبة " (6)، وقال في ترجمة شيخه محمد بن النصير المؤذن المتوفي سنة 715 ه: " شويخ عامي سمعنا منه، ولم يكن بذاك (7) "، بل إنه ليذهب به حبه للحديث إلى القراءة على الصم، فقد ذكر في ترجمة شيخه محمود بن محمد الخرائطي الصالحي الاصم المتوفي سنة 716 ه: " قرأت عليه بأقوى صوتي في أذنه (8) ".
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 12.
(3) المصدر نفسه، م 2 الورقة 21.
(3) المصدر نفسه، م 2 الورقة 30.
(4) المصدر نفسه، م 2 الورقة 77.
(5) المصدر نفسه، م 1 الورقة 72.
(6) المصدر نفسه، م 2 الورقة 55.
(7) المصدر نفسه، م 2 الورقة 67.
(8) المصدر نفسه، م 2 الورقة 76.

(1/23)


ثالثا رحلاته في طلب العلم:
كان الذهبي يتحسر على الرحلة إلى البلدان الاخرى، لما لذلك من أهمية بالغة في تحصيل علو الاسناد، وقدم السماع، ولقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم (1).
إلا أن والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الاحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد
اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية " 599 697 (2) ه ": " وقد هممت بالرحلة إليه، ثم تركته لمكان الوالد (3) "، وقال في ترجمته من " معرفة القراء الكبار ": " وانفرد عن أقرانه، وكنت أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفا من الوالد، فإنه كان يمنعني (4) "، وقال في ترجمة المكين الاسمر المقرئ الاسكندراني المتوفى سنة 692 ه: " ولما مات شيخنا الفاضلي، فازددت تلهفا وتحسرا على لقيه، ولم يكن الوالد يمكنني من السفر (5) ".
ولم يكن الذهبي ابنا عاقا يخالف إرادة والده، لا سيما أن آداب طلب العلم تقتضي استئذان الابوين في الرحلة (6)، ووجوب طاعتهما وبرهما، وترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (7).
ويبدو لنا أن الذهبي
__________
(1) راجع عن أهمية الرحلة: الخطيب البغدادي: " الجامع لاخلاق الراوي وآداب السامع "، " باب الرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الاسانيد العالية " الورقة 168 169 (نسخة مكتبة البلدية بالاسكندرية 3711 ج 1).
(2) الدكتور ناجي معروف: " تاريخ علماء المستنصرية "، 1 / 345 342.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 74.
(4) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 556 وقال في " تاريخ الاسلام ": " وكنت في سنة أربع وتسعين وسنة خمس أتلهف على لقيه، وأتحسر، وما يمكنني الرحلة إليه لمكان الوالد ثم الوالدة " الورقة 268 (أيا صوفيا 3014).
(5) المصدر نفسه، ص 551 وانظر أمثلة أخرى في " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 5.
(6) الخطيب البغدادي.
" الجامع لاخلاق الراوي "، الورقة 170.
(7) الخطيب البغدادي: " الجامع "، الورقة 175 171.

(1/24)


كان وحيد أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الاقل (1)، بحيث كان يخاف
عليه هذا الخوف كله.
ويظهر أن والده قد سمع له بالرحلة حينما بلغ العشرين من عمره، وذلك سنة 693 ه (2).
على أنه سمح له برحلات قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعة أشهر (3) في الاغلب، ويرافقه فيها بعض من يعتمد عليهم (4).
أ رحلاته داخل البلاد الشامية: تشير المصادر إلى رحلات الذهبي عرضا، ولكنها لا تقدم لنا عنها الكثير.
على أننا استطعنا أن نتبين أن أول رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة 693 ه (5) حيث قرأ فيها القرآن جمعا على الموفق النصيبي المتوفي سنة 695 ه (6)، وأكثر عن المحدث الاديب الامام تاج الدين أبي محمد المغربي، ثم البعلبكي، المتوفى سنة 696 (7).
وسوف نجده مرة أخرى في بعلبك سنة 707 (8) ه، وقد سمع في هاتين الرحلتين على كثير من شيوخ
__________
(1) لم نقف على أخ لمحمد بن أحمد الذهبي في جميع الكتب المطبوعة والمخطوطة التي اطلعنا عليها، مع أن الذهبي كثير العناية بذكر أقربائه.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 65.
(3) قال الذهبي في ترجمة شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد الجذامي الاسكندراني وكان قد بلغ السابعة والثمانين من عمره، ووجد الذهبي بعض صعوبات وتأخير في قراءة القراءات عليه، فخاف أن يذهب وقته سدى: " وكنت قد وعدت أبي، وحلفت له أني لا أقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخفت أعقه " " معرفة القراء "، ص 558.
(4) كان والده يرافقع في رحلته إلى حلب سنة 693 ه وقد سمع معه فيها، وكان رفيقه في رحلته إلى البلاد المصرية سنة 695 ابن أمه في الرضاع داود بن إبراهيم بن داود ابن العطار الفقيه الشافعي، وهو أكبر من الذهبي بثمانية أعوام " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 47).
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، 1 / الورقة 65
(6) ابن الجزري: " غاية "، 2 / 71، الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 74.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 71، السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 52.

(1/25)


البلد (1).
ورحل بعد ذلك إلى حلب، وأكثر فيها عن علاء الدين أبي سعيد سنقر بن عبد الله الارمني، ثم الحلبي، قال: " رحلت إليه، وأكثرت عنه، ونعم الشيخ كان دينا ومروءة وعقلا وتعففا (2) "، وسمع من جملة من شيوخها (3).
وتشير المصادر إلى أنه قد سمع ببلدان عديدة منها: حمص (4)، وحماة (5)، وطرابلس (6)، والكرك (7)، والمعرة (8)، وبصرى (9)، ونابلس (10)، والرملة (11)، والقدس (12)، وتبوك (13).
ب رحلته إلى البلاد المصرية: على أن رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرز رحلاته
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 24، 83، 88، م 2 الورقة 9، 72، 74، 81.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 55، و " ذيل العبر "، ص 36، السبكي: " طبقات " 9 / 102، الطباخ: " أعلام النبلاء "، 4 / 540.
(3) انظر مثلا: الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 27، 34، 39، السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 63، والصفدي: " الوافي "، 2 / 165.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 82، م 2 الورقة 68، 82.
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 7، 22: 29، م 2 الورقة 6، 9 وذكر أنه نزل في مدرسة القاضي شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور الاسكنداراني الفقيه قاضي طرابلس
" معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 22.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 61، م 2 الورقة 16، 43 42 وقد سمع بها سنة 698 من قاضي القضاة عز الدين محمد بن سلمان الحلبي.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 89.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 83.
(10) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 1 الورقة 76، م 2 الورقة 7.
(11) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 47، والصفدي: " الوافي "، 2 / 165.
(12) الصفدي: " الوافي " 2 / 165.
(13) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 65.

(1/26)


المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر، ثم يقول: " ولعل سفره إلى مصر كان بعيد وفاة أبيه سنة 697 ه، وقد عاد سنة 699 ه (1) ".
واستند في ذلك على ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: " وأول ما ولي تصدير حلقة إقراء بجامع دمشق في أول رواق زكريا عوضا عن شمس الدين العراقي الضرير المقرئ في المحرم سنة 699 ه بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل (2) ".
وقد استطعنا، نتيجة تتبعنا لنشاط الذهبي أن نحدد رحلته إلى البلاد المصرية، وأنها كانت بين رجب وذي العقدة من سنة 695 ه، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة 695 ه متوجها إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة 695 ه: " وقد رحلت إلى لقيها، فماتت وأنا بفلسطين، في رجب سنة خمس وتسعين وست مئة (3) " وقال في ترجمتها من " تاريخ الاسلام ": " كنت
أتلهف على لقيها، ورحلت إلى مصر، وعلمي أنها باقية، فدخلت فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام..توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة (4) "، وبذلك نستنتج أنه وصل إلى البلاد المصرية في السادس عشر من رجب سنة 695 ه.
وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد ابن محمد بن عبد الله الحلبي المعروف بابن الظاهري (5) " 696 626 ه "،
__________
(1) انظر مقدمته للجزء الذي طبعه من سير أعلام النبلاء، 1 / 18.
(2) ابن حجر: " الدرر "، 3 / 427.
(3) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 59.
(4) الورقة 246 (أيا صوفيا 3014) ولم يذكر ياقوت وادي فحمة هذا.
(5) كان والده محمد مولى الملك الظاهر صاحب حلب، فنسب إليه.

(1/27)


قال في " تاريخ الاسلام ": " وبه افتتحت السماع في الديار المصرية، وبه اختتمت، وعنده نزلت، وعلى أجزائه اتكلت.
وقد سمع منه علم الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء (1) "، وقال في ترجمته من " معجم شيوخه ": " ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حل..(2) ".
وطبيعي أن يرجع الامام الذهبي في ذي القعدة من السنة لانه كان قد وعد أباه، وحلف له أنه لا يقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخاف أن يعقه إذا تأخر (3).
وقد توفي ابن الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة 696 (4) ه.
وقد ذكر مترجمو الذهبي أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري (5) فكيف يصح القول عندئذ أنه سافر بعيد 697 ه ! ؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعة كبيرة، من أشهر هم: مسند الوقت أبو المعالي أحمد بن
إسحاق بن محمد الابرقوهي (6) المتوفي سنة 701 ه (7)، وشيخ الاسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي المعروف بابن
__________
(1) الورقة 257 (أيا صوفيا 3014).
(2) م 1 الورقة 18.
(3) الذهبي: " معرفة القراء "، ص 558.
(4) الذهبي: " تاريخ الاسلام " الورقة 257 (أيا صوفيا 3014)، و " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 18، ابن الجزرى: " تاريخ " م 2 الورقة 60 (باريس 6739).
(5) أنظر مثلا: السبكي: " طبقات "، 9 / 102، وسبط ابن حجر: " رونق الالفاظ "، الورقة 180.
(6) نسبة إلى (أبرقوه) بلد قرب يزد، ياقوت: " معجم البلدان "، 1 / 85 وقد ولد بها حينما كان أبو قاضيا عليها، الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 5.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ، م 1 الورقة 5 و " ذيل العبر "، ص 18، السبكي: " طبقات "، 9 / 102، ابن حجر: " الدرر " 1 / 110، 3 / 426، سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " (نسخة الخالدية)، الفاسي: " العقد الثمين "، 3 / 15، ابن تغري بردي: " النجوم "، 8 / 198 و " المنهل الصافي "، 1 / 218 وغيرها.

(1/28)


دقيق العيد القشيري المتوفى سنة 702 ه (1) والعلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفي سنة 705 ه (2)، وغيرهم (3).
وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحل إلى الاسكندرية، وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التميمي القابسي ثم الاسكندراني: " وكنت في شوال هذه السنة في الاسكندرية وهو حي، وسمعت منه التجريد (4) ".
ويظهر أنه سافر إليها في
رمضان لانه قرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص، وتوفي شيخه في الرابع من شوال سنة 695 ه (5).
وفي ثغر الاسكندرية مضى الذهبي إلى أسند أهلها في القراءات، الامام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز ابن الصواف الجذامي الاسكندراني المقرئ المشهور " 609 705 (6) ه " فأدخل عليه، فوجده قد أضر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءا، ورفع صوته، فسمع، ثم كلمه في أن يجمع عليه القراءات
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 ورقة 55، و " ذيل العبر "، ص 21، و " تذكرة الحفاظ " 4 / 1484 1481، ابن سيد الناس: " أجوبة "، الورقة 65 (الاسكوريال 1160)، الادفوي: " الطالع السعيد "، ص 338 317، الصفدي: " الوافي "، 4 / ص 193، ابن حجر: " رفع الاصر "، الورقة 112 وغيرها.
(2) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 87، و " تذكرة الحفاظ "، 4 / 1479 1477، ابن شاكر: " فوات "، 2 / 17، ابن كثير: " البداية "، 14 / 40، ابن قاضي شهبة: " منتقى المعجم المختص "، الورقة 162 " (أوقاف)، الصفدي: " الوافي "، م 17 ورقة 236، و " معجم شيوخه " لخصه وترجمه إلى الفرنسية الاستاذ جورج فايدا وطبع بباريس سنة 1926 م.
وفي خزانة كتبي الجزء الثالث من إحدى نسخه الخطية.
(3) انظر مثلا: الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 21، 42، 64، 96.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25.
(5) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 247 (أيا صوفيا 3014).
(6) الذهبي: " ذيل العبر "، ص 32، ابن حجر: " الدرر "، 5 / 186 185، الجزري: " غاية "، 2 / 366، المقريزي: " السلوك "، 2 / قسم 1 ص 21.

(1/29)


السبع، فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة، فقرأ عليه الفاتحة وآيات من البقرة
والشيخ يرد الخلاف، ويرد رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تخيل الشيخ منه نقص المعرفة، وطلب منه أن يذهب إلى أحد تلامذته، قال الذهبي: " وزهدني فيه أني كنت لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضا فكنت لا أقرأ ربع حزب جمعا، حتى ينقطع صوتي لمكان صممه " فخاف الذهبي ضياع الوقت القصير، فتركه (1)، وذهب إلى الامام المقرئ صدر الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون " 695 610 ه (2) " وكان قد ضعف وأضر، فختم عليه بقراءتي ورش وحفص، في مدة أحد عشر يوما مع جماعة من رفاقه (3).
وسمع بالاسكندرية من جملة من علمائها المتميزين (4) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغرافي ثم الاسكندراني " 704 628 ه " شيخ دار الحديث النبيهية بالاسكندرية (5) كما رحل إلى بلبيس، وسمع بها (6).
لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد، فقد ذكر مثلا أنه قرأ جميع سيرة ابن هشام على شيخه أبي المعالي الابرقوهي في سنة أيام فقط (7).
__________
(1) الذهبي: " طبقات القراء "، ص 558، و " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 84.
(2) الذهبي، " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 73.
(3) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 247 (أيا صوفيا 3014) و " معرفة القراء " ص 555.
(4) انظر مثلا " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 21، 22، 75، 86، م 2 الورقة 17، 60، 74، 83، 85.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 3 2، و " ذيل العبر "، ص 3 28 "، الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ "، ص 94، ابن حجر: " الدرر "، ج 3 ص 86 85، المقريزي: " السلوك "،
2 / ص 13.
وانظر أيضا: السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(6) الصفدي: " الوافي "، 2 / 164.
(7) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 135 (أيا صوفيا 3007).

(1/30)


ج رحلته للحج وسماعه هناك: وفي سنة 698 ه، أي بعيد وفاة والده رحل الذهبي للحج، قال في حوادث السنة من " تاريخ الاسلام ": وحج بنا الامير شمس الدين العينتابي (1) "، وكان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه (2)، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية (3) العالم المسند أبو عبد الله محمد ابن عبد المحسن المعروف بابن الخراط الحنبلي " 728 638 ه "، وكان ابن الخراط قد قدم دمشق في تلك السنة، وجلس للوعظ بدمشق في شهر رمضان (4)، قال الذهبي: " ورافقنا في الحج، فسمعت منه بالعلى ومعان كتاب " الفرج بعد الشدة " (5).
وقد سمع بمكة (6)، وعرفة (7)، ومنى (8)، والمدينة (9) من مجموعة من الشيوخ.
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 333 (أيا صوفيا 3014).
(2) انظر مثلا: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 72، م 2 الورقة 16.
(3) الدكتور ناجي معروف: " تاريخ علماء المستنصرية "، 1 / 360 354.
(4) ذكر ذلك علم الدين البرزالي المتوفي سنة 639 ه ابن رجب: " الذيل "، 2 / 385 والذهبي في " معجم شيوخه "، م 2 الورقة 50.
(5) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 50 والكتاب المذكور للتنوخي كما هو معروف.
(6) السبكي: " طبقات "، 9 / 102.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 80.
(8) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 83، 84.
(9) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 50.

(1/31)


رابعا طبيعة دراساته:
لم ينقطع الذهبي طيلة حياته عن الدراسة والسماع لا يشغله عنهما شاغل، تدل على ذلك معجمات شيوخه لا سيما " المعجم الكبير ".
وكانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث.
وقد عني بدراسة النحو، فسمع " الحاجبية " في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء النصيبي البعلبكي المتوفى سنة 695 ه (1).
ودرس على شيخ العربية، وإمام أهل الادب في مصر آنذاك الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن النحاس المتوفى سنة 698 ه (2).
إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب (3).
واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي (4)، والسيرة (5)، والتاريخ العام (6)، ومعجمات الشيوخ والمشيخاتن (7)، وكتب التراجم الاخرى (8).
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 74.
(2) المصدر نفسه، م 2 الورقة 30، " وتاريخ الاسلام "، الورقة 287 (أياصوفيا 3014).
(3) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، 3 / 65 (مطبوعة) والورقة 117 (أحمد الثالث 2917 / 9) والورقة 157 (أيا صوفيا 3008) والورقة 49 (أحمد الثالث 2917 / 10) " ومعجم الشيوخ " م 2 الورقة 50.
(4) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، 6 / 133 (مطبوعة).
(5) انظر مثلا " تاريخ الاسلام "، الورقة 135 (أيا صوفيا 3007).
(6) المصدر نفسه، مثلا الورقة 198 (حلب).
(7) انظر مثلا " معجم الشيوخ " م 1، الورقة 15، 22، 26، 28، 33، 42، 46، 55، 80 م 2 الورقة 9، 10، 50، 71، 100، " وتاريخ الاسلام "، الورقة 96 (أيا صوفيا 3008) والورقة 22 (أيا صوفيا 3009) والورقة 4 (أحمد الثالث 2917 / 10) والورقة 185 (أحمد الثالث 2917 / 11).
(8) مثلا " تاريخ الاسلام " الورقة 68، 79 (أيا صوفيا 3002) وغيرها.

(1/32)


إلا أن عنايته الرئيسة في السماع كانت منصبة على الحديث، فقد سمع الذهبي مئات الكتب والاجزاء الحديثية طيلة حياته في طلب العلم، يعرف ذلك من يقرأ معجمات شيوخه وكتبه بروية وإمعان، فضلا عن أن هذه الكتب والاجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي علي شيوخه، فهناك العدد الهائل من الاحاديث النبوية الشريفة لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلة حسب.
يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سمع الكتاب أو الجزء على أكثر من شيخ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عددا كبيرا منها، ولنضرب لذلك بعض الامثلة، فقد سمع " جزء الحسن بن عرفة " وهو من الاجزاء الحديثية المشهورة أكثر من أربعين مرة على أكثر من أربعين شيخا (1)، وسمع " نسخة أبي مسهر " عبد الاعلى بن مسهر المتوفى سنة 218 (2) أكثر من اثنتي عشرة مرة (3)، وسمع " جزء ابن فيل (4) " لابي طاهر الحسن بن أحمد بن فيل البالسي على أكثر من عشرة من الشيوخ (5).
وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبي لم يعن بذكر مسموعاته بصورة مفصلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حجر مثلا في " المعجم المفهرس " الذي رتبه
__________
(1) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 9، 16، 17، 33، 36، 38، 49، 53، 64، 72، 79، 80، 81، 86، م 2 ورقة 8، 11، 13، 24، 31، 32، 37، 39، 44، 45،
46، 59، 77، 79، 82، 85، 86، 88، 98، 100.
(2) منه نسخة بدار الكتب المصرية، رقم 25551 ب.
(3) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 38، 50، 66، 72، 75، م 2 ورقة 20، 32، 35، 37، 51، 65.
(4) منه نسخة بدار الكتاب المصرية برقم 25568 ب.
(5) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 6، 20، 72، 74، م 2 الورقة 31، 37، 53، 77، 88.
سير 1 / 3

(1/33)


أساسا على الكتب (1)، وفي " المجمع المؤسس " الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضا (2).
ومع ذلك فإن المرويات لا تمثل أصلا دراسات الطالب أو العالم، لان الكتب المروية محدودة عموما، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاء من الكتب الفقهية والتاريخية والادبية ودواوين الشعراء ونحوها وطائفة كبيرة منها لا تروى.
على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته، أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والادب والشعر.
كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية.
ونشك أنه درس كتبا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها.
__________
(1) ابن حجر: " المعجم المفهرس " (دار الكتب 82 مصطلح الحديث).
(2) نسختي المصورة (عن دار الكتب 75 مصطلح الحديث).

(1/34)


خامسا صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري
اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم جمال الدين أبو الحجاج يوسف (1) بن عبد الرحمن المزي الشافعي " 742 654 ه " 0 وتقي الدين أبو العباس أحمد (2) بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني، " 661 728 ه " وعلم الدين أبو محمد القاسم (3) بن محمد البرزالي " 739 665 ه "، وترافق معهم طيلة حياتهم.
وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم.
وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه.
وقد ساعد من شد أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ فترة مبكرة، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزي والبرزالي
__________
(1) راجع الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 90، و " تذكرة الحفاظ "، 2 / 1498، الحسيني: " الذيل على ذيل العبر "، ص 229، السبكي: " طبقات "، 6 / 251 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية " 14 / 192 191، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 128، و " التبيان " الورقة 166، ابن حجر: " الدرر "، 5 / 237 233، ابن تغري بردي: " النجوم " 10 / 76، ابن طولون: " المعزة "، ص 10، ابن العماد: " شذرات "، 6 / 136، الكتاني: " فهرس " 1 / 107.
وراجع ما كتبناه في سيرته في مقدمة المجلد الاول من تهذيب الكمال.
(2) ترجمة شيخ الاسلام ابن تيمية معروفة تناولها معظم المؤرخين الذين تناولوا عصره ومنهم الذهبي.
ومن الذين كتبوا عنه مفردا ابن ناصر الدين في " الرد الوافر " (بيروت 1393 ه) وابن قدامة: " العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام ابن تيمية ".
ومن المحدثين: محمد كرد علي في " ترجمة شيخ الاسلام ابن تيمية " (لم يذكر مكان الطبع ولا تاريخه) ومحمد بن بهجة البيطار في " حياة شيخ الاسلام ابن تيمية " (دمشق 1961) ومحمد أبو زهرة: " ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه " (القاهرة 1952).
(3) انظر الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25، " ذيل العبر " ص 209، الحسيني: " ذيل
تذكرة الحفاظ "، ص 2 18 !، السبكي: " طبقات " 6 / 246 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية "، 14 / 185، ابن شاكر: " فوات "، ص 119، ابن حجر: " الدرر " 3 / 323 321، ابن تغري بردي: " النجوم " 9 / 319، ابن العماد: " شذرات "، 6 / 124.

(1/35)


والذهبي كانوا من الشافعية.
وكان كل واحد منهم محبا للآخر ذاكرا فضله.
ويذكر الذهبي جيدا أن علم الدين البرزالي هو الذي حبب إليه العناية بالحديث النبوي الشريف، فقال في " معجم شيوخه الكبير ": " الامام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر (1) "، وقال في موضع آخر: " وهو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين ! فأثر قوله في، وسمعت منه، وتخرجت به في أشياء (2) "، وكان على غاية من الاعجاب بعلمه، ولا سيما " معجم شيوخه " (3) الذي خرجه لنفسه، وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالاجازة (4).
وكتب الذهبي عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: " العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة..محدث الاسلام (5) وأنه كان " خاتمة الحفاظ وناقد الاسانيد والالفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا (6) ".
أما ابن تيمية، فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدا، له ؟ ؟ الخاصة التي تقوم في أصلها
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 25.
(2) ابن حجر: " الدرر " 3 / 323.
(3) نظم الذهبي في هذا المعجم بيتين من الشعر، قال: إن رمث تفتيش الخزائن كلها * وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا * طالع أو اسمع معجم البرزالي
ابن حجر: " الدرر "، 3 / 322، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 120.
(4) الذهبي: " معجم الشيوخ "، م 2 الورقة 25، و " ذيل العبر "، ص 208، ابن حجر: " الدرر "، 3 / 322، ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 120.
(5) " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 70، وانظر " تذكرة الحفاظ " 4 / 1499 1498.
(6) ابن حجر: " الدرر " 5 / 236 235.

(1/36)


على اتباع آثار السلف، وابتدأ منذ سنة 698 ه يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره من المخالفين له (1)، ويقيم الحدود بنفسه، ويحلق رؤوس الصبيان (2)، ويحارب المشعوذين من أدعياء التصوف (3)، ويمنع من تقديم النذور (4)، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات، ويريق الخمور (5)، ويقاتل بعض من يعتقد فساد عقيدته (6)، ويشتط على القضاة (7)، بل بلغ الامر به في إحدى المرات أن دخل السجن، وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه (8).
وظهرت شخصيته السياسية في الحرب الغازانية سنة 699 ه وما بعدها، لا سيما سنة 702 ه فقد كان له الدور البارز في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب (9).
وقد أحب الذهبي شيخه ورفيقه، وأعجب به، فقال بعد أن مدحه مدحا عظيما: " وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت، أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم (10) ".
ولما مات،
__________
(1) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 332 (أيا صوفيا 3014)، الصفدي: " الوافي " 5 / 22، ابن كثير " البداية 14 / 4، ابن حجر: " الدرر " 1 / 155.
(2) ابن كثير: " البداية "، 14 / 19.
(3) الصفدي: " الوافي " 5 / 18، ابن كثير: " البداية " 14 / 33، وانظر فتواه في " الصوفية
والفقراء " (نشرها رشيد رضا بالقاهرة 1348 ط 2).
(4) ابن كثير: " البداية " 14 / 34.
(5) المصدر نفسه، 14 / 11.
(6) المصدر نفسه، 14 / 12.
(7) ابن حجر: " الدرر " 1 / 156.
(8) السبكي: " طبقات " 6 / 254 (القاهرة 1324)، ابن كثير: " البداية " 14 / 37، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234.
(9) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 334 فما بعد (أيا صوفيا 3014)، الصفدي: " أعيان العصر " 8 / الورقة 7 1 (أيا صوفيا 2968)، ابن كثير: " البداية " 14 / 9 فما بعد.
(10) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 35، وقارن ابن حجر: " الدرر " 1 / 169 168.

(1/37)


رثاه بقصيدة (1)، وذكر أن مصنفاته قد جاوزت الالف (2)، وبالغ في ذكر مساوئ من حط عليه مثل الامير سيف الدين تنكز (3) نائب الشام.
ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية بأقل من محبة الذهبي له، بل ربما كان المزي أكثرهم إعجابا ومحبة له مع أنه أكبر منه سنا (4).
ومع أن الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه " في مسائل أصلية وفرعية (5) " وأرسل إليه نصيحته الذهبية (6) التي يلومه، وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرا عظيما، بحيث قال تاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 ه: " إن هذه الرفقة المزي والذهبي والبرزالي أضر بها أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا وحملها من عظائم الامو أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم (7) ".
إن هذه الصلة بين الرفقة، وما اختطوه لانفسهم فيما ارتضوه، ومالوا إليه
من آراء الحنابلة، قد أدت في كثير من الاحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما
__________
(1) ابن ناصر الدين: " بديعة الزمان "، الورقة 165، و " الرد الوافر " ص 36 35.
(2) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 35، وقارن ابن حجر: " الدرر " 1 / ص 160.
وقال الصفدي: " ومن الذي يأتي على مجموعها ! " وذكر منها جملة كبيرة " الوافي " 5 / 30 23.
(3) ابن حجر: " الدرر "، 1 / 61.
وعاتب الذهبي تلميذه تاج الدين السبكي بسبب كلام وقع منه في ابن تيمية، فاعتذر منه السبكي برسالة أرسلها إليه.
ابن حجر: " لدرر "، 1.
169.
(4) انظر أقوال المزي في ابن تيمية في كتاب " الرد الوافر " ص 130 128 وأقوال البرزالي في الكتاب نفسه ص 123 119.
وكان ابن تيمية شديد الاعجاب بالمزي، فلما باشر دار الحديث الاشرفية بعد الشريشي، قال ابن تيمية: " لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه " انظر: ابن كثير: " البداية "، 14 / 89، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234، النعيمي: " تنبيه "، 1 / 35.
(5) ابن حجر: " الدرر " 1 / 166.
(6) الذهبي: " النصيحة الذهبية لابن تيمية " (دمشق 1347 ه).
(7) السبكي: " طبقات " 6 / 254 (القاهرة 1324 ه).

(1/38)


ليس فيهم.
وقد أوذي المزي بسبب ذلك (1)، وحرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الاشرفية (2) التي شغرت مشيختها بعد وفاة رفيقه المزي سنة 742 ه، فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أن يعين الذهبي لها، فتكلم الشافعية بأن الذهبي ليس بأشعري، وأن المزي ما وليها إلا بعد أن كتب بخطه، وأشهد على نفسه بأنه أشعري، واتسع النقاش بينهم، ورفض الشافعية أن يتولاها الذهبي بعد أن جمعهم نائب الشام ألطنبغا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الامر إلا بتولية السبكي نفسه (3).
ثم أثرت صلة الذهبي بابن تيمية فيما اختصر (4) أو ألف (5)
من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحبه للحنابلة (6)، وموقفه من بعض المتصوفة (7) ولا سيما طائفة الاحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (8).
وهو يذكر
__________
(1) من ذلك ما حدث سنة 705 ه حينما وقعت المناظرة بين ابن تيمية والشافعية فقرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلا بالرد على الجهمية من كتاب خلق أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين، وشكاة إلى القاضي الشافعي ابن صصرى، وكان من أعداء ابن تيمية، فأمر بسجن المزي، ولما بلغ ابن تيمية ذلك، تألم كثيرا، وذهب إلى السجن، فأخرجه منه بنفسه، فغضب نائب دمشق فأعيد المزي، ثم أفرج عنه.
ابن كثير: " البداية " 14 / 37، ابن حجر: " الدرر " 5 / 234).
(2) منسوبة إلى الملك الاشرف ومظفر الدين موسى ابن العادل الايوبي، ابتدأ عمارتها سنة 628 ه، وافتتحت سنة 630 ه، وأول من وليها محدث عصره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه انظر الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 243 (أيا صوفيا 3012)، والنعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 19 فما بعد.
(3) السبكي: " طبقات الشافعية "، 6 / 171 170 (القاهرة 1324)، ابن قاضي شهبة: " طبقات الشافعية "، الورقة 105 (أحمد الثالث 2836).
(4) من ذلك مثلا " المنتقى من منهاج الاعتدال لشيخه ابن تيمية (وانظر القسم الخاص بكتبه).
(5) من ذلك مثلا كتاب " العلو " (وانظر القسم الخاص بكتبه).
(6) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 4.
(7) قال في ترجمة شيخه بهاء الدين أبي المحاسن عبد المحسن بن محمد المعروف بابن العديم المتوفى سنة 704 ه: " وكان يدخل في ترهات الصوفية " " معجم الشيوخ "، م 1 الورقة 85.
(8) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الاحمدي الباز دار المتوفى سنة 725 ه: " كان من كبار الاحمدية، وله أتباع، ثم أنه تاب وترك تلك الرعونات " " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 40.

(1/39)


أن علم المنطق " نفعه قليل وضرره وبيل وما هو من علوم الاسلام (1) " ويقول عن الفلسفة: " الفلسفة الالهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوخ نجاحه، فإن هذا العلم في شق، وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبو اللرد على الفلاسفة قد حاروا، ولحقتهم كسفة، فما الظن بالمردود عليهم (2) ؟ ! ".
ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقة ابن تيمية، أن جعلت بعض الناس يجدون فيها سببا لطعنهم في كتاباته بسبب اعتقادهم بتحيزها (3).
وقد أثارت هذه المطاعن نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (4) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في " سير أعلام النبلاء " (5).
ومع أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبي بسبب العقائد كان يغلب عليها طابع التحامل والتعصب، إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطا شديدا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفسلفتهم تجاه العلوم العقلية، وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه، فاهتم اهتماما كبيرا بالتراجم حتى صارت أساس كثير من كتبه، ومحور تفكيره.
__________
(1) الذهبي: " بيان زغل العلم "، ص 24 وقال في ترجمة أحد شيوخه: " ثم دخل في ؟ ؟، فالله يسلم، ثم أقبل على شأنه " " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 67 66.
(2) الذهبي: " بيان زغل العلم " ص 26 25 وانظر " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 49.
(3) السبكي: " معيد النعم "، ص 74، و " الطبقات "، 2 / 15 13، 25 22، 9 / 103.
(4) السخاوي: " الاعلان "، ص 499 فما بعد، وابن عبد الهادي: " معجم الشافعية " الورقة 47 48.
(5) انظر الفصل الثاني.

(1/40)


سادسا نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية:
بدأت حياة الذهبي العلمية في الانتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث.
ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " الذي انتهى من إخراجه لاول مرة سنة 714 (1) ه.
وقد تولى الذهبي في سنة 703 ه الخطابة بمسجد كفر بطنا (2)، وهي قرية بغوطة دمشق (3)، وظل مقيما بها إلى سنة 718 ه.
وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف.
وفي شوال سنة 718 ه توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد ابن الشريشي الوائلي، وكيل بيت المال، وشيخ دار الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (4)، وكانت هذه الدار من كبريات دور الحديث بدمشق آنذاك (5)، تولاها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة ابتداءا من سنة 685 ه وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (6).
قال ابن كثير في حوادث سنة 718 ه: " وفي يوم الاثنين العشرين من
__________
(1) انظر الورقة الاخيرة من نسخة أيا صوفيا 3014.
(2) الحسيني: " ذيل العبر " ص 269، ابن كثير: " البداية " 14 / 28.
(3) محمد كرد علي: " غوطة دمشق " ص 24.
(4) الذهبي: " ذيل العبر " ص 99، ابن كثير: " البداية "، 14 / 91، النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 34 33.
(5) النعيمي: " تنبيه " 1 / 316، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر.
(6) ابن كثير: " البداية " 14 / 88، 91، النعيمي: " تنبيه " 1 / 34.

(1/41)


ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين ابن الشريشي..وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة (1) ".
وقد اتخذها الذهبي سكنا له وبقي فيها إلى حين وفاته.
وفي يوم الاربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 729 ه ولي شمس الدين الذهبي دار الحديث الظاهرية (2) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهيل ونزل عن خطابة كفر بطنا (3).
ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة 739 ه، تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك (4).
وفي هذه السنة أيضا، أعني سنة 739 ه، كمل تعمير دار الحديث والقرآن التنكزية (5)، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (6).
وقد أخطأ محيي
__________
(1) ابن كثير: " البداية " 14 / 88.
(2) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة 676 ه، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها: النعيمي: " الدارس " 1 / 348.
(3) ابن كثير: " البداية " 14 / 143.
(4) الصفدي: " الوافي " 2 / 166 وتجد نص التوقيع في كتابه.
(5) منسوبة إلى الامير تنكز نائب الشام، وليها سنة 712 ه ومات معتقلا بالاسكندرية في أوائل سنة 741 ه (الحسيني: " ذيل العبر " ص 220 219، ابن حجر: " الدرر " 2 / 55 / 62) قال ابن كثير في حوادث سنة 739 ه: " ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الامام الحافظ مؤرخ الاسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا لكل منهم جراية وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهما وثماني أواق خبز وجاءت في غاية الحسن..الخ، 14 / 184.
(6) ابن كثير: " البداية " 14 / 184، النعيمي: " تنبيه " 1 / 123.

(1/42)


الدين عبد القادر النعيمي المتوفي سنة 927 ه حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين ابن تيمية في دار الحديث السكرية (1)، فترجمه فيها (2) وكرر ذلك، مع أن الذهبي لم يتول هذه الدار كما يبدو.
ويظهر أن " التنكزية " تحرفت إلى " السكرية (3) فظن الرجل أنه تولاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفي سنة 728 ه: " ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد..ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي ".
قال الشيخ شمس الدين السيد في " ذيل العبر " (في) (4) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: " والامام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (5) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي ".
انتهى.
وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان بن عبد الحكم..إلخ (6) " ثم قال في " دار القرآن والحديث التنكزية " من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: " قال السيد الحسيني في " ذيل العبر " في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (7): والامام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي
__________
(1) " تنبيه الدارس " 1 / 78 77.
(2) المصدر نفسه 1 / 79 78.
(3) علما بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من " البداية والنهاية " (14 / 184) وهذه النسخة كثيرة الاغلاط كما هو معروف.
(4) زيادة مني يقتضيها السياق.
(5) هكذا في الاصل.
وفي " ذيل العبر " (ص 276) و " ذيل تذكرة الحفاظ " (ص 119): عبد الحكيم.
وهو الصحيح.
(6) النعيمي: " تنبيه " 1 / 80 77.
(7) زيادة من عندي يقتضيها السياق.

(1/43)


شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي.
انتهى.
وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية.
وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان ابن عبد الحكم..إلخ (1) ".
وهذا النص الاخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في " ذيل العبر " (2).
إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأن الذهبي خلف ابن تيمية سنة 728 ه في دار الحديث السكرية وهو وهم لا أساس له (3).
ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية (4)، التي أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة 596 ه.
وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن.
وحينما توفي سنة 748 ه كان يتولى مشيخة الحديث في خمسة أماكن هي: 1 مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين ابن الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته (5).
__________
(1) النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 127.
(2) الحسيني: " ذيل ذيل العبر " ص 276.
(3) مقدمة الجزء الذي طبعه من " سير أعلام النبلاء " 1 / 22 والطريف أن ابن تيمية لم يكن متوليا لهذه المدرسة سنة 728 فقد اعتقل في 16 شعبان سنة 726 وظل معتقلا بالقلعة إلى حين وفاته في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة 728 (ابن كثير: " البداية " 14 / 123، 135).
(4) النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 94.
(5) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86 وهي منسوبة إلى شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة 620 ه (النعيمي: " تنبيه الدارس " 1 / 82).

(1/44)


2 دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين ابن الواني الحنفي في مرض موته أيضا فدرس فيها في ذي القعدة (1).
3 دار الحديث التنكرية، ودرس فيها بعده الامام صدر الدين سليمان ابن عبد الحكيم المالكي كما مر بنا قبل قليل (2).
4 دار الحديث الفاضلية بالكلاسة، ودرس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة 774 ه (3).
5 تربة أم الصالح، درس فيها بعده تلميذه الحافظ أبو الفداء عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه (4).
__________
(1) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86.
(2) وانظر أيضا ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86.
(3) ابن قاضي شهبة: " الاعلام " الورقة 86، والنعيمي: " تنبيه " 1 / 94.
(4) قال في كتابه " البداية والنهاية " في حوادث سنة 748 ه: " وفي يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح رحم الله واقفها عوضا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسا مشهودا ولله الحمد والمنة..إلخ " 14 / 225.

(1/45)


سابعا منزلة الذهبي العلمية:
لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الاسلامية.
وسيرة الذهبي العلمية، استنادا إلى آثاره، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار.
وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، والتي تعد من بين أحسن الكتب التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالة، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الاصيل منها، وتمتعه بقدرة ممتازة على الانتفاء.
ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الاصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه.
والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص يعتري ذلك الكتاب.
فحينما اختصر مثلا كتاب " أسد الغابة في

(1/46)


معرفة الصحابة " لعز الدين ابن الاثير المتوفى سنة 630 ه زاده من عدة تواريخ منها: " تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص " لابي القاسم عبد الصمد ابن سعيد الحمصي المتوفى سنة 324 ه، و " مسند " الامام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 ه، و " مسند " بقي بن مخلد المتوفى سنة 276 ه، و " طبقات " ابن سعد المتوفى سنة 230 ه، و " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، ومن كتابات ابن سيد الناس المتوفى سنة 734 (1) ه.
وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي " للمعجم المشتمل على ذكر شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه: " زاده فوائد ومحاسن " (2).
ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقات نفيسه، ومن ذلك مثلا ما عمله في كتاب " الكاشف " الذي اختصره من " تهذيب الكمال " لابي الحجاج المزي المتوفى سنة 742 ه، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على
روح النص الاصلي، فقد بث فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفا من تآليفه مخالفا للاصل المختصر منه في كثير من الامور.
وآية ذلك أنه علق على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلا أو إبطالا، كما حقق كثيرا من التراجم وزاد تدقيقا لا نجده في الاصل.
فضلا عن بيان رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة، وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يصف هذا المختصر بأنه " كتاب نفيس " (3).
__________
(1) أنظر أدناه قائمة المختصرات في مؤلفات الذهبي وما كتبناه عنه في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 218 217.
(2) " رونق الالفاظ " الورقة 180.
(3) " طبقات الشافعية " 9 / 104.

(1/47)


وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمن ذلك مثلا ما ظهر في مختصره لكتاب " المستدرك على الصحيحين " لابي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 ه الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته ونقده أنه لم يصحح من أحاديث الكتاب سوى النصف، وبين أن نصف النصف الآخر يصح سنده وإن كان فيه علة، أما الربع الاخير فهو أحاديث مناكير وواهيات لا تصح، بل إن في بعضها أحاديث موضوعة (1).
وهذا يعني أن الذهبي قد أعاد دراسة جميع أحاديث المستدرك مجددا ونقدها، فخرج بهذه النتيجة.
وغالبا ما يقوم الذهبي بتخريج الاحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب " تلخيص العلل المتناهية في الاحاديث الواهية " الذي لخصه من كتاب " العلل " لابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه هو من كلام الذهبي (2).
ولما اختصر الذهبي كتاب " السنن الكبرى " للبيهقي المتوفى سنة 458 ه.
تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تدل على تبحره بهذا الفن، ووضع رموزا على الحديث لمن خرجه من أصحاب الصحيحين والسنن الاربع، وخرج الاحاديث التي لم ترد في هذه الكتب الستة.
وكثيرا ما كان الذهبي يخرج تراجم الكتب التي يختصرها في علم الرجال.
__________
(1) انظر ما كتبناه عن " مختصر المستدرك " في كلامنا على مؤلفات الذهبي من كتابنا: 248 249.
(2) الذهبي: " تلخيص العلل " ورقة 85 (نسخة الازهر رقم 290 حديث).

(1/48)


من ذلك مثلا ما عمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة 637 ه حيث زاد في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحب الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في " تاريخه " (1).
كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بابته " كتاريخ محب الدين ابن النجار " المتوفى سنة 643 ه الذي ذيل به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة 463 ه (2)، و " وفيات الاعيان "، لابن خلكان المتوفى سنة 681 (3) ه، و " التكملة لوفيات النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة 656 (4) وغيرها.
أو من كتب الشعر ككتاب " الخريدة " للعماد الاصبهاني القرشي المتوفى سنة 596 (5) ه.
أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي المتوفى سنة 636 (6) ه، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة 690 ه صاحب " المشيخة " المشهورة (7)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الابرقوهي المتوفى سنة 701 ه (8)، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة
__________
(1) انظر " المختصر المحتاج " مثلا 1 / 18، 20، 21، 25، 26، 27، 28، 35، 40، 42، 44، 47، 101، 116، 117، 119، 148، 179، 199.
إلخ.
(2) انظر " المختصر المحتاج " مثلا 1 / 21، 49، 51، 69، 72، 77، 80، 101، 136، 149، 150، 158، 169، 170، 172، 175، 178، 181، 183، 184، 188، 200، 201، 211، 212، 215، 216، 220، 223، 227، 228..الخ.
(3) المصدر السابق، مثلا 1 / 175.
(4) المصدر نفسه 1 / 158.
(5) " المختصر " 1 / 225.
(6) " المختصر " مثلا 2 / 62.
(7) المصدر نفسه، مثلا 2 / 63.
(8) " المختصر " مثلا 2 / 36.
سير 1 / 4

(1/49)


643 ه (1) وغيرهم كثير.
أو من خطوط العلماء نحو قوله: " قرأت بخط ابن قدامة " (2).
فضلا عما أضاف هو من الاسانيد قرأها على شيوخه مما يتصل بتلك التراجم، وهي
إضافة أصيلة للترجمة، فهو حينما يقول مثلا: " وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الابرقوهي (3) " أو " روى لنا عنه أبو العباس ابن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الاربلي..إلخ (4) " فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (5).
ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضا تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكر صاحب الكتاب الاصلي وفياتهم.
فنحن نعلم مثلا أن ابن الدبيثي لم يذكر وفاة أحد ممن ذكر هم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة 621 ه وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخر إخراج له (6)، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرج الذهبي وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون معلومات الكتاب أتم (7).
يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الاحاديث الواردة في هذه المختصرات
__________
(1) المصدر نفسه، مثلا 2 / 36، 62.
(2) المصدر نفسه، مثلا 1 / 65.
(3) المصدر نفسه، 1 / 21.
(4) المصدر نفسه 1 / 23.
(5) انظر مزيدا من الامثله، " المختصر " مثلا 1 / 76، 130، 136، 140، 152، 226، 231.
(6) انطر كتابنا: " تاريخ بغداد لا بن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته " ص 4 (بغداد 1974).
(7) انظر " المختصر المحتاج إليه " مثلا 1 / 76، 86، 106، 133، 151، 152..إلخ.
ونجدا أيضا ذكرا لوفيات من يرد اسمه عرضا في بعض الاحيان 1 / 103.

(1/50)


بسنده إذا وجد مجالا لذلك (1).
وأعاد الذهبي تنظيم بعض الكتب التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378 ه أعاد ترتيبه على حروف المعجم بعد أن أضاف إليه أشياء أخرى مما ليس فيه (2).
كما رتب " المجرد من تهذيب الكمال " على عشر طبقات ورتب كل طبقة على حروف المعجم، في حين كان كتاب " تهذيب الكمال " للمزي مرتبا على حروف المعجم (3).
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عني بالقراءات ودرسها على كبار شيوخ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح " الاستاذ الثقة الكبير (4) " فيها.
وذكر ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه أنه كان " إماما في القراءات (5) ".
لكننا نلاحظ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جدا (6) ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه عني بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث والتاريخ وغيرهما.
ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب " التلويحات في علم القراءات (7) " وكتاب " معرفة
__________
(1) " المختصر المحتاج إليه " 1 / 49، 65.
(2) انظر مقدمة نسخة فيض الله رقم 1531 من الكتاب.
(3) انظر كلامنا على كتاب " المجرد من تهذيب الكمال " في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 230.
(4) ابن الجزري: " غاية " 2 / 71.
(5) " الرد الوافر " ص 31.
(6) ابن الجزري: " غاية " 2 / 71، قال: " ولم أعلم أحدا قرأ عليه القراءات كاملا، بل شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو والبقرة
جمعا.
وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد ابن اللبان وجماعة.
وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن ".
(7) انظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي (القراءات).

(1/51)


القراء الكبار على الطبقات والاعصار " الذي هو إلى كتاب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإن كانت محتوياته غالبا ما تتعلق بموضوع القراءات.
وقد شهد له ابن الجزري بالاحسان فيه (1)، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه " غاية النهاية " كما نص على ذلك في المقدمة (2)، ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه " كتاب حافل " (3).
ومع كل ذلك فإن هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثارا.
على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهر ان في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثا يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة " حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا (4) ".
وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشرهه لسماعه، وذلك العدد الضخم من الشيوخ الذين حوتهم معجمات شيوخه الثلاثة، والكتب، والاجزاء، والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة.
وقد فتحت له هذه المعرفة الواسعة آفاقا عظيمة في هذا الفن فاختصر عددا كبيرا من الكتب، وألف عددا أكبر يستبينه الباحث عند إلقائه نظرة على قائمة مؤلفاته في هذا المجال.
كما ألف في مصطلح الحديث كتبا، وخرج التخاريج الكثيرة من الاربعينات، والثلاثينات، والعوالي، والاجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فصلنا القول فيه عند كلامنا على آثاره (5).
ومع أن الذهبي قد عاش في عصر غلب عليه الجمود والنقل والتخليص،
__________
(1) " غاية " 2 / 71.
(2) المصدر نفسه 1 / 3.
(3) " الاعلان " ص 564.
(4) ابن حجر: الدرر 3 / 426.
(5) كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 139 فما بعد.

(1/52)


فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته.
قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه: " لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (1) النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الائمة من السلف وأرباب المقالات.
وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده (2).
إن هذه البراعة في علم الحديث، والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبي ينطلق بعد ذلك يجرح، ويعدل، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على كبار العلماء (3)، " فدخل في كل باب من أبوابه " على حد تعبير تلميذه تاج الدين السبكي (4)، حتى أطلق عليه معاصروه " محدث العصر (5) ".
وبلغ اعتراف حافظ عصره الامام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته (6).
__________
(1) الكودنة: البلادة.
(2) " الوافي " 2 / 163.
(3) الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 35.
(4) " الطبقات الوسطى " (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم 554).
(5) السبكي: " الطبقات " 9 / 100، العيني: " عقد الجمان " ورقة 37 (أحمد الثالث رقم 2911).
(6) استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماء زمزم لما شرب له " وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في " الاعلان " (ص 472).
وقديما شرب ابن خزيمة المتوفى سنة 311 ه ماء زمزم وطلب علما نافعا (الذهبي: تذكرة، 2 / 721).
وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405: " شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف " (الذهبي: تذكرة، / 3 / 1044).
وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة 953 ه رسالة في " التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم " منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم 3317.

(1/53)


ومفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم التاريخ ".
وقد أصبح واضحا أن الغاية الرئيسة من العناية بالرجال اتي لضبط الرواة أولا (1)، وهو ما يظهر في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عند المحدثين المؤرخين لا سيما في ذلك العصر (2).
وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا، كما نرى.
وقد خلف الذهبي في هذا الفن عددا ضخما من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه، والذيول عليه: لابن السمعاني المتوفى سنة
562 ه، وابن الدبيثي المتوفى سنة 637 ه وابن النجار المتوفى سنة 643 ه.
ومنها أيضا " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، و " تاريخ مصر " لابن يونس المتوفى سنة 347 ه، و " تاريخ نيسابور " لابي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 ه، و " تاريخ خوارزم " لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة 568 ه.
ومن كتب الوفيات: " التكملة لوفيات
__________
(1) انظر كتابنا: " أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين ".
بغداد، مطبعة الحكومة 1966 م، وبحثنا: " مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين " المنشور في مجلة الاقلام البغدادية، السنة الاولى، العدد الثالث 1965 م.
(2) حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه أن من بين مستدركاته على الذهبي في كتابه " المشتبه " أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم رواية حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: " إن غالب من ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي والسير والمبتدأ والانساب والتواريخ والاخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد في ذلك من الاسماء ولو لم يكن لهم رواية " " تبصير المنتبه " 4 / 1513.

(1/54)


النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة 656 ه وصلته للحسيني المتوفى سنة 695 ه.
ومن كتب الانساب: كتاب " الانساب " لابي سعد السمعاني المتوفى سنة 562 ه.
ومن كتب الصحابة كتاب " أسد الغابة " لابن الاثير المتوفى سنة 630 ه.
ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب " تهذيب الكمال في معرفة الرجال " لابي الحجاج المزي المتوفى سنة 742 ه، و " المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة 571 ه وغيرها (1).
فكانت هذه المختصرات المادة الرئيسة التي كونت شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة.
أما تراجم المعاصرين فيعد الذهبي من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهمية هذا الامر فكان كتابه " المعجم المختص بمحدثي العصر " خير دليل على ذلك.
ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي (2)، لان هذا هو التاريخ الاكثر أهمية وخطرا، وهو الذي يعطي المؤرخ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره، وهو مما لم يدركه كثير من المعنيين بالتاريخ ومنهم ابن الوردي.
لقد أنتجت هذه المعرفة الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها كتابه العظيم " تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام " الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث، وكتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " الذي لم يتضمن غير التراجم، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي عرفناها له.
__________
(1) انظر كلامنا على " المختصرات " من كتابنا: الذهبي ومنهجه: 264 215.
(2) ابن الوردي: تتمة المختصر، 2 / 349.

(1/55)


ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الاسلام من أول ظهوره حتى عصره، بله المعاصرين له.
وهو في كتابته للترجمة فنان تراجمي ملئ بفن التراجم يجد الباحث فيها دقة متناهية في التعبير، وحبكا للترجمة تشد القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لافضلها وإبداء لآرائه الشخصية فيها (1).
وقد عانى الذهبي كتابة " السيرة " وهو فن خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة " الترجمة " المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث، وغيرهم (2).
ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: " إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جمعت الامة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يعبر عنها إخباز من حضرها (3) ".
وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (4)، وعده الامام السيوطي المتوفى سنة 911 ه رأس طبقة ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة 735 ه وابن سيد الناس المتوفى سنة 734 ه وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة 744 ه
__________
(1) انظر الفصل الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في " السير " وما كتبناه عن منهجه في كتابه " تاريخ الاسلام " في كتابنا المذكور عنه.
(2) انظر أدناه " السير " من آثار الذهبي.
(3) السبكي: " طبقات " 9 / 101.
(4) السخاوي: " الاعلان " ص 604.

(1/56)


وتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 ه وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 ه وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة 758 (1) ه وهم من أعلام الحفاظ المحدثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة أحدهم الذهبي (2).
ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددا من المؤلفات الرئيسية فيه مثل تاريخ أبي شامة
المتوفى سنة 665 ه وتاريخ أبي الفداء المتوفى سنة 732 ه وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة 151 ه وتواريخ: الطبري المتوفى سنة 310 ه وابن الاثير المتوفى سنة 630 ه وابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه وغيرهما مما يطول تعداده (3).
وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل " تاريخ الاسلام " و " العبر " و " دول الاسلام " وغيرها.
ونستبين من نطاق كتاباته هذه أنه كان مؤرخا جوال الذهنية استطاع استيعاب عصور التاريخ الاسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترة تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أن درسها دراسة عميقة قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب وهذا أمر لم يتأت لكثير من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه.
وحينما كتب الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " ورتبه على الطبقات تكلم في
__________
(1) السبوطي:: " طبقات الحفاظ " ورقة 85 فما بعد (نسخة الاسكندرية).
(2) المصدر نفسه، ورقة 86.
(3) انظر كلامنا على نهج الذهبي في الموارد من كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 284 فما بعد.

(1/57)


نهاية أكثرها على الاوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجمل الاوضاع العامة بفقرات قليلة دللت على سعة أفقه التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبة كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الاسلامي المترامي الاطراف بعبارة وجيزة.
وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن استوعب العصر ودرسه دراسة عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم
العام (1).
ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أوتي من ذكاء وإدراك واسعين جعلت منه ناقدا رجاليا ماهرا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " الذي اعتبره معاصروه (2) ومن جاء بعدهم (3) من أحسن كتبه وأجلها.
وقد تناوله عدد كبير من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكا وتعقيبا وتلخيصا بحيث قال شمس الدين السخاوي: " وعول عليه من جاء بعده (4) ".
وللذهبي التفاتات بارعة في أصول النقد، فقد ألف رسالة في " ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل " تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد وكيفية أخذ أقوالهم (5).
وأورد في مقدمة " الميزان " عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبين مدلولاتها في النقد (6).
وهو في كتبه يشرح بعض هذه الاصول،
__________
(1) انظر مثلا الذهبي: " تذكرة الحفاظ " 1 / 70، 160 158، 244، 328، 2 / 530، 627 - 628، 4 / 1266، 1485 (2) السبكي: " طبقات " 9 / 104، الحسيني: " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 35 (3) ابن حجر: " لسان الميزان " 1 / 4 (4) " الاعلان " ص 587 وانظر كلامنا على الميزان في كتابنا: " الذهبي ومنهجه ": 201 193 (5) نسخة أيا صوفيا رقم 2953 (6) " ميزان الاعتدال " 1 / 4 3

(1/58)


من ذلك مثلا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته.
وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين
، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع.
وقال السعدي: زائغ مجاهر.
فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والاتقان ؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
ثم يدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة..ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما (1) ".
وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني: " أحد الاعلام صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى، قال الخطيب: " رأيت لابي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الاجازة أخبرنا ولا يبين.
وقلت (يعني الذهبي): هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس.
وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها..قلت: كلام الاقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الاعصار سلم أهله من ذلك، سوى الانبياء
__________
(1) " ميزان الاعتدال " 1 / 6 5 وانظر أمثلة أخرى في " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 256، م 2 الورقة 72، " وتاريخ الاسلام " الورقة 93 (أحمد الثالث 2917 / 9).

(1/59)


والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا
غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (1) ".
ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الاحيان حين لا يجد لآرائهم من سند قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلا ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في " تاريخه " وذكر أن في حديثه خللا كبيرا، فقال: " ولا عبرة بكلام الفسوي (2) " وأورد في " ميزان الاعتدال " مآخذ الفسوي عليه ورد عليها ثم قال: " فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد (3) " والميزان ملئ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثير الامثلة منها.
بل وجدناه يؤلف كتابين، يرد فيهما على جملة من علماء الجرح والتعديل هما: " رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم "، وكتاب " من تكلم فيه وهو موثق ".
ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تعدى ذلك إلى نقد الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر، من ذكل مثلا نقده لكتاب " الضعفاء " لابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه الذي اختصره وذيل عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده أيضا العلامة ابن الجوزي في " الضعفاء " ولم يذكر فيه أقوال من وثقه.
وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق " (4).
وقال في ترجمة حفص
__________
(1) نفسه، ج 1 ص 111 وانظر " تاريخ الاسلام " الورقة 334 (أيا صوفيا 3008).
(2) الذهبي: " تذكرة " 1 / 67 (3) الذهبي: " ميزان الاعتدال " 2 / 107 وانظر: " تاريخ الاسلام " الورقة 485 (أيا صوفيا 3009).
(4) المصدر نفسه، 1 / 16.
وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في " اللسان " فراجعه هناك
تجد فائدة.

(1/60)


ابن ؟ ؟ من الميزان: " قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره مما يدل على عدالته.
وهذا شئ كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل (1) ".
وانتقد الذهبي كتاب " الضعفاء " لابي جعفر محمد بن عمرو العقيلي المتوفى سنة 322 ه لايراده بعض الثقات ومنهم حافظ عصره علي بن المديني المتوفى سنة 234 فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: " ذكره العقيلي في كتاب الضعفا، فبئس ما صنع " ورد عليه حينما نقل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه..ثم ترك حديثه "، بقوله: " بل حديثه عنه في مسنده " وهذا رد مفحم من الذهبي بل قال بعد ذلك: " وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن صحيحه بحديث ابن المديني (2) ".
ولا يقتصر الذهبي عند نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرا ما يذكر محاسنها ومميزاتها، فقد سبق أن قال إن كتاب العقيلي مفيد (3)، وقال عن كتاب " الكامل " لابن عدي المتوفى سنة 365 ه إنه " أكمل الكتب وأجلها في ذلك (4) "، وقال في ترجمة الدار قطني المتوفى سنة 385 ه: " وإذا شئت أن تتبين براعة هذا الامام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك (5) ".
__________
(1) " ميزان الاعتدال " 1 / 556 (2) " ميزان الاعتدال " 3 / 140 138.
(3) المصدر نفسه 1 / 2.
(4) المصدر نفسه، 1 / 2.
(5) " تذكرة الحفاظ " 3 / 994 993.

(1/61)


ونحن نعلم أيضا أن الذهبي قد عانى النقد في تآليف خاصة رد بها على كتب معينة، فقد ألف كتابا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة 628 ه (1) كما ألف كتاب " من تكلم فيه وهو موثق " رد به على جملة من كتب الضعفاء كما ببنا.
وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح " شيخ الجرح والتعديل " كما ذكر تاج الدين السبكي (2).
وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه: " ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين..وكان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل (3) "، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902: " وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال (4) "، فأصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وظهرت بصورة جلية في المؤلفات التي كتبت بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه (5).
وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الامثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروح علمي يعتمد الدليل والاقناع، من ذلك مثلا مناقشة لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حيان البستي التميمي المتوفى سنة 354 ه بالزندقة لقوله: " إن النبوة هي العلم والعمل " وما تبع ذلك من كتابة الخليفة أمرا بقتله لهذا السبب، قال الذهبي: " وهذا
__________
(1) الذهبي: " الرد على ابن القطان " (نسخة الظاهرية، مجموع رقم 70).
(2) ؟ ؟ " 9 / 101.
(3) " الرد الوافر " ص 31.
(4) " الاعلان " ص 722.
(5) انظر مثلا كتابه: " لسان الميزان ".

(1/62)


أيضا له محمل حسن ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة.
فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجا بمجرد الوقوف بعرفة، وإنما ذكر مهم الحج، ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي العلم والعمل، ولا يكون أحد نبيا إلا أن يكون عالما عاملا.
نعم، النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلة للبشر في اكتسابها أبدا، وبها يتولد العلم النافع الصالح، ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي (1) ".
ومن الامثلة الطريفة أيضا مناقشة لمسألة معرفة النبي صلى الله عليه وسلم - الكتابة، فقال في ترجمخة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 ه: " ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر ابن الصائغ وكفره بإجازة الكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الامي وأنه تكذيب بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبحوا عند العامة ما أتى به خطباؤهم في الجمع وقال شاعرهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال: إن رسول الله قد كتبا وصنف أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة.
قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لانه لا يسمى كاتبا.
وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام: " إنا أمة أمية " أي أكثر هم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: [ هو الذي بعث في
__________
(1) الذهبي: " تذكرة " 3 / 922 921 وراجع " تاريخ الاسلام " ورقة 17 16 (أحمد الثالث 2917 / 10) وانظر أيضا " ميزان الاعتدال " ج 3 / 508 507 ففيه تفصيل أكثر في هذه المسألة.

(1/63)


الاميين رسولا منهم ] (1).
وقال في موضع آخر معقبا على هذه المسألة أيضا: " قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي صلى الله عليه وسلم - يسير الكتابة بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابته لهذا القدر اليسير ما يخرجه من كونه أميا ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة " (2).
ومثل هذا كثير في كتب الذهبي.
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان سلفي العقيدة قد أثرت فيه البيئة الدمشقية وصحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية.
ومع أن الذهبي لم يكن متحمسا للخوض في مضايق العقائد ويعتر السكوت فيها أولى وأسلم (3)، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها.
وقد اعتبر " الاعتزال بدعة " (4) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجوما عنيفيا (5).
وكان على غاية من الاعجاب بأعمال السلف وإنجازاتهم (6)، واهتم اهتماما كبيرا بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أصيبوا بها حينما أعلن المأمون رأيه والزم
الناس القول بخلق القرآن، وبين موافقهم الجريئة من هذا الامر (7).
__________
(1) الذهبي: " تذكرة " 3 / 1182 1181.
والآية الكريمة من سورة الجمعة (2) (2) المصدر نفسه، 2.
742 (3) " تذكرة " 2 / 600، 4 / 1499 (4) انظر مثلا " تذكرة الحفاظ " 3 / 1122 (5) " أهل المئة فصاعدا " ص 115 (6) " تذكرة الحفاظ " ج 2 / 628 627 (7) انظر مثلا " تذكرة " 1 / 476، 477، 561، 589، 2 / 730، 733، 747..

(1/64)


لقد اختصر الذهبي عددا من الكتب المهمة في العقائد منها مثلا كتاب " البعث والنشور " وكتاب " القدر " اللذان للبيهقي المتوفى سنة 458 ه، وكتاب " الفاروق في الصفات " لشيخ الاسلام الانصاري المتوفى سنة 481 ه وكتاب " منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال " لرفيقه وشيخه تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة 728 ه.
وخلف الذهبي عددا من الآثار في هذا العلم منها كتاب " الكبائر وبيان المحارم " وكتاب " الاربعين في صفات رب العالمين " وكتاب " العرش " و " كتاب مسألة الوعيد " وغيرها.
ولعل من أشهرها كتابه المعروف " العلو للعلي الغفار " الذي يعد أوسع هذه الكتب وأكثرها شهرة (1).
بحث الذهبي العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسية التي تكون هذه الكتب والادلة المستعملة فيها من الاحاديث النبوية الشريفة.
وقد انتقد الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده
مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب " العلو ": " ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لان فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبي أنه كان شافعي الفروع حنبلي المعتقد (2) ".
ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيها أو عالما بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، وبرهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، وغيرهم (3).
وقد ألف في
__________
(1) انظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي.
(2) " ذيل تذكر الحفاظ " 348 هامش 2 (3) انظر أعلاه كلامنا على سيرته و " رونق الالفاظ " لسبط ابن حجر، ورقة 180 سير 1 / 5

(1/65)


أصوله، وعني باختصار كتاب " المحلى " لابن حزم (1)، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عددا من الكتب والاجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلا كلامه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (2).
وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبر القرآن والحديث هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحا في بيتين من الشعر له ذكرهما غير واحد ممن ترجم له وهما: الفقه قال الله قال رسوله * إن صح والاجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة * بين النبي وبين رأي فقيه (3) وهذا الذي قدمناه لا يعني أن الذهبي لم يكن عارفا بالفقه، لكنه كان عزوفا عنه لا نشغاله بالحديث وروايته الذي هو الاصل الثاني للفقه بعد الكتاب العزيز، قال ابن ناصر الدين المتوفي سنة 842 ه: " له دربة بمذاهب الائمة
وأرباب المقالات قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف (4) ".
ولغة الذهبي في كتبه لغة جيدة قياسيا بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قلما وجدنا له لحنا في كتبه.
وهو باعتباره محدثا كبيرا وناقدا ماهرا دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمة المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضلا عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمن قراءة مثل هذه الكتب.
__________
(1) وهو كتاب " المستحلى في اختصار المحلى " وانظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي (2) الذهبي: " تذكرة الحفاظ " 2 / 715 713 (3) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 31.
الصفدي: " الوافي " 2 / 166 (4) المصدر نفسه.

(1/66)


وقد عني الذهبي في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفة من الاشعار عن شيوخه (1).
وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضا من نظمه في المدح (2)، والرثاء (3).
وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته (4)، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى (5).
وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابيه " تاريخ الاسلام " " وسير أعلام النبلاء " والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر البغدادي الخرقي في وفيات سنة 455 ه " ولا يكاد يوجد ديوانه (6) ".
وكان للذهبي خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي يطلب العلم (7).
وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوبا
بخطه، وهو وإن لم يكن جميلا مراعيا لاصول الخطاطين والكتاب، لكنه يمتاز بالدقة والاتقان لا سيما للذي يدمن عليه.
__________
(1) انظر مثلا " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 3، 7، 15، 20، 24، 29، 34، 35، 45، 48، 52، 55، 61، 62، 63، 65، 66، 69، 75، 77، 81، 83، 89.
م 2 ورقة 6 1، 11، 12، 30، 33، 36، 40، 52، 56، 59، 60، 66، 74، 85، 86، 88، 99 96.
(2) من بين الذين مدحهم الذهبي ووصل إلينا شعره فيهم: إسحاق بن أبي بكر بن ابراهيم الاسدي الحلبي الحنفي النحاس المتوفى سنة 710 ه (معجم الشيوخ، م 1 ورقة 34) وتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 ه وولده التاج المتوفى سنة 771 ه (طبقات السبكي، ج 9 ص 106، والسيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة 86) والبرزالي (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص 120).
(3) من ذلك قصيدته في رثاء رفيقه وشيخه ابن تيمية المتوفى سنة 728 ه (ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 36 35 و " التبيان " ورقة 165).
(4) 9 / 109 107.
(5) " تاريخ الاسلام " ورقة 179 (أحمد الثالث 2917 / 11).
(6) السخاوي: " الاعلان " ص 547.
(7) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 25، ابن حجر: " الدرر " 3 / 323.

(1/67)


وعرف الذهبي بزهده وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنس إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار.
قال تلميذه تقي الدين ابن رافع السلامي المتوفى سنة 774 ه: " كان خيرا صالحا متواضعا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار
والاشتغال بالعبادة، له ورد بالليل، وعنده مروءة وعصبية وكرم (1) " وقال الزركشي المتوفى سنة 794 ه: " مع ما كان عليه من الزهد التام والايثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت (2) " ويكفي الذهبي أنه أفنى حياته في دراسة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتدريسه.
لقد أصبحت كتب الذهبي متداولة في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظم الموارد التي استقى منها الكتاب الذين جاءوا بعده.
قال ابن حجر: " ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة، ونسخا، وسماعا (3) ".
وقال تلميذه الحسيني: " وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان (4) ".
وحسبنا أن نلقي نظرة عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة.
وكان الذهبي مدرسة قائمة بذاتها خرجت العديد من الحفاظ والعلماء.
وقد أتاحت له معرفته العظيمة الواسعة بالحديث وعلومه والتاريخ وفنونه مكانة
__________
(1) سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " الورقة 180.
(2) " عقود الجمان " (نسخة مكتبة فاتح رقم 4435).
(3) ابن حجر: " الدرر " 3 / 427.
(4) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 36.

(1/68)


مرموقة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب.
ونحن نعلم أن الذهبي تولى مناصب تدريسية كثيرة، نعرف منها مشيخة الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية.
وقد
أتاحت له هذه المناصب أن يدرس عليه عدد كبير من الطلبة يفوق الحصر، قال تلميذه الحسيني: " وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق (1) " وقال ابن قاضي شهبة الاسدي: " سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه..وتخرج به حفاظ (2) ".
وإن كتب القرن الثامن لتزخر بمئات من تلاميذ الذهبي النجب لم نجد في إيرادهم كثير فائدة في مثل هذا البحث.
ونرى من المفيد أن نقتطف في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضا منها، فقد وصفه رفيقه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة 739 ه في " معجم شيوخه " والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية بقوله: " رجل فاضل، صحيح الذهن.
اشتغل ورحل، وكتب الكثير.
وله تصانيف واختصارات مفيدة.
وله معرفة بشيوخ القراءات (3) ".
وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه: " الشيخ الامام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي.
حافظ لايجارى ولا فظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الابهام في تواريخهم والالباس.
ذهن يتوقد
__________
(1) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 36.
(2) " الاعلام " م 1 ورقة 90 (نسخة باريس 1398).
(3) سبط ابن حجر: " رونق الالفاظ " ورقة 180.

(1/69)


ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه.
جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف..اجتمعت به وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود
المحدثين ولا كودنة النقلة " (1).
وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل ورده عليه، فإنه قال في حقه: " شيخنا وأستاذنا، الامام الحافظ..محدث العصر.
اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الامام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصر هم..وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل..وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعه (2) "، وقال أيضا: " وسمع منه الجمع الكثير.
وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الامثال، وسار اسمه مسير لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد " (3).
ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة 765 ه بأنه " الشيخ الامام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده (4) " وقال في موضع آخر: " وكان أحد
__________
(1) " الوافي " 2 / 163.
(2) " الطبقات " 9 / 101 100 (3) المصدر نفسه، 9 / 103 (4) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 34

(1/70)


الاذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين (1) ".
وقال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة 774 ه: " الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ
المحدثين..وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه (2) ".
وحينما قدم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الاصل الاطرابلسي (3) إلى دمشق سنة 734 ه ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه: ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت * أخباركم قط إلا ملت من طرب وليس من عجب أن ملت نحوكم * فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب (4) ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه بأنه " الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الاسلام (5) ".
وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه " قرأت بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهب وشهرته تغني عن الاطناب فيه (6) ".
وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة 855 ه: " الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين (7) ".
وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة 899 ه في " رونق الالفاظ " وبالغ في الاطناب فيه، وقال: " الشيخ الامام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علما عليه..فلله دره من إمام محدث..فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصحح، وعدل وجرح، وأتقن هذه الصناعة..فهو الامام سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين ".
وقال في موضع آخر:
__________
(1) المصدر نفسه ص 36 (2) " البداية والنهاية " 14 / 225 (3) توفي سنة 774 ه وقد ترجمه ابن حجر في " الدرر " 4 / 307 306 (4) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 32 31 (5) المصدر نفسه، ص 31 (6) الدرر، 3 / 427 (7) " عقد الجمان " ورقة 37 (نسخة أحمد الثالث 2911)

(1/71)


" وكتب بخطه كثيرا من الاجزاء والكتب وحصل الاصول وانتقى على جماعة من شيوخه..وعني بهذا الفن أعظم عناية، وبرع فيه وخدمه الليل والنهار (1) ".
__________
(1) الورقة 180

(1/72)


ثامنا وفاته وأولاده:
أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لانني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه (1).
وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة 748 ه ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي (2) وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي (3) والتاج السبكي (4).
وترك الذهبي ثلاثة من أولاده عرفوا بالعلم هم: 1 ابنته أمة العزيز، وقد أجاز لها غير واحد باستدعاء والدها منهم: شيخ المستنصرية رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله البغدادي المتوفى سنة 707 (5).
ويظهر أنها تزوجت في حياة والدها وخلفت ولدا اسمه عبد القادر
__________
(1) الصفدي: " نكت الهميان " ص 242، ابن دقماق: " ترجمان الزمان " الورقة 99.
(2) السبكي: " طبقات " 9 / 106 105 وقد زاره والده تقي الدين السبكي قبل المغرب وسأله عن حاله.
الصفدي: " الوافي " 2 / 156، " ونكت الهميان " ص 242، ابن حجر: " الدرر "
3 / 427 وغيرهم، ممن ترجم له.
(3) " الوافي " 2 / 165 (4) " طبقات " 9 / 111 109 وهي طويلة أورد بعضها، وابن قاضي شهبة: " الاعلام " م 1 ورقة 90 (5) الذهبي: " منتقى المعجم المختص " الورقة 39 (باريس 2076) و " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 46، وانظر أيضا م 1 ورقة 78

(1/73)


سمع مع جده من أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة 737 (1) ه، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الاسلام " (2).
2 ابنه أبو الدرداء عبد الله، ولد سنة 708 ه وأسمعه أبوه من خلق كثير، وحدث ومات في ذي الحجة سنة 754 (3).
3 ابنه شهاب الدين أبو هريرة عبد الرحمن، ولد سنة 715 ه وسمع مع والده أجزاء حديثية كثيرة (4)، وسمع من عيسى المطعم الدلال المتوفى سنة 719 ه، وخرج له أبوه أربعين حديثا عن نحو المئة نفس، وحدث منذ سنة 740 ه وتأخرت وفاته إلى ربيع الآخر سنة 799 (5) ه وخلف ولدا اسمه محمد، سمع مع جده (6)، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الاسلام " (7).
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 17.
(2) راجع طرة المجلد الحادي والعشرين من " تاريخ الاسلام " الذي بخط الذهبي (أيا صوفيا 3014).
(3) ابن حجر: " الدرر " 2 / 392.
(4) انظر مثلا: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 38، 70 69، 75 74، 78، 85، م 2 الورقة 44، 45، 53.
(5) ابن حجر: " الدرر " 2 / 449، والتونسي: " دستور الاعلام بمعارف الاعلام " الورقة 116 (نسخة ولي الدين جار الله 697 1605).
(6) " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 44.
(7) انظر طرة المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا 3014).

(1/74)


تاسعا: آثار الذهبي:
وهذه تذكرة في آثار مؤرخ الاسلام الذهبي عنيت فيها بذكر ما ألف واختصر، وخرج على أخصر ما يمكن، إذ تفاصيلها مبسوطة في كتابي " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام " (1)، واقتفيت فيها المنهج الآتي:
1 - قسمت المؤلفات حسب موضوعاتها، ورتبت الكتب الواردة في كل موضوع على حروف المعجم.
أما المختصرات، والمنتقيات، والتخاريج، فاكتفيت بسردها وفق ذلك الترتيب من غير تقسيم لها.
2 - نبهت فيما إذا كان الكتاب موجودا: مخطوطا أو مطبوعا، وأشرت إلى إحدى طبعاته أو نسخه بين قوسين، وتركت الذي لم أعثر له على نسخة غفلا من ذلك.
أولا: القراءآت: 1 التلويحات في علم القراءآت (بروكلمان: الملحق 2 / 47).
ثانيا: الحديث: 2 الاربعون البلدانية.
3 - الثلاثون البلدانية.
4 - طرق حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
5 - الكلام على حديث الطير.
6 - المستدرك على مستدرك الحاكم.(الظاهرية: 62 مجاميع).
__________
(1) القاهرة: 1976 ص: 276 139

(1/75)


ثالثا: مصطلح الحديث وآدابه:
7 -كتاب الزيادة المضطربة.
8 - طريق أحاديث النزول.
9 - العذب السلسل في الحديث المسلسل.
10 - منية الطالب لا عز المطالب.
11 - الموقظة في علم مصطلح الحديث (باريس: 4577).

رابعا: العقائد:
12 - أحاديث الصفات.
13 -الاربعين في صفات رب العالمين (منها جزء في الظاهرية، وانظر الالباني: 280).
14 -جزء في الشفاعة.
15 -جزآن في صفة النار.
16 -الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية (طبعت بدمشق: 1347 ه).
17 -الروع والاوجال في نبأ المسيح الدجال.
18 -رؤية الباري.
19 -العرش (انظر بروكلمان: الملحق: 1 / 47).
20 -العلو للعلي الغفار.(طبع غير مرة منها بمصر: 1332 ه).
21 -الكبائر.(مطبوع، القاهرة: 1356 ه).
22 - ما بعد الموت.
23 - مسألة دوام النار.

(1/76)


24 - مسألة الغيبة.
25 - مسألة الوعيد.

خامسا: أصول الفقه:
26 - مسألة الاجتهاد.
27 - مسألة خبر الواحد.

سادسا: الفقه:
28 - تحريم أدبار النساء.
29 - تشبيه الخسيس بأهل الخميس (دار الكتب المصرية).
30 - جزء في الخضاب.
31 - جزء من صلاة التسبيح.
32 - جزء في القهقهة.
33 - حقوق الجار.(كوبرلي.1584 / 3).
34 - فضائل الحج وأفعاله.
35 - اللباس.
36 - مسألة السماع.
37 - الوتر.

سابعا: الرقائق:
38 - جزء في محبة الصالحين.
39 - دعاء المكروب.
40 - ذكر الولدان.

(1/77)


41 - التعزية الحسنة بالاعزة.
42 - كشف الكربة عند فقد الاحبة.

ثامنا: التاريخ والتراجم:
43 - أخبار السد.
44 - أخبار قضاة دمشق.
45 - أسماء من عاش ثمانين سنة بعد شيخ أو بعد تاريخ سماع.(أيا صوفيا: 2953).
46 - الاشارة إلى وفيات الاعيان والمنتقى من تاريخ الاسلام. (الاحمدية بحلب: 328).
47 - الاعلام بوفيات الاعلام (نسخه كثيرة منها بالظاهرية: مجموع 117).
48 - الامصار ذوات الآثار.(منه نسخة في استانبول وأخرى بالمدينة).
49 - أهل المئة فصاعدا (مطبوع، بغداد: 1973).
50 - البيان عن اسم ابن فلان.
51 - تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام (طبع اليسير منه، ونسخه مشتتة في خزائن الكتب، وعندي نسخة كاملة مصورة).
52 - التاريخ الممتع.
53 - تذكرة الحفاظ.(مطبوع، حيدر آباد 1958 1955 وهي أحسن الطبعات).
54 - تراجم رجال روى عنهم محمد بن إسحاق.(مطبوع، ليدن: 1890).

(1/78)


55 - تسمية رجال صحيح مسلم الذين انفرد بهم عن البخاري (لا له لي باستانبول: 2089).
56 - تقييد المهمل.
57 - التلويح بمن سبق ولحق.
58 - جزء أربعة تعاصروا.
59 - دول الاسلام.(مطبوع، حيدر آباد: 1337 ه).
60 - ديوان الضعفاء والمتروكين (مطبوع).
61 - ذكر من اشتهر بكنيته من الاعيان (جستربتي بدبلن: مجموع 3458).
62 - ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل (أيا صوفيا: 2953).
63 - ذيل الاشارة إلى وفيات الاعيان.
64 - ذيل دول الاسلام (مطبوع، حيدر آباد: 1337).
65 - ذيل سير أعلام النبلاء.
66 - ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين.(الظاهرية: مجموع 369 حديث).
67 - ذيل كتاب الضعفاء لابن الجوزي.
68 - الذيل على ذيل كتاب الضعفاء لابن الجوزي.
69 - ذيل العبر في خبر من عبر (مطبوع، الكويت - بدون تاريخ).
70 - الرد على ابن القطان (مختصر (1) منه في الظاهرية: مجموع: 70).
__________
(1) ظنه الالباني أصل الكتاب (انظر الفهرس: 282) وهو وهم.

(1/79)


71 - الزلازل.
72 - سير أعلام النبلاء (وهو هذا الكتاب).
73 - طبقات الشيوخ.
74 - العباب في التاريخ.
75 - العبر في خبر من عبر (مطبوع بالكويت وفيه نقص).
76 - عنوان السير في ذكر الصحابة.
77 - القبان (في أصحاب التقي ابن تيمية).
78 - المجرد في أسماء رجال كتب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة سوى من أخرج له منهم في أحد الصحيحين (الظاهرية: 531 حديث).
69 - المرتجل في الكنى (بروكلمان: 2 / 59).
80 - المشتبه في الرجال: أسمائهم وأنسابهم (مطبوع، وأعيد طبعه بالقاهرة 1962).
81 - معجم الشيوخ الكبير.(دار الكتب المصرية: 65 حديث) 82 معجم الشيوخ الاوسط.
83 - المعجم الصغير (اللطيف).(الظاهرية: مجموع: 12).
84 - المعجم المختص بمحدثي العصر (منه انتقاء لابن قاضي شهبة بباريس: 2076 عربيات، والاوقاف العراقية: مجموع رقم: 2841).
85 - معرفة آل مندة.
86 - معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار (مطبوع، القاهرة: 1969).
87 - المعين في طبقات المحدثين.(فيض الله باستانبول: 1528).

(1/80)


88 - المغني في الضعفاء.(مطبوع بحلب: 1971).
89 - المقدمة ذات النقاط في الالقاب.(دار الكتب المصرية: 4423 ج).
90 - من تكلم فيه وهو موثق. (عندي منه نسخة) وهو غير:
91 - الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم (المطبوع بالقاهرة: 1906).
92 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال (مطبوع مشهور، منها طبعة القاهرة 1963).
93 - هالة البدر في عدد أهل بدر (لعله هو الذي في الظاهرية ضمن مجموع: 47).

تاسعا: السير والتراجم المفردة:
94 - أخبار أبي مسلم الخراساني.
95 - أخبار أم المؤمنين عائشة (1).
96 - التبيان في مناقب عثمان.
97 - ترجمة ابن عقدة الكوفي.
98 - ترجمة أبي حنيفة. (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
99 - ترجمة أبي يوسف القاضي (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
100 - ترجمة أحمد بن حنبل (2).
__________
(1) نشر الاستاذ الافغاني ترجمتها من سير أعلام النبلاء (دمشق: 1945).
(2) نشر المرحوم الشيخ أحمد شاكر ترجمة الامام أحمد من تاريخ الاسلام.
سير 1 / 6

(1/81)


101 - ترجمة الخضر.
102 - ترجمة السلفي (1).
103 - ترجمة الشافعي.
104 - ترجمة الشيخ الموفق (2).
105 - ترجمة مالك بن أنس.
106 - ترجمة محمد بن الحسن الشيباني (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
107 - توقيف أهل التوفيق على مناقب الصديق.
108 - الدرة اليتيمية في سيرة التيمية.
109 - الزخرف القصري (في ترجمة الحسن البصري).
110 - سيرة الحلاج.
111 - سيرة أبي القاسم الطبراني.
112 - سيرة سعيد بن المسيب.
113 - سيرة عمر بن عبد العزيز.
114 - السيرة النبوية (وهي في تاريخ الاسلام).
115 - فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب.
__________
(1) أبو طاهر أحمد بن محمد الاصبهاني المحدث المشهور المتوفى سنة 576 ه.
(2) أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي صاحب التصانيف المشهورة المتوفى سنة 620 ه.

(1/82)


116 - قض نهارك بأخبار ابن المبارك.
117 - مناقب البخاري (دار الكتب المصرية طلعت، مجموع: 965).
118 - نعم السمر في سيرة عمر.
119 - نفض الجعبة في أخبار شعبة.
120 - سيرة لنفسه.

عاشرا: المنوعات:
121 - بيان زغل العلم والطلب (1). (مطبوع، دمشق: 1347).
122 - التمسك بالسنن.
123 - جزء في فضل آية الكرسي.
124 - الطب النبوي (طبع غير مرة، وينسب لغيره أيضا).
125 - كسر وثن رتن (2).

أحد عشر: المختصرات والمنتقيات:
126 - أحاديث مختارة من الموضاعات من " الاباطيل " للجورقاني (3).
(المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
127 - بلبل الروض.
__________
(1) وجاء عنوانه في نسخة برلين (5570): " رسالة فيما يذم ويعاب في كل طائفة ".
(2) رتن هذا هندي دجال ظهر بعد سنة ست مئة وادعى التعمير وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) كتاب الاباطيل لابي عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجورقاني المتوفى سنة 543 ه، وقد نسبه الشيخ الالباني لابي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المتوفى سنة 259 ه، وتابعه سزكين، وهو وهم.

(1/83)


اختصره من " الروض الانف " للسهيلي المتوفى سنة 581 ه.
128 - تجريد أسماء الصحابة. (مطبوع، حيدر آباد: 1315 ه). اختصره من " أسد الغابة " لابن الاثير المتوفى سنة 630 ه.
129 - تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (أحمد الثالث: 2949 / 4 1).
130 - ترتيب " الموضوعات " لابن الجوزي.(المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
131 - تلخيص " العلل المتناهية في الاحاديث الواهية " لابن الجوزي (المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
132 - تنقيح كتاب " التحقيق في أحاديث التعليق " لابن الجوزي.(فيض الله: 296).
133 - تهذيب تاريخ (1) علم الدين البرزالي.
134 - ذكر الجهر بالبسملة مختصرا.(الظاهرية، مجموع: 55). اختصره من تصنيف في هذا الموضوع للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه.
135 - الرخصة في الغناء والطرب بشرطه.(الظاهرية: 7159). اختصره من كتاب " السماع " للادفوي المتوفى سنة 748 ه
136 - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.(مطبوع، القاهرة: 1972).
______________
(1) تاريخ البرزالي هو " المقتفي لتاريخ أبي شامة " عندي منه نسخة.

(1/84)


اختصره من " تهذيب الكمال " لشيخه ورفيقه المزي المتوفى سنة 742 ه.
137 - المجرد من " تهذيب الكمال " (الفاتيكان: 1032).
138 مختصر " إنباه الرواة على أنباه النحاة " لابن القفطي.
(لبدن) 139 مختصر " الانساب " لابي سعد السمعاني.
140 - مختصر " البعث والنشور " للبيهقي.
141 مختصر " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي.
142 - مختصر " تاريخ دمشق " لابن عساكر.
143 مختصر " تاريخ مصر " لابن يونس.
144 مختصر " تاريخ نيسابور " لابي عبد الله الحاكم.
145 مختصر " تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف " للمزي.
146 مختصر " تقويم البلدان " لابي الفدا.
147 مختصر " التكملة لكتاب الصلة " لابن الابار.
148 مختصر " التكملة لوفيات النقلة " للمنذري.
149 مختصر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر.
150 مختصر " الجهاد " لبهاء الدين ابن عساكر.
151 - مختصر " ذيل تاريخ بغداد " لابي سعد السمعاني.
152 مختصر " الرد على ابن طاهر (1) " لابن المجد (2).
153 مختصر " الروضتين في أخبار الدولتين " وذيله لابي شامة.
__________
(1) أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، ابن القيسراني المتوفى سنة 507 ه وكتابه الذي رد عليه ابن المجد في " السماع ".
(2) سيف الدين أبو العباس أحمد ابن المجد عيسى المقدسي المتوفى سنة 643 ه.

(1/85)


154 مختصر " الزهد " للبيهقي.
(عارف حكمت بالمدينة المنورة).
155 مختصر " سلاح المؤمن في الادعية المأثورة " لابن الامام (1).
156 مختصر " صلة التكملة لوفيات النقلة " لعز الدين الحسيني.
157 مختصر " الضعفاء " لابن الجوزي.
158 مختصر " الفاروق في الصفات " لشيخ الاسلام الانصاري.
159 مختصر " القدر " للبيهقي.
160 المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد ابن الدبيثي.
(طبع ببغداد: 1976 1951).
161 - مختصر " المدخل إلى كتاب السنن " للبيهقي.
162 مختصر " المستدرك على الصحيحين " لابي عبد الله الحاكم (طبع بهامش المستدرك).
163 - مختصر " المعجب في تلخيص أخبار المغرب " للمراكشي.
164 مختصر " مناقب سفيان الثوري " لابن الجوزي.
165 - مختصر " وفيات الاعيان " لابن خلكان.
166 مختصر " الوهم والايهم الواقعين في كتاب الاحكام " لابن القطان.
(الظاهرية، مجموع: 70).
167 المستحلى في اختصار " المحلى " لابن حزم.
168 معرفة التابعين من " الثقات " لابن حبان (الاسكوريال: 1689).
__________
(1) أبو الفتح محمد بن محمد بن علي المصري المتوفى سنة 745 ه.

(1/86)


169 المقتضب من " تهذيب الكمال " للمزي.
170 المقتنى في سرد الكنى.
(الاحمدية بحلب: 328).
اختصره من كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378).
اختصره من كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378.
171 المنتخب من " التاريخ المجدد لمدينة السلام " لابن النجار البغدادي.
172 منتقى " الاستيعاب في معرفة الاصحاب "، لابن عبد البر.
173 المنتقى من تاريخ أبي الفدا.
174 المنتقى من " تاريخ خوارزم " لابن أرسلان الخوارزمي.
175 المنتقى من " مسند " أبي عوانة.
176 المنتقى من " مسند " عبد بن حميد.
177 المنتقى من " معجم شيوخ " يوسف بن خليل الدمشقي.
178 المنتقى من معجمي الطبراني الاوسط والكبير ومن مسند المقلين لدعلج.
(منه قطعة في الظاهرية، مجموع: 71).
179 المنتقى من " معرفة الصحابة " لابن مندة.
180 - مهذب " السنن الكبرى " للبيهقي.
(مكتبة مدنية باستانبول 258، 259، 260 وطبع بالقاهرة باسم " المهذب في اختصار السنن الكبير " وهو عنوان غير صحيح).

(1/87)


182 - نبذة من فوائد تاريخ ابن الجزري (1) كوبرلي: 1147).
183 - النبلاء في شيوخ السنة.
اختصره من كتاب " المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر.
اثنا عشر: التخاريج: قام الذهبي بتخريج عدد كبير من معجمات الشيوخ والمشيخات والاربعينات والاجزاء الحديثية الكبيرة والصغيرة، منها: أ - معجمات الشيوخ:
184 معجم شيوخ ابن البالسي المتوفى سنة 711 ه.
185 - معجم شيوخ ابن حبيب الدمشقي المتوفى سنة 779 ه.
186 - معجم شيوخ علاء الدين ابن العطار الدمشقي المتوفى سنة 724 ه.
187 المعجم العلي للقاضي الحنبلي (أبي الفضل سليمان بن حمزة المقدسي المتوفى سنة 715 ه.
).
ب - المشيخات: 188 - مشيخة التلي (محمد بن أحمد الصالحي الخياط المتوفى سنة 741 ه).
189 - مشيخة الجعبري المتوفى سنة 706 ه.
__________
(1) توفي ابن الجزري سنة 73 -9 وهو غير ابن الجزري صاحب " غاية النهاية في طبقات القراء " وتاريخه هذا يعرف باسم " حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الاكابر والاعيان من أبنائه " عندي قطع منه، وهو من التواريخ المستوعبة.

(1/88)


190 - مشيخة ابن الزراد الحريري المتوفى سنة 726 ه.
191 مشيخة عز الدين المقدسي المتوفى سنة 700 ه.
192 - مشيخة ابن القواس المتوفى سنة 698 ه.
193 مشيخة زين الدين الكحال المتوفى سنة 730 ه.
ج الاربعينات: 194 أربعون حديثا بلدانية من " المعجم الصغير " للطبراني.
(التيمورية بمصر: 438 حديث).
195 أربعون حديثا بلدانية من " معجم " ابن جميع الصيداوي.
196 أربعون حديثا بلدانية من " معجم شيوخ " أبي بكر المقدسي
المتوفى سنة 718 ه.
197 أربعون حديثا بلدانية من " معجم شيوخ " ابن زاذان المتوفى سنة 481 ه.
198 أربعون حديثا لابي المعالي الابرقوهي المتوفى سنة 701 ه.
199 أربعون حديثا لابنه أبي هريرة عبد الرحمان المتوفى سنة 799 ه د الثلاثينات: 200 ثلاثون حديثا من " المعجم الصغير " للطبراني.
ه العوالي: 201 عوالي الشمس ابن الواسطي المتوفى سنة 699 ه.
202 عوالي الطاووسي المتوفى سنة 704 ه.

(1/89)


203 عوالي أبي عبد الله ابن اليونيني المتوفى سنة 747 ه.
204 العوالي من حديث مالك بن أنس.
205 - العوالي المنتقاة من حديث الذهبي (الظاهرية، مجموع: 4512 عام).
والاجزاء: 206 الجزء الملقب بالدينار من حديث المشايخ الكبار (دار الكتب المصرية: 1508 حديث).
207 جزء من حديث القزويني المتوفى سنة 704 ه.
208 جزء من حديث أبي بكر المرسي المتوفى سنة 718 ه.
209 جزء من حديث ابن المحب المقدسي المتوفى سنة 730 ه.
210 جزء من حديث ابن الكويك المتوفى سنة 734 ه.
211 جزء من حديث أمين الدين الواني المتوفى سنة 735 ه.
212 جزء من حديث ابن جماعة الكناني المتوفى سنة 767 ه.
213 أحاديث " مختصر " ابن الحاجب المتوفى سنة 646 ه.
(ومختصر ابن الحاجب من كتب أصول الفقه المشهورة وهو " منتهى السؤال والامل في علمي الاصول والجدل " وقد طبع).
214 ثلاثيات ابن ماجة.
(الظاهرية، مجموع: 59).
215 المنتقى من حديث تقي الدين ابن الشيخ شمس الدين ابن المجد البعلي.
(الظاهرية، مجموع: 25).

(1/90)


الفصل الثاني
سير اعلام النبلاء منهجه وأهميته
أولا - عنوان الكتاب وتأليفه:
سماه صلاح الدين الصفدي (1) وابن دقماق (2): " تاريخ النبلاء "، وابن شاكر الكتبي (3): " تاريخ العلماء النبلاء "، وتاج الدين السبكي (4): " كتاب النبلاء "، وسبط ابن حجر (5): " أعيان النبلاء ".
وسماه كل من الحسيني (6)، وابن ناصر الدين (7)، وابن حجر (8)، والسخاوي (9): " سير النبلاء ".
أما " سير أعلام النبلاء " فقد جاء مخطوطا على طرر المجلدات الموجودة في مكتبة السلطان أحمد الثالث ذوات الرقم 2910 /
A، وهي النسخة الاولى التي
__________
(1) الوافي: 2 / 163.
(2) ترجمان الزمان، الورقة: 98.
(3) فوات الوفيات: 2 / 183، وعيون التواريخ، الورقة 86 (كيمبرج 2923).
(4) طبقات الشافعية: 9 / 104.
(5) رونق الالفاظ، الورقة: 180.
(6) الذيل على ذيل العبر: 268.
(7) الرد الوافر: 31.
(8) الدرر الكامنة: 3 / 426.
(9) الاعلان بالتوبيخ: 674.

(1/91)


نسخت عن نسخة المؤلف التي بخطه وكتبت في حياته في السنوات 739 743 ه، وهو العنوان الاكثر دقة وكمالا، لذلك اعتمده محققو الكتاب.
وقد ألف الذهبي كتابه هذا بعد كتابه العظيم " تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام " الذي انتهى من تأليفه أول مرة سنة 714 ه ثم أعاد النظر فيه، وبيض قسما منه سنة 726 ه (1).
وقد أشار المؤلف إلى بعض كتبه الاخرى، وأحال عليها في كتابه " السير ".
وحينما ذكر تلميذه الصلاح الصفدي بعض كتب الذهبي الخاصة بتراجم الاعيان مثل " نفض الجعبة في أخبار شعبة " و " قض نهارك بأخبار ابن المبارك " وغيرهما قال: " وله في تراجم الاعيان لكل واحد مصنف قائم الذات مثل الائمة الاربع ومن جرى مجراهم، لكنه أدخل الجميع في " تاريخ النبلاء " (2).
وهذا النص يوضح أنه ألف " السير " بعد تأليفه لكل تلك التراجم المفردة الكثيرة، ويلاحظ أن ناسخ أول نسخة من الكتاب قد بدأ بنسخها في سنة 739 ه وانتهى من المجلد الثالث عشر في أوائل سنة 743 ه، وهذا يعني أن المؤلف كان قد انتهى من تأليف كتابه سنة 739 ه، أو قبلها.
وقد جزم الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد بتأليف الكتاب سنة 739 ه، من غير دليل (3) سوى أن الناسخ ابن طوغان قد
بدأ بنسخ نسخته في هذه السنة.
أما نحن فنعتقد أنه بدأ في تأليف الكتاب سنة 732 ه أو قبيلها بقليل، ودليلنا على ذلك قول المؤلف الذهبي في ترجمة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم: " وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك، وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ست مئة عام، أولهم السفاح.
وخليفة زماننا المستكفي له الاسم المنبري، والعقد والحل بيد
__________
(1) انظر التفاصيل في كتابي: الذهبي: 25 فما بعد.
(2) الوافي بالوفيات، 2.
164.
(3) انظر مقدمته للجزء الاول الذي نشره من السير ص 38.

(1/92)


السلطان الملك الناصر، أيدهما الله " (1).
ولما كان العباسيون قد تقلدوا الحكم سنة 132 ه كما هو مشهور فيكون زمانه الذي أشار إليه هو سنة 732 ه، والمستكفي بالله هذا هو أبو الربيع سليمان بن أحمد، ولد سنة 683 ه، وخطب له بمصر بعد وفاة أبيه سنة 701 ه، وقد ساءت حاله مع السلطان الناصر في آخر أيامه، فأخرجه السلطان إلى قوص من صعيد مصر سنة 738 ه فأقام بها إلى حين وفاته سنة 740 ه (2).
وليس من المعقول أن يستغرق تأليف الكتاب سبع سنوات ومعظم مادته كانت جاهزة عند مؤلفه بسبب أنه ألفه بعد تاريخ الكبير " تاريخ الاسلام ".

ثانيا - نطاق الكتاب وعدد مجلداته:
جعل الذهبي كتابه " سير أعلام النبلاء " في أربعة عشر مجلدا راعى فيها التناسق من حيث عدد الاوراق، ولم يراع في الاغلب ناحية تنظيمية أخرى، لذلك وجدنا النساخ فيما بعد لم يلزموا أنفسهم بتقسيم المؤلف (3).
وقد أفرد الذهبي المجلدين الاول والثاني للسيرة النبوية الشريفة وسير
الخلفاء الراشدين، لكنه لم يعد صياغتهما، وإنما أحال على كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " ليؤخذا منه ويضما إلى " السير " فقد جاء في طرة المجلد الثالث من نسخة أحمد الثالث الاولى تعليق بخط الذهبي كتب على الجهة
__________
(1) سير أعلام النبلاء: 2 / الترجمة: 11 (طبعة مؤسسة الرسالة المحققة).
(2) البداية لابن كثير: 14 / 187، والسلوك للمقريزي: 2 / 504، والدرر لابن حجر: 2 / 336 وغيرها.
(3) انظر وصف النسخ في مقدمة هذا الجزء الاول من السير.
وقد أشار ناسخ المجلد السابع عشر من النسخة المصورة في المجمع العلمي العربي بدمشق إلى أن نسخته تتكون من عشرين مجلدا.

(1/93)


اليسرى منها نصه: " في المجلد الاول والثاني سير النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الاربعة تكتب من تاريخ الاسلام ".
ويلاحظ أن الذهبي قد أشار في حاشية الورقة (98) من المجلد الثاني من تاريخ الاسلام وهو المجلد الذي يبدأ بالسيرة النبوية وعند الفصل الخاص بمعجزاته صلى الله عليه وسلم إلى مكونات " السيرة النبوية " بقوله: " من شاء من الاخوان أن يفرد الترجمة النبوية، فليكتب إذا وصل إلى هنا جميع ما تقدم من كتابنا في السفر الاول بلا بد، فليفعل، فإن ذلك حسن، ثم يكتب بعد ذلك " فصل في معجزاته " إلى آخر الترجمة النبوية وهذا يعني أن " السيرة النبوية " التي أرادها الذهبي تشمل جميع المجلد الاول وهو المجلد الخاص بالمغازي ثم جميع " الترجمة النبوية " وهي المئة والثلاثون ورقة من المجلد الثاني الذي بخطه.
وهذا في رأينا هو المجلد الاول من " سير أعلام النبلاء ".
أما سير الخلفاء الاربعة فهي التي تستغرق بقية المجلد الثاني من نسخة المؤلف التي بخطه وتتصمن الاوراق:
131 - 241، وقسما من المجلد الثالث من نسخة المؤلف وهذا هو المجلد الثاني من " السير " في رأينا.
والظاهر أن ابن طوغان صاحب النسخة لم يقم باستنساخ المجلدين: الاول والثاني، من " تاريخ الاسلام " كما طلب المؤلف، فظن كاتب الوقفية على المدرسة المحمودية أن هذين المجلدين مفقودان، فتابعه الناس على هذا الوهم.
وكان من المظنون أن المجلد الثالث عشر (1) من نسخة ابن طوغان وهو
__________
(1) كان هذا المجلد هو حصتي من تحقيق الكتاب، وقد حققته بمشاركة زميلي السيد محيي هلال السرحان.

(1/94)


المجلد الذي يبتدئ بترجمة المحدث الكبير أبي طاهر السلفي المتوفى سنة 576 ه، وينتهي بترجمة السلطان الملك المنصور نور الدين علي ابن السلطان الملك المعز أيبك التركماني الصالحي المعزول من السلطنة سنة سبع وخمسين وست مئة، والذي تأخرت وفاته إلى حدود سنة سبع مئة أقول: كان من المظنون أن هذا هو المجلد الاخير من الكتاب، لكنني أعتقد بل أكاد أجزم أن هناك مجلدا آخر يتمم الكتاب هو المجلد الرابع عشر، وهو المجلد الذي ظنه الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد ذيلا لسير أعلام النبلاء وتابعه الناس عليه، وإليك آيات ذلك ودلالاته: 1 من المعلوم أن الذهبي ألف " سير أعلام النبلاء " عبد تأليف " تاريخ الاسلام " وتابع فيه النطاق الزمني للكتاب المذكور، والذي نعرفه أن " تاريخ الاسلام " يمتد من أول الهجرة النبوية إلى آخر سنة (700 ه)، بينما تبين دراستنا لتراجم الطبقة الخامسة والثلاثين وهي آخر المجلد الثالث عشر أن
أصحابها توفوا في المدة المحصورة بين السنوات 660 651 ه، فإين هي تراجم من توفي بين 700 661 ه ؟ وهي مدة طويلة عاصر المؤلف كثيرا من أحداثها واتصل بالعديد من المترجمين فيها، وكان الكثير منهم شيوخه، والباقون من شيوخ شيوخه، وفيهم أعلام الدنيا من مثل أبي شامة، وابن الساعي، والنووي، وفخر الدين ابن البخاري، وابن الظاهري ومئات غيرهم بحيث لا يعقل أن يتركهم الذهبي ولا يترجم لهم، وقد ترجم في كتابه هذا لمن هم أدنى منهم بكثير، فهذه المدة المذكورة البالغة قرابة الاربعين سنة تحتمل من غير شك أن تكون المجلد الرابع عشر من " السير ".
2 - ولكن كيف ظن الفضلاء أن هذا هو المجلد الاخير من " السير " وكيف ذكروا أن تراجمه تصل إلى سنة 700 ه ؟

(1/95)


والذي عندي أن الذي أوقع الناس (1) في هذه المزلقة أمران: أولهما عدم دراسة المجلد الثالث عشر دراسة جيدة والنظر إلى المترجمين فيه نظرة فاحصة منقبة.
وثانيهما: هو ترجمة السلطان الملك المنصور نور الدين علي ابن السلطان الملك المعز أيبك التركماني الذي ذكر المؤلف الذهبي أنه تأخر إلى قريب سنة (700) ه، لكن الدراسين لم ينتبهوا إلى أن الذهبي، إنما ذكره بسبب توليه الحكم بعد مقتل والده المعز أيبك سنة 655 ه، وأنه لم يبق في السلطنة غير سنتين ونصف إذ عزل في أواخر سنة 657 ه حينما تولى سيف الدين قطز السلطنة، فالذي ذكره الذهبي عن بقائه فيما بعد إنما هو من باب الاستطراد لا غير، وقد كان من منهج الذهبي في هذا الكتاب أن يجمع الاقرباء في مكان واحد كما سيأتي بيانه لاحقا.
3 - قلنا إن الذهبي ألف كتابه هذا في أربعة عشر مجلدا، وطلب من النساخ أن يستخرجوا المجلدين الاول والثاني من " تاريخ الاسلام " وهما اللذان يتضمنان السيرة النبوية، وسير الخلفاء الاربعة، كما هو مثبت بخطه في طرة المجلد الثالث من الكتاب.
وقد نصت وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية بالقاهرة وهي الوقفية المثبت نصها على جميع المجلدات أن الموقوف منه اثنا عشر مجلدا، وقد جاء في نص الوقفية المدونة على المجلد الثالث، وهو أول المجلدات التي وصلت إلينا - ما نصه: " وقف وحبس وسبل المقر الاشرف العالي الجمالي محمود أستادار
__________
(1) أول من قال بذلك هو الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد، وتابعته في وهمه انا في كتابي " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام: 170 من طبعة القاهرة " وعذري أنني كنت آنذاك معنيا " بتاريخ الاسلام "، وكان كلامي على السير عارضا، أما هو فقد كان من المفروض أنه خبر الكتاب وسبر عوره.

(1/96)


العالية الملكي الظاهري..جميع هذا المجلد وما بعده من المجلدات إلى آخر الكتاب، وعدة ذلك اثنا عشر مجلدا متوالية من هذا المجلد إلى آخر الرابع عشر..".
فانظر إلى قوله " إلى آخر الكتاب " وقوله " إلى آخر الرابع عشر ".
والواضح البين أن الوقفية لم تشر إلى أن المجلد الرابع عشر هو ذيل سير أعلام النبلاء كما ظن الفاضل الدكتور صلاح الدين المنجد.
4 - وقد جرت عادة النساخ، أو المؤلفين، أوكليهما على الاشارة والنص على انتهاء الكتاب، إلا أننا حينما نقرأ آخر المجلد الثالث عشر لا نجد أية إشارة من المؤلف، أو الناسح إلى انتهاء الكتاب، وقد وجدت الذهبي
رحمه الله ينص دائما عند انتهاء كتبه، فلماذا يشذ في هذا الكتاب ! ؟ أما الناسخ فإن عباراته التي استعملها في نهاية المجلد الثالث عشر لا تنبئ بأي حال على أن هذا هو آخر الكتاب، وهي لا تختلف عن ما جاء في بقية المجلدات (1).

ثالثا ترتيب الكتاب:
نظم الذهبي كتاب " السير " على الطبقات، فجعله في أربعين طبقة تقريبا، وآخر ما في المجلد الثالث عشر من نسخة ابن طوغان هي آخر الطبقة
__________
(1) وفي خزانة كتب خليل الله المدراسي بحيدر آباد مجلد صورته بعثة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ووضعته في فهرس (التاريخ) من فهارسها (رقم 1100 ج - 2، قسم 3 ص 183)، قالوا: " مجلد فيه من سنة 550 - سنة 740 ويبدأ بترجمة أبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي، وينتهي بآخر الكتاب وبآخر المجلد فهرست تفصيلي لجميع تراجم الكتاب من أوله الاخرة حسب ترتيب الطبقات من وضع الذهبي نفسه ينقص قليلا ".
وهذا الوصف يثير كثيرا من الارباك إذ كيف يتصور أن مجلدا واحدا يحوي كل هذه الفترة الزمنية، ثم ان الكتاب غير مرتب على السنين حتى يقال من سنة كذا إلى سنة كذا.
ولم استطع الوقوف عليه في الوقت الحاضر فلا أتمكن من الحكم عليه.
سير 1 / 7

(1/97)


الخامسة والثلاثين ولا أستبعد أن يتضمن المجلد الرابع عشر خمس طبقات إذا قايسنا ذلك ببقية المجلدات.
وقد استعمل المؤلفون المسلمون هذا الاسلوب في عرض التراجم منذ فترة مبكرة من تاريخ الحركة التأليفية، وهو فيما يرى روزنتال تقسيم إسلامي أصيل قد يبدو أقدم تقسيم زمني وجد في التفكير التاريخي
الاسلامي، ولم يكن نتيجة مؤثرات خارجية، بل هو نتيجة طبيعية لفكرة: صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالتابعون..الخ (1)، ومما يؤيد هذا حديث أورده البخاري ونصه: " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (2) وقد أشار العيني في شرحه إلى أن خير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين (3).
وهذا المفهوم يظهر واضحا في كتب الامام ابن حبان البستي المتوفى سنة 354 ه حيث قسم الرواة في كتابيه " الثقات " و " مشاهير علماء الامصار " إلى ثلاث طبقات هم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، فصارت الطبقة هنا تعني الجيل.
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل للطبقة تحديدا زمنيا واضحا، فجعلها بعضهم عشرين سنة (4)، وجعلها آخرون أربعين سنة (5)، وهلم جرا.
__________
(1) علم التاريخ عند المسلمين: 134 133.
(2) الصحيح 5 / 3 2 (ط.
الشعب) باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من حديث عمران ابن حصين.
(3) عمدة القاري: 16 / 170.
(4) انظر " طبق " من لسان العرب.
(5) استنادا إلى حديث " أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما ".
(سنن ابن ماجة: 2 / 1349) ولا يصح، بل أورده ابن الجوزي في " الموضوعات ".

(1/98)


لكن الدراسات الحديثة (1) أظهرت أن كثيرا من المؤلفين المتقدمين كابن سعد، وخليفة بن خياط، ومسلم بن الحجاج وغيرهم لم يستعملوا " الطبقة " باعتبارها وحدة زمنية ثابتة، كما لم يستعملوها بمعنى " الجيل " أيضا ففي الوقت الذي عد فيه خليفة بن خياط الصحابة طبقة واحدة عدهم
ابن سعد عدة طبقات استنادا إلى سابقتهم في الاسلام.
أما طبقات التابعين ومن بعدهم، فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل، وهم الطبقة الاولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم، فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك افإن من روى عن سعيد بن المسيب مثلا وغيرهم من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الاولى من أتباع التابعين.

رابعا مفهوم الطبقة في " السير " وغيره من مؤلفات الذهبي
نظم الامام الذهبي مجموعة من كتابه على الطبقات إضافة إلى " السير " منها: " تذكرة الحفاظ " (2)، و " معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار (3) "، و " المعين في طبقات المحدثين " (4) " و " المجرد في أسماء رجال كتاب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة سوى من أخرج له منهم في أحد
__________
(1) أنظر دراسة صديقنا العزيز العالم الفاضل الدكتور أكرم العمري لاسس تنظيم طبقات خليفة وابن سعد في كتابه الماتع " بحوث في تاريخ السنة المشرفة " ص: 184 فما بعد (الطبعة الثانية).
(2) مطبوع منتشر مشهور.
(3) نشرته دار الكتب الحديثة بالقاهرة سنة 1969 باعتناء رجل جاهل يدعى سيد جاد الحق، وهي نشرة رديئة جدا يكثر فيها التصحيف والتحريف السقط وعندي منه نسخة مصورة نفيسة.
(4) عندي من الكتاب نسخة مصورة عن فيض الله.

(1/99)


الصحيحين (1)، و " طبقات الشيوخ " (2)، وقد وصلت إلينا جميع هذه الكتب خلا الكتاب الاخير.
وتشير دراستنا لهذه الكتب أن الذهبي لم يراع ايجاد تقسيم
واحد في عدد الطبقات بين هذه الكتب، ولا راعى التناسق في عدد المترجمين بين طبقة وأخرى في الكتاب الواحد، كما لم يلتزم بوحدة زمنية ثابتة للطبقة في جميع كتبه فيما عدا " تاريخ الاسلام " الذي لا يدخل في هذا التنظيم كما سيأتي بيانه.
1 عدد الطبقات: فقد قسم الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " على إحدى وعشرين طبقة (3)، وقسم " معرفة القراء " على سبع عشرة طبقة، بينما جعل " سير أعلام النبلاء " في أربعين طبقة تقريبا مع أن الكتب الثلاثة المذكورة تناولت نطاقا زمنيا واحدا يمتد من الصحابة إلى عصره الذي عاش فيه.
2 عدد المترجمين: ونجد اختلافا كبيرا جدا في أعداد المذكورين في الطبقات في الكتاب الواحد، ففي " تذكرة الحفاظ " مثلا نجد أن أعداد المترجمين في الاحدى والعشرين طبقة تتضمن الاعداد الآتية حسب تسلل الطبقات: 23، 42، 30، 58، 78، 81، 106، 130، 106، 117، 77، 79، 74، 31، 46، 18، 25، 26، 12، 10، 8، وهكذا نجدها تتراوح بين ثمانية أشخاص ومئة وسبعة عشر شخصا.
وهذا الذي ذكرته عن " التذكرة " ينطبق على " السير " أيضا فإن عدد تراجم الطبقة الثلاثين مثلا بلغ (77) ترجمة بينما بلغ عدد تراجم الطبقة التي تليها (130) ترجمة، وهلم جرا.
__________
(1) عندي منه نسخة مصورة عن الظاهرية.
(2) ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ: 3 / 876 ولا أعرف له نسخة.
(3) وقال في الطبقة الثالثة عشرة: " وقد سميت منهم بضعة وسبعين إماما وقسمت الطبقة طبقتين أولا هما ثمانية وأربعون والثانية خمسة وعشرون نفسا " (3 / 997)

(1/100)


3 الوحدة الزمنية: ولم يراع الذهبي وحدة زمنية ثابتة في كتبه التي
تظمها على الطبقات، وهو بذلك لم يدخل سني وفيات المترجمين باعتباره بشكل دقيق حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى من جهة، كما نلاحظ في الوقت نفسه تباينا كبيرا جدا في المدة الزمنية التي تستغرقها كل طبقة من الطبقات.
ففي " تذكرة الحفاظ " مثلا نجد أن وفيات المترجمين في الطبقة الاولى تمتد من سنة 13 ه وهي سنة وفاة الصديق - إلى سنة 93 ه وهي السنة التي توفي فيها أنس بن مالك، وهذا يعني أن مدتها ثمانون سنة.
أما التابعون فقد جعلهم في " التذكرة " ثلاث طبقات: كبار التابعين وتمتد وفيات أصحابها من سنة 62 وهي سنة وفاة علقمة بن قيس النخعي إلى سنة 107 ه وهي سنة وفاة رجاء العطاردي في ترجيح الذهبي، فتكون مدتها (45) سنة.
ثم الطبقة الوسطى منهم وتمتد وفيات المترجمين فيها من سنة 93 ه إلى سنة 117 ه، فتكو مدتها (24) سنة.
ثم طبقة ثالثة من التابعين تمتد وفيات أصحابها من سنة 113 ه إلى سنة 151، فمدتها (38) سنة.
أما الطبقة الخامسة فتمتد من 144 ه إلى سنة 180 ه، فهي (36) سنة وهلم جرا.
وهذا الذي ذكرته عن التباين في مدد الطبقات الاولى من " التذكرة " ينطبق على الطبقات المتأخرة أيضا، فالطبقة العشرون تمتد من سنة 667 إلى سنة 708، فتكون مدتها (41) سنة أما الحادية والعشرون وهي آخر الطبقات فتمتد من سنة 672 ه إلى سنة 742 ه سنة وفاة الحافظ المزي فتكون مدتها (70) سنة.
وهذا الذي أبنته من الخلف في مدة الطبقات في " التذكرة " والتباين الشديد نجده أيضا في " سير أعلام النبلاء "، فقد بلغت مدة الطبقة الثلاثين

(1/101)


من السير (19) سنة تمتد من سنة 568 ه سنة وفاة خوارزمشاه إلى سنة 587 ه سنة وفاة ابن مغاور الشاطبي وامتدت وفيات المترجمين في الطبقة الحادية والثلاثين من سنة 575 ه سنة وفاة ابن عياد الاندلسي إلى سنة 601 ه وهي سنة وفاة الارتاحي، فتكون مدتها (26) سنة.
أما الطبقة الخامسة والثلاثون فلم تتجاوز تسع سنوات حيث أن جميع وفيات المذكورين فيها تمتد من سنة 651 إلى سنة 660 (1).
أما كتابه " المعين في طبقات المحدثين " فقد جعل الذهبي الطبقات الاولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله مثلا " طبقة الزهري وقتادة " (2)، و " طبقة الاعمش وأبي حنيفة (3) " و " طبقة ابن المديني وأحمد (4) " ونحو ذلك.
ثم غير هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري، فصار يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: " الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة (5) " و " طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة (6) "، وهلم جرا.
وقد تبين لنا من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون في هذا الكتاب في حدود عشرين سنة (7)، أو خمس وعشرين (8)، أو
__________
(1) استثنينا من ذلك ما ذكره الذهبي من تأخر وفاة المنصور ابن المعز أيبك إلى سنة (700) تقريبا وقد بينا أنه إنما ذكره بسبب توليه السلطنة بين 657 655 حسب (نسختي المصورة).
(2) المعين، الورقة: 7 (3) نفسه، الورقة: 8 (4) نفسه، الورقة: 14 (5) نفسه، الورقة: 19 (6) نفسه، الورقة: 32
(7) نفسه، الورقة: 21، 32 (8) نفسه، الورقة 22، 24

(1/102)


ثلاثين سنة (1)).
أما كتابه " المجرد في أسماء رجال كتاب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة " فقد جعله في ثماني اتخذت كل طبقة أسماء أعلام فيما عدا طبقة الصحابة (2)، فالطبقات السبع الباقية هي: طبقة زمن الاعمش وابن عون (3)، وطبقة الزهري وأيوب (4)،، وطبقة ابن المسيب ومسروق (5)، وطبقة الحسن وعطاء (6)، وطبقة عفان و عبد الرزاق (7)، وطبقة علي ابن المديني وأحمد بن حنبل (8)، وطبقة البخاري ومن تبقى (9)، ويلاحظ أن هذه الطبقات لم تراع التناسق الزمني أيضا.
ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " فتألف كتابه من سبعين طبقة، فهل يعني هذا أنه وضع تحديدا زمنيا واضحا للطبقة مخالفا طريقته في كتبه الاخرى ؟ علما أن عمله هذا لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم.
وقد أدى عمل الذهبي هذا إلى دفع بعض الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول: بأنه خالف الاقدمين، بل خالف نهجه هو في كتبه الاخرى (10).
على أن دراستنا الموسعة لكتاب " تاريخ الاسلام " قد أبانت أنه لم يقصد بالطبقة هنا غير " العقد "، وهو مفهوم يدل على وحدة
__________
(1) نفسه، الورقة: 20، 21 (2) المجرد، الورقة: 6 1 (3) المجرد، الورقة: 8 - 12 (4) المجرد، الورقة: 12 8
(5) نفسه، الورقة: 13 12 (6) نفسه، الورقة: 14 13 (7) نفسه، الورقة: 14 - 15 (8) نفسه، الورقة: 16 15 (9) نفسه، الورقة 20 16 (10) نظر: روزنثال: علم التاريخ: 121، والعمري: بحوث: 191

(1/103)


زمنية محددة قدرها عشر سنوات، وأنه إنما استخدم هذا المفهوم لحاجات تنظيمية صرفة جاءت في الاغلب من عدم توافر تواريخ وفيات المترجمين بصورة كاملة، كثرة الاختلاف فيها لا سيما في المئات الثلاث الاولى.
وقد أبانت دراستي أن هذا التنظيم لا علاقة له بأدب الطبقات بل من الافضل أن يربط بأدب التنظيم على السنين (1).
من كل الذي مر يتضح أن الذهبي استعمل الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاء أي: في الشيوخ الذين أخذوا عنهم، ثم تقاربهم في السن من حيث المولد والوفاة تقاربا لا يتناقض مع اللقيا، وهو أمر يتيح تفاوتا في وفيات المترجمين من جهة، وتفاوتا في عدد الطبقات أيضا.
ولكن كيف نفسر هذا الاختلاف الكبير في تقسيم الطبقات عند مؤلف واحد مثل الذهبي.
بحيث جعل " معرفة القراء " في سبع عشرة طبقة.
بينما قسم " السير " إلى أربعين طبقة تقريبا ؟ وجواب ذلك فيما نرى يعتمد بالدرجة الاولى على نوعية المذكورين في الكتاب الواحد، فإن كتابا مثل " التذكرة " ليس فيه غير كبار الحفاظ من الممكن أن ينظم بطبقات أقل من غيره نظرا لنوعية المذكورين فيه، وكلهم أو
معظمهم من ذوي الاسناد العالي، بحيث تتباعد المدة الزمنية بين طبقة وأخرى، فيقل عدد الطبقات، وهو أمر لا يناقض مبدأ اللقيا.
أما " السير " فنوعية المترجمين فيه تشمل كل رجال " التذكرة " تقريبا مضافا إليهم من هم أقل منهم مرتبة بحيث يضطر إلى زيادة عدد الطبقات.
وطبيعي أنه ليس من المفروض أن يكون كل أحد من طبقة ما قد التقى
__________
(1) انظر تفاصيل موسعة في كتابي: الذهبي ومنهجه: 302 282.

(1/104)


بجميع رجال الطبقة السابقة مع إمكان التقائهم.
ومن أجل توضيح هذا الذي ذكرته عن نوعية المترجمين أشير إلى أنه من الممكن نظم جميع الرواة من الصحابة في طبقة واحدة، ولكن من الممكن تقسيم الصحابة إلى أكثر من طبقة حسب الرواية أيضا، لان الصحابي قد يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يروي عن الصحابي أيضا.
ومن الممكن إذا ذكرنا كبار التابعين أن نجعلهم طبقة واحدة، ولكن التوسع في ذكر التابعين يقضي من أجل الدقة تقسيمهم إلى أكثر من طبقة، فكبار التابعين إنما هم الذين رووا عن كبار الصحابة، وصغار التابعين هم الذين رووا عن صغار الصحابة، لعدم لحاقهم بكبار الصحابة، فضلا عن أن بعض التابعين لم يرو عن غير التابعين، وهو أمر يعرفه أهل العناية بهذا الفن الجليل.
وعليه فإن الذهبي لو أراد مثلا أن يؤلف كتابا في جميع القراء وليس في " الكبار " منهم لاضطره الامر إلى زيادة عدد الطبقات، وهم جرا.
وبهذا يتضح أن كل مترجم إنما تتحدد طبقته حسب الكتاب المذكور فيه وأننا لا يمكن أن نجد توزيعا موحدا للمترجمين في جميع كتب الذهبي المرتبة على الطبقات فلا نستطيع القول: إن فلانا من أهل الطبقة الفلانية عند الذهبي، بل يصح
القول: إنه من أهل الطبقة الفلانية في الكتاب الفلاني.
فإذا كان الامر كذلك، فمن البداهة أن لا نجد تقسيما موحدا للطبقات عند المؤلفين المسلمين، فمكحول - مثلا - في الطبقة الثالثة من أهل الشام عند ابن سعد (1)، بينما هو في الطبقة الثانية عند خليفة (2)، وفي الطبقة الرابعة عند الذهبي في " التذكرة " (3)، وهو من أهل الطبقة الخامسة عند ابن حجر في
__________
(1) الطبقات: 7 / 453 (2) طبقات خليفة: 310 (ط.
العمري) (3) التذكرة: 1 / 107

(1/105)


" التقريب " (1).
لقد اخترع المحدثون التنظيم على الطبقات لخدمة دراسة الحديث النبوي الشريف ومعرفة إسناد الحديث ونقده، فهو الذي يؤدي إلى معرفة فيما إذا كان الاسناد متصلا، أو ما في السند من إرسال (2) أو انقطاع (3) أو عضل (4) أو تدليس (5)، أو اتفاق في الاسماء مع اختلاف في الطبقة (6).
وكان نظام الطبقات على غاية من الاهمية في العصور الاولى التي لم يعتن المؤلفون فيها بضبط مواليد الرواة ووفياتهم إنما كانت تحدد طبقاتهم بمعرفة شيوخهم والرواة عنهم.
على أن من أكبر عيوب التنظيم على الطبقات صعوبة العثور على الترجمة لغير المتمرسين بهذا الفن تمرسا جيدا، فضلا عن عدم وجود تقسيم موحد للطبقة عند المؤلفين.
وحينما توفرت للمؤلفين مادة كافية لضبط تاريخ المواليد والوفيات ازداد عدد المؤلفين الذين ينظمون كتبهم الرجالية على الوفيات، أو على حروف المعجم.
وقد كان من جملة انتقادات أبي الحجاج
المزي للحافظ عبد الغني المقدسي في تنظيمه لكتابه " الكمال في أسماء الرجال " أنه أفرد تراجم الصحابة عن بقية التراجم المذكورة في كتابه، قال: " وقد كان صاحب الكتاب رحمه الله ابتدأ بذكر الصحابة، أولا الرجال منهم والنساء على حدة، ثم ذكر من بعدهم على حدة، فرأينا ذكر الجميع
__________
(1) التقريب: 2 / 273.
(2) المرسل: ما رواه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) المنقطع: أن يسقط من السند رجل ليس بصحابي.
(4) المعضل: ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي.
(5) المدلس: هو الذي يروي عمن لقيه أحاديث لم يسمعها منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمعه منه.
(6) وذلك كثير فيعرف الشخص من طبقته وشيوخه.

(1/106)


على نسق واحد أولى، لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة له تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده، وربما روى التابعي حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيظنه من لاخبرة له صحابيا فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة، فإذا ذكر الجميع عى نسق واحد، زال ذلك المحذور، وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا أو غير صحابي (1) "، لذلك رتب المزي الرجال في كتابه على حروف المعجم وصعد في الترتيب إلى آبائهم وأجدادهم، ثم رتب النساء على ذلك النسق أيضا.
(2)
وفائدة التنظيم على الطبقات إنما تظهر في العصور الاسلامية الاولى كما ذكرت، وكلما مضى الزمن بالكتاب صرنا لا نشعر بوجود الطبقة شعورا واضحا، لذلك وجدنا في " سير أعلام النبلاء " نوعا من التسلسل الزمني في الاقسام التي تلت تلك الاعصر الاولى، فضلا عن وجود عدد ليس بالقليل من التراجم التي لا علاقة لاصحابها بالرواية أو العلم فضلا عن اللقيا، مثل الملوك والوزراء والخلفاء والسلاطين والاطباء والشعراء ونحوهم، ولكن مفهوم الذهبي للتاريخ، وتكوينه الفكري المتصل بالحديث والمحدثين جعله يتمسك بهذا التنظيم إلى آخر الكتاب بالرغم من عدم جدواه في القرون المتأخرة ودخول غير أهل الرواية في الكتاب.
__________
(1) انظر المجلد الاول من تهذيب الكمال بتحقيقنا (منشورات مؤسسة الرسالة).
(2) وقد وجدنا العلماء المتأخرين يعنون بإعادة تنظيم كتب الطبقات على حروف المعجم كما فعل نور الدين الهيثمي في إعادة ترتيب " ثقات " ابن حبان، وغيره.

(1/107)


إن نظرة واحدة للتراجم المذكورة في المجلد الثالث عشر مثلا تشير إلى نوع من التسلسل في ذكر المترجمين حسب وفياتهم، وإن لم يكن ذلك بالدقة التي رتبت فيها الكتب المؤلفة على السنين.
وقد وجدنا الذهبي في " السير " كثيرا ما يجمع تراجم الاقرباء في مكان واحد، ولا سيما الاخوة والآباء والابناء، وهو بعمله هذا إنما راعى الوحدة التاريخية، لكنه في الوقت نفسه كان على حساب " الطبقة " والزمان.
فحينما ترجم الذهبي لعاقل بن البكير أحد شهداء بدر أتبعه بتراجم إخوته الثلاثة: خالد بن البكير الذي استشهد يوم الرجيع سنة أربع، وإياس بن البكير المتوفى سنة 34 ه، وعامر الذي استشهد يوم اليمامة.
وحينما ترجم
لابي جندل بن سهيل ترجم بعد ذلك لاخيه عبد الله بن سهيل، ثم لابيهما سهيل بن عمرو، وحينما ترجم لابي الحارث نوفل بن الحارث، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترجم أيضا لابنه الحارث بن نوفل، ثم لابن ابنه: عبد الله ابن الحارث بن نوفل، ثم لابن ابن ابنه: عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وأتبعهم بعد ذلك بأخويه: سعيد بن الحارث وأبي سفيان بن الحارث، ثم ولد الاخير جعفر بن أبي سفيان بن الحارث.
وهذا الذي ذكرته عن الجمع بين الاقرباء وتجاوز الطبقة منهج سار عليه الذهبي في جميع الكتاب، وإن لم يلتزم به دائما، وقد وجدناه في الاقسام الاخيرة من كتابه يتبع هذا النهج، ففي الطبقة الثلاثين ترجم لابي العلاء الهمذاني المتوفى سنة 569 ه، ثم أتبعه بابنه محمد بن الحسن المتوفى سنة 605 وهو من أهل الطبقة التي بعدها.
وترجم لكمال الدين ابن الشهرزوري المتوفى سنة 572 ه ذكر والده الملقب بالمرتضى المتوفى سنة 511 ه وهو من أهل طبقة سابقة.
وترجم في الطبقة الثلاثين لقوام الدين أبي المحامد حماد

(1/108)


ابن إبراهيم الصفاري المتوفى سنة 576 ه، ثم ذكر والده ركن الدين الذي بقي إلى سنة 532 ه، كما ذكر جده إسماعيل بن إسحاق الذي بقي إلى حدود سنة 500 ه.
وترجم لابي المواهب ابن صصرى المتوفى سنة 586 ه، وأتبعه بترجمة أبيه أبي البركات ابن صصرى المتوفى سنة 573 ه ثم ترجمة جده محفوظ المتوفى سنة 545 ه.
وحينما ترجم للسلطان الهمام صلاح الدين يوسف المتوفى سنة 589 ه ترجم معه لابنائه: العزيز المتوفى سنة 595 ه، والظاهر المتوفى سنة 613 ه، والافضل المتوفى سنة 622 ه وهلم جرا
خامسا طبيعة تراجم " السير " وأسس انتقائها:
عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي أنه كان عالما، واسع الاطلاع، غزير المعارف ولا سيما في التراجم، وهو الحقل الذي ألف فيه مجموعة من الكتب وبرع فيه البراعة التي جعلت العلماء يجمعون على أنه " مؤرخ الاسلام "، وألف كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " الذي احتوى على قرابة أربعين ألف ترجمة، وبذلك كانت لديه حصيلة ضخمة من التراجم كان عليه أن ينتقي منها ما يراه مناسبا لكتابه " السير "، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك ؟ والجواب: ان دراستنا للكتاب تبين أنه سار وفق خطة مرسومة في الانتقاء، سواء أكان ذلك في انتقاء التراجم أم في انتقاء المادة المذكورة في كل ترجمة، وقد انطلق في كل ذلك من ميزانه الذي وزن به المترجم من جهة، والاخبار التي تجمعت لديه عنه من جهة أخرى، وهو في كل ذلك إنما يصدر عن مفهومه المعين لفائدة كتاب من مثل " السير ".
ولعلنا نستطيع فيما يأتي أن نتبين أسس انتقاء التراجم: 1 العلمية: كان الذهبي قد أورد في " تاريخ الاسلام " جميع المشاهير والاعلام، ولم

(1/109)


يورد المغمورين والمجهولين، بعرف أهل الفن في كل عصر لا بعرفنا نحن، إذ لا ريب في أن هناك آلافا من التراجم التي ذكرها لم يسمع بها كثير من المتخصصين في عصرنا.
أما في " السير " فإنه اقتصر فيه على ذكر " الاعلام "، وأسقط المشهورين.
وقد استعمل الذهبي لفظ " الاعلام (1) ليدل على المشهورين جدا بعرفه هو لا بعرف غيره، ذلك أن مفهوم " العلم " يختلف عند مؤلف وآخر استنادا إلى عمق ثقافته ونظرته إلى البراعة في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو عمل من الاعمال، أو أي شئ آخر، لذلك وجدنا أن
سعة ثقافة الذهبي، وعظيم اطلاعه، وكثرة معاناته ودربته بهذا الفن قد أدت إلى توسيع هذا المفهوم بحيث صرنا نجد تراجم في " السير " مما لا نجده في كتب تناولت المشهورين، مثل " المنتظم " لابن الجوزي، و " الكامل " لابن الاثير، و " البداية " لابن كثير، و " عقد الجمان " لبدر الدين العيني، وغيرها.
2 الشمول النوعي: ولم يقتصر الذهبي في " السير " على نوع معين من " الاعلام " بل تنوعت تراجمه فشملت كثيرا من فئات الناس، من الخلفاء، والملوك، والامراء والسلاطين، والوزراء، والنقباء، والقضاة، والقراء، والمحدثين، والفقهاء، والادباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين والفلاسفة، ومجموعة من المعنيين بالعلوم الصرفة.
ومع أن المؤلف قصد أن يكون " السير " شاملا لجميع " أعلام " الناس، إلا أننا وجدناه يؤثر المحدثين على غيرهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من
__________
(1) كانت تراجم الاعلام في تاريخ الاسلام أوسع من تراجم المشهورين، وقد أشار الذهبي في تراجمهم من هذا التاريخ بلفظة " أحد الاعلام " انظر على سبيل المثال الاعلام في الجزء الخامس من تاريخ الاسلام، ص: 44، 68، 69، 89، 98، 116، 121، 128، 136، 152، 155، 179، 184، 228، 233، 257..الخ.

(1/110)


المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وهي فيما نرى ظاهرة طبيعية لما عرفنا من تربية الذهبي ونشأته الحديثية، وحبه لرواية الحديث وشغفه به، ذلك الشغف العظيم الذي ملك عليه قلبه، فهو من صنفهم واسع المعرفة بهم، عظيم الاكبار لهم، شديد الكلف بهم، فضلا عن أن المحدثين هم من أكثر الفئات التي عنيت بالرواية نظرا للاهمية البالغة التي
يحتلها الحديث الشريف في الحياة الاسلامية، ولذلك فإن دراسة أحوال نقلة الحديث وبيان مواليد هم ووفياتهم وآراء العلماء فيهم وشيوخهم والرواة عنهم ونحو ذلك، من الامور التي تقوم عليها دراسة الاسانيد، ثم معرفة صحيح الحديث من سقيمه.
3 الشمول المكاني: وقد عمل المؤلف أن يكون كتابه شاملا لتراجم الاعلام من كافة أنحاء العالم الاسلامي من الاندلس غربا إلى أقصى المشرق، وهو شمول قل وجوده في كثير من الكتب العامة التي تناولت تراجم المسلمين، إذ كثيرا ما كانت مثل تلك الكتب تعنى بايراد تراجم أعلام بلدها أو منطقتها، فابن الجوزي في " المنتظم " مثلا عني بتراجم البغداديين عناية فاقت غيرهم من علماء وأعلام البلدان الاخرى مع أنه أراد لكتابه أن يكون عاما شاملا، ولم يعن كثير من المؤلفين المشارقة الذين ألفوا في التراجم العامة بتراجم المغاربة والاندلسيين (1)، كما لم يعن كثير من المؤلفين المغاربة والاندلسيين بتراجم المشارقة عنايتهم بتراجم أهل بلدهم، بينما نجد نوعا جيدا من التوازن
__________
(1) ألف زكي الدين المنذري " التكملة لوفيات النقلة " ليكون كتابا عاما في " النقلة " لكل العالم الاسلامي، لكننا وجدناه يقصر تقصيرا كبيرا في تراجم الاندلسيين والمغاربة (انظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة: 238 فما بعد النجف 1968).

(1/111)


في كتاب " السير " يقل نظيره في الكتب التي من بابته، وهو منهج سار عليه الذهبي في كثير من كتبه ولا سيما في كتابه الكبير " تاريخ الاسلام "، مما يشير إلى شمول نظرته، واتساع اطلاعه على المؤلفات في هذا الفن في كل منطقة، من مناطق العالم الاسلامي وصلته بها.
4 - التوازن الزماني: حاول الذهبي في هذا الكتاب أن يوازن في عدد الاعلام الذين يذكرهم على امتداد المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها الكتاب والبالغة سبعة قرون، فلم نجد عنده تفضيلا لعصر على آخر في هذا المجال.
ومع أننا نجد تفاوتا في عدد المترجمين بين طبقة وأخرى، لكننا لو نظمنا الكتاب على وفيات المترجمين ونظرنا إلى عدد المذكورين في كل سنة لوجدنا نوعا من التناسق في عدد المذكورين في كل سنة.
نعم، قد نجد كثيرا من السنوات مما يخرج عن هذا القول لكن هذا لا يناقض المسار العام الذي أشرنا إليه، بسبب وفاة عدد من الاعلام في بعض هذه السنوات لعوامل كثيرة منها الاوبئة والحروب وغيرها.
5 طول التراجم وقصرها: وجد الذهبي، بسبب سعة اطلاعة وتمكنه العظيم في الرجال، مادة وفيرة احتوتها مئات الموارد التراجمية، يساعده على ذلك سعة النطاق الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الاسلام حتى نهاية المئة السابعة، والنطاق المكاني الذي يشمل العالم الاسلامي كله.
وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن يحدد نوعية المترجمين باختيار الاعلام منهم، إلا أن ما يبدو أكثر أهمية هو أن هؤلاء الاعلام تتوفر عنهم عند مثل هذا المؤلف الواسع الاطلاع كمية

(1/112)


عظيمة من المادة التاريخية التي لا بد أن ينتقي منها ما يتفق وخطته في صياغة الترجمة من أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من هذا التضخم الكبير الذي قدره له.
من هذا الذي ذكرت اجتهد الذهبي أن يقدم ترجمة كاملة ومختصرة في
الوقت نفسه لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه، فتخرجه عن خطته العامة.
وقد تمكن الذهبي أن يتخلص من مثل تلك المادة الضخمة التي تحصلت لديه عن بعض كبار الاعلام بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولت ذلك العلم بتفصيل أكثر مما ذكره هو في بعض جوانب الترجمة، نحو قوله في ترجمة عكرمة بن أبي جهل: " استوعب أخباره أبو القاسم بن عساكر "، وقوله في ترجمة يزيد بن أبي سفيان: " له ترجمة طويلة في تاريخ الحافظ أبي القاسم "، وقوله في ترجمة بلال بن رباح: " ومناقبه جمة استوفاها الحافظ ابن عساكر "، وقوله في ترجمة الكمال ابن الانباري بعد أن ذكر عددا من تصانيفه: " وسرد له ابن النجار تصانيف جمة "، والامثلة كثيرة.
ومع هذا الذي ذكرت فإن طول التراجم وقصرها في " السير " من الامور الواضحة لمطالع الكتاب، فقد نجد ترجمة لا تزيد على بضعة أسطر، بينما نجد ترجمة أخرى قد تبلغ صفحات عديدة.
وقد انتقده تلميذه التاج السبكي المتوفى سنة 771 ه على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها في كتبه التاريخية وعد ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي (1).
إلا أن دراساتنا لهذه المسألة توضح أن السبكي قد بالغ في نقده بسبب من تعصبه الشديد للاشاعرة، وتبين لنا أن الذهبي راعى في أكثر الاحايين قيمة الانسان وشهرته بين أهل علمه، أو مكانته بين الذين هم من بابته سواء أكان متفقا معه في
__________
(1) انظر الطبقات الكبرى: 2 / 24 23.
سير 1 / 8

(1/113)


العقيدة أم مخالفا، فنراه مثلا يطول في تراجم الشعراء البارزين، أو كبار النحويين، أو أعلام الصوفية، أو كبار الخلفاء والملوك والسلاطين، وقد ترجم
للشهاب السهروردي المقتول سنة 587 ه ترجمة طويلة باعتباره " العلامة الفيلسوف السماوي المنطقي..من كان يتوقد ذكاء، مع قوله " إنه قليل الدين " وأن مصنفاته " سائرها ليست من علوم الاسلام " وأن الذين أفتوا بقتله " أحسنوا وأصابوا " (1)، وترجم ترجمة حافلة لراشد الدين سنان صاحب الدعوة النزارية الذي كان في رأيه: " سخط وبلاء " (2)، وأمثلة ذلك في " السير " كثيرة لا نرى كبير فائدة في إيراد المزيد منها.
ومع أن الذهبي كان عظيم الاهتمام بالمحدثين، مكبرا لهم، شديد الكلف بهم، إلا أننا وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عموما إذا استثنينا بعض كبار أعلامهم مقارنة بكثير من التراجم الطويلة التي خص بها بعض الشعراء والصوفية والمتكلمين والفلاسفة.
على أن هذا الذي قلته لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقا بعقيدته وآرائه ونظرته إلى العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمر يجانب الطبيعة البشرية، وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في الموازنة، وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوى وتقصد، إنما انطلق من تكوينه الفكري الذي كان يحدد أهمية " العلم " في خدمة الاسلام، أو الاضرار به، فكان ينطلق ليبين هذا أو ذاك فتطول التراجم.
إن تقدير الامام الذهبي للعلم الذي يترجم له ويطول في ترجمته بسبب المكانة التي يحتلها هي التي دفعت به إلى تخصيص مجلد كامل للسيرة النبوية الشريفة، فسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي المثل الاعلى الذي يحتذيه
__________
(1) سير أعلام النبلاء: 21 / الترجمة 99 (بتحقيقنا).
(2) السير: 21 / الترجمة: 90.

(1/114)


المسلمون في مشارق الارض ومغاربها فضلا عن الاحكام المستفادة منها.
وهذا الامر هو الذي أدى به إلى تخصيص مجلد كامل عن سير الخلفاء الارعبة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم لما تمثله من قدوة للمسلمين، ولما يستفاد من دراستها في شتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ولما تحتله من المكانة في بناء الانسان المسلم.

سادسا صياغة تراجم " السير " وعناصرها:
تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما من تراجم " السير " عن الاخرى حسب طبيعة المترجم له وقيمته العلمية أو الادبية أو مكانته السياسية من جهة، وتتوحد في الاسس العامة لمكونات الترجمة من جهة أخرى.
ولا نجد تناقضا في ذلك، فالذهبي يعنى في معظم التراجم بذكر اسم المترجم ونسبه، ولقبه وكنيته ونسبته، ثم مولده أو ما يدل على عمره (1)، ونشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ الذين التقى بهم وروى عنهم، وأفاد منهم، ثم تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا يعلمه، وتخرجوا به، وما خلف من آثار علمية أو أدبية أو اجتماعية، ويبين بعد ذلك منزلته العلمية وعقيدته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه جرحا وتعديلا ممن كان وثيق الصلة به، ثم غالبا ما ينهي الترجمة بتحديد تاريخ وفاة المترجم ويدقق في ذلك تدقيقا بارعا.
والمؤلف في الوقت نفسه يذكر في كل ترجمة أمورا متفرقة تتصل بطبيعتها، فهو يعنى مثلا بايراد أعمال
__________
(1) لقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات جهد طاقته فذكرها دائما حينما توفرت له لما لذلك من أهميته كبيرة في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازاته منهم.
وكان المحدثون يعنون بتتبع المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو الاخذ عنه، فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا الثاريخ أو في سن لا تحتمل السماع حكموا بكذبه في هذه الرواية.

(1/115)


الخلفاء والملوك والامراء والمتولين في تراجمهم، ويركز عنايته على ما قاموا به من نشر عدل أو بث ظلم أو سفك دماء.
وهو يعنى بايراد نماذج من شعر الشعراء ومختارات من نثر الادباء، وأقوال للمتفلسفين وأرباب المقالات بما ينبئ عن حسن عقيدتهم أو سوئها ونحو ذلك.
والذهبي له أسلوبه المتميز في صياغة التراجم، وأساليب عرضها يختلف من الموارد التي ينقل منها، وقد دفعه هذا الامر في أغلب الاحيان إلى إعادة صياغة المادة التاريخية المنقولة عن المؤلفات السابقة بأسلوبه الخاص، ولم ير في ذلك ضيرا طالما قد توخى الدقة والامانة في نقل معاني الاقوال، لا سيما تلك التي لا تؤثر في قيمتها إعادة الصياغة مثل تاريخ وفاة، أو ميلاد، أو قيام بعمل ما، أو اختصار في أسماء الشيوخ ونحو ذلك، وقد بلغ الامر به حدا أنه أعاد تركيب الترجمة في كثير من المواضع التي اعتمد فيها مصدرا واحدا.
ولكنه ألزم نفسه في الوقت نفسه بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي تستحق ذلك.
وتتطلبها، مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب والتوقيعات التي أوردها في " السير "، والقطع النثرية، والقصائد الشعرية، والمناقشات بين العلماء، فضلا عن الروايات المسندة، ونصوص الاحاديث النبوية الشريفة.
أما إذا انتقى من النص أو لخصه، فإنه يشير إلى ذلك للامانة العلمية من جهة وبما يدفع عنه تهمة التلاعب به من جهة أخرى.
أما أسلوبه الادبي في عرض الترجمة، فقد تميز بالطراوة والحبك.
ولم يعن بالصنعة البيانية وتزويق الالفاظ مثل غيره من معاصريه وتلامذته، كابن سيد الناس اليعمري وتاج الدين السبكي وصلاح الدين الصفدي وغيرهم.
وهذا أمر طبيعي فيما نرى، لان للكلمة مكانتها عند الذهبي، وهو الناقد الذي يختار

(1/116)


العبارة الناسبة للتعبير عما يريد بدقة وأمانة، ويصف المترجم بالعبارة التي تزنه جرحا أو تعديلا، فهو أسلوب علمي قبل كل شئ.
ومن الواضح لكل ذي بصيرة أنه لا يمكن وصف المترجمين بشكل متقن عند اتباع أسلوب الصنعة البلاغية الذي يتجلى فيه العناية بالاسلوب على حساب دقة المعاني ودلالات الالفاظ.
وقد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حصل طرفا صالحا من العربية في نحوها وصرفها وآدابها، كما أنه عني عناية كبيرة في مطلع حياته بالقراءآت التي تقوم في أساسها على علم تام بالعربية، وقد تعاطى الشعر، فنظم اليسير منه، وأورد من شعر غيره جملة كبيرة في هذا الكتاب وغيره من كتبه.
لكل ذلك أصبحت لغته قوية جدا بحيث يصعب أن نجد في كتابه لحنا أو غلطا لغويا، أو استعمالا عاميا، فإذا كان النادر من ذلك، فإنه من سهو القلم، أو الذهول، أو بعض ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشئ.
وقد أدت دراساته لعدد ضخم من المؤلفات التاريخية والادبية والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة إلى وقوفه على أساليب عدد كبير من الكتاب والمؤلفين على مدى عصور طويلة تنوعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه كل ذلك خبرة أدبية قوية، وملكة جيدة على التعبير.
إن معرفة اللغة العربية معرفة جيدة والتمتع بالاسلوب الرصين من العوامل المهمة التي تخرج ترجمة جيدة ينتفع بها، والقول بأن المعني بعلم التراجم لا يحتاج كل هذه المعرفة قول فاسد، وقد أشار شيخ الذهبي ورفيقه الحافظ أبو الحجاج المزي في نهاية تقديمه لكتابه العظيم " تهذيب الكمال " إلى هذه الضرورة فقال: " وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفا صالحا

(1/117)


من علم العربية نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الاصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس، فإنه إذا كان كذلك، كثر انتفاعه به وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه وذلك خصوصية المحدث التي من نالها وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم، وحشر يوم القيامة تحت اللواء المحمدي إن شاء الله تعالى (1).

سابعا: المنهج النقدي:
كان الامام الذهبي من المعنيين بالنقد كل العناية بحيث صار يحتل مكانا بارزا في كتبه، وألف الكتب النافعة الخاصة به، ولذلك وجدناه عظيم الاهتمام به في كتبه، ومنها كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " مارسه في كل مادته، واعتبره جزءا أساسيا من منهجه في تأليف الكتاب.
والذهبي إنما ينطلق في هذه العناية وذاك الاهتمام من تكوينه الفكري المتصل بدراسة الحديث النبوي الشريف وروايته وداريته، والذي يؤكد ضرورة تبيين أحوال الرواة، ودرجة الوثوق بهم بتمييز الصادقين منهم عن الكاذبين، فسحبه بعد ذلك على جميع كتابه، سواء أكان ذلك في تراجم المحدثين، أم في تراجم غيرهم وسواء أكانوا من المتقدمين، أم من المتأخرين.
والحق أن المحدثين اخترعوا مناهج للبحث العلمي تعد من أرقي المناهج العلمية التي لم يعرفها الاوربيون إلا في عصور متأخرة جدا.
وقد انتفع بها المؤلفون في الفنون والعلوم الاخرى، منهم: المؤرخون واللغويون والادباء والفقهاء وغيرهم (2).
__________
(1) انظر مقدمة تهذيب الكمال، بتحقيقنا.
(2) انظر ما كتبناه عن " أثر دراسة الحديث في تطور الفكر العربي " في كتاب " رحلة في الفكر
والتراث " بغداد: 1980.

(1/118)


وقد اعتنى الذهبي في " السير " بكل أنواع النقد، فلم يقتصر على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين، وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الاحكام على الاحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية.
1 - نقد المترجمين: يقوم نقد المترجم عند الذهبي عادة على إصدار حكم في الرجل وتبيان حاله جرحا أو تعديلا، ويكون ذلك في الاغلب بإيراد آراء الثقات المعاصرين فيه وأحكامهم على وانطباعاتهم الشخصية عنه مما تحصل لديهم نتيجة لصلتهم به، ومعرفتهم بعلمه وسيرته.
وفي مثل هذه الحال قد يكتفي بآرائهم، أو يرد عليها، أو يرجح رأيا منها، وتكون نتيجة التعديل أو التجريح إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدا نحو " ثقة " و " صدق "، و " وصويلح "، و " دجال "، و " متروك "، و " كذاب "، و " مجهول "، وما إلى ذلك مما فصله في مقدمة كتابه النفيس " ميزان الاعتدال ".
وكانت الغاية الاساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال رجال الحديث لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، لكننا وجدنا الذهبي في الوقت نفسه يسحبه على معظم المترجمين في كتابه هذا وغيره من الكتب وإن لم يكونوا من المحدثين، بل سحبه إلى مترجمين لا علاقة لهم بالرواية أيا كانت.
وقد أدى هذا الامر إلى اعتراض بعض معاصريه عليه في عنايته الكبيرة باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى
تصحيح الحديث النبوي الشريف، وأن الحديث قد استقر في الكتب الرئيسة

(1/119)


فما عادت هناك من حاجة إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري (1)، كما أخذ عليه بعضهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة فيه وأنه محض غيبة (2).
وقد أثارت هذه القضية نقاشا بين العلماء فيما بعد، ولا حظنا أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد سوغوا استعمال النقد في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر (3).
لكننا لاحظنا في هذا التفسير سذاجة، وآية ذلك أنه قد يصح في حالة نقد المعاصرين من غير الرواة، فكيف نفسر نقد الرواة المتأخرين، وكيف نفسر استمرار الذهبي وغيره في نقد السابقين وتأليف الكتب الخاصة بالجرح والتعديل إن كانوا يعتقدون بانقطاع الفائدة ؟ الحق أن مثل هذا الامر لا يفسر بالسذاجة التي ناقشوها، فإن هناك عوامل أكثر عمقا دفعت الامام الذهبي إلى مثل هذه العناية لعل من أبرزها: أ استمرار العناية بالرواية في العصور التالية لظهور دواوين الاسلام في الحديث، وبعض المجاميع الحديثية الاخرى، بل ازدادوا عناية بها تقليدا للسابقين من جهة، وتدينا وحبا بالحديث من جهة أخرى، ولانها صارت جزءا من الحركة التعليمية والفكرية عند المسلمين من جهة ثالثة.
وهذا يعني استمرار الاسناد ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة.
ومع أن الامام الذهبي ركز في كتابه " الميزان " على الرواة القدماء،
__________
(1) ممن صرح بهذا أبو عمر ومحمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط المتوفى سنة 752 ه (انظر الاعلان للسخاوي: 460، 470، 474).
(2) السبكي: طبقات الشافعية: 2 / 14.
(3) الاعلان: 462 461.

(1/120)


واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، وأنه لو فتح على نفسه تناول المتأخرين لما سلم معه إلا القليل (1)، إلا أنه فتح هذا الباب في كتبه الاخرى ومنها " معجم الشيوخ " و " تاريخ الاسلام "، و " سير أعلام النبلاء " وغيرها.
ب إن الذهبي هو الناقد العظيم الم يتقبل آراء النقاد السابقين باعتبارها مسلمات لا يمكن ردها أو الطعن فيها دائما بالرغم من احترامه الشديد للثقات منهم، ومدحه الكثير لهم، وهو بهذا اعتبر باب الاجتهاد في النقد ما زال مفتوحا، فعني به كل هذه العناية، يدل على ذلك رده لآراء كثير من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248 ه، وأحمد بن عبد الله العجلي المتوفى سنة 261 ه، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي المتوفى سنة 259 ه، والبرذعي المتوفى سنة 292، والنسائي المتوفى سنة 303 ه، والعقيلي المتوفى سنة 322 ه، وابن عدي الجرجاني المتوفى سنة 323 ه، وابن حبان البستي المتوفى سنة 354 ه، وأبي الفتح الازدي المتوفى سنة 367، وابن مندة المتوفى سنة 395 ه، والخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه، وابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، وابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه، وغيرهم مما يطول ذكرهم وتعدادهم.
ج إن النقد أصبح جزءا من مفهومه التاريخي لذلك حاول تطبيقه في كل كتبه.
وقد أخطأ كثير ممن فسر نقده لكبار العلماء من غير الرواة، أو
الملوك، أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف " نقد الرجال "، بل هو حكم تاريخي كانت الغاية منه تقويم المترجم.
__________
(1) الميزان: 1 / 4.

(1/121)


والحق أن الذهبي لم ينظر إلى أمثال هؤلاء بالمنظار الذي نظر به إلى الرواة وأشباههم في الاغلب، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلف عن الآخر، وهي مسألة قلما انتبه إليها الباحثون، فوقعوا بآفة التعميم، وخرجوا بما ظنوا أنه حقيقة، فذكروا أن المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين.
وقد استطاع الذهبي في " السير " وغيره أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر كون في الاغلب صورة لجماع رأيه في المترجم.
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجمين تبدو لاول وهلة متناقضة مضطربة، نحو قوله في ترجمة صدقة بن الحسين الحداد المتوفى سنة 573 ه " العلامة..الفرضي المتكلم المتهم في دينه " (1)، فهو هنا قد فرق بين علم الرجل ودينه، وأعطى لكل ناحية تقويما خاصا.
ومن ذلك قوله في ترجمة الشهاب السهروردي المقتول سنة 587 ه: " العلامة الفيلسوف.
من كان يتوقد ذكاء، إلا أنه قليل الدين " ثم علق الذهبي على افتاء علماء حلب بقتله، بقوله: " أحسنوا وأصابوا "، وأنه " كان أحمق طياشا منحلا (2) "، ومثل هذا كثير.
وهذا الاختلاف في المناظير وتعددها عند الذهبي جعله يراعي في كل طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى الخلفاء والملوك والوزراء وأرباب الولايات مثلا من زاوية الحزم والدهاء،
والقوة والضعف، والسياسة، والظلم والعدل، وحب العلم والعلماء ونحوها،
__________
(1) السير: 21 / الترجمة: 21.
(2) السير: 21 / الترجمة: 99.

(1/122)


مثل قوله في ترجمة قايماز مولى المستنجد " كان سمحا كريما.
قليل الظلم " (1)، وقوله في ابن غانية: " الامير المجاهد " (2)، وقوله في مجد الدين ابن الصاحب: " وكان قد تمرد وسفك الدماء وسب الصحابة وعزم على قلب الدولة فقصمه الله " (3)، وقوله في الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة: " كان بطلا شجاعا مقداما جوادا ممدحا له مواقف مشهودة مع عمه السلطان صلاح الدين " (4)، وغير ذلك كثير (5).
أما العلماء فكان يراعي فيهم البراعة والمعرفة في العلم الذي تخصصوا فيه، ومن ذلك مثلا الشعراء، فإنه نظر إلى إبداعهم وجودة شعرهم فقومهم استنادا إلى ذلك (6).
ثم كثيرا ما نجده يقوم بعض المترجمين بعد دراسة بعض كتبهم، ويبين قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها.
2 نقد الاحاديث والروايات: أكثر الامام الذهبي من إيراد الاحاديث النبوية الشريفة في كتبه التاريخية وغيرها، ومنها كتابه " سير أعلام النبلاء ".
وقد عني دائما بالتعليق على هذه الاحاديث من حيث الاسناد والمتن ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال تلميذه
__________
(1) السير: 21 / الترجمة: 20.
(2) السير: 21 / الترجمة: 23.
(3) السير: 21 / الترجمة: 79.
(4) السير: 21 / الترجمة: 97.
(5) انظر مثلا لا حصرا بعض تراجم المجلد الحادي والعشرين من السير: 11، 18، 25، 80، 100، 119..الخ.
(6) انظر مثلا: 21 / التراجم: 14، 24، 63، 84، 85، 101، 102..الخ.

(1/123)


الصلاح الصفدي: " وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده " (1).
وقد انتقد الامام الذهبي الحافظين: أبا نعيم الاصبهاني والخطيب البغدادي، وذنبهما بروايتهما الموضوعات في كتبهما وسكوتهما عنها (2).
ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك يسحب هذا النقد الحديثي ويطبقه على الروايات التاريخية والادبية ونحوها، وبذلك تحصلت في هذا الكتاب ثروة نقدية على غاية من الضخامة، ويلمسها كل من يطالع الكتاب، أو يتصفحه لا سيما في مجلداته الاولى.
وقد وجدنا الذهبي بعد ذلك لا يقتصر على أسلوب واحد في النقد، بل يتوسل بكل ممكن يوصله إلى الحقيقة، فنقد السند والمتن، واستعمل عقله في رد كثير من الروايات.
أ نقد السند: ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في أحد من رواته أو أكثر، أو تقويته استنادا إلى مقاييس المحدثين، ويحكم عليه وفقا لذلك ويستعمل التعبيرات الفنية الدالة على قولة الاسناد أو تقويته نحو قوله (3).
" إسناده صالح "، و " إسناده جيد "، و " رواته ثقات "، و " له علة غير مؤثرة "، أو العبارات الدالة على ضعف الاسناد أو تضعيفه نحو قوله: " إسناده ليس بقوي "، و " في إسناده لين "، و " فيه انقطاع "، و " إسناده ضعيف "، و " إسناده
__________
(1) الوافي: 2 / 163.
(2) الميزان: 1 / 111.
(3) أمثلة ذلك مبثوثة في جميع الكتاب ولم نر كثير فائدة في إيراد أماكن وجودها حيث يستطيع القارئ الوقوف على مئات من ذلك بمجرد تصفحه للكتاب.

(1/124)


واه "، و " إسناده مظلم "، وهلم جرا.
أو يبين سبب ضعف السند بتعيين أحد رواته أو ما يشبه ذلك نحو قوله في إسناد فيه داود بن عطاء " وداود ضعيف " (1)، وقوله عن سند فيه صهيب مولى العباس: " وصهيب لا أعرفه " (2)، وقوله: " الحسن مدلس لم يسمع من المغيرة " (3).
ويؤدي هذا النقد إلى إصدار أحكام دقيقة تبين مرتبة الحديث يشير إليها الذهبي من مثل قوله: " صحيح "، أو " متفق عليه "، أو " هو في الصحيحين "، أو " صحيح غريب "، أو " حسن "، أو " غريب " أو " غريب جدا "، أو " منكر "، أو " موضوع " ونحو ذلك مما يعرفه أهل العناية بهذا الفن الجليل.
ومن أجل توثيق الاحاديث والروايات عني الذهبي بنقل الاسانيد التي وردت في المصادر التي نقل عنها، ولم يكتف بايراد المصدر حسب، وهي طريقة تعينه على تقديم المصادر الاصلية التي اعتمدها المصدر الذي ينقل منه وتتيح له، وللقارئ، الفرصة لتقويم الحديث أو الخبر استنادا إلى ذلك الاسناد، ولعل المثال الآتي يوضح هذه المسألة، قال في ترجمة الزبير بن العوام (4): " وقال الزبير بن بكار: حدثني أبو غزية محمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن مصعب، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر، قال:.."، وقوله: " الدولابي في " الذرية الطاهرة ": حدثنا الدقيقي، حدثنا يزيد، سمعت شريكا، عن الاسود بن قيس.."، فهو
كان يستطيع أن يكتفي بالقول " وقال الزبير بن بكار " أو " الدولابي في الذرية
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 11.
(2) نفسه.
(3) السير: 1 / الترجمة: 4 (بتحقيق العالم شعيب الارناؤ وط).
(4) السير: 1 / الترجمة: 3.

(1/125)


الطاهرة ".
وهذا منهج انتهجه في معظم أقسام كتابه وهو يدل على دقة ومنهج متميز وعقلية نقدية في غاية الرقي.
ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك لا يكتفي بنقد السند في كثير من الاحاديث والروايات التي يوردها ويضعفها استنادا إلى ضعف في سندها، بل يحاول جاهدا إيراد ما يقوي هذا التضعيف من الادلة التاريخية التي تتوافر له، من ذلك مثلا ما جاء في ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (1): " أبو الحسن المدائني، عن يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده عائشة وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقال: من هذه الحميراء يا رسول الله..الحديث " حيث علق الذهبي بقوله: " هذا حديث مرسل، ويزيد متروك، وما أسلم عيينة إلا بعد نزول الحجاب "، ثم أفاض في نقد الحديث وكان يكفيه بعض من هذا لرد الحديث.
ب نقد المتن: وهو الذي يقوم على نقد متن الرواية وتحليلها وعرضها على الوقائع التي هي أقوى منها، ومعارضتها بها، ودراسة لغة الخبر وغيرها، واستخدام جميع الوسائل المتاحة للناقد التي تثبت دعواه.
وقد عني الامام الذهبي في هذا
النوع من النقد عناية بالغة في هذا الكتاب، فرد مئات الروايات وأبطلها بنقده المتين وأسلوبه العلمي المتزن الذي ينبئ عن غزارة علم ونبالة قصد، وقدرة فائقة، وسعة اطلاع.
فمن ذلك مثلا تعليقه على الخبر الذي يشير إلى أن العباس بن عبد المطلب أسلم قبل بدر وأنه طلب القدوم إلى المدينة وأن
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 19.

(1/126)


الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منه البقاء فأقام بأمره، بقوله: " ولو جرى هذا لما طلب من العباس فداء يوم بدر " (1).
ومن ذلك حكاية عن عائشة: " فخرت بمال أبي في الجاهلية وكان ألف ألف أوقية..الحكاية "، قال: وإسنادها فيه لين.
واعتقد لفظة ألف الواحدة باطلة، فإنه يكون أربعين ألف درهم، وفي ذلك مفخر لرجل تاجر، وقد أنفق ماله في ذات الله.
ولما هاجر كان قد بقي معه ستة آلاف درهم فأخذها صحبته، أما ألف ألف أوقية فلا تجتمع إلا لسلطان كبير " (2).
ومثل هذا كثير في كتابه وهو أمر يدحض رأي من قال: إن المحدثين قصروا نقدهم على إسناد الحديث ولم ينظروا إلى متنه.
3 - التعصب والانصاف في النقد: كان من منهج الذهبي نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم ليقدم صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمة من تراجمه، بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي " ت 771 ه " وغيره.
كما أن الذهبي عني بترجمة عدد كبير من المعاصرين له ولا سيما في معجمه الكبير، ومعجمه المختص بالمحدثين، ولا ريب أنه نقد بعضهم، فلم يعجبهم ذلك، وتأذى البعض منهم، وغضب غضبا شديدا مثل شمس الدين محمد بن أحمد بن بصخان المقرئ المتوفى سنة 743 ه الذي ترجم
له الذهبي، وأورد بعض ما فيه من القدح.
فكتب ابن بصخان هذا بخط غليظ على الصفحة التي بخط الذهبي كلاما أقذع فيه بحق الذهبي بحيث صار خط الذهبي لا يقرأ غالبه (3).
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 11.
(2) السير: 2 / الترجمة: 19.
(3) السخاوي: " الاعلان " ص 470، وانظر الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 31 30.

(1/127)


وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما في العقائد، فكان شافعي الفروع، حنبلي الاصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وعدها جزءا منه كما بينا قبل قليل.
ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه من يتعصب للاشاعرة غاية التعصب.
وبسبب العقائد انتقد الذهبي من بعض معاصريه لا سيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي " 728 - 771 ه " (1) في غير موضع من كتابه " طبقات الشافعية الكبرى " (2) وفي كتابه الآخر " معيد النعم " (3)، فقال في ترجمته من الطبقات: " وكان شيخنا - والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الاشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم.
صنف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه " (4) وقال في ترجمة أحمد بن صالح المصري من الطبقات أيضا: " وأما
تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين أعني الفقراء الذين هم
__________
(1) اتصل السبكي بالذهبي سنة 739 ه ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عاما، ولازمه، فكان يذهب إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في " معجمه المختص " انظر مقدمة " طبقات الشاقعية ".
(2) انظر مثلا 2 / 13 فما بعد، 3 / 299، 353 352، 356، 4 / 33، 133، 147، 9 / 104 103 وغيرها.
(3) " معيد النعم "، ص 74، 77.
(4) 2 / 22.

(1/128)


صفوة الخلق، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الاشاعرة، ومدح فزاد في المجسمة، هذا وهو الحافظ المدره، والامام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين " (1).
وذكر في موضع آخر أنه نقل من خط صلاح الدين خليل بن كيلكلدي العلائي " 761 694 ه "، وهو من تلاميذ الذهبي والمتصلين به (2)، أنه قال ما نصه: " الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الاثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه، وميلا قويا إلى أهل الاثبات، فإذا ترجم لواحد منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن، وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحو هما لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه، يعتقده دينا، وهو لا يشعر، ويعرض عن
محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، وإذا ظفر لاحد منهم بغلطة، ذكرها.
وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد " (3).
ثم ذكر السبكى أن الحال أزيد مما وصف العلائي، ثم قال: " والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجرئ أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه " (4)
__________
(1) 9 / 104 103.
(2) ابن حجر: " الدرر " 2 / 179 - 182.
(3) " الطبقات " 2 / 13.
(4) نفسه 2 / 14 13.
سير 1 / 9

(1/129)


وبالغ السبكي بعد ذلك، فقال: " إن الذهبي متقصد في ذلك، وأنه كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنيفية والمالكية والشافعية غضبا شديدا، ثم يقرطم الكلام ويمزقه، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الالفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها، لما نطق بها " (1).
وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشا بين المؤرخين، فرد عليه السخاوي " ت 902 - ه " حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للاشاعرة، ونقل قول عز الدين الكناني " ت 819 ه " في السبكي: " هو رجل قليل الادب، عديم الانصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم (2).
وقال يوسف بن عبد الهادي " ت 909 ه " في معجم الشافعية: " وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي.
كان أجل من أن يقول ما لا
حقيقة له..والانكار عليه أشد من الانكار على الذهبي لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الافراط (3) ".
والحق أن السبكي أشعري جلد متعصب غاية التعصب، ولا أدل على ذلك من شتيمته المقذعة في حق الذهبي في ترجمة أبي الحسن الاشعري من الطبقات، فقد سف بها إسفافا كثيرا بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة طويلة في " تاريخ الاسلام " ولانه اكتفى بإحالة القارئ إلى كتاب " تبيين كذب المفتري " لابن عساكر، فعد ذلك نقيصة كبيرة في حق الاشعري (4).
وقد قرأ
__________
(1) نفسه 2 / 14.
(2) " الاعلان " ص 469 فما بعد.
(3) " معجم الشافعية "، الورقة 48 47 (ظاهرية).
(4) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 133 132 (أحمد الثالث 2917 / 9).
وقد وصف الذهبي الاشعري بأحسن الاوصاف، وذكر تصانيفه: وقال " من نظر في هذه الكتب عرف محله، ومن أراد أن يتبحر في معرفة الاشعري، فليطالع كتاب تبيين كذب المفتري..".

(1/130)


السخاوي بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: " يا مسلم استحي من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السنة الذين هم الاشعرية، ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس " (1).
ومع ذلك فإن هذه القضية جديرة بالدرس لانها توضح أهمية كتاب الذهبي من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحري من جهة أخرى.
ولقد أبانت دراستنا لتاريخ الاسلام أن الذهبي قد وفق إلى أن يكون منصفا إلى درجة غير قليلة في نقده لكثير من الناس، وما رأينا عنده تفريقا كبيرا بين علماء المذاهب الاربعة، وما كان يرضى الكلام بغير حق ولا حتى نقله في
بعض الاحيان، قال في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي " قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها (2) " وقال في ترجمة ابن الحريري الدمشقي الحنفي " ت 728 ": " قاضي القضاة علامة المذهب ذو العلم والعمل (3) وقوله في قاضي الحنفية شمس الدين الاذرعي " ت 673 ": " لم يخلف بعده مثله " (4) وترجم لابي جعفر الطحاوي ترجمة رائقة، ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجم (5) وقال في ترجمة عماد الدين الجابري الحنفي المتوفى سنة 584 ه من " السير ": " شيخ الحنفية نعمان الزمان " (6)، وقال في ترجمة المرغيناني الحنفي: " كان من أوعية العلم " (7)
__________
(1) " طبقات "، 3 / 352 - 353.
(2) الورقة 18 (أيا صوفيا 3007).
(3) " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 51 (4) الورقة 18 (أيا صوفيا 3014).
(5) الورقة 114 (أحمد الثالث 2917 / 9).
(6) سير أعلام النبلاء 21 / الترجمة: 82.
(7) (نفسه 21 / الترجمة 115 وانظر أمثلة أخرى في التراجم: 3، 36، 114 من المجلد المذكور.

(1/131)


وهذا هو منهجه في معظم الحنفية لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا من الشافعية ولا المالكية، ولا الحنفية.
ولو قال السبكي: إنه كان يتعصب على الاشاعرة حسب، لوجد بعض الآذان الصاغية، ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوص قد تؤيد رأيه، علما أني بحثت في " تاريخ الاسلام " " وسير أعلام النبلاء " وغيرهما فلم أسنتطع أن
أحصل على مثل يصلح أن يسمى انتقادا لاشعري.
نعم قد نجد بعض تقصير في تراجم قسم من الاشاعرة.
وفي هذا المجال صرت أشعر أن سبب قصر بعض تراجم الاشاعرة، قد جاء من عدم قيام الذهبي بنقل آراء المخالفين بتوسع حبا منه للعافية، كما في ترجمة أبي الحسن الاشعري الذي لم يأت الذهبي بكلمة نقد فيه مع أن الاشعري قضى القسم الاكبر من حياته معتزليا، ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة.
والواقع أن الذهبي ما بخس فضل هذا الرجل إلى درجة أنه عده مجددا في أصول الدين على رأس المئة الرابعة (1) أما كلام الذهبي في الصوفية، فصحيح ما قاله السبكي، ولكن في النادر منهم، وهذا رأي ارتآه الذهبي، واعتقد فيه وآمن به، فقد ميز بين طائفتين منهم.
أولا هما: كانت متمسكة بالدين القويم، متبعة للسنة، احترمهم الذهبي الاحترام كله، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الانصاري السبتي عند رحلته إلى مصر (2)، وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد، ويعنى بإيرادها في كتابه، بل يكثر منها عادة (3)، ويورد بعض
__________
(1) تفسير للحديث الشريف " يبعث الله من يجدد..الحديث " وقد فسر الذهبي " من " لصيغة الجمع.
انظر السبكي " طبقات " 3 / 26.
(2) تاريخ الاسلام، الورقة 126 (أيا صوفيا 3012).
(3) انظر تاريخ الاسلام مثلا الورقة 6، 18، 20، 100، 175 (أحمد الثالث 2917 / 9).

(1/132)


أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه (1).
أما الثانية: فقد عدهم الذهبي مارقين عن الدين، مشعوذين، بهم مس من الجنون، ومنهم الاحمدية (2) أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية (3)
وشيخها جمال الدين محمد الساوجي فقد ذكر ترهاته وانغشاش الناس به، وبحاله الشيطاني (4)، ووصف بعض أحوالهم في ترجمة يوسف القميني " ت 657 ه " فقال: " وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين، ولما توفي، شيعه خلق لا يحصون من العامة، وقد بصرنا الله تعالى وله الحمد وعرفنا هذا النموذج..فقد عم البلاء في الخلق بهذا الضرب..ومن هذا الاحوال الشيطانية التي تضل العامة: أكل الحيات ودخول النار، والمشي في الهواء ممن يتعانى المعاصي، ويخل بالواجبات.
وقد يجئ الجاهل، فيقول: اسكت، لا تتكلم في أولياء الله، ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله، وأهانهم إذ أدخل فيهم هؤلاء الاوباش المجانين أولياء الشيطان (5) ".
ولم يكن الذهبي متعصبا للحنابلة بالمعنى الذي صوره السبكي، فالرجل كان محدثا يحب أهل الحديث، ويحترمهم، إلا أن هذا لم يمنعه من تناول مساوئ بعضهم، فقد نقل عن الامام ابن خزيمة في ترجمة الطبري المؤرخ قوله: " ما أعلم على أديم الارض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته
__________
(1) تاريخ الاسلام، ؟ ؟ الورقة 15، 20، 26، 123، 155، 166، 154، 187، 202، 215، 237 (أحمد الثالث 2917 / 9)، وسير أعلام النبلاء، مثلا: 21 / التراجم: 89، 93، 106، 132..الخ.
(2) " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 40 علما بأنه ترجم في " السير " للرفاعي ترجمة رائعة ووصفه بأنه " الامام القدوة العابد الزاهد شيخ العارفين " 21 / الترجمة 26.
(3) القلندرية: المحلقون أي الذي يحلقون رؤوسهم ولحاهم.
(4) الورقة 104 (أيا صوفيا 3012).
(5) الورقة 174 (أيا صوفيا 3013).
وقمين الحمام: أتونه.

(1/133)


الحنابلة "، ثم قال الذهبي معقبا: " كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الاذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد (1) ".
وقال في ترجمة عبدالساتر ابن عبد الحميد تقي الدين الحنبلي المتوفى سنة 679 ه: " ومهر في المذهب.
وقال من سمع منه لانه كان فيه زعارة، وكان فيه غلو في السنة، ومنابذة للمتكلمين ومبالغة في اتباع النصوص..وهو فكان حنبليا خشنا متحرقا على الاشعري..كثير الدعاوى قليل العلم (2) ".
ومع ما كان للذهبي من إعجاب بشيخه ابن تيمية فإنه أخذ عليه " تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الاليم المبكي المنكي المثير النفوس (3) " كما أخذ عليه " الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار (4) ".
وقد رأى في بعض فتاويه انفرادا عن الامة، قال: " وقد انفرد بفتاوى نيل من عرضه لاجلها، وهي مغمورة في بحر علمه فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه فما رأيت مثله، وكل أحد من الامة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا (5) ؟ ".
وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه أنه تكلم في ابنه أبي هريرة عبد الرحمن فقال: إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه (6).
ولست هنا في حال دفاع عن الرجل فكتاباته خير مدافع عنه، وهي
__________
(1) الورقة 45 (أحمد الثالث 2917 / 9).
(2) الورقة 66 (أيا صوفيا 3014).
(3) الورقة 332 من النسخة السابقة.
(4) " بيان زغل العلم " ص 18 17.
(5) " تذكرة الحفاظ " 4 / 1497.
(6) السخاوي: " الاعلان " ص 488.

(1/134)


الحكم في تقويمه، ولكنني أقول: إن تحقيق كثير من الانصا، وإن لم يكن كله، أمر له قيمته العظمى في كل عصر.

ثامنا أهمية كتاب السير:
السير ليس مختصرا لتاريخ الاسلام: ذكرنا عند الكلام على منهج " السير " أن الذهبي عني بذكر " الاعلام " وأسقط المشهورين، ولكن هذا لا يعني أن المؤلف استل جميع تراجم الاعلام من " تاريخ الاسلام " فذكرهم في هذا الكتاب وإن كان كل علم مذكور في هذا الكتاب قد تناوله المؤلف في " تاريخ الاسلام " تقريبا، فقد وجدنا بعد دراستنا للكتابين جملة فروق أساسية بينهما، إضافة لما ذكرنا، من أبرزها:
1 - أن المؤلف كتب تراجم الصدر الاول من " السير " بشكل يختلف اختلافا تاما عما كتبه في " تاريخ الاسلام "، فمعظم تراجم الصدر الاول هذه تراجم حافلة لا يمكن مقارنتها من حيث غزارة الاخبار، وجودة التنظيم بمثيلاتها في " تاريخ الاسلام "، والامثلة على ذلك كثيرة جدا يلمسها الباحث عند دراسته للكتابين المذكورين، واكتفي هنا بمثل واحد يدعم هذا الذي أذهب إليه: فقد ترجم الذهبي في " السير " لازواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته تراجم حافلة استغرقت عشرات الصفحات (1) مما لا نجد له مثيلا من حيث غزارة المادة والسعة في تاريخه حيث لم يذكر عنهن هناك إلا النزر اليسير.
2 - ألف الذهين مجموعة كبيرة من السير الخاصة بالرجال البارزين في تاريخ الاسلام وأفردها بمؤلفات مستقلة (2)، فلما ألف " سير أعلام النبلاء "
__________
(1) أنظر المجلد الثاني من " السير " وقارن تاريخ الاسلام: 2 / 419 414 (ط.
القدسي
الثانية).
(2) أنظر كتابي: الذهبي ومنهجه: 211 202.

(1/135)


أدخل معظم هذه المادة الواسعة في الكتاب الجديد، وقد أشار تلميذه الصلاح الصفدي إلى هذا الامر حينما قال: " وله في تراجم الاعيان لكل واحد مصنف قائم الذات..ولكنه أدخل الكل في تاريخ النبلاء " (1)، وهذه المادة لا نجد لها مثيلا من حيث السعة والدقة في تاريخه الكبير، والتراجم الموجودة في " السير " تشهد بذلك مثل تراجم: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وابن حزم، وغيرها.
3 - وقد لاحظنا في الوقت نفسه أن إضافات الذهبي إلى تراجم " الاعلام " في الاقسام الوسطى والاخيرة من الكتاب قليلة عما ذكره في " تاريخ الاسلام " لكننا وجدنا أيضا استدراكات وتصحيحات وتصويبات ونقدات، فضلا عن إعادة صياغة الترجمة والانتقاء.
4 - ووجدنا الذهبي يضيف عناصر جديدة للترجمة في " السير " مما لم يذكره في " تاريخ الاسلام "، من ذلك مثلا عناية بذكر عدد الاحاديث التي رواها أصحاب الكتب المشهورة في الحديث للترجم، كالصحيحين والسنن الاربع ومسند بقي بن مخلد وغيرها نحو قوله في ترجمة أبي عبيدة ابن الجراح: " له في صحيح مسلم حديث واحد، وله في جامع أبي عيسى حديث، وفي مسند بقي له خمسة عشر حديثا "، وقوله في ترجمة سعد بن أبي وقاص: " وله في الصحيحين خمسة عشر حديثا، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بثمانية عشر حديثا..وقع له في مسند بقي بن مخلد مئتان وسبعون حديثا "، وقوله في ترجمة عبد الله بن مسعود: " اتفقا له في
الصحيحين على أربعة وستين، وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين
__________
(1) الوافي: 2 / 163.

(1/136)


حديثا، ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثا، وله عند بقي بالمكرر ثمان مئة وأربعون حديثا "، وهلم جرا، وقلما ترك أحدا من رواة الحديث من غير الاشارة إلى ذلك، وهذه الاضافات، فضلا عن عدم ورودها في " تاريخ الاسلام "، فإنها ثروة كبيرة مضافة يعرف حق قدرها الفضلاء المتخصصون، وهي تدل على اطلاع عظيم وتدقيق كبير (1).
5 - يضاف إلى كل الذي ذكرت أن الذهبي قد ألف " السير " بعد " تاريخ الاسلام " بل بعد تأليف عدد من كتبه الاخرى، وهو أمر يؤدي إلى ميزتين رئيستين: أولاهما الاضافات الجديدة وإعادة التنظيم، وثانيتهما تشير إلى أنه أعاد النظر في المادة المقدمة طيلة تلك المدة فذكرها بعد أن زادها تحقيقا وتمحيصا وأنها تمثل الشكل الذي ارتضاه في أواخر حياته العلمية الحافلة بجلائل المؤلفات.

أهميته في تاريخ الحركة الفكرية:
وكتاب " السير " من أضخم مؤلفات، الامام الذهبي بعد كتابه العظيم " تاريخ الاسلام "، وقد حصر مادة ضخمة في تراجم الاعلام لمدة امتدت قرابة السبع مئة سنة فضلا عن التوازن في نطاقه المكاني الذي شمل جميع الرقعة الواسعة التي امتد إليها الاسلام من الاندلس غربا إلى أقصى المشرق، وفي الشمول النوعي للمترجمين في كل ناحية من نواحي الحياة وعدم اقتصاره على فئة أو فئات معينة منهم، بحيث صار واحدا من الكتب التي يقل نظيرها ويعز وجودها في تاريخ الحركة الفكرية العربية الاسلامية، ونتيجة لذلك
__________
(1) أنظر أمثلة من ذلك في " السير ": 2 / التراجم: 1، 2، 4، 11، 19، 20، 21، 23، 24، 25، 26، 27..إلخ.

(1/137)


أصبح الكتاب مصورا لجوانب كثيرة من الحركة الفكرية وتطورها عبر سبع مئة سنة، لان الانسان هو العنصر الحاسم في هذه الحركة، وبه تتحدد مميزاتها وسماتها، ويؤثر تكوينه الفكري على تطورها سلبا أو إيجابا.

أهميته في دارسة المجتمع:
ولما كان الكتاب قد اقتصر على التراجم، فإنه أشار إلى اتجاه الذهبي وجملة كبيرة من المؤرخين المسلمين نحو تخليد المبرزين في المجتمع، ولذا فهو في غاية الاهمية لدارسة أحوال المجتمع الاسلامي، ومنها الاصول الاجتماعية والاقتصادية لمن عرفوا في التاريخ الاسلامي باسم " العلماء ".
ودراسة مثل هذه الكتب تشير إلى إنعدام الطبقية بين المتعلمين، وأن تقدير الانسان إنما يكون وفق مقاييس راقية أبرزها علمه ومعرفته ودرايته التي تجعله في مكانة بارزة بين الناس، وهي موازين على غاية من الرقي الانساني.
وقد جربنا المؤلف وهو يمدح فقيرا ويذم غنيا، ويثني على عبد أسود، ويتكلم في سيد كبير.
وقد أبانت دراستنا لهذا الكتاب أن الغالبية العظمى من هؤلاء " العلماء " قد ظهرت من بين عوائل الحرفيين والمغمورين والمعدمين، تدل على ذلك انتساباتهم التي ذكرها المؤلف، وهو أمر أتاحه الاسلام لكل متعلم حينما جعل طلب العلم من الضرورات، وحض عليه في غير ما مناسبة، كما تميزت الدراسات بحرية التفكير والابداع، وكانت متوفرة لكل واحد يطلبها متى أراد ومن غير كلفة، لانها كانت في الاغلب في بيوت الله، من مساجد وجوامع مما يستطيع كل مسلم دخولها، والافادة من الدروس التي تلقى فيها.
نقول هذا في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب التراجم عند كثير من الامم ومنهم الاوربيون في هذه الاعصر على فئات معينة من الناس.

(1/138)


هذا التحقيق:
ومما يزيد في قيمة هذا الكتاب النفيس، ويعلي مكانته بين الكتب أن الله سبحانه قد يسر ظهوره بهيئة علمية رائعة، وصفة بارعة نافعة تسر كل محب للتراث، حريص عليه.
وهذا المجهود العلمي الجليل في أعسر فن من فنون التاريخ وهو فن التراجم لم يتحقق عبثا، فقد هيأ الله جل جلاله لتحقيق هذا الكتاب ونشره عوامل النجح كلها، إذ يسر له ناشرا فاضلا هو الاستاذ رضوان دعبول الذي وجد نفسه بحق صاحب رسالة في نشر العلم النافع من عيون التراث العربي الاسلامي.
وقد وجدت الرجل يبذل ماله ويسخر كل قدراته لهذا الغرض النبيل، ويركب الصعب والذلول، فيقدم على مشروع أقل ما يقال فيه: إنه أعجز جامعة الدول العربية التي أرادت نشر هذا الكتاب منذ ثلاثين عاما ولم تخرج منه غير نزر يسير شوهه التصحيف والتحريف وأقل قيمته ونفعه كثرة السقط حتى انعدمت فائدته أو كادت، فضلا عن توقفها عن إتمامه، وعجزها فيه.
وحين أزمع هذا الفاضل على تحقيق " السير " وفر له سبل التوفيق والنجاح على أحسن موفر بأن نذب إلى الاشتغال فيه عددا من المحققين البارعين الكفاة، أجزل لهم العطاة، وحفظ حقوقهم كافة، وهيأ لهم مستلزمات التحقيق الدقيق: من نسخ موثقة، ومصادر مكدسة في متناول أيديهم، فضلا
عن بذل المال الوافر في الطباعة الانيقة الدقيقة والورق الفاخر، والصناعة المتقنة.
ثم توج عمله، وركب جدة من الامر بأن ندب لمراجعة الكتاب والاشراف على تحقيقه، وإصلاح ما قد يطرأ عليه من الغلط عالما برع

(1/139)


أصحابه في علمه، متأبها عن الشهرة، قديرا على تذليل الصعب، فطينا لايضاح المبهم، كفيا بتيسير العسير، هو الاستاذ المحدث الشيخ شعيب الارنؤوط.
وقد عرفت لهذا العالم القدير فضله الكبير على هذا السفر النفيس آثر ذي أثير حين اشترط أن يقام التحقيق على أفضل قواعده، لانه وصاحبه، ليسا ممن يؤثرون العاجل ويذرون الآجل.
وشاهدته وهو يمسك أصل النسخة الخطية والمحقق يقرأ عليه عمله وهو لا يسهو ولا يغفل لحظة يبين المبهم، ويوضح الخفي، ويصرف الوقت الطويل الثمين في تدقيق لفظ، أو ضبط حركة، ويعيد ذلك ويبديه، ويعده أمانة وديانة، يشد به أزر المحققين، فضلا عن قيامه بتخريج جميع الاحاديث والآثار الواردة في الكتاب وهي بليغة الكثرة وفق الاصول والقواعد المتبعة في علم المصطلح، وهو اليوم فارس هذا الميدان الخطير الذي ضرب آباطه ومغابنه، واستشف بواطنه.
ولست هنا في حال ذكر ما عليه تحقيق الكتاب من تجود في الصنعة، وبراعة واتقان تمثلت في العناية الفائقة بتديق المقابلة، وتنظيم النص، ووضع النقط، والفواصل، والاقواس المتنوعة، وضبط كثير من الالفاظ التي يتعين ضبطها، والاشارة إلى مناجم الكتاب بمقابلة نصوصه وأخباره على الموارد التي استقى منها المؤلف، وتخريج التراجم على أمهات الكتب
المعنية بها، وتخريج الاحاديث والآثار وبيان درجتها من الصحة والسقم، وغيره مما يطول ذكره وتعداده، فإن العمل الذي بين يدي القارئ هو المنبئ بكل ذلك [ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ] (التوبة: 105) كتبه الدكتور بشار عواد معروف

(1/140)


مقدمة التحقيق بقلم الشيخ شعيب الارنؤوط

(1/141)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فإن هذا السفر العظيم الذي نقدمه للقراء يعد من أعظم كتب التراجم التي انتهت إلينا من تراث الاقدمين ترتيبا وتنقيحا، وتؤثقا وإحكاما، وإحاطة وشمولا، فهو يبين عن سعة اطلاع المؤلف رحمه الله على كل ما سبقه من تواليف في موضوعه، ودراية تامة بأحوال المترجمين، وبكل ما قيل في حقهم، وقدرة بارعة على غربلة الاخبار وتمحيصها وتنقيدها، وبيان حالها.
ويتميز عن غيره من الكتب التي ألفت في بابه أنه أول كتاب عام للتراجم في تراثنا، تناول جميع العصور التي سبقت عصر المؤلف، واشتملت
تراجمه على الاعلام المختارة من جميع العالم الاسلامي من شرقه إلى غربه، ولم يقتصر على نوع معين من الاعلام، بل تنوعت تراجمه، فشملت كل فئات الناس من الخلفاء والملوك، والامراء والوزراء، والقضاة والقراء، والمحدثين والفقهاء، والادباء واللغويين، والنحاة والشعراء، والزهاد والفلاسفة والمتكلمين، إلا أنه آثر المحدثين على غيرهم، فإنه كان عظيم الاكبار لهم، شديد الكلف بهم.

(1/143)


وقد ترجم فيه للاعلام النبلاء من بداية الاسلام إلى سنة (700 ه) تقريبا، وكسره على خمس وثلاثين طبقة (1)، كل طبقة تستوعب عشرين سنة، تقريبا وأفراد المجلدين الاول والثاني للسيرة النبوية الشريفة، وسير الخلفاء الراشدين، ولكنه لم يعد صياغتهما، وإنما أحال على كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " لتؤخذ منه، وتضم إلى السير، كما سنوضحه فيما بعد.
والمنهج العام الذي اتبعه الذهبي في الترجمة هو أنه يذكر اسم المترجم ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته، ثم يذكر تاريخ مولده (2)، وأحوال نشأته ودراسته، وأوجه نشاطه، والمجال الذي اختص به، وأبدع فيه، والشيوخ الذين التقى بهم، وروى عنهم، وأفاد منهم، والتلاميذ الذين أخذوا عنه، وانتفعوا، بعلمه، وتخرجوا به، وآثاره العلمية، أو الادبية، أو الاجتماعية، ثم يبين منزلته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه معتمدا في ذلك على أوثق المصادر ذات الصلة الوثيقة بالمترجم، ثم يذكر تاريخ وفاته، ويدقق في ذلك تدقيقا بارعا، وربما رحح قولا على آخر عند اختلاف المؤرخين (3).
وقد نثر غير ما حديث في تراجم المحدثين مما وقع له من طريقهم بإسناد عال موافقة أو بدلا أو مساواة.
وهو على الاغلب يراعي في طول الترجمة أو قصرها قيمة المترجم
__________
(1) هذا إذا كان المجلد الرابع عشر ذيلا للكتاب.
وأما إذا كان من أصل الكتاب، وهو الذي رجحه الدكتور بشار عواد في تقديمه لهذا الكتاب فتكون أربعين طبقة.
(2) عني المؤلف بذكر تاريخ الولادة لما لذلك من أهمية في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه، وسماعاته عليهم، ويذكر أحيانا عمر المترجم إذا لم يذكر تاريخ مولده وذلك في نهاية الترجمة.
(3) وقد يجد القارئ في بعض التراجم اختلافا طفيفا عما ذكرناه من المحتويات والتنظيم، وغير خاف أن طبيعة المترجم هي التي تحدد نوعية الاخبار، فقد عني الذهبي مثلا بإيراد أعمال الخلفاء والملوك والامراء والولاة في تراجمهم، وأورد نماذج من شعر الشعراء، ومختارات من نثر الادباء.

(1/144)


وشهرته بين أهل علمه، أو منزلته بين الذين هم من بابته، سواء أكان موافقا له في المعتقد أو مخالفا، وربما تخلص من المادة الضخمة التي تحصلت له عن بعض المترجمين الاعلام بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولته بتفصيل أكثر.
وقد اتسم الذهبي رحمه الله بالجرأة النادرة التي جعلته ينتقد كبار العلماء والمؤرخين، وينبه على أوهامهم التي وقعت لهم فيما أثر عنهم بأسلوب علمي متزن ينبئ عن غزارة علم، ونبالة قصد، وقدرة فائقة في النقد، والامثلة على ذلك كثيرة تجدها مبثوثة في تضاعيف هذا الكتاب.
ولما كان الذهبي قد استوعت في " تاريخ الاسلام " فئتين من المترجمين: المشهورين، والاعلام، فقد اقتصر في كتابه هذا على تراجم الاعلام النبلاء، إلا أنه قد يذكر في نهاية بعض التراجم غير واحد من المشهورين للتعريف بهم
على سبيل الاختصار، وتحديد وفياتهم.
وقد يضطره اتفاق اسم أحد المشهورين باسم أحد الاعلام الذي يترجمه إلى ترجمة المشهور عقبه للتمييز.
وكثيرا ما جمع بعض الاسر المتقاربين في الطبقة في مكان واحد وإن لم يكونوا من تلك الطبقة، فهو يترجم لاخوة المترجم وأولاده ومن يلوذ به.
وكتاب " سير أعلام النبلاء " وإن كان قد استل من " تاريخ الاسلام " فقد ألفه بعده، وأضاف إليه أخبارا كثيرة لا وجود لها في " التاريخ "، وتناول أشياء بالنقد والتحقيق لم يتعرض لها في " تاريخه "، وصياغة الترجمة فيه تختلف في كثير من الاحيان عما عرضه في " تاريخ الاسلام ".
وإن هذا الكتاب القيم بما تضمنه من مزايا يندر أن توجد في غيره من بابته سير 1 / 10

(1/145)


قد استحق به مؤلفه مع كتابه الآخر العظيم " تاريخ الاسلام " أن يسمى إمام المؤرخين.

(1/146)


وصف النسخ
كان لدينا عند البدء بالعمل النسخ التالية:
1 - نسخة مصورة عن أصل محفوظ في مكتبة أحمد الثالث في استنبول برقم (2910)، وتقع في أربعة عشر مجلدا، المفقود منها المجلد الاخير.
2 - نسخة مصورة عن نسخة أحمد الثالث الثانية، والموجود منها سبع مجلدات.
3 مجلدان صورا من مكتبة الامام اللكنوي بالهند.
4 - مجلدان مصوران يملكهما المجمع العلمي العربي بدمشق.
وقد اعتمدنا من بين تلك النسخ النسخة المصورة عن الاصل المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث في استنبول برقم (2910)، وهي نسخة نفيسة، كتبت بخط نسخي جميل في حياة المؤلف عن نسخته التي بخطه، ثم قوبلت عليها، وقد قام بنسخها لنفسه فرج بن أحمد بن طوغان الذي لم نظفر له بترجمة تبين منزلته العلمية، إلا أن هذه النسخة وهي غاية في الدقة والاتقان وندرة الخطأ، وكونها مقابلة على أصل المؤلف تشهد له أنه من أهل المعرفة والضبط والاتقان.
وقد فرغ من نسخ المجلد الثالث وهو أول الكتاب ليلة الجمعة، مستهل شهر شعبان المبارك سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وفرغ من المجلد الثالث عشر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة كما جاء في آخر ورقة منه.

(1/147)


وقد جاء على الورقة الاولى: المجلد الثالث من سير أعلام النبلاء تصنيف الشيخ الامام العالم الاوحد الناقد البارع، إمام الحفاظ، مؤرخ الاسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أحمد بن عثمان الذهبي، أمتع اله ببقائه، ونفع المسلمين ببركة دعائه آمين يا رب العالمين.
وإلى جانبه من الجهة اليسرى كتب بخط دقيق هو خط المصنف رحمه الله كما تبين لنا وللدكتور بشار عواد المتخصص بدراسته ما يلي: " في المجلد الاول والثاني سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الاربعة تكتب من تاريخ الاسلام ".
وإلى الاسفل من ذلك جاء نص الوقفية التالي:
وقف وحبس وسبل المقر الاشرف العالي الجمالي محمود (1) استادار العالية الملكي الظاهري أعز الله أنصاره، وختم بالصالحات أعماله جميع هذا المجلد وما بعده من المجلدات إلى آخر الكتاب، وعدة ذلك اثنا عشر مجلدا متوالية من هذا المجلد إلى آخر الرابع عشر، وما قبل ذلك وهما الاول والثاني مفقودان، وقفا شرعيا على طلبة العلم الشريف ينتفعون به على الوجه الشرعي، وجعل مقر ذلك بالخزانة السعيدة المرصدة لذلك بمدرسته التي
__________
(1) ترجمه ابن حجر في " الدرر الكامنة " 6 / 87، فقال: هو محمود بن علي بن أصفر عينه جمال الدين الاستادار في أيام الملك الظاهر برقوق، جاء إلى حلب قبل أن يلي الاستادارية، ثم سافر إلى مصر، وبنى بالقاهرة مدرسة خارج باب زويلة، ووقف عليها كتب ابن جماعة التي اشتراها بعد موته وهي كثيرة جدا، وتنقلت به الاحوال، وحصل أموالا جزيلة تفوق الحصر، وصودر مرارا بعد الحرمة العظيمة والوجاهة بالدولة الظاهرية.
مات سنة 797 ه 1 ه.
وقد ذكر المقريزي أنه كان في هذه المدرسة خزانة لايعرف يومئذ بديار مصر ولا الشام مثلها، فقد كان فيها كتب الاسلام من كل فن.

(1/148)


أنشأها بخط الموازين بالشارع الاعظم بالقاهرة المحروسة.
وشرط الواقف المشار إليه أن لا يخرج ذلك ولا شئ منه من المدرسة المذكورة برهن ولا بغيره، وجعل النظر في ذلك لنفسه أيام حياته، ثم من بعده لمن يؤول إليه النظر على المدرسة المذكورة على ما شرح في وقفها، وجعل لنفسه أن يزيد في شرط ذلك وينقص ما يراه دون غيره من النظار، كما جعل ذلك لنفسه في وقف المدرسة المذكورة [ فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ] [ البقرة: 181 ].
بتاريخ الخامس والعشرين من شعبان المكرم سنة سبع وتسعين وسبع
مئة.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
شهد بذلك عبد الله بن علي..شهد بذلك عمر بن عبد الرحمن البر ماوي وهذه النقول تدل على جملة أمور:
1 - أن المجلد الاول والثاني من هذا الكتاب الضخم لم يعد الذهبي صياغتهما، وإنما اكتفى بما كتبه في تاريخ الاسلام وقد أحال عليه (1).
2 - أن من قال: المجلد الاول والثاني مفقودان هو واهم.
3 - أن النسخة الموجودة في مكتبة أحمد الثالث الآن كانت وقفا على المكتبة المحمودية في القاهرة.
4 - أن المجلد الرابع عشر كان موجودا في المكتبة المحمودية قبل أن
__________
(1) وفيهما سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتراجم الخلفاء الراشدين، وكان علينا أن أن نبدأ بنشرها أولا، ولكن عاقنا عن ذلك عدم توفر أصل جيد حينذاك، وأما الآن، فقد تيسر لنا بفضل الله وتوفيقه مجلد السيرة النبوية بخط المؤلف رحمه الله، وسنشرع في تحقيقه إن شاء الله.

(1/149)


تنتقل النسخة إلى مكتبة أحمد الثالث باستنبول.
وهل هذا المجلد هو من تمام الكتاب كما هو ظاهر من نص الوقفية المثبت على كل المجلدات، أم أن الكتاب انتهى بالجزء الثالث عشر، وأن هذا الجزء هو الذيل على الكتاب للمؤلف، الذي استمد منه الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة 1 / 3.
كل ذلك محتمل، ولكن الجزم بواحد منهما ينتظر الدليل القاطع.

وصف مجلدات هذه النسخة:
1 - المجلد الثالث: يبدأ بترجمة أبي عبيدة عامر بن الجراح، وينتهي بترجمة أبي هريرة، ويبلغ عدد أوراقه (252) ورقة.
وقد جاء في آخره: وكان الفراغ من نسخه ليلة الجمعة لمستهل شهر شعبان المبارك سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
2 - المجلد الرابع: يبدأ بترجمة أبي بكرة نفيع بن الحارث مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وينتهي ببداية ترجمة سعيد بن أبي الحسن البصري، ويبلغ عدد أوراقه (286) ورقة عدا الورقة الاخيرة التي جاء فيها ما نصه: تم الجزء الرابع من سير أعلام النبلاء للشيخ الامام الحجة شمس الدين بن الذهبي فسح الله في مدته، وهو أول نسخة نسخت من خط المصنف وقوبلت عليه، ويتلوه في الجزء الذي يليه وهو الخامس: أبو بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار الاشعري رضي الله عنه، وكان الفراغ من نسخه في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد نبيه وخيرته من خلقه وسلم.
وما بين الورقة (286) وهذه الورقة نقص يقدر بثماني ورقات، وفيه من التراجم على التوالي تتمة ترجمة سعيد بن أبي الحسن البصري والاخطل،

(1/150)


والفرزدق، وجرير، وبشير بن يسار، وبسر بن عبيد، والاحوص الشاعر، ويزيد بن أبي مسلم، وأبو بحرية بسر بن سعيد، وسبلان، وسليمان، وزياد الاعجم، والراعي، والضحاك، وطلق بن حبيب، والضحاك عبد الله، وابنه عبيد وزياد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين.
وما ندري: هل هذا النقص من الاصل الام المودع في مكتبة أحمد الثالث أم أنه سقط عند التصوير، ولم يتسير لنا التأكد من ذلك إلى الآن،
ونرجو أن نوفق إليه في المستقبل إن شاء الله، وقد استدركنا هذا النقص من النسخة الاخرى كما هو مبين في مكانه.
3 - المجلد الخامس: يبدأ بترجمة أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار الاشعري، وينتهي بترجمة سعيد بن أبي عروبة، وعدد أوراقه (293) ورقة.
وجاء في آخره: وكان الفراغ من نسخة سنة أربعين وسبع مئة.
4 - المجلد السادس: يبدأ بترجمة معمر بن راشد اليماني، وينتهي بترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري، وعدد أوراقه (293) ورقة، وقد جاء في آخره: وكان الفراغ من نسخة سنة أربعين وسبع مئة.
5 - المجلد السابع: يبدأ بترجمة الحافظ المحدث زياد بن عبد الله البكائي، وينتهي بترجمة ابن أبي سمينة الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الهاشمي، وعدد أوراقه (291) ورقة، وقد جاء في آخره: وكان الفراغ من كتابته ليلة الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة.
6 - المجلد الثامن: يبدأ بترجمة الحكم بن موسى البغدادي، وينتهي بترجمة اليسع بن زيد بن سهل الزينبي، وعدد أوراقه (291) ورقة، وجاء في آخره: وكان الفراغ من كتابته ليلة الاثنين لخمس مضين من شهر رمضان المعظم سنة أربعين وسبع مئة.

(1/151)


7 - المجلد التاسع: يبدأ بترجمة عبد الله بن روح المدائني، وينتهي بترجمة أبي جعفر أحمد بن عمرو بن منصور الالبيري، وعدد أوراقه (282) ورقة، وينقص الورقة (50) وقد استدركناها من نسخة أحمد الثالث الثانية، وجاء في آخره: وكان الفراغ منه لليلتين خلتا من شهر ذي الحجة سنة أربعين
وسبع مئة.
8 - لمجلد العاشر: يبدأ بترجمة حماد بن شاكر، وينتهي بترجمة ابن أخي ميمي أبي الحسن محمد بن عبد الله البغدادي الدقاق، وعدد أوراقه (290) ورقة، وجاء في آخره: وكان الفراغ منه ليلة الاحد لعشر خلون من شهر رجب سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وقد نقص من هذا المجلد الورقة (281).
9 - المجلد الحادي عشر: يبدأ بترجمة صاحب الموصل حسام الدولة مقلد بن المسيب، وينتهي بترجمة أبي يوسف القزويني المعتزلي، وعدد أوراقه (288) ورقة.
10 - المجلد الثاني عشر: يبدأ بترجمة أبي سعيد الدباس، وينتهي بترجمة ابن بنيمان الهمذاني المؤذن المؤدب، وعدد أوراقه (278) ورقة، وجاء في آخره: وكان الفراغ من كتابته ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الاولى سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وينقص هذا المجلد الورقة (45).
11 - المجلد الثالث عشر: ويبدأ بترجمة الحافظ أبي طاهر السلفي، وينتهي بترجمة علي بن المعز الملقب بالمنصور، وعدد أوراقه (318) ورقة، وجاء في آخره: وكان الفراغ منه لليلتين خلتا من شهر صفر سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.

(1/152)


وصف نسخة أحمد الثالث الثانية:
1 - المجلد الثالث: يبدأ بترجمة أبي بردة الاشعري، وينتهي بترجمة ابن أبي عروبة، ويبلغ عدد أوراقه (204) ورقات، وتاريخ نسخه (1002) ه.
2 - المجلد الخامس: يبدأ بترجمة هشام بن عبد الملك، وينتهي بترجمة صالح بن موسى، وعدد أوراقه (200) ورقة، وتاريخ نسخه (1002) ه.
3 - المجلد السادس: يبدأ بترجمة زهير بن معاوية، وينتهي بترجمة ابن أبي سمينة، وعدد أوراقه (259) ورقة، وتاريخ نسخة (1004) ه.
4 - المجلد السابع: ويبدأ بترجمة الحكم بن موسى، وينتهي بترجمة أبي زرعة الرازي، وعدد أوراقه (234) ورقة، وتاريخ نسخه (1002) ه.
5 -المجلد التاسع: يبدأ بترجمة ابن مروان، وينتهي بترجمة الامام الداوودي، وعدد أوراقه (251) ورقة، وتاريخ نسخه (1003) ه.
6 - المجلد العاشر: يبدأ بترجمة القشيري، وينتهي بترجمة الشيخ أرسلان الجعبري الدمشقي، وعدد أوراقه (252) ورقة، وتاريخ نسخه (1003) ه.
7 - المجلد الحادي عشر: يبدأ بترجمة أبي الحسين الزاهد، وينتهي بترجمة ابن البيطار، وعدد أوراقه (214) ورقة، وتاريخ نسخه (1211) ه.

وصف المجلدين المصورين عن مكتبة الامام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في الهند:
1 - المجلد السابع: يبدأ بترجمة الحكم بن موسى، وينتهي بترجمة.
سير 1 / 11

(1/153)


إبراهيم الحربي، وعدد صفحاته (680) صفحة، ويعود تاريخ نسخه إلى القرن التاسع.
2 - الخامس عشر: يبدأ بترجمة زهير بن حسن السرخسي، وينتهي بترجمة رضوان بن السلطان تتش، وعدد أوراقه (255) ورقة وتاريخ نسخه القرن التاسع.

ومن مصورة المجمع العلمي العربي بدمشق مجلدان من نسخة مؤلفة من عشرين جزءا، هما:
1 - الخامس: ويبدأ بترجمة أبي بردة الاشعري، وينتهي بترجمة حماد بن سلمة، ولم نجد فيه ما يشير إلى المصدر الذي أخذ عنه، وليس فيه تاريخ النسخ.
2 - السابع عشر: ويبدأ بترجمة أبي البركات الفيلسوف، وينتهي بترجمة ابن حمويه، وفي آخره: تم المجلد السابع عشر من سير أعلام النبلاء، يتلوه المجلد الثامن عشر من تجرئة عشرين، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

(1/154)


منهج التحقيق لقد اتبع في تحقيق الكتاب المنهج التالي:
1 - تجزئة المجلدات الاحدى عشر إلى اثنين وعشرين جزءا، لانه يتعذر إخراج المجلد في جزء واحد لكبر حجمه، ثم دفع كل جزء إلى الاستاذ الذي سيقوم بتحقيقه ليتولى نسخه، وقد اتبع في النسخ الرسم الاملائي الحديث.
2 - قابلنا المنسوخ على الاصل مقابلة دقيقة متأنية، وكان الاستاذ شعيب الارنؤوط وهو المشرف على تحقيق الكتاب يمسك الاصل بيده، ويقرأ منه، والاستاذ الموكل إليه تحقيق جزء يضبط المنسوخ، ويدون الملاحظات التي يبديها الاستاذ المشرف، وقد كان لهذه المقابلة فائدة عظمي في تدارك السقط والتحريف اللذين وقعا في المنسوخ، والاهتداء إلى معرفة أسماء الاعلام على الوجه الصحيح، فإن كثيرا منها جاء في الاصل مهملا غير منقوط (1).
3 -ذكرنا المصادر التي عنيت بأخبار المترجم، سواء منها التي تقدمت
__________
(1) وقد أدى التهاون بمقابلة المنسوخ على الاصل إلى وقوع ما يزيد على مئة سقط يتراوح ما بين كلمة وجملة وسطر في الجزء الاول من هذا الكتاب المطبوع بدار المعارف بمصر سنة 1953، وقد بيناه في مواضعه من طبعتنا هذه، ودللنا عليه، كما بينا أيضا السقط والتحريف اللذين وقعا في الجز أين الثاني والثالث من الطبعة المذكورة.
وقد قال أئمة النقد: لا يجوز أن ينخدع في الاعتماد على نسخ الثقة العارف دون مقابلة، ولا على نسخ نفسه بيده ما لم يقابل ويصحح، فإن الفكر يذهب، والقلب يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يطغى.

(1/155)


عصر المؤلف، أو جاءت بعده، متوخين في ذلك الاستيعاب في حدود ما يتيسر لنا من مراجع.
4 - راجعنا نصوص الكتاب وأخباره على الموارد التي نقل عنها المؤلف واستمد منها مما أمكننا الوقوف عليه ما طبع منه وما لم يطبع، وهو عمل شاق ومجهد، لكنه أعان على تدارك ما وقع للمؤلف في بعض الاخبار التي يرويها بالمعنى من سقط، أو وهم، أو اضطراب، وقد بين كل ذلك في التعليقات المنثورة في الاجزاء، وما أضفناه من الزيادة على الاصل، فقد ميزناه بوضعه بين حاصرتين.
5 - نسقنا مادة الكتاب تنسيقا يعين على فهم النص فهما صحيحا، ففصلنا كل خبر عن غيره، وميزنا النقول عن التعقبات، وجعلنا ابتداء النقول والاخبار من أول السطر.
6 - وقد تحرينا التحري البالغ في ضبط النص، وبخاصة الاسماء والكنى والالقاب والانساب والمواضع والبلدان، وهي أكثر الالفاظ تعرضا للغلط لانها كما قال بعض القدماء: شئ لا يدخله القياس، ولا قبله شئ ولا بعده
شئ يدل عليه فقد قمنا بضبطها، وإزالة الاشتباه عنها، بالشكل تارة وهو الاغلب وبالكتابة بالحرف تارة أخرى، معتمدين على أوثق المصادر التي تكفلت ببيان ذلك، مثل: الاكمال: لابن ماكولا، والمشتبه: للذهبي، وتوضيحه: لابن ناصر الدين الدمشقي، وتبصير المنتبه: لابن حجر، والانساب: للسمعاني، واللباب: لابن الاثير، ومعجم البلدان: لياقوت الحموي، والروض المعطار: للحميري.
وما كان من الالفاظ يضبط بوجهين أو أكثر، فقد أغفلنا ضبطه إشارة إلى ذلك.

(1/156)


7 - وقد تولى الاستاذ شعيب الارنؤوط تخريج الاحاديث والآثار الواردة في الكتاب وهي كثيرة جدا لا سيما في الاجزاء الاولى من دواوين السنة ومصادرها المطبوع منها وما لم يطبع مما أمكن الوقوف عليه، فيذكر الجزء والصفحة التي فيها الخبر، وحين يكون للمصدر أكثر من طبعة يضيف ذكر الكتاب والباب تيسيرا للقارئ الذي لا تتيسر له الطبعة التي رجع إليها.
ثم أبان عن درجة كل حديث من الصحة وغيرها حسب الاصول والقواعد المتبعة في علم مصطلح الحديث.
ونحب أن نؤكد هنا أن تنقيد الروايات، والتمييز بين صحيحها وسقيمها أمر تجدر العناية به أكثر من غيره في تحقيق التراث، لا سيما في عصرنا هذا الذي كاد أن ينقرض فيه هذا العلم، وندر أن تجد من يحسن أن يتولاه، ويصبر على معاناته، فإن كثيرا من الاحاديث والاخبار الضعيفة والموضوعة المبثوثة في كتب التاريخ والتراجم، يتلقفها الادباء والكتاب والخطباء والمدرسون على عواهنها، فتدور على ألسنتهم، أو يستشهدون بها في
مؤلفاتهم وخطبهم، فيتلقاها عنهم عامة الناس، ويعتدون بها، ويعملون بما يستفاد منها، وحدث ولا حرج عما تلحقه تلك الاحاديث والاخبار من الضرر بجوانب كثيرة في الامور الاعتقادية والعبادية، والسلوكية والفكرية والاجتماعية، وما ينجم عنها من آثار سيئة، وانحرافات خطيرة، وتشويه لحقائق الاسلام، وهذا ما دعانا إلى دراسة أسانيد الاخبار في هذا الكتاب، وتنقيد رواتها، ومعرفة ما يصح منها وما لا يصح، وبيان ذلك كله ليتسنى للقارئ أن يكون على بينة من أمرها، فيطرح كل ما هو ضعيف منها، ويتجنبه، ويحذر من الوقوع فيه.
ونرى أنه ينبغي لكل من يتصدى لتحقيق كتاب في التاريخ، أو التراجم،

(1/157)


أو الحديث، أو التفسير أن تتحقق فيه مهارة المحدث البارع الخبير بعلل الروايات ومواطن الضعف فيها، وإذا لم يتيسر له ذلك، فليستعن بذوي الخبرة والاختصاص بهذا الفن الشريف.
8 - وقد اشتملت التعليقات على شرح غريب الالفاظ والتعريف بالمواضح والاماكن، وبيان المصطلحات الحديثية التي استخدمها المؤلف كالوجادة والبدل والموافقة وغيرها، والتعريف ببعض أرباب المقالات من الاسلاميين، وتنقيد المؤلف في بعض المواطن التي ترجح لدينا أنه قد جانب الصواب فيها.
9 - وضعنا أرقاما متسلسلة للتراجم الاصلية لكل جزء في بداية الترجمة، وتنتهي الارقام عند نهاية كل جزء، ثم يبدأ الجزء الثاني بأرقام جديدة تبدأ من الواحد وهكذا.
10 - استعمل المؤلف رموزا جرى المحدثون على استعمالها، فكتب
من " حدثنا ": " ثنا "، وربما حذف الثاء، واقتصر على " نا "، وكتب من " أخبرنا ": " أنا " أو " أبنا "، وقد استعضنا عن الرمز بإثبات اللفظ بتمامه.
أما الرموز التي استعملها إشارة إلى من روى للمترجم من أصحاب الكتب الستة فأثبتناها كما هي في الجانب الايسر من عنوان الترجمة، فاستعمل (ع) لاصحاب الكتب الستة، و (4) لاصحاب السنن الاربعة، و (خ) للبخاري في الصحيح، و (خت) لما استشهد به في الصحيح تعليقا، و (بخ) لما أخرجه في الادب المفرد، و (م) لمسلم، و (د) لابي داود، و (ت) للترمذي، و (س) للنسائي، و (ق) لابن ماجه القزويني.
وما كان من هذه الرموز في معرض سياق الخبر، فقد حذفناه، وأثبتنا

(1/158)


مكانه الاسم بتمامه.
11 - وقد صنعنا لكل جزء فهرسا للمترجمين كما أوردهم المؤلف، وآخر على ترتيب حروف المعجم، وسنقوم بعون الله وتوفيقه عند نهاية طبع الكتاب بصنع فهارس مفصلة تشمل الآيات، والاحاديث، والاعلام، والاماكن، والشعر.
وقد بذلنا الجهد في تحقيق هذا السفر العظيم، وإخراجه على الوجه الذي يروق ويعجب، في حدود ما حبانا الله من علم، ومعرفة، وقدرة، فالمأمول من أهل العلم والفضل أن لا يبخلوا علينا بما يبدو لهم أثناء مطالعة الكتاب من استدراكات وملاحظات سيكون لها أثر حميد في استكمال النفع، وتوثيق التحقيق.
نسأل الله العظيم التوفيق والاعانة على إتمام تحقيق الاجزاء المتبقية من الكتاب، وإخراجها على غرار ما سبق، وعلى الله نتوكل وبه نستعين، وآخر
دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
دمشق 12 / ربيع الاول 1401 ه 17 / كانون الثاني 1981 م

(1/159)


الورقة الاولى من المجلد الثالث نسخة أحمد الثالث الاولى وفيها إحالة المؤلف على كتابه " تاريخ الاسلام " ليؤخذ منه الاول والثاني المتضمنان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الخلفاء الاربعة.

(1/160)


الورقة الاخيرة من المجلد الثالث نسخة أحمد الثالث الا ولى.

(1/161)


الورقة الاولى من المجلد السابع نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/162)


الورقة الاخيرة من المجلد السابع نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/163)


الورقة الاخيرة من المجلد التاسع نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/164)


الورقة الاخيرة من المجلد الثاني عشر نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/165)


الورقة الاولى من المجلد الثالث عشر نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/166)


الورقة الاخيرة من المجلد الثالث عشر نسخة أحمد الثالث الاولى

(1/167)


الورقة الاخيرة من المجلد الرابع نسخة أحمد الثالث الثانية.

قالوا في الامام الذهبي
1 - لم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الائمة من السلف، وأرباب المقالات.
2 - وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، ولم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده.
الصلاح الصفدي (ت 764)
3 - أما أستاذنا أبو عبد الله، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الامة في صعيد واحد، فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها.
التاج السبكي (ت 771)
4 - الحافظ الكبير، مؤرخ الاسلام، وشيخ المحدثين، وخاتمة الحفاظ .
ابن كثير الدمشقي (ت 774)
5 - إن المحدثين عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وأبن حجر.
جلال الدين السيوطي (ت 911) سير 1 / 12

(1/168)


سير اعلام النبلاء
تصنيف الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى 748 ه 1374 م

(1/4)


بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
1 - أبو عبيدة بن الجراح * (م، ق) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، القرشي الفهري المكي.
أحد السابقين الاولين، ومن عزم الصديق على توليته الخلافة، وأشار به يوم
__________
(*) مسند أحمد: 1 / 195 - 196، الزهد لابن حنبل: 184، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 297 - 304، نسب قريش: 445، طبقات خليفة: 27، 300، تاريخ خليفة: 138، التاريخ الكبير: 6 / 444 - 445، التاريخ الصغير: 1 / 48، المعارف: 247 - 248، تاريخ الطبري 3 / 202، الجرح والتعديل: 6 / 325، مشاهير علماء الامصار: ت 13، البدء والتاريخ: 5 / 87، معجم الطبراني: 1 / 117 - 120، المستدرك للحاكم: 3 / 262 - 268، حلية الاولياء: 1 / 100 - 102، الاستيعاب: 5 / 293 - 297، تاريخ ابن عساكر: 7 / 157، صفوة الصفوة: 1 / 142، جامع الاصول: 9 / 5 - 18، أسد الغابة: 3 / 128 - 130، الكامل في التاريخ: 2 / 332 325، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 259، الرياض النضرة: 2 / 307، تهذيب الكمال: 645، دول الاسلام 1 / 15، تاريخ الاسلام: 2 / 23، العبر: 1 / 15، 24، العقد الثمين: 5 / 84، تهذيب التهذيب: 5 / 73، الاصابة: 5 / 285 - 289، تاريخ الخميس: 2 / 244، كنز العمال 13 / 214 - 219، شذرات الذهب: 1 / 29، تهذيب تاريخ دمشق: 7 / 160 - 168، أشهر مشاهير الاسلام: 504.
(*)

(1/5)


السقيفة، لكمال أهليته عند أبي بكر (1).
يجتمع في النسب هو والنبي صلى الله عليه وسلم في فهر.
شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسماه أمين الامة، ومناقبه شهيرة جمة.
روى أحاديث معدودة (2)، وغزا غزوات مشهودة.
حدث عنه العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وسمرة بن جندب، وأسلم مولى عمر، و عبد الرحمن بن غنم، وآخرون.
له في " صحيح مسلم " حديث واحد، وله في " جامع أبي عيسى " حديث، وفي " مسند بقي " له خمسة عشر حديثا.
الرواية عنه: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد السلام التميمي، قراءة عليه في سنة أربع وتسعين وست مئة، أنبأنا أبو روح عبدالمعز بن محمد البزاز.
أنبأنا تميم بن أبي سعيد أبو القاسم المعري، في رجب سنة تسع وعشرين وخمس مئة، بهراة، أنبانا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي، حدثنا عبد الله بن معاوية القرشي، حدثنا حماد ابن سلمة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن (3) عبد الله بن سراقة، عن أبي عبيدة بن الجراح: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " إنه لم
__________
(1) انظر خبر السقيفة في الطبري 3 / 252، والكامل في التاريخ 2 / 325 - 332.
(2) أحاديثه في مسند أحمد 1 / 195 - 196، وعددها اثنا عشر حديثا.
(3) عبارة " عبد الله بن شقيق عن " سقطت من مطبوع دار المعارف.
(*)

(1/6)


يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني أنذركموه " فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " لعله سيدركه بعض من رآني أو سمع كلامي " قالوا: يا
رسول الله صلى الله عليك وسلم ! كيف قلوبنا يومئذ ؟ أمثلها اليوم ؟ قال: " أو خير " (1).
أخرجه الترمذي عن عبد الله الجمحي فوافقناه بعلو.
وقال: وفي الباب عن عبد الله بن بسر وغيره.
وهذا حديث حسن غريب من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه.
قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن مالك بن يخامر أنه وصف أبا عبيدة فقال: كان رجلا نحيفا، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالا، أحنى (2)، أثرم (3) الثنيتين (4) وأخبرنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان قال: انطلق ابن مظعون، وعبيدة بن الحارث، و عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 195 مختصرا، وأبو داود (4756) في السنة: باب في الدجال، والترمذي (2235) في الفتن: باب ما جاء في الدجال.
ورجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن سراقة لم يسمع من أبي عبيدة.
وقال أبو عيسى: وفي الباب عن عبد الله بن بسر، و عبد الله بن الحارث بن جزء، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب من حديث أبي عبيدة بن الجراح لا نعرفه إلا من حديث خالد الحذاء.
وقال البخاري: عبد الله بن سراقة لم يسمع من أبي عبيدة بن الجراح.
(2) الرجل الاحنى: فيه انعطاف الكاهل نحو الصدر مع انحناء من الكبر وغيرها محقق المطبوع إلى " أجنأ " نقلا عن ابن سعد، وقال: الكلمتان بمعنى.
(3) الاثرم: مكسور الاسنان.
(4) الخبر في " الطبقات " 3 / 1 / 303، والحاكم 3 / 264.
(*)

(1/7)


ابن عبد الاسد، وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض
عليهم الاسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم.
وقد شهد أبو عبيدة بدرا، فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رؤي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة (1).
وقال أبو بكر الصديق وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر، وأبا عبيدة.
قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة، وولد إخوته جميعا، وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة.
قاله ابن إسحاق، والواقدي (2).
قلت: إن كان هاجر إليها، فإنه لم يطل بها (3) اللبث.
وكان أبو عبيدة معدودا فيمن جمع القرآن العظيم.
قال موسى بن عقبة في " مغازيه ": غزوة عمرو بن العاص هي غزوة ذات.
السلاسل (4) من مشارف الشام، فخاف عمرو من جانبه ذلك، فاستمد رسول
__________
(1) انظر " الطبقات " 3 / 1 / 298، و " الاستيعاب " 5 / 292، و " المستدرك " للحاكم 3 / 266، و " الاصابة " 5 / 285، و " ابن هشام " 1 / 252، وانظر " سيرة ابن كثير " 3 / 58 - 59.
والهتم: كسر في الثنايا من أصولها.
(2) انظر ابن هشام 1 / 329، و " الطبقات " لا بن سعد 3 / 1 / 298، والحاكم 3 / 266.
(3) سقطت من مطبوع دار المعارف.
(4) خبر هذه الغزوة عند ابن هشام 2 / 623، والطبري 3 / 21 - 32، و " الكامل " في التاريخ 2 / 232، وفي " الاصابة " 5 / 286.
(*)

(1/8)


الله صلى الله عليه وسلم، فانتدب أبا بكر وعمر في سراة من المهاجرين، فأمر نبي الله عليهم أبا عبيدة، فلما قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أمير كم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة.
فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددت بكم.
فلما رأى ذلك أبو عبيدة بن الجراح، وكان رجلا حسن الخلق، لين الشيمة، متبعا لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، فسلم الامارة لعمرو.
وثبت من وجوه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح " (1).
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه وغيره، إجازة، قالوا: أخبرنا حنبل بن عبد الله، أنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أخبرنا أبو بكر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، وراشد بن سعد، وغيرهما قالوا: لما بلغ عمر ابن الخطاب سرغ (2)، حدث أن بالشام وباء شديدا، فقال: إن أدركني
__________
(1) أخرجه أحمد 3 / 133، 189، 245، 281، والبخاري (3744) في فضائل القرآن، و (4382) في المغازي، و (7255) في أخبار الآحاد، ومسلم (2419) في الفضائل، والحاكم 3 / 267 وصححه، ووافقه الذهبي، وابن سعد 3 / 1 / 299، وابن عبدالبرفي " الاستيعاب " 5 / 293 والحافظ في " الاصابة " 5 / 285، كلهم من طريق: خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس...وأخرجه أحمد 3 / 146، 175، 184، 212، 286 من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس...وأخرجه الترمذي (3759) في المناقب، وابن ماجه (135) في المقدمة من طريق: أبي اسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة.
وأخرجه ابن ماجه (136) في المقدمة عن ابن عمر، وفي الباب عن أبي بكر، وابن مسعود، وخالد بن الوليد، وعائشة،.
وانظر " حلية الاولياء " 1 / 101 وما بعدها.
(2) سرغ: بالغين المعجمة - والعين المهملة لغة فيه: وهو أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك.
وقال مالك بن أنس: هي قرية بوادي تبوك.
وهناك لقي عمر بن الخطاب من أخبره بطاعون عمواس.
وانظر " معجم البلدان " 3 / 211.
(*)

(1/9)


أجلي، وأبو عبيدة حي، استخلفته، فإن سألني الله عزوجل: لم استخلفته على امة محمد ؟ قلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح ".
قال: فأنكر القوم ذلك وقالوا: ما بال علياء قريش ؟ يعنون بني فهر.
ثم قال: وإن أدركني أجلي، وقد توفي أبو عبيدة، أستخلف معاذ بن جبل، فإن سألني ربي قلت: إني سمعت نبيك يقول: " إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة " (1).
وروى حماد بن سلمة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عمرو ابن العاص قال: قيل يا رسول الله ! أي الناس أحب إليك ؟ قال: عائشة.
قيل من الرجال ؟ قال: أبو بكر، قيل: ثم من ؟ قال: ثم أبو عبيدة بن الجراح.
كذا يرويه حماد، وخالفه جماعة.
فرووه عن الجريري، عن عبد الله قال: سألت عائشة: أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه ؟ قالت: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة بن الجراح (2).
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 18، وفيه " نبذة " بدل " رتوة "، ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد، وراشد ابن سعد، لم يدركا عمر.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 300، والحاكم 3 / 268 بنحوه مختصرا من طريق: كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن حجاج، قال: قال عمر بن الخطاب: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت، فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله.
والرتوة: بفتح الراء، وسكون التاء، وفتح الواو، رمية سهم، وقيل: مد البصر.
(2) اخرجه الترمذي (3657) في المناقب، وابن ماجه (102) في المقدمة: باب فضل عمر.
ورجاله ثقات.
وأخرجه الحاكم 3 / 73، وأبو يعلي الموصلي في مسنده، كما في " الاصابة " 5 / 287، من طريق: كهمس، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة...وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البخاري (3662) في فضائل الصحابة: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا، و (4358) في المغازي: باب غزوة ذات السلاسل، من حديث عمرو بن العاص، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب اليك ؟ قال: عائشة.
قلت: من الرجال ؟ قال: أبوها.
قلت: ثم من ؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالا.
(*)

(1/10)


أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المعدل، أنبأنا عبد الله بن أحمد الفقيه، أنبأنا محمد بن عبد الباقي، أنبأنا أبو الفضل بن خيرون، أنبأنا أحمد بن محمد ابن غالب، بقراءته (1) على أبي العباس بن حمدان، حدثكم محمد بن أيوب، أنبأنا أبو الوليد، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت صلة بن زفر (2).
عن حذيفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني أبعث إليكم رجلا أمينا ".
فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبعث أبا عبيدة بن الجراح (3).
اتفقا عليه من حديث شعبة.
واتفقا من حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح " (4).
أخبرنا أحمد بن محمد المعلم، أنبأنا أبو القاسم بن رواحة، أنبأنا أبو طاهر الحافظ، أنبأنا أحمد بن علي الصوفي، وأبو غالب الباقلاني، وجماعة، قالوا: أنبأنا أبو القاسم بن بشران، أنبأنا أبو محمد الفاكهي بمكة، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، حدثنا عبد الوهاب بن عيسى الواسطي، أنبأنا يحيى بن أبي
زكريا، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنت
__________
(1) في الاصل " قراءته ".
(2) في الاصل " رقة " وهو خطأ.
(3) أخرجه الطيالسي 2 / 159، وأحمد 5 / 398، 400 والبخاري (3745) في فضائل الصحابة: باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، و (4380) في المغازي: باب قصة أهل نجران و (4381) فيها و (7254) في الآحاد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، ومسلم (2420) في الفضائل: باب فضل أبي عبيدة، والترمذي (3759) في المناقب، وابن ماجه (135) في المقدمة.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة رقم (9) التعليق رقم (1).
(*)

(1/11)


في الجيش الذين مع خالد، الذين أمد بهم أبا عبيدة وهو محاصر دمشق، فلما قدمنا عليهم، قال لخالد: تقدم فصل، فأنت أحق بالامامة، لانك جئت تمدني.
فقال خالد: ما كنت لاتقدم رجلا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح " (1).
أبو بكر بن أبي شيبة: أنبأنا عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريا بن (2) أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أسقفا نجران: العاقب والسيد، فقالا: ابعث معنا أمينا حق أمين فقال: " لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها الناس، فقال: قم يا أبا عبيدة، فأرسله معهم ".
قال: وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق نحوه (3).
الترقفي (4) في " جزئه " حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا أبو حسبة (5) مسلم بن أكيس مولى ابن كريز، عن أبي عبيدة قال: ذكر لي من
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف يحيي بن أبي زكريا، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 7 / 281
من طريق، سعيد بن سليمان، عن أبي أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر.
و 14 / 165 من طريق شعبة، عن أيوب وخالد، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، والبخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 40 من طريق: مقدم بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن ابن خثيم...به (2) في الاصل " عن " وهو تحريف.
(3) تقدم تخريجه في هذه الصفحة تعليق رقم (1) ورجاله ثقات.
(4) الترقفي: نسبة إلى ترقف من أعمال واسط.
واسمه عباس بن عبد الله الترقفي.
وثقه السراج والدارقطني.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وهو من رجال التهذيب.
(5) حسبة: بالحاء المكسورة، والباء المفتوحة وقد تصحفت في المطبوع إلى " حسنه ".
وهو مسلم بن أكيس مولى عبد الله بن عامر بن كريز القرشي مترجم في الجرح والتعديل 8 / 180، والميزان للذهبي 4 / 101.
(*)

(1/12)


دخل عليه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة ؟ قال: يبكيني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما ما، يفتح الله على المسلمين، حتى ذكر الشام فقال: " إن نسأ الله في أجلك فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك.
وحسبك من الدواب ثلاثة: [ دابة لرحلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك ].
" ثم ها أنذا أنظر إلى بيتي قد امتلا رقيقا، وإلى مربطي قد امتلا خيلا، فكيف ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها ؟ وقد أوصانا: " إن أحبكم إلي، وأقربكم مني، من لقيني [ على ] مثل الحال التي فارقتكم عليها " (1).
حديث غريب رواه أيضا أحمد في " مسنده " عن أبي المغيرة.
وكيع بن الجراح، حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما منكم من أحد إلا لو شئت لاخذت عليه بعض خلقه، إلا أبا عبيدة " هذا مرسل (2).
وكان أبو عبيدة موصوفا بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.
قال محمد بن سعد: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا ابن عيينة، عن ابن
__________
(1) إسناده ضعيف لجهالة أبي حسبة، كما أن روايته عن أبي عبيدة مرسلة.
والزيادة بين الحاصرتين ليست في الاصل، وإنما استدركت من المسند، وقد أخرجه أحمد 1 / 195 - 196، وذكره الهيثمي في " المجمع " 10 / 253 وقال: رواه أحمد وفيه راو لم يسم.
وبقية رجاله ثقات.
وقد تحرفت في " المجمع " أبو حسبة إلى " أبي حسنة " كما تحرفت في " تعجيل المنفعة " إلى " أبي حبيبة ".
وهو في تاريخ ابن عساكر 1 / 307 - 308.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 266 وقال: مرسل غريب، ورواته ثقات.
وهو في " الاستيعاب " 2 / 293، وقال ابن عبد البر: هو من مراسيل الحسن.
وفي " الاصابة " 5 / 288 من طريق أخرى.
وقال الحافظ: مرسل، ورجاله ثقات.
وانظر تاريخ الفسوي 1 / 448.
(*)

(1/13)


أبي نجيح، قال عمر لجلسائه: تمنوا، فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح (1).
وقال ابن أبي شيبة: قال [ ابن ] (2) علية، عن يونس، عن الحسن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أصحابي أحد إلا لو شئت أخذت عليه، إلا أبا عبيدة " (3).
وسفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال ابن مسعود: أخلائي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة (4).
خالفه غيره ففي " الجعديات ": أنبأنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي
__________
(1) رجاله ثقات، لكن فيه انقطاع بين ابن أبي نجيح وعمر.
والخبر في " الطبقات " 3 / 1 / 300
وأخرجه الحاكم 3 / 262 وفيه زيادة: " فقالوا له: ما آلوت الاسلام خيرا.
قال: ذلك أردت "، وفي " الحلية " 1 / 102.
وأخرجه البخاري مطولا في " تاريخه الصغير " 1 / 54 من طريق عبد الله بن يزيد المقري، عن حيوة، عن أبي صخر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، قال لاصحابه: تمنوا.
فقال أحدهم: أتمنى أن يكون مل ء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله.
فقال: تمنوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون مل ء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله.
قال: تمنوا.
قال آخر: أتمنى أن يكون مل ء هذا البيت جوهرا أو نحوه، فأنفقه في سبيل الله.
فقال عمر: تمنوا.
فقالوا: ما تمنينا بعد هذا.
قال عمر: لكني أتمنى أن يكون مل ء هذا البيت رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله.
قال: ثم بعث بمال إلى حذيفة، قال: انظر ما يصنع، قال: فلما أتاه قسمه.
ثم بعث بمال إلى معاذ بن جبل فقسمه، ثم بعث بمال.
يعنى إلى أبي عبيدة - قال: انظر ما يصنع.
فقال عمر: قد قلت لكم.
أو كما قال.
ورجاله ثقات.
غير أبي صخر، وهو حميد بن زياد الخراط فإنه مقبول الحديث حيث يتابع.
(2) سقطت من الاصل واستدركت من " الاستيعاب " 5 / 293.
(3) هو مرسل.
وانظر التعليق المتقدم برقم (2) في الصفحة (13).
(4) فيه انقطاع: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
(*)

(1/14)


الاحوص، عن عبد الله فذكره (1).
قال خليفة بن خياط: وقد كان أبو بكر ولى أبا عبيدة بيت المال (2).
قلت: يعني أموال المسلمين، فلم يكن بعد عمل بيت مال، فأول من اتخذه عمر.
قال خليفة: ثم وجهه أبو بكر إلى الشام سنة ثلاث عشرة أميرا، وفيها استخلف عمر، فعزل خالد بن الوليد، وولى أبا عبيدة (3).
قال القاسم بن يزيد: حدثنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن تميم بن سلمة، أن عمر لقي أبا عبيدة، فصافحه، وقبل يده، وتنحيا يبكيان (4).
وقال ابن المبارك في " الجهاد " له: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر بالشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين [ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ]، الآية [ آل عمران: 200 ].
قال: فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو)، إلى قوله: (متاع الغرور) [ الحديد: 20 ]، قال: فخرج عمر
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 262 من طريق: سفيان، عن أبي إسحاق عن عبيدة، قال: كان...(2) الخبر في " تاريخ خليفة " ص 123.
(3) هذا ليس نص خليفة.
وإنما نقله الذهبي بالمعنى.
وانظر " تاريخ خليفة " ص: 119.
(4) رجاله ثقات لكنه منقطع، وفي المطبوع زيادة كلمة " أبو " بين " قال " و " القاسم " وهو خطأ.
(*)

(1/15)


بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة ! إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي، ارغبوا في الجهاد (1).
ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه قال: بلغني أن معاذا سمع رجلا يقول: لو كان خالد بن الوليد، ما كان بالناس دوك (2)، وذلك في حصر أبي عبيدة، فقال معاذ: فإلي أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك ! والله إنه لخير من بقي على الارض.
رواه البخاري في " تاريخه " وابن سعد (3).
وفي " الزهد " لابن المبارك: حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه
قال: قدم عمر الشام، فتلقاه الامراء والعظماء، فقال: أين أخي أبو عبيدة ؟ قالوا: يأتيك الآن، قال: فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا.
فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعا، أو قال شيئا، فقال: يا
__________
(1) إسناده قوي، ورجاله ثقات.
(2) الدوك: الاختلاط.
يقال: وقع الناس في دوكة أو دوكة، أي: وقعوا في اختلاط من أمرهم وخصومة وشر.
وفي الاصل الذي اعتمدناه " دركون " ولا معنى لها في كتب اللغة، ورواية البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 58 " ما كان الناس يدركون " ويغلب على الظن أن الصواب " يدوكون " يقال: بات الناس يدوكون إذا باتوا في اختلاط ودوران.
وتداوك القوم: إذا تضايقوا في حرب أو شر.
وفي ابن سعد 3 / 1 / 301 " ما كان بالبأس ذوكون " وهو تحريف.
ومع ذلك فقد أثبته محقق المطبوع متجاوزا الاصل.
وأما رواية ابن عساكر 1 / 307 فهي " ما كان بالناس ذوكون " وغالب الظن أن ذلك تحريف أيضا.
والله اعلم.
(3) البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 58، وابن سعد 3 / 1 / 301.

(1/16)


أمير المؤمنين ! إن هذا سيبلغنا المقيل (1).
ابن وهب: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر حين قدم الشام، قال لابي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي ؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي.
قال: فدخل، فلم ير شيئا، قال: أين متاعك ؟ لا أرى إلا لبد أو صحفة (2) وشنا، وأنت أمير، أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل.
قال عمر:
غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة (3).
أخرجه أبو داود في " سننه " من طريق ابن الاعرابي.
وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهد من كان فقيرا معدما.
معن بن عيسى، عن مالك: أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف، أو بأربع مئة دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عبيدة، ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، قال: فقسمها، إلا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر، قال: الحمد لله الذي جعل في الاسلام من يصنع
__________
(1) رجاله ثقات، لكنه منقطع.
وأخرجه عبد الرزاق (20628).
وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 101 - 102.
وهو في " الاصابة " 5 / 288، وفي " الزهد " لاحمد بن حنبل ص: 184: باب أخبار أبي عبيدة بن الجراح.
(2) تحرفت في المطبوع إلى " صفحة ".
(3) إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب: أبو عبد الرحمن العمري المدني.
قال الحافظ في " التقريب ": ضعيف عابد.
ورواية السنن من طريق ابن الاعرابي غير موجودة لدينا حتى نحيل إليها.
(*)

(1/17)


هذا (1).
الفسوي (2): حدثنا أبو اليمان، عن جرير بن عثمان، عن أبي الحسن عمران بن نمران، أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيض لثيابه، مدنس لدينه ! ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات (3).
وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: يا أيها الناس ! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى، إلا وددت أني في مسلاخه (4).
معمر: عن قتادة، قال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كنت كبشا، فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحسون مرقي (5).
وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد تسفيني الريح (6).
شعبة: عن قيس بن مسلم عن طارق، أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي.
فلما قرأ الكتاب، قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك، فإني في جند
__________
(1) ابن سعد 3 / 1 / 301 (2) تصحفت في المطبوع إلى " النسوي ".
(3) انظر الفسوي 2 / 427 - 428 في " المعرفة والتاريخ "، و " الحلية " 1 / 102 و " الاصابة " 5 / 288 وقال الحافظ: سنده مرسل.
(4) ابن سعد 3 / 1 / 300، و " الحلية " 1 / 101 و " الاصابة " 5 / 288 - 289 وفيها " سلامة " بدل " مسلاخه " وهو تحريف.
(5) و (6) " طبقات ابن سعد " 3 / 1 / 300.
(*)

(1/18)


من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة ؟ قال: لا.
وكأن قد (1).
قال: فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون.
قال أبو الموجه محمد بن عمرو المروزي: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفا من الجند، فلم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل.
أخبرنا محمد بن عبد السلام، عن أبي روح، أنبأنا أبو سعد، أنبأنا ابن (2) حمدان، أنبأنا أبو يعلى، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن
ميمون، حدثنا واصل مولى أبي (3) عيينة، عن ابن (4) أبي سيف المخزومي، عن الوليد بن عبد الرحمن، شامي فقيه، عن عياض بن غطيف، قال: دخلت على أبي عبيدة بن الجراح في مرضه، وامرأته تحيفة جالسة عند رأسه، وهو مقبل بوجهه على الجدار، فقلت: كيف بات أبو عبيدة ؟ قالت: بات بأجر، فقال: إني والله ما بت بأجر ! فكأن القوم ساءهم، فقال: ألا تسألوني عما قلت ؟ قالوا: إنا لم يعجبنا ما قلت، فكيف نسألك ؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله، فبسبع مئة، ومن أنفق على عياله، أو عاد مريضا، أو ماز أدى فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم
__________
(1) وأخرجه الحاكم 3 / 263 من طريق.
الحميدي، عن سفيان، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، بأطول مما هنا.
وقال: رواته كلهم ثقات، وهو عجيب بمرة.
وقال الذهبي في " المختصر ": هو على شرط البخاري ومسلم.
(2) سقطت من المطبوع.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " ابن ".
(4) سقطت من الاصل، ولم يفطن لها محقق المطبوع وهو بشار بن أبي سيف كما سيأتي قريبا.
(*)

(1/19)


جنة ما لم يخرقها (1)، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده، فهو له حطة " (2).
أنبأنا جماعة قالوا: أنبأنا ابن طبرزد، أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا ابن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن أبان الواسطي، حدثني جرير بن حازم، حدثني بشار بن أبي سيف، حدثني الوليد ابن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف، قال: مرض أبو عبيدة، فدخلنا عليه نعوده، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الصيام جنة ما لم يخرقها " (3).
وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها
عسكره، وكانوا ثلاث مئة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله، فكلوا، وذكر الحديث، وهو في " الصحيحين " (4).
__________
(1) في الاصل: ما لم يجرحها وما أثبتناه من " المسند " و " المستدرك " و " المجمع ".
(2) بشار بن أبي سيف لم يوثقه غير ابن حبان.
وباقي رجاله ثقات.
وأخرجه أحمد 1 / 195 من طريق بشار بن أبي سيف عن عياض بن غطيف وقد سقط من الاسناد فيه " الوليد بن عبد الرحمن " راويه عن عياض.
ورواه أحمد مرة أخرى 1 / 196 على الصواب.
وأخرجه الحاكم 3 / 265 من طريق: بشار بن أبي سيف، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف به.
وسكت عنه هو والذهبي.
وأورده الهيثمي في " المجمع " 2 / 300 وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى والبزار وفيه " بشار " (وقد تحرف فيه إلى " يسار ") بن أبي سيف، ولم أر من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات.
(3) أخرجه أحمد 1 / 196 من طريق: جرير، عن بشار بن أبي سيف، عن الوليد، عن عياض ابن غطيف به.
وانظر ما قبله.
(4) أخرجه مالك، في " الموطأ: في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب برقم (24)، وأحمد 3 / 303، 306، 311، والبخاري (2483) في الشركة: باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، بلفظ " بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاث مئة وأنا فيهم.
فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد.
فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلنا: وما يغني تمرة ؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت.
قال: ثم = (*)

(1/20)


ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء (1) الاجناد لفتح الشام.
فبعث أبا عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين (2) بقرب الرملة، ونصر الله
المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل (3)، ووقعة مرج الصفر (4)، وكان قد سير أبو بكر خالدا لغز والعراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الامراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر.
فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءه التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق (5) على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد
__________
= انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما " وأخرجه البخاري (2983) في الجهاد: باب حمل الزاد على الرقاب مختصرا.
و (4360) و (4361) و (4362) في المغازي: باب غزوة سيف البحر.
وفي الاخيرة تسمية الحوت بالعنبر و (5493) و (5494) في الذبائح والصيد.
ومسلم (1935) في الصيد: باب، إباحة ميتات البحر.
والترمذي (2477) في القيامة: باب ما لاقاه صلى الله عليه وسلم في أول أمره، والنسائي 7 / 207 - 209 في الصيد: باب ميتة البحر، وابن ماجه (4159) في الزهد: باب معيشة أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم.
وانظر ابن هشام 2 / 632 - 633.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " أمر " (2) انظر الطبري 7 / 417 - 419، و " الكامل " في التاريخ 2 / 498 - 500، و " تاريخ دمشق " لابن عساكر 1 / 478.
(3) انظر الطبري 3 / 433 - 443، و " الكامل " في التاريخ 2 / 429 وابن عساكر 1 / 478، وفحل: بكسر الفاء وسكون الحاء، وانظر معجم البلدان.
(4) انظر الطبري 3 / 391 - 410، و " الكامل " في التاريخ 2 / 427، وابن عساكر 1 / 478.
ومرج الصفر: مرج جنوبي دمشق بين الكسوة وغباغب.
(5) انظر الطبري الجزء 3 / " فتح دمشق "، " الكامل " في التاريخ 2 / 477 وابن عساكر 1 / 493.
(*)

(1/21)


الصلح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.
فعن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الاسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم.
روى ابن المبارك في " الزهد " له، قال أنبأنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، عن حديث الحارث بن عميرة قال: أخذ بيدي معاذ بن جبل، فأرسله إلى أبي عبيدة، فسأله كيف هو ! وقد طعنا، فأراه أبو عبيدة طعنة، خرجت في كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث، وفرق منها حين رآها، فأقسم أبو عبيدة بالله: ما يحب أن له مكانها حمر النعم (1).
وعن الاسود: عن عروة: أن وجع عمواس كان معافى منه أبو عبيدة وأهله، فقال: اللهم نصيبك في آل أبي عبيدة ! قال: فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: إنها ليست بشئ.
فقال: أرجو أن يبارك الله فيها، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيرا (2).
الوليد بن مسلم: حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن صالح بن أبي المخارق قال: انطلق أبو عبيدة من الجابية إلى بيت المقدس للصلاة،
__________
(1) وأخرجه الطبراني في الكبير برقم (364)، والحاكم 3 / 263 ورجاله ثقات، سوى شهر فإنه مختلف فيه.
وانظر الصفحة (458).
(2) سنده منقطع.
(*)

(1/22)


فاستخلف على الناس معاذ بن جبل (1).
قال الوليد: فحدثني من سمع عروة بن رويم قال: فأدركه أجله بفحل، فتوفي بها بقرب بيسان (2).
طاعون عمواس منسوب إلى قرية عمواس، وهي بين الرملة وبين بيت المقدس، وأما الاصمعي فقال (3): هو من قولهم زمن الطاعون: غم وآسى.
قال أبو حفص الفلاس: توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة، وله ثمان وخمسون سنة، وكان يخضب بالحناء، والكتم (4)، وكان له عقيصتان.
وقال كذلك في وفاته جماعة، وانفرد ابن عائذ، عن أبي مسهر أنه قرأ في كتاب يزيد ابن عبيدة، أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.

2 - طلحة بن عبيدالله * (ع) ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، القرشي التيمي المكي، أبو محمد.
__________
(1) و (2) هما في " الاصابة " 5 / 289.
(3) في الاصل: " الاصغر " وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، ولم يفطن له محقق المطبوع وانظر " معجم ما استعجم " ص: 971.
(4) الكتم: نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة، ويختضب به للسواد.
(*) مسند أحمد: 1 / 160 - 164، الزهد لاحمد بن حنبل: 145، ابن هشام: 2 / 80، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 152 - 161، طبقات خليفة: 18، 189، تاريخ خليفة: 181، المحبر: 355، التاريخ الصغير: 1 / 75، المعارف: 228 - 234، ذيل المذيل: 11، الجرح والتعديل: 4 / 471، مشاهير علماء الامصار: ت: 8، البدء والتاريخ: 5 / 82، المعجم الكبير للطبراني: 1 / 68 - 77، = (*)

(1/23)


أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
له عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله في
" مسند بقي بن مخلد " بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثا.
له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث (1).
حدث عنه بنوه: يحيى، وموسى، وعيسى، والسائب بن يزيد، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، ومالك بن أبي عامر الاصبحي، والاحنف بن قيس التميمي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
قال أبو عبد الله بن مندة: كان رجلا آدم، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط، حسن الوجه، إذا مشى أسرع، ولا يغير شعره (2).
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن عبد العزيز بن عمران، حدثني
__________
= مستدرك الحاكم: 3 / 368 - 374، حلية الاولياء: 1 / 87، الاستيعاب: 5 / 235 - 249، الجمع بين رجال الصحيحين: 230، تاريخ ابن عساكر: 8 / 270، صفوة الصفوة: 1 / 130، جامع الاصول: 9 / 3 - 5، أسد الغابة: 3 / 85 - 89، اللباب: 2 / 88، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 251، الرياض النضرة: 2 / 249، تهذيب الكمال: 628، دول الاسلام: 1 / 30 - 31، تاريخ الاسلام: 2 / 163، العبر: 1 / 37، مجمع الزوائد: 9 / 147 - 150، العقد الثمين: 5 / 68 - 69، طبقات القراء: 1 / 342، تهذيب التهذيب: 5 / 20، الاصابة: 5 / 232 - 235، خلاصة تذهيب الكمال: 180، كنز العمال: 13 / 198 - 204، شذرات الذهب: 1 / 42 - 43، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 7 / 74 - 90، رغبة الآمل: 3 / 16.
(1) ستأتي خلال الترجمة.
(2) هو في " الطبقات لابن سعد 3 / 1 / 156، وعند الطبراني في " الكبير " (191).
(*)

(1/24)


إسحاق بن يحيى، حدثني موسى بن طلحة قال: كان أبي أبيض يضرب إلى
الحمرة، مربوعا، إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعا (1).
قلت: كان ممن سبق إلى الاسلام (2)، وأوذي في الله، ثم هاجر، فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام (3) وتألم لغيبة، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره (4).
قال أبو القاسم بن عساكر الحافظ في ترجمته: كان مع عمر لما قدم الجابية، وجعله على المهاجرين.
وقال غيره: كانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
الصلت بن دينار: عن أبي نضرة، عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 370، والطبراني (191)، وهو في " الاصابة " 5 / 232.
(2) انظر " تاريخ الطبري " 2 / 317.
(3) قال ابن سعد في " الطبقات " 3 / 1 / 154: لما تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصول عير قريش من الشام، بعث طلحة بن عبيدالله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قبل خروجه من المدينة بعشر ليال، يتحسسان خبر العير، فخرجا حتى بلغا الحوراء.
فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرت بهما العير، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخبر، قبل رجوع طلحة وسعيد إليه..." والمؤلف سيذكر ذلك ص 136 فانظره وانظر الطبري 2 / 478، و " الاستيعاب " 5 / 237، وابن هشام 1 / 683، و " المستدرك " للحاكم 3 / 369.
(4) أخرجه الحاكم في " المستدرك " 3 / 368، والطبراني في " الكبير " (189) من طريق، ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة بن الزبير، قال: طلحة بن عبيدالله بن عثمان، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، كان بالشام فقدم، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهمه فضرب له سهمه.
قال: وأجري يا رسول الله ؟ قال: وأجرك.
وهو على إرساله ضعيف لضعف ابن لهيعة.
وأخرجه الحاكم أيضا من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري...وانظر ما سبقه.
(*)

(1/25)


أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه، فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله " (1).
أخبرنيه الابرقوهي، أنبأنا ابن أبي الجود، أنبأنا ابن الطلابة، أنبأنا عبد العزيز الانماطي، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا البغوي، حدثنا داود بن رشيد (2)، حدثنا مكي، حدثنا الصلت.
وفي جامع أبي عيسى بإسناد حسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: " أوجب طلحة " (3).
قال ابن أبي خالد عن قيس قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد شلاء.
أخرجه البخاري (4).
__________
(1) إسناده ضعيف جدا لان الصلت بن دينار متروك كما في " التقريب " وهو في " مسند الطيالسي " (1793).
وأخرجه ابن ماجه (125) من طريق: وكيع، عن الصلت بن دينار، عن أبي نضرة، عن جابر...وأخرجه الترمذي (3740) من طريق: صالح بن موسى الطلحي، عن الصلت بن دينار، عن أبي نضرة، عن جابر.
وصالح بن موسى متروك كالصلت.
وأخرجه الترمذي (3742)، وأبو يعلى في " مسنده " ورقة 45 / 1، والضياء المقدسي في " المختارة 1 / 278 من طريق طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة: أن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا لاعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو ؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقرونه ويهابونه.
فسأل الاعرابي، فأعرض عنه ثم سأله، فأعرض عنه.
ثم إني طلعت من باب المسجد، وعلي ثياب خضر، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: هذا ممن قضى نحبه " وحسنه الترمذي.
وهو كما قال.
وله شاهد مرسل عند ابن سعد 3 / 1 / 156.
(2) في الاصل: رشد وهو خطأ.
(3) أخرجه الترمذي (3739) في المناقب: باب مناقب طلحة و (1692) في الجهاد، وأحمد
1 / 165، وابن سعد 3 / 1 / 155 والحاكم 3 / 374 وصححه ووافقه الذهبي.
وسنده حسن.
وهو في " الاصابة " 5 / 233 و " الاستيعاب " 5 / 238، و " تاريخ الطبري " 2 / 522، وانظر " الكامل " في التاريخ لابن الاثير 2 / 158.
(4) أخرجه البخاري (3724) في فضائل الصحابة و (4063) في المغازي، باب: غزوة أحد.
وأحمد 1 / 161، وابن ماجه (128) في المقدمة، والطبراني في " الكبير " (192)، وابن سعد 3 / 1 / 155، وهو في " الاستيعاب " 5 / 238.
(*)

(1/26)


وأخرج النسائي من حديث يحيى بن أيوب وآخر، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما كان يوم أحد، وولى الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجلا، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من للقوم ؟ قال طلحة: أنا، قال: كمان أنت.
فقال رجل: أنا.
قال: أنت، فقاتل حتى قاتل، ثم [ التفت ] فإذا (1) المشركون، فقال: من لهم ؟ قال طلحة: أنا.
قال: كما أنت، فقال، رجل من الانصار: أنا، قال: أنت.
فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: من للقوم ؟ قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة، قتال الاحد عشر، حتى قطعت أصابعه، فقال: حسن، فقال، رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قلت: باسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون " ثم رد الله المشركين (2).
رواته ثقات.
أخبرنا أبو المعالي بن أبي عصرون الشافعي، أنبأنا عبدالمعزبن محمد، في كتابه، أنبأنا تميم بن أبي سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا محمد ابن أحمد، أنبأنا أحمد (3) بن علي التميمي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وعبد الاعلى، قالا: حدثنا المعتمر، سمعت أبي، حدثنا أبو عثمان
__________
(1) ما بين الحاصرتين من النسائي، وفي المطبوع " ثم آذى المشركون ".
(2) أخرجه النسائي 6 / 29 - 30 في الجهاد: باب ما يقول من يطعنه العدو.
ورجاله ثقات.
إلا أن أبا الزبير مدلس وقد عنعن.
وأخرج الحاكم معناه في " المستدرك " 3 / 369 في خبر مطول من طريق آخر، والبيهقي في " شعب الايمان "، وانظر " سيرة ابن كثير " 3 / 51 والخبر عند ابن سعد 3 / 1 / 154، وفي " الاصابة " 5 / 234.
(3) تحرف في المطبوع إلى " محمد ".
(*)

(1/27)


قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الايام التي كان يقاتل بها رسول الله غير طلحة وسعد عن حديثهما (1).
أخرجه الشيخان عن المقدمي.
وبه إلى التميمي: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لاعرابي جاء يسأله عمن قضى نحبه: من هو، وكانوا لا يجترؤون على مسألته صلى الله عليه وسلم، يوقرونه ويهابونه، فسأله الاعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد - وعلي ثياب خضر - فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أين السائل عمن قضى نحبه ؟ " قال الاعرابي: أنا.
قال: " هذا ممن قضى نحبه (2) ".
وأخرجه الطيالسي في مسنده من حديث معاوية.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " طلحة ممن قضى نحبه " (3).
__________
(1) أخرجه البخاري (3723) في الفضائل، و (4060) و (4061) في المغازي، باب: غزوة أحد.
ومسلم (2414) في الفضائل.
وقوله " عن حديثهما " يريد أنهما حدثان.
وانظر " سيرة ابن كثير " 3 / 52.
(2) أخرجه الترمذي (3742) في المناقب وقال: حسن غريب.
والطبراني في " الكبير " (217)، وابن سعد 3 / 1 / 156 وسنده حسن، وانظر الصفحة 26 التعليق (1).
(3) الحديث لم يروه الطيالسي في " مسنده " من حديث معاوية كما قال " المصنف " وإنما هو عنده من حديث جابر 2 / 146.
وأخرجه من حديث معاوية، الترمذي (3740) في المناقب، وابن ماجه (126) و (127) في المقدمة، وسنده ضعيف لضعف إسحاق بن يحيى بن طلحة التيمي.
(*)

(1/28)


وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان على حراء هو، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله: " اهدا ! فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " (1).
سويد بن سعيد: حدثنا صالح بن موسى، عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الارض قد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة (2).
قال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الاشجع، حدثنا أبو عبد الرحمن نضر بن منصور، حدثنا عقبة بن علقمة اليشكري، سمعت عليا يوم الجمل يقول: سمعت من في (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " طلحة والزبير جاراي في الجنة (4).
وهكذا رواه ابن زيدان البجلي، وأبو بكر الجارودي، عن الاشجع، وشذ أبو يعلى الموصلي، فقال عن نضر، عن أبيه، عن عقبة.
__________
(1) أخرجه مسلم (2417) في الفضائل، والترمذي (3698) في المناقب: باب مناقب عثمان.
(2) إسناده ضعيف لعضف صالح بن موسى.
قال ابن معين: ليس بشئ ولا يكتب حديثه.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وضعفه النسائي، وأبو حاتم والجوزجاني، وابن عدي، وابن حبان، وقال النسائي في رواية: متروك.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 155.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 148 ونسبه إلى أبي يعلى، وإلى الطبراني في الاوسط، وقال: وفيه صالح بن موسى وهو متروك.
وهو في " المطالب العالية " (4014) ونسبه الحافظ إلى أبي يعلى.
(3) سقطت لفظة " في " من المطبوع.
(4) إسناده ضعيف لضعف أبي عبد الرحمن نضر بن منصور، وشيخه عقبة بن علقمة.
وأخرجه الترمذي (3741) في المناقب، باب: مناقب طلحة، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والحاكم 3 / 364 وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: لا.
وهو في " أسد الغابة " 3 / 87 وقد تصحف اسم النضر في الموضعين في المطبوع إلى " نصر ".
(*)

(1/29)


دحيم: حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد، عن أبيه، عن سلمة ابن الاكوع قال: ابتاع طلحة بئرا بناحية الجبل، ونحر جزورا، فأطعم الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت طلحة الفياض " (1).
سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة: حدثني أبي (2)، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد، سماه النبي صلى الله عليه وسلم طلحة الخير.
وفي غزوة [ ذي ] العشيرة (3)، طلحة الفياض.
ويوم خيبر، طلحة الجود (4) إسناده لين.
قال مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: صحبت طلحة، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه (5) أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى، عن أبيه، أنه أتاه مال من
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف موسى بن محمد.
وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 148 وقال: رواه الطبراني وفيه موسى بن محمد بن إبراهيم وهو مجمع على ضعفه.
وهو في " الاستيعاب " 5 / 235، وفي الاصابة " 5 / 232 (2) " حدثني أبي " سقطت من المطبوع.
(3) في الاصل: غزوة العسرة وهو خطأ، وقد تحرفت في المطبوع إلى " العمرة " وما أثبتناه من الطبراني، وقد قال بعد رواية الحديث: بالسين والشين جميعا، فبالسين من العسرة، وبالشين موضع.
وقد غزا النبي، صلى الله عليه وسلم ذا العشيرة، وهي من ناحية ينبع، بين مكة والمدينة.
(4) أخرجه الطبراني في " الكبير " (197) و (218)، والحاكم 3 / 374، وذكره الهيثمي في المجمع 9 / 147 ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه من لم أعرفهم.
وسليمان بن أيوب الطلحي وثق وضعف.
وعند الحاكم والطبراني " ويوم حنين " بدل " ويوم خيبر ".
(5) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 157، والطبراني في " الكبير " (194)، وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 88.
وهو في " الاصابة " 5 / 235.
(*)

(1/30)


حضر موت سبع مئة ألف، فبات ليلته يتململ.
فقالت له زوجته: مالك ؟ قال: تفكرت منذ الليلة، فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته ؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت، فادع بجفان وقصاع فقسمه.
فقال لها: رحمك الله، إنك موفقة بنت موفق، وهي أم كلثوم بنت الصديق، فلما أصبح، دعا بجفان، فقسمها بين المهاجرين والانصار، فبعث إلى علي منها بجفنة، فقالت له زوجته: أبا محمد ! أما كان لنا في هذا المال من نصيب ؟ قال: فأين كنت منذ اليوم ؟ فشأنك بما بقي.
قالت: فكانت صرة فيها نحو ألف درهم.
أخبرنا المسلم بن علان، وجماعة، كتابة، قالوا: أنبأنا عمر بن محمد،
أنبأنا هبة الله بن الحصين، أنبأنا ابن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إبراهيم الحربي، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا محمد بن يعلى، حدثنا الحسن بن دينار، عن علي بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله، فتقرب إليه برجم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مئة ألف، فاقبضها، وإن شئت بعتها من عثمان، ودفعت إليك الثمن، فقال: الثمن.
فأعطاه.
الكديمي (1)، حدثنا الاصمعي، حدثنا ابن عمران قاضي المدينة، أن طلحة فدى عشرة من أسارى بدر بماله، وسئل مرة برحم، فقال: قد بعت لي حائطا بسبع مئة ألف، وأنا فيه بالخيار.
فإن شئت، خذه، وإن شئت، ثمنه.
إسناده منقطع مع ضعف الكديمي.
__________
(1) الكديمي: هو محمد بن يونس بن موسى الكديمي البصري، أحد المتروكين مترجم في " الميزان " 4 / 74، وقد تحرف في المطبوع إلى " الكريمي " بالراء.
(*)

(1/31)


قال ابن سعد: أنبأنا سعيد بن منصور، حدثنا صالح بن موسى، عن معاوية ابن إسحاق، عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا: جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجة مربعة، وقطع نساه - يعني العرق -، وشلت أصبعه، وكان سائر الجراح في جسده، وغلبه الغشي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مكسورة رباعيته، مشجوج في وجهه، قد علاه الغشي، وطلحة محتمله، يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين، قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشعب (1).
ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية قالت: دخلت على طلحة يوما وهو خاثر (2)، فقلت: ما لك ؟ لعل رابك من
أهلك شئ ؟ قال: لا والله، ونعم حليلة المسلم أنت، ولكن مال عندي قد غمني.
فقلت: ما يغمك ؟ عليك بقومك، قال: يا غلام ! ادع لي قومي فقسمه فيهم، فسألت الخازن: كم أعطى ؟ قال: أربع مئة ألف (3).
هشام وعوف، عن الحسن البصري أن طلحة بن عبيدالله باع أرضا له بسبع مئة ألف.
فبات أرقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.
محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كان طلحة يغل بالعراق أربع مئة ألف، ويغل بالسراة (4)
__________
(1) هو في " الطبقات " 3 / 1 / 155.
(2) يقال: هو خاثر النفس: أي: ثقيلها، غير نشيط.
(3) أخرجه الفسوي مطولا في " المعرفة والتاريخ " 1 / 458، والطبراني في " الكبير " (195) وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 88، وهو عند ابن سعد 3 / 1 / 157.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 148 وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(4) يقال: سراة الطريق: متنه ومعظمه.
وقال الاصمعي: الطود: جبل مشرف على عرفة ينقاد = (*)

(1/32)


عشرة آلاف دينار أو [ أقل أو ] أكثر، [ وبالاعراض (1) له غلات ] وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه، وقضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة [ إذا جاءت غلته ] كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان (2) التيمي ثلاثين ألفا (3).
قال الزبير بن بكار: حدثني عثمان بن عبد الرحمن أن طلحة بن عبيدالله قضى عن عبيدالله بن معمر، و عبد الله بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.
قال الحميدي: حدثنا ابن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني مولى لطلحة قال: كانت غلة طلحة كل يوم ألف واف (4).
قال الواقدي: حدثنا إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة أن معاوية
سأله: كم ترك أبو محمد من العين، قال: ترك ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم، ومن الذهب مئتي ألف دينار، فقال معاوية: عاش حميدا سخيا
__________
= إلى صنعاء يقال له: السراة: وإنما سمي بذلك لعلوه.
وقال قوم: الحجاز هو وجبال تحجز بين تهامة ونجد يقال لاعلاها السراة.
وقال الحازمي: السراة: الجبال والارض الحاجزة بين تهامة واليمن ولها سعة.
انظر " معجم البلدان " 3 / 204.
(1) أعراض المدينة: قراها التي في أوديتها.
وقال شمر: أعراض المدينة بطون سوادها حيث الزروع والنخل.
وقال غيره: كل واد فيه شجر فهو عرض بكسر أوله وسكون ثانيه، وآخره ضاد معجمة.
انظر " معجم البلدان " 4 / 102.
(2) عند ابن سعد " صبيحة التيمي ".
(3) اخرجه ابن سعد 3 / 1 / 157 - 158، ومحمد بن عمر هو الواقدي متروك.
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 158، وأخرجه الطبراني في " الكبير " (196) وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 88 مرسلا عن عمرو بن دينار.
وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 148 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
والوافي: درهم وأربعة دوانق.
(*)

(1/33)


شريفا، وقتل فقيد (1) رحمه الله (2).
وأنشد الرياشي لرجل من قريش: أيا سائلي عن خيار العباد * صادفت ذا العلم والخبره خيار العباد جميعا قريش * وخير قريش ذوو الهجره وخير ذوي الهجرة السابقون * ثمانية وحدهم نصره علي وعثمان ثم الزبير * وطلحة واثنان من زهره وبران قد جاورا أحمدا * وجاور قبرهما قبره فمن كان بعدهم فاخرا * فلا يذكرن بعدهم فخره
يحيى بن معين: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن مصعب، أخبرني موسى بن عقبة، سمعت علقمة بن وقاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان، عرجوا عن منصرفهم بذات عرق، فاستصغروا عروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما، قال: ورأيت طلحة، وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت: يا أبا محمد ! إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، إن كنت تكره هذا الامر، فدعه، فقال: يا علقمة ! لا تلمني، كنا أمس يدا واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جبلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني شئ في أمر عثمان، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي، وطلب دمه (3).
__________
(1) كذا الاصل، فقيدا، وهو الصواب لكن محقق المطبوع حذفها، وأثبت " فقيرا " مع أن في الخبر نفسه ما يدل على أنه كان من الاغنياء جدا (2) أخرجه ابن سعد مطولا 3 / 1 / 158 والواقدي متروك.
(3) أخرجه الحاكم 3 / 372، وفيه " في طلب دمه " بدل " وطلب دمه " وسكت الحاكم عنه.
ولكن الذهبي قال في مختصره: سنده جيد.
وهو كما قال.
فإن عبد الله بن مصعب ترجمة بن أبي حاتم وقال: هو بابة عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وباقي رجاله ثقات.
وقوله: " عرجوا عن منصرفهم، في " المستدرك ": " عرضوا من معهم ".
(*)

(1/34)


قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب، فعله باجتهاد، ثم تغير عند ما شاهد مصرع عثمان، فندم على ترك نصرته رضي الله عنهما، وكان طلحة أول من بايع عليا، أرهقه قتلة عثمان، وأحضروه حتى بايع.
قال البخاري: حدثنا موسى بن أعين، حدثنا أبو عوانة، عن حصين في حديث عمرو بن جاوان، قال: التقى القوم يوم الجمل، فقام كعب بن سور
معه المصحف، فنشره بين الفريقين، وناشدهم الله والاسلام في دمائهم، فما زال حتى قتل.
وكان طلحة من أول قتيل (1).
وذهب الزبير ليلحق ببنيه، فقتل (2).
يحيى القطان: عن عوف، حدثني أبو رجاء قال: رأيت طلحة على دابته وهو يقول: أيها الناس أنصتوا، فجعلوا يركبونه ولا ينصتون، فقال: أف ! فراش النار، وذباب طمع (3).
قال ابن سعد: أخبرني من سمع إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة: إنا داهنا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى (4).
وكيع: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم، فوقع في ركبته، فما زال ينسح حتى
__________
(1) كذا الاصل " من أول قتيل " وهو مستقيم، وهو كذلك في " التاريخ الصغير " وزيد في المطبوع لفظة " من " ولم ترد في الاصل، وغيرت لفظة " قتيل " إلى " قتل ".
(2) أورده البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 75 وفيه موسى بن أعين، وعمرو بن جاوان لم يوثقه غير ابن حبان.
(3) رجاله ثقات.
وقد تحرفت في المطوع " ذباب إلى " ذئاب ".
(4) أورده ابن سعد في " الطبقات " 3 / 1 / 158.
وفي سنده جهالة الواسطة بين ابن سعد، وإسماعيل بن أبي خالد.
(*)

(1/35)


مات (1).
رواه جماعة عنه، ولفظ عبد الحميد بن صالح عنه: هذا أعان على عثمان ولا أطلب بثأري بعد اليوم (2).
قلت: قاتل طلحة في الوزر، بمنزلة قاتل علي.
قال خليفة بن خياط: حدثنا من سمع جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، عن عمه، أن مروان رمى طلحة بسهم، فقتله، ثم التفت إلى أبان، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك (3).
هشيم: عن مجالد، عن الشعبي قال: رأى علي طلحة في واد ملقى، فنزل، فمسح التراب عن وجهه، وقال: عزيز علي أبا محمد بأن أراك مجدلا في الاودية تحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عجري وبجري.
قال الاصمعي: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.
عبد الله بن إدريس: عن ليث، عن طلحة بن مصرف أن عليا إنتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته،
__________
(1) إسناده صحيح.
أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 159 مطولا، والحاكم 3 / 370.
والطبراني في " الكبير " برقم (201) وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 150 وقال: ورجاله رجال الصحيح وفيه عندهما " يسيح " بدل " ينسح "، وأورده الحافظ في " الاصابة " 5 / 235 وقال: سنده صحيح.
(2) أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه ص: 181 من طريق: معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الجارود، عن أبي سيرة، قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة بن عبيدالله يوم الجمل، فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه بسهم فقتله " وإسناده صحيح كما قال الحافظ في " الاصابة " 5 / 235.
ووقعة الجمل كانت سنة (36) بالبصرة، والخبر في " الاستيعاب " 5 / 243.
(3) أخرجه خليفة بن خياط ص: 181، والحاكم 3 / 371 من طريق: الحسين بن يحيى المروزي، عن غالب بن حليس الكلبي أبي الهيثم، عن جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، حدثنا عمي...وانظر " لاستيعاب " 5 / 244.
(*)

(1/36)


وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة (1).
مرسل.
وروى زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن عبد الله من الانصار، عن أبيه أن عليا قال: بشروا قاتل طلحة بالنار.
أخبرنا ابن أبي عصرون، عن أبي روح، أنبأنا تميم، حدثنا أبو سعد، أبنأنا ابن حمدان، أنبأنا أبو يعلى، حدثنا عمرو الناقد، حدثنا الخضر بن محمد الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي.
عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو (2) أعلم بحديث رسول الله منكم - يعني أبا هريرة - نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما أن قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له، إنما هو على باب رسول الله، فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ؟ (3).
وروى مجالد، عن الشعبي، عن جابر أنه سمع عمر يقول لطلحة: ما لي
__________
(1) هو على إرساله ضعيف لضعف ليث، ومع ذلك فقد حسن الهيثمي إسناده في " المجمع " 9 / 150.
وهو في " المستدرك " 3 / 372، والطبراني (202).
وأخرجه الطبراني (203) عن قيس بن عبادة قال: سمعت عليا، رضي الله عنه، يوم الجمل يقول لابنه الحسن: يا حسن ! وددت أني كنت مت مذ عشرين سنة.
ورجاله ثقات.
وقال الهيثمي في " المجمع " 9 / 150: وإسناده جيد.
(2) سقطت من المطبوع.
(3) رجاله ثقات، وأخرجه الترمذي (3837) من طريق: ابن إسحاق، به...وحسنه هو والحافظ في " الفتح ".
وأخرجه ابن كثير في " البداية " 8 / 109 من طريق: علي بن المديني، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق...وسيأتي الخبر في ترجمة " أبي هريرة " في المجلد الثاني ص: 436.
(*)

(1/37)


أراك شعثت واغبررت مذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لعله أن ما بك إمارة ابن عمك، يعني أبا بكر، قال: معاذ الله، إني سمعته بقول: " إني لاعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت، إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة " فلم أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ولم يخبرني بها فذاك الذي دخلني.
قال عمر: فأنا أعلمها.
قال: فلله الحمد ؟، فما هي ؟ قال: الكملة التي قالها لعمه: صدقت (1).
أبو معاوية وغيره: حدثنا أبو مالك الاشجعي، عن أبي حبيبة (2)، مولى لطلحة، قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل، فرحب به وأدناه، ثم قال: إني لارجو أن يجعلني الله
__________
(1) مجالد فيه ضعف.
لكن الحديث صحيح.
فقد أخرجه ابن حبان رقم (2) من طريق: مسعر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن يحيى بن طلحة، عن أمه سعدى المرية قالت: مر عمر بن الخطاب بطلحة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مكتئب، فقال: أساءتك إمرة ابن عمك ؟ قال: لا.
ولكني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إني لاعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا كانت له نورا لصحيفته، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحا عند الموت " فقبض ولم أسأله.
فقال: " ما أعلمها إلا الكملة التي أراد عليها عمه.
ولو علم أن شيئا أنجى له منها لامره به ".
ورجاله ثقات.
وأخرجه أحمد 1 / 161 من طريق أسباط، عن مطرف، عن عامر، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: رأى عمر طلحة بن عبيدالله ثقيلا فقال: مالك يا أبا فلان، لعلك ساءتك إمرة ابن عمك يا أبا فلان ؟ قال: لا.
إلا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديثا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات.
سمعته يقول: " إني لاعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفس الله عنه كربته " قال: فقال عمر رضي الله عنه: إني لاعلم ما هي.
قال: وما هي ؟ قال: تعلم كلمة
أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت ؟ لا إله إلا الله.
قال طلحة: صدقت هي والله هي وإسناده صحيح.
وصححه الحاكم 1 / 350 - 351 وواقعه الذهبي.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " حبيشة ".
(*)

(1/38)


وأباك (1) ممن قال فيهم: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) [ الحجر: 15 ] فقال رجلان جالسان، أحدهما الحارث الاعور: الله أعدل من ذلك أن يقبلهم (2) ويكونوا إخواننا في الجنة، قال: قوما أبعد أرض وأسحقها.
فمن هو إذا لم (3) أكن أنا وطلحة ! يا ابن أخي: إذا كانت لك حاجة، فائتنا (4).
وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيتني يوم أحد، وما قربي أحد غير جبريل عن يميني، وطلحة عن يساري (5) "، فقيل في ذلك: وطلحة يوم الشعب آسى محمدا * لدى ساعة ضاقت عليه وسدت وقاه بكفيه الرماح فقطعت * أصابعه تحت الرماح فشلت وكان إمام الناس بعد محمد * أقر رحا إلاسلام حتى استقرت وعن طلحة قال: عقرت يوم أحد في جميع جسدي حتى في ذكري.
قال ابن سعد (6)، حدثنا محمد بن عمر، حدثني إسحاق بن يحيى، عن جدته سعدى، بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم (7) ومئتا
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " وإياك ".
(2) في الطبري، و " طبقات ابن سعد " تقتلهم بالامس وتكونون إخوانا ".
(3) تحرفت عند محقق المطبوع إلى " فمن هو إذا إن أكن أنا وطلحة ".
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 160، والطبري في " تفسيره " 14 / 36 وانظر " تفسير ابن كثير " 4 / 164.
(5) سيأتي الحديث في الصفحة (244) تعليق رقم (3) وهو ضعيف جدا وانظر الابيات في " كنز العمال " 13 / 203.
(6) في " الطبقات " 3 / 1 / 158.
(7) الذي في الطبقات " ألفا ألف درهم ".
(*)

(1/39)


ألف درهم، وقومت أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم (1).
أعجب ما مربي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال: وقد خلف طلحة ثلاث مئة حمل من الذهب.
وروى سعيد بن عامر الضبعي، عن المثنى بن سعيد قال: أتى رجل عائشة بنت طلحة فقال: رأيت طلحة في المنام، فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان ! فإن النز قد آذاني.
فركبت في حشمها، فضربوا عليه بناء واستثاروه.
قال: فلم يتغير منه إلا شعيرات في إحدى شقي لحيته، أو قال رأسه، وكان بينهما بضع وثلاثون سنة.
وحكى المسعودي أن عائشة بنته هي التي رأت المنام.
وكان قتله في سنة ست وثلاثين في جمادى الآخرة، وقيل في رجب، وهو ابن ثنتين، وستين سنة أو نحوها، وقبره بظاهر البصرة (2).
قال يحيى بن بكير، وخليفة بن خياط، وأبو نصر الكلاباذي: إن الذي قتل طلحة، مروان بن الحكم.
ولطلحة أولاد نجباء، أفضلهم محمد السجاد.
كان شابا، خيرا، عابدا، قانتا لله.
ولد في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، قتل يوم الجمل أيضا، فحزن عليه علي، وقال: صرعه بره بأبيه.
__________
(1) سقط من المطبوع لفظ " ألف " الثانية.
(2) روى الطبراني في " الكبير " (199) أن طلحة قتل وسنه أربع وستون ودفن بالبصرة في ناحية ثقيف.
ولكن في سنده الواقدي، وهو متروك وانظر " المجمع " 9 / 120.
(*)

(1/40)


3 - الزبير بن العوام * (ع) ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
حواري رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد (1) الستة أهل الشورى، وأول من سل سيفه في سبيل الله، أبو عبد الله رضي الله عنه، أسلم وهو حدث، له ست (2) عشرة سنة.
وروى الليث، عن أبي الاسود، عن عروة قال: أسلم الزبير، ابن ثمان سنين، ونفحت نفحة من الشيطان أن رسول الله أخذ بأعلى مكة، فخرج الزبير وهو غلام، ابن اثنتي عشرة سنة، بيده السيف، فمن رآه عجب، وقال:
__________
(*) مسند أحمد: 1 / 164 - 167، الزهد لاحمد: 144، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 70 - 80، نسب قريش: 20، 22، 103، 106، طبقات خليفة: 13، 189، 291، تاريخ خليفة: 68، التاريخ الكبير: 3 / 409، التاريخ الصغير: 1 / 75، المعارف: 219 - 227، ذيل المذيل: 11، الجرح والتعديل: 3 / 578، مشاهير علماء الامصار: ت: 9، معجم الطبراني الكبير: 1 / 77 - 86، مستدرك الحاكم: 3 / 359 - 368، حلية الاولياء: 1 / 89، الاستيعاب: 4 / 308 - 320، الجمع بين رجال الصحيحين: 150، صفوة الصفوة: 1 / 132، جامع الاصول: 9 / 5 - 10، ابن عساكر: 6 / 172 / 1، أسد الغابة: 2 / 249 - 252، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 194 - 196، الرياض النضرة: 262، تهذيب الكمال: 429، دول الاسلام، 1 / 30 العبر: 1 / 37، مجمع الزوائد: 9 / 150 - 153، العقد الثمين: 4 / 429، تهذيب التهذيب، 3 / 318، الاصابة: 5 / 7 - 9، خلاصة
تذهيب الكمال: 121، تاريخ الخميس: 1 / 172، كنز العمال: 13 / 204 - 212، شذرات الذهب: 1 / 42 - 44، خزانة الادب للبغدادي: 2 / 468 و 4 / 350، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 5 / 358 - 371.
تاريخ الاسلام 2 / 153 - 158.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " أهل ".
(2) في الاصل " ستة ".
(*)

(1/41)


الغلام معه السيف، حتى أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لك يا زبير ؟ فأخبره وقال: أتيت أضرب بسيفي من أخذك (1).
وقد ورد أن الزبير كان رجلا طويلا (2)، إذا ركب خطت رجلاه الارض، وكان خفيف اللحية والعارضين.
روى أحاديث يسيرة.
حدث عنه بنوه: عبد الله، ومصعب، وعروة، وجعفر، ومالك بن أوس بن الحدثان، والاحنف بن قيس، و عبد الله بن عامر بن كريز، ومسلم بن جندب، وأبو حكيم مولاه، وآخرون.
اتفقا له على حديثين، وانفرد له البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بحديث (3).
أخبرنا المسلم بن محمد وجماعة، إذنا، قالوا: أنبأنا حنبل، أنبأنا ابن الحصين، حدثنا ابن المذهب.
أنبأنا أبو بكر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي (ح) وأنبأنا محمد بن عبد السلام، أنبأنا عبدالمعز بن محمد، أنبأنا تميم، أنبأنا أبو سعد الطبيب، أنبأنا أبو عمرو الحيري، أنبأنا أبو
__________
(1) هو في " المستدرك " 3 / 360 - 361 من طريق: ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة.
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 89 من طريق: الامام أحمد، عن حماد بن أسامة، عن هشام بن
عروة بن أبيه عروة...ورجاله ثقات.
وانظر " الاستيعاب " 3 / 311 و " أسد الغابة " 2 / 250، و " الاصابة " 4 / 8.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 75، والطبراني في " الكبير " برقم (223) و (224)، والحاكم 3 / 360 وانظر " مجمع الزوائد " 9 / 150 و " الاصابة " 4 / 7 وانظر الخلاف في بعض الالفاظ.
(3) سترد هذه الاحاديث خلال الترجمة، ونخرجها في مواضعها.
(*)

(1/42)


يعلى، حدثنا زهير، قالا: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد عن عامر - ولفظ أبي يعلى: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه - قال: قلت لابي: ما لك لا تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحدث عنه فلان وفلان ؟ قال: ما فارقته منذ أسلمت، ولكن سمعت منه كلمة، سمعته يقول: " من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار " (1)، لم يقل أبو يعلى متعمدا.
__________
(1) إسناده صحيح.
وأخرجه أحمد 1 / 167 عن عبد الرحمن بن مهدي و 1 / 165 عن محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة.
وأخرجه ابن ماجه (36) في المقدمة، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به...، وأخرجه أبو داود (3651) في العلم: باب التشديد في الكذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طريق بيان بن بشر، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن عامر بن عبد الله به...وأخرجه البخاري 1 / 178 من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، به..ولم نجده في المطبوع من سنن النسائي، ولعله في " الكبرى ".
فقد نسبه المنذري في " مختصر أبي داود " له أيضا.
والحديث متواتر.
فقد أخرجه البخاري (1291) في الجنائز، ومسلم برقم (4) في المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغيرة.
وأخرجه البخاري (3461) في الانبياء، والترمذي (2671) في العلم، وأحمد 2 / 271، 202،
214، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه البخاري (6197) في الادب، ومسلم (3) في المقدمة، وابن ماجه (34) في المقدمة، وأحمد 2 / 410، 413، 469، 519، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (2661) في العلم، وابن ماجه (30) في المقدمة، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه مسلم (2) في المقدمة، وابن ماجه (32) في المقدمة، والدارمي 1 / 76، وأحمد 3 / 98، 113، 116، 166، 176، 203، 209، 223، 278، 280، عن أنس بن مالك.
وأخرجه مسلم (3004) في الزهد، وابن ماجه (37) في المقدمة وأحمد 3 / 36، 44، 46، 56 عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه ابن ماجه (33) في المقدمة، والدارمي 1 / 76، وأحمد 3 / 303 عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه (35) في المقدمة، والحاكم 1 / 112 عن أبي قتادة.
وأخرجه ابن ماجه (31) في المقدمة، عن علي.
وأخرجه الدارمي 1 / 76 عن ابن عباس.
وأخرجه أحمد 3 / 422 عن قيس ابن سعد بن عبادة و 4 / 47 عن سلمة بن الاكوع، و 4 / 156، 202 عن عقبة بن عامر.
و 4 / 367 عن زيد بن أرقم، و 4 / 294 عن خالد بن عرفطة، و 4 / 412، عن رجل من الصحابة.
(*)

(1/43)


أخبرنا أبو سعيد سنقر بن عبد الله الحلبي، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسف، أنبأنا عبد الحق اليوسفي، أنبأنا علي بن محمد، أنبأنا علي بن أحمد المقرى، حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا أحمد بن علي بن مسلم، حدثنا أبو الوليد (ح) وحدثنا بشر، حدثنا عمرو بن حكام، قالا: حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: قلت لابي: ما لك لا تحدث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما يحدث ابن مسعود ؟ قال: أما إني لم لم أفارقه منذ أسلمت، ولكن سمعته يقول: " من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار ".
رواه خالد بن عبد الله الطحان، عن بيان بن بشر (1)، عن وبرة، عن عامر ابن عبد الله نحوه.
أخرج طريق شعبة البخاري، وأبو داود، والنسائي، والقزويني.
قال إسحاق بن يحيى: عن موسى بن طلحة قال: كان علي، والزبير، وطلحة، وسعد، عذار عام واحد، يعني ولدوا في سنة.
وقال المدائني: كان طلحة، والزبير، وعلي، أترابا.
وقال يتيم (2) عروة: هاجر الزبير وهو ابن ثمان عشرة سنة، وكان عمه يعلقه ويدخن عليه وهو يقول: لا أرجع إلى الكفر أبدا (3).
__________
(1) تحرف في المطبوع إلى " يسار بن بشار ".
(2) سقطت من المطبوع وكنيته: أبو الأسود واسمه: محمد بن عبد الرحمن النوفلي المدني.
ولقب " يتيم عروة " لان أباه كان أوصى إليه.
(3) هو في " الحلية " 1 / 89، وعند الطبراني في " الكبير " (239)، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 151، وقال: ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
وأخرجه الحاكم 3 / 360.
(*)

(1/44)


قال عروة: جاء الزبير بسيفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما لك ؟ قال: أخبرت أنك أخذت، قال: فكنت صانعا ماذا ؟ قال: كنت أضرب به من أخذك.
فدعا له ولسيفه (1).
وروى هشام عن أبيه عروة، أن الزبير كان طويلا تخط رجلاه الارض إذا ركب الدابة، أشعر، وكانت أمه صفية تضربه ضربا شديدا وهو يتيم، فقيل لها: قتلته، أهلكته، قالت: إنما أضربه لكي يدب * ويجر الجيش ذا الجلب (2) قال: وكسر يد غلام ذات يوم، فجئ بالغلام إلى صفية، فقيل لها ذلك،
فقالت: كيف وجدت وبرا * أأقطا أم تمرا أم مشمعلا صقرا (3) قال ابن إسحاق: وأسلم على ما بلغني على يد أبي بكر: الزبير، وعثمان، وطلحة، و عبد الرحمن، وسعد.
وعن عمر بن مصعب بن الزبير قال: قاتل الزبير مع نبي الله، وله سبع
__________
(1) سبق تخريجه ص (42) التعليق رقم (1).
(2) الرجز في " الاصابة "، وابن سعد مختلف عما هو هنا في بعض ألفاظه فرواية البيت الثاني في " الاصابة " 4 / 7 - 8 " ويهزم الجيش ويأتي بالسلب " والذي هنا هو في " الطبقات " لابن سعد 3 / 1 / 71.
(3) رواية ابن سعد، و " الاصابة " هي " زبرا " بالزاي، وليست بالواو كما هي هنا، ومثلهما رواية اللسان.
والاقط: بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تسكن: قال الازهري: ما يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل.
والمشمعل: السريع، يكون في الناس والابل.
وقد أقحمت في الاصل لفظة " حسبته " بين أأقطا، وبين " أم ".
(*)

(1/45)


عشرة.
أسد بن موسى، حدثنا جامع أبو سلمة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي (1) قال: كان يوم بدر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فارسان: الزبير على فرس على الميمنة، والمقداد بن الاسود على فرس على الميسرة (2).
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سيماء الزبير (3).
الزبير بن بكار: عن عقبة بن مكرم، حدثنا مصعب بن سلام، عن سعد
ابن طريف، عن أبي جعفر الباقر، قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزلت الملائكة كذلك (4).
__________
(1) لم تتبين لمحقق المطبوع قراءتها، وقال في الهامش " لعلها الميمي " والبهي هذا هو عبد الله ابن يسار مولى مصعب بن الزبير، تابعي.
انظر " نزهة الالباب في معرفة الالقاب "، الورقة (7)، و " تهذيب التهذيب "، كلاهما لابن حجر.
(2) أخرجه الطبراني (231)، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 83 ونسبه إلى الطبراني، وقال: هو مرسل.
(3) أخرجه الطبراني (230)، وذكره الهيثمي في " المجمع " 6 / 84 ونسبه إلى الطبراني، وقال: هو مرسل صحيح الاسناد.
(4) سعد بن طريف متروك كما في " التقريب "، وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 72 من طريق: محمد بن عمر، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن الزبير...ومن طريق: وكيع، عن هشام بن عروة، عن رجل من ولد الزبير - وقال مرة: عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، ومرة ثانية: عن حمزة بن عبد الله قال: كان على الزبير...، ومن طريق: عمرو بن عاصم الكلابي، عن همام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت على الزبير...، وأخرجه الطبراني (230) من طريق: حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة.
وقال الهيثمي في " المجمع " 6 / 84: وهو مرسل صحيح الاسناد.
وأخرجه الحاكم 3 / 361 من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير.
(*)

(1/46)


وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير: جدي ابن عمة أحمد ووزيره * عند البلاء وفارس الشقراء وغداة بدر كان أول فارس * شهد الوغى في اللامة الصفراء نزلت بسيماه الملائك نصرة * بالحوض يوم تألب الاعداء
وهو ممن هاجر إلى الحبشة فيما نقله موسى بن عقبة، وابن إسحاق (1) ولم يطول الاقامة بها.
أبو معاوية، عن هشام عن أبيه، قالت عائشة: يا ابن أختي (2) ! كان أبواك - يعني الزبير وأبا بكر - من (الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) [ آل عمران: 172 ].
لما انصرف المشركون من أحد، وأصاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا، فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم، حتى يعلموا أن بنا قوة، فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار المشركين، فسمعوا بهم، فانصرفوا، قال تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) الآية [ آل عمران: 174 ] لم يلقوا عدوا (3).
وقال البخاري، ومسلم: جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: من يأتينا بخبر بني قريظة ؟ فقال الزبير: أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم.
ثم
__________
(1) انظر " سيرة ابن هشام " 1 / 322.
(2) تحرفت في المطبوع إلى " أخي ".
(3) أخرجه البخاري (4077) في المغازي: باب الذين استجابوا لله والرسول، والواحدي ص: (96) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة...إلى قوله: سبعين.
وأخرج الجزء الاول منه، مسلم (2418) في الفضائل: باب من فضائل طلحة والزبير، وابن ماجه (124) في المقدمة، وابن سعد 3 / 1 / 73، والحميدي (263)، والحاكم 3 / 363.
(*)

(1/47)


قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل نبي حواري، وحواري الزبير " (1).
رواه جماعة عن ابن المنكدر عنه.
وروى جماعة، عن هشام عن أبيه، عن ابن الزبير قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير " (2).
أبو معاوية: عن هشام بن عروة، عن ابن المنكدر، عن جابر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الزبير ابن عمتي، وحواري من أمتي " (3).
يونس بن بكير: عن هشام، عن أبيه عن الزبير قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " لكل نبي حواري وحواري الزبير وابن عمتي " (4).
وبإسنادي في المسند إلى أحمد بن حنبل، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا
__________
(1) أخرجه أحمد 3 / 307، 314، 338، 365، والبخاري (3719) في فضائل الصحابة: باب مناقب الزبير، ومسلم (2415) في الفضائل: باب فضائل طلحة والزبير، والترمذي (3745) في المناقب: باب مناقب الزبير، وابن ماجه (122) في المقدمة: باب فضائل الزبير، والطبراني في " الكبير " (227)، وهو في " الطبقات " لابن سعد 3 / 1 / 74 وأخرجه الحميدي (1231).
والحواري: خالصة الانسان وصفيه المختص به كأنه أخلص ونقي من كل عيب.
وتحوير الثياب: تبييضها وغسلها.
ومنه سمي أصحاب عيسى: حواريين، لانهم كانوا قصارين يبيضون الثياب: وقيل: الحواري: الناصر، فلما انضم هؤلاء إلى عيسى وتابعوه ونصروه سمعوا حواريين.
(2) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد 4 / 4، وذكره الهيثمي في " المجمع " ونسبه إلى أحمد، والطبراني.
وقال: إسناد أحمد المتصل رجاله رجال الصحيح.
وقد ذكر السند في المطبوع على الصواب، فقال: " عن ابن الزبير " لكنه في جدول الخطأ والصواب أشار على القارئ أن يقرأ: " عن الزبير " بحذف " ابن "، فأخطأ، لان الحديث من مسند عبد الله بن الزبير، لا من مسند أبيه الزبير.
(3) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد 3 / 314.
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 73، وصححه الحاكم 3 / 362 ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(*)

(1/48)


زائدة، عن عاصم، عن زرقال: استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده، فقال
علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " لكل نبي حواري وحواري الزبير " (1) تابعه شيبان، وحماد بن سلمة.
وروى جرير الضبي، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: استأذن قاتل الزبير، فذكره.
وروى يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وحواري من الرجال الزبير، ومن النساء عائشة " (2).
ابن أبي عروبة: عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله ! فقال ابن عمر: إن كنت من آل الزبير، وإلا فلا (3).
رواه ثقتان عنه، والحواري: الناصر.
وقال مصعب الزبيري: الحواري: الخالص من كل شئ.
وقال الكلبي: الحواري: الخليل.
__________
(1) إسناده حسن، وأخرجه أحمد 1 / 89، 102، 103، والطبراني (243) مطولا.
وأخرجه الترمذي (3745) في المناقب، والطبراني (228) كلاهما مختصرا بدون المقدمة، وهو عند ابن سعد 3 / 1 / 73 مطولا أيضا، وصححه الحاكم 3 / 367، ووافقه الذهبي.
(2) ذكره صاحب الكنز برقم (33291) مرسلا ونسبه إلى الزبير بن بكار، وابن عساكر.
وقال الحافظ في " الفتح " 7 / 80: ورجاله موثوقون، ولكنه مرسل.
(3) رجاله ثقات.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 74، والطبراني (225)، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 151، ونسبه إلى البزار، وقال: ورجاله ثقات.
وهو في " المطالب العالية " (4011)، ونسبه إلى أحمد بن منيع، وانظر " الاستيعاب " 3 / 312، و " الاصابة " 4 / 8.
(*)

(1/49)


هشام بن عروة: عن أبيه، عن ابن الزبير (1)، عن أبيه قال: جمع لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه (2).
أخبرنا ابن أبي عصرون، أنبأنا أبو روح، أنبأنا تميم (3) المقرى، أنبأنا أبو سعد الاديب، أنبأنا أبو عمرو الحيري، أنبأنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا حوثرة ابن أشرس، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن ابن الزبير قال له: يا أبة ! قد رأيتك تحمل على فرسك الاشقر يوم الخندق، قال: يا بني، رأيتني ؟ قال: نعم، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ ليجمع لابيك أبويه، يقول: " ارم فداك أبي وأمي " (4).
أحمد في " مسنده ": حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله ابن الزبير قال: لما كان يوم الخندق، كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الاطم الذي فيه نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، أطم حسان، فكان عمر يرفعني وأرفعه، فإذا رفعني، عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، فيقاتلهم (5).
__________
(1) ابن الزبير هو عبد الله كما جاء مصرحا به في رواية أحمد، وابن ماجه، والراوي عنه هنا أخوه عروة، و عبد الله روى عنه أبيه الزبير.
وقد التبس امره في المطبوع، فأشار على القارئ في جدول الخطأ والصواب أن يحذف " عن ابن الزبير ".
(2) أخرجه أحمد 1 / 164، وابن ماجه (123) في المقدمة: باب فضل الزبير، وهو في " الاستيعاب " 3 / 314، وفي " الاصابة " 4 / 8.
(3) سقطت من المطبوع.
(4) رجاله ثقات، وانظر تخريج الحديث الذي يليه.
(5) إسناده صحيح، وهو في " المسند " 1 / 164، وتمامه: " وكان يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فقال: من يأتي بني قريظة فيقاتلهم ؟ فقلت له حين رجع: يا أبت: تالله إن كنت لاعرفك حين تمر ذاهبا إلى بني قريظة، فقال: يا بني ! أما والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع لي أبويه جميعا يفديني بهما، يقول: فداك أبي وأمي.
وأخرجه أحمد 1 / 166، والبخاري (3720) في فضائل الصحابة: باب مناقب الزبير بمعناه.
= (*)

(1/50)


الرياشي، حدثنا الاصمعي، حدثنا ابن أبي الزناد قال: ضرب الزبير يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره، فقطعه إلى القربوس (1)، فقالوا: ما أجود سيفك ! فغضب الزبير، يريد أن العمل ليده لا للسيف.
أبو خيثمة: حدثنا محمد بن الحسن المديني، حدثتني أم عروة بنت جعفر، عن أختها عائشة، عن أبيها عن جدها الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه يوم فتح مكة لواء سعد بن عبادة، فدخل الزبير مكة بلواءين (2).
وعن أسماء قالت: عندي للزبير ساعدان من ديباج، كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أعطاهما إياه، فقاتل فيهما.
رواه أحمد في " مسنده " (3) من طريق ابن لهيعة.
__________
= وفيه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم ؟ فانطلقت.
فلما رجعت جمع لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه فقال: فداك أبي وأمي ".
وأخرجه مسلم (2416) في فضائل الصحابة: باب فضائل طلحة والزبير.
والاطم: الحصن.
جمعه آطام.
مثل عنق وأعناق.
(1) القربوس: مقدم السرج ومؤخره.
(2) إسناده ضعيف جدا.
محمد بن الحسن المديني هو ابن زبالة المخزومي قال أبو داود: كذاب.
وقال يحيى: ليس بثقة.
وقال النسائي، والاسدي: متروك.
وقال أبو حاتم: واهي الحديث.
وقال الدارقطني وغيره: منكر الحديث.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 6 / 169، وابن حجر في " المطالب العالية " برقم (4357) ونسباه لابي يعلى.
وأعلاه بمحمد بن الحسن بن زبالة.
(3) 6 / 352 من طريق: معمر، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد
المصري، عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء عن أسماء، وهذا سند صحيح.
لان الراوي عن ابن لهيعة، وهو أحد العبادلة الذين رووا عنه قبل احتراق كتبه.
وهم: عبد الله بن المبارك و عبد الله بن يزيد المقرئ.
(*)

(1/51)


علي بن حرب: حدثنا ابن وهب، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير يلمق حرير محشو (1) بالقز، يقاتل فيه (2).
وروى يحيى بن يحيى الغساني، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال الزبير: ما تخلفت عن غزوة غزاها المسلمون إلا أن أقبل فألقى ناسا يعقبون.
وعن الثوري قال: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة: حمزة، وعلي، والزبير.
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، أخبرني من رأى الزبير وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي.
معمر، عن هشام عن (3) عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف: إحداهن في عاتقه، إن كنت لادخل أصابعي فيها، ضرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك.
قال عروة: قال عبد الملك بن مروان، حين قتل ابن الزبير: يا عروة ! هل تعرف سيف الزبير ؟ قلت: نعم.
قال: فما فيه ؟ قلت: فلة فلها يوم بدر، فاستله فرآها فيه، فقال:
__________
(1) كذا الاصل.
ويمكن تخريجه على المجاورة كما في قولهم: هذا جحر ضب خرب.
وفي " كنز العمال " (36629: محشوا.
وهو الوجه.
(2) ذكره صاحب الكنز (36629).
واليلمق: قال الجواليقي: هو القباء، وأصله بالفارسية: يلمه.
وفي اللسان: القباء المحشو.
(3) تحرفت في المطبوع لفظة " عن " إلى " ابن " وأشار المحقق إلى الاصل في هامش مطبوعه.
(*)

(1/52)


" بهن فلول من قراع الكتائب " (1) ثم أغمده ورده علي، فأقمناه بيننا بثلاثة آلاف، فأخذه بعضنا، ولوددت أني كنت أخذته (2).
يحيى بن سعيد الانصاري: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء، فتحرك.
فقال: اسكن حراء ! فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد.
وكان عليه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير (3).
الحديث رواه معاوية بن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، وذكر منهم عليا.
وقد مر في تراجم الراشدين (4) أن العشرة في الجنة، ومر في ترجمة طلحة
__________
(1) عجز بيت صدره " ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم " وهو للنابغة من بائيته المشهورة التي مطلعها: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب (2) أخرجه البخاري (3973) في المغازي: باب قتل أبي جهل.
و (3721) في فضائل الصحابة: باب مناقب الزبير، و (3975) في المغازي: باب قتل أبي جهل.
(3) أخرجه مسلم (2417) في فضائل الصحابة: باب فضائل طلحة والزبير، من طريق سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة...وفيه " علي، وسعد بن أبي وقاص ".
وأخرجه مسلم، والترمذي (3697) من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(4) انظر " تاريخ الاسلام " 1 / 153 وما بعدها فإن الاصل الذي طبعنا عنه الكتاب يبدأ بالمجلد الثالث.
وهو أول نسخة تؤخذ عن نسخة المصنف.
وقد جاء في لوحة العنوان على الجانب الايسر ما نصه: في المجلد الاول والثاني سير النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الاربعة، تكتب من تاريخ الاسلام، وقد تأكد لنا أنها بخط الذهبي نفسه رحمه الله تعالى ووافقنا على ذلك غير واحد من المحققين.
لذلك ينبغي أن يؤخذ ما في تاريخ الاسلام من سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وسيرة خلفائه الاربعة ويضم إلى كتابنا هذا، فإنه متمم له.
وهو الذي سنفعله إن شاء الله.
(*)

(1/53)


عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طلحة والزبير جاراي في الجنة " (1).
أبو جعفر الرازي: عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: إنهم يقولون: استخلف علينا، فإن حدث بي حدث، فالامر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض، ثم سماهم.
أحمد في " مسنده " حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن مروان، ولا إخاله متهما علينا، قال: أصاب عثمان رعاف سنة الرعاف، حتى تخلف عن الحج وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش، فقال: استخلف، قال: وقالوه ؟ قال: نعم.
قال: من هو ؟ فسكت، قال: ثم دخل عليه رجل آخر، فقال له مثل ذلك، ورد عليه نحو ذلك.
قال: فقال عثمان: قالوا الزبير ؟ قالوا: نعم.
قال: أما والذي نفسي بيده، إن كان لاخيرهم (2) ما علمت، وأحبهم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (3).
رواه أبو مروان الغساني (4)، عن هشام نحوه.
وقال هشام، عن أبيه، قال عمر: لو عهدت أو تركت تركة، كان أحبهم إلي
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (29) التعليق رقم (4).
(2) تحرفت في المطبوع إلى " أحدهم ".
(3) إسناده صحيح.
وأخرجه أحمد 1 / 64، والبخاري (3717) في الفضائل: باب مناقب الزبير.
(4) هو يحيى بن أبي زكريا الغساني الواسطي.
ضعفه أبو داود.
وقال ابن معين: لا أعرف حاله.
وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور.
وبالغ ابن حيان فقال: لا تجوز الرواية عنه.
أخرج له البخاري حديثا واحدا في الهداية متابعة.
(*)

(1/54)


الزبير، إنه ركن من أركان الدين (1).
ابن عيينة: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم عثمان، وابن مسعود، و عبد الرحمن، فكان ينفق على الورثة من ماله، ويحفظ أموالهم.
ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير خرج غازيا نحو مصر، فكتب إليه أمير مصر: إن الارض قد وقع بها الطاعون، فلا تدخلها، فقال: إنما خرجت للطعن والطاعون، فدخلها، فلقي طعنة في جبهته فأفرق (2).
عوف: عن أبي رجاء العطاردي، قال: شهدت الزبير يوما، وأتاه رجل، فقال: ما شأنكم أصحاب رسول الله ؟ أراكم أخف الناس صلاة ! قال: نبادر الوسواس (3).
الاوزاعي: حدثني نهيك بن مريم، حدثنا مغيث بن سمي، قال: كان
__________
(1) أخرجه الطبراني في " الكبير " برقم (232) وفي سنده: عبد الله بن محمد بن يحيى بن الزبير المدني.
قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.
وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث.
(2) أفرق: برأ.
وفي الحديث " عدوا من أفرق من الحي " أي من برأ من الطاعون.
(3) ومن هذا الباب ما أخرجه أحمد 4 / 321 من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن غنمة، قال: رأيت عمار بن ياسر دخل المسجد فصلى فأخف الصلاة.
قال: فلما خرج قمت إليه فقلت: يا أبا اليقظان ! لقد خففت.
قال: فهل رأيتني انتقصت من حدودها شيئا ؟ قلت: لا.
قال: فإني بادرت بها سهوة الشيطان.
سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها.
وأخرجه أبو داود (796) في الصلاة: باب ما جاء في نقصان الصلاة، دون ذكر السبب.
وسنده حسن.
(*)

(1/55)


للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يدخل بيته من خراجهم شيئا.
رواه سعيد بن عبد العزيز نحوه، وزاد: بل يتصدق بها كلها.
وقال الزبير بن بكار: حدثني أبو غزية محمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن مصعب، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بمجلس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحسان ينشدهم من شعره، وهم غير نشاط لما يسمعون منه، فجلس معهم الزبير، ثم قال: مالي أراكم غير أذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة ! فلقد كان يعرض به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيحسن استماعه، ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه، فقال حسان يمدح الزبير: أقام على عهد النبي وهديه * حواريه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه * يوالي ولي الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي * يصول إذا ما كان يوم محجل إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها * بأبيض سباق إلى الموت يرقل (1)
وإن امرءا كانت صفية أمه * ومن أسد في بيتها لمؤثل (2) له من رسول الله قربى قريبة * ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه * عن المصطفى والله يعطي فيجزل
__________
(1) يقال: أرقل القوم إلى الحرب إرقالا: أسرعوا، والارقال: ضرب من الخبب: وهي سرعة سير الابل.
(2) في الديوان، وعند الحاكم " لمرفل " والمرفل: هو العظيم المبجل.
(*)

(1/56)


ثناؤك خير من فعال معاشر * وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل (1) قال جويرية بن أسماء: باع الزبير دارا له بست مئة ألف، فقيل له: يا أبا عبد الله ! غبنت ! قال: كلا، هي في سبيل الله.
الليث: عن هشام بن عروة، أن الزبير لما قتل عمر، محا نفسه من الديوان، وأن ابنه عبد الله لما قتل عثمان، محا نفسه من الديوان (2).
أحمد في " المسند ": حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير: عن مطرف: قلت للزبير: ما جاء بكم ؟ ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه ؟ قال: إنا قرأنا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) [ الانفال: 25 ]، لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت (3).
مبارك بن فضالة، عن الحسن، أن رجلا أتى الزبير وهو بالبصرة فقال: ألا أقتل عليا ؟ قال: كيف تقتله ومعه الجنود ؟ قال: ألحق به، فأكون معك، ثم أفتك به، قال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " الايمان قيد الفتك، لا يفتك
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 362 - 363، وهو في " الاستيعاب " 3 / 315، و " أسد الغابة " 3 / 251،
وفي " الحلية " 1 / 90 وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 8 / 125 ونسبه إلى الطبراني، وقال: وفيه عبد الله بن مصعب، وهو ضعيف.
والابيات في " ديوان حسان ": 199 - 200 طبعة دار صادر البيروتية.
(2) أخرجه الطبراني في " الكبير " برقم (240)، وهو في " الطبقات " لابن سعد 3 / 1 / 75.
(3) سنده حسن، وأخرجه أحمد 1 / 165 وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 3 / 177 ونسبه إلى أحمد، والبزار، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 7 / 27 وقال: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.
(*)

(1/57)


مؤمن " (1).
هذا في " المسند "، وفي " الجعديات ".
الدولابي في " الذرية الطاهرة ": حدثنا الدقيقي، حدثنا الدقيقي، حدثنا يزيد، سمعت شريكا، عن الاسود بن قيس، حدثني من رأى الزبير يقتفي آثار الخيل قعصا بالرمح، فناداه علي: يا أبا عبد الله ! فأقبل عليه، حتى التقت أعناق دوابهما، فقال: أنشدك بالله، أتذكر يوم كنت أناجيك، فأتانا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: تناجيه ! فوالله ليقاتلنك وهو لك ظالم ؟ قال: فلم يعد أن سمع الحديث، فضرب وجه دابته، وذهب (2).
قال أبو شهاب الحناط وغيره: عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال للزبير يوم الجمل: يا ابن صفية ! هذه عائشة تملك الملك
__________
(1) رجاله ثقات، وهو في " المسند " 1 / 166 و 167، وفي " المصنف " لعبد الرزاق (9676).
وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود (2769) في الجهاد: باب في العدو يؤتى على غرة، من طريق محمد بن حزابة، عن إسحاق بن منصور، عن أسباط الهمداني، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأسباط كثير الخطأ، ووالد السدي مجهول.
وله شاهد آخر من حديث معاوية عن أحمد 4 / 92 وفي سنده علي بن زيد وهو ضعيف.
لكن
حديثه حسن بالشواهد، وباقي رجاله ثقات، فالحديث صحيح.
قال المنذري: الفتك أن يأتي الرجل الرجل وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله.
وقوله: " الايمان قيد الفتك " أي أن الايمان يمنع القتل، كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيدا.
ومنه في صفة الفرس: قيد الاوابد، يريد أنه يلحقها بسرعة، فكأنها مقيدة به لا تعدوه.
(2) الرجل الذي أخبر بالقصة مجهول.
والدقيقي: هو محمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي أبو جعفر صدوق.
ويزيد هو ابن هارون، وشريك هو ابن عبد الله القاضي، كثير الخطأ.
وأخرجه الحاكم 3 / 366 من طريق أبي حرب بن أبي الاسود الديلي قال: شهدت الزبير خرج يريد عليا.
فقال له علي: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: تقاتله وأنت له ظالم ؟ فقال: لم أذكر، ثم مضى الزبير منصرفا.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي كذا قالا.
مع أن في سنده عبد الله بن محمد بن عبد الملك الرقاشي وقد قال فيه أبو حاتم: في حديثه نظر، ونقل ابن عدي عن البخاري أنه قال: فيه نظر.
وشيخه فيه: عبد الملك بن مسلم لين الحديث.
وانظر " المطالب العالية " (4468) و (4469) و (4470) و (4476).
(*)

(1/58)


طلحة، فأنت علام تقاتل قريبك عليا ؟ زاد فيه غير أبي شهاب: فرجع الزبير، فلقيه ابن جرموز فقتله (1).
قتيبة: حدثنا الليث عن ابن أبي فروة أخي إسحاق، قال: قال علي: حاربني خمسة: أطوع الناس في الناس: عائشة، وأشجع الناس: الزبير، وأمكر الناس: طلحة لم يدركه مكر قط، وأعطى الناس: يعلى بن منية (2)، وأعبد الناس: محمد بن طلحة، كان محمودا حتى استزله أبوه، وكان يعلى يعطي الرجل الواحد ثلاثين دينارا والسلاح والفرس على أن يحاربني (3).
قال عبد الله بن محمد بن عبد الملك الرقاشي: عن جده، عن أبي جرو
المازني، قال: شهدت عليا والزبير حين تواقفا، فقال علي: يا زبير ! أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك تقاتلني وأنت لي ظالم ؟ قال: نعم، ولم أذكره إلا في موقفي هذا، ثم انصرف (4).
__________
(1) رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 77 بنحوه، وقال الحافظ في " الاصابة " 4 / 9: وسنده صحيح.
(2) بضم الميم.
وسكون النون، بعدها ياء مفتوحة، وهي أمه.
وهو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة ابن همام التيمي، حليف قريش.
صحابي مشهور.
مات سنة بضع وأربعين.
وأخرج حديثه الجماعة.
(3) خبر لا يصح.
ابن أبي فروة أخو إسحاق لا يعرف، ويخشى أن تكون لفظة " أخي " مقحمة في النص، وإسحاق يروي عنه الليث، وهو متروك، متفق على ضعفه.
(4) عبد الله، وجده ضعيفان.
وذكره الحافظ في " المطالب العالية " (4476) ونسبه إلى أبي يعلى.
(*)

(1/59)


رواه أبو يعلى في " مسنده " وقد روى نحوه من وجوه سقنا كثيرا منها في كتاب " فتح المطالب " (1).
قال يزيد بن أبي زياد: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي، فلقيه ابنه عبد الله، فقال: جبنا، جبنا ! قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحلفت أن لا أقاتله، ثم قال: ترك الامور التي أخشى عواقبها * في الله أحسن في الدنيا وفي الدين (2).
وقيل: إنه أنشد: ولقد علمت لوان علمي نافعي * أن الحياة من الممات قريب
فلم ينشب أن قتله ابن جرموز.
وروى حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان قال: قتل طلحة وانهزموا، فأتى الزبير سفوان فلقيه النعر المجاشعي، فقال: يا حواري رسول الله ! أين تذهب ؟ تعال، فأنت في ذمتي، فسار معه، وجاء رجل إلى الاحنف فقال: إن الزبير بسفوان، فما تأمر إن كان جاء، فحمل بين المسلمين، حتى إذا ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيف، أراد أن يلحق ببنيه ؟ قال: فسمعها
__________
(1) ذكر المؤلف رحمه الله هذا الكتاب في " تذكرة الحفاظ " 1 / 10 فقال: ومناقب هذا الامام جمة، أفردتها في مجلدة وسميته " بفتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ".
وذكره الصفدي في " الوافي " 2 / 164 وقال: قرأته عليه من أوله إلى آخره.
وذكره ابن شاكر في " عيون التواريخ " الورقة 86.
(2) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 91 من طريقه، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
(*)

(1/60)


عمير بن جرموز، وفضالة بن حابس، ورجل يقال له نفيع، فانطلقوا حتى لقوه مقبلا مع النعر (1)، وهم في طلبه، فأتاه عمير من خلفه، وطعنه طعنة ضعيفة، فحمل عليه الزبير، فلما استلحمه وظن أنه قاتله، قال: يا فضالة ! يا نفيع ! قال: فحملوا على الزبير حتى قتلوه (2).
عبيدالله بن موسى: حدثنا فضيل (3) بن مرزوق، حدثني شقيق (4) بن عقبة عن قرة بن الحارث، عن جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير يوم الجمل، وكانوا يسلمون عليه بالامرة، إلى أن قال: فطعنه ابن جرموز ثانيا، فأثبته، فوقع، ودفن بوادي السباع، وجلس علي، رضي الله عنه، يبكي عليه هو وأصحابه (5).
قرة بن حبيب: حدثنا الفضل بن أبي الحكم، عن أبي نضرة قال: جئ برأس الزبير إلى علي، فقال علي: تبوأ يا أعرابي مقعدك من النار، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قاتل الزبير في النار (6).
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " النهر ".
(2) أخرجه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 3 / 311 - 312، وذكره الحافظ في " المطالب العالية " (4466).
وانظر الطبري 4 / 498 - 499.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " فضل ".
(4) هو شقيق بن عقبة الضبي، مترجم في " التهذيب " وفروعه، وهو من رجال مسلم، وقد تحرف في " طبقات ابن سعد " وفي المطبوع إلى " سفيان ".
(5) رجاله ثقات.
وهو في " الطبقات " 3 / 111 (6) الفضل بن أبي الحكم روى عنه غير واحد.
وقال أبو حاتم: شيخ بصري.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وباقي رجال الاسناد ثقات.
وانظر " البداية " لابن كثير 7 / 250.
وروى الطيالسي 2 / 145 وابن سعد 3 / 1 / 73 كلاهما: عن عاصم، عن زر قال: استأذن قاتل الزبير على علي.
قال علي: والله ليدخلن قاتل ابن صفية النار.
إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " وسنده حسن.
وصححه الحاكم 3 / 367 ووافقه الذهبي.

(1/61)


(*) شعبة، عن منصور بن عبد الرحمن، سمعت الشعبي يقول: أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير في الجنة.
قلت: لانهم من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الاولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا
عنه، ولان الاربعة قتلوا، ورزقوا الشهادة، فنحن محبون لهم، باغضون للاربعة الذين قتلوا الاربعة.
أبو أسامة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج لا يرى إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة (1)، فطعنته في عينه، فمات، فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت، فكان الجهد أن نزعتها، يعني الحربة، فلقد انثنى طرفها.
قال عروة: فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه إياها، فلما قبض، أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه [ إياها ]، فلما قبض أبو بكر، سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض [ عمر ] أخذها، ثم طلبها عثمان [ منه ]، فأعطاه إياها، فلما قبض (2)، وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل (3).
غريب، تفرد به البخاري.
ابن المبارك: أنبأنا هشام، عن أبيه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) سقطت من المطبوع لفظة " عنزة ".
(2) في البخاري " فلما قتل عثمان ".
(3) أخرجه البخاري (3998) في المغازي: باب (12) والزيادات منه.
(*)

(1/62)


قالوا للزبير: ألا تشد فنشد معك ؟ قال: إني إن شددت، كذبتم، فقالوا لا نفعل.
فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين، ضربة على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا
صغير، قال: وكان معه عبد الله بن الزبير وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به رجلا (1).
قلت: هذه الوقعة هي يوم اليمامة إن شاء الله، فإن عبد الله كان إذ ذاك ابن عشر سنين.
أبو بكر بن عياش: حدثنا سليمان، عن الحسن قال: لما ظفر علي بالجمل، دخل الدار والناس معه، فقال علي: إني لاعلم قائد فتنة دخل الجنة، وأتباعه إلى النار ! فقال الاحنف: من هو ؟ قال: الزبير.
في إسناده إرسال، وفي لفظه نكارة، فمعاذ الله أن نشهد على أتباع الزبير، أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوض أمرهم إلى الله، ونستغفر لهم.
بلى: الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء، لانهم مرقوا من الاسلام، ثم لا ندري مصير هم إلى ماذا، ولا نحكم عليهم بخلود النار، بل نقف.
ولبعضهم: إن الرزية من تضمن قبره * وادي السباع لكل جنب مصرع
__________
(1) أخرجه البخاري (3975) في المغازي: باب قتل أبي جهل.
(*)

(1/63)


لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (1) قال البخاري وغيره: قتل في رجب سنة ست وثلاثين.
وادي السباع: على سبعة فراسخ من البصرة.
قال الواقدي وابن نمير: قتل وله أربع وستون سنة.
وقال غيرهما: قيل وله بضع وخمسون سنة، وهو أشبه.
قال القحذمي: كانت تحته أسماء بنت أبي بكر، وعاتكة أخت سعيد بن
زيد، وأم خالد بنت خالد بن سعيد، وأم مصعب الكلبية.
قال ابن المديني: سمعت سفيان يقول: جاء ابن جرموز إلى مصعب بن الزبير - يعني لما ولي إمرة العراق لاخيه الخليفة عبد الله بن الزبير - فقال: أقدني بالزبير، فكتب في ذلك يشاور ابن الزبير، فجاءه الخبر: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير ؟ ولا بشسع نعله.
قلت: أكل المعثر يديه ندما على قتله، واستغفر، لا كقاتل طلحة، وقاتل عثمان، وقاتل علي.
الزبير: حدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن مسالم بن عبد الله بن عروة، عن أبيه أن عمير بن جرموز أتى، حتى وضع يده في يد مصعب، فسجنه، وكتب إلى أخيه في أمره، فكتب إليه أن بئس ما صنعت، أظننت أني قاتل أعرابيا بالزبير ؟ خل سبيله، فخلاه فلحق بقصر بالسواد عليه
__________
(1) الابيات عند ابن سعد 3 / 1 / 79 ثلاثة.
وقد نسبها إلى جرير بن الخطفى.
وهي في ديوان جرير من قصيدة طويلة يهجو فيها الفرزدق.
ومطلعها: بان الخليط برامتين فودعوا * أوكلما رفعوا لبين تجزع انظر الديون 340 - 351.
(*)

(1/64)


أزج (1)، ثم أمر إنسانا أن يطرحه عليه، فطرحه عليه، فقتله، وكان قد كره الحياة لما كان يهول عليه ويرى في منامه.
قال ابن قتيبة: حدثنا محمد بن عتبة، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه أن الزبير ترك من العروض بخمسين ألف ألف درهم، ومن العين خمسين ألف ألف درهم (2).
كذا هذه الرواية.
وقال ابن عيينة: عن هشام، عن أبيه قال: اقتسم مال الزبير على أربعين ألف ألف (3).
أبو أسامة: أخبرتي هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل، دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني ! إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئا ؟ يا بني ! بع ما لنا، فاقض ديني، فأوصي بالثلث وثلث الثلث إلى عبد الله، فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شئ، فثلث لولدك (4).
قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد، وله يومئذ تسع بنات، قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني ! إن عجزت عن شئ منه، فاستعن بمولاي، قال: فوالله ما دريت ما عنى
__________
(1) الازج: بيت يبنى طولا.
وأزجته تأزيجا: إذا بنيته.
ويقال: الازج: السقف والجمع: آزاج.
مثل سبب وأسباب.
(2) رجاله ثقات.
(3) رجاله ثقات.
وأخرجه الحاكم 3 / 361، وابن سعد 3 / 1 / 77 من طريق: عبد الله بن مسلمة ابن قعنب، عن سفيان بن عيينة، قال: اقتسم...وأخرجه الحاكم 3 / 361 من طريق: محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، قال: اقتسم...(4) كذا الاصل، ولفظه في " الطبقات ": يا بني بع ما لنا، واقض ديني، وأوص بالثلث فإن فضل من ما لنا من بعد قضاء الدين شئ فثلثه لولدك.
ورجاله ثقات.
(*)

(1/65)


حتى قلت: يا أبة ! من مولاك ؟ قال: الله عزوجل ! قال: فوالله (1) ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه.
قال: وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما، إلا أرضين بالغابة، ودارا بالمدينة، ودارا بالبصرة ودارا بالكوفة، ودارا بمصر.
قال: وإنما كان الذي
عليه أن الرجل يجئ بالمال، فيستودعه، فيقول الزبير: لا ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة.
وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا، ولا شيئا، إلا أن يكون في غزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو مع أبي بكر، وعمر، وعثمان.
فحسبت دينه، فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف، فلقي حكيم بن حزام الاسدي عبد الله فقال: يا ابن أخي ؟ كم على أخي من الدين ؟ فكتمه، وقال: مئة ألف، فقال حكيم: ما أرى أموالكم تتسع لهذه ! فقال عبد الله: أفر أيت إن كانت ألفي ألف ومئتي ألف ! قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شئ، فاستعينوا بي، وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وست مئة ألف، وقال: من كان له على الزبير دين، فليأتنا بالغابة.
فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربع مئة ألف، فقال لابن الزبير: إن شئت، تركتها لكم، قال: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، قال: لك من هاهنا إلى هاهنا، قال: فباعه بقضاء دينه، قال: وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمئة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمئة ألف، وقال ابن بيعة: قد أخذت سهما بمئة ألف، فقال معاوية: كم بقي ؟ قال سهم ونصف، قال: قد أخذته بمئة وخمسين ألفا، قال: وباع ابن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، قال: لا والله !
__________
(1) " قال: فوالله " سقطت من المطبوع.
(*)

(1/66)


حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم.
فكان للزبير أربع نسوة.
قال: فرفع الثلث، فأصاب كل امرأة ألف
ألف ومئة ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف (1) ومائتا ألف (2).
للزبير في " مسند بقي بن مخلد " ثمانية وثلاثون حديثا، منها في " الصحيحين " حديثان، وانفرد البخاري بسبعة أحاديث.
قال هشام: عن أبيه، قال: بلغ حصة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوجة الزبير من ميراثه ثمانين ألف درهم.
وقالت ترثيه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش البنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله * فيما مضى مما تروح وتغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طرادك يا ابن فقع الفدفد والله ربك إن قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة المتعمد (3)
__________
(1) سقط من المطبوع لفظ " ألف " الثانية.
(2) أخرجه البخاري بطوله (3129) في فرض الخمس، باب: بركة الغازي بماله حيا وميتا، مع خلاف يسير في بعض ألفاظه.
وانظر ابن سعد 3 / 1 / 75 - 76، و " الحلية " 1 / 91.
(3) الابيات في " الطبقات " لابن سعد 3 / 1 / 79.
وانظر " التصريح " 1 / 231، والعيني 2 / 278، وابن يعيش 8 / 71 - 72، و " شرح الاشموني " 1 / 145، و " أوضح المسالك " 2 / 264، وابن عقيل 1 / 382 و " الخزانة " 4 / 348، و " الهمع " 1 / 142، و " الدرر " 1 / 119، و " الحماسة " 3 / 71 ورواية البيت الاخير فيه " ثكلتك أمك إن قتلت "، القرطبي 2 / 421.
والبهمة: بضم الموحدة وسكون الهاء: الشجاع، وقيل: هو الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتي له من شدة بأسه.
واللقاء: الحرب لانه تتلاقى فيها الابطال.
والمعرد: اسم فاعل من عرد تعريدا بمهملات: إذا فر وهرب.
وطاش يطيش: إذا خف عقله من دهشة وخوف.
رعش: بكسر العين المهملة وصف من رعش - كفرح ومنع - رعشا ورعشانا: أخذته الرعدة.
الغمرة: بالفتح: الشدة.
الفقع: بفتح الفاء وكسرها وسكون = (*)

(1/67)


4 - عبد الرحمن بن عوف * (ع) ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو محمد.
أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، القرشي الزهري.
وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الاسلام.
له عدة أحاديث.
روى عنه ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وبنوه: إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، وعمرو، ومصعب بنو عبد الرحمن، ومالك بن أوس، وطائفة سواهم.
له في " الصحيحين " حديثان.
وانفرد له البخاري بخمسة
__________
= (1) القاف نوع أبيض من ردئ الكمأة.
الفدفد: الارض المستوية.
وفقع الفدفد مثل للذليل.
وقال الكرماني: أشارت بقولها: " عقوبة المتعمد " إلى قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) [ النساء: 93 ] وقال غيره: عقوبة المتعمد: أن يقتل قصاصا.
(*) مسند أحمد: 1 / 190 - 195، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 87 - 97، نسب قريش: 265، 448، طبقات خليفة: 15، تاريخ خليفة: 166، التاريخ الكبير: 5 / 240، التاريخ الصغير: 1 / 50، 51، 60، 61، المعارف: 235 - 240، الجرح والتعديل: 5 / 247، مشاهير علماء الامصار: ت: 12، البدء والتاريخ: 5 / 86، ومعجم الطبراني الكبير: 1 / 88 - 99، المستدرك للحاكم: 3 / 306، 312، حلية الاولياء: 1 / 98 - 100، الاستيعاب: 6 / 68 - 84، الجمع بين رجال الصحيحين: 281، صفوة الصفوة: 1 / 135، جامع الاصول: 9 / 19 - 20، ابن عساكر: 12 / 54 / 2، أسد الغابة: 3 / 480 - 485، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 300 - 302، الرياض النضرة: 2 / 281، تهذيب الكمال: 810، دول الاسلام: 1 / 26، تاريخ الاسلام: 2 / 105،
العبر: 1 / 33، العقد الثمين: 5 / 396 - 398، تهذيب التهذيب: 6 / 244، الاصابة: 6 / 311 - 313، خلاصة تذهيب الكمال: 232، تاريخ الخميس: 2 / 257، كنز العمال: 13 / 220 - 230، شذرات الذهب: 1 / 38.
(*)

(1/68)


أحاديث.
ومجموع ما له في " مسند بقي " خمسة وستون حديثا.
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن (1).
وحدث عنه أيضا من الصحابة: جبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، والمسور بن مخرمة، و عبد الله بن عامر بن ربيعة.
وقد الجابية مع عمر (2)، فكان على الميمنة، وكان في نوبة سرغ على الميسرة.
أخبرنا محمد بن حازم بن حامد، ومحمد بن علي بن فضل، قالا: أنبأنا أبو القاسم بن صصرى، أنبأنا أبو القاسم بن البن الاسدي (ح) وأنبأنا محمد بن علي السلمي، وأحمد بن عبد الرحمن الصوري، قالا: أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله التغلبي، أنبأنا أبو القاسم بن البن، ونصر بن أحمد السوسي، قالا: أنبأنا علي بن محمد بن علي الفقيه، أنبأنا أبو منصور محمد، وأبو عبد الله أحمد، أنبأنا الحسين بن سهل بن الصباح، ببلد (3)، في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وأربع مئة، قالا: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن أحمد الامام، حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع بجالة يقول: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، عم الاحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا
__________
(1) انظر الطبراني (253) والحاكم 3 / 306، وابن سعد 3 / 1 / 88.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " عمرو ".
(3) " بلد " مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل، بينهما سبعة فراسخ.
ويقال: بلط.
وإليها ينسب عدد كبير من العلماء.
" معجم البلدان " 1 / 481.
(*)

(1/69)


بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة.
فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين الرجل وحريمته في كتاب الله.
وصنع لهم طعاما كثيرا، ودعا المجوس، وعرض السيف على فخذه، وألقى وقربغل أو بغلين من ورق، وأكلوا بغير زمزمة.
ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر (1).
هذا حديث غريب مخرج في صحيح البخاري، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي من طريق سفيان، فوقع لنا بدلا (2).
ورواه حجاج بن أرطاة عن عمرو مختصرا، وروى منه أخذ الجزية من المجوس أبو داود (3)، عن الثقة، عن يحيى بن حسان، عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن قشير ابن عمرو، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس، عن ابن عوف.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد العلوي، أنبأنا محمد بن أحمد القطيعي، أنبأنا محمد بن عبيدالله المجلد (ح) وأنبأنا أحمد بن إسحاق الزاهد، أنبأنا أبو نصر عمر بن محمد التيمي، أنبأنا هبة الله بن أحمد الشبلي، قالا: أنبأنا محمد بن محمد الهاشمي (4)، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا عبد الله البغوي، حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا القاسم بن فضل الحداني عن النضر بن شيبان قال: قلت لابي سلمة: حدثني بشئ سمعته من أبيك يحدث به عن
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 190 - 191، والشافعي 2 / 126 وأبو عبيد في " الاموال " ص: (32) والبخاري (3156) في الجزية و (3157) فيه مختصرا.
وأبو داود (3043) في الخراج والامارة
والفئ: باب في أخذ الجزية من المجوس.
والترمذي (1586) في السير: باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس.
(2) البدل: هو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المصنفين من غير طريقه.
(3) (3044) في الخراج: باب الجزية.
(4) سقط من المطبوع، من قوله: " أنبأنا أبو نصر إلى قوله: الهاشمي ".
(*)

(1/70)


رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: حدثني أبي في شهر رمضان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرض الله (1) عليكم شهر رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه " (2).
هذا حديث حسن غريب.
أخرجه النسائي، عن ابن راهويه، عن النضر بن شميل.
وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود الطيالسي.
جميعا عن الحداني.
قال النسائي: الصواب حديث الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
أخبرنا محمد بن عبد السلام العصروني (3)، أنبأنا عبدالمعز بن محمد الهروي، أنبأنا تميم الجرجاني، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن النيسابوري، أنبأنا محمد بن أحمد الحيري، أنبأنا أحمد بن علي الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن كريب، عن ابن عباس قال: جلسنا مع عمر، فقال: هل
__________
(1) سقط لفظ الجلالة من الاصل.
(2) أخرجه أحمد 1 / 191، 195، والنسائي 4 / 158 في الصيام، وابن ماجه (1328) في الاقامة: باب ما جاء في قيام رمضان.
والطيالسي 1 / 181.
(3) في الاصل: " العصروي ".
ترجمة المؤلف في مشيخته فقال: " محمد بن عبد السلام بن المطهر، ابن العلامة قاضي القضاة أبي سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون الامام، المدرس، الجليل، المعمر، المسند، تاج الدين أبو عبد الله بن أبي الفضل التميمي، الحلبي، ثم الدمشقي، الشافعي.
مدرس الشافعية الصغرى.
كان خيرا، متواضعا، لطيفا، فيه عامية إلا أنه يورد درسه بحروفه إيرادا حسنا.
سمعت منه عدة أجزاء.
مولده بحلب في المحرم، سنة عشر وست مئة.
ومات في ربيع الاول سنة خمس وتسعين ".
(*)

(1/71)


سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أمر به المرء المسلم إذا سها في صلاته، كيف يصنع ؟ فقلت: لا والله، أو ما سمعت أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله في ذلك شيئا ؟ فقال: لا والله.
فبينا نحن في ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما ؟ فقال عمر: سألته، فأخبره.
فقال له عبد الرحمن: لكني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في ذلك.
فقال له عمر: فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا سها أحدكم في صلاته حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين، فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين أو الثلاث، فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والاربع، فليجعلها ثلاثا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم يسلم (1) ".
هذا حديث حسن، صححه الترمذي، ورواه عن بندار (2)، عن محمد بن خالد بن عثمة، عن إبراهيم بن سعد، فطريقنا أعلى بدرجة.
ورواه الحافظ ابن عساكر في صدر ترجمة ابن عوف وفيه: فقال: فحدثنا، فأنت عندنا العدل الرضا.
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 190، والترمذي (398) في الصلاة: باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، وابن ماجه (1029) في الاقامة: باب ما جاء فيمن شك في صلاته، والحاكم
1 / 324 - 325، وصححه ووافقه الذهبي.
ورواه أحمد 1 / 195 من طريق أخرى بلفظ: " من صلى صلاة يشك في النقصان، فليصل حتى يشك في الزيادة " وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، لكنه يتقوى بالطريق التي قبلها فيحسن.
وأخرج ابن حبان (533) من طريق عبد الله بن محمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " إذا صلى أحدكم فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا، فليصل ركعة، وليسجد سجدتين قبل السلام.
فإن كانت خامسة شفعتها سجدتان، وإن كانت رابعة.
فالسجدتان ترغيم للشيطان ".
(2) هو محمد بن بشار، وقد تحريف في المطبوع.
إلى " مقداد ".
(*)

(1/72)


فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا عدولا فبعضهم أعدل من بعض وأثبت (1).
فهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان (2) يقول: ائت بمن يشهد معك، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدثني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استحلفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر (3).
فلم يحتج علي أن يستحلف الصديق، والله أعلم.
__________
(1) سقطت من المطبوع.
(2) أخرج أحمد 4 / 393، 398، 400، 403، 410، 417، والبخاري (6245) في الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثا، ومسلم (2153) في الآداب: باب الاستئذان، وأبو داود (5180) و (5181) و (5182) و (5183) و (5184) في الادب: باب كم مرة يسلم الرجل، والترمذي (2691) في الاستئذان: باب ما جاء في الاستئذان ثلاثا.
وابن ماجه (3706) في الادب: باب الاستئذان، والدارمي 2 / 274 في الاستئذان: باب الاستئذان ثلاثا، واللفظ لمسلم، عن بسر بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الانصار، فأتانا أبو موسى فزعا - أو مذعورا - قلنا: ما شأنك ؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت
بابه، فسلمت ثلاثا فلم يرد علي، فرجعت.
فقال: ما منعك أن تأتينا ؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثا فلم يردوا علي، فرجعت.
وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ".
فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أو جعتك.
فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم.
قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم.
قال: فاذهب به.
وفي رواية أبي داود (5184): فقال عمر لابي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
(3) إسناده صحيح، أخرجه أحمد 1 / 2 / 10، وأبو داود (1521) في الصلاة: باب في الاستغفار، من طريق أبي عوانة، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة الاسدي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، قال: سمعت عليا، رضي الله عنه، يقول: كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني.
وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته.
قال: وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له، ثم قرأ هذه الآية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) وتمامها: (فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) [ آل عمران: 135 ]، وأخرجه = (*)

(1/73)


قال المدائني: ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين.
وقال الزبير: ولد الحارث بن زهرة عبدا، و عبد الله، وأمهما قيلة.
ومن ولد عبد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد.
وكذا نسبه ابن إسحاق، وابن سعد، وأسقط البخاري والفسوي (1) عبدا من نسبه، وقاله قبلهما عروة، والزهري.
وقال الهيثم الشاشي وأبو نصر الكلاباذي وغيرهما: عبد عوف بن عبد
الحارث بن زهرة.
وأم عبد الرحمن هي الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة.
قاله جماعة.
وقال أبو أحمد الحاكم: أمه صفية بنت عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
ويقال: الشفاء بنت عوف.
إبراهيم بن سعد: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان اسمي عبد عمرو، فلما أسلمت، سماني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن (2).
إبراهيم بن المنذر: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، عن سعيد بن زياد،
__________
= الترمذي (406) في الصلاة، و (3009) في التفسير: باب ومن سورة آل عمران.
وابن ماجه (1395) في الاقامة: باب ما جاء أن الصلاة كفارة، والطيالسي ص: (2)، والطبري (7853)، و (7854)، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وأخرجه (2454)، وأبو بكر المروزي رقم 9، 10، 11.
وانظر " الدر المنثور " 2 / 77.
(1) تصحفت في المطبوع إلى " النسوي ".
(2) أخرجه الحاكم 3 / 306 وصححه، ووافقه الذهبي المؤلف.
(*)

(1/74)


عن حسن بن عمر، عن سهلة بنت عاصم قالت: كان عبد الرحمن بن عوف أبيض، أعين، أهدب الاشفار، أقنى، طويل النابين الاعليين، ربما أدمى نابه شفته، له جمة أسفل من أذنيه، أعنق، ضخم الكتفين.
وروى زياد البكائي عن ابن إسحاق قال: كان ساقط الثنيتين، أهتم، أعسر، أعرج.
كان أصيب يوم أحد فهتم، وجرح عشرين جراحة، بعضها في رجله، فعرج (1).
الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة قال: وكان عبد
الرحمن رجلا طوالا، حسن الوجه، رقيق البشرة، فيه جنأ، أبيض، مشربا حمرة، لا يغير شيبه (2).
وقال ابن إسحاق: حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: كنا نسير مع عثمان في طريق مكة، إذ رأى عبد الرحمن بن عوف، فقال عثمان: ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ فضلا في الهجرتين جميعا.
روى نحوه العقدي عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، وجماعة، قالوا: أنبأنا عبد الله بن عمر، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا أبو الحسن الداوودي، أنبأنا أبو محمد بن حموية، أنبأنا إبراهيم بن خزيم، حدثنا
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 308، وفيه " إحدى وعشرون جراحة " والطبراني (261)، وانظر " الاصابة " 6 / 313، وابن هشام 2 / 83.
(2) ابن سعد 3 / 1 / 94، والحاكم 3 / 308، و " الاصابة " 6 / 313 و " الاستيعاب " 6 / 75.
والجنأ: الحدب.
(*)

(1/75)


عبد بن حميد (1)، أنبأنا يحيى بن إسحاق، حدثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آخى بينه وبين عثمان، كذا هذا، فقال: إن لي حائطين، فاختر أيهما شئت.
قال: بل دلني على السوق، إلى أن قال: فكثر ماله، حتى قدمت له سبع مئة راحلة تحمل البر والدقيق والطعام، فلما دخلت سمع لاهل المدينة رجة، فبلغ عائشة فقالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " عبد الرحمن لا يدخل الجنة إلا حبوا "، فلما بلغه قال: يا أمه ! إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل
الله (2).
أخرجه أحمد في " مسنده " عن عبد الصمد بن حسان، عن عمارة وقال حديث منكر.
قلت: وفي لفظ أحمد: فقالت سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " قد رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبوا "، فقال: إن استطعت لادخلنها قائما.
فجعلها بأقتابها (3) وأحمالها في سبيل الله.
أخبرنا جماعة، كتابة، عن أبي الفرج بن الجوزي، وأجاز لنا ابن علان وغيره، أنبأنا الكندي، قالا: أنبأنا أبو منصور القزاز، أنبأنا أبو بكر الخطيب أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا هذيل بن ميمون، عن مطرح بن يزيد، عن عبيدالله بن زحر، عن علي
__________
(1) سقط من المطبوع من قوله " أنبأنا أبو الوقت " إلى قوله " عبد بن حميد ".
(2) إسناده ضعيف لضعف عمارة بن زاذان.
وأخرجه أحمد 6 / 115 والطبراني (264)، وابن سعد 3 / 1 / 93، وصاحب الحلية 1 / 98.
والاحلاس: جمع حلس.
وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب.
(3) القتب: رحل صغير على قدر السنام.
(*)

(1/76)


ابن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذا ؟ قيل: بلال.
إلى أن قال: فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء بعد الاياس.
فقلت: عبد الرحمن ؟ فقال: بأبي وأمي يا رسول الله ! ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبدا.
قال: وما ذاك ؟ قال: من كثرة مالي أحاسب، وأمحص " (1) إسناده واه.
وأما الذي قبله فتفرد به عمارة، وفيه لين، قال أبو حاتم: يكتب
حديثه (2)، وقال ابن معين: صالح.
وقال ابن عدي: عندي لا بأس به.
قلت: لم يحتج به النسائي.
وبكل حال فلو تأخر عبد الرحمن عن رفاقه للحساب، ودخل الجنة حبوا على سبيل الاستعارة، وضرب المثل، فإن منزلته في الجنة ليست بدون منزلة
__________
(1) الحديث بتمامه أخرجه أحمد 5 / 259 والنص: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين يدي.
فقلت: ما هذا ؟ قال: بلال.
فمضيت، فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المسلمين ولم أر أحدا أقل من الاغنياء والنساء.
قيل لي: أما الاغنياء فهم ها هنا بالباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الاحمران: الذهب والحرير.
قال: ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية.
فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها.
ثم أتي بأبي بكر، رضي الله عنه، فوضع في كفة وجئ بجميع أمتي في كفة فوضعوا، فرجح أبو بكر.
وجئ بعمر فوضع في كفة، وجئ بجميع أمتي فوضعوا فرجح عمر، رضي الله عنه، وعرضت أمتي رجلا رجلا فجعلوا يمرون، فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف.
ثم جاء بعد الاياس.
فقلت: عبد الرحمن ! فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبدا إلا بعد المشيبات.
قال: وما ذاك ؟ قال: من كثرة مالي أحاسب وأمحص ".
وإسناده ضعيف لضعف علي بن يزيد الالهاني.
(2) وتمامه كما في " الميزان ": " ولا يحتج به " وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه.
وقال أحمد: له مناكير.
وقال الدار قطني: ضعيف.
وقال أبو داود: ليس بذاك.
وقول ابن عدي: " لا بأس به " أنه يصلح للمتابعة لا أن حديثه مقبول إذا تفرد به.
(*)

(1/77)


علي والزبير، رضي الله عن الكل.
ومن مناقبه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذين قيل
لهم " اعملوا ما شئتم " (1) ومن أهل هذه الآية: (لقد رضي الله عن المؤمنين، إذ يبا يعونك تحت الشجرة) [ الفتح: 18 ] وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه.
__________
(1) قطعة من حديث أخرجه أحمد 1 / 80، والبخاري (3007) في الجهاد، باب الجاسوس.
و (3081) فيه: باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة و (3983) في المغازي: باب فضل من شهد بدرا، و (4274) فيه: باب: غزوة الفتح و (4890) في التفسير: باب لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، و (6259) في الاستئذان، باب: من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره و (6939) في استتابة المرتدين، باب: ما جاء في المتأولين.
ومسلم (2494) في الفضائل: باب من فضائل أهل بدر، وأبو داود (2650) في الجهاد: باب حكم الجاسوس إذا كان مسلما، والترمذي (3302) في التفسير: باب ومن سورة الممتحنة.
ونص الحديث للبخاري " عن علي ": بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا مرثد والزبير، وكلنا فارس، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتاب.
فقالت: ما معنا كتاب.
فأنخناها.
فالتمسنا فلم نر كتابا.
فقلنا ما كذب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك.
فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته.
فانطلقنا بها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلاضرب عنقه.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، ما حملك على ما صنعت ؟ قال حاطب: والله ما بي ألا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، صدق.
ولا تقولوا له إلا خيرا.
فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين فدعني فلاضرب عنقه.
فقال: أليس من أهل بدر ؟ فقال: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة.
أو فقد غفرت لكم.
فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم ".
(*)

(1/78)


أحمد في " المسند ": حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن محمد، عن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنا مع المغيرة بن شعبة، فسئل: هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الامة غير أبي بكر ؟ فقال: نعم.
فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، توضأ، ومسح على خفيه وعمامته، وأنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، وأنا معه، ركعة من الصبح، وقضينا الركعة التي سبقنا (1).
ولحميد الطويل نحوه عن بكر بن عبد الله، عن حمزة بن المغيرة، عن أبيه (2).
إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انتهى إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي بالناس، فأراد عبد الرحمن أن يتأخر، فأومأ إليه: أن مكانك، فصلى وصلى رسول الله بصلاة عبد الرحمن (3).
__________
(1) أخرجه أحمد 4 / 249 - 250، 251، والنسائي 1 / 77 في الطهارة، باب كيف المسح على العمامة.
أخرجه مسلم (81)، في الطهارة، من طريق: بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه أبو داود (151) من طريق عيسى بن يونس، عن أبيه عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة...وأخرجه البخاري مختصرا (182) في الوضوء من طريق سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، وفي (203) و (206) و (363) و (388) و (2918) و (4421) و (5798) و (5799) مختصرا في هذه المواضع كلها، وابن ماجه (545) في الطهارة مختصرا كالبخاري أيضا.
وابن سعد 3 / 1 / 91 مطولا، والحافظ في " الاصابة " 6 / 312 والطيالسي رقم (223) و (691).
(2) أخرجه أحمد 4 / 248، وانب ماجه (1236) في الاقامة، باب: ما جاء في صلاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلف رجل من أمته.
كلاهما من طريق حميد، عن بكر بن عبد الله، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه...وإسناده صحيح.
والفسوي 1 / 398 - 399.
وأخرجه مسلم (274) (81) في الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة، من طريق
حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه.
(3) ذكره الحافظ في " المطالب العالية " (415) ونسبه إلى أبي يعلى.
(*)

(1/79)


وروى الامام أحمد في " المسند " عن الهيثم بن خارجة، عن رشدين، عن عبد الله بن الوليد، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه بنحوه (1) هشام: عن قتادة، عن الحسن، عن المغيرة بن شعبة، بمثل هذا.
ورواه زرارة بن أوفى، عن المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، وجاء عن خليد بن دعلج، عن الحسن، عن المغيرة.
والحسن مدلس لم يسمع من المغيرة.
عيسى بن يونس: عن عثمان بن عطاء، عن أبيه (2)، عن ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث عبد الرحمن بن عوف في سرية وعقد له اللواء بيده (3) عثمان ضعيف، لكن روى نحوه أبو ضمرة، عن نافع بن عبد الله، عن فروة ابن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر.
معمر: عن قتادة: (الذين يلمزون المطوعين) [ التوبة: 79 ] قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار.
فقال أناس من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء (4).
* (هاش) * (1) أخرجه أحمد 1 / 191 - 192 ونصه: " عن عبد الرحمن بن عوف، أنه كان مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذهب النبي لحاجته، فأدركهم وقت الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف، فجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، فصلى مع الناس خلفه ركعة.
فلما سلم قال: أصبتم أو أحسنتم ".
ورشدين ضعيف.
لكنه يصلح للمتابعة.
وأبو سلمة لم يسمع من أبيه.
وانظر الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 2 / 119.
وقال أحمد شاكر رحمه الله: والقصة نفسها ثابتة من حديث المغيرة بن شعبة رواها أحمد والبخاري ومسلم.
(2) " عن أبيه " سقطت من المطبوع.
(3) ابن هشام 2 / 632 والخبر هناك طويل جدا، وذكره صاحب الكنز (30290) ونسبه إلى ابن عساكر.
(4) أخرجه الطبري 10 / 195 حدثنا محمد بن عبد الاعلى، عن محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة.
وانظر " الدر المنثور " 3 / 262.
(*)

(1/80)


وقال ابن المبارك: أنبأنا معمر، عن الزهري قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمس مئة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمس مئة راحلة في سبيل الله.
وكان عامة ماله من التجارة (1).
أخرجه في " الزهد " له.
سليمان بن بنت شرحبيل: أنبأنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رياح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا ابن عوف ! إنك من الاغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفا، فأقرض الله تعالى، يطلق لك قدميك.
قال: فما أقرض يا رسول الله ؟ فأرسل إليه: أتاني جبريل فقال: مره فليضف الضيف، وليعط في النائبة، وليطعم المسكين " (2).
خالد بن الحارث وغيره: قالا: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبيه قال: رأيت الجنة، وأني دخلتها حبوا، ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء.
قلت: إسناده حسن (3)، فهو وغيره منام، والمنام له تأويل.
وقد انتفع ابن عوف رضي الله عنه بما رأى، وبما بلغه، حتى تصدق بأموال عظيمة، أطلقت
__________
(1) أخرجه الطبراني (265) وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 99 وهو في " الاصابة " 6 / 311 ونسبه
صاحب الكنز (36679) إلى ابن عساكر.
ورجاله ثقات.
لكنه منقطع بين الزهري وابن عوف (2) أخرجه الحاكم 3 / 311 وصححه، ولكن الذهبي قال: خالد ضعفه جماعة، وقال النسائي ليس بثقة، وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 99 وابن سعد 3 / 1 / 93.
ونسبه صاحب الكنز (36692) إلى ابن عدي وابن عساكر.
(3) تقدم في الصفحة (80) التعليق (1) أن أبا سلمة لم يسمع من أبيه فهو مرسل.
(*)

(1/81)


له - ولله الحمد - قدميه، وصار من ورثة الفردوس، فلا ضير.
أنبأنا ابن أبي عمر، أنبأنا حنبل، أنبأنا ابن الحصين، حدثنا ابن المذهب حدثنا أبو بكر، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الاعمش، عن شقيق قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة، فقال: يا أم المؤمنين ! إني أخشى أن أكون قد هلكت، إني من أكثر قريش مالا، بعت أرضا لي بأربعين ألف دينار.
قالت: يا بني ! أنفق، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن من أصحابي من لن يراني بعد أن أفارقه "، فأتيت عمر فأخبرته.
فأتاها، فقال: بالله ! أنا منهم ؟ قالت: اللهم لا، ولن أبرئ أحدا بعدك.
رواه أيضا أحمد، عن أبي معاوية، عن الاعمش فقال: عن شقيق، عن أم سلمة (1).
زائدة: عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان بين خالد و عبد الرحمن بن عوف شئ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " دعوا إلى أصحابي أو أصيحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه " (2).
__________
(1) أخرجه أحمد 6 / 317، و 298، 312، ورجاله ثقات.
وهو في " الاستيعاب " 6 / 79، 80.
(2) سنده حسن.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 10 / 15 ونسبه إلى البزار وقال: رجاله رجال الصحيح، غير عاصم بن أبي النجود وقد وثق.
وأخرجه مسلم (2540) وابن ماجه (161) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة...، ونقل النووي عن أبي مسعود الدمشقي، قوله: هذا وهم.
والصواب: من حديث أبي معاوية.
عن الاعمش، عن أبي صالح، عن الخدري، لا عن أبي هريرة، وكذا رواه يحيى بن يحيى وأبو كريب والناس.
(*)

(1/82)


وأما الاعمش فرواه عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري (1)، وفي الباب حديث زهير بن معاوية عن حميد، عن أنس (2).
أبو إسماعيل المؤدب، عن إسماعيل بن أبي خالد، [ عن الشعبي ] عن ابن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالدا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا خالد ! لا تؤذ رجلا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبا، لم تدرك عمله.
قال: يقعون في فأرد عليهم.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: لا تؤذوا خالدا، فإنه سيف من سيوف الله، صبه الله على الكفار " (3).
لم يروه عن المؤدب سوى الربيع بن ثعلب (4).
وقد روى نحوه جرير بن حازم، عن الحسن مرسلا.
شعبة: أنبأنا حصين، سمعت هلال بن يساف يحدث عن عبد الله بن ظالم المازني، عن سعيد بن زيد أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان على حراء ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، و عبد الرحمن بن عوف
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 27، 28 في فضائل أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ومسلم (2541)، وأبو داود (4658)، والترمذي (3860)، وأحمد 3 / 11.
(2) أخرجه أحمد 3 / 266، وذكره الهيثمي في " المجمع " 10 / 15 عن أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح.
(3) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 349، ونسبه إلى الطبراني في الصغير " و " الكبير " باختصار والبزار بنحوه، وقال: رجال الطبراني ثقات.
وأخرجه الخطيب البغدادي 12 / 150، والحاكم 3 / 298، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: رواه ابن إدريس، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي مرسلا.
وهو أشبه.
(4) وهو ثقة مترجم في " الجرح والتعديل " 3 / 456 وباقي رجال الاسناد ثقات.
(*)

(1/83)


فقال: " أثبت حراء ! فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد " (1).
وذكر سعيد أنه كان معهم.
وكذا رواه جرير، وهشيم، وأبو الاحوص، والابار، عن حصين.
وأخرجه أرباب السنن الاربعة من طريق شعبة وجماعة كذلك، ورواه ابن إدريس ووكيع، عن سفيان، عن منصور عن هلال بن يساف.
قال أبو داود: ورواه الاشجعي عن سفيان، عن منصور، فقال: عن هلال (2)، عن ابن حيان، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد، تابعه قاسم الجرمي عن سفيان، وصححه الترمذي.
وجاه عن سفيان، عن منصور وحصين، عن هلال عن سعيد نفسه.
أبو قلابة الرقاشي: حدثنا عمر بن أيوب، حدثنا محمد بن معن الغفاري، حدثنا مجمع بن يعقوب، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مجمع أن عمر قال لام كلثوم بنت عقبة، امرأة عبد الرحمن بن عوف: أقال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انكحي سيد المسلمين عبد الرحمن بن عوف ؟ قالت: نعم (3)
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 188، 189، وأبو داود (4648) في السنة: باب في الخلفاء، والترمذي (3758) في المناقب، باب: مناقب سعيد بن زيد وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه (134) في المقدمة: باب فضائل العشرة.
(2) سقط من المطبوع من قوله: " بن يساف " إلى قوله " عن هلال ".
(3) أخرجه ابن عساكر من طريق: عبد الرحمن بن حميد.
عن أبيه، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، عن بسرة بنت صفوان، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أنكحوا عبد الرحمن بن عوف، فإنه من خيار المسلمين، ومن خيارهم من كان مثله ".
وأخرجه البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 90 من طريق: إبراهيم بن حمزة، عن سليمان بن سالم، مولى عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا بسرة بنت صفوان وقال: من يخطب أم كلثوم ؟ قالت: فلان، فلان، و عبد الرحمن بن عوف قال: أنكحوا عبد الرحمن من خيار المسلمين.
فأرسلت إلى أخيها الوليد أنكحني عبد الرحمن الساعة ".
(*)

(1/84)


علي بن المديني: حدثني سفيان، عن ابن أبي نجيح أن عمر سأل أم كلثوم بنحوه.
ويروى من وجهين (1)، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أمه أم كلثوم نحوه (2) معمر: عن الزهري: حدثني عبيدالله بن عبد الله أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعطى رهطا فيهم عبد الرحمن بن عوف، فلم يعطه.
فخرج يبكي.
فلقيه عمر فقال: ما يبكيك ؟ فذكر له، وقال: أخشى أن يكون منعه موجدة وجدها علي.
فأبلغ عمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: " لكني وكلته إلى إيمانه " (3) قريش بن أنس: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " خياركم خياركم لنسائي ".
فأوصى لهن عبد الرحمن بحديقة، قومت بأربع مئة ألف (4).
قال عبد الله بن جعفر الزهري: حدثتنا أم بكر بنت المسور، أن عبد الرحمن باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسمه في فقراء بني
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " حصين ".
(2) أخرجه الحاكم 3 / 309 وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: في إسناده يعقوب بن محمد الزهري، وهو ضعيف.
(3) أخرجه عبد الرزاق (20410) وهو مرسل.
وعبيدالله بن عبد الله إن كان ابن ثعلبة فهو مجهول، وإن كان عبيدالله بن عبد الله بن أبي، أو عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، أو عبيدالله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
فكل واحد من هؤلاء ثقة وروى عنهم الزهري.
على أنه جاء في " مصنف عبد الرزاق " عبيدالله بن عبد الله بن عبيد، ولم نتبينه وذكره صاحب الكنز (36677)، ونسبه إلى ابن منده، وابن عساكر.
(4) أخرجه الحاكم 3 / 311 - 312، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الترمذي (3750) وقال: حديث حسن غريب.
وقد وقع في مطبوع الترمذي بتحقيق إبراهيم عطوة تحريفات ثلاثة قبيحة فقد جاء فيه " قيس " بدل " قريش " وبحذيقة " بدل " بحديقة " و " يبعث " بدل " بيعت ".
(*)

(1/85)


زهرة، وفي المهاجرين، وأمهات المؤمنين.
قال المسور: فأتيت عائشة بنصيبها، فقالت: من أرسل بهذا ؟ قلت: عبد الرحمن، قالت: أما إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون "، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
أخرجه أحمد في " مسنده " (1).
علي بن ثابت الجزري: عن الوازع، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: جمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نساءه في مرضه فقال: " سيحفظني فيكن الصابرون الصادقون " (2).
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الامر وقت الشورى، واختياره للامة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض
على جمع الامة على عثمان، ولو كان محابيا فيها، لاخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
ويروى عن عبد الله بن نيار الاسلمي (3)، عن أبيه قال: كان عبد الرحمن ابن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر بما سمع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) أخرجه أحمد 6 / 104، 135، وأم بكر بنت المسور مجهولة، وأخرجه الحاكم 3 / 310 - 311، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: ليس بمتصل.
(2) إسناده ضعيف لضعف الوازع وهو ابن نافع العقيلي الجزري.
قال ابن معين وأحمد: ليس بثقة.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال النسائي: متروك.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ.
(3) تحرف في المطبوع إلى " عبد الله بن دينار " وسقط منه لفط: " الاسلمي ".
(*)

(1/86)


قال يزيد بن هارون: حدثنا أبو المعلى الجزري، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أن عبد الرحمن قال لاهل الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنفصل منها ؟ قال علي: نعم.
أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إنك أمين في أهل السماء، أمين في أهل الارض " (1).
أخرجه الشاشي (2)، في " مسنده " وأبو المعلى (3) ضعيف.
ذكر مجالد، عن الشعبي أن عبد الرحمن بن عوف حج بالمسلمين في سنة ثلاث عشرة.
جويرية بن أسماء: عن مالك، عن الزهري، عن سعيد أن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس.
أي ادع إلى نفسك.
فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك ! إنه لن يلي هذا
الامر أحد بعد عمر إلا لامه الناس (4).
تابعه أبو أويس عبد الله، عن الزهري " ابن سعد: أنبأنا عبد العزيز الاويسي، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر، عن أبيها المسور قال: لما ولي عبد الرحمن بن عوف [ الشورى ]
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 95، وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 98، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 6 / 74، والحافظ في " الاصابة " 6 / 312، والحاكم 3 / 310، وصححه، وقال الذهبي: أبو المعلى هو فرات بن السائب تركوه.
ونقل في " ميزانه " قول البخاري فيه: منكر الحديث، وقول ابن معين: ليس بشئ، وقول الدار قطني وغيره: متروك.
ونسبه الحافظ في المطالب العالية (4008) إلى أحمد بن منيع، وقد ضعفه البوصيري.
(2) الشاشي: هو الهيثم بن كليب، بن شريح، بن معقل الشاشي.
محدث ما وراء النهر، ومؤلف " المسند الكبير ".
توفي سنة (335) ومسنده منه نسخة في ظاهرية دمشق.
وقد تحرف " الشاشي " في المطبوع إلى " المشاشي ".
(3) تحرفت في المطبوع إلى " يعلى ".
(4) رجاله ثقات.
وسعيد هو ابن المسيب.
(*)

(1/87)


كان أحب الناس إلي أن يليه، فإن ترك، فسعد.
فلحقني عمرو بن لعاص فقال: ما ظن خالك عبد الرحمن بالله، إن ولى هذا الامر أحدا، وهو يعلم أنه خير منه ؟ فأتيت عبد الرحمن فذكرت ذلك له.
فقال: والله لان تؤخذ مدية، فتوضع في حلقي، ثم ينفذ بها [ إلى الجانب الآخر ] أحب إلي من ذلك (1).
ابن وهب: حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه، عن جده أن عثمان اشتكى رعافا،
فدعا حمران، فقال: اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي، فكتب له، وانطلق حمران إلى عبد الرحمن، فقال: البشرى ! قال: وما ذاك ؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد (2) من بعده.
فقام بين القبر والمنبر، فدعا، فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الامر، فأمتني قبله.
فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله (3).
يعقوب بن محمد الزهري: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز، عن رجل، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثا.
مبارك بن فضالة: عن علي بن زيد، عن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد.
فمرض طلحة، فجاء عبد الرحمن يعوده، فقال طلحة:
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 94 - 95.
ورجاله ثقات.
غير أم بكر بنت المسور، فإنها لا تعرف.
(2) سقطت من المطبوع.
(3) أبو عبيد بن عبد الله، بن عبد الرحمن، بن أزهر لم نجد له ترجمة.
وأبوه لم يوثقه غير ابن حبان.
وانظر الفتح 7 / 80.
(*)

(1/88)


أنت والله يا أخي خير مني.
قال: لا تفعل (1) يا أخي، قال: بلى والله، لانك لو مرضت ما عدتك.
ضمرة بن ربيعة: عن سعد بن الحسن (2) قال: كان عبد الرحمن بن عوف لايعرف من بين عبيده.
شعيب بن أبي (3) حمزة: عن الزهري، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه (4) حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده، وجللوه.
فأقاق يكبر، فكبر أهل البيت، ثم قال
لهم، غشي علي آنفا ؟ قالوا: نعم.
قال: صدقتم ! انطلق بي في غشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الامين، فانطلقا بي حتى لقيا رجلا، قال: أين تذهبان بهذا ؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الامين.
فقال: ارجعا، فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، وإنه سيمتع به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرا (5).
__________
(1) أشار إليها هكذا الدكتور المنجد في هامش مطبوعه، غير أنه أثبت مكانها " لا تقل ".
(2) في الاصل " سعيد بن الحسين " وقد أثبت فوقه إشارة الخطأ.
وما أثبتناه هو الصواب.
فقد ترجمه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 4 / 82 فقال: سعد بن الحسن، أبو همام روى الحديث عن ليث، وزائدة، وروى عنه: ضمرة ومحمد بن يوسف الفريابي.
وقد التبس على المنجد فحرفه إلى " سعيد بن جبير ".
(3) سقطت من المطبوع لفظة " أبي ".
(4) تحرفت في المطبوع إلى " مرضه ".
(5) إسناده صحيح، وأخرجه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 1 / 367.
وأخرجه الحاكم 3 / 307 من طريق: أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، بأطول مما هنا.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 95 من طريق: محمد بن كثير العبدي، عن سليمان بن كثير، عن الزهري.
وذكره الحافظ في " المطالب العالية " (4007) ونسبه إلى أبي إسحاق.
وقال البوصيري: إسناده صحيح.
وذكره صاحب الكنز (36689) ونسبه إلى أبي نعيم، وابن عساكر.
(*)

(1/89)


رواه الزبيدي (1) وجماعة عن الزهري، ورواه سعد بن إبراهيم عن أبيه.
ابن لهيعة: عن أبي الاسود، عن عروة أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، فكان الرجل يعطى منها ألف دينار.
وعن الزهري أن عبد الرحمن أوصى للبدريين، فوجدوا مئة، فأعطى كل
واحد منهم أربع مئة دينار، فكان منهم عثمان، فأخذها.
وبإسناد آخر، عن الزهري: أن عبد الرحمن أوصى بألف فرس في سبيل الله.
قال إبراهيم بن سعد (2): عن أبيه، عن جده: سمع عليا يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف: اذهب يا ابن عوف ! فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها (3).
الرنق: الكدر.
قال سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: رأيت سعدا في جنازة عبد الرحمن ابن عوف، وهو بين يدي السرير، وهو يقول: واجبلاه ! (4).
رواه جماعة عن سعد.
معمر: عن ثابت، عن أنس قال: رأيت عبد الرحمن بن عوف، قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف.
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " الترمذي " والزبيدي: هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، الحمصي، القاضي.
ثقة، ثبت من كبار أصحاب الزهري.
(2) " إبراهيم بن سعد " تحرف في المطبوع إلى " سعد بن إبراهيم ".
وأبوه هو سعد بن إبراهيم، وجده هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
(3) إسناده صحيح.
وأخرجه الطبراني (263) في " الكبير ".
وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 100، وابن سعد 3 / 1 / 96.
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 96 والحاكم 3 / 308.
وقد زيدت في " المستدرك " خطأ لفظة " عن جده وكذلك عند الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 1 / 213 وبدون زيادة هذه اللفظة " عن جده " 1 / 222.
(*)

(1/90)


وروى هشام عن ابن سيرين قال: اقتسمن ثمنهن (1) ثلاث مئة ألف وعشرين ألفا.
وروى نحوه ليث بن أبي مسلم، عن مجاهد، وقد استوفى صاحب تاريخ دمشق أخبار عبد الرحمن في أربعة كراريس.
ولما هاجر إلى المدينة كان فقيرا لا شئ له، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء، فعرض عليه أن يشاطره نعمته، وأن يطلق له أحسن زوجتيه، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق.
فذهب، فباع واشترى، وربح، ثم لم ينشب أن صار معه دراهم، فتزوج امرأة على زنة نواة من ذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأى عليه أثرا من صفرة: " أو لم ولو بشاة " ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل (2).
__________
(1) وقد تحرفت في المطبوع إلى " منهن ".
وهو ثمن الزوجات من الميراث.
(2) أخرج البخاري (2048) في البيوع: باب قوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة)، و (3780) في مناقب الانصار: باب إخاء النبي بين المهاجرين والانصار، من طريق عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن جده قال: قال عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه: " لما قدمنا المدينة آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيني وبين سعد بن الربيع.
فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الانصار مالا، فأقسم لك نصف مالي.
وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها.
قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك.
هل من سوق فيه تجارة ؟ قال: سوق قينقاع.
قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن.
قال: ثم تابع الغدو.
فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تزوجت ؟ قال: نعم.
قال: ومن ؟ قال: امرأة من الانصار.
قال: كم سقت ؟ قال: زنة نواة من ذهب - أو نواة من ذهب - فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة ".
وانظر البخاري أيضا (3781) و (2049) و (2292) و (3937) و (5072) و (5148) و (5153) و (5155) و (5167) و (6072) و (6386).
وأخرجه ابن ماجه (1907) في النكاح مختصرا،
والدارمي 2 / 104 في الاطعمة، و 2 / 143 في النكاح، وابن سعد 3 / 1 / 88، 89.
(*)

(1/91)


أرخ المدائني، والهيثم بن عدي (1)، وجماعة وفاته في سنة اثنتين وثلاثين، وقال المدائني: ودفن بالبقيع، وقال يعقوب بن المغيرة: عاش خمسا وسبعين سنة (2).
قال أبو عمر بن عبد البر: كان مجدودا في التجارة.
خلف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس.
وكان يزرع بالجرف (3) على عشرين ناضحا.
قلت: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.
حسين الجعفي: عن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف بيت (4).

5 - سعد بن أبي وقاص * (ع) واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي.
__________
(1) في الاصل " علي " وهو خطأ.
والهيثم بن عدي هذا أخباري، راوية، له تآليف كثيرة.
ترجمه ياقوت في " معجم الادباء " 19 / 304 - 310.
(2) الحاكم 3 / 308.
(3) موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
(4) هو في " حلية الاولياء " 1 / 99 وفيه " نبت " بدل " بيت " وهو تحريف.
(*) مسند أحمد: 1 / 168 - 187، فتوح البلدان: 315، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 97 - 105، نسب قريش: 94، 251، 263، 269، 393، 421، طبقات خليفة: 15، 126، تاريخ خليفة: 223، التاريخ الكبير: 4 / 43، التاريخ الصغير: 1 / 99 - 101، المعارف: 241 - 244،
مشاهير علماء الامصار: ت: 10، حلية الاولياء: 1 / 92 - 95، الاستيعاب: 4 / 170 - 177، تاريخ بغداد: 1 / 144 - 146، تاريخ ابن عساكر: 7 / 66 / 2، جامع الاصول: 9 / 10 - 18، أسد الغابة: = (*)

(1/92)


الامير أبو إسحاق القرشي الزهري المكي.
أحد العشرة، وأحد السابقين الاولين، وأحد من شهد بدرا والحديبية، وأحد الستة أهل الشورى.
روى جملة صالحة من الحديث، وله في " الصحيحين " خمسة عشر حديثا، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بثمانية عشر حديثا.
حدث عنه ابن عمر، وعائشة، وابن عباس، والسائب بن يزيد، وبنوه: عامر، وعمر، ومحمد (1)، ومصعب، وإبراهيم، وعائشة، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعمرو بن ميمون، والاحنف بن قيس، وعلقمة بن قيس، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومجاهد، وشريح بن عبيد الحمصي، وأيمن المكي، وبشر بن سعيد، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو صالح ذكوان، وعروة بن الزبير، وخلق سواهم.
أخبرنا محمد بن عبد السلام بن المطهر التميمي، أنبأنا عبدالمعز (2) بن محمد، في كتابه، أنبأنا تميم بن أبي سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أنبأنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة، عن أبي عون: سمعت جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد: قد
__________
= 2 / 366 - 370، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 213 - 214، تهذيب الكمال: 478، دول الاسلام: 1 / 40، تاريخ الاسلام: 2 / 281، العبر: 1 / 60، نكت الهميان: 155، مجمع الزوائد: 9 / 153 - 160، العقد الثمين: 4 / 537 - 547، طبقات القراء: 1 / 304، تهذيب التهذيب: 3 / 483، الاصابة: 4 / 160 - 164، النجوم الزاهرة: 1 / 147، تاريخ الخلفاء: 250، خلاصة تذهيب الكمال: 135، كنز العمال: 13 / 212 - 213، شذرات الذهب: 1 / 61، تهذيب تاريخ ابن
عساكر: 6 / 95 - 110.
(1) سقط من المطبوع " ومحمد ".
(2) تصحفت في المطبوع إلى " العزيز ".
(*)

(1/93)


شكوك في كل شئ حتى في الصلاة.
قال: أما أنا، فإني أمد (1) في الاوليين وأحذف في الاخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ذاك الظن بك، أو كذاك الظن بك (2).
أبو عون الثقفي.
هو محمد بن عبيدالله، متفق عليه.
وبه إلى أبي يعلى، حدثنا زهير، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي، عن أبيه قال: مررت بعثمان في المسجد، فسلمت عليه، فملا عينيه [ مني ] (3) ثم لم يرد علي السلام.
فأتيت عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين ! هل حدث في الاسلام شئ ؟ قال: وما ذاك ؟ قلت: إني مررت بعثمان آنفا، فسلمت، فلم يرد علي.
فأرسل عمر إلى عثمان، فأتاه، فقال: ما يمنعك أن تكون رددت على أخيك السلام ؟ قال: ما فعلت.
قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، ثم إنه ذكر فقال: بلى، فأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والله ما ذكرتها قط إلا يغشى بصري وقلبي غشاوة.
فقال سعد: فأنا أنبئك بها.
إن رسول الله، ذكر لنا أول (4) دعوة، ثم جاءه أعرابي فشغله، ثم قام رسول الله، فاتبعته، فلما
__________
(1) في الاصل " أمر " وهو خطأ.
(2) أخرجه أحمد 1 / 175، والبخاري (770) في الاذان: باب يطول في الاوليين، ويحذف في الاخريين، ومسلم (453) في الصلاة، باب: تخفيف الاخريين.
والنسائي 2 / 174 في الافتتاح:
باب الركود في الركعتين الاوليين.
كلهم من طريق: شعبة، عن أبي عون، عن جابر.
وأخرجه البخاري (758)، ومسلم (453) (159)، وأحمد 1 / 176، 179، 180، والطبراني برقم (290) من طرق عن جابر.
(3) سقطت من الاصل.
واستدركت من " المسند ".
(4) في الاصل " لها أهل " والتصويب من " المسند ".
(*)

(1/94)


أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي الارض، فالتفت إلي، فالتفت، فقال: أبو إسحاق ؟ قلت: نعم يا رسول الله.
قال: فمه ؟ قلت لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الاعرابي.
فقال: نعم، دعوة ذي النون: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) [ الانبياء: 87 ] فإنها لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له (1).
أخرجه الترمذي من طريق الفريابي، عن يونس.
ابن وهب: حدثني أسامة بن زيد الليثي، حدثني ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور قال: خرجت مع أبي، وسعد، و عبد الرحمن بن الاسود ابن عبد يغوث عام أذرح.
فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بسرغ خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان، فصام المسور و عبد الرحمن، وأفطر سعد وأبى أن يصوم، فقلت له: يا أبا إسحاق ! أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت بدرا، وأنت تفطر وهما صائمان ؟ قال: أنا أفقه منهما (2).
ابن جريج: حدثني زكريا بن عمرو (3) أن سعد بن أبي وقاص وفد على
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 170، والترمذي (3500) في الدعوات: باب دعوة ذي النون في بطن الحوت.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 7 / 68، ونسبه إلى أحمد، وقال: ورجاله رجال الصحيح، غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة.
وصححه الحاكم 2 / 382 ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا، وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 4 / 334 وزاد نسبته للنسائي والحكيم الترمذي في " نوادر الاصول "، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبزار، وابن مردويه، والبيهقي في " الشعب ".
وانظر ابن كثير 4 / 580 - 589.
(2) إسناده حسن، وأخرجه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 1 / 369 - 370.
وذكره ابن حزم في " المحلى " 6 / 248.
(3) كذا الاصل " عمرو " بواو.
وفي " التاريخ الكبير " 3 / 450 و " الجرح والتعديل " 3 / 598، و " مصنف عبد الرزاق ": " عمر " بدونها.
(*)

(1/95)


معاوية، فأقام عنده شهرا يقصر الصلاة، وجاء شهر رمضان، فأفطره (1) منقطع.
شعبة وغيره: عن حبيب بن أبي ثابت سمعت عبد الرحمن بن المسور قال: كنا في قرية من قرى الشام يقال لها عمان، ويصلي سعد ركعتين، فسألناه، فقال: إنا نحن أعلم (2).
ابن عيينة، عن عمرو قال: شهد سعد وابن عمر الحكمين.
ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن سعد: قلت: يا رسول الله من أنا ؟ قال: سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير هذا، فعليه لعنة الله (3).
قال ابن سعد: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (4).
قال ابن مندة: أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة.
وكان قصيرا، دحداحا،
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق (4351) وزكريا بن عمر له يوثقه غير ابن حبان، وهو لم يدرك سعدا.
فالخبر منقطع كما قال المؤلف.
(2) أخرجه عبد الرزاق (4350) عن الثوري عن حبيب...، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1 / 244 من طريق: شعبة، عن حبيب، ورجاله ثقات.
(3) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.
وأخرجه الطبراني في " الكبير " (289)، والحاكم 3 / 495.
والفسوي 3 / 166، وابن سعد 3 / 1 / 97 من طريق علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب.
وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 153 وقال: رواه الطبراني، والبزار مسندا ومرسلا.
ورجال المسند وثقوا.
(4) " الطبقات لابن سعد " 3 / 1 / 97، والحاكم 3 / 495، وفي " الاصابة " 4 / 160 وفيه " أمه حمزة " وهو خطأ.
(*)

(1/96)


شثن الاصابع، غليظا، ذا هامة.
توفي بالعقيق في قصره، على سبعة أميال من المدينة.
وحمل إليها سنة خمس وخمسين.
الواقدي: عن بكير بن مسمار (1) عن عائشة بنت سعد قالت: كان أبي رجلا قصيرا، دحداحا، غليظا، ذا هامة، شثن الاصابع، أشعر، يخضب بالسواد (2).
وعن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: كان سعد جعد الشعر، أشعر الجسد، آدم، أفطس، طويلا (3).
يعقوب بن محمد الزهري: أنبأنا إسحاق بن جعفر، و عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر بن المسور، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن أبي وقاص عن بدر، استصغره، فبكى عمير، فأجازه، فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدرا وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي (4).
جماعة: عن هاشم بن هاشم، عن سعيد بن المسيب، سمعت سعدا
__________
(1) سقط من المطبوع " عن بكير بن مسمار ".
(2) ابن سعد 3 / 1 / 101 والحاكم 3 / 496، والطبراني في " الكبير " برقم (294).
(3) أخرجه الطبراني في " الكبير " (293) وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 153 وقال: وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك.
(4) إسناده محتمل للتحسين.
يعقوب بن محمد الزهري صدوق، وما رواه عن الثقات مقبول كما قال ابن معين.
وهذا رواه عن ثقة وعن ضعيف.
فإسحاق بن جعفر صدوق، و عبد العزيز بن، عمران متروك كما تقدم، وباقي رجال السند ثقات.
(*)

(1/97)


يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت، ولقد مكثت سبع ليال وإني لثلث الاسلام (1).
وقال يوسف بن الماجشون: سمعت عائشة بنت سعد تقول: مكث أبي يوما إلى الليل وإنه لثلث الاسلام.
إسماعيل بن أبي (2) خالد: عن قيس قال: قال سعد بن مالك: ما جمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه لاحمد قبلي.
ولقد رأيته ليقول لي: يا سعد ارم فداك أبي وأمي ! وإني لاول المسلمين رمى المشركين بسهم.
ولقد رأيتني مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الاسلام، لقد خبت إذن وضل سعيي (3).
متفق عليه، رواه جماعة عن إسماعيل.
وروى المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن: أول من رمى بسهم في
__________
(1) أخرجه البخاري (3726) و (3727) في الفضائل: باب مناقب سعد، و (3858) في مناقب الانصار: باب إسلام سعد، وابن ماجه (132) في المقدمة: باب فضل سعد.
واستدركه
الحاكم 3 / 498 فأخطأ، وأبو نعيم في " حلية الاولياء " 1 / 92 والطبراني في " الكبير " (298) و (313) وابن سعد في " الطبقات " 3 / 1 / 98.
(2) سقطت من المطبوع لفظة " أبي ".
(3) أخرجه أحمد 1 / 174، 181، 186، والبخاري (3728) في الفضائل: باب مناقب سعد.
و (5412) في الاطعمة مختصرا: باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون.
و (6453) في الرقاق: باب كيف كان عيش النبي وأصحابه.
ومسلم (2966) في الزهد، في صدره، والترمذي (2367) في الزهد: باب ما جاء في معيشة النبي، و (2366) فيهما من طريق اخرى، وابن سعد 3 / 1 / 39، وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 92.
(*)

(1/98)


سبيل الله، سعد، وإنه من أخوال النبي، صلى الله عليه وسلم، (1).
حاتم بن إسماعيل: عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جمع له أبويه.
قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين.
فقال رسول الله: " ارم فداك أبي وأمي " فنزعت بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جبهته، فوقع وانكشفت عورته، فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه (2).
عبد الله بن مصعب: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قتل سعد يوم أحد بسهم رمي به، فقتل، فرد عليهم فرموا به، فأخذه سعد، فرمى به الثانية، فقتل، فرد عليهم، فرمى به الثالثة، فقتل، فعجب الناس مما فعل، إسناده منقطع.
ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد أنه رمى يوم أحد، قال: فلقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبي وأمي " حتى إنه ليناولني السهم ما له من نصل، فأرمي به (3).
__________
(1) المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، اختلط قبل موته.
والقاسم هو ابن عبد الرحمن بن مسعود ثقة.
ومعنى الشطر الاول ثابت في الحديث المتقدم.
وأما قوله: إنه خال النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الحاكم في " المستدرك " 3 / 498 من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسا عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فأقبل سعد بن أبي وقاص، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " هذا خالي فليرني امرؤ خاله " وصححه، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الترمذي في جامعه (3753) وحسنه، وقال: كان سعد من بني زهرة، وكانت أم النبي، صلى الله عليه وسلم، من بني زهرة، فلذلك قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " هذا خالي ".
(2) أخرجه مسلم (2412) في الفضائل: باب مناقب سعد، وانظر ما بعده أيضا، والطبراني (315) في " الكبير ".
(3) بعض آل سعد مجهول، وباقي رجاله ثقات.
وانظر ابن هشام 2 / 82.
(*)

(1/99)


قال ابن المسيب: كان جيد الرمي، سمعته يقول: جمع لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه يوم أحد (1).
أخرجه البخاري.
وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من (2) بضعة عشر وجها.
وساق حديث ابن أبي خالد عن قيس من سبعة عشر طريقا بألفاظها، وبمثل هذا كبر تاريخه.
وساق حديث عبد الله بن شداد عن علي: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لاحد غير سعد، من ستة عشر وجها.
رواه مسعر وشعبة وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عنه.
ابن عيينة: عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: قال علي: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يجمع أبويه لاحد غير سعد (3).
تفرد به ابن عيينة، وقد رواه شعبة وزائدة، وغيرهما عن يحيى بن سعيد، عن سعد، وهو أصح.
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 174، 180.
والبخاري (3725) في الفضائل، و (4055) و (4056) و (4057) في المغازي: باب إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
وابن ماجه (130) في المقدمة: باب: فضل سعد.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " عن ".
(3) أخرجه الترمذي (3753) من طريق: الحسن بن الصباح، عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي.
وقال: هذا حديث حسن.
وأخرجه أحمد 1 / 180 والبخاري (4056) و (4057) في المغازي: باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، ومسلم (2412) في الفضائل، والترمذي (3754)، وابن ماجه (130) في المقدمة، كلهم من طريق: يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه أحمد 1 / 92، 124، 136، 137، والبخاري (2905) و (4058) و (4059) و (6184)، ومسلم (2411) في الفضائل، والترمذي (3755)، وابن ماجه (129) من طريق: ابن شداد، عن علي، رضي الله عنه.
(*)

(1/100)


ابن زنجويه: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر (1)، عن أيوب، عن عائشة بنت سعد، سمعتها (2) تقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله يوم أحد بالابوين.
الاعمش: عن إبراهيم، قال عبد الله بن مسعود: لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال (3).
رواه بعضهم عن الاعمش فقال: عن إبراهيم، عن علقمة.
يونس بن بكير: عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ، وهو من جانب الجحفة.
فانكفأ المشركون على المسلمين،
فحماهم سعد يومئذ بسهامه، فكان هذا أول قتال في الاسلام، فقال سعد: ألا هل اتى رسول الله أني * حميت صحابتي بصدور نبلي فما يعتد رام في عدو * بسهم يا رسول الله قبلي (4).
وفي البخاري لمروان بن معاوية: أخبرني هاشم بن هاشم، سمعت سعيد ابن المسيب، سمعت سعدا يقول: نثل لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كنانته يوم أحد وقال: " ارم ! فداك أبي وأمي " (5).
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " عمر ".
(2) تصحفت في المطبوع إلى " سمعت ".
ورجال السند ثقات.
(3) الخبر في " طبقات ابن سعد " 3 / 1 / 100.
(4) عند ابن هشام 1 / 594 - 595 والابيات عنده ستة.
وأخرج الحاكم الابيات 3 / 498 عن عائشة بنت سعد.
وفي " الاصابة " 4 / 164 وابن سعد في " الطبقات " 3 / 1 / 100.
(5) أخرجه البخاري (4055) في المغازي، باب: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.
وابن سعد 3 / 1 / 100 ونثل الكنانة: نفضها واستخرج ما فيها من النبل.
والكنانة: جعبة السهام.
(*)

(1/101)


أنبأنا به أحمد بن سلامة، عن ابن كليب، أنبأنا ابن بيان، أنبأنا ابن مخلد، أخبرنا إسماعيل الصفار، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان فذكره.
القعنبي وخالد بن مخلد قالا: حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عائشة قالت: أرق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة.
قالت: فسمعنا صوت السلاح، فقال رسول الله: من هذا ؟ قال سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله جئت أحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمعت غطيطه (1).
أبو بكر الحنفي عبد الكبير: حدثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد أن أباه سعدا، كان في غنم له، فجاء ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الركب، فلما انتهى إليه، قال: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة، فضرب صدر عمر، وقال: اسكت، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول (2): " إن الله عزوجل يحب العبد التقي الغني الخفي " (3).
روح والانصاري، واللفظ له: أنبأنا ابن عون، عن محمد بن محمد بن الاسود، عن عامر بن سعد قال: قال سعد: لقد رأيت رسول الله،
__________
(1) أخرجه البخاري (2885) في الجهاد، باب: الحراسة في الغزو، (7231) في التمني: باب: قوله صلى الله عليه وسلم: ليت كذا وكذا.
ومسلم (2410) في الفضائل: باب فضائل سعد.
والترمذي (3757) في المناقب: باب مناقب سعد، والحاكم 3 / 501.
(2) سقطت لفظة " يقول " من المطبوع.
(3) أخرجه أحمد 1 / 168، ومسلم (2965) في الزهد، في أوله، وأبو نعيم في حلية الاولياء 1 / 94.
(*)

(1/102)


صلى الله عليه وسلم، ضحك يوم الخندق، حتى بدت نواجذه.
كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، فجعل يقول كذا يحوي بالترس، ويغطي جبهته.
فنزع له سعد بسهم، فلما رفع رأسه، رماه فلم، يخط هذه منه، يعني جبهته، فانقلب، وأشال برجله، فضحك رسول الله من فعله، حتى بدت نواجذه (1).
يحيى القطان وجماعة: عن صدقة بن المثنى، حدثني جدي رياح بن الحارث، أن المغيرة كان في المسجد الاكبر، وعنده أهل الكوفة، [ فجاء رجل من أهل الكوفة ] فاستقبل المغيرة، فسب، وسب، فقال سعيد بن زيد:
من يسب هذا يا مغيرة ؟ قال: يسب علي بن أبي طالب، قال: يا مغير بن شعيب، يا مغير بن شعيب ! ألا تسمع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسبون عندك، ولا تنكر ولا تغير ؟ فأنا أشهد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بما سمعت أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لم أكن أروي عنه كذبا، إنه قال: " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، و عبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة "، وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئت أن أسميه لسميته، فضج أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله ! من التاسع ؟ قال: ناشد تموني بالله والله عظيم، أنا هو، والعاشر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والله لمشهد شهده رجل مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر ما عمر نوح (2).
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 186 وسنده حسن وفي الشواهد.
وانظر الصفحة (99) تعليق رقم (2).
(2) إسناده صحيح.
وأخرجه أحمد 1 / 187، وأبو داود (4650) في السنة: باب في الخلفاء، وابن ماجه (133) في المقدمة مختصرا.
وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 95 - 96.
وفي المسند " يا مغير ابن شعب " وفي " الحلية " يا مغيرة بن شعبة.
(*)

(1/103)


أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق صدقة.
شعبة: عن الحر: سمعت رجلا يقال [ له ] عبد الرحمن بن الاخنس قال: خطب المغيرة بن شعبة فنال من علي، فقام سعيد بن زيد فقال: ما تريد إلى هذا.
أشهد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقال: " عشرة في الجنة: رسول الله في الجنة، وأبو بكر في الجنة " الحديث (1).
الحر هو ابن الصياح.
عبد الواحد بن زياد: عن الحسن بن عبيدالله، حدثنا الحر، بنحوه.
ابن أبي فديك: حدثنا موسى بن يعقوب.
عن عمر بن سعيد بن سريج (2)، أن عبد الرحمن بن حميد حدثه، عن أبيه حميد بن عبد الرحمن، حدثني سعيد بن زيد في نفر، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وسمى فيهم أبا عبيدة (3).
__________
(1) رجاله ثقات، إلا عبد الرحمن بن الاخنس لم يوثقه غير ابن حبان.
وهو في " المسند " 1 / 188.
وأخرجه أبو داود (4649) في السنة: باب في الخلفاء.
وانظر الحديث (4) في الصفحة التالية.
وانظر ما قبله أيضا.
(2) ترجمه المؤلف في " الميزان " 3 / 200 ولينه.
وسريج بالسين والجيم كما ضبطه ابن ماكولا، وابن حجر، وقد تحرف في الاصل إلى " جريج " وعند الحاكم 3 / 440 وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " إلى " شريح " وعند ابن حبان في الضعفاء 1 / 109 - 110 إلى " سريح ".
(3) أخرجه الحاكم 3 / 440 من طريق: ابن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب عن عمر بن سعيد بن سريج وكلاهما ضعيف، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه حميد، عن سعيد بن زيد.
وأخرجه الترمذي (3748) من طريق: موسى بن يعقوب، عن عمر بن سعيد، ولم ينسبه إلى جده.
وهو عمر بن سعيد بن أبي حسين الكوفي، النوفلي وهو ثقة، من رجال الشيخين والترمذي والنسائي، وابن ماجه.
وأخرجه أحمد 1 / 193، والترمذي (3747) من طريق: قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف.
وهذا سند رجاله ثقات.
(*)

(1/104)


ابن عيينة: عن سعير بن الخمس (1)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر: قال رسول الله: " عشرة من قريش في الجنة، أبو بكر، ثم سمى العشرة (2).
أخبرنا ابن أبي عمر وجماعة، إذنا، قالوا: أنبأنا حنبل، أنبأنا هبة الله، أنبأنا ابن المذهب، حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد (3) بن جعفر حدثنا شعبة، عن حصين، عن هلال ابن يساف، عن عبد الله بن ظالم قال: خطب المغيرة فنال من علي.
فخرج سعيد بن زيد فقال: ألا تعجب من هذا يسب عليا، أشهد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنا كنا على حراء أو أحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " اثبت حراء أو أحد ! فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد " فسمى النبي، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وطلحة، والزبير، وسعدا، و عبد الرحمن،.
وسمى سعيد نفسه، رضوان الله عليهم (4).
وله طرق.
ومنها: عاصم بن علي: حدثنا محمد بن طلحة، عن أبيه، عن هلال بن
__________
(1) تصحف في المطبوع إلى " سعد بن الحسن ".
(2) ذكره صاحب الكنز برقم (33137) ونسبه إلى الطبراني، وابن عساكر.
(3) تحرف في المطبوع إلى " حمد ".
(4) إسناده حسن.
و عبد الله بن ظالم المزني وثقة ابن حبان وروى عنه غير واحد، وباقي رجاله ثقات.
والحديث صحيح بطرقه، فقد أخرجه أحمد 1 / 188، 189، وأبو داود (4648) في السنة: باب في الخلفاء، والترمذي (3728) في المناقب: باب مناقب سعيد بن زيد.
وابن ماجه (134) في المقدمة: باب فضائل العشرة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم 3 / 450، وأخرجه الطبراني (356) من طريق محمد بن بكير الحضرمي، عن ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع القرشي عن أبي الطفيل، عن سعيد بن زيد، وقد تقدم تخريج حديث أبي هريرة في الصفحة (53) تعليق رقم (3) فارجع إليه.
(*)

(1/105)


يساف، عن سعيد نفسه، وقال: " اسكن حراء ".
أخبرنا ابن أبي الخير، أنبأنا عبد الغني الحافظ، في كتابه إلينا، أنبأنا المبارك بن المبارك السمسار، أنبأنا النعالي، أنبأنا أبو القاسم بن المنذر، أنبأنا إسماعيل الصفار، حدثنا الدقيقي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن حزم قال: جاءت أروى بنت أويس إلى محمد بن عمرو بن حزم فقالت: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بنى ضفيرة (1) في حقي، فائته، فكلمه، فوالله لئن لم يفعل، لاصيحن به في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله ! ما كان ليظلمك، ما كان ليأخذ لك حقا.
فخرجت، فجاءت عمارة بن عمرو و عبد الله ابن سلمة، فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه قد ظلمني، وبنى ضفيرة في حقي، فوالله لئن لم ينزع، لاصيحن به في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتى بكما ؟ قالا: جاء بنا أروى، زعمت أنك بنيت ضفيرة في حقها، وحلفت بالله لئن لم تنزع لتصيحن بك في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببنا أن نأتيك، ونذكرك بذلك.
فقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول " من أخذ شبرا من الارض بغير حق، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " لتأتين، فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي، فلا تمتها حتى تعمي بصرها، وتجعل منيتها فيها.
ارجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت، فهدمت الضفيرة، وبنت بيتا، فلم تمكث إلا قليلا حتى
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " صغيرة " في المواطن الاربعة.
والضفيرة: هي الحائط يبنى في وجه الماء.
(*)

(1/106)


عميت، وكانت تقوم من الليل، ومعها جارية تقودها، فقامت ليلة، ولم توقظ الجارية، فسقطت في البئر، فماتت (1).
هذا يؤخر إلى ترجمة سعيد بن زيد (2).
أحمد في " مسنده " حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد قال: رأيت رجلين عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويساره يوم أحد، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه كأشد (3) القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد (4).
الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: اشتركت أنا، وسعد، وعمار، يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء
__________
(1) هو في تاريخ ابن عساكر.
وأخرجه مسلم (1610) (139) من طريق: أبي الربيع العتكي، عن حماد بن زيد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد، أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم.
فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ؟ قال: وما سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: من أخذ شبرا من الارض ظلما طوقه إلى سبع أرضين.
فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا.
فقال: اللهم إن كانت كاذبة، فعم بصرها، واقتلها في أرضها قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها.
ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت ".
وأخرجه عبد الرزاق (19755) من طريق: معمر عن هشام...، وفيه: ثم جاء السيل بعد ذلك فكسح الارض فخرجت الاعلام كما قال سعيد.
وهو في الطبراني (342) بمعناه.
وأخرج المرفوع منه أحمد 1 / 188، 189، 190 والبخاري (3198) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين.
و (2452)، ومسلم (1610).
(2) لانه لا علاقة له بترجمة سعد.
(3) هي في الاصل " كأشد " تحرفت في المطبوع إلى " كلما شد ".
(4) أخرجه أحمد 1 / 171، 177، وأخرجه البخاري 7 / 276 في المغازي، باب: قوله تعالى: (إذ همت طائفتان) وفي اللباس: باب الثياب البيض، ومسلم (2306) في الفضائل: باب قتال
جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
(*)

(1/107)


سعد (1) بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشئ (2).
شريك: عن أبي إسحاق قال: أشد الصحابة أربعة: عمر، وعلي، والزبير، وسعد (3).
أبو يعلى في " مسنده " حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الله بن قيس الرقاشي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة " فطلع سعد بن أبي وقاص (4).
رشدين بن سعد (5): عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن عبد الله بن عمرو أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة " فدخل سعد بن أبي وقاص (6).
__________
(1) سقط " سعد " من المطبوع.
(2) رجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فهو منقطع.
وأخرجه أبو داود (3388) في البيوع: باب في الشركة على غير رأسمال، والنسائي 7 / 57: باب شركة الابدان، و (319): باب الشركة بغير مال.
وابن ماجه (2288) في التجارات: باب الشركة والمضاربة، من طرق عن سفيان، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله، والطبراني (297) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به.
(3) " الاصابة ": 4 / 163.
(4) عبد الله بن قيس الرقاشي، قال العقيلي في " الضعفاء ": عبد الله بن قيس الرقاشي، عن أيوب حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به ثم أورد حديثه هذا...، وأخرجه الحاكم 3 / 499 من طريق الخصيب بن ناصح، عن عبدة بن نائل، عن عائشة، عن أبيها سعد،
وصححه، ووافقه الذهبي.
(5) سقطت لفظة " رشدين " من المطبوع.
(6) إسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد.
قال ابن يونس: كان صالحا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث.
وذكره صاحب الكنز (37112) ونسبه إلى ابن عدي، وابن عساكر.
(*)

(1/108)


ابن وهب: أخبرني حيوة، أخبرنا عقيل، عن ابن شهاب، حدثني من لا أتهم، عن أنس قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " فاطلع (1) سعد (2).
الثوري، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) [ الانعام: 52 ] قال: نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم (3).
مسلمة بن علقمة: حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي عثمان أن سعدا قال: نزلت هذه الاية في (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) [ العنكبوت: 8 ] قال: كنت برا بأمي، فلما أسلمت، قالت: يا سعد ! ما هذا الدين الذي قد أحدثت ؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت، فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشئ، فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة، وأصبحت وقد جهدت، فلما رأيت ذلك، قلت: يا أمه ! تعلمين والله لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني.
إن شئت فكلي أو لا تأكلي.
__________
(1) يقال: أطلع رأسه إذا أشرف على شئ.
وكذلك اطلع.
(2) ذكره صاحب الكنز (37116) ونسبه إلى ابن عساكر، وقال: ورجاله رجال الصحيح، إلا أن ابن شهاب قال: حدثني من لا أتهم، عن أنس...(3) أخرجه مسلم (2413) في الفضائل، باب: فضائل سعد.
وابن ماجه (4128) في الزهد، باب: مجالسة الفقراء.
والواحدي ص: 162.
ونسبه السيوطي في " الدر المنثور " 3 / 13 إلى الفريابي، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، وأبي نعيم، والبيهقي في " الدلائل "، وانظر ابن كثير في تفسيره 3 / 27.

(1/109)


فلما رأت ذلك، أكلت (1).
رواه أبو يعلى في " مسنده ".
مجالد: عن الشعبي، عن جابر قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل سعد ابن مالك فقال رسول الله: " هذا خالي، فليرني امرؤ خاله " (2).
قلت: لان أم النبي صلى الله عليه وسلم زهرية، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، ابنة عم أبي وقاص.
يحيى القطان (3): عن الجعد بن أوس، حدثتني عائشة بنت سعد قالت: قال سعد: اشتكيت بمكة، فدخل علي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودني، فمسح وجهي وصدري وبطني، وقال: " اللهم اشف سعدا " فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده، صلى الله عليه وسلم، على كبدي حتى الساعة (4).
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 181 - 182، ومسلم (1748) في الجهاد، باب: الانفال مختصرا ومطولا.
وفي الفضائل، باب: فضائل سعد بن أبي وقاص، والترمذي (3188) كلهم من طريق: سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد...وأخرجه، مختصرا، أبو داود (3740) في الجهاد، باب في النفل، والترمذي (3080) في التفسير: باب ومن سورة الانفال، وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 5 / 141 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(2) أخرجه الترمذي (3753) في المناقب: باب مناقب سعد، والطبراني في " الكبير " برقم
(323)، وابن سعد 3 / 1 / 97 من طريق مجالد، عن الشعبي عن جابر.
وصححه الحاكم 3 / 498 من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن جابر، ووافقه الذهبي.
وقد تقدم تخريجه.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " البطان ".
(4) الجعد بن أوس هو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس، وينسب إلى جده وقد يصغر.
وهو في " المسند " 1 / 171 من طريق يحيى بن سعيد، عن الجعد بن أوس بن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد.
وأخرجه البخاري (5659) في المرضى: باب وضع اليد على المريض، من طريق: بكير = (*)

(1/110)


أخرجه البخاري والنسائي.
أحمد في " مسنده ": حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني على بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكرنا، ورققنا.
فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء.
فقال: يا ليتني مت ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، " يا سعد أتتمنى الموت عندي ؟ فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: " يا سعد ! إن كنت خلقت للجنة، فما طال عمرك أو حسن من عملك، فهو خير لك " (1).
محمد بن الوليد البسري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، عن قيس أخبرني سعد أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " اللهم استجب لسعد إذا دعاك " (2).
رواه جعفر بن عون، عن إسماعيل، عن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
__________
= ابن إبراهيم، أخبرنا الجعيد، عن عائشة بنت سعد، أن أباها قال: تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءني النبي، صلى الله عليه وسلم، يعودني.
فقلت: يا نبي الله ! إني أترك مالا، وإني لم أترك إلا بنتا واحدة، فأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث ؟ قال: لا.
قلت: فأوصي بالنصف وأترك النصف ؟ قال: لا.
قلت: فأوصي بالثلث وأترك الثلثين ؟ قال: الثلث والثلث كثير.
ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدا، وأتمم له هجرته.
فما زلت أجد برده على
كبدي فيما يخال إلى حتى الساعة ".
وأخرجه أيضا في كتاب " المرضى ": باب دعاء العائد للمريض.
والنسائي 6 / 241 في الوصايا: باب الوصية بالثلث، وأخرجه مسلم (1628) من طرق وبروايات مختلفة اختصارا وتفصيلا.
وأخرجه أحمد 1 / 168 من طريق: أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد...(1) أخرجه أحمد 5 / 267 وإسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد وهو الالهاني.
(2) إسناده صحيح.
وأخرجه الترمذي (3725) في المناقب: باب مناقب سعد بن أبي وقاص.
وابن حبان (2215)، والحاكم 3 / 499، وصححه ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 153 ونسبه إلى البزار وقال: رجاله رجال الصحيح.
(*)

(1/111)


عبد الرحمن بن مغراء: عن سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم أحد: اللهم استجب لسعد " ثلاث مرات (1).
ابن وهب: حدثني أبو صخر، عن يزيد بن قسيط، عن إسحاق بن سعد ابن أبي وقاص، حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله تعالى، فخلوا في ناحية، فدعا سعد، فقال: يا رب ! إذا لقينا العدو غدا، فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله، ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سلبه.
فأمن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، فأقاتله، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت لي: يا عبد الله ! فيم جدع أنفك وأذناك ؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد: كانت دعوته خيرا من دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط (2).
أبو عوانة وجماعة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال:
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن مغراء وشيخه.
وذكره صاحب الكنز برقم (37110) ونسبه إلى ابن أبي شيبة.
وليس فيه " ثلاث مرات ".
(2) في إسناده من لا يعرف.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 63 من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن رجل سمع عبد الله بن جحش...بنحوه، ومن طريق: عبد الله بن عبدالحمجيد الحنفي، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب بنحوه مع زيادة.
وأخرجه الحاكم 3 / 199 - 200 من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عبد الله بن جحش...بنحوه، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرطهما لولا إرساله.
وقال الذهبي: صحيح مرسل.
(*)

(1/112)


شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر، فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي.
فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشي لا أخرم منها، أركد في الاوليين وأحذف في الاخريين.
فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق.
فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة، إلا قالوا خيرا، حتى أتوا مسجدا لبني عبس، فقال رجال يقال له أبو سعدة: أما إذ نشدتمونا بالله، فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للاماء في السكك.
فإذا سئل كيف أنت ؟ يقول: كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
متفق عليه (1).
محمد بن جحادة: حدثنا الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد أن سعدا
خطبهم بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة ! أي أمير كنت لكم ؟ فقال رجل فقال: اللهم إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسوية، ولا تغزو في السرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا، فأعم بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرضه للفتن.
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 175، 176، 177، 179، 180، والطيالسي برقم (217)، والبخاري (755) في الاذان: باب وجوب القراءة للامام والمأموم في الصلوات كلها.
و (758) فيهما.
و (770) فيه: باب يطول في الاوليين، ويحذف في الاخريين.
ومسلم (453) في الصلاة: باب القراءة في الظهر والعصر، والنسائي 2 / 217: باب الركود في الاوليين، وأخرجه أبو داود (803) في الصلاة، باب: تخفيف الاخريين، والنسائي 2 / 174 في الصلاة: باب الركود في الركعتين الاوليين، كلاهما من طريق شعبة، عن أبي عون، عن جابر بن سمرة.
وأخرجه الطبراني مختصرا، برقم (290) ومطولا برقم (308).
(*)

(1/113)


قال: فما مات حتى عمي، فكان يلتمس الجدرات، وافتقر حتى سأل، وأدرك فتنة المختار فقتل فيها (1).
عمرو بن مرزوق: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب قال: خرجت جارية لسعد عليها قميص جديد، فكشفتها الريح، فشد عمر عليها بالدرة، وجاء سعد ليمنعه، فتناوله بالدرة، فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص، فعفا عن عمر (2).
أسد بن موسى: حدثنا يحيى بن زكريا، حدثنا إسماعيل، عن قيس قال: كان لابن مسعود على سعد مال: فقال له ابن مسعود: أد المال ! قال: ويحك مالي، ولك ؟ قال: أد المال الذي قبلك.
فقال سعد: والله إني لاراك لاق مني شرا، هل أنت إلا ابن مسعود وعبد بني هذيل.
قال: أجل والله ! وإنك لابن
حمنة، فقال لهما هاشم بن عتبة: إنكما صاحبا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينظر إليكما الناس.
فطرح سعد عودا كان في يده، ثم رفع يده، فقال: اللهم رب السماوات ! فقال له عبد الله: قل قولا ولا تلعن، فسكت، ثم قال سعد: أما والله لولا اتقاء الله، لدعوت عليك دعوة لا تخطئك (3).
__________
(1) كانت فتنة المختار الثقفي سنة 65 - 67 ه وانظر " تاريخ الاسلام " 2 / 369 - 377 للذهبي.
(2) أخرجه الطبراني برقم (309) في " الكبير ".
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 153 - 154 ونسبه إلى الطبراني، وقال: ورجاله ثقات.
(3) رجاله ثقات.
وإسماعيل هو ابن أبي خالد الاحمسي، ثقة ثبت.
وقيس هو ابن أبي حازم وأخرجه الطبراني (306).
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 154 وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير أسد بن موسى وهو ثقة مأمون.
وقد تحرف في المطبوع من الطبراني " إسماعيل عن قيس " إلى " إسماعيل بن قيس ".
فيصحح من هنا.
(*)

(1/114)


رواه ابن (1) المديني، عن سفيان، عن إسماعيل وكان قد أقرضه شيئا من بيت المال.
ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد، وهو وكان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية (2)، ونصر الله دينه.
ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء (3) فكان النصر على يده، واستأصل الله الاكاسرة.
فروى زياد البكائي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: قال ابن عم لنا يوم القادسية: ألم تر أن الله أنزل نصره * وسعد بباب القادسية معصم فأينا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فلما بلغ سعدا قال: اللهم اقطع عني لسانه ويده.
فجاءت نشابة أصابت
فاه، فخرس، ثم قطعت يده في القتال.
وكان في جسد سعد قروح، فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال (4).
وروى نحوه سيف بن عمر، عن عبد الملك.
هشيم: عن أبي مسلم، عن مصعب بن سعد، أن رجلا نال من علي،
__________
(1) سقطت لفظة " ابن " من المطبوع.
(2) انظر " معجم البلدان " 4 / 291 - 293.
وانظر خبر هذه المعركة في " تاريخ الطبري ".
و " الكامل " لابن الاثير، و " البداية " لابن كثير في أحداث سنة (16) للهجرة.
(3) انظر " معجم البلدان " 2 / 156 وانظر خبر هذه المعركة عند الطبري، وابن الاثير وابن كثير في " التاريخ " لعام (16) للهجرة.
(4) رواه الطبراني (310) و (311) وقد ذكره الهيثمي 9 / 154، وقال: رواه الطبراني باسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح.
وفي الاصل " ابن عمر لنا " وهو تحريف، والتصويب من الطبراني و " المجمع ".
(*)

(1/115)


فنهاه سعد، فلم ينته، فدعا عليه.
فما برح حتى جاء بعير ناد (1) فخبطه حتى مات.
ولهذه الواقعة طرق جمة رواها ابن أبي الدنيا في " مجابي الدعوة (2) وروى نحوها الزبير بن بكار، عن إبراهيم بن حمزة، عن أبي أسامة، عن ابن عون، عن محمد بن محمد الزهري، عن عامر بن سعد.
وحدث بها أبو كريب (3)، عن أبي أسامة.
ورواها ابن حميد، عن ابن المبارك، عن ابن عون، عن محمد بن محمد بن الاسود.
وقرأتها على عمر بن القواس، عن الكندي، أنبأنا أبو بكر القاضي، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، حضورا، أنبأنا ابن ماسي (4)، أنبأنا أبو مسلم، حدثنا
الانصاري، حدثنا ابن عون، وحدث بها ابن علية، عن محمد بن محمد.
ورواها ابن جدعان: عن ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبي، فقام سعد، وصلى ركعتين ودعا، فجاء بختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط، فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه، فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون: هنيئا لك يا أبا إسحاق ! استجيبت دعوتك (5).
__________
(1) يقال: ند البعير فهو ناد: إذا شرد ونفر وذهب على وجهه.
(2) تصحف في المطبوع إلى " مجاني الدعوة ".
وهو اسم كتاب لا بن أبي الدنيا.
(3) تصحف في المطبوع إلى " كرب ".
(4) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي، سمع أبا مسلم الكجي وغيره.
انظر ابن ماكولا 7 / 197.
(5) رواه الطبراني (307) من طريق: ابن عون، عن محمد بن محمد بن الاسود عن عامر بن سعد قال...وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 154 ونسبه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.
والبختي: نسبة إلى البخت.
وهي الابل الخراسانية تنتج من بين عربي ودخيل.
والكركرة: رحى زور البعير.
(*)

(1/116)


قلت: في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.
جرير الضبي: عن مغيرة، عن أمه قالت: زرنا آل سعد، فرأينا جارية كأن طولها شبر.
قلت: من هذه ؟ قالوا: ما تعرفينها ؟ هذه بنت سعد، غمست يدها في طهوره، فقال: قطع الله قرنك، فما شبت بعد (1).
وروى عبد الرزاق: عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، أن امرأة كانت تطلع على سعد، فينهاها، فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضأ،
فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها.
مينا: متروك (2).
حاتم بن إسماعيل: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن [ أبي ] لبيبة (3)، عن جده قال: دعا سعد بن أبي وقاص فقال: يا رب ! بني صغار فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة.
قال خليفة بن خياط: وفي سنة خمس عشرة وقعة القادسية، وعلى المسلمين سعد، وفي سنة إحدى وعشرين شكا أهل الكوفة سعدا أميرهم إلى عمر، فعزله.
__________
(1) ذكره الحافظ في " الاصابة " 4 / 162، ونسبه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب: " مجابي الدعوة ".
(2) هو مينا بن أبي مينا الزهري مولى عبد الرحمن بن عوف.
قال ابن معين والنسائي: ليس بثقة.
وقال أبو زرعة: ليس بقوي.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث.
روى أحاديث مناكير في الصحابة، لا يعبأ بحديثه، كان يكذب.
(3) " ابن أبي لبيبة " سقط من المطبوع وهو مترجم في " الجرح والتعديل " 9 / 166 وفي " الميزان " للذهبي، وهو ضعيف.
(*)

(1/117)


وقال الليث بن سعد: كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة، افتتحها سعد بن أبي وقاص.
قلت: قتل المجوس يوم جلولاء قتلا ذريعا، فيقال: بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم.
وعن أبي وائل قال: سميت جلولاء فتح الفتوح (1).
قال الزهري: لما استخلف عثمان، عزل عن الكوفة المغيرة، وأمر عليها
سعدا.
وروى حصين، عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه لما أصيب، جعل الامر شورى في الستة وقال، من استخلفوه فهو الخليفة بعدي، وإن أصابت سعدا، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي، فإنني لم أنزعه، يعني عن الكوفة، من ضعف ولا خيانة (2).
ابن علية: حدثنا أيوب، عن محمد قال: نبئت أن سعدا قال: ما أزعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة، جاهدت وأنا أعرف بالجهاد، ولا أبخع نفسي إن كان رجلا خيرا مني، لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان، فيقول: هذا مؤمن وهذا كافر (3).
__________
(1) انظر خبر هذا المعركة في " معجم البلدان " 2 / 156، والطبري، و " الكامل "، و " البداية " في حوادث سنة (16) للهجرة.
(2) هو في الطبراني (320)، و " الاصابة " 4 / 163.
(3) رجاله ثقات.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 101.
وأبو نعيم في " حلية الاولياء " 1 / 94.
والطبراني في " الكبير " (322).
وذكره الهيثمي في " المجمع " 7 / 299 وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(*)

(1/118)


وتابعه معمر، عن أيوب.
أخبرنا أبو الغنائم القيسي، وجماعة، كتابة، قالوا: أنبأنا حنبل، أنبأنا هبة الله، أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب، عن عمر بن سعد، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: أي بني ! أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله، حتى أعطى سيفا، إن ضربت به مسلما، نبا عنه، وإن ضربت كافرا،
قتله، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله يحب الغني الخفي التقي " (1).
الزبير: حدثنا محمد بن الضحاك الحزامي، عن أبيه قال: قام علي على منبر الكوفة، فقال حين اختلف الحكمان: لقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة، فعصيتموني.
فقام إليه فتى آدم، فقال: إنك والله ما نهيتنا، بل أمرتنا وذمرتنا (2)، فلما كان منها ما تكره، برأت نفسك، ونحلتنا ذنبك.
فقال علي، رضي الله عنه: ما أنت وهذا الكلام قبحك الله ! والله لقد كانت الجماعة، فكنت فيها خاملا، فلما ظهرت الفتنة، نجمت فيها نجوم
__________
(1) سنده حسن وهو في " المسند " 1 / 177، و " الحلية " 1 / 94.
وأخرجه أحمد 1 / 168، ومسلم (2965) في أول الزهد، من طريق أبي بكر الحنفي، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب.
فنزل.
فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت.
سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي ".
المراد بالغنى هنا: غنى النفس.
والخفي: بالخاء المعجمة: ومعناه الخامل المنقطع إلى العبادة، أي الذي لا يبغي الشهرة ولا يتعرض للناس من أجلها.
(2) ذمرتنا: أي حضضتنا، وحثثتنا.
والذمر: الحث مع لوم واستبطاء.
وقد التبست على محقق المطبوع، فأثبت مكانها " ودعوتنا ".
(*)

(1/119)


قرن الماعز.
ثم التفت إلى الناس فقال: لله منزل نزله سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، والله لئن كان ذنبا، إنه لصغير مغفور، ولئن كان حسنا، إنه لعظيم مشكور (1).
أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد الحاكم، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا عمران بن
موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن حسين بن خارجة الاشجعي قال: لما قتل عثمان، أشكلت علي الفتنة، فقلت: اللهم أرني من الحق أمرا أتمسك به، فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط، فهبطت الحائط، فإذا بنفر، فقالوا: نحن الملائكة، قلت: فأين الشهداء ؟ قالوا: اصعد الدرجات، فصعدت درجة ثم أخرى، فإذا محمد وإبراهيم، صلى الله عليهما، وإذا محمد يقول لابراهيم: استغفر لامتي، قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم اهراقوا دماءهم، وقتلوا إمامهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد ؟ قال: قلت: لقد رأيت رؤيا، فأتيت سعدا، فقصصتها عليه، فما أكثر فرحا، وقال: قد خاب من لم يكن إبراهيم عليه السلام خليله، قلت: مع أي الطائفتين أنت ؟ قال: ما أنا مع واحد منهما، قلت: فما تأمرني ؟ قال: هل لك من غنم ؟ قلت: لا، قال: فاشتر غنما، فكن فيها حتى تنجلي (2).
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو محمد بن قدامة، أنبأنا هبة الله
__________
(1) ذكره الهيثمي في " المجمع " 7 / 246 وقال: رواه الطبراني.
ومحمد بن الضحاك وولده يحيى لم أعرفهما.
(2) رجاله ثقات.
وأخرجه الحاكم 3 / 501 - 502 من طريق: عمران بن موسى، عن عبد الوارث بن سعيد، به...وانظر " الاصابة " 3 / 8.
(*)

(1/120)


ابن الحسن، أنبأنا عبد الله بن علي الدقاق، أخبرنا علي بن محمد، أنبأنا محمد (1) بن عمرو، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال " مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه، فأتاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودني، فقلت: يا رسول الله ! إن لي مالا كثيرا، وليس
يرثني إلا ابنة، أفأوصي بما لي كله ؟ قال: لا، قلت: فالشطر، قال: لا، قلت: فالثلث، قال: والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، لعلك تؤخر على جميع أصحابك، وإنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله، إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، قلت: يا رسول الله إني أرهب أن أموت بأرض هاجرت منها، قال: لعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون، اللهم أمض لاصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة " يرثي له أنه مات بمكة (2).
متفق عليه من طرق عن الزهري.
__________
(1) سقطت من المطبوع " أنبأنا محمد ".
(2) أخرجه أحمد 1 / 179، ومالك في الوصية برقم (4): باب الوصية في الثلث لا تتعدى.
والبخاري (1295) في الجنائز: باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، و (3936) في مناقب الانصار و (6373) في الدعوات: باب الدعاء برفع الوباء والوجع، و (6733) في الفرائض، باب: ميراث البنات.
ومسلم (1628) في الوصية: باب الوصية بالثلث.
وأبو داود (2864) في الوصايا: باب ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله، والترمذي (2117) في الوصايا: باب ما جاء في الوصية بالثلث، وابن ماجه (2708) في الوصايا: باب الوصية بالثلث.
وأخرجه البخاري (2742) في الوصايا: باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، و (5354) في النفقات: باب فضل النفقة، من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، به.
وقوله: " يرثي له أنه مات بمكة " هو من كلام الزهري.
انظر " الفتح " 3 / 165 سلفية.
(*)

(1/121)


وعن علي بن زيد: عن الحسن قال: لما كان الهيج في الناس، جعل رجل يسأل عن أفاضل الصحابة، فكان لا يسأل أحدا إلا دله على سعد بن مالك.
وروى عمر بن الحكم: عن عوانة قال: دخل سعد على معاوية، فلم يسلم عليه بالامرة، فقال معاوية: لو شئت أن تقول غيرها لقلت، قال: فنحن المؤمنون ولم نؤمرك، فإنك معجب بما أنت فيه، والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم.
قلت: اعتزل سعد الفتنة، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم، ولقد كان أهلا للامامة، كبير الشأن، رضي الله عنه.
روى نعيم بن حماد، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين أن سعد بن أبي وقاص طاف على تسع جوار في ليلة، ثم استيقظت العاشرة لما أيقظها، فنام هو، فاستحيت أن توقظه.
حماد بن سلمة: عن سماك، عن مصعب بن سعد أنه قال: كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي.
فبكيت، فرفع رأسه إلي، فقال: أي بني (1) ما يبكيك ؟ قلت: لمكانك وما أرى بك.
قال: لا تبك فإن الله لا يعذبني أبدا.
وإني من أهل الجنة (2).
قلت: صدق والله، فهنيئا له.
الليث، عن عقيل، عن الزهري أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر، دعا بخلق جبة صوف، فقال: كفنوني فيها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر،
__________
(1) تصحفت في المطبوع إلى " شئ ".
(2) ابن سعد 3 / 1 / 104.
(*)

(1/122)


وإنما خبأتها لهذا اليوم (1).
ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زييد (2) عن عائشة بنت سعد قالت: أرسل أبي إلى مروان بزكاته خمسة آلاف، وترك يوم مات مئتي
ألف وخمسين ألفا (3).
قال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره، في قصر بناه بطرف حمراء الاسد (4).
وعن أم سلمة أنها قالت، لما مات سعد، وجئ بسريره، فأدخل عليها، جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
النعمان بن راشد: عن الزهري، عن عامر بن سعد قال: كان سعد آخر المهاجرين وفاة (5).
قال المدائني، وأبو عبيدة، وجماعة: توفي سنة خمس وخمسين.
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 496، والطبراني في " الكبير " (316).
وذكره الهيثمي في " المجمع " 3 / 25 وقال: ورجاله ثقات إلا أن الزهري لم يدرك سعدا.
(2) هو فروة بن زييد، روى عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر، وروى عن عائشة بنت سعد.
روى عنه أبو بكر الحنفي، ومحمد بن عمر انظر " الجرح والتعديل " 7 / 83، و " الاكمال " لابن ماكولا 4 / 171.
وقد تصحف في المطبوع إلى " رسد "، وفي الطبقات لابن سعد 3 / 1 / 105 إلى " زبير ".
والخبر في الطبقات كما أشرنا.
(3) زاد في المطبوع لفظ " درهم ".
ولا ندري ما الذي سوغ له ذلك.
(4) موضع على ثمانية أميال من المدينة، عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
وإليها انتهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مطاردة المشركين يوم أحد.
انظر " زاد المعاد " لابن القيم 3 / 242 نشر مؤسسة الرسالة.
(5) أخرجه الحاكم 3 / 496.
(*)

(1/123)


وروى نوح بن يزيد (1) عن إبراهيم بن سعد أن سعدا مات وهو ابن اثنيتن وثمانين سنة، في سنة ست وخمسين، وقيل: سنة سبع.
وقال أبو نعيم الملائي: سنة ثمان وخمسين.
وتبعه قعنب بن المحرز.
والاول هو الصحيح.
وقع له في " مسند بقي بن مخلد " مئتان وسبعون حديثا.
فمن ذاك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثا.

6 - سعيد بن زيد * (ع) ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو الأعور القرشي العدوي.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الاولين البدريين، ومن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه (2).
شهد المشاهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " زيد ".
(*) مسند أحمد: 1 / 187، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 275 - 281، نسب قريش: 433، طبقات خليفة: 22 / 127، تاريخ خليفة: 218، التاريخ الصغير: 1 / 101، المعارف: 245 - 246، 292، الجرح والتعديل: 4 / 21، مشاهير علماء الامصار: ت: 11، الاستيعاب: 4 / 186 - 194، حلية الاولياء: 1 / 95 - 97 ابن عساكر: 7 / 115 / 2، أسد الغابة: 2 / 387 - 389، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 217 - 218، تهذيب الكمال: 491، دول الاسلام: 1 / 38، تاريخ الاسلام: 1 / 285، العقد الثمين: 4 / 559 - 564، تهذيب التهذيب: 4 / 34، الاصابة: 4 / 188 - 189، خلاصة تذهيب الكمال: 138، شذرات الذهب: 1 / 57، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 6 / 129 - 131.
(2) في " الاستيعاب " لابن عبد البر 4 / 188، و " الاصابة " 4 / 188.
(*)

(1/124)


عليها أبو عبيدة بن الجراح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الامة (1).
وله أحاديث يسيرة.
فله حديثان في الصحيحين.
وانفرد البخاري له بحديث (2).
روى عنه ابن عمر، وأبو الطفيل، وعمرو بن حريث، وزر بن حبيش، وأبو عثمان النهدي، وعروة بن الزبير، و عبد الله بن ظالم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطائفة.
قرأت على أحمد بن عبد الحميد، أخبركم الامام أبو محمد بن قدامة سنة ثمان عشرة وست مئة، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، بقراءتي، أنبأنا طراد ابن محمد الزينبي، أنبأنا ابن رزقويه، أنبأنا أبو جعفر محمد بن يحيى الطائي، سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين ".
أخرجه البخاري (3) من طريق ابن عيينة فوقع لنا بدلا عاليا.
__________
(1) في " الاستيعاب " لابن عبد البر 4 / 188، و " الاصابة " 4 / 188.
(2) سترد هذه الاحاديث خلال الترجمة.
(3) أخرجه أحمد 1 / 187، 188، والبخاري (4478) في التفسير: باب وظللنا عليكم الغمام، و (4639) فيه: باب (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه...)، و (5708) في الطب: باب المن شفاء للعين، ومسلم (2049) في الاشربة: باب فضل الكمأة ومداواة العين بها، والترمذي (2067) في الطب: باب ما جاء في الكمأة والعجوة.
(*)

(1/125)


قرأت على علي بن عيسى التغلبي، أخبركم محمد بن إبراهيم الصوفي سنة عشرين وست مئة، أنبأنا أبو طاهر السلفي، أنبأنا عبد الله الثقفي، أنبأنا
أحمد بن الحسن، أنبأنا حاجب بن أحمد، حدثنا عبد الرحيم، هو ابن منيب، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن طلحة عن سعيد بن زيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ظلم من الارض شبرا طوقه من سبع أرضين.
ومن قتل دون ماله فهو شهيد " (1).
هذا حديث صالح الاسناد، لكنه فيه انقطاع، لان طلحة بن عبد الله بن عوف لم يسمعه من سعيد.
رواه مالك، ويونس، وجماعة، عن الزهري فأدخلوا بين طلحة وسعيد: عبد الرحمن بن عمرو بن سهل (2) الانصاري.
أخرجه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري.
كان والده زيد (3) بن عمرو ممن فر إلى الله من عبادة الاصنام، وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم، فرأى النصارى واليهود، فكره دينهم،
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 187، والنسائي 7 / 115، في تحريم الدم: باب من قتل دون ماله، وأبو داود (4772) في السنة: باب في قتال اللصوص، وابن ماجه (2580) في الحدود: باب من قتل دون ماله فهو شهيد، من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد، عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه أحمد 1 / 188 والترمذي (1421) في الديات: باب فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من طريق معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن عبد الرحمن بن عمر بن سهل، عن سعيد بن زيد، عن النبي...وأخرجه البخاري (2452) في المظالم: باب إثم من ظلم شيئا من الارض من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن سهل، عن سعيد، عن النبي، وهو عنده أيضا برقم (3198) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين، من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد.
(2) تحرفت في المطبوع إلى " سهيل ".
(3) انظر " تاريخ الاسلام " للمؤلف 1 / 52 وما بعدها.
(*)

(1/126)


وقال: اللهم إني على دين إبراهيم (1) ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم عليه السلام كما ينبغي، ولا رأى من يوقفه عليها، وهو من أهل النجاة، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه " يبعث أمة وحده " (2) وهو ابن عم الامام عمر بن الخطاب، رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يعش حتى بعث.
فنقل يونس بن بكير، وهو من أوعية العلم بالسير، عن محمد بن إسحاق قال: قد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان ابن الحارث بن أسد، وعبيد [ الله ] بن جحش، وأميمة ابنة عبد المطلب حضروا قريشا عند وثن لهم، كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا، خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض، وقالوا: تصادقوا وتكاتموا، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شئ، لقد أخطؤ وا دين إبراهيم وخالفوه، فما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لانفسكم، قال: فخرجوا يطلبون ويسيرون في الارض، يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها يتطلبون الحنيفية، فأما ورقة فتنصر، واستحكم في النصرانية، وحصل الكتب، وعلم علما كثيرا، ولم يكن فيهم أعدل شأنا من زيد: اعتزل الاوثان والملل إلا دين إبراهيم يوحد الله تعالى، ولا يأكل من ذبائح قومه، وكان الخطاب عمه قد آذاه، فنزح عنه إلى أعلى مكة، فنزل حراء، فوكل به الخطاب شبابا سفهاء لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا.
وكان الخطاب أخاه أيضا من أمه، فكان يلومه على فراق دينه.
فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل يسأل عن الدين (3).
__________
(1) سقط من مطبوع دار المعارف من قوله: فرأى النصارى...إلى قوله: على دين إبراهيم.
(2) سيرد الحديث في الصفحة (130) وسيخرج هناك.
(3) الخبر عند ابن هشام 1 / 222، وفي " الاستيعاب " 4 / 189، وعند ابن الاثير في " الكامل " 2 / 47 - 48.
(*)

(1/127)


أخبرنا يوسف بن أحمد بن أبي بكر الحجار، أنبأنا موسى بن عبد القادر، أنبأنا سعيد بن أحمد بن (1) البنا، (ح) وأنبأنا أحمد بن المؤيد، أنبأنا الحسن ابن إسحاق، أخبرنا محمد بن عبيدالله بن الزاغوني.
وقرأت على عمر بن عبد المنعم، في سنة ثلاث وتسعين، عن أبي اليمن الكندي، إجازة في سنة ثمان وست مئة، أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله، قالوا: أنبأنا محمد بن محمد الزينبي، أنبأنا محمد بن عمر الوراق، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا عيسى بن حماد، أنبأنا الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش ! والله ما فيكم أحد على دين إبراهيم غيري.
وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه ! لا تقتلها.
أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لابيها: إن شئت، دفعتها إليك، وإن شئت، كفيتك مؤنتها (2).
هذا حديث صحيح غريب، تفرد به الليث، وإنما يرويه عن هشام كتابة.
وقد علقه البخاري في " صحيحه " (3) فقال: وقال الليث: كتب إلي هشام، فذكره.
وقد سمعه ابن إسحاق من هشام.
__________
(1) سقطت " بن " من المطبوع.
(2) سقط من المطبوع من قوله فيأخذها إلى هنا.
(3) (3828) في المناقب: باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.
ووصله الحاكم 3 / 440 وصححه ووافقه الذهبي، وابن سعد 3 / 1 / 277.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 418، ونسبه إلى
الطبراني وقال: يحسن إسناده.
وعنده زيادة ليست عند البخاري والحاكم، وأخرجه ابن هشام 1 / 225 من طريق: إبن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه عن أسماء، وهذا سند قوي.
(*)

(1/128)


وعندي بالاسناد المذكور إلى الليث، عن هشام (1) نسخة، فمن أنكر ما فيها: عن أبيه عروة أنه قال: مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب، يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد، فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، صبرا يا بلال.
لم تعذبونه ؟ فو الذي نفسي بيده، لئن قتلتموه، لاتخذنه حنانا.
يقول: لا تمسحن به.
هذا مرسل.
وورقة لو أدرك هذا، لعد من الصحابة، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة كما في الصحيح (2).
يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، حدثني هشام، عن أبيه، عن أسماء أن ورقة كان يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك، عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحته (3).
يونس بن بكير، وعدة: عن المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده قال: مر زيد بن عمرو على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزيد ابن حارثة، فدعواه إلى سفرة لهما، فقال: يا ابن أخي، إني لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم يأكل مما ذبح على النصب.
المسعودي ليس بحجة.
أخرجه الامام أحمد في " مسنده "، عن يزيد، عن المسعودي، ثم زاد في آخره: قال سعيد (4): فقلت: يا رسول الله ! إن أبي كان كما قد رأيت وبلغك [ ولو أدركك لآمن بك واتبعك ] فاستغفر له.
قال: " نعم، فأستغفر له، فإنه
__________
(1) سقط لفظ " هشام " من المطبوع (2) انظر " فتح الباري " شرح الحديث رقم (3) وفيه: أن ورقة لم ينشب أن توفي.
(3) رجاله ثقات.
وهو عند ابن هشام 1 / 225 وانظر " السيرة " لابن كثير 1 / 154.
(4) سقط من المطبوع عبارة: " قال سعيد " (*)

(1/129)


يبعث أمة وحده " (1).
وقد رواه إبراهيم الحربي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو قطن، عن المسعودي، عن نفيل، عن أبيه، عن جده قال: مر زيد برسول الله صلى الله عليه وسلم وبابن حارثة وهما يأكلان في سفرة فدعواه، فقال: إني لا آكل مما ذبح على النصب.
قال: وما رؤي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آكلا مما ذبح على النصب (2).
فهذا اللفظ مليح يفسر ما قبله.
ومازال المصطفى محفوظا محروسا قبل الوحي وبعده ولو احتمل جواز ذلك، فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 189 - 190، والحاكم 3 / 439 - 440، والطبراني (350)، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 417 ونسبه إلى الطبراني والبزار باختصار، وفيه المسعودي وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
كذا قال، مع أن نفيل بن هشام وأباه لم يوثقهما غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، وقد سقط من الاصل " عن جده " واستدركت من المسند.
وانظر الصفحة (222) التعليق رقم (1).
قال الخطابي: " كان النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يأكل مما يذبحون عليها للاصنام ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه.
لان الشرع لم يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة ".
وقال ابن حجر معلقا على هذا الكلام: وهذا الجواب أولى مما ارتكبه ابن بطال، وعلى تقدير أن يكون زيد بن حارثة ذبح على الحجر المذكور فإنما يحمل أنه إنما ذبح عليه لغير الاصنام.
وقال الداوودي: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل المبعث يجانب المشركين في عاداتهم، لكن لم يكن يعلم ما يتعلق بأمر الذبح، وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم.
وقال السهيلي: فإن قيل: فالنبي، صلى الله عليه وسلم، كان أولى من زيد بهذه الفضيلة، فالجواب أنه ليس في الحديث، أنه صلى الله عليه وسلم، أكل منها.
وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه، وإنما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وإنما نزل تحريم ذلك في الاسلام، والاصح أن الاشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا بحرمة.
وقال ابن حجر معلقا على هذا القول: وقوله: إن زيدا فعل ذلك برأيه أولى من قول الداوودي: إنه تلقاه عن أهل الكتاب، لا سيما وأن زيدا يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحدا من أهل الكتابين.
وقال القاضي عياض: إنها كالممتنع، لان النواهي إنما تكون بعد تقرير الشرع، والنبي، صلى الله عليه وسلم، لم يكن متعبدا قبل أن يوحى إليه بشرع من قبله على الصحيح.
وانظر " فتح الباري " 7 / 143 - 144.
(2) سنده ضعيف كسابقه.
(*)

(1/130)


قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الاباحة، وإنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول الآية، كما أن الخمرة كانت على الاباحة، إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد، والذي لا ريب فيه، أنه كان معصوما قبل الوحي، وبعده وقبل التشريع من الزنى قطعا، ومن الخيانة، والغدر، والكذب، والسكر، والسجود لوثن، والاستقسام بالازلام، ومن الرذائل، والسفه، وبذاء اللسان، وكشف العورة، فلم يكن يطوف عريانا، ولا كان يقف يوم عرفة مع قومه بمردلفة، بل كان يقف بعرفة.
وبكل حال لو بدامنه شئ من ذلك، لما كان عليه تبعة لانه كان لا يعرف، ولكن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه، صلى الله عليه وسلم تسليما.
أبو معاوية: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين ".
غريب.
رواه الباغندي (1) عن الاشج، عنه.
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول:
__________
(1) الباغندي: هو محدث العراق أبو بكر محمد بن سليمان بن الحارث مترجم في تذكرة المؤلف (736).
وذكره ابن كثير في البداية 2 / 241 عن الباغندي، عن أبي سعيد الاشجع، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه عن عائشة...وقال: هذا إسناد جيد وليس هو في شئ من الكتب، وأخرج الطبري في " تاريخه " 2 / 296 من طريق محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني علي بن عيسى الحكمي، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: فلما أسلمت، أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قول زيد بن عمرو، وأقرأته منه السلام، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترحم عليه، وقال: " قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا " وهذا سند ضعيف، وذكره ابن حجر في " الفتح " 7 / 143، ونسبه إلى محمد بن سعد، والفاكهي.
(*)

(1/131)


ويحكم يا معشر قريش ! إياكم والزنى، فإنه يورث الفقر (1).
أبو الحسن المدائني: عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيد بن عمرو: شاممت النصرانية واليهودية، فكرهتهما، فكنت بالشام، فأتيت راهبا، فقصصت عليه أمري، فقال: أراك تريد دين إبراهيم عليه السلام، يا أخا أهل (2) مكة ! إنك لتطلب دينا ما يوجد اليوم، فالحق ببلدك، فإن الله يبعث من قومك من يأتي بدين إبراهيم، بالحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله (3).
وبإسناد ضعيف: عن حجير بن أبي إهاب قال: رأيت زيد بن عمرو يراقب الشمس، فإذا زالت، استقبل الكعبة، فصلى ركعة، وسجد سجدتين.
وأنشد الضحاك بن عثمان الحزامي لزيد: [ و ] أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا سقيت بلدة من بلاد سيقت إليها فسحت سجالا (4) وأسلمت نفسي لمن أسلمت له الارض تحمل صخرا ثقالا
__________
(1) ذكره ابن كثير في " البداية " 2 / 241.
(2) سقطت من المطبوع لفظة " أهل ".
(3) إسناده ضعيف لضعف مجالد.
وأبو الحسن المدائني هو علي بن محمد، ترجمه المؤلف في " ميزانه " ونقل عن ابن عدي قوله فيه: ليس بالقوي في الحديث وسترد ترجمته في " السير ".
(4) رواية البيت في " سيرة ابن هشام " 1 / 231: إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليه سجالا (*)

(1/132)


دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا (1).
وروى هشام بن عروة فيما نقله عنه ابن أبي الزناد، أنه بلغه أن زيد بن عمرو كان بالشام.
فلما بلغه خبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقبل يريده، فقتله أهل ميفعة بالشام (2).
وروى الواقدي أنه مات فدفن بأصل حراء، وقال ابن إسحاق: قتل ببلاد لخم.
عبد العزيز (3) بن المختار: أنبأنا موسى بن عقبة، أخبرني سالم، سمع ابن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لقي زيد بن عمرو أسفل بلدح قبل الوحي.
فقدم إلى زيد سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل، وقال: لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، أنا لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه.
أخرجه البخاري وزاد في آخره: وكان يعيب على قريش ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء، وأنبت لها من الارض، ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟ (4).
أبو أسامة وغيره قالا: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن
__________
(1) رواية البيت في السيرة لابن هشام 1 / 231: دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا (2) ابن هشام 1 / 231، وميفعة: من أرض البلقاء.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " الكريم ".
(4) أخرجه البخاري (3826) في المناقب: باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، و (5499) في الذبائح: باب ما ذبح على النصب والاصنام.
وابن سعد 3 / 1 / 277، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 4 / 191.
وبلد ح: واد قبل مكة من جهة الغرب.
(*)

(1/133)


عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفي إلى نصب من الانصاب، فذبحنا له - ضمير له راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - شاة، ووضعناها في التنور، حتى إذا نضجت، جعلناها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير، وهو مردفي، في أيام الحر.
حتى إذا كنا بأعلى الوادي، لقي زيد بن عمرو، فحيى أحدهما الآخر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مالي أرى قومك قد شنفوا لك، أي: أبغضوك ؟ قال: أما والله إن ذلك مني لغير نائرة كانت مني إليهم، ولكني أراهم على ضلالة، فخرجت أبتغي الدين، حتى قدمت على أحبار أيلة، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فدللت على شيخ بالجزيرة، فقدمت عليه، فأخبرته، فقال: إن كل من رأيت في ضلالة، إنك لتسأل عن دين هو دين الله وملائكته، وقد خرج في أرضك نبي، أو هو خارج، ارجع إليه، واتبعه.
فرجعت، فلم أحس شيئا، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم البعير، ثم قدمنا إليه السفرة، فقال: ما هذه ؟ قلنا: شاة ذبحناها للنصب كذا.
قال: فقال إني لا آكل مما ذبح لغير الله، ثم تفرقا، ومات زيد
قبل المبعث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي أمة وحده " (1).
رواه إبراهيم الحربي في " الغريب " عن شيخين له، عن أبي أسامة، ثم قال: في ذبحها على النصب وجهان: إما أن زيدا فعله عن غير أمر النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان معه، فنسب ذلك إليه، لان زيدا لم يكن معه من العصمة والتوفيق
__________
(1) إسناده حسن.
وذكره الحافظ في " المطالب العالية " (4057) ونسبه إلى أبي يعلى.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 417، 418 ونسبه إلى أبي يعلى والبزار، والطبراني، وقال: وأحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث.
وابن سعد، مختصرا 3 / 1 / 277 والنائرة: العدواة.
وأيله: مدينة على ساحل البحر الاحمر، وهي العقبة.
(*)

(1/134)


ما أعطاه الله لنبيه، وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيدا أن يمس صنما، وما مسه هو قبل نبوته، فكيف يرضى أن يذبح للصنم، هذا محال.
الثاني: ان يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده.
قلت: هذا حسن، فإنما الاعمال بالنية، [ أما ] زيد، فأخذ بالظاهر، وكان الباطن لله، وربما سكت النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الافصاح خوف الشر، فإنا مع علمنا بكراهيته للاوثان، نعلم أيضا أنه ما كان قبل النبوة مجاهرا بذمها بين قريش، ولا معلنا بمقتها قبل المبعث، والظاهر أن زيدا رحمه الله توفي قبل المبعث، فقد نقل ابن إسحاق (1) أن ورقة بن نوفل رثاه بأبيات، وهي: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا (2) وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا فأصبحت في دار كريم مقامها * تعلل فيها بالكرامة لاهيا (3) وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض سبعين واديا
نعم، وعد عروة سعيد بن زيد في البدريين فقال: قدم من الشام بعد بدر، فكلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فضرب له بسهمه وأجره (4)، وكذلك قال موسى بن
__________
(1) انظر ابن هشام 1 / 232، وجمهرة نسب قريش ص 418 للزبير بن بكار.
(2) في الاصل " رب " والتصويب من " سيرة ابن هشام ".
(3) بعد هذا البيت بيت خامس عند ابن هشام هو: تلاقي خليل الله فيها ولم تكن * من الناس جبارا إلى النار هاويا وانظر " تهذيب ابن عساكر " 6 / 32، و " البداية " لابن كثير 2 / 238.
(4) أخرجه الحاكم 3 / 438، والطبراني (338) و (339)، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 4 / 187، وابن سعد 3 / 1 / 279، والحافظ في " الاصابة " 4 / 188.
(*)

(1/135)


عقبة وابن إسحاق.
وامرأته هي ابنة عمه فاطمة، أخت عمر بن الخطاب.
أسلم سعيد قبل دخول النبي، صلى الله عليه وسلم، دار الارقم (1).
وأخرج البخاري من ثلاثة أوجه، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الاسلام وأخته، ولو أن أحدا انقض بما صنعتم بعثمان لكان حقيقا (2).
وقد ذكرنا في إسلام عمر فصلا في المعنى.
وذكر ابن سعد في " طبقاته " عن الواقدي، عن رجاله قالوا: لما تحين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصول عير قريش من الشام، بعث طلحة وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر، يتحسسان خبر العير، فبلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك، حتى مرت بهم العير، فتساحلت، فبلغ نبي الله الخبر قبل
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 438، وابن سعد 3 / 1 / 278، والحافظ في " الاصابة " 4 / 188.
(2) أخرجه البخاري (3862) في مناقب الانصار: باب إسلام سعيد بن زيد و (3867) فيهما، و (6942) في الاكراه: باب من اختار الضرب، والقتل، والهوان على الكفر.
والحاكم 3 / 440 وصححه ووافقه الذهبي، ورواية البخاري الاولى: قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة، يقول: والله لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الاسلام، قبل أن يسلم عمر.
ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقا أن يرفض " وفي الرواية الثانية " انقض " بالنون والقاف.
وقال الحافظ في " الفتح " 7 / 176: لموثقي عليه الاسلام: أي ربطه بسبب إسلامه إهانة له، وإلزاما بالرجوع عن الاسلام.
" ولو أن أحدا ارفض ": أي زال من مكانه.
ورواية " انقض " أي: سقط.
" لكان ذلك محقوقا " أي: واجبا.
وفي رواية الاسماعيلي: " لكان حقيقا ".
وإنما قال سعيد ذلك لعظم قتل عثمان، رضي الله عنه.
(*)

(1/136)


مجيئهما، فندب أصحابه، وخرج يطلب العير، فتساحلت وساروا الليل والنهار، ورجع طلحة وسعيد ليخبرا، فوصلا المدينة يوم الوقعة، فخرجا يؤمانه، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجور هما.
وشهد سعيد أحدا والخندق والحديبية، والمشاهد (1).
وقد تقدمت عدة أحاديث في أنه من أهل الجنة، وأنه من الشهداء.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الشهادة لابي بكر وعمر أنهما في الجنة، فقال: نعم، أذهب إلى حديث سعيد بن زيد.
هشام بن عروة، عن أبيه أن أروى بنت أويس ادعت أن سعيد بن زيد أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله، سمعته يقول: " من أخذ شيئا من
الارض طوقه إلى سبع أرضين " قال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فأعم بصرها، واقتلها في أرضها (2)، فما ماتت حتى عميت، وبينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتت.
أخرجه مسلم (3).
وروى عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد
__________
(1) ابن سعد 3 / 1 / 279 وانظر " مستدرك الحاكم " 3 / 369، 438، وابن هشام 1 / 683، و " الاستيعاب " 4 / 188.
وانظر الخبر في الطبري 2 / 478، و " الكامل " في التاريخ 2 / 116 - 137، وانظر الصفحة (25) التعليق رقم (3).
(2) تصحفت في المطبوع إلى " الارض ".
(3) أخرجه مسلم (1610) (139) في المساقاة: باب تحريم الظلم وغصب الارض.
والبخاري (3198) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين والرواية فيه " شبرا " بدل " شيئا " و (2452) من طريق أخرى مختصرا في المظالم: باب إثم من ظلم شيئا من الارض.
وأحمد 1 / 188، 189، 190، مختصرا ومن طرق عن سعيد بن زيد.
وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 96، 97، بروايات متعددة.
وهو كذلك في " الاستيعاب " 4 / 191، و " الاصابة " 4 / 189.
(*)

(1/137)


الرحمن (1) نحوه، عن أبيه وروى المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن (2) عمر، نحوه.
وقال ابن أبي حازم (3) في حديثه: سألت أروى سعيدا أن يدعو لها، وقالت: قد ظلمتك.
فقال: لا أرد على الله شيئا أعطانيه.
قلت: لم يكن سعيد متأخرا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر، رضي الله عنه، لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لانه ختنه وابن عمه، ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي: حابى (4) ابن عمه.
فأخرج منها ولده وعصبته.
فكذلك فليكن العمل (5) لله.
خالد الطحان: عن عطاء بن السائب.
عن محارب بن دثار قال: كتب
__________
(1) العلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الحرقي أبو شبل المدني، مولى الحرقة، وأبو عبد الرحمن بن يعقوب يروي عن الصحابة.
وذكره ابن عبد البر في " الاستيعاب " 4 / 192 عن الزبير بن بكار، حدثني إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن أروى...وذكره.
والحديث بهذا السند عند ابن عساكر في تاريخه.
وأخرجه أحمد 2 / 388، ومسلم (1611)، وأبو داود الطيالسي 1 / 277 من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(2) سقطت " ابن " من المطبوع.
وذكره ابن عبد البر في " الاستيعاب " 4 / 191 ونسبه إلى الزبير ابن بكار.
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 96 من طريق: العمري، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه البخاري 5 / 76 في المظالم، من طريق: مسلم بن إبراهيم، عن ابن المبارك، عن موسى ابن عقبة، عن سالم، عن أبيه.
(3) في الاصل " حاتم " والصواب ما أثبتناه كما جاء في هامش الاصل: صوابه: قال ابن أبي حازم بالزاي " وهو عبد العزيز المتقدم ذكره.
وكنيته أبو محمود.
(4) تحرفت في المطبوع إلى " خلف ".
(5) تحرفت في المطبوع إلى " العهد ".
(*)

(1/138)


معاوية إلى مروان، وإلى المدينة، ليبايع لابنه يزيد، فقال رجل من جند الشام: ما يحبسك ؟ قال: حتى يجئ سعيد بن زيد فيبايع، فإنه سيد أهل البلد، وإذا بايع، بايع الناس، قال: أفلا أذهب فأتيك به ؟ وذكر الحديث (1).
أنبئنا وأخبرنا عن حنبل سماعا، أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حصين ومنصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد - وقال حصين: عن
ابن ظالم، عن سعيد بن زيد - أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد "، وعليه النبي، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، و عبد الرحمن، وسعيد بن زيد (2).
ابن سعد: أنبأنا أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد، أخبرني نافع، عن ابن عمر أنه استصرخ على سعيد بن زيد يوم الجمعة بعد ما ارتفع النهار، فأتاه ابن عمر بالعقيق، وترك الجمعة (3).
أخرجه البخاري (4).
وقال إسماعيل بن أمية: عن نافع قال: مات سعيد بن زيد وكان يذرب.
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 439 وسكتا عنه، والطبراني (345) في " الكبير "، وأخرجه البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 112 من طريق: حسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عطاء بن السائب، به.
(2) أخرجه أحمد 1 / 187، 188، 189، وأبو داود (4648) في السنة: باب في الخلفاء.
والترمذي (3758) في المناقب: باب مناقب سعيد بن زيد، وابن ماجه (134) في المقدمة: باب فضائل العشرة.
وهو حديث صحيح.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 279 - 280.
وأخرجه الحاكم 3 / 438 من طريق محمد بن الصباح، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، به...ورجاله ثقات.
(4) برقم (3990) في المغازي، وهو في " المصنف " (5497)، و " سنن البيهقي " 3 / 185.
(*)

(1/139)


فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتحنطه بالمسك ؟ فقال: وأي طيب أطيب من المسك ! فناولته مسكا (1).
سليمان بن بلال حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد قالت: مات سعيد بن زيد بالعقيق، فغسله سعد بن أبي وقاص، وكفنه، وخرج معه (2).
وروى (3) غير واحد، عن مالك قال: مات سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص بالعقيق.
قال الواقدي: توفي سعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقبر بالمدينة.
نزل في قبره سعد، وابن عمر، وكذا قال أبو عبيد، ويحيى بن بكير، وشهاب.
قال الواقدي: كان سعيد رجلا، آدم، طويلا، أشعر.
وقد شذ الهيثم بن عدي فقال: مات بالكوفة.
وقال عبيدالله بن سعد الزهري: مات سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنه.
فهذا ما تيسر من سيرة العشرة.
وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الامة في الدنيا والآخرة.
فأبعد الله الرافضة، ما أغواهم وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم وبخسوا التسعة حقهم، وافتروا عليهم (4) بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة.
فوالله ما جرى من ذلك شئ، وأنهم زوروا الامر عنه بزعمهم، وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم يتجر ويتكسب،
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 280.
والذرب: داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ويفسد فيها ولا تمسكه.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 279.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " قال ".
(4) تحرفت في المطبوع إلى " عليه ".
(*)

(1/140)


لا لرغبة في أمواله ولا لرهبة من (1) عشيرته ورجاله، ويحك ! أيفعل هذا من له مسكة عقل ؟ ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة، ولو جاز وقوعه من جماعة، لا ستحال وقوعه، والحالة هذه، من ألوف من سادة المهاجرين والانصار، وفرسان الامة، وأبطال الاسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض فإنه
داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله.
حديث مشترك، وهو منكر جدا.
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، وقال أبو عمرو بن حمدان: حدثنا الحسن بن سفيان، في مسنده، قالا: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد المؤمن بن عباد العبدي، حدثنا يزيد بن معن، حدثني عبد الله بن شرحبيل، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى، رضي الله عنه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة، فجعل يقول: أين فلان، أين فلان ؟ فلم يزل يتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا، فقال: إني محدثكم بحديث فاحفظوه، وعوه: إن الله اصطفى من خلقه خلقا يدخلهم الجنة، وإني مصطف منكم ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة.
قم يا أبا بكر ! فقام، فقال: إن لك عندي يدا، إن الله يجزيك بها، فلو كنت متخذا خليلا لا تخذتك، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي، ادن يا عمر ! فدنا، فقال: قد كنت شديد الشغب علينا، فدعوت الله أن يعزبك الدين أو بأبي جهل، ففعل الله بك ذلك " وأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة، ثم آخى بينه وبين أبي بكر، ثم دعا عثمان، فلم يزل يدنيه حتى ألصق ركبته بركبته، ثم نظر إلى السماء، فسبح ثلاثا، ثم قال: إن لك شأنا في أهل السماء، أنت ممن يرد علي الحوض، وأوداجه تشخب، فأقول:
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " في ".
(*)

(1/141)


من فعل بك هذا ؟ فتقول: فلان، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله، والامين في السماء، يسلطك الله على مالك بالحق، أما إن لك عندي دعوة قد أخرتها، قال: خر لي يا رسول الله ! قال: حملتني أمانة أكثر الله مالك، وآخى بينه وبين عثمان، ثم دعا طلحة والزبير، فدنوا منه، فقال: أنتما
حواري كحواري عيسى، وآخى بينهما، ثم دعا سعدا وعمارا.
فقال: يا عمار ! تقتلك الفئة الباغية، ثم آخى بينهما، ثم دعا أبا الدرداء وسلمان، فقال: يا سلمان ! أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الاول والعلم الآخر، يا أبا الدرداء ! إن تنقدهم ينقدوك، وإن تتركهم يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك، فأقرضهم عرضك ليوم فقرك، ثم آخى بينهما، ثم نظر إلى ابن عمر، فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، فقال علي: يا رسول الله ! ذهب روحي، وانقطع ظهري حين تركتني، قال: ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت عندي بمنزلة هارون من موسى، ووارثي، قال: ما أرث منك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة.
وتلا (إخوانا على سرر متقابلين) [ الحجر: 47 ].
زيد (1) لا يعرف إلا في هذا الحديث الموضوع.
وقد رواه محمد بن جرير
__________
(1) زيد هذا ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " 3 / 386 وأشار إلى حديثه هذا وقال: لا يتابع عليه.
وقال، بعد أن ذكر إسناده في " التاريخ الصغير " 1 / 217: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض وترجمه الحافظ ابن حجر في " الاصابة " 4 / 40 وقال: روى حديثه ابن أبي حاتم والحسن بن سفيان، والبخاري في " التاريخ الصغير " من طريق: ابن شرحبيل عن رجل من قريش، عن ابن أبي أوفى.
ونقل عن ابن السكن قوله: روي حديثه من ثلاث طرق وليس فيها ما يصح، وذكر قول البخاري المتقدم أيضا.
وقد ذكره السيوطي في " الدر المنثور " مختصرا 4 / 102 ونسبه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي القاسم البغوي، وابن مردويه، وابن عساكر.
وانظر " تفسير ابن كثير " في تفسير الآية (47) من سورة الحجر.

(1/142)


الطبري، عن حسين الدارع، عن عبد المؤمن.
فأسقط منه عن رجل.
وقال محمد بن الجهم السمري (1): حدثنا عبد الرحيم بن واقد، حدثنا
شعيب بن يونس، حدثنا موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا، عن عبد الله بن شرحبيل.
عن رجل، عن زيد (2).
ورواه مطين مختصرا، حدثنا ثابت بن يعقوب، حدثنا ثابت بن حماد النصري، عن موسى بن صهيب، عن عبادة بن نسي، عن عبد الله بن أبي أوفى (3).
وقال الحسن بن علي الحلواني: حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا أبو عبد الله الباهلي - يقال اسمه جعفر بن مرزوق - عن غياث بن شقير، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن سعيد بن عامر الجمحي، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات يوم: يا أبا بكر ! تعال، ويا عمر ! تعال.
وذكر حديث المؤاخاة، إلا أنه خالف في أسماء الاخوان، وزاد ونقص منهم.
تفرد به شبابة ولا يصح.
والمحفوظ أنه آخى بين المهاجرين والانصار، ليحصل بذلك مؤازرة ومعاونة لهؤلاء بهؤلاء.
لسعيد بن زيد ثمانية وأربعون حديثا، اتفقا له على حديثين.
وانفرد البخاري بثالث.
__________
(1) السمري: بكسر السين المهملة، وتشديد الميم المفتوحة، نسبة إلى: سمر بلد من أعمال كسكر، وهو بين واسط والبصرة.
قال السمعاني في " الانساب " 7 / 137: والمشهور بهذه النسبة أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السمري.
(2) ذكره ابن الاثير في " أسد الغابة " 2 / 278 وإسناده مسلسل بالضعفاء والمجاهيل.
(3) في " التاريخ الصغير " 1 / 217: ورواه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا أصل له.
(*)

(1/143)


السابقون الاولون
هم: خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وزيد ابن حارثة النبوي، ثم عثمان، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، و عبد الرحمن بن عوف، ثم أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الاسد، والارقم بن أبي الارقم بن أسد بن عبد الله بن عمر، المخزوميان، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعبيدة بن الحارث بن المطلب المطلبي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وأسماء بنت الصديق، وخباب بن الارت الخزاعي، حليف بني زهرة، وعمير بن أبي وقاص، أخو سعد، وعبد الله بن مسعود الهذلي، من حلفاء بني زهرة، ومسعود بن ربيعة القارئ من البدريين، وسليط بن عمرو بن عبد شمس العامري، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وامرأته أسماء بنت سلامة التميمية، وخنيس بن حذافة السهمي، وعامر بن ربيعة العنزي، حليف آل الخطاب، و عبد الله بن جحش ابن رئاب الاسدي، حليف بني أمية، وجعفر بن أبي طالب الهاشمي، وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المجلل العامرية، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وأخوهما معمر ابن الحارث، والسائب ولد عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف السهمية، والنحام نعيم بن عبد الله العدوي، وعامر بن فهيرة، مولى الصديق، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وامرأته أميمة (1) بنت خلف الخزاعية، وحاطب بن عمرو العامري، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة العبشمي، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف التميمي اليربوعي، حليف بني عدي، وخالد، وعامر، وعاقل، وإياس، بنو البكير بن
__________
(1) في الاصل: " أمينة " وهو خطأ.
(*)

(1/144)


عبد يا ليل الليثي، حلفاء بني عدي، وعمار بن ياسر بن عامر العنسي بنون (1)، حليف بني مخزوم، وصهيب بن سنان بن مالك النمري، الرومي المنشأ، وولاؤه لعبد الله بن جدعان، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وأبو نجيح عمرو بن عبسة السلمي البجلي، لكنهما رجعا إلى بلادهما.
فهؤلاء الخمسون (2) من السابقين الاولين.
وبعدهم أسلم: أسد الله حمزة ابن عبد المطلب، والفاروق عمر بن الخطاب، عز الدين، رضي الله عنهم أجمعين.

7 - مصعب بن عمير * ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب.
السيد الشهيد السابق (3) البدري القرشي العبدري.
قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، فقلنا له: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: هو مكانه، وأصحابه على أثري.
ثم
__________
(1) هذه النسبة إلى " عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب المذحجي " وقال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر: إن ياسرا والد عمار عرني تزوج أمة لبعض بني مخزوم فولدت له عمارا.
(2) فيه نظر، لان عدتهم واحد وخمسون لا خمسون.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 81 - 86، نسب قريش: 245، تاريخ خليفة: 69، التاريخ الصغير: 1 / 21، 25، الجرح والتعديل: 8 / 303، حلية الاولياء: 1 / 106 - 108، الاستيعاب: 10 / 251 - 253، أسد الغابة: 5 / 181 - 184، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 96 - 97، العبر: 1 / 5، طبقات القراء: 2 / 299، العقد الثمين: 7 / 214 - 216، الاصابة: 9 / 208 - 209، كنز العمال: 13 / 482.
(3) سقطت من مطبوعة دار المعارف.
(*)

(1/145)


أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم أخو بني فهر الاعمى.
وذكر الحديث (1).
الاعمش: عن أبي وائل، عن خباب قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الاذخر "، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (2).
شعبة: عن سعد بن إبراهيم، سمع أباه يقول: أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام، فجعل يبكي، فقال: قتل حمزة، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا
__________
(1) أخرجه البخاري (3924) و (3925) في مناقب الانصار: باب مقدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب، رضي الله عنه، قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يقرئون الناس.
فقدم بلال وسعد، وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى جعل الاماء يقلن: قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما قدم حتى قرأت " سبح اسم ربك الاعلى " في سور من المفصل.
وأما " قوله: ما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ؟ قال: هم على أثري " فهي من رواية ابن أبي شيبة.
انظر " فتح الباري " 7 / 260.
(2) أخرجه أحمد 5 / 112 و 6 / 390، والبخاري (1286) في الجنائز: باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه، و (3897) في مناقب الانصار: باب هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، (3913) و (3914) في مناقب الانصار: باب هجرة النبي، و (4047) في المغازي: باب غزوة أحد، و (4082) في المغازي: باب من قتل من المسلمين يوم أحد، و (6432) في الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا، و (6448) في الرقاق: باب فضل الفقر.
ومسلم (940) في الجنائز: باب كفن
الميت.
وأبو داود (3155) في الجنائز، والترمذي (3852) في المناقب.
والنسائي 4 / 28 في الجنائز: باب القميص في الكفن.
وابن سعد 3 / 1 / 85 - 86.
والنمرة: بردة من صوف تلبسها الاعراب.
والاذخر: نبت معروف طيب الريح يبيض إذا يبس.
يهدبها: يجتنيها، وقد تصحفت في المطبوع إلى " يهديها ".
(*)

(1/146)


واحدا، وقتل مصعب بن عمير، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا واحدا، لقد خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، وجعل يبكي (1).
ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن القرظي (2)، عمن سمع علي بن أبي طالب يقول: إنه استقى لحائط يهودي بمل ء كفه تمرا، قال: فجئت المسجد فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأرفة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم ؟ فقلنا: نحن يومئذ خير، نكفى المؤنة، ونتفرغ للعبادة.
فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ (3).
__________
(1) أخرجه البخاري (1274) و (1275) في الجنائز: باب: الكفن من جميع المال، من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أتي بطعام، وكان صائما.
فقال: " قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه.
أراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا.
ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام " وأخرجه أيضا (4045) في المغازي: باب غزوة أحد.
(2) القرظي: نسبة إلى بني قريظة.
وهو محمد بن كعب.
وقد تحرفت في المطبوع إلى
" القرطبي ".
(3) أخرجه الترمذي (2478) في صفة القيامة: باب حال مصعب بن عمير بعد الاسلام.
وقال: حديث حسن غريب.
ويزيد بن زياد هو مولى بني مخزوم، ثقة.
وباقي السند رجاله ثقات.
سوى الواسطة بين محمد بن كعب وعلي، فإنه لا يعرف.
وأورده ابن سعد 3 / 1 / 82، وابن الاثير في " أسد الغابة " 5 / 182 وأخرجه الحاكم 3 / 628 من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن عروة بن الزبير، عن أبيه بنحوه.
(*)

(1/147)


ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عن سعد بن مالك قال: كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته، فلا نصبر عليه، فما هو إلا أن هاجرنا، فأصابنا الجوع والشدة، فاستضلعنا بهما، وقوينا عليهما.
فأما مصعب بن عمير، فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا، لم يقو على ذلك، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به، فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا، ولقد رأيتني مرة، قمت أبول من الليل، فسمعت تحت بولي شيئا يجافيه، فلمست بيدي فإذا قطعة من جلد بعير، فأخذتها، فغسلتها حتى أنعمتها، ثم أحرقتها بالنار، ثم رضضتها فشققت منها ثلاث شقات، فاقتويت بها ثلاثا (1).
قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله، صلى الله عليه وسلم حتى قتل، قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظنه رسول الله.
فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدا فلما قتل مصعب، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب، ورجالا من المسلمين (2).
__________
(1) رجاله ثقات.
إلا أن صالح بن كيسان، مؤدب عمر بن عبد العزيز، لم يدرك سعد بن مالك
فهو منقطع.
وذكره ابن الاثير في " أسد الغابة " 5 / 182، والحافظ في " الاصابة " 9 / 209 من طريق ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد عن سعد.
وقوله: فاقتويت بها ثلاثا: أي تقويت.
يقال: قوي فهو قوي: وتقوى واقتوى.
وقال رؤبة: وقوة الله بها اقتوينا.
(2) انظر ابن هشام 2 / 73، وابن سعد 3 / 1 / 85 و " الاستيعاب " 10 / 251.
(*)

(1/148)


ومن شهداء يوم أحد حمزة، و عبد الله بن جحش الاسدي، ابن أخت حمزة، فدفنا في قبر، وعثمان بن عثمان المخزومي.
لقبه شماس لملاحته.
ومن الانصار: عمرو بن معاذ الاوسي، أخو سعد (1)، وابن أخيه الحارث ابن أوس، والحارث بن أنيس، وعمارة بن زياد بن السكن، ورفاعة بن وقش، وابنا أخيه: عمرو وسلمة ابنا ثابت بن وقش، وصيفي بن قيظي، وأخوه جناب، وعباد (2) بن سهل، وعبيد بن التيهان، وحبيب بن زيد، وإياس بن أوس، الاشهليون، واليمان والد حذيفة، وزيد بن حاطب الظفري، وأبو سفيان ابن حارث بن قيس، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومالك بن أمية، وعوف بن عمرو، وأبو حية بن عمرو، و عبد الله بن جبير بن النعمان، وخيثمة والد سعد، وحليفه عبد الله، وسبيع بن حاطب، وحليفه مالك، وعمير بن عدي، فهؤلاء من الاوس.
ومن الخزرج: عمرو بن قيس، وولده قيس، وثابت بن عمرو، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث، وعمرو بن مطرف، وإياس بن عدي، وأوس ابن ثابت والد شداد، وأنس بن النضر، وقيس بن مخلد، النجاريون، وكيسان مولى بني النجار، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو.
ومن بني الحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد بن أبي زهير، وأوس بن
أرقم، ومالك والد أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سويد، وعتبة بن ربيع،
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " سعيد ".
(2) في الاصل " عبادة " وهو خطأ.
والتصحيح من " أسد الغابة " 3 / 153، وابن هشام، و " الاستيعاب " ت: 1359، و " الاصابة " 5 / 314.
(*)

(1/149)


وثعلبة بن سعد، وثقف بن فروة، و عبد الله بن عمرو، وضمرة الجهني، وعمرو بن إياس، ونوفل بن عبد الله، وعبادة بن الحسحاس، وعباس بن عبادة، ونعمان بن مالك، والمجذر بن زياد البلوي، ورفاعة بن عمرو، ومالك ابن إياس، و عبد الله والد جابر، وعمرو بن الجموح، وابنه خلاد، ومولاه أسير، وسليم بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهيل بن قيس، وذكوان، وعبيد بن المعلى بن لوذان.

8 - أبو سلمة * (ت، ق) ابن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب.
السيد الكبير أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، وأحد السابقين الاولين، هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، ومات بعدها بأشهر، وله أولاد (1) صحابة: كعمر وزينب وغيرهما، ولما انقضت عدة زوجته أم سلمة تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عن زوجها أبي سلمة القول عند المصيبة، وكانت تقول: من خير من أبي سلمة، وما ظنت أن الله يخلفها في مصابها به بنظيره، فلما فتح عليها بسيد البشر، اغتبطت أيما اغتباط.
__________
(*) مسند أحمد: 4 / 27، وابن سعد: 2 / 1 / 170 - 172، نسب قريش: 337، الجرح
والتعديل: 5 / 107، حلية الاولياء: 2 / 3، الاستيعاب: 6 / 271 - 273، أسد الغابة: 3 / 294 296، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 240، تهذيب الكمال: 1609، تاريخ الاسلام: 1 / 80، العقد الثمين: 5 / 193 و 8 / 52، تهذيب التهذيب: 5 / 287، الاصابة: 6 / 140 - 142.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " من الاولاد ".
(*)

(1/150)


مات كهلا في سنة ثلاث من الهجرة رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: هو أول من هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مع عثمان بن مظعون حين قدم من الحبشة، فأجاره أبو طالب.
قلت: رجعوا حين سمعوا بإسلام أهل مكة عند نزول سورة والنجم.
قال مصعب بن عبد الله: ولدت له أم سلمة بالحبشة سلمة، وعمر، ودرة، وزينب.
قلت: هؤلاء ما ولدوا بالحبشة إلا قبل عام الهجرة.
الاعمش: عن شقيق، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حضرتم الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون ".
قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: يا رسول الله ! كيف أقول ؟ قال: " قولي اللهم اغفر له، وأعقبنا منه عقبى صالحة "، فأعقبني الله خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
حماد بن سلمة: أنبأنا ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه
__________
(1) أخرجه مسلم (919) في الجنائز: باب ما يقال عند المريض والميت، وأبو داود (3115) في الجنائز: باب ما يستحب أن يقال عند الميت من الكلام، والترمذي (977) في الجنائز: باب ما جاء في تلقين الميت عند الموت والدعاء له عنده، والنسائي 2 / 4، 5 في الجنائز: باب كثرة ذكر
الموت، وابن ماجه (1447) في الجنائز: باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر.
(*)

(1/151)


راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها، وأبدلني خيرا منها ".
فلما احتضر أبو سلمة، قلت ذلك، وأردت أن أقول: وأبدلني خيرا منها، فقلت: ومن خير من أبي سلمة ؟ فلم أزل حتى قلتها، فلما انقضت عدتها، خطبها أبو بكر، فردته، وخطبها عمر، فردته، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم ! وبرسوله (1)، وذكر الحديث (2).
__________
(1) سقطت من المطبوع.
(2) أخرجه مسلم (918) في الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة.
من طرق عن عمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة - مولى أم سلمة - عن أم سلمة.
وأخرجه أحمد 6 / 313، وأبو داود (3119) في الجنائز: باب في الاسترجاع، والنسائي 6 / 81 في النكاح: باب إنكاح الا بن أمه، كلهم من طريق: حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أم سلمة، قالت: قال أبو سلمة.
وأخرجه الترمذي (3506) في الدعوات: باب الدعاء عند المصيبة وابن ماجه (1598) في الجنائز: باب ما جاء في الصبر على المصيبة، والحاكم 3 / 629 كلهم من طريق: عمر بن أبي سلمة، عن أمه أم سلمة عن أبي سلمة.
وأخرجه مالك ص 163 في الجنائز: باب جامع الحسبة في المصيبة.
من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أم سلمة أن رسول الله.
وتمامه من المسند: " أخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أني امرأة غيرى، واني مصبية، وأنه ليس أحد من أوليائي شاهد.
فبعث إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: أما قولك: إني مصيبة فإن الله سيكفيك صبيانك.
وأما قولك: أبي غيرى، فسأدعو الله أن يذهب غيرتك.
وأما الاولياء فليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا سير ضاني.
قلت: يا عمر ! قم فزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما إني لا أنقصك شيئا مما أعطيت أختك فلانة رحيين وجرتين ووسادة من أدم حشوها ليف.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتيها
فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها.
وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حييا كريما يستحيي فرجع.
ففعل ذلك مرارا، ففطن عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار، وكان أخاها لامها، فدخل عليها فانتشطها من حجرها، وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال: وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخل فجعل يقلب بصره في البيت، ويقول: أين زناب ؟ ما فعلت زناب ؟ قالت: جاء عمار فذهب بها.
قال: فبنى بأهله ثم قال: إن شئت أن أسبع لك سبعت للنساء ".
(*)

(1/152)


قال الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان (1) اليربوعي، عن سلمة بن عبد الله ابن (2) عمر بن أبي سلمة وغيره قالوا: شهد أبو سلمة أحدا، وكان نازلا بالعالية في بني أمية بن زيد، فجرح بأحد، وأقام شهرا يداوي جرحه، فلما هل المحرم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: اخرج في هذه السرية، وعقد له لواء، وقال: سر حتى تأتي أرض بني أسد، فأغر (3) عليهم.
وكان معه خمسون ومئة، فساروا حتى انتهوا إلى أدنى (4) قطن من مياههم، فأخذوا سرحا لهم، ثم رجع إلى المدينة بعد بضع عشرة ليلة (5).
قال عمر بن عثمان: فحدثني عبد الملك بن عبيد قال: لما دخل أبو سلمة المدينة انتقض جرحه، فمات الثلاث بقين من (6) جمادى الآخرة.
يعني سنة أربع، وقيل: مات أبو سلمة سنة ثلاث.

9 - عثمان بن مظعون * ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب الجمحي، أبو السائب.
__________
(1) سقط من المطبوع لفظ " عثمان ".
(2) تحرفت في المطبوع إلى " عن ".
(3) تحرفت في المطبوع إلى " فاعبر ".
(4) تحرفت في المطبوع إلى " ذي ".
(5) انظر هذا الخبر في " البداية " لابن كثير 4 / 61 نقلا عن الواقدي، وعند ابن سعد 3 / 1 / 171 من غير هذا الطريق.
(6) تحرفت في المطبوع إلى " في ".
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 286 - 291، نسب قريش: 393، طبقات خليفة: 25، تاريخ خليفة: 65، التاريخ الكبير: 6 / 210، التاريخ الصغير: 1 / 20، 21، حلية الاولياء: 1 / 102 - 106، الاستيعاب: 8 / 60 - 68، أسد الغابة: 3 / 598 - 601، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 325 - 326، العبر: 1 / 4، مجمع الزوائد: 9 / 302، العقد الثمين: 6 / 49 - 50، الاصابة: 6 / 395، كنز العمال: 13 / 525، شذرات الذهب: 1 / 9.
(*)

(1/153)


من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين الذين فازوا بوفاتهم في حياة نبيهم فصلى عليهم، وكان أبو السائب رضي الله عنه أول من دفن بالبقيع (1).
روى كثير بن زيد المدني: عن المطلب بن عبد الله قال: لما دفن النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، قال لرجل: هلم تلك الصخرة، فاجعلها عند قبر أخي، أعرفه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي، فقام الرجل فلم يطقها، فقال - يعني الذي حدثه -: فلكأني أنظر إلى بياض ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتملها، حتى وضعها عند قبره (2).
هذا مرسل.
قال سعيد بن المسيب: سمعت سعدا يقول: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان ابن مظعون (3) التبتل، ولو أذن (4) له لا ختصينا (5).
__________
(1) " الاستيعاب " 8 / 63 و " الاصابة " 6 / 395.
(2) أخرجه أبو داود (3206) في الجنائز: باب في جمع الموتى في قبر واحد وعنه
البيهقي 3 / 412 وسنده حسن لكنه مرسل كما قال المؤلف، فإن المطلب هو ابن عبد الله، ابن المطلب، بن حنطب بن الحارث المخزومي، تابعي.
وقد أخطأ من ظنه المطلب بن أبي وداعة الصحابي.
فإن كثير بن زيد إنما روى عن الاول ولم يرو عن الثاني.
وأخرجه ابن ماجه (1561) من طريق: العباس بن جعفر، عن محمد بن أيوب الواسطي، عن عبد العزيز بن محمد، عن كثير بن زيد، عن زينب بنت نبيط، عن أنس بن مالك.
وهذا سند حسن كما قال البوصيري في الزوائد، ورقة (101).
(3) " ابن مظعون " سقطت من المطبوع.
(4) تحرفت في المطبوع إلى " لان ".
(5) أخرجه أحمد 1 / 175، 176، 183، والبخاري (5073) و (5074) في النكاح: باب ما يكره من التبتل والخصاء، ومسلم (1402) وما بعده، في النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، والترمذي (1083) في النكاح: باب ما جاء في النهي عن التبتل، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي 6 / 58 في النكاح: باب النهي عن = (*)

(1/154)


قال أبو عمر النمري: أسلم أبو السائب بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر الهجرتين، وتوفي بعد بدر.
وكان عابدا (1) مجتهدا، وكان هو، وعلي، وأبو ذر هموا أن يختصوا (2).
وروي من مراسيل عبيدالله بن أبي رافع قال: أول من دفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه حجرا، وقال: هذا قبر فرطنا (3).
وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية.
ابن المبارك: عن عمر بن سعيد، عن ابن سابط: قال عثمان بن مظعون لا أشرب شرابا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن
أنكح كريمتي.
فلما حرمت الخمر قال: تبا لها، قد كان بصري فيها ثاقبا (4).
هذا خبر منقطع لا يثبت، وإنما حرمت الخمر بعد موته (5).
__________
= التبتل، وابن ماجه (1848) في النكاح: باب النهي عن التبتل، والدارمي 2 / 133 في النكاح: باب النهي عن التبتل.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " عبدا ".
(2) راجع تفسير الآية (87) من سورة المائدة عند كل من الطبري، وابن كثير.
وانظر " الاستيعاب " 8 / 62.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 289، والحاكم 3 / 190 وصححه 3 / 190 وصححه فأخطأ.
فإن في سنده الواقدي وهو متروك.
أما الذهبي فقد تعقبه بقوله: سنده واه كما ترى.
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 286 وفيه " على أن أنكح كريمتي من لا أريد ".
وابن سابط هو عبد الرحمن تابعي أرسل عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
(5) وأعله صاحب " الاستيعاب " 8 / 63 - 64 أيضا، بأن تحريم الخمر - عند أكثر هم - إنما كان بعد أحد.
(*)

(1/155)


سفيان بن وكيع، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، حدثني أبو النضر، عن زياد، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فأكب عليه، فرفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء، ثم جثا الثانية، ثم رفع رأسه، فرأوه يبكي، ثم جثا الثالثة، فرفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم، فقال: مه، هذا من الشيطان.
ثم قال: أستغفر الله.
أبا السائب ! لقد خرجت منها ولم تلبس منها بشئ (1).
حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: لما مات ابن مظعون قالت امرأته: هنيئا لك الجنة.
فنظر إليها رسول الله
صلى الله عليه وسلم نظر غضب، وقال: ما يدريك ؟ قالت: فارسك وصاحبك.
قال: إني رسول الله، وما أدري ما يفعل بي ولا به.
فأشفق الناس على عثمان بن مظعون، فبكى النساء، فجعل عمر يسكتهن، فقال: مهلا يا عمر ! ثم قال:
__________
(1) سفيان بن وكيع ضعيف.
وهو في " حلية الاولياء " 1 / 105.
وذكره الهيثمي في المجمع 9 / 302 - 303 ونسبه إلى الطبراني، عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص عن أبيه، وقال: لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
ومما يدل على وهاء الحديث كون متنه منكرا فإنه جعل البكاء من الشيطان.
مع أنه ثبت في الصحيحين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، فاضت عيناه على بنت بنته، فاستغرب ذلك منه سعد بن عبادة وقال: ما هذا يا رسول الله ؟ فقال ؟ صلى الله عليه وسلم،: رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ".
وفي الصحيحين أيضا أنه بكى على ابنه إبراهيم وقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون وثبت عنه، صلى الله عليه وسلم، أيضا في الصحيحين، أنه قال: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم.
وأما المنهي عنه في الاسلام فهو النياحة، والندب، وضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.
وقد ثبت عنه، صلى الله عليه وسلم، من حديث عائشة، أنها رأته يقبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، وعيناه تذرفان.
أخرجه أبو داود (3133) والترمذي (989)، وابن ماجه (1456).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وله شاهد من حديث معاذ بن ربيعة عند البزار (809).
(*)

(1/156)


إياكن ونعيق الشيطان، مهما كان من العين فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان (1).
يعلى بن عبيد: حدثنا الافريقي، عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله ! لا أحب أن ترى امرأتي عورتي.
قال: ولم ؟ قال: أستحيي
من ذلك.
قال: إن الله قد جعلها لك لباسا وجعلك لباسا لها.
هذا منقطع (2).
ابن أبي ذئب، عن الزهري أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي، ويسيح في الارض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أليس لك في أسوة حسنة، وليس من أمتي من اختصى أو خصى " (3).
أبو إسحاق السبيعي: عن أبي بردة: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: مالك ؟ فما في قريش أغنى من بعلك ! قالت: أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " أما
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان.
وهو في " طبقات ابن سعد " 3 / 1 / 290.
وأخرجه الحاكم 3 / 190 من طريق: علي بن زيد، مع ضعف علي هذا، قال الذهبي: سنده صالح.
وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 302.
والقسم الاخير من هذا الحديث ليس فيه، وإنما عنده زيادة ليست هنا.
ونسبه إلى الطبراني، وقال: ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.
و " انظر الاستيعاب " 8 / 66، و " الحلية " 1 / 105.
(2) وضعيف أيضا لضعف الافريقي، واسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 286 - 287.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 287، ورجاله ثقات لكنه منقطع.
ونسبه السيوطي في " الدر المنثور " 2 / 309 إلى عبد الرزاق والطبراني.
وفي البخاري 9 / 101، ومسلم (1402) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا " وقد تقدم.
والتبتل: الانقطاع عن النساء.
(*)

(1/157)


لك بي أسوة..." الحديث (1).
قال: فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس.
حماد بن زيد: حدثنا معاوية بن عياش، عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون
قعد يتعبد، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عثمان ! إن الله لم يبعثني بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة " (2).
عن عائشة بنت قدامة قالت: نزل عثمان، وقدامة، و عبد الله، بنو مظعون، ومعمر بن الحارث، حين هاجروا، على عبد الله بن سلمة العجلاني.
قال الواقدي: آل مظعون ممن أوعب في الخروج إلى الهجرة، وغلقت بيوتهم بمكة (3).
وعن عبيدالله بن عتبة قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل مظعون موضع دارهم اليوم بالمدينة (4).
__________
(1) رجاله ثقات: وأبو بردة هو ابن أبي موسى الاشعري.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 287، وعبد الرزاق (10375) عن معمر، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون - واسمها خولة بنت حكيم - على عائشة، وهي باذة الهيئة.
فسألتها ما شأنك ؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي، صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له عائشة، فلقي النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عثمان ! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك في أسوة ؟ فوالله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لانا " ورجاله ثقات.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 287 ومعاوية بن عياش لم نقف له على ترجمة وباقي رجاله ثقات.
وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي قلابة، بلفظ " من يتبتل فليس منا ".
وأخرجه ابن أبي الشيخ من طريق: ابن جريج، عن المغيرة، عن عثمان واللفظ مختلف.
وانظر " الدر المنثور " 2 / 309.
(3) ابن سعد 3 / 1 / 288.
(4) ابن سعد 3 / 1 / 288.
(*)

(1/158)


ومات في شعبان سنة ثلاث.
الثوري: عن عاصم بن عبيدالله (1)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، ودموعة تسيل على خد عثمان ابن مظعون (2).
صححه الترمذي.
مالك: عن أبي النضر قال: لما مر بجنازة عثمان بن مظعون قال رسول الله: " ذهبت ولم تلبس منها بشئ " (3).
إبراهيم بن سعد: عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن أم العلاء من المبايعات، فذكرت أن عثمان بن مظعون اشتكى عندهم، فمرضناه حتى توفي، فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: شهادتي عليك أبا السائب.
لقد أكرمك الله ! فقال رسول الله: وما يدريك ؟ قلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن ؟ قال: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لارجو له الخير، وإني لرسول الله، وما أدري ما يفعل بي.
قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا.
قالت: فأحزنني
__________
(1) تصحف في المطبوع إلى " عبد ".
(2) أخرجه الترمذي (989) في الجنائز: باب ما جاء في تقبيل الميت، وأحمد 6 / 43، 206، وأبو داود (3163) في الجنائز: باب في تقبيل الميت، وابن ماجه (1456) في الجنائز: باب ما جاء في تقبيل الميت، وقال الترمذي: حديث صحيح، وصححه الحاكم 3 / 190 وسكت عنه الذهبي، مع أن فيه عندهم " عاصم بن عبيدالله " وهو ضعيف، لكن الحديث حسن بشاهده عند البزار (806) من حديث معاذ بن ربيعة.
(3) أخرجه مالك ص 166 في الجنائز مرسلا: باب جامع الجنائز، برقم (56)، ومن طريقه ابن سعد 3 / 1 / 289.
وقال الزرقاني: وصله ابن عبد البر من طريق: يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة.
(*)

(1/159)


ذلك، فنمت، فرأيت لعثمان عينا تجري، فأخبرت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ذاك عمله (1).
حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس بنحوه، وزاد: فلما ماتت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الحقي (2) بسلفنا الخير عثمان بن مظعون (3).
الواقدي: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيدالله أن عمر قال: لما توفي عثمان بن مظعون ولم يقتل، هبط من نفسي، حتى توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: ويك إن خيارنا يموتون، ثم توفي أبو بكر، قال: فرجع عثمان في نفسي إلى المنزلة (4).
وعن عائشة بنت قدامة قالت: كان بنو مظعون متقاربين في الشبه.
كان عثمان شديد الادمة، كبير اللحية.
رضي الله عنه (5).
__________
(1) أخرجه البخاري (3929) في مناقب الانصار، و (1243) في الجنائز: باب الدخول على الميت، و (2687) في الشهادات، و (7003) و (7004) في التعبير: باب رؤيا النساء، و (7018) فيه: باب العين الجارية في المنام.
و عبد الرزاق في المصنف برقم (20422).
(2) تصحفت في المطبوع إلى " ألحقني " (3) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وقد تقدم.
وأخرجه أحمد 1 / 237 - 238، 335، وابن سعد 3 / 1 / 290، والحاكم 3 / 190 وسكت عنه، وقال الذهبي: سنده صالح.
وهو في " الحلية " 1 / 125، و " الاصابة " 6 / 395، و " الاستيعاب " 8 / 62.
(4) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 290، والواقدي متروك.
(5) ابن سعد 3 / 1 / 291.
(*)

(1/160)


10 - قدامة بن مظعون * أبو عمرو الجمحي.
من السابقين البدريين، ولي إمرة البحرين لعمر، وهو من أخوال أم
المؤمنين حفصة، وابن عمر، وزوج عمتهما صفية بنت الخطاب، إحدى المهاجرات.
ولقدامة هجرة إلى الحبشة.
وقد شرب مرة الخمرة متأولا، مستدلا بقوله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا)، الآية [ المائدة: 93 ] فحده عمر، وعزله من البحرين (1).
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 291 - 292، نسب قريش: 394، طبقات خليفة: 25، تاريخ خليفة: 191، التاريخ الكبير: 7 / 178، التاريخ الصغير: 1 / 43، الجرح والتعديل: 7 / 127، مشاهير علماء الامصار: ت: 92، الاستيعاب: 9 / 146 - 150، أسد الغابة: 4 / 394 - 396، العقد الثمين: 7 / 72 - 74، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 60، الاصابة: 8 / 144 - 147.
(1) أخرجه عبد الرزاق (17076) عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة، وكان أبوه شهد بدرا، أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، وهو خال حفصة و عبد الله بن عمر.
فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين ! إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدا من حدود الله، حقا علي أن أرفعه إليك.
فقال عمر: من يشهد معك ؟ قال: أبو هريرة.
فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد ؟ قال: لم أره يشرب، ولكني رأيته سكران.
فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة.
قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين.
فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله عزوجل.
فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد ؟ قال: بل شهيد.
قال: فقد أديت شهادتك.
قال: فقد صمت الجارود حتى غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حد الله.
فقال عمر: ما أراك إلا خصما، وما شهد معك إلا رجل.
فقال الجارود: أنشدك الله.
فقال عمر: لتمسكن لسانك أو لاسوأنك.
فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن شرب ابن عمك وتسوؤني ؟ فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها وهي امرأة قدامة.
فأرسل عمر إلى هند ابنة الوليد ينشدها.
فأقامت الشهادة على زوجها.
فقال عمر لقدامة: إني حادك.
فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني.
فقال عمر: لم ؟ قال (*)

(1/161)


قال أيوب السختياني: لم يحد بدري في الخمر سواه (1).
قلت: بلى.
ونعيمان بن عمرو الانصاري النجاري صاحب المزاح (2).
قال ابن سعد: لقدامة من الولد: عمر، وفاطمة، وعائشة، وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، وشهد بدرا وأحدا (3).
وعن عائشة بنت قدامة أن أباها توفي سنة ست وثلاثين، وله ثمان وستون سنة.
وكان لا يغير شيبه، وكان طويلا أسمر، رضي الله عنه (4).
__________
قدامة: قال الله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا...) فقال عمر: أخطأت التأويل.
إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك.
قال: ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ذا ترون في جلد قدامة ؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضا.
فسكت عن ذلك أياما.
وأصبح يوما وقد عزم على جلده، فقال لاصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة ؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفا.
فقال عمر: لان يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي ائتوني بسوط تام.
فأمر بقدامة فجلد.
فغاضب عمر قدامة وهجره فحج وقدامة معه مغاضبا له، فلما قفلا من حجهما ونزل عمر بالسقيا نام ثم استيقظ من نومه.
قال عجلوا علي بقدامة فائتوني به فوالله إني لارى أن آتيا أتاني فقال: سالم قدامة فإنه أخوك.
فعجلوا إلي به.
فلما أتوه أبى أن يأتي فأمر به عمر إن أبى أن يجروه إليه.
فكلمه عمر واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما ".
وأخرجه البيهقي من طريقه أيضا في سننه 8 / 316.
ورجاله ثقات.
(1) أخرجه عبد الرزاق (17075).
وانظر الاستيعاب 9 / 150.
(2) انظر خبر حده في البخاري 12 / 56 في الديات: باب الضرب بالجريد والنعال وانظر " أسد الغابة " 5 / 352 و " الاصابة " 10 / 179.
(3) ابن سعد 3 / 1 / 291 - 292.
(4) أخرجه الحاكم 3 / 379، وابن سعد 3 / 1 / 292.
(*)

(1/162)


11 - عبد الله بن مظعون الجمحي * أبو محمد، من السابقين، شهد بدرا، هو وإخوته: عثمان، وقدامة، والسائب ولد أخيه، وهاجر عبد الله إلى الحبشة الهجرة الثانية (1).
قال ابن سعد: شهد بدرا وأحدا والخندق، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سهل بن عبيد بن المعلى الانصاري، قال: ومات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو ابن ستين سنة (2).

12 - السائب بن عثمان * * ابن مظعون الجمحي.
وأمه خولة بنت حكيم السلمية، وأمها ضعيفة بنت العاص بن أمية بن عبد شمس.
هاجر إلى الحبشة، وكان من الرماة المذكورين، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين حارثة بن سراقة الانصاري، المقتول ببدر الذي أصاب الفردوس (3).
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 291، نسب قريش: 393، طبقات خليفة: 25، الاستيعاب: 7 / 37، أسد الغابة: 3 / 394 - 395، العقد الثمين: 5 / 289، الاصابة: 6 / 220.
(1) ابن سعد 3 / 1 / 291.
(2) ابن سعد 3 / 1 / 291.
(* *) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 292، نسب قريش: 393، طبقات خليفة: 25، الجرح والتعديل: 4 / 241 - 242، مشاهير علماء الامصار: ت: 188، الاستيعاب: 4 / 114، أسد الغابة: 2 / 318، تاريخ الاسلام: 1 / 368، العقد الثمين: 4 / 505 - 506، الاصابة: 4 / 114.
(3) أخرجه أحمد 1 / 260، 264، 272، والبخاري (2809) في الجهاد: باب من أتاه سهم غرب، و (3982) في المغازي: باب فضل من شهد بدرا، و (6560) في الرقاق: باب صفة الجنة
والنار، (6567) فيهما.
ونص الرواية الاولى...قتادة، حدثنا أنس بن مالك، أن أم الربيع بنت (*)

(1/163)


قال ابن سعد (1): وشهد السائب بن عثمان بدرا في رواية ابن إسحاق، وأبي معشر، والواقدي.
ولم يذكره ابن عقبة، وكان هشام بن الكلبي يقول: الذي شهدها هو السائب بن مظعون أخو عثمان لابويه.
قال ابن سعد (2): هذا وهم.
إلى أن قال: وأصابه سهم يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة، قال: ومات منه.

13 - أبو حذيفة * السيد الكبير الشهيد أبو حذيفة ابن شيخ الجاهلية عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي العبشمي البدري.
__________
البراء، وهي أم حارثة بن سراقة، أتت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا نبي الله: ألا تحدثني عن حارثة ؟ - وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء ؟ قال: " يا أم حارثة ! إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الاعلى ".
وسهم غرب: لا يعرف راميه، أو لا يعرف من أين أتى، أو جاء على غير قصد من راميه، والثابت في الرواية بالتنوين وسكون الراء.
وقال ابن قتيبة: الاجود فتح الراء والاضافة.
وقال ابن زيد: إن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والاسكان، وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالاضافة وفتح الراء.
وقال الازهري: بفتح الراء لا غير.
وحكى ابن دريد، وابن فارس، والقزاز، وصاحب المنتهى، وغيرهم الوجهين مطلقا.
وأخرجه الترمذي (3173) في التفسير: باب ومن سورة المؤمنين، وفيه الربيع، وليس أم الربيع، كما هو عند البخاري، ووهم البخاري هذا لا يضر بالحديث، كما قال ابن حجر.
وصححه ابن حبان (2272).
(1) ابن سعد 3 / 1 / 292.
(2) ابن سعد 3 / 1 / 292.
(*) طبقات ابن سعد 3 / 1 / 59 - 60، تاريخ خليفة: 111، المعارف: 272، الاستيعاب: 11 / 194، أسد الغابة: 6 / 70 - 72، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 212، العبر: 1 / 14، العقد الثمين: 3 / 295، الاصابة: 11 / 81.
(*)

(1/164)


أحد السابقين.
واسمه مهشم (1) فيما قيل.
أسلم قبل دخولهم دار الارقم، وهاجر إلى الحبشة مرتين.
وولد له بها محمد بن أبي حذيفة، ذاك الثاثر (2) على عثمان بن عفان، ولدته له سهلة بنت سهيل بن عمرو، وهي المستحاضة (3).
وقد تزوج بها عبد الرحمن بن عوف، وهي التي أرضعت سالما، وهو كبير، لتظهر عليه.
وخصا بذاك الحكم عند جمهور العلماء (4).
وعن أبي الزناد أن أبا حذيفة بن عتبة دعا يوم بدر أباه إلى البراز، فقالت أخته أم معاوية هند بنت عتبة:
__________
(1) مهشم: قال السهيلي، في " الروض الانف "، في رده على ابن هشام في تسميته أبا حذيفة مهشما: وهو وهم عند أهل النسب، فإن مهشما إنما هو أبو حذيفة بن أخي هاشم وهشام ابني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وأما أبو حذيفة بن عتبة فاسمه قيس فيما ذكروا.
(2) محمد بن أبي حذيفة.
ولد بأرض الحبشة، ضمه عثمان إليه بعد أن استشهد أبوه باليمامة.
توجه إلى مصر في خلافة عثمان، وكان من اشد الناس تأليبا عليه.
خدعه معاوية وسجنه.
وقال ابن قتيبة: قتله رشدين مولى معاوية.
وقال ابن الكلبي: قتله مالك بن هبيرة السكوني.
وانظر ترجمته وما قام به من أحداث: " الاستيعاب " 10 / 26، و " الاصابة " 9 / 110 و " أسد الغابة " 5 / 87.
(3) أخرج أبو داود (295) في الطهارة: باب من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا، حدثني عبد العزيز بن يحيى، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد
الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي، صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة.
فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح ".
وانظر ترجمتها في " الاستيعاب " 13 / 50 و " أسد الغابة " 7 / 154، و " الاصابة " 12 / 319 - 320.
(4) سيرد هذا الخبر في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة ص (166) انظره هناك.
(*)

(1/165)


الاحول الاثعل المذموم طائره * أبو حذيفة شر الناس في الدين أما شكرت أبا رباك من صغر * حتى شببت شبابا غير محجون (1) قال: وكان أبو حذيفة طويلا، حسن الوجه، مرادف الاسنان، وهو الاثعل.
استشهد أبو حذيفة، رضي الله عنه، يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة هو ومولاه سالم.
وتأخر إسلام أخيه أبي هاشم بن عتبة، فأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وجاهد، وسكن الشام.
وكان صالحا، دينا، له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في (الترمذي، والنسائي، وابن ماجة).
مات في خلافة عثمان، وهو أخو الشهيد مصعب بن عمير لامه، وخال الخليفة معاوية.
روى منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، حدثنا سمرة بن سهم قال: قدمت على أبي هاشم بن عتبة، وهو طعين، فدخل عليه معاوية يعوده، فبكى، فقال: ما يبكيك يا خال ؟ أوجع أو حرص على الدنيا ؟ قال: كلا لا، ولكن عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم آخذ به.
قال لي: يا أبا هاشم ! لعلك أن تدرك أموالا تقسم بين أقوام، وإنما يكفيك من جمع الدنيا خادم، ومركب في سبيل الله.
وقد وجدت وجمعت (2).
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 59 يقال: حجن العود يحجنه حجنا: عطفه.
والمحجن: العصا
المعوجة.
(2) سمرة بن سهم مجهول.
وباقي رجاله ثقات.
وهو في " المسند " 5 / 290، وسنن النسائي 8 / 212 في الزينة: باب اتخاذ الخادم والمركب، وابن ماجه (4103) في الزهد: باب الزهد في الدنيا.
وأخرجه الترمذي (2328) في الزهد: باب ما يكفي في الدنيا من المال، بإسقاط سمرة بن سهم.
(*)

(1/166)


وفي رواية مرسلة: فيا ليتها بعرا محيلا.
قيل: عاش أبو حذيفة ثلاثا وخمسين سنة.

14 - سالم مولى أبي حذيفة * من السابقين الاولين البدريين المقربين العالمين.
قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل.
أصله من (1) إصطخر.
والى أبا حديفة، وإنما الذي أعتقه هي ثبيتة بنت يعار الانصارية، زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة، كذا قال.
ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد أن سهلة بنت سهيل أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله ! إن سالما معي، وقد أدرك ما يدرك الرجال، فقال: أرضعيه، فإذا أرضعته فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم.
قالت أم سلمة: أبى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد عليهن بهذا الرضاع، وقلن: إنما هي رخصة لسالم خاصة (2).
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 60 - 62، التاريخ الكبير: 4 / 107، التاريخ الصغير: 1 / 38، 40، المعارف: 273، مشاهير علماء الامصار: 101، الاستبصار: 294 - 296، حلية الاولياء: 1 / 176 - 178، الاستيعاب: 4 / 101 - 104، أسد الغابة: 2 / 307 - 309، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 206 - 207.
(1) تصحفت في المطبوع إلى " في ".
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 60 - 61 ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
ووصله: أحمد 6 / 201، ومسلم (1453) (28) في الرضاع: باب رضاعة الكبير، والنسائي 6 / 105 في النكاح: باب رضاع الكبير، من طريق ابن جريج، أخبرنا ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (1453)، والنسائي 6 / 104، وابن ماجه (1943) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة وأخرجه أحمد 6 / 228، وأبو داود (2061) في النكاح: باب من حرم به، و عبد الرزاق في " المصنف " (13886) و (13887) من طريق ابن شهاب = (*)

(1/167)


وعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة، حين قدم المدينة، لانه كان أقرأهم (1).
الواقدي: حدثنا أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان سالم يؤم المهاجرين بقباء، فيهم عمر قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
حنظلة بن أبي سفيان: عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: ما حبسك ؟ قلت: إن في المسجد لاحسن من سمعت صوتا بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: " الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك " (3)، إسناده جيد.
عبد الله بن نمير: عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر أن المهاجرين نزلوا بالعصبة إلى جنب قباء، فأمهم سالم مولى أبي حذيفة، لانه كان
__________
= الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه مالك ص: (375) في الرضاع من طريق الزهري، عن عروة، عن أبي حذيفة.
وانظر أقاويل العلماء في هذه المسألة في " زاد المعاد " 5 / 578 - 593 نشر مؤسسة الرسالة.
(1) سيرد تخريجه في الصفحة التالية تعليق رقم (1) وفي الاصل " حتى " بدل " حين ".
(2) الواقدي متروك وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 61 من طريق عن أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القرظي...(3) رجاله ثقات، وإسناده صحيح.
وأخرجه أحمد 6 / 165 وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 371 والحاكم 3 / 226 وصححه، ووافقه الدهبي.
ورواه ابن الاثير في " أسد الغابة " 2 / 308، والحافظ في " الاصابة " 4 / 105 من طريق: ابن المبارك.
(*)

(1/168)


أكثرهم قرآنا، فيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الاسد (1).
ورواه أسامة بن حفص، عن عبيد الله.
ولفظه: لما قدم المهاجرون الاولون العصبة قبل مقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان سالم يؤمهم.
وروي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: وآخى النبي صلى الله عليه وسلم، بين سالم مولى أبي حذيفة، وبين أبي عبيدة بن الجراح.
هذا منقطع.
وجاء من رواية الواقدي أن محمد بن ثابت بن قيس قال: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحفر لنفسه حفرة، فقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، ثم قاتل حتى قتل (2).
وروى عبيد بن أبي الجعد، عن عبد الله بن الهاد أن سالما باع ميراثه عمر ابن الخطاب فبلغ مئتي درهم، فأعطاها أمه، فقال: كليها.
وقيل: إن سالما وجد هو ومولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين، رضي الله عنهما (3).
ومن مناقب سالم:
__________
(1) أخرجه البخاري (692) في الاذان: باب إمامة العبد والمولى، و (7175) في الاحكام:
باب استقضاء الموالي واستعمالهم.
وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 177، وابن سعد 3 / 1 / 61.
وأبو سلمة بن عبد الاسد هو زوج أم سلمة، أم المؤمنين، قبل النبي، صلى الله عليه وسلم، ووقع في الرواية الثانية للبخاري: وفيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة.
واستشكل ذكر أبي بكر فيهم.
إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر كان رفيقه.
(2) انظر ابن سعد 3 / 1 / 61 والواقدي متروك.
(3) انظر " مستدرك الحاكم " 3 / 225.
(*)

(1/169)


أخبرنا الامام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد في كتابه، وجماعة، قالوا: أخبرنا حنبل بن عبد الله، أنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو من مال الله.
فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجال من المسلمين، لا ئتمنك الناس، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق، وائتمنه الناس، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، وإني جاعل هذا الامر إلى هؤلاء النفر الستة.
ثم قال: لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت إليه الامر لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح (1).
علي بن زيد لين (2) فإن صح هذا، فهو دال على جلالة هذين في نفس عمر، وذلك على أنه يجوز الامامة في غير القرشي، والله أعلم.
شهداء بدر عبيدة بن الحارث المطلبي، وعمير بن أبي وقاص الزهري، أخو سعد، وصفوان بن بيضاء، واسم أبيه: وهب بن ربيعة الفهري، وذو الشمالين عمير
ابن عبد عمرو الخزاعي، وعمير بن الحمام بن الجموع الانصاري، الذي رمى التمرات، وقاتل حتى قتل، ومعاذ بن عمرو بن الجموح السلمي، ومعاذ بن عفراء، وأخوه عوف، واسم أبيهما الحارث بن رفاعة من بني غنم بن عوف، وحارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي الانصاري، جاءه سهم غرب وهو غلام
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 20 وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وبه أعله المؤلف الذهبي رحمه الله.
(2) سقط من المطبوع لفظ " لين ".
(*)

(1/170)


حدث، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم حارثة ! إن ابنك أصاب الفردوس الاعلى " (1)، ويزيد بن الحارث بن قيس الخررجي، وأمه هي فسحم، ويقال له هو فسحم، ورافع بن المعلى الزرقي، وسعد بن خيثمة الاوسي، ومبشر بن عبد المنذر أخو أبي لبابة، وعاقل بن البكير بن عبد ياليل الكناني الليثي، أحد الاخوة الاربعة البدريين، فعدتهم أربعة عشر شهيدا.
وقتل من المشركين: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأخوه شيبة، ولهما مئة وأربعون سنة، وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، وأمية بن خلف الجمحي، وابنه علي، وعقبة بن أبي معيط، ذبح صبرا، وأبو البختري [ العاص ] بن هشام الاسدي، والعاص أخو أبي جهل، وحنظلة بن أبي سفيان، أخو معاوية، وعبيد، والعاص، ابنا أبي أحيحة، والحارث بن عامر النوفلي، وطعيمة عم جبير بن مطعم، وحارث بن زمعة بن الاسود، وأبوه، وعمه عقيل، ونوفل بن خويلد الاسدي، أخو خديجة، والنضر بن الحارث، قتل صبرا، وعمير بن عثمان، عم طلحة بن عبيدالله، ومسعود المخزومي أخو أم سلمة، وأبو قيس أخو خالد بن الوليد، وقيس بن
العاد بن المغيرة المخزومي، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهمي، وولدا منبه: حارثة والعاص.

15 - حمزة بن عبد المطلب * ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب...
__________
(1) سبق تخريجه في الصفحة (163) التعليق رقم (3).
ويقال: " سهم غرب " و " سهم غرب ": أي: لا يدرى راميه.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 3 - 11، نسب قريش: 17، 152، 200، تاريخ خليفة: 68، = (*)

(1/171)


الامام البطل الضرغام أسد الله أبو عمارة، وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد، عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخوه من (1) الرضاعة.
قال ابن إسحاق (2): لما أسلم حمزة، علمت قريش أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
قال أبو إسحاق: عن حارثة بن مضرب، عن علي: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: ناد حمزة، فقلت: من هو صاحب الجمل الاحمر ؟ فقال حمزة: هو عتبة بن ربيعة.
فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله (3).
وروى أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نساء الانصار يبكين على هلكاهن فقال: " لكن حمزة لا بواكي له " فجئن، فبكين على حمزة عنده.
إلى أن قال: " مروهن لا يبكين على هالك بعد
__________
= الجرح والتعديل 3 / 212، الاستيعاب: 3 / 70 - 82، أسد الغابة: 2 / 51 - 55، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 168 - 169، العبر: 1 / 5، مجمع الزوائد: 9 / 266 - 268، العقد الثمين: 4 / 227، الاصابة: 2 / 285 - 287، شذرات الذهب: 1 / 10.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " في ".
(2) جزء من حديث طويل عند ابن هشام 1 / 292، وابن الاثير في " أسد الغابة " 2 / 52 وذكره الهيثمي 9 / 267 ونسبه للطبراني وقال: مرسل ورواته ثقات.
وأخرجه الحاكم 3 / 193.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 6، وأخرجه الحاكم مطولا 3 / 194 وصححه وهو كما قال.
ولكن الذهبي قال: لم يخرجا لحارثة وقد وهاه ابن المديني.
وقد أخطأ رحمه الله في نقله توهية حارثة بن مضرب عن ابن المديني فإنه لم يثبت عنه، وحارثة وثقة أحمد، وابن معين، وابن حبان، وروى حديثه أصحاب السنن والبخاري في الادب المفرد.
(*)

(1/172)


اليوم " (1).
وفي كتاب " المستدرك " للحاكم: عن جابر مرفوعا: " سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله (2).
قلت: سنده ضعيف.
الدغولي (3): حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا رافع بن أشرس، حدثنا خليد الصفار، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب " (4).
هذا غريب.
__________
(1) سنده قوي.
وأخرجه أحمد 2 / 84، 92، 40 والرواية الاخيرة مختصرة.
وابن ماجه (1591) في الجنائز: باب ما جاء في البكاء على الميت، وابن سعد 3 / 1 / 10، وصححه الحاكم 3 / 195 ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن كثير في " البداية " 4 / 48: هو على شرط مسلم.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 195 من طريق: رافع بن أشرس المروزي، عن خليد الصفار، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر..وصححه.
وتعقبه الذهبي بقوله: الصفار لا يدرى من هو.
وفاته أن رافع بن أشرس مجهول الحال.
ولكن للحديث طريق آخر يتقوى به ويصح، أخرجه البغدادي 6 / 377 من طريق إسحاق بن يعقوب العطار، عن عمار بن نصر، عن حكيم بن زيد، عن
إبراهيم الصائغ، به..وهذا إسناد حسن وحكيم بن زيد مترجم في " الجرح والتعديل " 3 / 204 وفيه: صالح شيخ.
(3) بفتح الدال، وضم الغين.
هو أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الدغولي.
كان زعيم سرخس.
سمع جده أبا العباس، وسمع منه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وذكره في تاريخه.
فقال: كان له بسرخس مجلس الاملاء، توفي بها سنة 365 ه.
انظر " الانساب " 5 / 359 للسمعاني.
(4) إسناده تالف.
فيه مجهولان: رافع بن أشرس، وشيخه الصفار.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 268 ونسبه إلى الطبراني في " الاوسط "، وقال: فيه حكيم بن زيد، قال الازدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا.
كذا قال في حكيم هذا مع أن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه قوله فيه " صالح شيخ " كما سبق.
(*)

(1/173)


أسامة بن زيد: عن نافع، عن ابن عمر قال: رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، فسمع نساء بني عبد الاشهل يبكين على هلكاهن.
فقال: " لكن حمزة لا بواكي له " فجئن نساء الانصار، فبكين على حمزة عنده، فرقد، فاستيقظ وهن يبكين.
فقال: " يا ويحهن ! أهن ها هنا حتى الآن، مروهن، فلير جعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم " (1).
ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان ابن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيدالله بن عدي بن الخيار في زمن معاوية غازيين.
فمررنا بحمص، وكان وحشي بها.
فقال ابن عدي: هل لك أن نسأل وحشيا كيف قتل حمزة.
فخرجنا نريده.
فسألنا عنه، فقيل لنا: إنكما ستجدانه بفناء داره على طنفسة له.
وهو رجل قد غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا، تجدا رجلا عربيا، فأتيناه، فإذا نحن
بشيخ كبير أسود مثل البغاث (2)، على طنفسة له، وهو صاح، فسلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيدالله بن عدي.
فقال: ابن لعدي والله ابن الخيار أنت ؟ قال: نعم...فقال: والله ما رأيتك مند ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، وهي على بعيرها، فلمعت لي قدماك.
قلنا: إنا أتينا لتحدثنا كيف قتلت حمزة.
قال: سأحدثكما بما حدثت به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كنت عبد جبير بن مطعم.
وكان عمه طعيمة بن عدي قتل يوم بدر.
فقال لي: إن قتلت حمزة،
__________
(1) سنده قوي.
وقد تقدم في الصفحة (173) تعليق رقم (1).
(2) قال ابن هشام في " السيرة ": هو ضرب من الطير إلى السواد، وهو ضعيف الجثة كالرخمة وغيرها مما لا يصيد ولا يصاد.
وفي البخاري: " كأنه حميت ": الزق الكبير.
(*)

(1/174)


فأنت حر.
وكنت صاحب حربة أرمي قلما أخطئ بها.
فخرجت مع الناس، فلما التقوا، أخذت حربتي، وخرجت أنظر حمزة، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الاورق (1)، يهد الناس بسيفه هدا ما يليق (2) شيئا.
فوالله إني لا تهيأ له إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي، فلما رآه حمزة، قال: هلم إلى با ابن مقطعة البظور (3) ! ثم ضربه حمزة، فوالله لكأن (4) ما أخطأ رأسه، ما رأيت شيئا قط كان أسرع من سقوط رأسه.
فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها، دفعتها عليه، فوقعت في ثنته (5) حتى خرجت بين رجليه.
فوقع، فذهب لينوء (6)، فغلب، فتركته وإياها، حتى إذا مات، قمت إليه، فأخذت حربتي.
ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لي حاجة بغيره.
فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، هربت إلى الطائف.
فلما خرج وفد الطائف ليسلموا، ضاقت علي الارض بما رحبت، وقلت: ألحق
بالشام، أو اليمن، أو بعض البلاد.
فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال رجل: والله إن (7) يقتل محمد أحدا دخل في دينه.
فخرجت حتى
__________
(1) الذي لونه بين الغبرة والسواد.
وسمي كذلك لما عليه من الغبار.
(2) جاء في " أساس البلاغة ": هذا سيف لا يليق شيئا، أي: لا يمر بشئ إلا قطعه.
وقال: بأفل عضب لا يليق ضريبة * في متنه دخن وأثر أحلس وفي السيرة لابن هشام: ما يقوم له شئ.
(3) البظور: جمع بظر: وهي اللحمة التي تقطع من فرج المرأة عند الختان.
قال ابن إسحاق: كانت أمه ختانة بمكة تختن النساء.
والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم.
وإلا قالوا: خاتنة.
انظر " فتح الباري " 7 / 369 سلفية.
(4) سقط لفظ " لكأن " من المطبوع.
(5) الثنة: أسفل البطن إلى العانة.
(6) أي: لينهض متثاقلا.
(7) تصحفت في المطبوع إلى " لن ".
و " إن " هنا بمعنى " ما " النافية.
(*)

(1/175)


قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: وحشي ؟ قلت: نعم.
قال: اجلس، فحدثني كيف قتلت حمزة.
فحدثته كما أحدثكما، فقال: " ويحك ! غيب عني وجهك، فلا أرينك " فكنت أتنكب (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، حتى قبض.
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة ! خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة.
فلما التقى الناس، نظرت إلى مسيلمة وفي يده السيف، فوالله ما أعرفه، وإذا رجل من الانصار يريده من ناحية أخرى، فكلانا يتهيأ له.
حتى إذا أمكنني، دفعت عليه حربتي، فوقعت فيه.
وشد الانصاري عليه، فضربه
بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن أنا قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت شر الناس (2).
وبه عن سليمان بن يسار: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا يقول: قتله العبد الاسود.
يعني مسيلمة (3).
__________
(1) تنكب فلان عنا، أي: مال عنا وتجنبنا.
(2) إسناده قوي إلي وحشي.
وأخرجه ابن هشام 2 / 70 - 73 وابن الاثير في " أسد الغابة " 5 / 438 - 440، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 11 / 51 وكلهم من هذا الطريق.
وأخرجه البخاري (4072) في المغازي: باب قتل حمزة، رضي الله عنه، من طريق أبي جعفر محمد بن عبد الله، عن حجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن جعفر بن يسار، عن جعفر بن عمرو الضمري...(3) انظر ابن هشام 2 / 73، و " أسد الغابة " 5 / 440، و " الاستيعاب " 11 / 49 وكلهم من طريق: ابن إسحاق.
عن عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - وكان قد شهد اليمامة - قال: سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الاسود.
وأخرجه البخاري في نهاية الحديث (4072) قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان ابن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية، على ظهر البيت: وا أمير المؤمنين قتله العبد الاسود.
(*)

(1/176)


أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس قال: لما كان يوم أحد وقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حمزة وقد جدع ومثل به، فقال: " لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير ".
وكفن في نمرة إذا خمر رأسه، بدت رجلاه، وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه.
ولم يصل على أحد من الشهداء.
وقال: " أنا شهيد عليكم " وكان يجمع الثلاثة في قبر، والاثنين
فيسأل: أيهما أكثر قرآنا فيقدمه في اللحد، وكفن الرجلين والثلاثة في ثوب (1).
ابن عون: عن عمير بن إسحاق، عن سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين ويقول: أنا أسد الله (2).
رواه يونس بن بكير، عن ابن عون، عن عمير، مرسلا، وزاد: فعثر (3) فصرع مستلقيا، وانكشفت الدرع عن بطنه، فزرقه (4) العبد الحبشي، فبقره (5).
عبد العزيز بن الماجشون: عن عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار
__________
(1) إسناده حسن.
وأخرجه أحمد 3 / 128، وابن سعد 3 / 1 / 8، وأبو داود (3136) في الجنائز: باب في الشهيد يغسل، والترمذي (1016) في الجنائز: باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة.
وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، والبيهقي 4 / 10 - 11، والطحاوي 1 / 502، وصححه الحاكم 3 / 196، ووافقه الذهبي.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 6، والحاكم 3 / 194 وصححه ووافقه الذهبي.
(3) سقط هذا اللفظ من المطبوع.
(4) زرقه: رماه.
(5) أخرجه ابن عبد البر في " الاستيعاب " 3 / 78، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 268 ونسبه إلى الطبراني، وقال: رجاله إلى قائله رجال الصحيح.
(*)

(1/177)


عن جعفر بن عمرو الضمري، قال: خرجت مع ابن الخيار إلى الشام، فسألنا عن وحشي، فقيل: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت (1).
فجئنا، فسلمنا ووقفنا (2) يسيرا.
وكان ابن الخيار معتجرا بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه، فقال: يا وحشي ! تعرفني ؟ قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن
الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت غلاما بمكة، فاسترضعته، فحملته مع أمه، فناولتها إياه لكأني أنظر إلى قدميك.
قال: فكشف عبيدالله عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا عن قتل حمزة، قال: نعم.
إنه قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر.
فقال لي مولاي جبير: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر.
فلما خرج الناس عن (3) عينين - وعينون جبل تحت أحد، بينه وبين أحد واد - قال سباع: هل من مبارز ؟ فقال حمزة: يا ابن مقطعة البظور ! تحاد الله ورسوله ؟ ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب.
فكمنت لحمزة تحت صخرة حتى مر علي (4) فرميته في ثنته حتى خرجت الحربة من وركه.
إلى أن قال: فكنت بالطائف، فبعثوا رسلا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه لا يهيج (5) الرسل.
فخرجت معهم، فلما رآني، قال: أنت وحشي ؟ قلت: نعم.
قال: الذي قتل حمزة ؟ قلت: نعم.
قد كان الامر الذي بلغك.
قال: ما
__________
(1) الحميت: الزق.
(2) سقطت من المطبوع لفظة " ووقفنا ".
(3) كذا في الاصل: وفي البخاري " عام عينين ".
قال الحافظ في " الفتح " 7 / 369: والسبب في نسبة وحشي هذا العام إليه دون أحد، أن قريشا نزلوا عنده.
قال ابن إسحاق: فنزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي مقابل المدينة.
(4) تحرفت في المطبوع إلى " بي ".
(5) تحرفت في المطبوع إلى " يقتل ".
(*)

(1/178)


تستطيع أن تغيب عني وجهك ؟ قال: فرجعت.
فلما توفي وخرج مسيلمة قلت: لاخرجن إليه لعلي أقتله، فأكافي به
حمزة.
فخرجت مع الناس، وكان من أمرهم ما كان، فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل (1) أورق، ثائر رأسه، فأرميه بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الانصار، فضربه بالسيف على هامته.
قال سليمان بن يسار: فسمعت ابن عمر يقول: قالت جارية على ظهر بيت: أمير المؤمنين قتله العبد الاسود (2).
قال موسى بن عقبة: ثم انتشر المسلمون يبتغون قتلاهم فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به، إلا حنظلة بن أبي عامر، وكان أبوه أبو عامر مع المشركين، فترك لاجله.
وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا، فدفع صدره برجله ثم قال: دينان قد أصبتهما، قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دنيس، ولعمر الله إن كنت لو اصلا للرحم برا بالوالد.
ووجدوا حمزة قد بقر بطنه، واحتمل وحشي كبده إلى هند في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر.
فدفن في نمرة كانت عليه، إذا رفعت إلى رأسه، بدت قدماه، فغطوا قدميه بشئ من الشجر.
ابن إسحاق: حدثني بريدة، عن محمد بن كعب القرظي قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (3): لئن ظفرت بقريش لامثلن بثلاثين منهم.
فلما رأى أصحاب رسول
__________
(1) سقطت من المطبوع.
(2) أخرجه البخاري (4072) في المغازي: باب قتل حمزة.
والطيالسي 2 / 100 برقم (2348).
وانظر ابن هشام 2 / 70 - 73.
وانظر التعليق (2) في الصفحة (176).
(3) سقطت من المطبوع عبارة " قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ".
(*)

(1/179)


الله، صلى الله عليه وسلم، ما به من الجزع قالوا: لئن ظفرنا بهم، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد، فأنزل الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)
[ النحل: 126 ] إلى آخر السورة.
فعفا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (1).
أبو بكر بن عياش: عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لما قتل حمزة أقبلت صفية أخته، فلقيت عليا والزبير، فأرياها أنهما لا يدريان، فجاءت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: فإني أخاف على عقلها، فوضع يده على صدرها ودعا لها، فاسترجعت وبكت.
ثم جاء فقام عليه، وقد مثل به، فقال: " لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع " ثم أمر بالقتلى، فجعل يصلي عليهم بسبع تكبيرات ويرفعون، ويترك حمزة، ثم يجاء بسبعة، فيكبر عليهم سبعا حتى فرغ منهم (2).
__________
(1) هو على إرساله لا يصح فإن بريدة هو ابن سفيان بن فروة الاسلمي ضعفه غير واحد.
وقال الدار قطني: متروك.
وقال البخاري: فيه نظر.
وقال العقيلي: سئل أحمد عن حديثه فقال: بلية وانظر ابن هشام 2 / 96.
(2) أخرجه ابن ماجه (1513) مختصرا في الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.
وابن سعد 3 / 1 / 7، والحاكم 3 / 197 وسكت عنه.
ولكن الذهبي قال: سمعه أبو بكر بن عياش من يزيد وليسا بمعتمدين.
وخرجه الطحاوي 1 / 503، والدار قطني 2 / 474، والبيهقي 4 / 12 وقال: لا أحفظه إلا من حديث أبي بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وكانا غير حافظين.
لكن للحديث شواهد يصح بها.
ففي الباب، عن ابن مسعود أخرجه أحمد 1 / 463 حدثنا عفان ابن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود أن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين.
فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله عزوجل: (منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم)، فلما خالف أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تسعة، سبعة من الانصار ورجلين من قريش.
وهو عاشرهم، فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا.
قال: فقام رجل من الانصار، فقاتل ساعة حتى قتل.
فلما رهقوه أيضا قال: رحم
الله رجلا ردهم عنا، فلم يزل يقول ذا، حتى قتل السبعة.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لصاحبه: ما أنصفنا أصحابنا.
فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل.
فقالوا: الله أعلى وأجل.
فقال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا: = (*)

(1/180)


يزيد ليس بحجة، وقول جابر: لم يصل عليهم أصح (1) وفي " الصحيحين " من حديث عقبة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى على قتلى أحد صلاته على الميت، فهذا كان قبل موته بأيام (2).
__________
= الله مولانا، والكافرون لا مولى لهم.
ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ويوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، وفلان بفلان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون، قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملامنا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني.
قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أأكلت منه شيئا ؟ قالوا: لا.
قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار، فوضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمزة فصلى عليه، وجئ برجل من الانصار، فوضع إلى جنبه فصلى عليه.
فرفع الانصاري وترك حمزة.
ثم جئ بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة ".
وعن عبد الله بن الزبير، أحرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1 / 290 وسنده جيد.
وعن جابر عند الحاكم 2 / 119 - 120، وعن شداد بن الهاد أخرجه النسائي 4 / 60 - 61 في الجنائز: باب الصلاة على الشهداء، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1 / 291 وإسناده صحيح.
صححه الحاكم 3 / 595 - 596.
(1) قال ابن القيم، رحمه الله، في تهذيب السنن 4 / 295: والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجئ الآثار لكل واحد من الامرين.
وهذه إحدى الروايات عن الامام
أحمد، وهي الاليق بأصوله ومذهبه.
(2) أخرجه أحمد 4 / 149، 153، والبخاري (1344) في الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، و (3596) في المناقب: باب علامات النبوة في الاسلام، و (4042) في المغازي: باب غزوة أحد، و (4085) فيه: باب أحد جبل يحبنا ونحبه، و (6426) في الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، و (6590) في الرقاق: باب في الحوض، ومسلم (2296) في الفضائل: باب إثبات حوض نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وصفاته، والنسائي 4 / 61 - 62 إلى قوله " وأنا شهيد عليكم ".
ونص مسلم من طريق وهب بن جرير، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد، عن عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للاحياء والاموات فقال: " إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم ".
قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
(*)

(1/181)


ويروى من حديث ابن عباس وأبي هريرة قوله عليه السلام: " لئن ظفرت بقريش، لامثلن بسبعين منهم " فنزلت (وإن عاقبتم): الآية (1).
عبدان: أخبرنا عيسى بن عبيد الكندي، حدثني ربيع بن أنس، حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب أنه أصيب من الانصار يوم أحد سبعون.
قال: فمثلوا بقتلاهم، فقالت الانصار: لئن أصبنا منهم يوما من الدهر، لنربين عليهم.
فلما كان يوم فتح مكة، نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم ! مرتين.
فأنزل الله على نبيه (وإن عاقبتم)، الآية.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " كفوا عن القوم " (2).
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 197 من طريق: خالد بن خداش، عن صالح المري، عن سليمان
التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نظر يوم أحد إلى حمزة، وقد قتل ومثل به، فرأى منظرا لم ير منظرا قط أوجع لقلبه منه، ولا أوجل.
فقال: رحمة الله عليك، قد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات.
ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تجئ من أفواه شتى، ثم حلف، وهو واقف مكانه، والله لامثلن بسبعين منهم مكانك.
فنزل القرآن وهو واقف في مكانه، لم يبرح: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
) حتى ختم السورة.
وكفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن يمينه، وأمسك عماد أراد.
وإسناده ضعيف لضعف صالح المري، وبه أعله الذهبي.
وذكره ابن كثير في " تفسيره ": 2 / 592 من طريق البزار وضعفه بصالح أيضا.
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 4 / 135 ونسبه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في " الدلائل ".
ثم إن متن الحديث معل بما قاله ابن كثير في " سيرته " 2 / 79 من أن هذه الآية مكية، وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا ؟.
أما خبر ابن عباس فقد ذكره السيوطي في " الدر المنثور " 4 / 135 ونسبه إلى ابن المنذر والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في " الدلائل ".
(2) إسناده حسن.
وأخرجه أحمد 5 / 135، والترمذي (3128) في " التفسير ": باب ومن سورة النمل.
وقال: حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب.
والحاكم 2 / 359 وابن حبان (1695).
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 4 / 135 وزاد نسبته إلى النسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في " الدلائل ".
(*)

(1/182)


يونس بن بكير: عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: جاءت صفية يوم أحد معها ثوبان لحمزة، فلما رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كره أن ترى حمزة على حاله.
فبعث إليها الزبير يحبسها، وأخذ الثوبين.
وكان إلى جنب حمزة قتيل من الانصار، فكرهوا أن يتخيروا لحمزة فقال: أسهموا بينهما فأيهما طار له أجود
الثوبين فهو له.
فأسهموا بينهما، فكفن حمزة في ثوب، والانصاري في ثوب (1).
ابن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عند الحرب ولا يزهدوا في الجهاد، قال الله: أنا أبلغهم عنكم.
__________
(1) سنده جيد.
وأخرجه أحمد 1 / 165 والبيهقي في سننه 4 / 401 - 402 من طريق سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن عروة قال: أخبرني أبي الزبير، رضي الله عنه، أنه لما كان يوم أحد، أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي، صلى الله عليه وسلم، أن تراهم.
فقال: المرأة المرأة.
قال الزبير، رضي الله عنه: فتو سمت أنها أمي صفية.
قال: فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمت في صدري وكانت امرأة جلدة، قالت: إليك لا أرض لك.
قال: فقلت: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عزم عليك قال: فوقفت وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لاخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما.
قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الانصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة.
قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين والانصاري لا كفن له.
فقلنا: لحمزة ثوب وللانصاري ثوب.
فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له ".
(*)

(1/183)


فأنزلت (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) [ آل عمران: 169 ] (1).
ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول إذا ذكر أصحاب أحد: " أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب فحص الجبل " (2).
يقول: قتلت معهم.
وجاء بإسناد فيه ضعف عن جابر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما رأى حمزة قتيلا، بكى، فلما رأى ما مثل به شهق (3)
__________
(1) رجاله ثقات.
ورواه أبو داود (2520) في الجهاد: باب في فضل الشهادة، والحاكم 2 / 88، 297 من طريق: عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وأخرجه ابن هشام 2 / 119، وأحمد 1 / 266 من طريق ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن ابن عباس، ولم يذكرا فيه سعيد بن جبير.
قال ابن كثير: والاول أثبت.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1887) من طريق الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل.
فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا ؟ قالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات.
فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى.
فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ".
(2) إسناده قوي.
وهو في " المسند " 3 / 375 وفيه " نحض ".
وفي " سيرة ابن كثير " 3 / 89 " بحضن " وهو تحريف.
وفحص الجبل: سفحه وما بسط منه.
(3) أخرجه الحاكم 3 / 197 مختصرا و 199 مطولا وسكت عنه وكذلك الذهبي.
في الاولى وصححاه في الثانية المطولة.
وفي سنده أبو حماد الحنفي المفضل بن صدقة وهو ضعيف، و عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه لين.
وقد عد الذهبي هذا الحديث في ميزانه من منكرات أبي حماد الحنفي.
(*)

(1/184)


16 - عاقل بن البكير * وقيل: عاقل بن أبي البكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكير بن عبد مناة بن كنانة الليثي.
نسبه محمد بن سعد وقال: كان اسمه غافلا، فسماه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عاقلا.
وكان أبو البكير حالف نفيل بن عبد العزى جد عمر، وكان أبو معشر، والواقدي يقولان: ابن أبي البكير.
قال: وكان موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن الكلبي يقولون: ابن البكير (1).
أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان قال: أسلم غافل، وعامر، وإياس، وخالد، بنو أبي البكير جميعا، وهم أول من بايع في دار الارقم (2).
وأنبأنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر قال: خرج بنو أبي البكير مهاجرين فأوعبوا، رجالهم ونساؤهم، حتى غلقت أبوابهم.
فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بالمدينة.
ثم قال: وقالوا: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عاقل وبين مبشر بن عبد المنذر، فقتلا معا ببدر
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 282 - 283، طبقات خليفة: 23، تاريخ خليفة، 60، الاستيعاب: 9 / 71، أسد الغابة: 3 / 116، العقد الثمين: 5 / 81، الاصابة: 5 / 273، شذرات الذهب: 1 / 9.
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 282 وهو في " الاصابة " 5 / 273.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 282 وهو في " أسد الغابة " 3 / 116 وفي " الاصابة " 5 / 273.
(*)

(1/185)


وقيل: آخى بين عاقل وبين مجذر بن زياد.
استشهد عاقل يوم بدر شهيدا، وهو ابن أربع وثلاثين سنة.
قتله مالك ابن زهير الجشمي (1).

17 - أخوه خالد بن البكير * أو ابن أبي البكير.
قال ابن سعد: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين زيد بن الدثنة.
شهد خالد بدرا، وأحدا، وقتل يوم الرجيع (2) في صفر سنة أربع، وله أربع وثلاثون سنة.

18 - أخوهما إياس بن أبي البكير * *
قال ابن سعد (3): آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين الحارث بن خزمة، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
وشهد فتح مصر.
توفي سنة أربع وثلاثين.
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 283 وهو في " أسد الغابة " 3 / 116 وعند ابن هشام 1 / 477.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 283، طبقات خليفة: 13، تاريخ خليفة: 74، 75، الاستيعاب: 3 / 162 - 163، أسد الغابة: 2 / 91، العقد الثمين: 4 / 261، الاصابة: 3 / 51.
(2) المراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل، على ثمانية أميال من عسفان وفيه كانت الموقعة، من جهة الغرب، وبه سميت.
وخبر غزوة الرجيع في البخاري (4086) في المغازي: باب غزوة الرجيع.
وعند ابن هشام 2 / 169، وعند ابن كثير في " السيرة " 3 / 123.
(* *) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 283، طبقات خليفة: 23، الاستيعاب: 1 / 230، أسد الغابة: 1 / 181، العقد الثمين: 3 / 339، الاصابة: 1 / 143.
(3) ابن سعد 3 / 1 / 283.
(*)

(1/186)


أخوهم الرابع
19 - عامر بن أبي البكير *
قال ابن سعد: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين ثابت بن قيس بن شماس.
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قلت: ما شهد بدرا إخوة أربعة سواهم.
واستشهد عامر يوم اليمامة (1).

20 - مسطح بن أثاثة * * ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، المطلبي المهاجري البدري، المذكور في قصة الافك.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 283، طبقات خليفة: 23، تاريخ خليفة: 113، الاستيعاب: 5 / 284، أسد الغابة: 3 / 118، العقد الثمين: 5 / 82، الاصابة: 5 / 275.
(1) أصل معناها الحمامة.
وأطلقت على هذا الصقع المعروف شرقي الحجاز الذي كانت تقيم به بنو حنيفة.
وهناك آراء متعددة في سبب هذه التسمية.
انظر " اللسان "، و " معجم البلدان " و " المصباح المنير ".
ولمعرفة ما حدث يوم اليمامة من الحروب الطاحنة بين خالد بن الوليد ومسيلمة الكذاب، انظر الطبري في " تاريخه " 3 / 281 - 301، و " الكامل " في التاريخ لابن الاثير 2 / 361 - 367.
(* *) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 36، نسب قريش: 95، طبقات خليفة: 9.
المعارف 328، الجرح والتعديل: 8 / 425، مشاهير علماء الامصار: 33، حلية الاولياء: 2 / 20، الاستيعاب: 10 / 248 - 249، أسد الغابة: 5 / 156، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 89، العبر: 1 / 35، العقد الثمين: 6 / 443 - 445 و 7 / 179، الاصابة: 9 / 182 - 183.
(*)

(1/187)


كان فقيرا ينفق عليه أبو بكر (1).
ذكره ابن سعد فقال: كان قصيرا، غائر العينين، شثن الاصابع، عاش ستا وخمسين سنة.
قال: وتوفي سنة أربع وثلاثين، رضي الله عنه.
إياك يا جري (2) أن تنظر إلى هذا البدري شزرا لهفوة بدت منه، فإنها قد غفرت، وهو من أهل الجنة.
وإياك يا رافضي (3) أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها فتجب لك النار.

21 - أبو عبس * (خ، ت، س) ابن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث الاوسي.
واسمه
__________
(1) أخرج البخاري (4750) في التفسير، باب: لولا إذ سمعتموه...، في نهاية الحديث هذا..." فلما أنزل الله في براءتي، قال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح ابن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال.
فأنزل الله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي.
فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا ".
(2) سهل همزة جرئ لتتسق السجعة مع البدري.
وهو على فعيل من جرؤ: إذا هجم على الامر بدون توقف.
وقد تحرفت في المطبوع إلى " جبري ".
(3) انظر في سبب تسميتهم بذلك " مقالات الاسلاميين " 1 / 89 لابي الحسن الاشعري.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 23، طبقات خليفة: 79، المعارف: 326، الجرح والتعديل: 5 / 220، الاستيعاب: 6 / 35، أسد الغابة: 3 / 431، تهذيب الكمال: 1621، تاريخ الاسلام: 2 / 120، تهذيب التهذيب: 12 / 156، الاصابة: 6 / 270، خلاصة تذهيب الكمال: 454.
(*)

(1/188)


عبد الرحمن.
بدري كبير له ذرية بالمدينة وببغداد.
وكان يكتب بالعربية، وكان هو وأبو بردة ابن نيار يكسران أصنام بني حارثة.
آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين خنيس بن حذافة السهمي.
شهد بدرا والمشاهد، وكان فيمن قتل كعب بن الاشرف (1) وكان عمر وعثمان يبعثانه مصدقا (2).
حدث عنه ابنه زيد، وحفيده أبو عبس بن محمد بن أبي عبس، وعباية بن رفاعة.
مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان، وعاش سبعين سنة، وقبره بالبقيع.

22 - ابن التيهان * أبو الهيثم، مالك بن التيهان بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة الانصاري حليف بني عبد الاشهل.
قاله جماعة.
__________
(1) خبر قتله أخرجه البخاري (4037) في المغازي: باب قتل كعب بن الاشرف.
والحديث طويل فليراجع هناك (2) المصدق: بتخفيف الصاد: هو الذي يأخذ صدقات النعم.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 21 - 23، طبقات خليفة: 78، 332، تاريخ خليفة: 149، المعارف: 270، الجرح والتعديل: 8 / 207، مشاهير علماء الامصار: ت: 32، الاستبصار: 228، الاستيعاب: 9 / 305، أسد الغابة: 5 / 14، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 79 - 80، العبر: 1 / 24، مجمع الزوائد: 9 / 344، الاصابة: 9 / 40، شذرات الذهب: 1 / 31.
(*)

(1/189)


وقال عبد الله بن محمد بن عمارة الانصاري: هو من الاوس، من أنفسهم.
ثم قال: هو ابن التيهان بن مالك بن عمرو بن زيد بن عمرو بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس.
وأمه من بني جشم
المذكور.
قال الواقدي: كان أبو الهيثم يكره الاصنام في الجاهلية ويؤفف بها، ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة.
وكانا من أول من أسلم من الانصار بمكة.
ويجعل في الثمانية الذين لقوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة، ويجعل في الستة، وفي أهل العقبة الاولى الاثني عشر، وفي السبعين (1).
آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين عثمان بن مظعون.
شهد بدرا والمشاهد، وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر (2) خارصا (3) بعد ابن رواحة.
وعن محمد بن يحيى بن حبان أن أبا الهيثم بعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خارصا، ثم بعثه أبو بكر، فأبى، وقال: إني كنت إذا خرصت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرجعت، دعا لي.
وعن صالح بن كيسان قال: توفي أبو الهيثم في خلافة عمر.
__________
(1) الخبر في " الطبقات " 3 / 448 بأطول مما هنا فراجعه.
(2) سقطت " إلى خيبر " من المطبوع.
(3) الخرص: بفتح الخاء، وحكي بكسرها، وبسكون الراء، وهو: حزر ما على النخل من الرطب ثمرا، وهو تقدير بظن لا إحاطة.
وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم، في تفسيره، أن الثمار إذا أدركت من الرطب = (*)

(1/190)


وقال غيره: توفي سنة عشرين.
قال الواقدي: هذا أثبت عندنا ممن روى أنه قتل بصفين مع علي.
أخبرنا سنقر، أخبرنا عبد اللطيف، أنبأنا عبد الحق، أنبأنا أبو الحسن الحاجب، أنبأنا أبو الحسن الحمامي، أنبأنا ابن قانع، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن جامع العطار، حدثنا عبد الحكيم بن منصور، حدثنا عبد
الملك بن عمير، عن أبي سلمة عن أبي الهيثم بن التيهان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المستشار مؤتمن " (1).
__________
والعنب، مما تجب فيه الزكاة، بعث السلطان خارصا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا وكذا تمرا، فيحصيه.
وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم، ويخلي بينهم وبين الثمار.
فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر.
(1) إسناده ضعيف جدا.
محمد بن جامع العطار ضعفه أبو يعلى، وأبو حاتم، وقال ابن عدي: لا يتابع على أحاديثه، وشيخه عبد الحكيم بن منصور قال يحيى بن معين والدار قطني: متروك.
وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، لكن متن الحديث صحيح.
فقد رواه أبو داود (5148) في الادب: باب في المشورة، والترمذي (2370) في الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، و (2823) في الادب: باب المستشار مؤتمن، وابن ماجه (3745) في الادب: باب المستشار مؤتمن، كلهم من طريق شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن ".
وأخرجه أحمد 5 / 274، وابن ماجه (3746)، والدارمي 2 / 219 كلهم من طريق الاعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الانصاري، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " المستشار مؤتمن ".
(*)

(1/191)


23 - أبو جندل * ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر العامري القرشي، واسمه العاص.
كان من خيار الصحابة، وقد أسلم وحبسه أبوه وقيده، فلما كان يوم صلح الحديبية، هرب يحجل في قيوده، وأبوه حاضر بين يدي النبي، صلى الله عليه وسلم، لكتاب
الصلح.
فقال: هذا أول من أقاضيك عليه يا محمد.
فقال: هبه لي.
فأبى.
فرده وهو يصيح ويقول: يا مسلمون ! أرد إلى الكفر ؟ ثم إنه هرب.
وله قصة مشهورة مذكورة في الصحيح (1)، وفي المغازي.
ثم خلص وهاجر، وجاهد،
__________
(*) طبقات ابن سعد: 7 / 2 / 127، طبقات خليفة: 26، 300، تاريخ خليفة: 113، التاريخ الصغير: 1 / 50، الاستيعاب: 11 / 173، أسد الغابة: 6 / 54 - 56، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 205 - 206، تاريخ الاسلام: 2 / 26، العبر: 1 / 22، العقد الثمين: 8 / 33 - 34، الاصابة: 5 / 13، 267، شذرات الذهب: 1 / 30، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 7 / 134 - 137.
(1) أخرجه البخاري (2700) في الصلح: باب الصلح مع المشركين وفيه " صالح النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس ونحوه.
فجاء أبو جندل يحجل في قيوده فرده إليهم ".
وأخرج حديث الصلح والشروط مطولا (2731، 2732) وفيه: فقال سهيل: وعلى ألا يأتينك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا.
قال المسلمون: سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين.
فقال سهيل: هذا - يا محمد - أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، إنا لم نقض الكتاب بعد.
قال: فوالله إذا لم أصالحك علي شئ أبدا.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجزه لي.
قال: ما أنا بمجيزه لك.
قال: بلى، فافعل قال: ما أنا بفاعل.
قال مكرز: بل قد أجزناه لك.
قال أبو جندل: أي معشر المسلمين ! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله..." والحديث بطوله في ابن كثير في " السيرة " 3 / 312 - 337، وابن هشام 2 / 318.
(*)

(1/192)


ثم انتقل إلى جهاد الشام، فتوفي شهيدا في طاعون عمواس بالاردن سنة
ثماني عشرة.

24 - وأخوه عبد الله بن سهيل * خرج مع أبيه إلى بدر يكتم إيمانه.
فلما التقى الجمعان، تحول إلى المسلمين، وقاتل، وعد بدريا، رضي الله عنه.
وله غزوات ومواقف، واستشهد يوم اليمامة، وله ثمان وثلاثون سنة.
وقيل: بل هو السابقين الاولين، وإنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الاولى رضي الله عنه.
وذكر الواقدي قال: لما حج أبو بكر بالناس، قبل حجة الوداع، لقيه سهيل ابن عمرو رضي الله عنه فقال: بلغني يا أبا بكر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " يشفع الشهيد لسبعين من أهله " (1) فأرجو أن يبدأ عبد الله بي.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 259، الجرح والتعديل: 5 / 67، الاستيعاب: 6 / 236، أسد الغابة: 3 / 271، تاريخ الاسلام: 2 / 26، الاصابة: 7 / 304.
(1) أخرجه أبو داود (2522) في الجهاد: باب الشهيد يشفع، من طريق يحيى بن حسان، عن الوليد بن رباح الذماري، عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام فقالت: أبشروا فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: يشفع الشهيد..." وهذا سند حسن.
رجاله ثقات غير نمران بن عتبة الذماري، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان.
وقد روى عنه اثنان، ومثله حسن الحديث.
وقد صحح حديثه هذا ابن حبان (1612).
(*)

(1/193)


فهذا لا يستقيم، لكن قاله - إن كان قاله - لما استشهد سنة اثنتي عشرة باليمامة.

25 - وسهيل [ بن عمرو ] أبوهما *
يكنى أبا يزيد (1).
وكان خطيب قريش، وفصيحهم، ومن أشرافهم.
لما أقبل في شأن الصلح، قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " وسهل أمركم " (2).
تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، ثم حسن إسلامه.
وكان قد أسر يوم بدر وتخلص.
قام بمكة وحض على النفير، وقال: يال غالب ! أتاركون أنتم محمدا والصباة (3) يأخذون عيركم ؟ من أراد مالا، فهذا مال، ومن أراد قوة، فهذه قوة.
وكان سمحا جوادا مفوها.
وقد قام بمكة خطيبا عند وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنحو من خطبة الصديق بالمدينة، فسكنهم وعظم الاسلام.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 7 / 2 / 126، نسب قريش: 417 - 419، طبقات خليفة: 26، 300، تاريخ خليفة: 82، 90، التاريخ الكبير: 4 / 103 - 104، المعارف: 284، الجرح والتعديل: 4 / 245، مشاهير علماء الامصار: ت: 180، الاستيعاب: 4 / 287، أسد الغابة: 2 / 480، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 239، تاريخ الاسلام: 2 / 26، العقد الثمين: 4 / 624 - 630، الاصابة: 4 / 287، كنز العمال: 13 / 430، شذرات الذهب: 1 / 30.
(1) تصحفت في المطبوع إلى " زيد ".
(2) قطعة من الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري (2731) (2732) في الشروط: باب الشروط في الجهاد.
قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم " قد سهل لكم من أمركم ".
(3) الصباة: جمع صابئ.
وهو من يترك دينه لدين آخر.
وكان المشركون يسمون المسلمين الصباة، لانهم خرجوا من دين الشرك إلى دين الاسلام وقد أبهمت هذه الكلمة على المنجد فلم يتبينها وأثبت مكانها ثلاث نقط وعلق في الهامش: " كلمة غير ظاهرة ولعلها وأصحابه ".
(*)

(1/194)


قال الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهدا، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير،
وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن.
وكان أميرا على كردوس (1) يوم اليرموك.
قال المدائني وغيره: استشهد يوم اليرموك (2).
وقال الشافعي، والواقدي: مات في طاعون عمواس.
حدث عنه يزيد بن عميرة الزبيدي وغيره.

26 - البراء بن مالك * ابن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الانصاري النجاري المدني.
البطل الكرار صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخو خادم النبي، صلى الله عليه وسلم، أنس بن مالك.
شهد أحدا، وبايع تحت الشجرة.
__________
(1) الكردوس: الطائفة العظيمة من الخيل والجيش.
والجمع كراديس.
(2) اليرموك: واد بناحية الشام في طرف الغور يصب فيه نهر الاردن، وفيه حدثت المعركة العظيمة بين المسلمين والروم، فكانت القاصمة لظهر قيصر الروم لانه لم تقم له قائمة بعدها.
وكان الامير للجيش في هذه المعركة خالد بن الوليد رضي الله عنه.
انظر " معجم البلدان " 5 / 434.
و " تاريخ خليفة ": 120 وما بعدها.
وانظر الطبري و " الكامل " في التاريخ أحداث عام (13) للهجرة.
(*) طبقات ابن سعد: 7 / 1 / 9، تاريخ خليفة: 146، التاريخ الكبير: 2 / 2 / 117، التاريخ الصغير: 1 / 55، تاريخ الطبري: 3 / 209، الجرح والتعديل: 2 / 399، مشاهير علماء الامصار: ت: 37، الاستبصار: 34 - 36، حلية الاولياء: 1 / 350، الاستيعاب: 1 / 284، أسد الغابة: 1 / 206، تاريخ الاسلام: 2 / 34، مجمع الزوائد: 9 / 324، الاصابة: 1 / 235، كنز العمال: 13 / 294.
(*)

(1/195)


قيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش: لا تستعملوا البراء على
جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم (1).
وبلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة.
فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة.
فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرا يداوي جراحه (2).
وقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مئة نفس من الشجعان مبارزة.
معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: قال الاشعري - يعني في حصار تستر (3) - للبراء بن مالك: إن قد دللنا على سرب يخرج إلى وسط المدينة، فانظر نفرا يدخلون معك فيه.
فقال البراء لمجزأة بن ثور: انظر رجلا من قومك طريفا جلدا.
فسمه لي.
قال: ولم ؟ قال: لحاجة.
قال: فإني أنا ذلك الرجل.
__________
(1) هو في " المستدرك " للحاكم 3 / 291، وابن سعد 7 / 1 / 10، و " أسد الغابة " 1 / 206، و " الاستيعاب " 1 / 285.
(2) أخرجه خليفة بن خياط في " تاريخه " 109 عن بكر بن سليمان، عن ابن إسحاق.
وذكره الحافظ في " الاصابة " 1 / 236، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 1 / 287 من طريق بقي بن مخلد، عن خليفة، وقد تحرف فيهما " ابن اسحاق " إلى " أبي اسحاق ".
و " بكر " في " الاصابة " إلى " أبي بكر ".
(3) هي أعظم مدينة بخوزستان.
فيها قبر البراء بن مالك.
كانت مشهورة بصناعة الثياب والعمائم.
وعند ما فتحت جعلها عمر بن الخطاب من أرض البصرة لقربها منها.
وانظر خبر فتحها في الطبري 4 / 77 - 89، و " الكامل " في التاريخ 2 / 546 وما بعدها، وابن كثير في " البداية " 7 / 85 وما بعدها.
و " تاريخ الاسلام " للذهبي 2 / 29، و " معجم البلدان " 1 / 29 - 31، و " تاريخ خليفة " ص: (144).
(*)

(1/196)


قال: دللنا على سرب، وأردنا أن ندخله.
قال: فأنا معك.
فدخل مجزأة أول من دخل، فلما خرج من السرب، شدخوه بصخرة، ثم خرج الناس من السرب، فخرج البراء، فقاتلهم في جوف المدينة، وقتل، رضي الله عنه، وفتح الله عليهم (1).
سلامة، عن عمه عقيل، عن الزهري، عن أنس مرفوعا قال: " كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لابره، منهم البراء بن مالك " وإن البراء لقي المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين، فقالوا له: يا براء ! إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إنك لو أقسمت على الله لابرك، فأقسم على ربك.
قال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم.
وذكر الحديث (2).
عبد السلام بن مطهر: حدثنا أبو سهل البصري (3)، عن محمد بن سيرين،
__________
(1) رجاله ثقات، لكنه منقطع.
ابن سيرين لم يسمع من البراء.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 292 وصححه، ووافقه الذهبي.
وابن عبد البر في " الاستيعاب " 1 / 286.
وأخرجه الترمذي (3853) في المناقب: باب مناقب البراء بن مالك.
من طريق جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت وعلي بن زيد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لابره.
منهم البراء بن مالك " وقال: هذا حديث حسن صحيح من هذا الوجه.
وهو كما قال.
والاشعث: البعيد العهد بالدهن والتسريح والغسل.
والطمر: الثوب الخلق.
لا يؤبه له: لا يعرف ولا يعلم به لقلة شأنه.
لابره: لصدقه وجعله بارا غير حانث.
(3) أبو سهل البصري: هو محمد بن عمرو الانصاري، الواقفي، وهو ضعيف.
وقد تحرف في المطبوع إلى " النضري ".
(*)

(1/197)


عن أنس أنه دخل على أخيه البراء وهو يتغنى فقال: تتغنى ؟ قال: أتخشى علي أن أموت على فراشي وقد قتلت تسعة وتسعين نفسا من المشركين مبارزة، سوى ما شاركت فيه المسلمين ؟ (1).
وفي رواية: يا أخي ! تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن ؟ وقال حماد بن سلمة: زعم ثابت، عن أنس قال ! دخلت على البراء وهو يتغنى، ويرنم قوسه، فقلت: إلى متى هذا ؟ قال: أتراني أموت على فراشي ؟ والله لقد قتلت بضعا وتسعين (2).
ابن عون: عن محمد قال: بارز البراء مرزبان الزارة (3) فطعنه، فصرعه، وأخذ سلبه (4).
استشهد يوم فتح تستر سنة عشرين.
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف أبي سهل.
لكن الحاكم أخرجه 3 / 291 من طريق: عبد الله بن عوف، عن ثمامة بن أنس، عن أنس، وصححه، ووافقه الذهبي.
وذكره الحافظ في " الاصابة " 1 / 236 عن البغوي وقال: بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 350 من طريق: عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك.
وانظر " الاستيعاب " 1 / 285.
(2) هو في " الطبقات " لابن سعد 7 / 1 / 10 وإسناده صحيح.
(3) لفظ المرة من الزار.
وعين الزارة بالبحرين معروفة.
والزارة قرية كبيرة بها.
ومنها مرزبان الزارة وله ذكر في الفتوح.
وقد فتحت الزارة سنة (12) للهجرة في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصولحوا.
انظر " معجم البلدان " 3 / 126، والطبري، و " الكامل "، و " البداية " في أحداث سنة اثنتي عشرة للهجرة.
(4) انظر " أسد الغابة " 1 / 206.
(*)

(1/198)


27 - نوفل * ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، أبو الحارث أخو أبي (1) سفيان بن الحارث كان نوفل أسن من عمه العباس.
حضر بدرا مع المشركين، فأسر، ففداه عمه العباس، ثم أسلم، وهاجر عام الخندق.
وقيل: آخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين العباس، وقد كانا شريكين في الجاهلية متصافيين.
شهد نوفل بيعة الرضوان، وأعان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت معه يومئذ، وما علمت له رواية ولا ذكرا بأكثر مما أوردت.
قيل: مات سنة عشرين، وقيل مات سنة خمس عشرة.
وكان أسن بني هاشم في زمانه.

28 - وابنه الحارث بن نوفل * *
أسلم مع أبيه.
وولي مكة لعمر وعثمان.
وقد استعمله النبي، صلى الله عليه وسلم، على بعض العمل، وقيل: إنه نزل البصرة، وبنى بها دارا.
مات في خلافة عثمان عن نحو من سبعين سنة.
__________
(*) طبقات خليفة: 6، تاريخ خليفة: 134، الجرح والتعديل: 8 / 487، مشاهير علماء الامصار: ت: 166، الاستيعاب: 10 / 335، أسد الغابة: 5 / 369 - 370، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 134، العقد الثمين: 7 / 351 - 353، الاصابة: 10 / 194.
(1) سقطت لفظة " أبي " من المطبوع.
(* *) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 295، الجرح والتعديل: 5 / 67، الاستيعاب: 6 / 236، أسد الغابة: 3 / 271، تاريخ الاسلام: 2 / 26، الاصابة: 7 / 304.
(*)

(1/199)


29 - وابنه عبد الله بن الحارث * (ع)
ابن نوفل الهاشمي.
ولقبه ببة.
ولد في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم.
اجتمع أهل البصرة عند موت يزيد على تأميره عليهم.
قال الزبير بن بكار: هو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان، واسمها هند.
هي كانت تنقزه وتقول: يا ببة يا ببه * لانكحن ببه جارية خدبه * تسود أهل الكعبه (1) اصطلح أهل البصرة، فأمروه عند هروب عبيدالله بن زياد، وكتبوا إلى ابن الزبير بالبيعة له، قال: فأقره عليهم.
حدث عن عمر، وعثمان، وأبي بن كعب، وعلي، والعباس، وكعب الاحبار، وطائفة، وأرسل حديثا.
شهد الجابية مع عمر.
حدث عنه ابناه إسحاق، و عبد الله، وأبو التياح يزيد بن حميد، وابن
__________
(*) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 33، نسب قريش: 30 - 31، 86، طبقات خليفة: 191، 202، 231، 239، تاريخ خليفة: 258، 259، التاريخ الكبير: 5 / 63، الجرح والتعديل: 5 / 30 - 31، مشاهير علماء الامصار: ت: 480، الاستيعاب: 6 / 143، أسد الغابة: 3 / 206، تهذيب الكمال: 673، تاريخ الاسلام: 3 / 263، العبر: 1 / 98، العقد الثمين: 5 / 128 - 129، تهذيب التهذيب: 5 / 180، الاصابة: 7 / 201، خلاصة تذهيب الكمال: 194، شذرات الذهب: 1 / 94 - 95.
(1) الرجز في " اللسان " 1 / 221، و " الاستيعاب " 3 / 207 وفيهما " تجب " بدل " تسود " وفي حاشية " الكامل " للمبرد (1042)، وفي " الاشتقاق " لابن دريد ص: (70) والرواية عنده " تجب " وفسرها بأنها تغلب نساء قريش بجمالها.
وأما رواية " تاريخ بغداد " 1 / 212: لانكحن ببة جارية خدبة * مكرمة محبة تحب أهل الكعبة ورواية الكامل 4 / 137: لانكحن ببة * جارية في قبة تمشط رأس لعبة.
(*)

(1/200)


شهاب، و عبد الملك بن عمير، ومولاه يزيد بن أبي زياد، وأبو إسحاق السبيعي، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون.
قال ابن سعد: هو ثقة تابعي، أتت به أمه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ دخل عليها فتفل في فيه، ودعا له (1).
قال: وخرج هاربا من البصرة إلى عمان خوفا من الحجاج عند فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث (2)، فمات بعمان في سنة أربع وثمانين.
وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث وثمانين.
قلت: كان من أبناء الثمانين، وحديثه في الكتب الستة، وكان كثير الحديث، يحدث أيضا عن صفوان بن أمية، وأم هانئ بنت أبي طالب، وحكيم بن حزام.

30 - وابنه عبد الله بن عبد الله بن الحارث * (خ، م) ابن نوفل، أبويحيى (3) الهاشمي، أخو إسحاق ومحمد.
حدث عن أبيه، وابن عباس، و عبد الله بن خباب بن الارت، و عبد الله ابن شداد.
__________
(1) ابن سعد 4 / 1 / 39 بغير سند، في ترجمة الحارث بن نوفل.
وهو في تاريخ بغداد 1 / 211 بدون سند أيضا.
(2) وذلك عند ما خلع ابن الاشعث الحجاج واجتمع له الناس والقراء في البصرة والكوفة، وكان اللقاء الاليم، وموقعة دير الجماجم، وقتل القراء وبقية الصحابة.
انظر " الكامل " في التاريخ 4 / 461 - 493، والطبري، و " البداية " لابن كثير في أحداث عام 82، 83، ففيها تفصيل وأي تفصيل (*) طبقات ابن سعد: 5 / 1 / 233، نسب قريش: 86، التاريخ الكبير: 5 / 126، تاريخ
الاسلام: 4 / 18، تهذيب التهذيب: 5 / 284.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " إسحاق ".
(*)

(1/201)


حدث عنه أخوه عون، والزهري، وعاصم بن عبيدالله، و عبد الحميد الخطابي.
وكان من صحابة سليمان الخليفة.
قال ابن سعد: ثقة، قليل الحديث، قتلته السموم بالابواء (1) في سنة سبع وتسعين، وهو مع الخليفة سليمان، فصلى عليه.

31 - سعيد بن الحارث * ابن عبد المطلب.
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
له حديث واحد فيمن لقي الله مؤمنا دخل الجنة (2).
رواه عنه سلمان الاغر، لكن في إسناده ابن لهيعة.
ذكره الحاكم في الصحابة من " صحيحه " وما رأيت من ذكره غيره.

32 - أبو سفيان بن الحارث * * هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي.
أخو نوفل وربيعة.
__________
(1) الابواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وبها قبر آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم.
والسموم: الريح الحارة.
وقيل: هي الباردة ليلا كان أو نهارا.
وتكون اسما وصفة.
والجمع: سمائم.
(*) تاريخ خليفة: 131، الاصابة: 4 / 184.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 247، وذكره الحافظ ابن حجر في " الاصابة " 4 / 184 - 185 وقال: قلت: في الاسناد ابن لهيعة وهو ضعيف، ولم أر لسعيد هذا ذكرا في كتب الانساب، وذكره الدار قطني في كتاب " الاخوة " وذكر له هذا الحديث.
(* *) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 34، طبقات خليفة: 6، الاستيعاب: 11 / 287، ابن عساكر، باريس: 162 / ب، أسد الغابة: 6 / 144، العبر 1 / 24، مجمع الزوائد، 9 / 274، العقد الثمين: 7 / 253، الاصابة: 11 / 169.
(*)

(1/202)


تلقى النبي، صلى الله عليه وسلم، في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلما، فانزعج النبي، صلى الله عليه وسلم، وأعرض عنه، لانه بدت منه أمور في أذية النبي، صلى الله عليه وسلم، فتذلل للنبي، صلى الله عليه وسلم، حتى رق له.
ثم حسن إسلامه، ولزم، هو، والعباس رسول الله يوم حنين إذ فر الناس، وأخذ بلجام البغلة، وثبت معه.
وقد روى عنه ولده عبد الملك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " يا بني هاشم ! إياكم والصدقة " (1).
وكان أخا النبي، صلى الله عليه وسلم، من الرضاعة، أرضعتهما حليمة.
سماه هشام بن الكلبي، والزبير: مغيرة.
وقال طائفة: اسمه كنيته، وإنما المغيرة أخوهم.
وقيل: كان الذين يشبهون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، جعفر، والحسن بن علي، وقثم ابن العباس، وأبو سفيان بن الحارث.
وكان أبو سفيان من الشعراء، وفيه يقول حسان: ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة، فقد برح الخفاء هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء (2) ابن إسحاق: عن عاصم بن عمر، عمن حدثه قال: تراجع الناس يوم
__________
(1) لم نقف عليه.
(2) البيتان من قصيدة طويلة لحسان بن ثابت، قالها يوم فتح مكة، مطلعها: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء
وهي في ديوانه 11 - 14 دار إحياء التراث العربي.
وذكرها ابن هشام في " السيرة " 2 / 421 - 424.
(*)

(1/203)


حنين.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أبا سفيان هذا، وشهد له بالجنة، وقال: أرجو أن يكون خلفا من حمزة (1).
قيل: إن أبا سفيان حج، فحلقه الحلاق، فقطع ثؤلولا في رأسه، فمرض منه ومات بعد قدومه بالمدينة، وصلى عليه عمر.
ويقال: مات بعد أخيه نوفل ابن الحارث بأربعة أشهر (2).
قال أبو إسحاق السبيعي: لما احتضر أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قال: لا تبكوا علي، فإني لم أتنطف (3) بخطيئة منذ أسلمت (4).
قال ابن إسحاق: ولابي سفيان يرثي النبي، صلى الله عليه وسلم: أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل فقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الخلق أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا، والرسول لنا دليل فلم نر مثله في الناس حيا * وليس له من الموتى عديل
__________
(1) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 36، وابن عبد البر في " الاستيعاب " 11 / 291.
(2) سيأتي تخريجه في آخر الترجمة.
(3) أي لم أتلطخ بها.
وقد تحرفت في المطبوع إلى " أشطف ".
(4) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 37، و " الاستيعاب " 11 / 291 - 292.
(*)

(1/204)


أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي فهو السبيل فعودي بالعزاء فإن فيه * ثواب الله والفضل الجزيل وقولي في أبيك ولا تملي * وهل يجزي بفضل أبيك قيل فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول (1) وقد انقرض نسل أبي سفيان.
قاله ابن سعد.
حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان بن الحارث كان يصلي في الصيف نصف النهار حتى تكره الصلاة، ثم يصلي من الظهر إلى العصر (2).
حماد بن سلمة: عن هشام بن عروة، عن أبيه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة " فحج، فحلقه الحلاق، وفي رأسه ثولول فقطعه فمات.
فيرونه شهيدا (3).
ويقال مات سنة عشرين بالمدينة.

33 - ولجعفر بن أبي سفيان * صحبة، وثبت معه هو وأبوه يوم حنين.
وعاش إلى وسط خلافة معاوية.
قاله ابن سعد.
__________
(1) الابيات في " الاستيعاب " 11 / 292 - 293 وعددها هناك عشرة.
(2) ابن سعد 4 / 1 / 36.
(3) رجاله ثقات، لكنه مرسل كما قال الحافظ في " الاصابة " 11 / 196، وأخرجه الحاكم 3 / 255 وسكت عنه وكذلك الذهبي.
وفيه " فيرون أنه شهيد " وابن سعد في " طبقاته " 4 / 1 / 36 - 37.
(*) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 38، الجرح والتعديل: 2 / 480، الاستيعاب: 2 / 156، أسد الغابة: 1 / 341، العقد الثمين: 3 / 423، الاصابة: 2 / 85.
(*)

(1/205)


34 - جعفر بن أبي طالب * السيد الشهيد، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله، ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن (1) قصي الهاشمي، أخو علي بن أبي طالب، وهو أسن من علي بعشر سنين.
هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فأقام بالمدينة أشهرا، ثم أمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جيش غزوة مؤتة بناحية الكرك، فاستشهد وقد سر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيرا بقدومه، وحزن والله لوفاته.
روى شيئا يسيرا.
وروى عنه ابن مسعود، وعمرو بن العاص، وأم سلمة، وابنه عبد الله.
حديج بن معاوية: عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى النجاشي ثمانين رجلا: أنا، وجعفر، وأبو موسى، و عبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون.
وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية.
فقدما على النجاشي، فلما دخلا، سجدا
__________
(1) سقطت لفظة " بن " في المطبوع.
(*) مسند أحمد: 1 / 201 و 5 / 290، طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 22، نسب قريش: 80 - 82، طبقات خليفة: 4، تاريخ خليفة: 86، 87، التاريخ الكبير: 2 / 185، التاريخ الصغير: 1 / 22، الجرح والتعديل: 2 / 482، حلية الاولياء: 1 / 114 - 118، الاستيعاب: 2 / 149، أسد الغابة: 1 / 341، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 148 - 149، تهذيب الكمال: 199، العبر: 1 / 9، مجمع
الزوائد: 9 / 271 - 273، العقد الثمين: 3 / 424 - 425، تهذيب التهذيب: 2 / 98، الاصابة: 2 / 85، خلاصة تذهيب الكمال: 63، شذرات الذهب: 1 / 12، 48.
(*)

(1/206)


له، وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فقالا: إن نفرا من قومنا نزلوا بأرضك، فرغبوا عن ملتنا.
قال: وأين هم، قالوا: بأرضك فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم، فاتبعوه.
فدخل فسلم، فقالوا: ما لك لا تسجد للملك ؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله.
قالوا: ولم ذاك ؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولا، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله، وأمرنا بالصلاة والزكاة.
فقال عمرو: إنهم يخالفونك (1) في ابن مريم وأمه.
قال: ما تقولون في ابن مريم وأمه ؟ قال جعفر: نقول كما قال الله: روح الله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر.
قال: فرفع النجاشي عودا من الارض وقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ! ما تريدون، ما يسوؤني هذا ! أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الانجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك، لاتيته، فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه.
وقال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين فردت عليهما.
قال: وتعجل ابن مسعود، فشهد بدرا (2).
وروى نحوا منه مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه (3).
وروى نحوه ابن عون، عن عمير بن إسحاق، عن عمرو بن العاص.
محمد بن إسحاق: عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم
__________
(1) في المطبوع " يخالفونكم ".
(2) إسناده قوي وأخرجه أحمد 1 / 461.
(3) هذه الرواية أخرجها ابن عساكر، عن أبي القاسم السمرقندي، عن أبي الحسين بن النقور،
عن أبي طاهر المخلص، عن أبي القاسم بن البغوي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي، عن عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا أسد بن عمرو البجلي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، قال:..، ثم قال: حسن غريب.
(*)

(1/207)


سلمة قالت: لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان هو في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شئ مما يكره مما ينال أصحابه.
فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا " فخرجنا إليه أرسالا، حتى اجتمعنا فنزلنا بخير دار إلى خير جار أمنا على ديننا (1).
قال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر.
فقال كل منهما: أبي خير من أبيك.
فقال علي: يا أسماء ! اقضي بينهما.
فقالت: ما رأيت شابا كان خيرا من جعفر، ولا كهلا خيرا من أبي بكر.
فقال علي: ما تركت لنا شيئا، ولو قلت غير هذا لمقتك.
فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار.
مجالد: عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليا شيئا بحق جعفر إلا أعطانيه.
ابن مهدي، حدثنا الاسود بن شيبان، عن خالد بن شمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح، فاجتمع إليه ناس، فقال: حدثنا أبو قتادة قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جيش الامراء، وقال: " عليكم زيد، فإن أصيب، فجعفر، فإن أصيب جعفر، فابن رواحة " فوثب جعفر، وقال: بأبي أنت وأمي ! ما كنت أرهب أن
__________
(1) أخرجه ابن هشام 1 / 334 مطولا، وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 115، وسنده صحيح، لان ابن
إسحاق صرح بالتحديث عند أحمد 1 / 201، و 5 / 290 - 292 فانتفت شبهة تدليسه، وذكره الهيثمي في " المجمع " 6 / 24 - 27 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
(*)

(1/208)


تستعمل زيدا علي.
قال: امضوا، فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله.
ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صعد المنبر، وأمر أن ينادى: الصلاة جامعة.
قال، صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم عن جيشكم، إنهم لقوا العدو، فأصيب زيدا شهيدا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر، فشد على الناس حتى قتل، ثم أخذه ابن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدا، ثم أخذ اللواء خالد، ولم يكن من الامراء، هو أمر نفسه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه وقال: " اللهم (1) هو سيف من سيوفك فانصره " - فيومئذ سمي سيف الله -.
ثم قال: " انفروا فامددوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد ".
فنفر الناس في حر شديد (2).
ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عباد، عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان من بني مرة [ بن عوف ] قال: لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل (3)، حتى قتل (4).
قال ابن إسحاق: وهو أول من عقر في الاسلام وقال:
__________
(1) سقط من المطبوع لفظ " اللهم ".
(2) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد 5 / 299، 300 - 301.
(3) سقط من المطبوع " ثم قاتل ".
(4) رجاله ثقات، وإسناده قوي، وأخرجه أبو داود (2573) في الجهاد: باب في الدابة تعرقب في الحرب.
وذكره الحافظ في " الفتح " 7 / 511: وعزاه إلى أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان، ونسبه ابن كثير في " سيرته " 3 / 465 - 466 إلى البيهقي والنسائي.
وأخرجه ابن سعد 4 / 1 / 25.
وانظر " سيرة ابن هشام " 2 / 378 و " الحلية " لابي نعيم 1 / 118، و " شرح المواهب اللدنية " 2 / 271 - 272 و " أسد الغابة " 3 / 343، و " الاصابة " 2 / 86.
(*)

(1/209)


يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها * علي إن لا قيتها ضرابها الواقدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال: ضربه رومي فقطعه بنصفين.
فوجد في نصفه بضعة وثلاثون جرحا.
أبو أويس (1): عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: فقدنا جعفرا يوم مؤتة، فوجدنا بين طعنة ورمية بضعا وتسعين، وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده (2).
أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، أن ابن عمر قال: جمعت جعفرا على صدري يوم مؤتة، فوجدت في مقدم جسده بضعا وأربعين من بين ضربة وطعنة (3).
__________
(1) هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الاصبحي المدني، ابن عم الامام مالك، وصهره على أخته.
أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.
قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم.
(2) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 117 - 118، وأخرجه البخاري (4261) في المغازي: باب غزوة مؤتة من أرض الشام، من طريق مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إن قتل زيد فجعفر، وان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.
قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا
وتسعين من طعنة ورمية " ومن هذا الطريق أخرجه أبو نعيم في " الحلية " 1 / 117، والحاكم 3 / 212 وسكت عنه وكذلك الذهبي، وابن سعد 4 / 1 / 26.
(3) إسناده حسن.
وأخرجه البخاري (4260) في المغازي: باب غزوة مؤتة من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن ابن أبي هلال قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل.
فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره - يعني ظهره ".
(*)

(1/210)


أبو أحمد الزبيري، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه: سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن جعفر، فقال رجل: رأيته حين طعنه رجل، فمشى إليه في الرمح، فضربه، فماتا جميعا (1).
سعدان بن الوليد: عن عطاء، عن ابن عباس: بينما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالس وأسماء بنت عميس قريبة إذ قال: " يا أسماء ! هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر، فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلم، فردي عليه السلام، وقال: إنه لقي المشركين، فأصابه في مقاديمه ثلاث وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، ثم أخذ باليسرى فقطعت.
قال: فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة آكل من ثمارها (2).
وعن أسماء قالت: دخل علي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا بني جعفر، فرأيته شمهم، وذرفت عيناه.
فقلت: يا رسول الله ! أبلغك عن جعفر شئ ؟ قال: " نعم، قتل اليوم " فقمنا نبكي، ورجع، فقال: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم " (3).
__________
(1) رجاله ثقات لكنه منقطع.
والد عمرو بن ثابت من الطبقة السادسة.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 210 - 211، وسكت عنه وكذلك الذهبي.
وفيه زيادة ليست هنا.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 272 - 273 ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه سعدان بن الوليد لم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات.
(3) أخرجه أحمد 6 / 270، وابن ماجه (1611) في الجنائز: باب ما جاء في الطعام يبعث لاهل الميت.
وأخرجه الشافعي في " مسنده " 1 / 208، وفي " الام " 1 / 274، والدار قطني ص: (190، 197)، والبيهقي 4 / 61، وأبو داود (3132) في الجنائز: باب صنع الطعام لاهل الميت، والترمذي (998) في الجنائز: باب في الطعام يصنع لاهل الميت، وابن ماجه (1610) في الجنائز: باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت.
وكلهم من طريق: سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر...، وصححه الحاكم 1 / 372 ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(*)

(1/211)


وعن عائشة قالت: لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا في وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، الحزن (1).
أبو شيبة العبسي: حدثنا الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا في الجنة، مضرجه قوادمه بالدماء، يطير في الجنة " (2).
عبد الله بن جعفر المديني: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: " رأيت جعفرا له جناحان في الجنة " (3).
وجإء نحوه عن ابن عباس والبراء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقال عاش بضعا وثلاثين سنة.
رضي الله عنه.
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 209، وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر " أسد الغابة "، 1 / 393.
(2) أخرجه الحاكم 3 / 209 من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام عن عكرمة، عن ابن عباس وصححه، وكذلك هو في " الاستيعاب " 2 / 154 وقال الحافظ في " الفتح " 7 / 76: وأخرج
الحاكم أيضا والطبراني عن ابن عباس وذكر الحديث، وقال: ومن طريق أخرى عنه وإسناده جيد.
وانظر ما بعده مباشرة.
(3) إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر المديني.
وأخرجه الترمذي (3767) في المناقب: باب مناقب جعفر، والحاكم 3 / 209 وبعبد الله هذا أعله كل من الترمذي والذهبي.
لكنه يتقوى بما قبله، وبما أخرجه الحاكم 3 / 213 بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قال الحافظ في " الفتح " 7 / 76 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مربي جعفر الليلة في ملا من الملائكة، وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد.
وفي البخاري (3709) من طريق الشعبي أن ابن عمر، رضي الله عنه، كان إذا سلم على ابن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
(*)

(1/212)


عبد الله بن نمير: عن الاجلح، عن الشعبي قال: لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من خيبر، تلقاه جعفر، فالتزمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقبل بين عينيه، وقال: " ما أدري بأيهما أنا أفرح: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر " (1).
وفي رواية محمد بن ربيعة، عن أجلح: فقبل ما بين عينيه، وضمه واعتنقه.
قال ابن إسحاق: آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين جعفر بن أبي طالب، ومعاذ ابن جبل.
فأنكر هذا الواقدي وقال: إنما كانت المؤاخاة قبل بدر، فنزلت آية الميراث، وانقطعت المؤاخاة، وجعفر يومئذ بالحبشة.
حفص بن غياث: عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن ابنة حمزة لتطوف بين الرجال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها، فاختصم فيها هو وجعفر، وزيد، فقال علي: ابنة عمي وأنا أخرجتها.
وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي.
فقضى بها لجعفر، وقال: الخالة والدة.
فقام جعفر، فحجل حول النبي، صلى الله عليه وسلم، دار عليه، فقال: ما هذا ؟ قال: شئ رأيت الحبشة
يصنعونه بملوكهم (2).
__________
(1) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 23، وانظر " أسد الغابة " 1 / 342، و " الاصابة " 2 / 86.
وأخرجه الحاكم 3 / 211 وقال: إنما ظهر بمثل هذا الاسناد الصحيح مرسلا.
وقال الذهبي: وهو الصواب.
(2) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 24، وإسناده ضعيف لانقطاعه، وأخرجه أحمد 1 / 108 من طريق: أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي، وهانئ بن هانئ مستور لم يرو عنه إلا أبو إسحاق.
وأما خبر اختصام علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة.
فقد أخرجه البخاري (2699) في الصلح: باب كيف يكتب، و (4251) في المغازي: باب عمرة القضاء.
وفيه أنه قضي بها النبئ صلى الله عليه وسلم، لخالتها وهي زوجة جعفر، وقال: الخالة بمنزلة الام.
والحجل: أن يرفع رجلا ويقفز على رجل واحدة من شدة الفرح ويكون بالاثنتين قفزا لا مشيا، كما وأخرجه أحمد 1 / 99، 115، 230، وأبو داود (2278، 2279)، والترمذي (1905).
(*)

(1/213)


أمها سلمى بنت عميس، وخالتها أسماء.
ابن إسحاق: عن ابن قسيط (1)، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه: سمع النبي، يقول لجعفر: " أشبه خلقك خلقي وأشبه خلقك خلقي، فأنت مني ومن شجرتي " (2).
إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن البراء، وعن هبيرة بن مريم وهانئ بن هانئ، عن علي قالا (3): إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لجعفر: " أشبهت خلقي وخلقي " (4).
__________
(1) هو يزيد بن عبد الله بن قسيط المدني.
ثقة، أخرج له الجماعة، وقد تحرفت لفظة " قسيط " في المطبوع إلى " بسيط ".
(2) رجاله ثقات.
وأخرجه أحمد 5 / 204 من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن
قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه قال: اجتمع جعفر وعلي وزيد بن حارثة.
فقال جعفر: أنا أحبكم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال علي: أنا أحبكم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال زيد: أنا أحبكم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نسأله، فقال أسامة بن زيد: فجاؤوا يستأذنونه، فقال: اخرج فانظر من هؤلاء.
فقلت: هذا جعفر وعلي وزيد.
ما أقول أبي.
قال: ائذن لهم.
ودخلوا فقالوا: من أحب إليك ؟ قال: فاطمة.
قالوا: نسألك عن الرجال.
قال: أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي وأشبه خلقي خلقك وأنت مني وشجرتي.
وأما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنا منك وأنت مني.
وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي "، وابن سعد 4 / 1 / 24: (3) تصحفت في المطبوع إلى " قال ".
(4) حديث البراء أخرجه البخاري (2698) في الصلح: باب كيف يكون...و (4251) في المغازي: باب عمرة القضاء، والترمذي (3769) في المناقب: باب مناقب جعفر.
وحديث علي أخرجه أحمد 1 / 98، 115، وأبو داود (2280) في الطلاق: باب من أحق بالولد، وأخرجه أحمد 1 / 108 من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي.
(*)

(1/214)


حماد بن سلمة عن ثابت (ح) وعوف عن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لجعفر (1).
قال الشعبي: كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (2).
ابن إسحاق: عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة في شأن هجرتهم إلى بلاد النجاشي وقد مر بعض ذلك قالت: فلما رأت قريش ذلك، اجتمعوا على أن يرسلوا إليه، فبعثوا عمرو بن العاص، و عبد الله بن
أبي ربيعة، فجمعوا هدايا له ولبطارقته، فقدموا على الملك، وقالوا: إن فتية منا سفهاء، فارقوا ديننا، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، ولجؤوا إلى بلادك، فبعثنا إليك لتردهم.
فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك.
فغضب.
ثم قال: لا لعمر الله لا أردهم إليهم حتى أكلمهم.
قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جواري.
فلم يكن شئ أبغض إلى عمرو، وابن أبي ربيعة من أن يسمع الملك كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمع القوم، وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال النجاشي: ما هذا الدين ؟ قالوا: أيها الملك ! كنا قوما على الشرك نعبد الاوثان، ونأكل الميتة، ونسئ الجوار، ونستحل المحارم والدماء، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده، ونصل الرحم، ونحسن الجوار ونصلي، ونصوم.
قال: فهل معكم شئ مما جاء به ؟ وقد دعا أساقفته،
__________
(1) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 24 ومحمد هو ابن سيرين.
فالسند منقطع.
(2) أخرجه البخاري (3709) في فضائل الصحابة: باب مناقب جعفر، و (4264) في المغازي: باب غزوة مؤتة.
(*)

(1/215)


فأمرهم فنشروا المصاحف حوله - فقال لهم جعفر: نعم، فقرأ عليهم صدرا من سورة [ كهيعص ].
فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين، لا والله، لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عينا.
فخرجا من عنده، فقال عمرو: لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم، فذكر له ما يقولون في عيسى (1).
قال شباب: علي، وجعفر، وعقيل، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن
عبد مناف.
قال الواقدي: هاجر جعفر إلى الحبشة بزوجته أسماء بنت عميس، فولدت هناك عبد الله، وعونا، ومحمدا (2).
وقال ابن إسحاق: أسلم جعفر بعد أحد وثلاثين نفسا (3).
إسماعيل بن أويس: حدثنا أبي، عن الحسن بن زيد أن عليا أول ذكر أسلم، ثم أسلم زيد، ثم جعفر.
وكان أبو بكر الرابع، أو الخامس.
قال أبو جعفر الباقر: ضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه وأجره.
وروي من وجوه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما قدم جعفر قال: " لانا بقدوم جعفر أسر مني بفتح خيبر " (4).
__________
(1) حديث صحيح وقدم تقدم تخريجه في الصفحة (208) تعليق (1).
(2) ابن سعد 4 / 1 / 23.
(3) " الاصابة " 2 / 85.
(4) سبق تخريجه في الصفحة (213) تعليق رقم (1).
(*)

(1/216)


في رواية: تلقاه واعتنقه وقبله.
وفي " الصحيح " من حديث البراء وغيره: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لجعفر: " أشبهت خلقي وخلقي " (1).
أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: " ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل من جعفر بن أبي طالب " (2) يعني في الجود والكرم.
رواه جماعة عن خالد، وله علة، يرويه عبيدالله بن عمرو، عن خالد، عن
أبي قلابة، عن أبي هريرة.
ابن عجلان: عن المقبري، عن أبي هريرة قال: كنا نسمي جعفرا أبا المساكين.
كان يذهب بنا إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئا، أخرج إلينا عكة أثرها عسل، فنشقها ونلعقها (3).
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (214) تعليق رقم (4).
(2) إسناده جيد وأخرجه أحمد 2 / 413، والترمذي (3768) وقال: حديث حسن صحيح غريب، وابن سعد في " الطبقات " 4 / 1 / 28 وذكره الحافظ في " الاصابة " 2 / 86، وقال: رواه الترمذي، والنسائي، وإسناده صحيح.
وأخرجه الحاكم 3 / 209 وصححه، ووافقه الذهبي.
(3) إسناده حسن.
وأخرجه البخاري (3708) في فضائل الصحابة: باب مناقب جعفر، و (5432) في الاطعمة: باب الحلوى والعسل، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: " إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة.
وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني.
وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شئ فيشقها فنلعق ما فيها " والحبير من البرد: ما كان موشى مخططا.
والعكة بضم المهملة وتشديد الكاف: ظرف السمن.
(*)

(1/217)


35 - عقيل بن أبي طالب الهاشمي * هو أكبر إخوته وآخرهم موتا، وهو جد عبد الله بن محمد بن عقيل المحدث، وله أولاد: مسلم ويزيد، وبه كان يكنى، وسعيد، وجعفر، وأبو سعيد الاحول، ومحمد، و عبد الرحمن، و عبد الله.
شهد بدرا مشركا، وأخرج إليها مكرها، فأسر، ولم يكن له مال، ففداه
عمه العباس (1).
وروي أن عقيلا قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، يوم أسر: من قتلت من أشرافهم ؟ قال: قتل أبو جهل.
قال: الآن صفا لك الرادي (2).
قال ابن سعد: خرج عقيل مهاجرا في أول سنة ثمان، وشهد مؤتة، ثم رجع فتمرض مدة، فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا حنين ولا الطائف.
وقد أطعمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر مئة وأربعين وسقا كل سنة (3).
__________
(*) امسند أحمد: 1 / 201 و 3 / 451، طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 28، طبقات خليفة: 126، 189، التاريخ الكبير: 7 / 50 - 51، التاريخ الصغير: 1 / 145، الجرح والتعديل: 6 / 218، مشاهير علماء الامصار: ت: 14، الاستيعاب: 8 / 108، ابن عساكر: 11 / 363 / 1 أسد الغابة: 4 / 63، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 337، تهذيب الكمال: 949، مجمع الزوائد: 9 / 273، العقد الثمين: 6 / 113 - 115، تهذيب التهذيب: 7 / 254، الاصابة: 7 / 31، خلاصة تذهيب الكمال 269 - 270، كنر العمال: 13 / 562.
(1) ابن سعد 4 / 1 / 29.
(2) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 29 من طريق: علي بن عيسى، عن إسحاق بن الفضل، عن أشياخه، عن عقيل...(3) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 30 و " الاستيعاب " 4 / 64.
(*)

(1/218)


وعن عبد الله بن محمد بن عقيل أن جده أصاب يوم مؤتة خاتما فيه تماثيل فنفله أباه (1).
معمر: عن زيد بن أسلم قال: جاء عقيل بمخيط، فقال لا مرأته: خيطي بهذا ثيابك.
فسمع المنادي: ألا لا يغلن (2) رجل إبرة فما فوقها، فقال عقيل لها: ما أرى إبرتك إلا قد فاتتك (3).
عيسى بن عبد الرحمن: عن أبي إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعقيل: " يا أبا يزيد ! إني أحبك حبين: لقرابتك، ولحب عمي لك " (4).
ابن جريج: عن عطاء، رأيت عقيل بن أبي طالب شيخا كبيرا يقل الغرب (5).
قالوا: توفي زمن معاوية.
وسيأتي من أخباره بعد (6).
__________
(1) ابن سعد 4 / 1 / 30 من طريق قيس بن الربيع، عن جابر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل.
(2) هي من الغلول: وهو الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة.
وقد التبست على محقق المطبوع فترك مكانها فارغا.
(3) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 30.
(4) أخرجه الحاكم 3 / 576، وابن سعد 4 / 1 / 30، وقد ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 373 ونسبه إلى الطبراني مرسلا، وقال: ورجاله ثقات.
وانظر " الاستيعاب " 8 / 108، و " أسد الغابة " 4 / 64.
ونسبه صاحب " الكنز " (33617) إلى ابن سعد، والبغوي، والطبراني، وابن عساكر عن أبي إسحاق مرسلا.
وأخرجه الحاكم 3 / 576 أيضا من طريق أبي حمزة، عن يزيد بن عبد الرحمن ابن سابط، عن حذيفة.
(5) " يقل الغرب " يحمل.
والغرب: الدلو العظيم.
وجإء في " الطبقات " لابن سعد 14 / 1 / 30 " بعل العرب " وهو خطأ.
وقد التبست الجملة على محقق المطبوع فترك مكانها فارغا.
(6) أخرجه ابن سعد 4 / 1 / 30.
وقال الحافظ في " الاصابة " 7 / 31: روي في " تاريخ البخاري " بسند صحيح، أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة.
(*)

(1/219)


36 - زيد بن حارثة * ابن شراحيل أو شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس ابن عامر بن النعمان.
الامير الشهيد النبوي، المسمى في سورة الاحزاب، أبو أسامة الكلبي، ثم المحمدي، سيد الموالي، وأسبقهم إلى الاسلام، وحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو حبة، وما أحب، صلى الله عليه وسلم، إلا طيبا، ولم يسم الله تعالى في كتابه صحابيا باسمه إلا زيد بن حارثة وعيسى بن مريم عليه السلام الذي ينزل حكما مقسطا ويلتحق بهذه الامة المرحومة في صلاته وصيامه وحجه ونكاحه وأحكام الدين الحنيف جميعها، فكما أن أبا القاسم سيد الانبياء وأفضلهم وخاتمهم، فكذلك عيسى بعد نزوله افضل هذه الامة مطلقا، ويكون ختامهم، ولا يجئ بعده من فيه خير، بل تطلع الشمس من مغربها، ويأذن الله بدنو الساعة (1).
أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا عبدالمعز بن محمد، أنبأنا تميم، أنبأنا أبو سعد، أنبأنا ابن حمدان، أنبأنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا بندار، حدثنا
__________
(*) المسند لاحمد: 4 / 161، طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 27، طبقات خليفة: 6، تاريخ خليفة: 86، 87، التاريخ الكبير: 3 / 390، التاريخ الصغير: 1 / 23، الجرح والتعديل: 3 / 559، الاستيعاب: 4 / 47، ابن عساكر: 6 / 291 / 1، أسد الغابة: 2 / 281، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 202 - 203، تهذيب الكمال: 453، العبر: 1 / 9، مجمع الزوائد: 9 / 274 - 275، العقد الثمين: 4 / 459 - 473، تهذيب التهذيب: 3 / 401، الاصابة: 4 / 47، خلاصة تذهيب الكمال: 127، تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 454.
(1) من قوله " عيسى بن مريم...إلى بدنو الساعة " حذفت في المطبوع من الاصل، وأثبتت في الهامش.
(*)

(1/220)


عبد الوهاب الثقفي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة (1) ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما حارا من أيام مكة وهو مردفي إلى نصب من الانصاب وقد ذبحنا له شاة،
فأنضجناها.
فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: يا زيد ! ما لي أرى قومك قد شنفوا لك ؟ قال: والله يا محمد إن ذلك لغير نائلة لي فيهم (2) ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى قدمت على أحبار فدك، فوجدتهم يعبدون [ الله ] ويشركون [ به ].
فقدمت على أحبار خيبر، فوجدتهم كذلك، فقدمت على أحبار الشام، فوجدت كذلك فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي.
فقال شيخ منهم: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله [ به ] إلا شيخ بالحيرة.
فخرجت حتى أقدم عليه، فلما رآني، قال: ممن أنت ؟ قلت من أهل بيت الله.
قال: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبي طلع نجمه، وجميع من رأيتهم في ضلال.
قال: فلم أحس بشئ.
قال: فقرب إليه السفرة فقال: ما هذا يا محمد ؟ قال: شاة ذبحناها لنصب.
قال: فإني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
وتفرقنا، فأتى رسول الله البيت، فطاف به، وأنا معه، وبالصفا والمروة، وكان عندهما صنمان من نحاس: إساف ونائلة.
وكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما.
فقال النبي: " لا تمسحهما فإنهما رجس ".
فقلت في نفسي: لامسنهما حتى أنظر ما يقول.
فمسستهما، فقال: " يا زيد ! ألم تنه ".
قال: ومات زيد بن عمرو وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لزيد:
__________
(1) سقط من المطبوع " سلمة و ".
(2) تصحفت في المطبوع إلى " منهم ".
(*)

(1/221)


إنه يبعث أمة وحده " (1).
في إسناده محمد (2) لا يحتج به، وفي بعضه نكارة بينة.
عن الحسن بن أسامة بن زيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من زيد بعشر سنين.
قال: وكان قصيرا، شديد الادمة، أفطس (3).
رواه ابن سعد، عن الواقدي، حدثنا محمد بن الحسن بن أسامة، عن أبيه، ثم قال ابن سعد: كذا صفته في هذه الرواية.
وجاءت من وجه آخر أنه كان شديد البياض.
وكان ابنه أسامة أسود، ولذلك أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول مجزز القائف حيث يقول: " إن هذه الاقدام بعضها من بعض " (4).
__________
(1) أخرجه الحاكم 3 / 216 - 217 وصححه، ووافقه الذهبي، وهو في " المطالب العالية " برقم (4057) ونقل محقق الكتاب عن البوصيري قوله: رواه النسائي أيضا في " الكبرى " بسند رجاله ثقات.
وذكره الهيثمي في " المجمع " 9 / 417 - 418 ونسبه إلى أبي يعلى، والبزار، والطبراني، وعند الطبراني زيادة أشار إليها ثم قال: رجال أبي يعلى والبزار، وأحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث.
وانظر الصفحة (130) تعليق رقم (1).
ويقال: شنفت له شنفا: أي أبغضته.
(2) هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي.
أخرج له البخاري مقرونا بغيره ووثقه غير واحد.
وضعفه بعضهم تضعيفا خفيفا لا يخرجه عن كونه حسن الحديث ولذا قال الحافظ في " التقريب ": صدوق له أوهام.
والذهبي ضعفه هنا مع أنه قد وافق الحاكم على تصحيحه في " المستدرك ".
وانظر ما قاله الحافظ في " الفتح " 7 / 142 - 145 في دفع هذه النكارة التي ادعاها المؤلف.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 30 وسنده ضعيف لضعف الواقدي.
وهي مخالفة للرواية الصحيحة التي ستأتي.
(4) أخرجه أحمد 6 / 82، 226 والبخاري (2555) في المناقب: باب صفة النبي، صلى الله عليه وسلم، و (3731) في فضائل الصحابة: باب مناقب زيد بن حارثة و (6770) و (6771) في الفرائض: باب القائف من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل علي = (*)

(1/222)


لوين: حدثنا حديج، عن أبي إسحاق قال: كان جبلة بن حارثة في الحي.
فقالوا له: أنت أكبر أم زيد ؟ قال: زيد أكبر مني، وأنا ولدت قبله، وسأخبركم: إن أمنا كانت من طيئ، فماتت، فبقينا في حجر جدنا، فقال عماي لجدنا: نحن أحق بابني أخينا.
فقال: خذا جبلة، ودعا زيدا، فأخذاني، فانطلقا بي، فجاءت خيل من تهامة، فأخذت زيدا، فوقع إلى خديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
عبد الملك بن أبي سليمان (1): حدثنا أبو فزارة قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة غلاما ذا ذؤابة قد أوقفه قومه بالبطحاء للبيع، فأتى خديجة، فقالت: كم ثمنه ؟ قال: سبع مئة: قالت: خذ سبع مئة.
فاشتراه وجاء به إليها فقال: أما إنه لو كان لي لاعتقته.
قالت: فهو لك.
فأعتقه (2).
__________
(1) مسرورا تبرق أسارير وجهه.
فقال " ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض " والقائف: هو الذي يقفو الاثر.
والقافة: الاستدلال بالخلقة على النسب.
وأخرجه مسلم (1459) في الرضاع: باب العمل بإلحاق القائف الولد، وأبو داود (2267) في الطلاق: باب في القافة.
والترمذي (2130) في الولاء والهبة: باب ما جاء في القافة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي 6 / 184، 185 في الطلاق: باب القافة، وابن ماجه (2349) في الاحكام: باب القافة.
وقال الخطابي: فيه دليل على ثبوت أمر القافة، وصحة لقولهم في إلحاق الولد، وذلك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده.
وكان الناس قد ارتابوا بأمر زيد بن حارثة وابنه أسامة.
وكان زيد أبيض وجاء أسامة أسود.
فلما رأى الناس في ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سماعه.
فلما سمع هذا القول من مجزز فرح به وسري عنه.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " سلمان ".
(2) إسناده منقطع.
وأبو فزارة هو راشد بن كيسان العبسي الكوفي وانظر " الاستيعاب " 4 / 49، و " أسد الغابة " 2 / 281، و " الاصابة " 4 / 74.
(*)

(1/223)


وعن سليمان بن يسار وغيره قالوا: أول من أسلم زيد بن حارثة.
موسى بن عقبة: عن سالم، عن أبيه قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ابن محمد.
فنزلت (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) [ الاحزاب: 5 ] (1).
إسماعيل بن أبي خالد: عن أبي عمرو الشيباني قال: أخبرني جبلة بن حارثة قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله " ابعث معي أخي
__________
(1) أخرجه البخاري (4782) في التفسير: باب ادعوهم لآبائهم، ومسلم (2425) في فضائل الصحابة: باب فضائل زيد، والترمذي (3207) في التفسير: باب ومن سورة الاحزاب، وقال: حسن صحيح.
و (3816) في المناقب: باب مناقب زيد، والبيهقي في سننه 7 / 161: باب نسخ التبني.
وزيد هذا هو الذي قال الله تعالى فيه مخاطبا نبيه الكريم: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا).
وقد نقل كثير من المفسرين في قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) أقاويل معتمدين على ما أورده الطبري في تفسيره 22 / 63 من طريق: بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة...ومن طريق: يونس عن ابن وهب، عن ابن زيد...وابن سعد 8 / 101 والحاكم في " المستدرك " 4 / 23 - 24 كلاهما من طريق الواقدي، عن عبد الله بن عامر، عن محمد بن يحيى بن حبان...فقالوا: إن ما أخفاه النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبداه الله تعالى هو وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد وأنها سمعته يقول: " سبحان مقلب القلوب " وهي أسانيد منقطعة والثالث منها ضعيف جدا،
فالواقدي متروك، و عبد الله بن عامر الاسلمي ضعيف، وقد نص على ضعفها جهابذة النقاد من أئمة الحديث والفقه، كالحافظ ابن حجر في " فتح الباري " 8 / 403، وابن العربي في " أحكام القرآن " 3 / 1530، 1532، وابن كثير في تفسيره 5 / 466، والآلوسي 22 / 24، 25.
وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه (*)

(1/224)


زيدا.
قال: " هوذا، فإن انطلق، لم أمنعه " فقال زيد: لا والله ! لا أختار عليك أحدا أبدا.
قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيى (1).
سمعه علي بن مسهر منه.
ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن شهد بدرا.
وقال سلمة بن الاكوع: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزوت مع زيد بن حارثة - كان يؤمره علينا (2).
__________
الآية: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها، يعني زينب، قالوا: إنه تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين).
فالذي كان يخفيه صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك، خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الابطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أدعى لقبولهم.
(1) أخرجه الترمذي (3817) في المناقب من طريق محمد بن عمر بن الرومي، عن علي بن مسهر، عن إسماعيل بن أبي خالده عن أبي عمرو الشيباني، عن جبلة بن حارثة، وحسنه.
ومحمد بن عمر بن الرومي لين.
وأخرجه الحاكم 3 / 214 من طريق علي بن مسهر.
وصححه، ووافقه الذهبي.
وذكره الحافظ في " الاصابة "، في ترجمة جبلة وزاد نسبته إلى أبي يعلى (2) أخرجه البخاري (4272) في المغازي: باب بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن يزيد بن أبي عبيدة، عن سلمة بن
الاكوع بلفظ: " غزوت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، تسع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة، استعمله علينا ".
قال الحافظ في شرح الحديث (4250): هكذا ذكره مبهما.
ورواه أبو مسلم الكجي، عن أبي عامر، بلفظ " وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يومره علينا ".
وكذلك أخرجه الطبراني، عن أبي مسلم بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو نعيم في " المستخرج " عن أبي شعيب الحراني، عن أبي عاصم كذلك.
وكذا أخرجه الاسماعيلي من طرق عن أبي عاصم.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 31 من طريق: أبي عاصم النبيل عن يزيد بن أبي عبيدة، عن سلمة بن الاكوع، قال: غزوت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره رسول الله علينا.
وإسناده صحيح.
وصححه الحاكم 3 / 218 ووافقه الذهبي.
(*)

(1/225)


الواقدي: حدثنا محمد بن الحسن بن أسامة، عن أبي الحويرث قال: خرج زيد بن حارثة أميرا سبع سرايا (1).
الواقدي: حدثنا ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك - تعني من سرية أم قرفة - ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي.
فقرع زيد (2) الباب، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يجر ثوبه عريانا، ما رأيته عريانا قبلها، صلى الله عليه وسلم، حتى اعتنقه وقبله ثم ساء له، فأخبره بما ظفره الله (3).
ابن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لزيد بن حارثة: " يا زيد ! أنت مولاي، ومني وإلي، وأحب القوم إلي ".
رواه أحمد في " المسند " (4).
__________
(1) ابن سعد 3 / 1 / 31.
(2) سقط لفظ " زيد " من المطبوع ".
(3) إسناده ضعيف لضعف الواقدي.
وابن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم.
وأخرجه الترمذي (2733) في الاستئذان: باب ما جاء في المعانقة والقبلة، من طريق: محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن يحيى، عن محمد بن عباد المدني، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وحسنه مع أن إبراهيم بن يحيى وأباه ضعيفان.
وإبن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وفي الباب عن الشعبي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، تلقى جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل ما بين عينيه.
وأخرجه أبو داود (5220)، وفيه انقطاع.
وذكر الحافظ في " الفتح " 11 / 51 أن البغوي أخرجه موصولا في " معجم الصحابة "، من حديث عائشة لكن في سنده محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف.
(4) أخرجه أحمد 5 / 204 مطولا، وابن سعد 3 / 1 / 29 - 30 ورجاله ثقات.
وصححه الحاكم 3 / 217، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في " الاصابة " 4 / 50.
(*)

(1/226)


إسماعيل بن جعفر وابن عيينة، عن عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر أسامة على قوم، فطعن الناس في إمارته، فقال: " إن تطعنوا في إمارته، فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن ابنه هذا لاحب الناس إلي بعده " (1).
لفظ إسماعيل: " وإن ابنه لمن أحب ".
إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه: فذكر نحوه.
وفيه: " وإن كان أبوه لخليقا للامارة، وإن كان لاحب الناس كلهم إلي.
".
قال سالم: ما سمعت أبي يحدث بهذا الحديث قط إلا قال: والله ما حاشا
فاطمة (2).
إبراهيم بن يحيى بن هانئ الشجري (3): حدثني أبي، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أتانا زيد بن حارثة، فقام إليه
__________
(1) أخرجه أحمد 2 / 20، 98، 106، 110 من طرق، والبخاري (6627) في الايمان والنذور: باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: وايم الله.
و (3730) في فضائل الصحابة: باب مناقب زيد بن حارثة، و (4250) في المغازي: باب غزوة زيد بن حارثة، و (7178) في الاحكام: باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الامراء حديثا، ومسلم (2426) في فضائل الصحابة.
باب فضائل زيد بن حارثة، والترمذي (3818) في المناقب: باب مناقب زيد بن حارثة.
(2) رجاله ثقات.
(3) في الاصل " إبراهيم بن محمد بن يحيى بن هانئ المخزومي " وهو خطأ، والتصحيح من كتب الرجال، ومن سنن الترمذي - الحديث (2732) فإنه قد رواه عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن إبراهيم بن يحيى هذا كما سيذكر المؤلف بعد قليل.
(*)

(1/227)


رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يجر ثوبه، فقبل وجهه.
وكانت أم قرفة جهزت أربعين راكبا من ولدها وولد ولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلوه، فأرسل إليهم زيدا فقتلهم وقتلها، وأرسل بدرعها إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فنصبه بالمدينة بين رمحين (1).
رواه المحاملي عن عبد الله بن شبيب (2)، عنه.
وروى منه الترمذي (3)، عن البخاري، عن إبراهيم هذا وحسنه.
مجالد: عن الشعبي، عن عائشة قالت: لو أن زيدا كان حيا، لا ستخلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وائل بن داود، عن البهي، عن عائشة: ما بعث رسول الله زيدا في جيش
قط إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه (4).
أخرجه النسائي.
قال ابن عمر: فرض عمر لاسامة بن زيد أكثر مما فرض لي، فكلمته في
__________
(1) إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن يحيى، وأبيه، ولعنعنة ابن إسحاق، وقد ذكره صاحب الكنز برقم (30260).
(2) هو الحافظ أبو سعيد عبد الله بن شبيب الربعي المدني، الاخباري أحد أوعية العلم على ضعفه.
ترجمه المؤلف في " تذكرة الحفاظ " ص (613) وقد استظهر في المطبوع لفظة " شقيق " بدل " شبيب " فأخطأ.
(3) انظر الترمذي رقم الحديث (2732).
(4) أخرجه أحمد 6 / 226، 227، 254، 218، وابن سعد في " الطبقات " 3 / 1 / 31، وأبو بكر ابن أبي شيبة كما في " أسد الغابة " 2 / 283 ثلاثتهم من طريق: محمد بن عبيد الطنافسي، عن وائل ابن داود، عن البهي، عن عائشة، وهذا سند حسن.
والبهي: هو عبد الله مولى مصعب بن الزبير.
وأخرجه الحاكم 3 / 215 من طريق سهل بن عمار العتكي، عن محمد بن عبيد، به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: سهل: قال الحاكم في " تاريخه ": كذاب، وهنا يصحح له، فأين الدين ؟ ! ولم يحسن الذهبي هذا الحديث من غير هذه الطريق مع أنه قد رواه ثلاثة من الحفاظ عن محمد بن عبيد، ولعله لم يستحضر ذلك.
(*)

(1/228)


ذلك، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أبيك (1).
قال الواقدي: عقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لزيد على الناس في غزوة مؤتة، وقدمه على الامراء.
فلما التقى الجمعان كان الامراء يقاتلون على أرجلهم.
فأخذ زيد اللواء فقاتل وقاتل معه الناس حتى قتل طعنا بالرماح رضي الله عنه.
قال: فصلى عليه رسول الله، أي دعا له، وقال: " استغفروا لاخيكم قد
دخل الجنة وهو يسعى ".
وكانت مؤتة في جمادى الاولى سنة ثمان هو ابن خمس وخمسين سنة (2).
جماعة: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل زيد، وجعفر، وابن رواحة، قام، صلى الله عليه وسلم، فذكر شأنهم، فبدأ بزيد، فقال: " اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، ثلاثا، اللهم اغفر لجعفر و عبد الله بن رواحة " (3).
حماد بن زيد: عن خالد بن سلمة المخزومي قال: لما جاء مصاب زيد وأصحابه أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منزله بعد ذلك، فلقيته بنت زيد، فأجهشت بالبكاء في وجهه.
فلما رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكى حتى انتحب، فقيل: ما
__________
(1) ذكره الحافظ في " الاصابة " 4 / 50 وقال: صحيح.
وانظر كتاب " الخراج " لابي يوسف ص: (46) (2) ابن سعد 3 / 1 / 31 وسقط من المطبوع لفظ " خمس و ".
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 1 / 31 ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل الهمداني، تابعي.
(*)

(1/229)


هذا يا رسول الله ؟ قال: " شوق الحبيب إلى الحبيب " (1).
رواه مسدد وسليمان ابن حرب عنه.
حسين بن واقد: عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة.
فقلت: لمن أنت ؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة (2) إسناده حسن (3).

37 - عبد الله بن رواحة *
ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة.
الامير السعيد الشهيد أبو عمرو الانصاري الخزرجي البدري النقيب الشاعر.
له عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وعن بلال.
حدث عنه أنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وأرسل عنه قيس بن أبي
__________
(1) رجاله ثقات.
لكنه منقطع.
خالد بن سملة هو ابن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي من الطبقة الخامسة.
قتل سنة (132) بواسط لما زالت دولة بني أمية.
وأخرجه ابن سعد 3 / 1 / 32 وقد تحرفت فيه " خالد بن سلمة " إلى " خالد بن شمير ".
(2) إسناده حسن.
وقد ذكره صاحب الكنز (33299) و (33302) ونسبه إلى الروياني، والضياء في المختارة، وابن عساكر.
(3) سقط من المطبوع عبارة " إسناده حسن ".
(*) مسند أحمد: 3 / 451، طبقات ابن سعد: 6 / 2 / 79، طبقات خليفة: 93، تاريخ خليفة: 86 - 87، التاريخ الصغير: 1 / 23، الجرح والتعديل: 5 / 50، الاستبصار: 108 - 112، حلية الاولياء: 1 / 118 - 121، الاستيعاب: 6 / 171، ابن عساكر: 9 / 99 / 2، أسد الغابة: 3 / 234، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 265، تهذيب الكمال: 681، العبر: 1 / 9، مجمع الزوائد: 9 / 316، تهذيب التهذيب: 5 / 212، الاصابة: 6 / 77، خلاصة تذهيب الكمال: 197، كنز العمال: 13 / 449 - 425، شذرات الذهب: 1 / 12، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 7 / - 390 397.
(*)

(1/230)


حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وعكرمة، وغيرهم.
شهد بدرا والعقبة.
يكنى أبا محمد، وأبا رواحة، وليس له عقب.
وهو
خال النعمان بن بشير.
وكان من كتاب الانصار.
استخلفه النبي، صلى الله عليه وسلم، على المدينة في غزوة بدر الموعد (1)، وبعثه النبي عليه السلام سرية في ثلاثين راكبا إلى أسير (2) بن رزام اليهودي بخيبر فقتله.
قال الواقدي: وبعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، خارصا على خيبر (3).
قلت: جرى ذلك مرة واحدة، ويحتمل على بعد مرتين.
قال قتيبة: ابن رواحة وأبو الدرداء أخوان لام.
أحمد في " مسنده ": حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمارة، عن زياد النميري، عن أنس قال: كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن ساعة.
فقاله يوما لرجل، فغضب، فجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ! ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة.
فقال: " رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة " (4).
__________
(1) بدر الموعد: هي التي تواعدوا عليها من أحد.
وذلك أن أبا سفيان لما انصرف منها نادى: إن موعدكم بدر، العام المقبل.
ولما رجع النبي، صلى الله عليه وسلم، من غزوة ذات الرقاع أقام في المدينة إلى شعبان حيث خرج لميعاد أبي سفيان.
وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ثم رجع ورجع الناس، فسماهم أهل مكة: جيش السويق، إذ يقولون: خرجتم تشربون السويق.
(2) في " سيرة ابن هشام " 2 / 618، وفي الطبري 3 / 155، وفي " سيرة ابن كثير " 3 / 418، " يسير " وأما في " الطبقات " 3 / 2 / 79 فهو " أسير ".
(3) ابن سعد 3 / 1 / 79.
(4) أخرجه أحمد 3 / 265 وإسناده ضعيف لسوء حفظ عمارة وهو ابن زاذان، ولضعف زياد بن عبد الله النميري.
(*)

(1/231)


حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن
رواحة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فسمعه وهو يقول: " اجلسوا " فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ من خطبته.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " زادك الله حرصا على طوعية الله ورسوله " (1).
وروى بعضه عن عروة، عن عائشة (2).
حماد بن سلمة: أنبأنا أبوعمران الجوني، أن عبد الله بن رواحة أغمي عليه، فأتاه النبي، فقال: اللهم إن كان حضر أجله، فيسر عليه، وإلا فاشفه.
فوجد خفة.
فقال: يا رسول الله ! أمي قالت: واجبلاه، واظهراه ! وملك رفع مرزبة من حديد يقول: أنت كذا، فلو قلت: نعم لقمعني بها (3).
قال أبو الدرداء: إن كنا لنكون مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في السفر في اليوم
__________
(1) إسناده صحيح، لكنه مرسل.
وذكره الحافظ في " الاصابة " 6 / 78، قال: أخرجه البيهقي بسند صحيح من طريق: ثابت، عن ابن أبي ليلى...وأخرجه من وجه آخر إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والمرسل أصح سندا.
ونسبه صاحب " الكنز " (37173) إلى ابن عساكر.
(2) ذكره الحافظ ابن حجر في " الاصابة " 6 / 78 وقال الهيثمي في " المجمع " 9 / 316: رواه الطبراني في الاوسط وفيه إبراهيم بن إسماعيل، بن مجمع.
وهو ضعيف.
(3) أخرجه بتمامه ابن سعد 3 / 2 / 82 من مرسل أبي عمران الجوني.
وقوله " أمي " خطأ.
والصواب - ما ثبت في صحيح البخاري (4267) في المغازي: باب غزوة مؤتة من أرض الشام، من طريق عمران بن ميسرة، عن محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا تعدد عليه.
فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك ؟ " - أن الباكية أخته عمرة وليست أمه.
وهي والدة النعمان بن بشير راوي الحديث.
وانظر " سنن البيهقي " 4 / 64.
(*)

(1/232)


الحار ما في القوم أحد صائم إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، و عبد الله بن رواحة (1).
رواه غير واحد عن أم الدرداء عنه.
معمر: عن ثابت، عن ابن أبي ليلى قال: تزوج رجل امرأة ابن رواحة، فقال لها: تدرين لم تزوجتك ؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته.
فذكرت له شيئا لا أحفظه، غير أنها قالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته، صلى ركعتين، وإذا دخل، صلى ركعتين.
لا يدع ذلك أبدا (2).
قال عروة: لما نزلت [ والشعراء يتبعهم الغاوون ] قال ابن رواحة: أنا منهم.
فأنزل الله [ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ] (3).
قال ابن سيرين: كان شعراء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن رواحة، وحسان ابن ثابت، وكعب بن مالك.
قيل: لما جهز النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى مؤتة الامراء الثلاثة، فقال: الامير زيد،
__________
(1) أخرجه البخاري (1945) في الصوم، رقم الباب: 35 ولفظه: عن أبي الدرداء قال: " خرجنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره، في يوم حار.
حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي، صلى الله عليه وسلم، وابن رواحة ".
ومسلم (1122) في الصيام: باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، وما بعده.
وأبو داود (2409) في الصوم: باب من اختار الصيام.
وابن ماجه (1663) في الصيام: باب ما جاء في الصوم في السفر.
(2) رجاله ثقات.
ونسبه الحافظ في " الاصابة " 6 / 78 - 79 إلى ابن المبارك في الزهد وصحح سنده.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 81 من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ونقله الحافظ في " الاصابة " 6 / 79.
وزاد السيوطي نسبته في " الدر المنثور " 5 / 99 إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر وانظر ابن هشام 2 / 373.
(*)

(1/233)


فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب، فابن رواحة.
فلما قتلا، كره ابن رواحة الاقدام فقال: أقسمت يا نفس لتنزلنه * طائعة أو لا لتكر هنه فطالما قد كنت مطمئنه * ما لي أراك تكرهين الجنه (1) فقاتل حتى قتل.
قال مدرك بن عمارة: قال ابن رواحة: مررت بمسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه، فقال: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول.
قلت: أنظر في ذاك، ثم أقول.
قال: فعليك بالمشركين، ولم أكن هيأت شيئا.
ثم قلت: فخبروني أثمان العباء متى * كنتم بطارق أو دانت لكم مضر فرأيته قد كره هذا أن جعلت قومه أثمان العباء فقلت: يا هاشم الخير إن الله فضلكم * على البرية فضلا ما له غير إني تفرست فيك الخير أعرفه * فراسة خالفتهم في الذي نظروا ولو سألت إن استنصرت بعضهم * في حل أمرك ما آووا ولا نصروا فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا فأقبل، صلى الله عليه وسلم، بوجهه مستبشرا وقال: " وإياك فثبت الله " (2).
__________
(1) الخبر عند ابن هشام 2 / 379، والابيات هناك ثلاثة، والنص مختلف.
وكذلك في " الاستيعاب " 6 / 174.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 80 - 81، وابن هشام 2 / 374، والابيات هناك ثلاثة وبغير هذا الترتيب.
وفي " أسد الغابة " 3 / 235 وفي " الاصابة " 6 / 79 - 80 وفيها بيت واحد.
وانظر " تهذيب ابن عساكر " 7 / 393.
(*)

(1/234)


وقال ابن سيرين: كان حسان وكعب يعارضان المشركين بمثل قولهم بالوقائع والايام والماثر.
وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر، وينسبهم إليه، فلما أسلموا وفقهوا، كان أشد عليهم.
ثابت: عن أنس قال: دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا ابن رواحة ! في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر ؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: " خل يا عمر، فهو أسرع فيهم من نضح النبل ".
وفي لفظ: " فو الذي نفسي بيده، لكلامه عليهم أشد من وقع النبل " (1).
ورواه معمر، عن الزهري، عن أنس.
قال الترمذي (2): وجاء في غير هذا الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دخل مكة في عمرة القضاء وكعب يقول ذلك.
قال: وهذا أصح عند بعض أهل العلم، لان ابن رواحة قتل يوم مؤتة،
__________
(1) إسناده قوي.
وأخرجه الترمذي (2851) في الادب: باب ما جاء في إنشاد الشعر.
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
والنسائي 5 / 202 في الحج: باب إنشاد الشعر في الحرم والمشي بين يدي الامام، وصححه ابن حبان (2020) و (2021)، وقال الحافظ في " الاصابة " 6 / 80: وأخرجه أبو يعلى بسند حسن، وانظر " سيرة ابن كثير " 3 / 428 - 433.
(2) سقطت لفظة " الترمذي " من المطبوع.
(*)

(1/235)


وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك (1).
قلت: كلا، بل مؤتة بعدها بستة أشهر جزما.
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لاحمد بن حنبل: فحديث أنس: دخل النبي، عليه السلام، مكة وابن رواحة آخذ بغرزه (2).
فقال: ليس له أصل.
وعن قيس بن أبي حازم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لابن رواحة: " انزل فحرك الركاب ".
قال: يا رسول الله ! لقد تركت قولي، فقال له عمر: " اسمع وأطع " فنزل وقال: تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا وساق باقيها (3).
إسماعيل بن أبي خالد: عن قيس قال: بكى ابن رواحة، وبكت امرأته، فقال: ما لك ؟ قالت: بكيت لبكائك، فقال: إني قد علمت أني وارد النار،
__________
(1) قال الترمذي هذا الكلام، بعد الحديث (3851) مباشرة.
وتعقبه الحافظ في " الفتح " 7 / 384 في المغازي: باب عمرة القضاء، بعد أن نقل كلام الترمذي - قائلا: وهو ذهول شديد وغلط مردود.
وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة.
وجعفر قتل وزيد وابن رواحة في موطن واحد.
فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا ؟ ! (2) الغرز هو الركاب، وقد تحرفت في المطبوع إلى: " ببعيره ".
(3) رجاله ثقات، لكنه مرسل.
وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / 80 من طريق: إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم.
والنص أطول.
وفيه: " يا رب لولا أنت ما اهتدينا ".
(*)

(1/236)


وما أدري أناج منها أم لا (1).
الزهري: عن سليمان بن يسار أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبعث ابن رواحة إلى
خيبر فيخرص بينه وبين يهود.
فجمعوا حليا من نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا.
قال: يا معشر يهود ! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، والرشوة سحت.
فقالوا: بهذا قامت السماء والارض (2).
وحماد بن سلمة، عن عبد الله فيما نحسب، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا محمد بن المسند، بالمزة، أنبأنا
__________
(1) رجاله ثقات لكنه مرسل.
قال السيوطي في " الدر المنثور " 4 / 282: أخرج ابن المبارك، وأحمد في الزهد، وابن عساكر، عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما نزلت هذه الآية [ وإن منكم إلا واردها ] ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادم فبكت.
وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون.
فلما انقطعت عبرتهم قال: يا أهلاه ما الذي أبكاكم ؟ قالوا: لا ندري.
ولكن رأيناك بكيت فبكينا.
قال: إنه أنزلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آية ينبئني فيها ربي تبارك وتعالى أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذاك الذي أبكاني.
وأخرج أبو نعيم في " الحلية " 1 / 118 من طريق: فاروق بن عبد الكبير، حدثنا زياد بن الخليل، حدثنا إبراهيم بن محمد بن فليح، حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة.
فبكى أهله حين رأوه يبكي فقال: والله ما بكيت جزعا من الموت، ولا صبابة لكم.
ولكني بكيت من قول الله عزوجل (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فأيقنت أني واردها.
ولم أدر أنجو منها أم لا.
وانظر تهذيب ابن عساكر 7 / 395.
(2) قال ابن هشام في " السيرة " 2 / 345: فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما حدثني عبد الله بن أبي بكر، يبعث عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود.
فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا.
فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والارض.
(*)

(1/237)


عبدان بن رزين، حدثنا نصر بن إبراهيم الفقيه، أنبأنا عبد الوهاب بن الحسين، حدثنا الحسين بن محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن العباس الزيدي، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا محمد بن عياذ، حدثنا عبد العزيز ابن أخي الماجشون: بلغنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرها عن أهله، فبصرت به امرأته يوما قد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرتك ؟ فجاحدها ذلك، قالت: فإن كنت صادقا، فاقرأ آية من القرآن.
قال: شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا قالت: فزدني آية، فقال: وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام * ملائكة الاله مقربينا فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحدثه، فضحك ولم يغير (1) عليه (2) ابن وهب: حدثني أسامة بن زيد أن نافعا حدثه قال: كانت لابن رواحة امرأة، وكان يتقيها، وكانت له جارية، فوقع عليها.
فقالت له.
فقال: سبحان الله ! قالت: اقرأ علي إذا، فإنك جنب فقال: شهدت بإذن الله ان محمدا * رسول الذي فوق المسوات من عل
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " ينكر ".
(2) هو عند ابن عساكر.
وانظر " تهذيب ابن عساكر " 7 / 395.
(*)

(1/238)


وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما * له عمل من ربه متقبل (1) وقد رويا لحسان.
شريك: عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة: كان يتمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشعر عبد الله بن رواحة، وربما قال: " ويأتيك بالاخبار من لم تزود " (2) ابن إسحاق: حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة قال: ثم أخذ الراية، يعني بعد قتل صاحبه، قال: فالتوى بعض الالتواء، ثم تقدم بها على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بها بعض التردد.
قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال عند ذلك: أقسمت بالله لتنزلنه * طائعة أو لا لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالى أراك تكرهين الجنه قد طال ما قد كنت مطمئنه * هل أنت إلا نطفة في شنه ثم نزل فقاتل حتى قتل.
__________
(1) رجاله ثقات، لكنه مرسل.
وانظر " الاستيعاب " 6 / 187 - 179، وكتاب " العلو " للمؤلف رحمه الله.
(2) أخرجه أحمد 6 / 222 والترمذي (2852) في الادب: باب ما جاء في إنشاد الشعر.
والبخاري في الادب المفرد (867).
وأخرج ابن أبي شيبة نحوه من حديث ابن عباس فيما قاله ابن حجر في " الفتح " 10 / 447.
وصدر البيت: " ستبدي لك الايام ما كنت جاهلا " وهو من معلقة طرفة بن العبد البكري.
(*)

(1/239)


وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد لقيت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيت (1)
قال الوليد بن مسلم: فسمعت أنهم ساروا بناحية معان، فأخبروا أن الروم قد جمعوا لهم جموعا كثيرة، فاستشار زيد أصحابه فقالوا: قد وطئت البلاد وأخفت (2) أهلها.
فانصرف، وابن رواحة ساكت.
فسأله فقال: إنا لم نسر لغنائم، ولكنا خرجنا للقاء، ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، والرأي المسير إليهم.
قال عروة بن الزبير: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: " فإن أصيب ابن رواحة، فليرتض المسلمون رجلا " ثم ساروا حتى نزلوا بمعان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم، ومئة ألف من المستعربة، فشجع الناس ابن رواحة، وقال: يا قوم ! والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم لها: الشهادة.
(3) وكانوا ثلاثة آلاف.
فصل شهداء يوم الرجيع (4) في سنة أربع بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، عشرة رهط عينا، عليهم عاصم بن ثابت
__________
(1) الخبر في " سيرة ابن هشام " 2 / 379 و " الاستيعاب " 6 / 175، و " الحلية " 1 / 120، و " أسد الغابة " 3 / 237.
(2) تحرفت في المطبوع إلى " أخذت ".
(3) انظر " سيرة ابن هشام " 2 / 375 والحلية 1 / 119، و " أسد الغابة " 3 / 236.
(4) أخرج خبرها البخاري (4086) في المغازي: باب غزوة الرجيع.
وسيأتي الحديث بتمامه في ترجمة خبيب بعد قليل ص (246).
والرجيع: اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة فيه فسميت = (*)

(1/240)


ابن أبي الاقلح (1) الانصاري.
فأحاط بهم بقرب عسفان، حي من هذيل، هم نحو المئة.
فقتلوا ثمانية، وأسروا خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، فباعوهما بمكة.
ومن الثمانية: عبد الله بن طارق، حليف بني ظفر، وخالد بن البكير
الليثي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي.
وتحرير ذلك ذكرته في مغازي النبي، صلى الله عليه وسلم (2).
شهداء بئر معونة (3) بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، أربعين رجلا سنة أربع، أمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي أحد البدريين، ومنهم حرام بن ملحان النجاري، والحارث بن الصمة، وعروة بن أسماء، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي (4)، وعامر بن فهيرة مولى الصديق.
فساروا حتى نزلوا بئر معونة.
فبعثوا حراما بكتاب النبي،
__________
= به.
وانظر ابن هشام 2 / 169 وما بعدها.
وابن سعد 2 / 1 / 39، والطبري في تاريخه 3 / 29 وما بعدها، و " البداية " لابن كثير 4 / 62، وابن سيد الناس 2 / 40، و " شرح المواهب اللدنية " 1 / 130 وما بعدها.
(1) تصحفت في المطبوع إلى " الافلح ".
(2) أي في كتابه " تاريخ الاسلام ".
وقد ورد القسم الاخير من غزوة الرجيع في المطبوع 1 / 223 بتحقيق محمد عبد الهادي شعيرة، وسقط القسم الاكبر منها.
وفي المطبوع تحريف وتصحيف وسقط.
(3) أخرج خبرها البخاري (4090) في المغازي: باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة.
وبئر معونة موضع من بلاد هذيل بين مكة وعسفان.
وهذه الموقعة تعرف بسرية القراء.
وانظر خبرها في ابن هشام 2 / 183 - 189، وابن سعد 2 / 1 / 36 والطبري 3 / 33 في تاريخه، و " تاريخ الاسلام " 1 / 224، و " البداية " 4 / 71، و " شرح المواهب اللدنية " 1 / 133، و " جوامع السيرة " 178 - 180، وابن سيد الناس 2 / 46.
(4) في الاصل " رافع بن ورقاء الخزاعي " وهو خطأ.
والتصحيح مما مر من المراجع.
(*)

(1/241)


صلى الله عليه وسلم، إلى عامر بن الطفيل.
فلم ينظر في الكتاب حتى قتل.
الرجل.
ثم استصرخ بني سليم، وأحاط بالقوم، فقاتلوا حتى استشهدوا كلهم، ما نجا
سوى كعب بن زيد النجاري، ترك وبه رمق فعاش، ثم استشهد يوم الخندق، وأعتق [ عامر بن ] (1) الطفيل عمرو بن أمية الضمري لانه أخبره أنه من مضر.

38 - كلثوم بن الهدم * ابن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري العوفي، شيخ الانصار، ومن نزل عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، أول ما قدم المدينة بقباء.
وكان قد شاخ.
قال صاحب " الطبقات ": أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا مجمع بن يعقوب، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، عن عمه مجمع (ح) وأنبأنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي سبرة، عن عثمان بن وثاب، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قالا: كان كلثوم بن الهدم رجلا شريفا.
وكان مسنا أسلم قبل مقدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة.
فلما هاجر، نزل عليه.
وكان يتحدث في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب (2).
__________
(1) سقطت من الاصل.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 149، تاريخ خليفة: 55، الاستبصار: 293، الاستيعاب: 9 / 260، أسد الغابة: 4 / 495، الاصابة: 8 / 310.
(2) العزاب: جمع عازب وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، وهكذا جاءت في " طبقات ابن سعد " 3 / 2 / 149، و " أسد الغابة " 4 / 495، و " سيرة ابن كثير " 2 / 270.
وقد أخطأ محققو سيرة ابن هشام، فوضعوا مكانها الاعراب.
مع أنهم أشاروا في الهامش 1 / 493 إلى أن الاصول كلها " العزاب " كما في " الصحاح " و " اللسان ".
وفي " الاصابة " 8 / 310 و " الاستيعاب " 6 / 261 " منزل القرآن " وهو تحريف.
(*)

(1/242)


فلذلك قال الواقدي: قيل: نزل النبي، صلى الله عليه وسلم، على سعد بن خيثمة، ونزل
على كلثوم بن الهدم جماعة من المهاجرين.
ثم لم يلبث أن توفي، رضي الله عنه، وذلك قبل بدر.
وكان رجلا صالحا (1).

39 - أبو دجانة الانصاري * سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي.
كان يوم أحد عليه عصابة حمراء، يقال: آخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين عتبة بن غزوان.
قال الواقدي: ثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وبايعه على الموت.
وهو ممن شارك في قتل مسيلمة الكذاب، ثم استشهد يومئذ (2).
قال محمد بن سعد: لابي دجانة عقب بالمدينة وببغداد إلى اليوم.
وقال زيد بن أسلم: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل.
فقيل له: ما لو جهك يتهلل ؟ فقال: ما من عمل شئ أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والاخرى فكان قلبي للمسلمين سليما (3).
__________
(1) ابن سعد 3 / 2 / 149.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 101 - 102، تاريخ خليفة: 111، 114، المعارف: 271، الجرح والتعديل: 4 / 279، مشاهير علماء الامصار: ت: 85، الاستبصار: 101 - 103، الاستيعاب: 4 / 253، أسد الغابة: 2 / 451، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 227 - 228، تاريخ الاسلام: 1 / 317، العبر: 1 / 14، الاصابة: 4 / 252 و 11 / 112، كنز العمال: 13 / 260.
(2) ابن سعد 3 / 2 / 102، والحاكم 3 / 229.
(3) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 102 من طريق: معن بن عيسى، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال:...(*)

(1/243)


وعن أنس بن مالك قال: رمى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل
الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل رضي الله عنه (1).
وقيل: هو سماك بن أوس بن خرشة.
صالح بن موسى، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما وضعت الحرب أوزارها، افتحر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأيامهم، وطلحة ساكت لا ينطق، وسماك بن خرشة أبو دجانة ساكت لا ينطق (2)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين رأى سكوتهما: " لقد رأيتني يوم أحد وما في الارض قربي مخلوق غير جبريل عنى يميني، وطلحة عن يساري " (3) وكان سيف أبي دجانة غير ذميم.
وذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عرض ذلك السيف حتى قال: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فأحجم الناس عنه.
فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله ؟ قال: تقاتل به في سبيل الله حتى يفتح الله عليك أو تقتل.
فأخذه بذلك الشرط.
فلما كان قبل الهزيمة يوم أحد خرج بسيفه مصلتا وهو يتبختر، ما عليه إلا قميص وعمامة حمراء قد عصب بها رأسه، وإنه ليرتجز ويقول:
__________
(1) " أسد الغابة " 2 / 452.
(2) سقط من المطبوع من قوله: " وسماك...إلى قوله: لا ينطق ".
(3) إسناده ضعيف جدا.
لضعف صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة بن عبيدالله الطلحي الكوفي.
ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والبخاري، والنسائي.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد.
(*)

(1/244)


إني امرؤ عاهدني خليلي * إذ نحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقيم الدهر في الكبول * أضرب بسيف الله والرسول
قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لمشية (1) يبغضها الله ورسوله إلا في مثل (2) هذا الموطن " (3).
وحرز أبي دجانة شئ لم يصح ما أدري من وضعه (4).
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " الميتة ".
(2) سقطت من المطبوع لفظة " مثل ".
(3) أخرجه ابن هشام 2 / 66 - 67 بتمامه، وابن سعد 3 / 2 / 101 عن أنس إلى آخر الشعر.
وأخرجه أحمد 3 / 123، ومسلم (2470) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي دجانة، من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس: " أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخذ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ مني هذا ؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا.
قال: فمن يأخذه بحقه ؟ قال: فأحجم القوم.
فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه.
قال: فأخذه ففلق به هام المشركين ".
وأحجم: تأخر وكف.
وفلق هام المشركين: شق رؤوسهم.
وحديث: إنها لمشية..." ذكره الهيثمي في " المجمع " 6 / 109 ونسبه إلى الطبراني، وقال: وفيه من لم أعرفه.
(4) جاء في اللآلئ: كما في " تذكرة الموضوعات " ص (211، 212): عن موسى الانصاري: " شكى أبو دجانة الانصاري فقال: يا رسول الله ! بينما أنا البارحة نائم إذ فتحت عيني، فإذا عند رأسي شيطان فجعل يعلو ويطول، فضربت بيدي إليه فإذا جلده كجلد القنفذ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ومثلك يؤذى يا أبا دجانة ! عامرك عامر سوء ورب الكعبة.
ادع لي علي بن أبي طالب، فدعاه، فقال: يا أبا الحسن اكتب لابي دجانة كتابا لا شئ يؤذيه من بعده.
فقال: وما أكتب ؟ قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي العربي الامي، التهامي الابطحي المكي، المدني، القرشي، الهاشمي، صاحب التاج والهراوة والقضيب والناقة، والقرآن، والقبلة، صاحب قول: لا إله إلا الله، إلى من طرق الدار من الزوار والعمار إلا طارقا يطرق بخير، اما بعد فإن لنا ولكم في الحق سعة.
فإن يكن عاشقا مولعا، أو مؤذيا مقتحما، أو فاجرا يجهر، أو
مدعيا محقا أو مبطلا فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق ورسلنا لدينا يكتبون ما تمكرون.
اتركوا حملة القرآن، وانطلقوا إلى عبدة الاوثان إلى من اتخذ مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان.
ثم طوى الكتاب وقال: ضعه عند رأسك فوضعه، = (*)

(1/245)


40 - خبيب بن عدي * ابن عامر بن مجدعة بن جحجبا الانصاري الشهيد.
ذكره ابن سعد فقال: شهد أحدا، وكان فيمن بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبا، وزيد بن الدثنة، فباعوهما بمكة، فقتلوهما بمن قتل النبي صلى الله عليه وسلم، من قومهم، وصلبوهما بالتنعيم (1).
قال مسلمة بن جندب: عن الحارث بن البرصاء قال: أتي بخبيب، فبيع بمكة، فخرجوا به إلى الحل ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين.
ثم
__________
= فإذا هم ينادون: النار، النار أحرقتنا بالنار، والله ما أردناك، ولا طلبنا أذاك، ولكن زائر زارنا وطرق فارفع عنا الكتاب.
فقال: والذي نفس محمد بيده لا أرفعه عنكم حتى أستأذنه، صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح أخبره فقال: ارفع عنهم فإن عادوا بالسيئة فعد إليهم بالعذاب، فوالذي نفس محمد بيده ما دخلت هذه الاسماء دارا ولا موضعا، ولا منزلا، إلا هرب إبليس وجنوده وذريته، والغاوون ".
موضوع، وإسناده مقطوع وأكثر رجاله مجهولون.
وليس في الصحابة من يسمى بموسى أصلا.
(*) نسب قريش: 204، 205، تاريخ خليفة: 74، 76، الاستبصار: 305 - 307، حلية الاولياء: 1 / 112 - 114، الاستيعاب: 3 / 183، أسد الغابة: 2 / 120، العقد الثمين: 4 / 305، الاصابة: 3 / 80، كنز العمال: 13 / 386.
(1) أخرج أحمد 2 / 294، 310، والبخاري (3045) في الجهاد: باب هل يستأسر الرجل،
ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، و (3989) في المغازي، و (4086) فيه: باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، و (7402) في التوحيد: باب ما يذكر في الذات والنعوت، وأسامي الله عز وجل، من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عمرو بن جارية الثقفي، حليف بني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عشرة عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الانصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى إذا كانوا بالهدة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان.
فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب.
فاتبعوا آثارهم.
فلما = (*)

(1/246)


قال: لو لا أن تظنوا أن ذلك جزع لزدت، اللهم أحصهم عددا.
قال الحارث: وأنا حاضر، فوالله ما كنت أظن أن سيبقى منا أحد.
ابن إسحاق: عن عاصم بن عمر قال: لما كان من غدر عضل والقارة بخبيب وأصحابه بالرجيع، قدموا به ويزيد بن الدثنة.
فأما خبيب، فابتاعه
__________
= حس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم.
فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا.
فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم ! أما أنا، فلا أنزل في ذمة كافر.
ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيك، صلى الله عليه وسلم، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما.
ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق.
منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر.
فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها.
قال الرجل الثالث.
هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى - فجر روه وعالجوه فأبى أن يصحبهم.
فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر.
فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا - وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده.
قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك قالت: والله ما رأيت أسيرا
قط خيرا من خبيب.
والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة.
وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا.
فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت.
ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، ثم أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث، فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة، وأخبر - يعني النبي - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشئ منه يعرف - وكان قتل رجلا عظيما من عظمائهم - فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا ".
وانظر ابن هشام 2 / 169 / 183 و " سيرة ابن كثير " 3 / 139، 144.
والتنعيم: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة.
(*)

(1/247)


حجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث بن عامر، وكان أخا حجير لامه، ليقتله بأبيه.
فلما خرجوا به ليقتلوه، وقد نصبوا خشبته ليصلبوه، فانتهى إلى التنعيم، فقال: إن رأيتم أن تدعوني أركع ركعتين.
فقالوا: دونك.
فصلى.
ثم قال: والله لولا أن تظنوا إنما طولت جزعا من القتل، لا ستكثرت من الصلاة.
فكان أول من سن الصلاة عند القتل.
ثم رفعوه على خشبته، فقال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما أتى إلينا.
قال: وقال معاوية: كنت فيمن حضره، فلقد رأيت أبا سفيان يلقيني إلى الارض، فرقا من دعوة خبيب.
وكانوا يقولون (1): إن الرجل إذا دعي عليه
فاضطجع، زلت عنه الدعوة.
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عقبة بن الحارث قال: والله ما أنا قتلته، لانا كنت أصغر من ذلك، ولكن أخذ بيدي أبو ميسرة العبدري، فوضع الحربة على يدي، ثم وضع يده على يدي فأخذها بها، ثم قتله (2).
عبد الله بن إدريس: حدثني عمرو بن عثمان بن موهب، مولى الحارث بن عامر قال: قال موهب: قال لي خبيب، وكانوا جعلوه عندي: أطلب إليك
__________
(1) أي: أهل الجاهلية، وهومن خرافاتهم.
(2) ابن هشام 2 / 173.
وعقبة بن الحارث مترجم في " الاستيعاب " و " أسد الغابة "، و " الاصابة ".
وإسناده صحيح كما الحافظ في " الفتح " 7 / 385.
(*)

(1/248)


ثلاثا: أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذبح على النصب، وأن تؤذني إذا أرادوا قتلي (1).
ابن إسحاق: حدثنا ابن أبي نجيح، عن ماوية مولاة حجير، وكان خبيب حبس في بيتها، فكانت تحدث بعد ما أسلمت، قالت: والله إنه لمحبوس إذ اطلعت من صير الباب إليه، وفي يده قطف عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في الارض حبة عنب، ثم طلب مني موسى يستحدها (2).

41 - معاذ بن عمرو بن الجموح * ابن كعب، الانصاري الخزرجي السلمي المدني البدري العقبي، قاتل أبي جهل.
قال جرير بن حازم: عن ابن إسحاق: معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد
ابن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة.
شهد بدرا.
__________
(1) انظر " الاصابة " 9 / 302.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " يشحذها ".
وصير الباب: شقه.
وابن أبي نجيح هو عبد الله.
والخبر ذكره الحافظ في " الاصابة " 13 / 128 في ترجمة ماوية، عن ابن إسحاق وقال: وهذا ذكره البخاري في الصحيح، في قصة قتل خبيب.
يعني رواية البخاري (3045) و (3989) و (4086) و (7402).
وليس في روايات البخاري " أعظم من رأسه " وقوله " وما أعلم في الارض ": أي: أرض مكة، كما جاء مصرحا به في رواية البخاري السابقة.
وانظر التعليق (1) في الصفحة (246) (*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 108، طبقات خليفة: 104، التاريخ الكبير: 1 / 66، التاريخ الصغير: 8 / 245، الجرح والتعديل: 8 / 245، الاستبصار: 154، الاستيعاب: 10 / 120، أسد الغابة: 5 / 202، الاصابة: 9 / 224.
(*)

(1/249)


روى عنه ابن عباس.
وعاش إلى أواخر خلافة عمر.
وفي " الصحيحين " من طريق يوسف بن الماجشون، أنبأنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت، فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما.
فغمزني أحدهما، فقال: يا عم ! أتعرف أبا جهل ؟ قلت: نعم.
وما حاجتك ؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الاعجل منا.
فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، فلم أنشب (1) أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس.
فقلت: ألا تريان ؟ هذا صاحبكما.
قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي، فأخبراه.
فقال: أيكما قتله ؟ فقال كل منهما: أنا قتلته.
فقال: هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا: لا.
فنظر في
السيفين، فقال: كلاكما قتله.
وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو.
والآخر هو معاذ ابن عفراء (2).
وعن معاذ بن عمرو قال: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني.
فلما أمكنني، حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه.
وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي، فطرح يدي وبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني
__________
(1) ترك مكانها فارغا في المطبوع، وقال في الهامش لعلها " ألبث ".
(2) أخرجه أحمد 1 / 193، والبخاري (3141) في فرض الخمس: باب من لم يخمس الاسلاب.
ومسلم (1752) في الجهاد: باب استحقاق القاتل سلب القتيل.
وقوله " سوادي سواده ": أي: شخصي شخصه.
ولم أنشب: أي: لم ألبث، أي: لم يمض زمن طويل على سؤالهما إلا ورأيته...(*)

(1/250)


عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لاسحبها خلفي.
فلما آذتني، وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها (1).
هذه والله الشجاعة، لا كآخر من خدش بسهم ينقطع قلبه، وتخور قواه.
نقل هذه القصة ابن إسحاق وقال: ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان.
قال: ومر بأبي جهل معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق.
ثم قاتل معوذ حتى قتل، وقتل أخوه عوف قبله، وهما ابنا الحارث بن رفاعة الزرقي.
ثم مر ابن مسعود بأبي جهل، فوبخه وبه رمق، ثم احتز رأسه.
أخبرنا أحمد بن سلامة، عن ابن مسعود الجمال، أنبأنا أبو علي، أنا أبو
نعيم، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد الابار حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الله بن الوليد التجيبي، عن أبي منصور مولى الانصار أنه سمع عمرو بن الجموح يقول: إنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " قال الله عزوجل: إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم " (2).
__________
(1) أخرجه ابن هشام 1 / 634 - 635 من طريق: ابن إسحاق حدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس و عبد الله بن أبي بكر قالا: قال معاذ...ورجاله ثقات.
(2) أخرجه أحمد 3 / 430 وإسناده ضعيف لضعف رشدين.
وشيخه عبد الله بن الوليد لين الحديث.
وأبو منصور مولى الانصار مجهول، ثم إنه لم يلق عمرو بن الجموح فيما قاله المؤلف وسبقه إلى ذلك البخاري في " التاريخ ".
(*)

(1/251)


تفرد به رشدين.
وهو ضعيف.
وليس هذا الحديث لصاحب الترجمة، بل لابيه.
وقد قالوا إن عمرا قتل يوم أحد، فكيف يسمع منه أبو منصور ؟.

42 - معوذ بن عمرو * ابن الجموح الانصاري السلمي.
شهد مع أخويه معاذ وخلاد بدرا، لكن لم يذكره ابن إسحاق، فالله أعلم.

43 - أخوهما خلاد بن عمرو * * شهدا بدرا، واستشهد يوم أحد.

44 - وأبوهم عمرو بن الجموح * * * ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب (1) بن سلمة بن سعد بن علي ابن أسد بن ساردة بن تزيد، بن جشم بن الخزرج الانصاري السلمي الغنمي.
والد معاذ، ومعوذ، وخلاد المذكورين، و عبد الرحمن، وهند.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 108، طبقات خليفة: 104، الاستبصار: 154، الاستيعاب: 10 / 181، أسد الغابة: 5 / 240، الاصابة: 9 / 266.
(* *) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 109، طبقات خليفة: 104، الجرح والتعديل: 3 / 364،، الاستبصار: 154، الاستيعاب: 3 / 203، أسد الغابة: 2 / 143، الاصابة: 3 / 152.
(* * *) المسند لاحمد: 3 / 430، تاريخ خليفة: 73، الاستبصار: 153 - 154، الاستيعاب: 8 / 291، أسد الغابة: 4 / 206 - 208، تهذيب الاسماء واللغات: 2 / 25 - 26، مجمع الزوائد: 9 / 314، الاصابة: 7 / 94 - 96.
(1) " بن غنم بن كعب " سقطت من المطبوع.
(*)

(1/252)


روى ثابت البناني: عن عكرمة قال: قدم مصعب بن عمير المدينة يعلم الناس.
فبعث إليه عمرو بن الجموح: ما هذا الذي جئتمونا ؟ قالوا: إن شئت جئناك، فأسمعناك القرآن.
قال: نعم.
فقرأ صدرا من سورة يوسف.
فقال عمرو: إن لنا مؤامرة في قومنا.
وكان سيد بني سلمة.
فخرجوا، ودخل على مناف (1) فقال: يا مناف ! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير ؟ قال: فقلده السيف وخرج، فقام أهله فأخذوا السيف، فلما رجع قال: أين السيف يا مناف ؟ ويحك ! إن العنز لتمنع استها.
والله ما أرى في أبي جعار غدا من خير.
ثم قال لهم: إني ذاهب إلى مالي فاستوصوا بمناف خيرا.
فذهب، فأخذوه فكسروه وربطوه مع كلب ميت وألقوه في بئر، فلما جاء قال: كيف أنتم ؟ قالوا: بخير يا سيدنا.
طهر الله بيوتنا من الرجس، قال: والله إني أراكم قد أسأتم خلافتي في مناف.
قالوا: هو ذاك، انظر إليه في ذلك البئر.
فأشرف فرآه، فبعث إلى قومه فجاؤوا فقال: ألستم على ما أنا عليه ؟ قالوا: بلى.
أنت سيدنا.
قال: فأشهدكم أني قد آمنت بما أنزل على محمد.
قال: فلما كان يوم أحد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين " فقام وهو أعرج فقال: والله لاقحزن (2) عليها في الجنة.
فقاتل حتى قتل.
وعن عاصم بن عمر أن إسلام عمرو بن الجموح تأخر.
وكان له صنم يقال له مناف، وكان فتيان بني سلمة قد آمنوا، فكانوا يمهلون، حتى إذا ذهب الليل
__________
(1) عند ابن هشام " مناة " انظر " السيرة " 1 / 452.
(2) أي: لاثبن كما في هامش المخطوط.
والقحز: الوثب والقلق.
قحز يقحز قحزا.
قلق ووثب واضطرب.
وقد تحرفت في المطبوع إلى " لا نحزن ".
(*)

(1/253)


دخلوا بيت صنمه فيطرحونه في أنتن حفرة منكسا.
فإذا أصبح عمرو غمه ذلك، فيأخذه فيغسله ويطيبه.
ثم يعودون لمثل فعلهم.
فأبصر عمرو شأنه وأسلم، وقال أبياتا منها: والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لمثواك إلها مستدن * فالآن فتشناك عن شر الغبن (1) روى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار (ح) وفطر بن خليفة، عن حبيب ابن أبي ثابت (ح)، وابن عيينة، عن ابن المنكدر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " يا بني سلمة ! من سيدكم ؟ قالوا: الجد بن قيس، وإنا لنبخله.
قال: وأي داء أدوى من البخل ؟ بل (2) سيدكم الجعد الابيض عمرو بن الجموح (3).
قال الواقدي: لم يشهد بدرا.
كان أعرج.
ولما خرجوا يوم أحد منعه بنوه وقالوا: عذرك الله.
فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشكوهم.
فقال: لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة (4).
__________
(1) الخبر عند ابن هشام 1 / 452 - 453 والرجز عنده أطول، وفي " أسد الغابة " 4 / 207 - 208،
و " سيرة ابن كثير " 2 / 207 - 208.
والقرن: الحبل، ومستدن: ذليل مستعبد.
وقال السهيلي: مستدن من السدانة، وهي خدمة البيت وتعظيمه.
وكان لكل صنم سدنة يقومون بخدمة البيت الذي فيه الصنم.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " هل ".
(3) رجاله ثقات لكنه مرسل.
ورواه أبو نعيم في " الحلية " 7 / 317 من طريق: ابن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر.
وأخرجه البخاري في " الادب المفرد " (296) من طريق عبد الله بن أبي الاسود، حدثنا حميد بن الاسود، عن الحجاج الصواف قال: حدثني أبو الزبير قال: حدثنا جابر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذكره.
وهذا سند قوي.
(4) أخرجه ابن هشام 2 / 90 من طريق: ابن إسحاق عن أبيه، عن أشياخ من بني سلمة.
ورجاله ثقات.
فإن كان الاشياخ من الصحابة فهو مسند وإلا فهو مرسل.
وأخرجه أحمد 5 / 299 من حديث = (*)

(1/254)


قالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام: كأني أنظر إليه قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني.
فقتل هو وابنه خلاد.
إسرائيل: عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى: أن عمرو بن الجموح قال لبنيه: أنتم منعتموني الجنة يوم بدر.
والله لئن بقيت، لادخلن الجنة.
فلما كان يوم أحد، قال عمر: لم يكن لي هم غيره، فطلبته، فإذا هو في الرعيل الاول (1).
قال مالك: كفن هو و عبد الله بن عمرو بن حرام في كفن واحد.
مالك: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وابن حرام كان السيل قد خرب قبرهما فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالامس.
وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن كذلك.
فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت،
فرجعت كما كانت.
وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة (2).
__________
= أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أأمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة - ؟ وكانت رجله عرجاء - فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: نعم.
فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى له.
فمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: كأتي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة.
فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
وسنده حسن كما قال الحافظ في " الفتح " 3 / 173.
(1) رجاله ثقات، لكنه منقطع.
(2) أخرجه مالك ص (291) في الجهاد: باب الدفن في قبر واحد من ضرورة برقم (50) ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
وأخرجه ابن سعد 3 / 562 - 563، من طريق الوليد في مسلم، حدثني الاوزاعي، عن الزهري، عن جابر فذكره بأطول مما هنا.
وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في " الفتح " 3 / 173.
وانظر " سيرة ابن هشام " 2 / 98، و " سيرة ابن كثير " 3 / 86 - 87.
(*)

(1/255)


45 - عبيدة بن الحارث * ابن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي.
وأمه من ثقيف.
وكان أحد السابقين الاولين.
وهو أسن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعشر سنين.
هاجر هو وأخواه الطفيل وحصين.
وكان ربعة من الرجال، مليحا، كبير المنزلة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو الذي بارز رأس المشركين يوم بدر فاختلفا ضربتين، فأثبت كل منهما الآخر.
وشد علي وحمزة على عتبة، فقتلاه، واحتملا عبيدة وبه رمق.
ثم توفي بالصفراء (1)، في العشر الاخير من رمضان، سنة اثنتين رضي الله عنه.
وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أمره على ستين راكبا من المهاجرين، وعقد له لواء.
فكان أول لواء عقد في الاسلام.
فالتقى قريشا وعليهم أبو سفيان عند ثنية المرة، وكان ذاك أول قتال جرى في الاسلام.
قاله ابن إسحاق (2).
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 1 / 34، نسب قريش: 94 93، تاريخ خليفة: 59، 61، 62، الاستيعاب: 7 / 114، أسد الغابة: 3 / 553، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 317 - 318، العقد الثمين: 5 / 444 - 446، الاصابة: 6 / 369، شذرات الذهب: 1 / 9.
(1) الصفراء: قرية كثيرة النخل والمزارع، وماؤها عيون.
وهي فوق ينبع مما يلي المدينة.
وماؤها يجرى إلى ينبع.
وقد قيل في رثاء عبيدة بن الحارث: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا * وحلما أصيلا وافر اللب والعقل عبيدة فابكيه لاضياف غربة * وأرملة تهوي لاشعث كالجذل وانظر بقية الابيات في " السيرة " لابن هشام 2 / 41 - 42.
وحديث المبارزة أخرجه الحاكم 3 / 194 من حديث علي، وانظر ابن هشام 1 / 625.
(2) ابن سعد 3 / 1 / 35، وابن هشام 1 / 591 - 595، وابن سيد الناس 1 / 224، وابن كثير في " سيرته " 3 / 234.
(*)

(1/256)


أعيان البدريين أبو بكر، وعمر، وعلي، وسعد، والزبير، وأبو عبيدة، و عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن حارثة، ومسطح بن أثاثة، ومصعب بن عمير، وابن مسعود، والمقداد، وصهيب، وعمار، وأبو سلمة، وزيد بن الخطاب، وسعد بن معاذ، وعباد بن بشر، وأبو الهيثم بن التيهان، وقتادة بن النعمان، ورفاعة ومبشر ابنا عبد المنذر، ولم يحضرها أخوهما أبو لبابة، لانه استخلف على المدينة.
وأبو أيوب، وأبي بن كعب، وبنو عفراء، وأبو طلحة، وبلال،
وعبادة، ومعاذ، وعتبان بن مالك، وعكاشة بن محصن، وعاصم بن ثابت، وأبو اليسر، رضي الله عنهم.

46 - ربيعة بن الحارث * ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي.
أبوأروى.
وله من الولد: محمد، و عبد الله، والحارث، والعباس، وأمية، وعبد شمس، و عبد المطلب، وأروى الكبرى، وهند، وأروى، وآدم.
وآدم: هو المسترضع له في هذيل، فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم.
وكان صغيرا يحبو أمام البيوت، فأصابه حجر قتله.
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: " وأول دم أضعه (1) دم ابن ربيعة بن الحارث " (2).
ويروى أن قال فيه: " آدم رأى في
__________
(*) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 32، طبقات خليفة: 5، 6، تاريخ خليفة: 153، 348، التاريخ الكبير: 3 / 283، مشاهير علماء الامصار: ت: 163، الاستيعاب: 3 / 258، أسد الغابة: 2 / 209، تهذيب الكمال: 409، الاصابة: 3 / 259، تهذيب التهذيب: 3 / 253، خلاصة تذهيب الكمال: 117.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " أضيع ".
(2) أخرجه مسلم (1218) في الحج: باب حجة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو داود (1905) في المناسك: باب صفة حجة النبي، صلى الله عليه وسلم، وابن ماجه (3074) في المناسك: باب حجة رسول الله، = (*)

(1/257)


الكتاب دم ابن ربيعة، فزاد ألفا، والظاهر أنه لصغره مان حفظ اسمه.
وقيل: كان اسمه تمام بن ربيعة " (1).
قالوا: وكان ربيعة أسن من عمه العباس بسنتين.
ونوبة بدر كان ربيعة غائبا بالشام.
قال ابن سعد: فلما خرج العباس ونوفل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مهاجرين
أيام الخندق، شيعهما ربيعة إلى الابواء، ثم أراد الرجوع، فقالا له: أين ترجع ؟ إلى دار الشرك تقاتلون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتكذبونه، وقد عزوكثف أصحابه، ارجع.
فسار معهما حتى قدموا جميعا مسلمين.
وأطعم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ربيعة بخيبر مئة وسق كل سنة، وشهد معه الفتح وحنينا، وابتنى دارا بالمدينة، وتوفي في خلافة عمر (2).
ويروى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " نعم العبد ربيعة بن الحارث لو قصر من شعره، وشمر من ثوبه " (3).
وكان ربيعة شريكا لعثمان في التجارة.
وقد جاء في حديث جابر الذي في
__________
= صلى الله عليه وسلم، كلهم من طريق حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال دخلنا على جابر - والحديث طويل جدا.
وأخرجه النسائي 5 / 143 في مناسك الحج: باب الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم.
(1) ابن سعد 4 / 1 / 33.
(2) ابن سعد 4 / 1 / 33.
(3) " أسد الغابة " 2 / 210 وهو لا يصح.
وإنما روى أحمد 4 / 200 والبخاري في تاريخه، والبغوي، وابن مندة: عن بسر بن عبيدالله، عن سمرة بن فاتك الاسدي، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " نعم العبد سمرة لو أخذ من لمته، وشمر من مئزره.
فبلغه ذلك ففعل " ورجاله ثقات إلا أن فيه تدليس هشيم.
(*)

(1/258)


المناسك، " وإن أول دم أضع (1) [ ابن ] ربيعة بن الحارث " أراد الذي يستحق ربيعة به الدية من أجل ولده.
وقيل: إنه توفي سنة ثلاث عشرة، وأمه هي غزية بنت قيس بن طريف.

47 - عبد الله بن الحارث *ابن عبد المطلب الهاشمي.
أخو ربيعة ونوفل.
وكان اسمه عبد شمس فغير.
فرووا أنه هاجر قبيل الفتح، فسماه النبي، صلى الله عليه وسلم، عبد الله.
وخرج مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في بعض مغازيه، فمات بالصفراء فكفنه في قميصه - يعني قيمص النبي، صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل إنه قال فيه: هو سعيدا أدركته السعادة (2).
كذا أورد ابن سعد هذا بلا إسناد.
ولا نسل لهذا.

48 - خالد بن سعيد * * ابن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " ضاع ".
(*) طبقات ابن سعد: 4 / 48، تاريخ خليفة: 184، الاستيعاب: 6 / 141، اسد الغابة: 3 / 207، العقد الثمين: 5 / 126، الاصابة: 6 / 45.
(2) ابن سعد 4 / 1 / 33، و " أسد الغابة " 3 / 206، و " الاستيعاب " 6 / 41.
(* *) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 69، نسب قريش: 174 - 175، طبقات خليفة: 11، 298، تاريخ خليفة: 97، 120، 201، التاريخ الكبير: 3 / 152، التاريخ الصغير: 1 / 2 , 4 , 34 , 35 المعارف: 296، الجرح والتعديل: 3 / 334، مشاهير علماء الامصار: ت: 172، الاستيعاب: 3 / 153، ابن عساكر: 5 / 223 / 2، أسد الغابة: 2 / 97، تاريخ الاسلام: 1 / 378، البداية والنهاية: 7 / 377، العقد الثمين: 4 / 265، الاصابة: 3 / 58، كنز العمال: 13 / 377، شذرات الذهب: 1 / 30، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 5 / 55 48.
(*)

(1/259)


السيد الكبير أبو سعيد القرشي الاموي، أحد السابقين الاولين.
روي عن أم خالد بنت خالد، قالت: كان أبي خامسا في الاسلام، وهاجر
إلى أرض الحبشة، وأقام بها بضع عشرة سنة، وولدت أنا بها (1).
وروى إبراهيم بن عقبة.
عن أم خالد قالت: أبي أول من كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
وروي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استعمله على صنعاء، وأن أبا بكر أمره على بعض الجيش في غزو الشام.
قال موسى بن عقبة، أخبرنا أشياخنا أن خالدا قتل مشركا، ثم لبس سلبه ديباجا أو حريرا، فنظر الناس إليه وهو مع عمرو.
فقال: ما لكم تنظرون ؟ من شاء، فليفعل مثل عمل خالد، ثم يلبس لباسه.
ويروى أن خالدا رضي الله عن استشهد، فقال الذي قتله بعد أن أسلم: من هذا الرجل ؟ فإني رأيت نورا له ساطعا إلى السماء.
وقيل: كان خالد بن سعيد وسيما جميلا، قتل يوم أجنادين، وهاجر مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة زمن خيبر.
وبنته المذكورة عمرت ! وتأخرت إلى قريب عام تسعين.
وكان أبوه أبو أحيحة من كبراء الجاهلية، مات قبل غزوة بدر مشركا.
وله عدة أولاد منهم:
__________
(1) هذا الخبر وما يليه إلى نهاية الصفحة كلها عند ابن سعد 4 / 1 / 69، 70، 71، فارجع إليها هناك.
(*)

(1/260)


49 - أبان بن سعيد * أبو الوليد الاموي.
تأخر إسلامه، وكان تاجرا موسرا سافر إلى الشام.
وهو الذي أجار ابن عمه عثمان بن عفان يوم الحديبية حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم رسولا
إلى مكة، فتلقاه أبان وهو يقول: أقبل وأنسل ولا تخف أحدا * بنو سعيد أعزة البلد (1).
ثم أسلم يوم الفتح، لا بل قبل الفتح، وهاجر.
وذلك أن أخويه خالدا المذكور وعمرا لما قدما من هجرة الحبشة إلى المدينة بعثا إليه يدعوانه إلى الله تعالى، فبادر وقدم المدينة مسلما.
وقد استعمله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة تسع على البحرين.
ثم إنه استشهد هو وأخوه خالد يوم أجنادين على الصحيح.
وأبان: هو ابن عمة أبي جهل.

50 - وأخوهما عمرو بن سعيد الاموي * * له هجرتان: إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
وله حديث، في " مسند الامام
__________
(*) نسب قريش: 174، 175، طبقات خليفة: 298، تاريخ خليفة: 120، 131، التاريخ الكبير: 1 / 450، التاريخ الصغير: 1 / 35، 52، الجرح والتعديل: 2 / 295، مشاهير علماء الامصار: ت: 70، الاستيعاب: 1 / 119، أسد الغابة: 1 / 46 - 48، تاريخ الاسلام: 1 / 376 - 378، الاصابة: 1 / 16، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 2 / 127 - 133.
(1) روايته في " الاصابة " 1 / 16 " أسبل وأقبل " وفي " الاستيعاب " 1 / 120 " أقبل وأدبر " وفيهما " الحرم " بدل " البلد ".
ورواية " تهذيب ابن عساكر ": " أقبل وأسبل " وفي " تاريخ الاسلام " " أقبل وأبشر " وفي " اللسان ": أنسلت القوم: إذا تقدمتهم.
(* *) طبقات ابن سعد: 4 / 1 / 72، نسب قريش: 178، تاريخ خليفة: 273، المعارف: 296، الجرح والتعديل: 6 / 236، مشاهير علماء الامصار: 81، الاستيعاب: 8 / 307، أسد = (*)

(1/261)


أحمد " استشهد يوم اليرموك، ويقال: يوم أجنادين، مع أخويه رضي الله عنهم.
وروى عمرو بن سعيد الاشدق أن أعمامه خالد وأبانا وعمرا رجعوا عن
أعمالهم حين بلغهم موت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ارجعوا إلى أعمالكم.
فأبوا، وخرجوا إلى الشام فقتلوا.
رضي الله عنهم.

51 - العلاء بن الحضرمي * (ع) واسمه العلاء بن عبد الله بن عماد (1) بن أكبر بن ربيعة بن مقنع بن حضر موت.
كان من حلفاء بني أمية، ومن سادة المهاجرين.
وأخوه ميمون بن الحضرمي هو المنسوب إليه بئر ميمون التي بأعلى مكة، احتفرها قبل المبعث.
وأخواهما: عمرو وعامر.
__________
= الغابة: 4 / 230، تهذيب الكمال: 1035، دول الاسلام: 1 / 52 - 53، العبر: 1 / 77، 78، العقد الثمين: 6 / 389 - 394، تهذيب التهذيب: 8 / 37، الاصابة: 7 / 111، خلاصة تذهيب الكمال: 289.
(*) مسند أحمد: 4 / 339 و 5 / 52، طبقات ابن سعد: 4 / 2 / 76، طبقات خليفة: 12، 72، تاريخ خليفة: 116، 127، التاريخ الكبير: 6 / 205، المعارف: 283 - 284، الجرح والتعديل: 6 / 357، مشاهير علماء الامصار: ت: 357، الاستيعاب: 8 / 123، أسد الغابة: 4 / 74، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 341 - 342، تهذيب الكمال: 1070، دول الاسلام: 1 / 17، العبر: 1 / 25، مجمع الزوائد: 9 / 376، العقد الثمين: 6 / 447 - 449، تهذيب التهذيب: 8 / 178، الاصابة: 7 / 38، خلاصة تذهيب الكمال: 299، شذرات الذهب: 1 / 32.
(1) عماد بالميم.
كذا الاصل.
وهو كذلك في التهذيب وفروعه، وفي " الاصابة " و " الاستيعاب "، و " فتح الباري " 7 / 267، وقد أثبت الناسخ فوقها " عباد " بالباء، وكذلك هي في " سيرة ابن هشام "، و " أسد الغابة " وسيرد قريبا في الترجمة، عن ابن اسحاق " عباد ".
(*)

(1/262)


ولاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البحرين، ثم وليها لابي بكر وعمر.
وقيل: إن عمر بعثه على إمرة البصرة، فمات قبل أن يصل إليها.
وولي بعده البحرين لعمر أبو هريرة.
له حديث: مكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا (1).
رواه عنه السائب بن يزيد.
وروى عنه أيضا حيان الاعرج، وزياد بن حدير.
روى منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين [ عن ابن العلاء ]، أن العلاء ابن الحضرمي كتب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فبدأ بنفسه (2).
قال ابن إسحاق: كان والدهم الحضرمي حلف حرب بن أمية، وهو من بلاد حضر موت، واسمه عبد الله بن عباد بن الصدف.
__________
(1) أخرجه أحمد 5 / 52، والبخاري (3933) في مناقب الانصار: باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، ومسلم (1352) في الحج: باب الاقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة، وأبو داود (2022) في المناسك: باب الاقامة بمكة، والترمذي (949) في الحج: باب ما جاء في أن يمكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثا، والنسائي 3 / 122 في تقصير الصلاة في السفر: باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة، وابن ماجه (1073) في الاقامة: باب كم يقصر الصلاة المسافر، والدارمي 1 / 355 في الصلاة، باب فيمن أراد أن يقيم ببلده كم يقيم حتى يقصر الصلاة، حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد يقول: هل سمعت في الاقامة بمكة شيئا ؟ فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة " كأنه يقول: لا يزيد عليها.
والنص لمسلم.
والمعنى: أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حرم عليهم استيطان مكة والاقامة بها.
ثم أبيح لهم، إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم، ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة.
(2) أخرجه أبو داود (5135) في الادب: باب فيمن يبدأ بنفسه في الكتابة، والحاكم 3 / 636 وابن العلاء مجهول.
وباقي رجاله ثقات.
وقد سقط من المطبوع عبارة: " فبدأ بنفسه ".
(*)

(1/263)


ابن لهيعة (1): عن أبي الاسود، عن عروة قال: بعثه - يعني العلاء - أبو بكر الصديق في جيش قبل البحرين.
وكانوا قد ارتدوا.
فسار إليهم وبينه وبينهم البحر - يعني الرقراق - حتى مشوا فيه بأرجلهم، فقطعوا كذلك مكانا كانت تجري فيه السفن، وهي اليوم تجري فيه أيضا، فقاتلهم، وأظهره الله عليهم، وبذلوا الزكاة.
توفي سنة إحدى وعشرين.
وروي عن أبي هريرة: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع العلاء بن الحضرمي ووصاه بي، فكنت أؤذن له (2).
وقال المسور بن مخرمة: بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، العلاء إلى البحرين، ثم عزله بأبان بن سعيد.
قال محمد بن سعد: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي.
فخرج من المدينة في ستة عشر راكبا، وكتب له كتابا أن ينفر معه كل من مربه من المسلمين إلى عدوهم.
فسار العلاء فيمن تبعه حتى لحق بحصن جواثى (3) فقاتلهم، فلم يفلت منهم أحمد.
ثم أتى القطيف وبها جمع، فقاتلهم، فانهزموا، فانضمت
__________
(1) في الاصل " لهيف " وهو خطأ.
(2) أخرجه ابن سعد 4 / 2 / 77 من طريق الواقدي قال: حدثني عبد الله بن يزيد، عن سالم مولى بني نصر قال: سمعت أبا هريرة يقول: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع العلاء بن الحضرمي، وأوصاء بي خيرا، فلما فصلنا قال لي: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أوصاني بك خيرا فانظر ماذا تحب ؟ قال: قلت: تجعلني أؤذن لك، ولا تسبقني بآمين.
فأعطاه ذلك " وإسناده ضعيف جدا لان الواقدي
متروك.
(3) جواثى: مدينة بالبحرين لعبد القيس.
وفي البخاري (892) عن ابن عباس قال: " إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مسجد عبد القيس بجوائى في البحرين ".
(*)

(1/264)


الاعاجم إلى الزارة، فأتاهم العلاء، فنزل الخط على ساحل البحر، فقاتلهم، وحاصرهم إلى أن توفي الصديق.
فطلب أهل الزارة الصلح فصالحهم، ثم قاتل أهل دارين، فقتل المقاتلة، وحوى الذراري.
وبعث عرفجة إلى ساحل فارس، فقطع السفن، وافتتح جزيرة بأرض فارس واتخذ بها مسجدا (1).
مجالد: عن الشعبي أن عمر كتب إلى العلاء بن الحضرمي وهو بالبحرين أن سر إلى عتبة بن غزوان، فقد وليتك عمله، وظننت أنك أغنى منه، فاعرف له حقه.
فخرج العلاء في رهط، منهم أبو هريرة، وأبو بكرة، فلما كانوا بنياس (2) مات العلاء.
وكان أبو هريرة يقول: رأيت من العلاء ثلاثة أشياء لا أزال أحبه أبدا: قطع البحر على فرسه يوم دارين (3).
وقدم يريد البحرين، فدعا الله بالدهناء، فنبع لهم ماء فارتووا.
ونسي رجل منهم بعض متاعه، فرد، فلقيه، ولم يجد الماء.
__________
(1) ابن سعد 4 / 2 / 77 - 78 وقد سقط من المطبوع لفظة " أهل " قبل الزارة.
وانظر " تاريخ خليفة " ص: (116).
(2) كذا الاصل.
وفي ابن سعد 4 / 2 / 78 - 79 " فلما كانوا بلياس من الصعاب.
والصعاب من أرض بني تميم، مات العلاء بن الحضرمي، فرجع أبو هريرة إلى البحرين...".
(3) دارين هي فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند.
والنسبة إليها داري.
وقال ياقوت
في " معجم البلدان ": وفي كتاب سيف: أن المسلمين اقتحموا إلى دارين البحر مع العلاء بن الحضرمي، فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الابل، وإن ما بين دارين والساحل مسيرة يوم وليلة لسفر البحر في بعض الحالات، فالتقوا وقتلوا، وسبوا فبلغ منهم الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين.
فقال في ذلك عفيف بن المنذر: ألم تر أن الله ذلل بحره وأنزل بالكفار إحدى الجلائل ؟ دعونا الذي شق البحار، فجاءنا بأعجب من فلق البحار الاوائل انظر معجم البلدان 2 / 432.
(*)

(1/265)


ومات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا سحابة، فمطرنا، فغسلناه، وحفر ناله بسيوفنا، ودفناه، ولم نلحد له.

52 - سعد بن خيثمة * ابن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم أبو عبد الله الانصاري الاوسي البدري النقيب، أخو أبي ضياح (1) النعمان بن ثابت لامه.
انقرض عقبه سنة مئتين.
وكان ابن الكلبي يخالف في النحاط، ويجعله الحناط بن كعب.
آخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين أبي سلمة بن عبد الاسد.
قالوا: وكان أحد النقباء الاثني عشر.
ولما ندب النبي (2) صلى الله عليه وسلم، المسلمين يوم بدر، فأسرعوا قال خيثمة لابنه سعد: آثرني بالخروج، وأقم مع نسائك، فأبى، وقال: لو كان غير الجنة، آثرتك به.
فاقترعا، فخرج سهم سعد، فخرج، واستشهد ببدر، واستشهد أبوه خيثمة يوم أحد.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 47، طبقات خليفة: 83، تاريخ خليفة: 60، التاريخ الكبير: 4 / 49، الجرح والتعديل: 4 / 82، الاستبصار: 265، الاستيعاب: 4 / 143، أسد الغابة: 2 / 346، الاصابة: 4 / 140، شذرات الذهب: 1 / 9.
(1) هو بالضاد المعجمة، وتشديد الياء.
وقال المستغفري: هو بتخفيفها، واسمه النعمان، وقيل: عمير.
شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية.
وقتل يوم خيبر شهيدا.
انظر " أسد الغابة " 6 / 178.
(2) ذكره الحافظ في " الاصابة " 4 / 141 من طريق: موسى بن عقبة، عن ابن شهاب وهو في " الاستيعاب " 4 / 143، وعند ابن سعد 3 / 2 / 47 كلاهما بغير سند.
(*)

(1/266)


53 - البراء بن معرور * ابن صخر بن خنساء بن سنان.
السيد النقيب أبو بشر الانصاري الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة.
وهو ابن عمة سعد بن معاذ.
وكان نقيب قومه بني سلمة.
وكان أول من بايع ليلة العقبة الاولى.
وكان فاضلا، تقيا، فقيه النفس.
مات في صفر قبل قدوم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة بشهر.
محمد بن إسحاق: حدثني معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن أبيه قال: خرجنا من المدينة نريد النبي صلى الله عليه وسلم، بمكة وخرج معنا حجاج قومنا من أهل الشرك.
حتى إذا كنا بذي الحليفة قال لنا البراء بن معرور - وكان سيدنا وذا سننا (1) - تعلمن والله لقد رأيت أن لا أجعل هذه البنية (2) مني بظهر، وأن أصلي إليها.
فقلنا: والله لا نفعل، ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، فما كنا لنخالف قبلته.
فلقد رأيته إذا حضرت الصلاة يصلي إلى الكعبة.
قال: فعبنا عليه وأبى إلا إلاقامة عليه.
حتى قدمنا مكة.
فقال لي: يا ابن أخي لقد صنعت
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 146، التاريخ الصغير: 1 / 20، الجرح والتعديل: 2 / 399، الاستبصار: 142، الاستيعاب: 1 / 281، أسد الغابة: 1 / 207، العبر: 1 / 3، الاصابة: 1 / 238، كنز العمال: 13 / 294، شذرات الذهب: 1 / 9.
(1) تحرفت في المطبوع إلى " وكبيرنا ".
(2) البنية: وزان فعلية: الكعبة.
سميت بذلك لشرفها، إذ هي أشرف مبني، وكانت تدعى بنية إبراهيم عليه الصلاة والسلام لانه بناها، وقد كثر قسمهم برب هذه البنية.
(*)

(1/267)


في سفري شيئا ما أدري ما هو، فانطلق إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلنسأله عما صنعت.
وكنا لا نعرف رسول الله، فخرجنا نسأل عنه، فلقينا بالابطح رجلا، فسألناه عنه.
فقال: هل تعرفانه ؟ قلنا: لا.
قال: فهل تعرفان العباس ؟ قلنا: نعم.
فكان العباس يختلف إلينا بالتجارة، فعرفناه.
فقال: هو الرجل الجالس معه الآن في المسجد، فأتينا هما فسلمنا وجلسنا، فسألنا العباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (1): من هذان يا عم ؟ قال: هذ البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " الشاعر " ؟ فقال البراء: يا رسول الله ! والله لقد صنعت كذا وكذا.
فقال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها.
فرجع إلى قبلته.
ثم واعدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة العقبة الاوسط.
وذكر القصة بطولها (2).
وروى يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أمه، عن أبيه أن البراء بن معرور أوصى بثلثه للنبي، صلى الله عليه وسلم، وكان أوصى بثلث في سبيل الله، وأوصى بثلث لولده.
فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم، فرده على الورثة.
فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات.
فسأل عن قبره، فأتاه، فصف عليه، وكبر، وقال: " اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله الجنة، وقد فعلت " (3).
وكان البراء ليلة العقبة هو أجل (4) السبعين، وهو أولهم مبايعة لرسول الله
__________
(1) سقط من المطبوع " فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ".
(2) إسناده صحيح.
وأخرجه ابن هشام 1 / 439 - 440، وأحمد 3 / 460، 462، والطيالسي 2 / 93 من طريق ابن إسحاق، حدثني معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب، أن كعب بن مالك...، وقوله: " ليلة العقبة الاوسط " في السيرة والمسند: " وواعدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالعقبة من أوسط أيام التشريق ".
(3) ابن سعد 3 / 2 / 147 وفيه الواقدي وهو متروك.
(4) تحرفت في المطبوع إلى " أحد ".
(*)

(1/268)


صلى الله عليه وسلم، وكان ابنه:
54 - بشر بن البراء * من أشراف قومه.
وقد روي من حديث أبي هريرة وجابر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " من سيدكم يا بني سلمة ".
قالوا: الجد بن قيس، على أن فيه بخلا.
فقال: " وأي داء أدوى من البخل ؟ بل سيدكم الابيض الجعد بشر بن البراء " (1).
قلت: هو الذي أكل مع النبي، صلى الله عليه وسلم، من الشاة المسمومة يوم خيبر فأصيب (2).
وهومن كبار البدريين.
__________
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 111، تاريخ خليفة: 84، الاستبصار: 143، الاستيعاب: 1 / 310، أسد الغابة: 1 / 218، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 133 - 134، مجمع الزوائد: 9 / 315، الاصابة: 1 / 247، كنز العمال: 13 / 296.
(1) الخبر في " الاستيعاب " 1 / 311، و " أسد الغابة " 1 / 218، بدون سند، ونسباه إلى ابن إسحاق.
وأخرجه الحاكم 3 / 219، من طريق: سهل بن عمار العتكي، عن محمد بن يعلى، عن
محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وصححه، ووافقه الذهبي.
وليس كما قالا فإن محمد بن يعلى السلمي لم يخرج له مسلم، وهو ضعيف.
قال البخاري فيه: ذاهب الحديث.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وضعفه العقيلي، والساجي.
وقال ابن عدي: لا يتابع على حديثه.
وقد استوفى الحافظ ابن حجر الكلام على هذا الحديث في " الاصابة " 1 / 248 في ترجمة بشر ابن البراء فارجع إليه.
(2) أخرجه أحمد 2 / 451، والبخاري (3169) في الجزية: باب إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم.
و (4249) في المغازي: باب الشاة التي سمت النبي بخيبر، و (5777) في الطب: باب ما يذكر في سم النبي، صلى الله عليه وسلم، كلاهما من طريق: الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أنه قال: " أهديت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، شاة فيها سم فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود، فجمعوا له.
فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني سائلكم عن شئ، فهل أنتم صادقوني عنه ؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أبوكم ؟ قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت، فقال: هل أنتم صادقوني عن شئ إن سألتكم عنه ؟ فقالوا نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا.
قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أهل النار ؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها.
فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال = (*)

(1/269)


55 - سعد بن عبادة * ابن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة (1) بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج.
السيد الكبير الشريف، أبو قيس الانصاري الخزرجي الساعدي المدني، النقيب سيد الخزرج.
له أحاديث يسيرة وهي عشرون بالمكرر.
مات قبل أوان الرواية، روى عنه سعيد بن المسيب، والحسن البصري، مرسل.
له عند أبي داود، والنسائي حديثان (2).
قال أبو الأسود: عن عروة إنه شهد بدرا، وقال جماعة: ما شهدها.
__________
= لهم: هل أنتم صادقوني عن شئ إن سألتكم عنه ؟ قالوا: نعم، فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ فقالوا: نعم.
فقال: ما حملكم على ذلك ؟ فقالوا: أردنا - إن كنت كاذبا - نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك " وأبو داود (4509) في الديات: باب فيمن سقى رجلا سما وأطعمه فمات أيقاد به ؟ والدارمي 1 / 33، 34.
وانظر روايات هذا الخبر في " سيرة ابن كثير " 3 / 394 - 401 ففيها فائدة.
(*) مسند أحمد: 5 / 284، و 6 / 7، طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 142، طبقات خليفة: 97، تاريخ خليفة: 117، 135، التاريخ الكبير: 4 / 44، التاريخ الصغير: 1 / 39، المعارف: 259، الجرح والتعديل: 4 / 88، مشاهير علماء الامصار: ت: 20، الاستبصار: 93 - 97، الاستيعاب: 4 / 152، ابن عساكر: 7 / 56 / 1، أسد الغابة: 2 / 356، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 212 - 213، تهذيب الكمال: 474، دول الاسلام: 1 / 15، تاريخ الاسلام: 1 / 379، العبر: 1 / 19، تهذيب التهذيب: 3 / 475، الاصابة: 4 / 152، خلاصة تذهيب الكمال: 134، كنز العمال: 13 / 404، شذرات الذهب: 1 / 28، تهذيب تاريخ ابن عساكر: 6 / 86 - 93.
(1) في الاصل " حرام " والتصحيح من ابن هشام، و " أسد الغابة "، وابن سعد، و " القاموس ".
وأخرجه الحاكم 3 / 252 وهو عند ابن سعد 3 / 2 / 143.
(2) انظر " سنن أبي داود " (1474) و (1679) و (1681) وله في " السنن الكبرى " في الوصايا.
(*)

(1/270)


قال ابن سعد: كان يتهيأ للخروج إلى بدر، ويأتي دور الانصار يحضهم على الخروج، فنهش، فأقام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن كان سعد ما شهد بدرا،
لقد كان حريصا عليها (1).
قال: وكان عقبيا نقيبا سيدا جوادا.
ولما قدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة كان يبعث إليه كل يوم جفنة من ثريد اللحم أو ثريد بلبن أو غيره.
فكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيوت أزواجه.
وقال البخاري في " تاريخه ": إنه شهد بدرا.
وتبعه ابن مندة.
وممن روى عنه أولادة: قيس وسعيد، وإسحاق، وابن عباس.
وسكن دمشق، فيما نقل ابن عساكر (2)، قال: ومات بحوران، وقيل: قبره بالمنيحة (3).
روى ابن شهاب: عن عبيدالله، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت وعليها نذر.
فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أقضيه عنها (4).
__________
(1) الخبر عند ابن سعد 3 / 2 / 143، و " المستدرك " للحاكم 3 / 252 كلاهما من طريق الواقدي.
وهو متروك.
(2) 7 / 156 / آ وهو في المجلدة الاولى ص: (198).
(3) ورد هكذا بغير سند في " الاصابة " 4 / 153، و " أسد الغابة " 2 / 358.
وقد نقل خبر موته بحوران ابن سعد، وابن عبد البر وابن هشام، وابن حجر، وأخرجه الحاكم 3 / 252 من طريق: عبد الله بن محمد الحموي، حدثنا محمد بن إبراهيم العبدي، سمعت يحيى بن عبد الله بن بكير يقول: توفي سعد بن عبادة بحوران سنة ست عشرة، ومن طريق: أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن قتيبة، عن محمد بن عبد الله بن نمير أيضا.
(4) أخرجه أحمد 6 / 7 من طريق: عفان، عن سليمان بن كثير أبي داود، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة أنه أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أمي ماتت وعليها = (*)

(1/271)


والاكثر جعلوه من مسند ابن عباس.
أحمد في " مسنده ": حدثنا يونس، حدثنا حماد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة، عن رجل رده إلى سعيد الصراف، عن إسحاق بن سعد بن عبادة، عن أبيه، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الحي من الانصار مجنة، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق " (1).
قال موسى بن عقبة والجماعة: إنه أحد النقباء ليلة العقبة.
وعن معروف بن خربوذ (2)، عن أبي الطفيل قال: جاء سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، يمتاران لاهل العقبة وقد خرج القوم، فنذر بهما (3) أهل مكة.
فأخذ سعد، وأفلت المنذر.
قال سعد: فضربوني حتى تركوني كأني
__________
= نذر أفيجزئ عنها أن أعتق عنها ؟ قال: أعتق عن أمك.
وأخرجه البخاري (2761) في الوصايا: باب ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت، و (6698) في الايمان والنذور: باب من مات وعليه نذر، و (6959) في الحيل: باب في الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ومسلم (1638) في النذر: باب الامر بقضاء النذر، وأبو داود (3307) في الايمان والنذور: باب في قضاء النذر عن الميت، والترمذي (1546) في النذور والايمان: باب ما جاء في قضاء النذر عن الميت.
والنسائي 7 / 20 - 21 في الايمان والنذور: باب من مات وعليه نذر، وابن ماجه (2132) في الكفارات: باب من مات وعليه نذر.
ومالك ص 292 في النذور والايمان: باب ما يجب من النذور في المشي ومع هذا فقد أخرجه الحاكم 3 / 254.
(1) أخرجه أحمد 5 / 285 وسنده ضعيف.
و عبد الرحمن بن أبي شميلة، وسعيد الصراف، وإسحاق بن سعد بن عبادة ثلاثتهم لم يوثقهم غير ابن حبان.
ولكن في الباب، عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في الانصار: " لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق " أخرجه البخاري 7 / 78، ومسلم (75)، وعن أنس بن مالك مرفوعا: " آية الايمان حب الانصار،
وآية النفاق بغض الانصار " أخرجه البخاري 7 / 78، ومسلم (74).
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند مسلم (77)، وعن أبي هريرة عنده أيضا (76).
(2) تحرفت في المطبوع إلى " جرموذ ".
(3) تحرفت في المطبوع إلى " فتدر بهما ".
(*)

(1/272)


نصب أحمر - يحمر النصب من دم الذبائح عليه - قال: فخلا (1) رجل كأنه رحمني فقال: ويحك ! أما لك بمكة من تستجير به ؟ قلت: لا، إلا أن العاص ابن وائل قد كان يقدم علينا المدينة، فنكرمه.
فقال رجل من القوم: ذكر ابن عمي، والله لا يصل إليه أحد منكم.
فكفوا عني، وإذا هو عدي بن قيس السهمي (2).
حجاج بن أرطاة: عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع علي، ولواء الانصار مع سعد بن عبادة (3).
رواه أبو غسان النهدي، عن إبراهيم بن الزبرقان، عنه.
معمر: عن عثمان الجزري، عن مقسم - لا أعلمه إلا عن ابن عباس -: إن راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت تكون مع علي، وراية الانصار مع سعد بن عبادة (4).
حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أنس قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إقفال (5) أبي سفيان قال: أشيروا علي.
فقام أبو بكر، فقال: اجلس.
فقام سعد بن
__________
(1) تحرفت في المطبوع إلى " فجاء ".
(2) الخبر عند ابن هشام 1 / 449 - 450 عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بأطول مما هنا.
(3) ذكره الحافظ في " الاصابة " 4 / 152 عن مقسم، وانظر كتاب " أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم "، لابي
الشيخ ص (145).
(4) أخرجه عبد الرزاق (9640) مرسلا، وأخرجه أحمد 1 / 368 من طريقه موصولا بذكر ابن عباس، وقوى سنده الحافظ في الفتح 6 / 89 مع أن عثمان الجزري لم يرو عنه إلا معمر والنعمان بن راشد ولم يوثقه أحد.
بل نقل الاثرم عن الامام أحمد قوله: روى أحاديث مناكير.
زعموا أنه ذهب كتابه.
" الجرح والتعديل " 6 / 174.
(5) كذا الاصل.
وفي أحمد، ومسلم، والمستدرك " إقبال ".
(*)

(1/273)


عبادة.
فقال: لو أمرتنا يا رسول الله أن نخيضها البحر، لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا (1).
أبو حذيفة: حدثنا سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: " من جاء بأسير فله سلبه " فجاء أبو السير بأسيرين.
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله ! حرسناك مخافة عليك.
فنزلت (يسألونك عن الانفال) (2).
ورواه عبد الرزاق، عن سفيان.
علي بن بحر: حدثنا عبدالمهيمن بن عباس بن سهل، حدثنا أبي عن جدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب المرأة ويصدقها، ويشرط لها " صحفة سعد تدور معي إذا درت إليك ".
فكان يرسل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم بصحفة كل ليلة (3).
محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبيه مرسلا نحوه.
__________
(1) أخرجه أحمد 3 / 220 ومسلم (1779) في الجهاد: باب غزوة بدر، وصححه الحاكم 3 / 253 وسكت عنه الذهبي.
وقوله " أن نضرب أكبادها ": كناية عن ركضها، فإن الفارس إذا أراد ركض مركوبه يحرك رجليه ضاربا بهما على موضع كبد المركوب.
وبرك: بفتح الباء وإسكان
الراء.
والغماد: بالغين المعجمة مكسورة ومضمومة: هو موضع من وراء مكة بخمس ليال، بناحية الساحل.
وقيل: بلدتان.
وقال القاضي وغيره: هو موضع بأقاصي هجر.
(2) إسناده ضعيف: الكلبي: هو محمد بن السائب أبو النضر الكوفي، المفسر الاخباري.
تركه يحيى، وابن مهدي، وقال علي: حدثنا يحيى، عن سفيان قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب.
وقال ابن معين: ليس بثقة.
وقال الدارقطني وجماعة: متروك.
وأخرجه عبد الرزاق (9483) من طريق الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: من قتل قتيلا فله كذا وكذا.
فقتلوا سبعين وأسروا سبعين ".
وزاد السيوطي نسبه في " الدر المنثور " 3 / 160 إلى: عبد بن حميد، وابن مردويه، وانظر ابن كثير في أسباب نزول هذه الآية.
(3) إسناده ضعيف لضعف عبدالمهيمن بن عباس.
وهو في كتب التراجم بغير سند، وسند ابن إسحاق مرسل، كما قال المصنف.
(*)

(1/274)


الاوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: كان للنبي صلى الله عليه وسلم من سعد كل يوم جفنة تدور معه حيث دار، وكان سعد يقول: اللهم ارزقني مالا، فلا تصلح الفعال إلا بالمال (1).
أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت [ والذين يرمون المحصنات ] [ النور: 14 ].
قال سعد سيد الانصار: هكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: يا معشر الانصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم ؟ قالوا: لا تلمه ! فإنه غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط، فاجترأ أحد يتزوجها.
فقال سعد: يا رسول الله ! والله لاعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فلا
آتي بهم حتى يقضي حاجته.
الحديث (2).
وفي حديث الافك: قالت عائشة: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية (3)، فقال: كلا والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك (4).
__________
(1) ضعيف لارساله.
يحيى بن أبي كثير، على ثقته يدلس، ويرسل.
وسيأتي في الصفحة التالية عن عروة فانظره هناك.
(2) أخرجه أحمد 1 / 238، والطيالسي 1 / 319 - 320، والطبري 18 / 82، وعباد بن منصور ضعيف.
وأخرجه بنحوه، من طريق آخر، دون سبب النزول، مسلم (1498) (16) في اللعان، من طريق سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم.
قال: كلا، والذي بعثك بالحق: إن كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما يقول صاحبكم.
إنه لغيور، وأنا غير منه، والله أغير مني ".
(3) تحرفت في المطبوع إلى " الحملة " و " تقتله " إلى " نقبله ".
(4) جزء من حديث أخرجه البخاري (4141) في المغازي: باب حديث الافك، و (4750) في التفسير: باب لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا.
(*)

(1/275)


يعني يرد على سعد بن معاذ سيد الاوس.
وهذا مشكل.
فإن ابن معاذ كان قد مات (1).
جرير بن حازم: عن ابن سيرين: كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة يعشيهم.
قال عروة: كان سعد بن عبادة يقول: اللهم هب لي حمدا ومجدا، اللهم
لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه (2).
قلت: كان ملكا شريفا مطاعا.
وقد التفت عليه الانصار (3) يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعوه، وكان موعوكا، حتى أقبل أبو بكر والجماعة، فردوهم عن رأيهم، فما طاب لسعد.
الواقدي: حدثنا محمد بن صالح (4)، عن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد الساعدي أن الصديق بعث إلى سعد بن عبادة: أقبل فبايع، فقد بايع الناس.
فقال: لا والله ! لا أبايعكم حتى أقاتلكم بمن معي.
فقال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله ! إنه قد أبى ولج، فليس يبايعكم حتى يقتل، ولن
__________
(1) هذا الاشكال مبني على ان الخندق كانت قبل المريسيع، لان سعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق، فدعا الله فأبقاء حتى حكم في بني قريظة ثم انفجر جرحه فمات منها.
وأما على قول من يقول - وهو الصحيح - أن المريسيع كانت قبل الخندق في شعبان سنة خمس، وأن الخندق كانت في شوال من السنة ذاتها، فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ.
فلا يبقى إشكال.
انظر تفصيل ذلك في " الفتح " 8 / 471 - 472.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 143، والحاكم 3 / 253 من طريق: أبي أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن سعد بن عبادة كان يدعو: اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا.
لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال.
اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه.
(3) مكان كلمة " الانصار " فارغ في المطبوع.
(4) ترك مكانها فارغا في المطبوع وقال في الحاشية: كلمة مخرومة.
(*)

(1/276)


يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، فلا تحركوه ما استقام لكم الامر، وإنما هو رجل وحده ما ترك.
فتركه أبو بكر.
فلما ولي عمر، لقيه فقال: إيه يا سعد ! فقال: إيه يا عمر ! فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه ؟ قال: نعم.
وقد
أفضى إليك هذا الامر، وكان صاحبك والله أحب إلينا منك، وقد أصبحت كارها لجوارك.
قال: من كره ذلك، تحول عنه.
فلم يلبث إلا قليلا حتى انتقل إلى الشام.
فمات بحوران (1).
إسنادها كما ترى (2).
ابن عون، عن ابن سيرين أن سعدا بال قائما، فمات.
فسمع قائل يقول: [ قد ] قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عباده [ و ] رميناه بسهمي * ن فلم نخط فؤاده (3).
وقال سعد بن عبد العزيز: أول ما فتحت بصرى، وفيها مات سعد بن عبادة.
وقال أبو عبيد: مات سنة أربع عشرة بحوران (4).
وروى ابن أبي عروبة: عن ابن سيرين أن سعد بن عبادة بال قائما، فمات، وقال: إني أجد دبيبا.
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 144 - 145.
وحوران: كورة واسعة جنوب دمشق.
وهي ذات قرى كثيرة ومزارع وحرار.
(2) أي: في غاية الضعف.
لان الواقدي متروك.
ومحمد بن صالح بن دينار التمار صدوق بخطئ.
والزبير بن المنذر مستور.
(3) هما عند ابن سعد 3 / 2 / 145، وفي " أسد الغابة " 2 / 358، و " الاستيعاب " 4 / 159.
(4) الخبر - كما هو هنا - في " الاصابة " 4 / 153 وفيه " سعيد بن عبد العزيز " بدل " سعد ".
(*)

(1/277)


الاصمعي: حدثنا سلمة بن بلال (1)، عن أبي رجاء قال: قتل سعد بن عبادة بالشام، رمته الجن بحوران.
الواقدي: حدثنا يحيى بن عبد العزيز، من ولد سعد، عن أبيه قال: توفي سعد بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر.
فما علم بموته بالمدينة حتى
سمع غلمان قائلا من بئر يقول: [ قد ] قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عباده [ و ] رميناه بسهمي * ن فلم نخط فؤاده فذعر الغلمان، فحفظ ذلك اليوم، فوجدوه اليوم الذي مات فيه (2).
وإنما جلس يبول في نفق، فمات من ساعته.
ووجدوه قد اخضر جلده.
وقال يحيى بن بكير وابن عائشة وغيرهما: مات بحوران سنة ست عشرة.
وروى المدائني: عن يحيى بن عبد العزيز، عن أبيه قال: مات في خلافة أبي بكر.
قال ابن سعد: كان سعد يكتب في الجاهلية، ويحسن العوم والرمي.
__________
(1) ترك مكانها فارغا في المطبوع.
(2) ابن سعد 3 / 2 / 145.
(*)

(1/278)


وكان من أحسن ذلك، سمي الكامل.
وكان سعد، وعده آباء له قبله، ينادى على أطمهم: من أحب الشحم واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة (1).

56 - سعد بن معاذ * ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل.
السيد الكبير الشهيد، أبو عمرو الانصاري الاوسي الاشهلي، البدري الذي اهتز العرش لموته.
ومناقبه مشهورة في الصحاح، وفي السيرة، وغير ذلك.
وقد أوردت جملة من ذلك في تاريخ الاسلام في سنة وفاته.
نقل ابن الكلبي، عن عبد الحميد بن أبي عيسى بن جبر، عن أبيه أن قريشا سمعت هاتفا على أبي قبيس يقول: فإن يسلم (2) السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فقال أبو سفيان: من السعدان ؟ سعد بكر، سعد تميم ؟ فسمعوا في الليل الهاتف يقول: أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
__________
(1) ابن سعد 3 / 2 / 142.
(*) طبقات ابن سعد: 3 / 2 / 2 - 13، طبقات خليفة: 77، التاريخ الكبير: 4 / 65، التاريخ الصغير: 1 / 22، الجرح والتعديل: 4 / 93، الاستبصار: 205 - 211، الاستيعاب: 4 / 163 - 167، أسد الغابة: 2 / 373 - 377، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 214 - 215، تهذيب الكمال: 477، العبر: 1 / 7، مجمع الزوائد: 9 / 308 - 310، تهذيب التهذيب: 3 / 481، الاصابة: 4 / 171 - 172، خلاصة تذهيب الكمال: 135، كنز العمال: 13 / 406، شذرات الذهب: 1 / 11.
(2) تحرفت في المطبوع إلى " يصبح ".
(*)

(1/279)


أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (1).
أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير.
فقال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الاشهل ! كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا فضلا، وأيمننا نقيبة.
قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم
ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا (2).
أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام يمر بالمدينة، فينزل عليه.
فقال أمية له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت.
فبينا سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال: من الذي يطوف آمنا ؟ قال: أنا سعد.
فقال: أتطوف آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه ؟ قال: نعم.
فتلاحيا.
فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي.
فقال سعد: والله لو منعتني، لقطعت عليك متجرك بالشام.
قال: فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك.
فغضب وقال: دعنا منك، فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: يزعم أنه قاتلك.
قال: إياي ؟ قال: نعم.
قال: والله ما يكذب محمد.
__________
(1) ذكره البخاري في " التاريخ الصغير " 1 / 25 - 26 وعند " مسلم " وعدد الابيات اثنان.
وانظر " الاستيعاب " 4 / 155.
والبيت الاول في " الفتح " 7 / 123، والرواية فيه: فإن يسلم السعدان...(2) ابن هشام 1 / 437.
(*)

(1/280)


فكاد يحدث (1)، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي ؟ زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي.
قالت: والله ما يكذب محمد.
فلما خرجوا لبدر قالت امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ فأراد أن لا يخرج.
فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي، فسر معنا يوما أو يومين.
فسار معهم، فقتله الله (2).
قال ابن شهاب: وشهد بدرا سعد بن معاذ.
ورمي يوم الخندق.
فعاش شهرا، ثم انتقض جرحه فمات.
ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصة قد خرجت منه ذراعه كلها وفي يده حربة يرفل بها ويقول: لبث قليلا يشهد * الهيجا حمل لا بأس بالموت * إذا حان الاجل يعني: حمل بن بدر.
فقالت له أمه: أي بني ! قد أخرت.
فقلت لها: يا أم سعد، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي.
فرمي سعد بسهم قطع منه الاكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة فقال: عرق الله وجهك في النار.
اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني
__________
(1) بضم الياء وسكون الحار وكسر الدال من الحدث.
وهو خروج خارج من أحد السبيلين، والضمير لامية.
أي أنه كاد أن يخرج منه شئ لشدة فزعه وهذه رواية البيهقي.
أما رواية البخاري: " والله ما يكذب محمد إذا حدث " من التحديث.
وعد الحافظ رواية البيهقي تصحيفا.
(2) أخرجه أحمد 1 / 400، والبخاري (3632) في المناقب: باب علامات النبوة في الاسلام، كلاهما من طريق: إسرائيل، عن أبي إسحاق، به.
وهو في الصحيح برقم (3950) في المغازي: باب ذكر النبي من يقتل ببدر.
(*)

(1/281)


لها، فإنه لا قوم أحب إلى من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه.
اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة (1).
هشام: عن أبيه، عن عائشة قالت: رمى سعدا رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة.
فرماه في الاكحل، فضرب عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيمة في المسجد ليعوده من قريب.
قالت: ثم إن كلمه تحجر للبرء.
قالت: فدعا
سعد، فقال في ذلك: وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فافجرها، واجعل موتتي فيها.
فانفجر من لبته، فلم يرعهم إلا والدم يسيل.
فقالوا: يا أهل الخيمة ! ما هذا ؟ فإذا جرحه يغذو.
فمات منها.
متفق عليه (2) بأطول من هذا.
الليث: عن أبي الزبير، عن جابر قال: رمي سعد يوم الاحزاب، فقطعوا أكحله، فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه
__________
(1) رجاله ثقات.
وهو في " سيرة ابن هشام " 2 / 226، وأخرجه أحمد 6 / 141 من طريق: يزيد، عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص...بنحوه أطول مما هنا - وهذا سند حسن في الشواهد.
وفي " الطبقات " لابن سعد 3 / 2 / 3 " يدرك " بدل " يشهد "، وفي " أسد الغابة " 3 / 373 " يلحق " بدل " يشهد "، وفيها: " جمل "، وهو تصحيف.
وفي " الاصابة " 4 / 171 " يلحق " بدل " يشهد ".
(2) أخرجه مسلم (1769) (67) في الجهاد: باب جواز قتال من نقض العهد، والبخاري (463) و (3901) و (4117) و (4122) في المغازي: باب مرجع النبي، صلى الله عليه وسلم، من غزوة الاحزاب.
والترمذي (1582) في السير: باب ما جاء في النزول على الحكم.
وابن سعد 3 / 2 / 6 - 7.
وأخرجه مختصرا، أحمد 6 / 56، وأبو داود (3101) في الجنائز: باب في العيادة مرارا، والنسائي 2 / 45 في المساجد: باب ضرب الخباء في المساجد.
ويغذو بغين وذال معجمتين: يسل.
والاكحل: عرق في وسط الذراع.
واللبة: النحر.
(*)

(1/282)


أخرى، فانتفخت يده.
فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة.
فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة.
حتى نزلوا على حكم سعد.
فأرسل إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحكم أن يقتل رجالهم، وتسبى
نساؤهم وذراريهم، قال: وكانوا أربع مئة، فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه (1).
يزيد بن عبد الله بن الهاد: عن معاذ بن رفاعة، عن جابر قال: جلس النبي، صلى الله عليه وسلم، على قبر سعد وهو يدفن فقال: سبحان الله، مرتين.
فسبح القوم.
ثم قال: الله أكبر، الله أكبر.
فكبروا فقال: عجبت لهذا العبد الصالح، شدد عليه في قبره، حتى كان هذا حين فرج له (2).
ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن الحسن البصري قال: كان سعد بادنا، فلما حملوه، وجدوا له خفة.
فقال رجال من المنافقين: والله إن كان
__________
(1) أخرجه أحمد 3 / 350، والدارمي 2 / 238 في السير: باب نزول أهل قريظة على حكم سعد ابن معاذ، وابن سعد 3 / 2 / 8.
وأخرجه أحمد 3 / 312، 386 من طريق زهير، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرا.
ومسلم (2208) في السلام: باب لكل داء دواء من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر، وعند أبي داود (3866) في الطب: باب في الكي، " أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كوى سعد بن معاذ من رميته ".
وعند الترمذي (2051) في الطب، عن أنس.
وإسناده حسن.
(2) معاذ بن رفاعة - وإن خرج له البخاري - ضعفه ابن معين، وقال الاسدي: لا يحتج بحديثه.
وأخرجه أحمد 3 / 327 من طريق: محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني يزيد بن عبد الله ابن أسامة بن زيد الليثي ويحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة الزرقي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: لهذا العبد الصالح، الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، شدد عليه، ففرج الله عنه.
وقال مرة: فتحت.
وقال مرة: ثم فرج الله عنه.
وقال مرة: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لسعد يوم مات وهو يدفن.
وأخرج أحمد أيضا 3 / 360، 377 من طريق أبي إسحاق، حدثني معاذ بن رفاعة الانصاري الزرقي، عن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله، = (*)

(1/283)


لبادنا، وما حملنا أخف منه.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: " إن له حملة غيركم.
والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش " (1).
يزيد بن هارون: أنبأنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الارض ورائي، فإذا سعد ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه.
فجلست، فمر سعد وعليه درع قد خرجت منه أطرافه.
وكان من أطول الناس وأعظمهم، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر فيهم عمر، فقال: ما جاء بك ؟ والله إنك لجريئة ! ما يؤمنك أن يكون بلاء ؟ فما زال يلومني حتى تمنيت أن الارض اشتقت ساعتئذ، فدخلت فيها وإذا رجل عليه مغفر، فيرفعه عن وجهه، فإذا هو طلحة.
فقال: ويحك ! قد أكثرت، وأين التحوز والفرار إلا إلى الله (2).
محمد بن عمرو: عن محمد بن إبراهيم، حدثني علقمة بن وقاص، عن عائشة قالت: أقبلنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قافلين من مكة حتى إذا كنا بذي الحليفة وأسيد بن حضير بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فيلقى غلمان بني عبد الاشهل من الانصار.
فسألهم أسيد، فنعوا له امرأته.
فتقنع يبكي، قلت له: غفر الله لك، أتبكي على امرأة وأنت صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد قدم الله
__________
= صلى الله عليه وسلم، يوما إلى سعد بن معاذ حين توفي.
قال: فلما صلى عليه رسول الله، ووضع في قبره، وسوي عليه سبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تسبيحا طويلا.
ثم كبر فكبرنا.
فقيل: يا رسول الله، لم سبحت ثم كبرت ؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عزوجل عنه.
وصححه الحاكم 3 / 206 مختصرا ووافقه الذهبي.
(1) فيه انقطاع وجهالة.
(2) إسناده محتمل للتحسين، وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / 3 بنحوه.
(*)

(1/284)


لك من السابقة ما قدم ؟ فقال: ليحق لي أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ.
وقد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ما يقول، قال: قلت: وما سمعت ؟ قال: قال: " لقد اهتز العرش لوفاة سعد بن معاذ " (1).
إسماعيل بن مسلم العبدي: حدثنا أبو المتوكل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحمى فقال: " من كانت به، فهو حظه من النار " فسألها سعد بن معاذ ربه، فلزمته، فلم تفارقه حتى مات (2).
أبو الزبير: عن جابر قال: رمي سعد بن معاذ يوم الاحزاب، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالنار.
فانتفخت يده فنزفه، فحسمه أخرى (3).
أبو إسحاق: عن عمرو بن شرحبيل قال: لما انفجر جرح سعد، عجل إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسنده إلى صدره والدماء تسيل عليه.
فجاء أبو بكر فقال: وانكسار ظهراه على سعد ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: " مهلا أبا بكر " فجاء عمر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون (4).
رواه شعبة عنه.
محمد بن عمرو: عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: حضر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، سعد بن معاذ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه
__________
(1) إسناده حسن، وأخرجه أحمد 4 / 352، وابن سعد 3 / 2 / 12، والحاكم وصححه 3 / 207 من طريق محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن عائشة، بأوضح مما هنا.
(2) إسناده منقطع ولا يصح.
(3) أخرجه أحمد 3 / 312، 386، ومسلم (2208) في السلام: باب لكل داء دواء واستحباب التداوي.
وانظر ص 283 التعليق رقم (1)
(4) رجاله ثقات، لكنه مرسل.
(*)

(1/285)


رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.
قالت: والذي نفس محمد بيده إني لاعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وإني لفي حجرتي، فكانا كما قال الله (رحماء بينهم).
قال علقمة فقلت: أي أمه ! كيف كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصنع ؟ قالت: كان لا تدمع عينه على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته (1).
يزيد بن هارون: أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل من الانصار قال: لما قضى سعد في بني قريظة، ثم رجع، انفجر جرحه، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأتاه فوضع رأسه في حجره، وسجي بثوب أبيض، وكان رجلا أبيض جسيما.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " اللهم إن سعدا قد جاهد (2) في سبيلك، وصدق رسولك، وقضى الذي عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا " فلما سمع سعد كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتح عينيه، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، إني أشهد أنك رسول الله.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لاهل البيت: استأذن الله من ملائكته عددكم في البيت ليشهدوا وفاة سعد.
قال: وأمه تبكي وتقول: ويل امك سعدا * حزامة وجدا فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد ؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " دعوها فغيرها من الشعراء أكذب ".
هذا مرسل (3).
الواقدي: أنبأنا معاد بن محمد، عن عطاء بن أبي مسلم، عن عكرمة، عن
__________
(1) إسناده حسن.
وأخرجه أحمد 6 / 141 - 142.
(2) تصحفت في المطبوع إلى " جاء ".
(3) بل معضل لانه مرسل، وفيه من لم يسم على التوالي.
وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / (*)

(1/286)


ابن عباس قال: لما انفجرت يد سعد بالدم، قام إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاعتنقه، والدم ينفح من وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولحيته، حتى قضى (1).
عاصم بن عمر: عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد، فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى.
فكان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا مر به يقول: كيف أمسيت، وكيف أصبحت ؟ فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الاشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، فقيل: انطلقوا به.
فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: " إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة " فانتهى إلى البيت، وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول: ويل ام سعد سعدا * حزامة وجدا فقال: " كل باكية تكذب إلا أم سعد " ثم خرج به.
قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتا أخف علينا منه.
قال: " ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم " (2).
شعبة: عن سماك، سمع عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
__________
(1) إسناده تالف لضعف الواقدي.
وهو في " الطبقات " لابن سعد 3 / 2 / 7.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 7 - 7 من طريق الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد...، وإسناده حسن.
(*)

(1/287)


على سعد وهو يكيد نفسه فقال: " جزاك الله خيرا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته.
ولينجزنك الله ما وعدك " (1).
حماد بن سلمة: عن محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ أن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى سعد، فجئ به محمولا على حمار، وهو مضنى من جرحه، فقال له: " أشر علي في هؤلاء " قال: إني أعلم أن الله قد أمرك فيهم بأمر أنت فاعله.
قال: " أجل، ولكن أشر ".
قال: لو وليت أمرهم، لقتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم.
فقال: " والذي نفسي بيده لقد أشرت علي فيهم بالذي أمرني الله به " (2).
محمد بن صالح التمار: عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما حكم سعد في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي (3) قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع
__________
(1) رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " 3 / 2 / 9.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 5 من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ.
وأخرجه أحمد 3 / 22، والبخاري (3043) في الجهاد، و (3804) و (4121) و (6262)، ومسلم (1768) في الجهاد، كلهم من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري بنحوه.
(3) المواسي: جمع موسى وهي الآلة التي يحلق بها.
والمراد هنا من بلغ الحلم وطالت شعرته، وصار يحلقها.
يفسر ذلك حديث عطية القرظي قال: " عرضنا على النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي ".
أخرجه أبو داود (4404)، والترمذي (1584)، وسنده حسن.
وقد
تحرفت في المطبوع لفظة " المواسي " إلى " المواثيق ".
(*)

(1/288)


سموات " (1).
إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: لم يرق دم سعد حتى أخذ النبي، صلى الله عليه وسلم، بساعده، فارتفع الدم إلى عضده.
فكان سعد يقول: اللهم لا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة (2).
الواقدي: حدثني سعيد بن محمد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده قال: كنت ممن حفر لسعد قبره بالبقيع، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا، حتى انتهينا إلى اللحد.
ثم قال ربيح: وأخبرني محمد بن المنكدر، عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر فإذا هي مسك (3).
ورواها محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن المنكدر (4).
الواقدي: أنبأنا عبيد بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو [ بن سعد، بن معاذ قال: كان سعد بن معاذ رجلا أبيض، طوالا، جميلا، حسن الوجه، أعين حسن اللحية، فرمي يوم الخندق، سنة خمس من
__________
(1) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 6 من حديث خالد بن مخلد، عن محمد بن صالح التمار، به..، وهذا سند حسن.
وذكره الحافظ في " الفتح " 7 / 412 ونسبه إلى النسائي، وقال: ورواية شعبة أصح.
يريد رواية البخاري رقم (4121) في المغازي، وفيها قال: قضيت بحكم الله.
وربما قال: بحكم الملك.
(2) أخرجه ابن سعد 3 / 2 / 5، ورجاله ثقات.
إلا أنه منقطع لان أبا ميسرة وهو عمرو بن شرحبيل الهمداني السبيعي لم يدرك سعدا.
(3) إسناده تالف لضعف الواقدي.
وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / 10.
(4) هذا إسناد حسن.
وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / 10.
(*)

(1/289)


الهجرة، فمات من رميته تلك وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة.
فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفن بالبقيع ] (1).
ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، حدثني إبراهيم بن الحصين، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه قال: لما انتهوا إلى قبر سعد، نزل فيه أربعة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة سلكان، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف.
فلما وضع في قبره، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبح ثلاثا، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع، ثم كبر ثلاثا، وكبر المسلمون، فسئل عن ذلك، فقال: " تضايق على صاحبكم القبر، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو، ثم فرج الله عنه " (2).
قلت: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شئ، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه (3) في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك.
فهذه الاراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
قال الله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة) وقال: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر) فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي.
ومع هذه الهزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه
__________
(1) ما بين حاصرتين سقط من الاصل.
واستدرك من " طبقات ابن سعد " 3 / 2 / 11.
(2) إسناده تالف لان محمد بن عمر الواقدي متروك.
وهو في " طبقات ابن سعد "
3 / 2 / 10.
(3) تحرفت في المطبوع إلى " صميمه ".
(*)

(1/290)


من أرفع الشهداء، رضي الله عنه.
كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم، ولا خوف.
سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد.
شعبة: حدثنا سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيا منها، نجا منها سعد بن معاذ " (1).
إسناده قوي.
عقبة بن مكرم: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا منها سعد " (2).
يزيد بن هارون: أنبأنا محمد بن عمرو، عن واقد بن عمرو بن سعد قال: دخلت على أنس بن مالك - وكان واقد من أعظم الناس وأطولهم - فقال لي: من أنت ؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ.
قال: إنك بسعد لشبيه، ثم بكي، فأكثر البكاء، ثم قال: يرحم الله سعدا، كان من أعظم الناس وأطولهم.
بعث رسول الله جيشا إلى أكيدر (3) دومة، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب.
فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يمسحونها وينظرون إليها.
فقال: " أتعجبون من هذه الجبة " ؟ قالوا: يا رسول الله ! ما رأينا
__________
(1) وهو في " مسند أحمد " 6 / 55، 98 من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، قال محمد بن جعفر: عن إنسان، عن عائشة وانظر الرواية التالية.
(2) إسناده صحيح.
(3) هو أكيدر بن عبد الملك من كندة، وكان ملكا نصرانيا على دومة - وهي دومة الجندل على عشر مراحل من المدينة من جهة الشام - وقد افتتحت في سنة تسع من الهجرة على يد خالد بن الوليد.
انظر " زاد المعاد " 3 / 538.
(*)

(1/291)


ثوبا قط أحسن منه.
قال: " فوالله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون " (1).
قيل: كان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة.
وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل: آخى بينه وبين سعد بن أبي وقاص.
وقد تواتر (2) قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن العرش اهتز لموت سعد فرحا به ".
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حلة تعجبوا من حسنها: " لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه " (3).
وقال النضر بن شميل: حدثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اهتز العرش لموت سعد بن معاذ " (4).
__________
(1) إسناده حسن وأخرجه ابن سعد 3 / 2 / 13، والترمذي (1723) في اللباس، والنسائي 8 / 199 في الزينة.
ثلاثتهم من طريق محمد بن عمرو عن واقد بن عمرو..به.
وصححه الترمذي، وكان في الاصل " إنك كسعد الشبيه " وما أثبتناه عند الترمذي، وابن سعد.
وأخرجه أحمد 3 / 234 ومسلم (2469) من حديث أنس.
(2) فقد ورد هذا الحديث عن جابر، وأنس، وحذيفة، وعاصم بن عمر بن قتادة عن جدته رميئة.
وذكر ابن عبد البر أنه روي من وجوه كثيرة متواترة.
وفي " شرح المواهب " ثبت عن عشرة من الصحابة.
وانظر " نظم المتناثر في الحديث المتواتر " ص: (126).
وسيذكر المصنف رواية بعض هؤلاء فيما يلي.
(3) أخرجه أحمد 3 / 234، ومسلم (2469)، والبخاري (3248)، وأبو نعيم 7 / 110، من حديث أنس قال: أهدي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، جبة من سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: " والذي نفسي بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ".
(4) أخرجه أحمد 3 / 24، وابن سعد 3 / 2 / 12، والحاكم 3 / 206، وصححه ووافقه الذهبي.
(*)

(1/292)


ثم قال النضر، وهو إمام أهل اللغة: اهتز: فرح.
الاعمش: عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعا: " اهتز عرش الرحمن لموت سعد " (1).
يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول - ولو أشاء أن اقبل الخاتم [ الذي بين كتفيه ] من قربي [ منه ] لفعلت - وهو يقول: " اهتز عرش الرحمن له " - أي: لسعد بن معاذ (2).
إسناد صالح.
وخرج النسائي من طريق معاذ بن رفاعة، عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات ؟ فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سعد.
قال: فجلس على قبره.
الحديث (3).
إسماعيل بن أبي خالد: عن إسحاق بن راشد، عن أسماء بنت يزيد قالت: لما توفي سعد بن معاذ، صاحت أمه، فقال