العبر - الجزء الأول
السنة الأولى من التاريخ الإسلامي
فيها هاجر النبي صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة. فقدمها يوم الاثنين ضحى، لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، فنزل بها وبنى مسجدها وأقام بها ثلاثا.
وفيها توفي: البراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع النبي، صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة.
وأبو أمامة أسعد بن زرارة بالذبحة. وكان من سادة الأنصار ومن رؤسائهم الأبرار، ومن بني مالك بن النجار.
سنة اثنتين
كانت غزوة بدر يوم الجمعة
سابع عشر من رمضان. فاستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من الكفار سبعون.
فممن قتل: أبو جهل المخزومي، وعتبة بن ربيعة العبشمي، وهما مقدما الجيش، وكبيرا قريش. وشيبة أخو عتبة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف الجمحي، وعقبة بن أبي معيط.
وهلك فيها أبو لهب .
والمطعم بن عدي .
وفيها فرض رمضان.
وفيها شوالها دخل النبي صلى الله علية وسلم بعائشة.
وفيها توفي عثمان بن مظعون.
وفيها تحولت القبلة في وسط السنة.
وفيها بنى علي بفاطمة رضي الله عنهما.
وفيها ولد المسور بن مخرمة، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، والنعمان بن البشير.
سنة ثلاث
في رمضان ولد الحسن بن علي.
ودخل النبي صلى الله علية وسلم بحفصة في رمضان أيضاً، وزينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين. فعاشت عنده نحو ثلاثة أشهر وتوفيت.
وفيها تزوج عثمان أم كلثوم بنت النبي صلى الله علية وسلم.
كانت وقعة أحد
وفي يوم السبت حادي عشر شوال كانت وقعة أحد. فاستشهد يومئذٍ حمزة عم النبي صلى الله علية وسلم ومصعب بن عمير العبدري، وتتمة سبعين رجلاً، رضي الله عنهم.
وفيها بئر معونة بعد أحد. قال أنس: بعث رسول الله صلى الله علية وسلم سبعين رجلاً فقتلوا ببئر معونة.
؟؟؟؟؟سنة أربع
في صفر كانت غزوة بئر معونة.
قال أنس: كانوا سبعين فقتلوا يومئذ.
قلت: منهم: المنذر بن عمرو الساعدي أميرهم، ونافع بن بديل بن ورقاء ، وعامر بن فهيرة والحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء السلمي.
وقال غير أنس: كانوا أربعين، وكان يقال لهم القراء، فاستشهدوا ونزل فيهم قرآن ثم نسخ. وفيها غزوة بني النضير،ونزلوا صلحاً وجلوا إلى خيبر.
وبعدها غزوة ذات الرقاع. ولقي النبي صلى الله علية وسلم جمعاً من غطفان فلم يكن قتال.
سنة خمس
غزوة الخندق
في شوال غزوة الخندق. وهي غزوة الأحزاب. ولم يكن فيها إلا رمي بالنبل ومصابرة أكثر من عشرين يوماً. وخرج للمبارزة عمرو بن عبد ود. فبارزه علي رضي الله عنه وقتله.
وبعدها في عقبها غزوة بني قريظة. ثم نزلوا بعد حصار خمسة وعشرين يوماً على حكم سعد. فقتلت مقاتلتهم، وكانوا ست مئة أو أزيد. وسبيت ذراريهم. وبعدها توفي سيد الأوس سعد بن معاذ من سهم أصابه يوم الأحزاب.
وفي شعبان تزوج النبي صلى الله علية وسلم بجويرية بنت الحارث.
وفيها على الصحيح، غزوة بني المصطلق. وتسمى غزوة المريسيع. فهزمهم النبي صلى الله علية وسلم. وأصاب يومئذٍ جويرية.
وفيها مرجعهم من هذه الغزاة كان حديث الإفك. وقيل في سنة ست.
سنة ست
الحديبية
في ذي القعدة خرج النبي صلى الله علية وسلم في ألف وأربع مئة معتمرين حتى نزل الحديبية.
وبايع أصحابه تحت الشجرة.
وصالح قريشاً.
سنة سبع من الهجرة
في صفر فتحت خيبر.
واصطفى النبي صلى الله عليه وسلم من السبي صفية بنت حيي بن أخطب، وجعل عتقها صداقها.
واستشهد من المسلمين بخيبر بضعة عشر رجلاً.
وفي ذي القعدة كانت غزوة القضاء. قضاها المسلمون عن عمرة الحديبية.
وفي رجوعهم بنى النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث بسرف في ذي الحجة.
ثم بعد أيام قدمت أم حبيبة بنت أبي سفيان من الحبشة. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم.
سنة ثمان من الهجرة
وقعة مؤتة بقرب الكرك


في جمادى الأولى وقعة مؤتة بقرب الكرك. فاستشهد أمراء الجيش ثلاثتهم: زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله علية وسلم، ثم جعفر بن أبي طالب. ثم عبد الله بن رواحة الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة. وقتل أيضاً غير من سمي ثمانية أنفس. ثم أخذ الراية خالد بن الوليد من غير إمرة، فجال بها واستظهر على المشركين، وتحيز بالمسلمين. وهي أول مشاهدة في الإسلام.
وفي رمضان، في أواخره أو وسطه، فتح مكة.
وفي شوال وقعة حنين. وكان النبي صلى الله علية وسلم في عشرة آلاف مقاتل أو أزيد. فولى يومئذ المسلمين الأدبار، وثبت النبي صلى الله علية وسلم في طائفة، وتراجع المسلمون، واستشهد يومئذٍ طائفة يسيرة. ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم فحاصر حصن الطائف بضعاً وعشرين ليلة، ونصب عليها المنجنيق، ثم ترحل عنها. وأسلموا في العام المقبل. واستشهد على الطائف جماعة.
وفيها توفيت أم أمامة زينب ابنة النبي صلى الله علية وسلم، وأكبر بناته.
سنة تسع من الهجرة
غزوة تبوك،
في رجب غزوة تبوك، فسار النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى قبل خروجه على النجاشي رضي الله عنه صلاة الغائب.
وفي شعبان توفيت أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوجة عثمان.
وفيها قتل عروة بن مسعود الثقفي. قتله قومه إذ دعاهم إلى الإسلام .
وبعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك توفي سهيل بن بيضاء الفهري.
أحد السابقين الأولين. وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد .
وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وألبسه قميصه إكراماً له.
وفيه نزلت : " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً " .
ومات قتلاً ملك الفرس شهر براز بن شيرويه. قتله أمراء الدولة وملكوا عليهم بوران بنت كسرى.
سنة عشر من الهجرة
سنة الوفود
وتسمى سنة الوفود، لكثرة من وفد فيها من العرب مسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وفي ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن سنة ونصف.
حجة الوداع
وحج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الإسلام. وحج معه من الصحابة مئة ألف أو يزيدون، حتى حج من لم يره قبلها ولا بعدها، ونالوا بذلك نصيباً من الصحبة.
وفي ذي الحجة ظهر الأسود العنسي الدجال الذي ادعى النبوة، وكان له شيطان يخبره بالمغيبات فضل به خلق واستولى على اليمن؛ إلى أن قتل في صفر من العام الآتي.
سنة إحدى عشرة من الهجرة
توفي سيد البشر أبو القاسم
صلى الله عليه وسلم في وسط نهار يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول. غسل وكفن يوم الثلاثاء . ودخل الناس أفواجاً يصلون عليه ويخرجون. ودفن ليلة الأربعاء.
بيعة أبي بكر الصديق
بكرة يوم الثلاثاء
فيها ارتدت العرب وظهر مسيلمة الكذاب
واستفحل أمره. وسار المسلمون لحربه وعليهم خالد بن الوليد. فكانوا ألفين وسبع مئة، فالتقوا: طليحة الأسدي، وعيينة بن حصن الفزاري، وقرة بن هبيرة القشيري ببزاخة فاقتتلوا أشد قتال. ثم هرب طليحة نحو الشام. ثم حسن إسلامه، وأسر خالد عيينة وقرة وبعث بهما إلى الصديق فحقن دمائهما. وأتى خالد بمالك بن نويرة في رهط من بني حنظلة فضرب أعناقهم. وكان خالد قد وجه ثابت بن أقرم الأنصاري وعكاشة بن محصن الأسدي فأخذوا ثقل طليحة وقتلوا رجلاً معه . فساق خلفهم طليحة وأخوه سلمة فقتلا عكاشة وثابتاً.
وبعد النبي صلى الله علية وسلم بستة أشهر أو أقل توفيت ابنته أم الحسن فاطمة رضي الله عنها، ولها أربع وعشرون سنة.
وفي تلك الأيام توفيت أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم ومولاته.
سنة اثنتي عشرة
وقعة اليمامة
في ربيع الأول كانت وقعة اليمامة. فقتل كبير القوم مسيلمة الكذاب. وفتحت اليمامة صلحاً على يد خالد، بعد أن استشهد من الصحابة أربع مئة وخمسون رجلاً. وبعضهم يقول: استشهد من الصحابة ست مئة نفس. وقال غير واحد: قتل من الصحابة وغيرهم ألف ومئة رجل.
قلت فمنهم:


زيد بن الخطاب العدوي. وكان أسن من عمر. وأسلم قبله. وكان مفرط الطول، وأسمر. وكانت معه راية المسلمين يومئذ، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو حتى قتل. ووجد عليه عمر. وكان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي وكان يقول: ما هبت الصبا إلا وأنا أجد ريح زيد.
ومنهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس . وسالم مولاه. وكانا بدريين. وكان سالم مولى أبي حذيفة من قراء الصحابة الأعيان.
ومنهم ثابت بن قيس بن شماس. وأبو دجانة سماك بن خرشة الساعدي. والطفيل بن عمرو الدوسي. وشجاع بن وهب الأسدي والحكم بن سعيد بن العاص الأموي. وبشير بن سعد الأنصاري أبو النعمان. وعباد بن بشر.
وقد سمى خليفة بن خياط طائفة ممن استشهد يوم اليمامة. ثم قال: فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار ثمانية وخمسون رجلاً.
وفي ذي الحجة توفي صهر النبي صلى الله عليه وسلم على زينب أبو العاص بن الربيع العبشمي وهو ابن أخت خديجة، هالة بنت خويلد بن أسد.
سنة ثلاث عشرة من الهجرة
في أولها جهز أبو بكر الصديق البعوث إلى الشام، وأمر على الجيش جماعة: عمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة. وبعث إلى العراق خالد بن الوليد، فافتتح الأبلة، وأغار على السواد، وحاصر عين التمر، وأوطأ الفرس ذلاًوهوانا. ثم خرق البرية إلى الشام.
واجتمع المسلمون فكانت وقعة أجنادين بين الرملة وبيت جبرين في جمادى الأولى.
واستشهد يومئذ طائفة من الصحابة. ثم كان النصر ولله الحمد، وكانت ملحمة عظيمة.
وفاة الصديق، رضي الله عنه
وتوفي أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، لثمان بقين من ذي القعدة عن ثلاث وستين سنة. وعاش بعده أبوه أبو قحافة أشهراً.
خلافة عمر بنص من أبي بكر
وولي الخلافة عمر بنص من أبي بكر. فلم يختلف عليه اثنان. فوالله لو نص لهم النبي صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب كما تفتري الرافضة لما اختلف عليه اثنان أيضاً.
سنة أربع عشرة
في رجب فتحت دمشق صلحاً وعنوة
ثم أمضيت صلحاً بعد أن حوصرت حصاراً طويلاً.
وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد. واستشهد يومئذ طائفة منهم: أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو الذي نسب إليه الجسر، وهو والد المختار الكذاب وكان من سادة الصحابة وهذه الوقعة عند نجران على مرحلتين من الكوفة.
وعن الشعبي قال: قتل أبو عبيد في ثمان مئة من المسلمين.
وفيها مصر البصرة عتبة بن غزوان، وأمر ببناء مسجدها الأعظم.
وفيها وقعة مرج الصفر في أول السنة. وكانت وقعة هائلة استشهد فيها جماعة.
وفيها وقيل في العام الماضي وقعة فحل بالشام.
وفيها فتحت بعلبك وحمص صلحاً. وهرب هرقل عظيم الروم من أنطاكية إلى القسطنطينية .
سنة خمس عشرة
وقعة اليرموك في رجب
وكان المسلمون ثلاثين ألفاً، والروم أزيد من مئة ألف قد سلسلوا أنفسهم، الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا. فلما هزمهم الله كان الواحد يقع في وادي اليرموك فيقع من معه في السلسلة، حتى ردموا الوادي واستوت حافتاه فيما قيل، وداستهم الخيل.
واستشهد يومئذ طائفة منهم: عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وعكرمة ابن أبي جهل، وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد.
وفي شوال وقعة القادسية بالعراق. وقيل كانت في أول سنة ست عشرة. وأمير الناس بن أبي وقاص. ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس، وذو الحاجب . وكان المسلمون أرجح من سبعة آلاف، والمجوس ستين ألفاً أو أربعين ألفاً. وكان معهم سبعون فيلاً. فقتل رستم والجالينوس وذو الحاجب. ثم حصرهم المسلمون في المدائن. واستشهد عمرو بن أم مكتوم الأعمى المؤذن.
وفيها افتتحت الأردن كلها عنوة، إلا طبرية فافتتحت صلحاً.
وفيها توفي سعد بن عبادة سيد الخزرج في حوران. بال في بخش فمات لوقته، فيقال إن الجن أصابته.
سنة ست عشرة
فيها افتتحت حلب وأنطاكية صلحاً.
وفيها مصر سعد الكوفة وأنشأها.
وفيها افتتحت الرها وسروج.
وفيها نزل عمر رضي الله عنه على بيت المقدس وأخذها بالأمان.
واستشهد بالقادسية أبو زيد الأنصاري القاري واسمه سعد بن عبيد وهو والد أمير حمص عمير بن سعد.
سنة سبع عشرة
عام الرمادة


قحط الناس بالحجاز. واستسقى عمر بالعباس.
ثم خرج فيها إلى سرغ، ورد منها للطاعون الذي بالشام. وزاد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة.
وفيها سار أمير البصرة أبو موسى الأشعري وافتتح الأهواز.
وفيها كانت وقعة جلولاء. فجال المسلمون جولة وانهزموا، ثم ثبتوا فكان الفتح، وقتل من المشركين عدد كبير وكانت ملحمة عظيمة.
وكان بعضهم يسميها فتح الفتوح وسميت جلولاء لما تجللها من الشر. وبلغت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، وقيل ثلاثين ألف ألف.
وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء.
وفيها توفي عتبة بن غزوان المازني، أحد السابقين الأولين. يقال أسلم سابع سبعة. وهو الذي اختط البصرة.
سنة ثمان عشرة
طاعون عمواس وقع بناحية الأردن. فاستشهد أبو عبيدة عامر ابن عبد الله بن الجراح الفهري أمين الأمة، وأمير أمراء الشام. ومن مناقبه أن أبا بكر أشار به وبعمر للخلافة يوم السقيفة.
واستشهد بالطاعون معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، وله ست وثلاثون سنة. وكان من نجباء الصحابة.
ويزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي. أسلم يوم فتح، ثم كان من أفاضل الصحابة. وهو أحد الأمراء الأربعة الذين استعملهم الصديق على غزو الشام. ثم ولى دمشق لعمر. وولي دمشق بعده أخوه معاوية.
واستشهد في الطاعون أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري الذي رده أبوه في قيوده يوم الحديبية.
وأبو عبد الرحمن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وقيل استشهد باليرموك.
وفيها افتتحت حران، ونصيبين، وشميساط، والموصل، أكثرها على يد عياض بن غنم الفهري. وفيها افتتحت السوس وجند يسابور وتستر.
سنة تسع عشرة
فيها كانت وقعة بأرمينية أصيب فيها: صفوان بن المعطل الذكواني.
وقيل فيها توفي يزيد بن أبي سفيان.
وفيها فتحت تكريت.
وفيها توفي بخلف أبو المنذر أبي بن كعب الأنصاري سيد القرآء.
سنة عشرين
فيها سار عمرو بن العاص من الشام فافتتح بعض ديار مصر.
ونازل أبو موسى الأشعري تستر.
وفيها توفي أبو سعد عياض بن غنم الفهري أحد السابقين الأولين. وكان نائب أبي عبيدة على الشام، فأقره عمر.
وفيها توفي بلال الحبشي مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بداريا.
وأبو الهيثم بن التيهان الأنصاري أحد النقباء.
وأسيد بن حضير الأسلمي، عقبي بدري.
وسعيد بن عامر بن حذيم الجمحي.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وصلى عليه عمر.
وأم المؤمنين زينب بنت جحش الأسدية.
وفيها مات هرقل في الباطن مسلماً.
سنة إحدى وعشرين
فيها توفي سيف الله خالد بن الوليد
بن المغيرة المخزومي. أسلم في صفر سنة ثمان. وشهد غزوة مؤتة، وكان أميراً شريفاً بطلاً شجاعاً مجاهداً عظيم القدر، كثير الفتوحات ميمون النقيبة. مات ابن ستين سنة على فراشه.
وفيها وقعة نهاوند
وكانت ملحمة عظمى. بقي المصاف ثلاث أيام ثم نزل النصر.
واستشهد أمير المسلمين النعمان بن مقرن المزني. وكان من سادة الصحابة. فنعاه عمر للناس على المنبر وبكى. ولما قتل أخذ الراية حذيفة بن اليمان ففتح الله على يده.
وفيها شكا أهل الكوفة سعداً، فعزله عمر. وولى عمار بن ياسر الصلاة، وعبد الله بن مسعود بيت المال.
وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، حليف بني أمية.
وفيها استشهد يوم نهاوند طليحة بن خويلد الأسدي.
وكان صحابياً فارتد، ثم حسن إسلامه. وكان يعد بألف فارس.
سنة اثنتين وعشرين
فيها فتحت أذربيجان على يد المغيرة بن شعبة . قاله ابن إسحاق.
وفيها افتتحت مدينة نهاوند صلحاً.
وافتتح حذيفة الدينور عنوة، ثم غزا همذان فافتتحها عنوة.
وفيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس الغرب.
وفيها افتتح جرجان.
وفيها توفي أبي بن كعب.
وقد مر، سنة تسع عشرة.
سنة ثلاث وعشرين
فيها توفي قتادة بن النعمان الظفري الذي وقعت عينه يوم أُحد فردها النبي صلى الله عليه وسلم. وكان بدرياً، نزل عمر في قبره.
واستشهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لثلاث بقين أو أربع من ذي الحجة. وهو كان يحج بالناس مدة خلافته.
وقتل الهرمزان صاحب تستر. قتله عبيد الله بن عمر وتوهم فيه أنه أعان على قتل أبيه.
سنة أربع وعشرين


في أول المحرم دفن عمر رضي الله عنه.
بيعة عثمان ر ضي الله عنه بالخلافة
وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي أسلم بعد غزوة حنين وحسن إسلامه.
؟سنة خمس وعشرين
فيها انتقض أهل الري. فغزاهم أبو موسى الأشعري.
وفيها استعمل عثمان على الكوفة أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط. فجهز سلمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفاً إلى برذعة، فقتل وسبى وفتحها.
وفيها انتقض أهل الأسكندرية. فغزاهم عمرو بن العاص، فقتل وسبي.
سنة ست وعشرين
فيها زاد عثمان في المسجد الحرام.
وفيها فتحت سابور على يد عثمان بن أبي العاص. وصالحهم على ثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث مئة ألف درهم.
سنة سبع وعشرين
فيها ركب معاوية بالجيش في البحر وغزا قبرس.
وفيها صالح أبو موسى الأشعري أهل أرجان على ألفي ألف درهم، وصالح أهل دارابجرد على ألف ألف وثمانين ألفا.
وفيها عزل عمرو بن العاص عن مصر بعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فغزا ابن سرح إقليم إفريقية وافتتحها. فأصاب كل إنسان ألف دينار. وقتل الملك جرجير في مائتي ألف. وبلغ سهم الفارس وفرسه ثلاثة آلاف دينار.
وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان بقبرس. وكانت مع زوجها عبادة بن الصامت .
سنة ثمان وعشرين
فيها انتقض أهل أذربيجان، فغزاهم الوليد بن عقبة. ثم صالحوه.
وقيل فيها غزوة قبرس وقد مرت.
سنة تسع وعشرين
فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز مدينة إصطخر عنوة بعد قتال عظيم.
واستشهد عبيد بن معمر بن عثمان التيمي الأمير. وكان أحد الأجواد. مختلف في صحبته. وفيها عزل عثمان أبا موسى عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس.
وجمع ذلك لعبد الله بن عامر بن كريز. وكان شهماً شجاعاً، وافتتح فتحاً كبيراً. افتتح بلاد فارس ثم بلاد خراسان جميعها في سنة ثلاثين.
سنة ثلاثين
فيها افتتح ابن عامر خراسان وفارس. وهرب من يديه يزدجرد بن كسرى. وجهز وراءه جيشاً. وبعث بزياد بن الربيع الحارثي فافتتح سجستان.
ولما تمت لابن عامر هذه الفتوحات العظيمة خرج من نيسابور محرماً بعمرة، وخلف على خراسان الأحنف بن قيس، فاجتمع أهل خراسان جمعاً لم يسمع بمثله. فالتقاهم الأحنف فهزمهم.
ثم قضى ابن عامر عمرته مسرعاً وأتى عثمان. ثم رد إلى البصرة.
ولما كثرت الفتوحات في هذا العام وأتى الخراج من كل ناحية اتخذ عثمان له الخزائن ثم قسمها. وكان يأمر للرجل بمئة ألف.
سنة إحدى وثلاثين
فيها كانت غزوة الأساود فغزا ابن أبي سرح في البحر الرومي.
وفيها توفي أبو سفيان بن حرب الأموي. وكان قد فقئت عينه على الطائف، وذهبت الأخرى فيما قيل يوم اليرموك. وكان يومئذ يحرض على الجهاد. وقيل توفي في السنة الآتية.
وفيها توفي الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي، والد مروان وابن عم أبي سفيان، وعم عثمان بن عفان. أسلم يوم الفتح. كان يفشي سر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل كان يحاكيه في مشيته، فطرده إلى الطائف وسبه. فلم يزل طريداً إلى أن استخلف عثمان، فأدخله المدينة وأعطاه مئة ألف.
وقال الحاكم: أجمع مشايخنا أن نيسابور فتحت صلحاً. وفتحها في سنة إحدى وثلاثين.
ثم روى بإسناد له أن صاحب نيسابور كتب إلى ابن عامر يدعوه إلى خراسان ويخبره أن يزدجرد بن كسرى قد قتله أهل مرو. فبادر ابن عامر إلى ناحية قومس، ونزل على نيسابور وحاصرها سبعة أشهر ثم افتتحها.
سنة اثنتين وثلاثين
فيها سار معاوية وتوغل في الروم
فالتقى العدو بالقرب من القسطنطينية.
وفيها توفي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ست وثمانين سنة.
وأبو الدرداء عويمر بن زيد، وقيل ابن عبد الله، الأنصاري الخزرجي. أسلم بعد بدر. وكان حكم هذه الأمة. ولي قضاء دمشق وبها توفي.
ومات عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وكان غنياً شاكراً بعد أن كان فقيراً صابراً. وقد باع من أرضه بأربعين ألف دينار فتصدق بها. وفيها توفي عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أدى الأذان، وكان بدرياً.
وفيها توفي عبد الله بن مسعود الهذلي، حليف بني زهرة، وما أكثر مناقبه.


وفيها توفي أبو ذر الغفاري واسمه جندب إبن جنادة على الصحيح. أسلم خامس خمسة، ثم رجع إلى أرضه، ثم هاجر بعد بدر. وكان لا يأخذه في الله لومة لائم.
سنة ثلاث وثلاثين
فيها غزا المسلمون قبرس ثانياً
وفيها جهز الملك قارن بخراسان أربعين ألفاً.فقام بأمر المسلمين عبد الله بن خازم السلمي، وجمع أربعة آلاف فالتقى قارن، فقتل في المصاف قارن. وكانت الهزيمة.
وفيها غزا معاوية افرنطية وملطية وحصن المرأة من أرض الروم.
وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح بلاد الحبشة.
وفيها توفي المقداد بن الأسود الكندي، ولم يثبت أن بدراً شهدها فارس سواه. واختلف في الزبير.
سنة أربع وثلاثين
فيها غزا ذات الصواري في البحر من ناحية إسكندرية، وأميرها ابن أبي سرح.
وفيها وثب أهل الكوفة بسعيد بن العاص فأخرجوه ورضوا بأبي موسى. وكتبوا فيه إلى عثمان فأمره عليهم. ثم إنه رد عليهم سعيداً فخرجوا ومنعوه.
وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل، أحد النقباء ليلة العقبة، الذى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة " .
وفيها توفي عبادة بن الصامت، أبو الوليد الخزرجي، أحد النقباء ليلة العقبة. ولي قضاء القدس. ومات بالرملة وقيل ببيت المقدس.
وفيها مات كعب الأحبار بحمص. وكان عالم أهل الكتاب قبل أن يسلم. فأسلم زمن أبي بكر، وروى عن عمر.
وفيها مات مسطح بن أثاثة، وكان بدرياً.
سنة خمس وثلاثين
وفيها غزوة ذي خشب وعلى الناس معاوية.
وفيها توفي عامر بن ربيعة حليف بني عدي. أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين.
وفيها توفي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أخو عياش. وكان شريفاً نبيلاً من أحسن الناس وجهاً. ولاه النبي صلى الله عليه وسلم الجند ومخاليفها فبقي عليها إلى أن مات.
وفي أواخرها حصر المصريون عثمان رضي الله عنه لينزع نفسه من الخلافة، ولم يزل الأمر بهم إلى أن تجرؤوا عليه واقتحموا عليه داره فذبحوه والمصحف بين يديه، في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة، وله بضع وثمانون سنة. رضي الله عنه. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم
مقتل عثمان رضي الله عنه
البيعة لعلي رضي الله عنه
؟؟؟سنة ست وثلاثين
لما قتل عثمان صبراً توجع له كل أحد وأسقط في أيدي جماعة وسار طلحة والزبير وعائشة نحو البصرة طالبين بدم عثمان من غير أمر علي بن أبي طالب. فساق وراءهم. وكانت وقعة الجمل أثارها سفهاء الفريقين، وقتل بينهما نحو العشرة آلاف. ورمى مروان طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي أحد العشرة بسهم فقتله، ومناقبه كثيرة. وقتل الزبير بن العوام الأسدي حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته، وأول من سل سيفه في سبيل الله.
قتله ابن جرموز بوادي السباع.
وممن قتل يوم الجمل مجاشع بن مسعود السلمي، وأخوه مجالد، ولهما صحبة.
وزيد بن صوحان، وكان من سادة التابعين، صواماً قواماً.
وفي أولها توفي حذيفة بن اليمان أحد السابقين وصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثبت عنه أنه قال: ما معني وأبي أن نشهد بدراً إلا أنا أخذنا كفار قريش، فأخذوا علينا عهد الله وميقاقه أن لا نقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال فأخبرناه الخبر. فقال: نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم.
سنة سبع وثلاثين
وقعة صفين في صفر
وبقيت أياماً وليالي، وقتل بين الفريقين ستون ألفاً. فقتل مع علي عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: تقتلك الفئة الباغية. وكان أحد السابقين، وممن عذب في الله. ومناقبه جمة.
وقتل مع علي من الصحابة: أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن وذو الشهادتين خزيمة بن ياسين بن الفاكه الأنصاري يقال أنه بدري.
وسعد بن الحارث بن الصمة أخو أبي جهم.
ومن غير الصحابة: عبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي. كان على خيل أهل الشام يومئذ. يقال: قتله عمار. ولما طعن والده سل سيفه ووثب على الهرمزان صاحب تستر فقتله، وقتل أيضاً مفينة وبنتاً لأبي لؤلؤة فلما ولي عثمان هم بقتله ثم تركه.
وقتل مع علي: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال، حامل راية علي يومئذ، ويقال: له صحبة.


وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. وكان على رجالة علي.
وأبو حسان قيس بن المكشوح المرادي أحد الأبطال، وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي.
وقتل أيضاً مع معاوية: حابس بن سعد الطائي قاضي حمص، وكان على رجالة معاوية.
وقتل مع علي: جندب بن زهير الغامدي الكوفي، ويقال: له صحبة.
وقتل من أمراء معاوية: ذو الكلاع الحميري، نزيل حمص، وأحد من شهد اليرموك، وكان على ميمنة معاوية، وكان من أعظم أصحابه خطراً لشرفه ودينه. وطلب منه أن يخطب الناس ويحرضهم على القتال.
وقال يزيد بن هارون: سمعت الجراح بن المنهال يقول: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين. فبعث إليه عمر رضي الله عنه فقال: نشتري هؤلاء نستعين بهم على عدوهم. فقال: لا، هم أحرار. فأعتقهم في ساعة واحدة.
الجراح متروك الحديث.
وصح عن أبي وائل، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: رأيت قباباً في رياض. فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع وأصحابه. ورأيت قباباً في رياض فقيل: هذه لعمار بن ياسر وأصحابه. فقلت: كيف وقد قتل بعضهم بعضاً؟ قال: إنهم وجدوا الله واسع المغفرة.
وممن قتل يومئذ: كريب بن الصباح بن إبراهيم الحميري أحد الأبطال المذكورين.
قتل جماعة مبارزة، ثم بارزه علي رضي الله عنه، فقتله علي.
وكان معاويه في سبعين ألفاً، وكان علي في تسعين ألفاً وقيل في مئة ألف، وقيل في خمسين ألفاً.
قال خليفة: تسمية من شهد صفين من البدريين مع علي بن أبي طالب: سهل بن حنيف، وخوات بن جبير، وأبو أسيد الساعدي. وأبو اليسر، ورفاعة بن رافع الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري بخلف فيه.
ومن غير البدريين: خزيمة بن ثابت، وقيس بن سعد عبادة، وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري. وأبو عياش الزرقي، وقرظة بن كعب، وسهل بن سعد، وجابر بن عبد الله، وأبو قتادة، الأنصاريون.
وعدي بن حاتم، والأشعث بن قيس، وسليمان بن صرد، وجندب بن عبد الله، وجارية بن قدامة. وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر، والحسن، والحسين.
ثم قال: تسمية من شهدها مع معاوية من الصحابة: عمرو بن العاص، وابنة عبد الله، وفضالة بن عبيد، والنعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد. وبسر بن أبي أرطاة ومعاوية بن حديج الكندي، وحبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور السلمي. وأبو غادية الجهني قاتل عمار.
فبلغنا أن الأشعث بن قيس برز في ألفين، وبرز أبو الأعور السلمي في خمسة آلاف. فاقتتلوا. ثم غلب الأشعث على الماء وأزالهم عنه.
ثم التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت. ثم لما خاف أهل الشام الكسرة، رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله. فأجاب علي رضي الله عنه إلى تحكيم الحاكمين. فاختلف عليه جيشه، وخرجت الخوارج وقالوا: لا حكم إلا لله. وكفروا علياً فحاربهم.
وقال ابن سيرين: افترقوا عن سبعين ألف قتيل يوم صفين يعدون بالقضب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها توفي خباب بن الأرت التميمي أحد السابقين البدريين وصلى عليه علي بالكوفة.
وفي رمضان اجتمع أبو موسى الأشعري ومن معه من الوجوه، وعمرو بن العاص ومن معه من الوجوه بدومة الجندل للتحكيم، فلم يتفقا لأن عمراً خلا بأبي موسى وخدعه وقال: تكلم قبلي فأنت أفضل مني، وأكثر سابقة.
فقال: أرى أن نخلع علياً ومعاوية. ويختار المسلمون لهم رجلاً يجتمعون عليه.
فقال: هذا الرأي.
فلما خرجا وتكلم أبو موسى وحكم بخلعهما قام عمرو وقال: أما بعد، فإن أبا موسى قد خلع علياً كما سمعتم، وقد وافقته على خلع علي ووليت معاوية.
فسار الشاميون وقد بنوا في الظاهر على هذه الصورة. ورد أصحاب علي إلى الكوفة أن الذي فعله عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها.
سنة ثمان وثلاثين
في شعبان قتلت الخوارج عبد الله بن خباب وعليهم مسعر بن فدكي وشبث بن ربعي.
وفيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج. فقتل رأس الخوارج عبد الله بن وهب السبائي. وقتل أكثر صحابه. وقتل من جند علي اثنا عشر رجلاً. ويقال كانت هذه الوقعة في سنة تسع.
وفيها توفي صهيب بن سنان المعروف بالرومي توفي في شوال بالمدينة. وكان من السابقين الأولين.
وفيها توفي سهل بن حنيف الأوسي، والد أبي أمامة. وكان بدرياً.
توفي بالكوفة وصلى عليه علي.


وفيها قتل محمد بن أبي بكر الصديق. وكان قد سار إلى مصر والياً عليها لعلي. وبعث معاوية عسكراً عليهم معاوية بن حديج الكندي. فالتقى هو ومحمد، فانهزم عسكر محمد واختفى هو في بيت لامرأة. فدلت عليه. فقال: احفظوني في بيت أبي بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك؟ وأنت صاحبه فقتله وصيره في بطن حمار وأحرقه.
وقال شعبة عن عمرو بن دينار: إن عمراً قتل محمد بن أبي بكر.
وفيها مات الأشتر النخعي. واسمه مالك بن الحارث. بعثه علي على مصر. فهلك في الطريق فيقال إنه سم، وإن عبداً لعثمان لقيه فسقاه عسلاً مسموماً. وكان الأشتر من الأبطال الكبار. وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم.
؟سنة تسع وثلاثين
فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بسرف، وثم بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم .
وفيها تنازع أصحاب علي وأصحاب معاوية في إمامة الحج. فمشى في الصلح أبو سعيد الخدري على أن يكون إمام الموسم شيبة بن عثمان الحجبي.
سنة أربعين
فيها توفي خوات بن جبير الأنصاري البدري، أحد الشجعان المذكورين.
وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري نزل ماء ببدر فقيل له البدري. ولكنه شهد العقبة.
وأبو أسيد الساعدي مالك ربيعة بدري مشهور، وقيل بقي إلى سنة ستين.
استشها استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وفيها ليلة الجمعة سابع عشر رمضان استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وثب عليه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي فضربه في يافوخه بخنجر، فبقي يوماً وتوفي، وعاش نيفاً وستين ستة أو دونها، رضي الله عنه .
ثم قتل ابن ملجم وأحرق ولله الحمد.
وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة.
وكان شريفاً مطاعاً جواداً شجاعاً. له صحبة. ثم ارتد، وحسن إسلامه. وكان أجل أمراء علي. وفيها مات معيقيب الدوسي. هاجر إلى الحبشة، وشهد بدراً بخلف. وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم. له حديثان.
سنة إحدى وأربعين
في ربيع الآخر سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه يقصد معاويه. وسار معاوية في جيوشه. فدخل العراق وتنازل الجمعان بمسكن من ناحية الأنبار. فرأى الحسن من عسكره الاختلاف عليه وقلة الخير. وكان سيداً وادعاً لا يرى سفك الدماء. واتفق أنه وقع في معسكره هوشة وخبطة، ووقع النهب حتى إنهم نهبوا فسطاطه، وضربه رجل من الخوارج بخنجر مسموم في إليته فخدشه. فتألم ومقت أهل العراق. ورأى الصلح أولى، تحقيقاً لقول جده المصطفى صلى الله عليه وسلم: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فراسل معاوية وشرط عليه شروطاً بادر إليها معاوية بالإجابة، ثم سلم إليه الخلافة، على أن تكون الأمر من بعده للحسن، وعلى أن يمكنه أخذ ما شاء من بين المال ليقضي منه دينه وعداته وغير ذلك.
فروى مجالد، عن الشعبي. ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه أن أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام. وجعل على مقدمته قيس بعد سعد. وأقبل معاوية حتى نزل منبج. فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد. فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها. وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلى القصر الأبيض، وسبهم وقال: لا خير فيكم. قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم كتب إلى معاوية على أن يسلم إليه بيت المال، وأن لا يسب علياً بحضرته، وأن يحمل إليه خراج فسا ودارابجرد كل سنة. فأجابه.
فكتب إليه أن أقبل. فسار معاوية من منبج إلى مسكن في خمسة أيام. فسلم إليه الحسن الأمر، ثم سارا حتى دخلا جميعاً الكوفة. وتسلم الحسن بيت المال، وكان فيه سبعة آلاف ألف درهم، فاحتملها وتجهز إلى المدينة، وأجرى معاوية على الحسن في السنة ألف ألف درهم.
وقال عمرو بن دينار: لما توفي علي بعث معاويه عهداً: إن حدث به حدث ليجعلن هذا الأمر إلى الحسن.
وصح في البخاري عن الحس البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال.
فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى يقتل أقرانها.
فقال له معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو. إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور المسلمين؟ من لي بنسائهم وضعفتهم؟ فبعث إليه برجلين عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز في الصلح.


فقال لهما الحسن: إنا بني عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائنا.
قال: وإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك.
قال: فمن لي بهذا؟ فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه.
قلت: وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية.
وفيها توفي صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. أسلم بعد حنين، ثم شهد اليرموك أميراً. وكان شريفاً جليلاً. وملك قنطاراً من الذهب. وله رواية في صحيح مسلم.
وفيها توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر العدوية. عن بضع وخمسين سنة. وصلى عليها مروان أمير المؤمنين. وقيل توفيت سنة خمس وأربعين.
وفيها، فيما قيل، توفي لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسن إسلامه. وقيل مات في إمرة عثمان بالكوفة عن مئة وخمسين سنة. قيل: أنه ما قال شعراً منذ أسلم.
سنة اثنتين وأربعين
فيها غزا عبد الرحمن بن سمرة سجستان. فافتتح زرنج وغيرها. وسار راشد بن عمرو فشن الغارات ووغل في بلاد السند.
سنة ثلاث وأربعين
فيها فتحت الرخج من أرض سجستان.
وأفتتح عقبة بن نافع كوراً من بلاد السودان.
وشتا بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم.
وفي ليلة عيد الفطر توفي أبو عبد الله عمرو بن العاص السهمي أمير مصر. أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر، وولي إمرة جيش ذات السلاسل. وكان من دهاة قريش وأجدادها وذوي الحزم والرأي.
وفيها توفي عبد الله بن سلام الإسرائيلي حليف الأنصار. وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.
وفيها توفي محمد بن مسلمة الأنصاري بالمدينة في صفر. وكان بدرياً. اعتزل الفتنة واتخذ سيفاً من خشب.
سنة أربع وأربعين
في ذي الحجة توفي أبو موسى الأشعري المقرئ الأمير. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على عدن. واستعمله عمر على الكوفة والبصرة. وفتحت على يده عدة أمصار.
وفيها افتتح عبد الرحمن بن سمرة مدينة كابل.
وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة في أرض الهند ووصل إلى قندابيل فالتقى العدو فهزمهم. وفيها توفيت أم المؤمنين أم حبيبة بنت سفيان الأموية.
سنة خمس وأربعين
فيها غزا معاوية بن حديج إفريقية.
وفيها توفي أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري المقرئ الفرضي الكاتب، وله ست وخمسون سنة. وأول مشاهدة الخندق.
وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج. وقيل بقي إلى سنة أربع وخمسين.
وفيها توفي عاصم بن عدي سيد بني العجلان. وكان رده النبي صلى الله عليه وسلم من بدر في شغل، وضرب له بسهمه، وقتل أخوه معن يوم اليمامة.
سنة ست وأربعين
فيها ولي الربيع بن زياد الحارثي سجستان. فزحف كابل شاه في جمع من الترك وغيرهم، فالتقوا على بست، فهزمهم الربيع وساق خلفهم إلى الرخج.
وفيها، قيل في سنة تسع وأربعين، توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة. وكان شريفاً جواداً ممدحاً مطاعاً. وكان إليه لواء معاوية يوم صفين. وغزا الروم غير مرة.
سنة سبع وأربعين
فيها جمعت الترك فالتقاهم عبد الله بن سوار العبدي ببلاد القيقان. فاستشهد عبد الله وعامة من معه. وغلبت الترك على القيقان.
وغزا رويفع بن ثابت الأنصاري أمير أطرابلس الغرب أفريقية، فدخلها ثم أنصرف.
سنة ثمان وأربعين
فيها توجه سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي والياً على أرض الهند عوض عبد الله بن سوار.
وقتل بسجستان عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وكان مولده بالحبشة.
سنة تسع وأربعين
في ربيع الأول توفي سيد شباب أهل الجنة أبو محمد الحسن بن علي الهاشمي. وأرخه فيها الواقدي وسعيد بن عفير. والأكثر على أنه سنة خمسين.
سنة خمسين
فيها بخلف الحسن بن علي رضي الله عنه، وله سبع وأربعون سنة، بالمدينة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس العبشمي الأمير، أسلم يوم الفتح وافتتح سجستان وغيرها.
وفيها توفي كعب بن مالك السلمي الشاعر، أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم. وكان ممن شهد العقبة.


وفيها توفي المغيرة بن شعبة الثقفي. أسلم عام الخندق، وولي العراق لعمر ولغيره. وكان من رجال الدهر حزماً وعزماً ورأياً ودهاء. يقال إنه أحصن ثلاث مئة امرأة، وقيل ألف امرأة. وفيها توفيت أم المؤمنين صفية بنت حييّ بن أخطب.
وفيها غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية، وقيل في سنة إحدى.
سنة إحدى وخمسين
فيها توفي على باب القسطنطينية أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد. وكان عقبياً بدرياً كثير المناقب.
وفيها على الأصح توفي جرير بن عبد الله البجلي بقرقيسيا.
وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية.
وفيها توفيت بعذرا حجر بن عدي الكندي وأصحابه بأمر معاوية.
ولحجر صحبة ووفادة وجهاد وعبادة.
سنة اثنتين وخمسين
توفي أبو نجيد عمران بن حصين الخزاعي. أسلم عام خيبر. وبعثه عمر يفقه أهل البصرة. وولي قضاءها. وكان الحسن يحلف ما قدم البصرة خير لهم من عمران.
وفيها توفي كعب بن عجرة الأنصاري. من أهل بيعة الرضوان ومعاوية بن حديج الكندي التجيبي الأمير. له صحبة ورواية.
وفيها أو قبيلها أبو بكرة الثقفي نفيع بن الحارث، وقيل ابن مسروح. تدلى من الطائف ببكرة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً.
سنة ثلاث وخمسين
فيها في قول المدائني توفي فضالة بن عبيد الأنصاري. قاضي دمشق لمعاوية وخليفته عليها إذا غاب. وكان أصغر من شهد الحديبية، وقيل بقي إلى سنة تسع.
وفيها، وقيل بعدها، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. أسلم يوم بدر. وقتل يوم اليمامة سبعة. وكان من الرماة والشجعان. وتوفي بمكة.
وفيها توفي الأمير زياد بن أبيه الذي استلحقه معاوية وزعم أنه ولد أبي سفيان. وكان لبيباً فاضلاً سيداً، يضرب المثل بدهائه. وقد جمع له معاوية إمرة العراقين.
وفيها، وقيل قبلها، توفي عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي.
شهد الخندق، وولي العلم على نجران وله سبع عشرة سنة.
وفيها توفي فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي. له صحبة. ورواية.
سنة أربع وخمسين
فيها على الأصح أسامة بن زيد حارثة الكلبي حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه. وأمه أم أيمن.
وفيها على الصحيح ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص.
وفيها جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان من سادة قريش وحلمائها أسلم بعد بدر.
وفيها حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر، عن مئة وعشرين سنة كأبيه وجده.
وفيها سعيد بن يربوع المخزومي، من مسلمة الفتح، عن مئة وعشرين سنة أيضاً.
وفيها عبد الله بن أنيس الجهني حليف الأنصار. وكان أحد من شهد العقبة.
وفيها حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد. أسلم يوم الفتح وكان أحد الأشراف الأجواد. باع داراً بستين ألفاً لمعاوية. فتصدق بثمنها. وأعتق مئة نسمة في الجاهلية، ومئة في الإسلام وقد قال لابن الزبير: كم ترك أبوك من الدين؟ قال: ألف ألف درهم. قال: علي نصفها.
وفيها أبو قتادة الأنصاري السلمي الحارث بن ربعي، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شهد أحداً والمشاهد.
وفيها مخرمة بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة. وكان من المؤلفة قلوبهم.
وفيها غزا عبيد الله زياد، فقطع نهر جيحون إلى بخارا، وافتتح بعض البلاد. وكان أول عربي عدى النهر.
سنة خمس وخمسين
فيها توفي أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة، ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله. ومناقبه جمة.
وفيها أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري السلمي الذي أسر العباس يوم بدر.
وفيها، وقيل في سنة ثلاث وخمسين، الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي أحد السابقين.
سنة ست وخمسين
وفيها استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان فغزا سمرقند، والتقى هو الصغد فكسرهم، ثم صالحوه. وكان معه من الأمراء المهلب. واستشهد معه يومئذ قثم بن العباس بن عبد المطلب. وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهو آخر من طلع من لحد النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيها توفيت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية وصلى عليها مروان.
سنة سبع وخمسين
فيها عزل سعيد عن خراسان، وأضيفت إلى عبيد الله بن زياد، وفيها توفي عبد الله بن السعدي العامري، له صحبة.
وفيها توفيت أم المؤمنين عائشة. قاله هشام بن عروة.


وفيها توفي أبو هريرة بعد عائشة. قاله هشام بن عروة أيضاً وابن المديني.
سنة ثمان وخمسين
فيها توفي جبير بن مطعم. قاله المدائني. وقال الهيثم وخليفه: مات سنة تسع.
وفيها توفي شداد بن أوس الأنصاري نزيل بيت المقدس.
وعبد الله بن حوالة الأزدي نزيل الأردن.
وعقبة بن عامر الجهني الأمير بمصر. ولي مصر لمعاوية، ثم عزله وولاه غزو البحر. وكان مقرئاً فصيحاً مفوهاً من فقهاء الصحابة.
وفيها توفي عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب بالمدينة. وله صحبة. ورواية. وكان أحد الأجواد. ولي اليمن لعلي فسار إليه بسر بن أبي أرطاة، فذبح ولديه.
وفيها، في قول أبي معشر ويحيى بن بكير وجماعة، توفي أبو هريرة الدوسي الحافظ. وكان كثير العبادة والذكر حسن الأخلاق. ولي إمرة المدينة مرة بل وليها مرات.
وقال الواقدي وغيره: فيها توفيت أم المؤمنين أم عبد الله عائشة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقيهة نساء الأمة عن خمس وستين سنة في رمضان.
سنة تسع وخمسين
فيها توفي أبو هريرة في قول ابن إسحاق والواقدي وأبي عبيد وجماعة.
وفيها أبو محذورة الجمحي المؤذن. له صحبة ورواية، وكان من أندى الناس صوتاً وأحسنهم نغمة.
وفيها، وقيل قبلها، شيبة بن عثمان الحجي العبدري حاجب الكعبة.
وفيها سعيد بن العاص بن سعيد العاص بن أمية والد عمرو الأشدق، والذي أقيمت عربية القرآن على لسانه، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله صلى الله عليه وسلم . وولي الكوفة لعثمان. وافتتح طبرستان. وكان جواداً ممدحاً حليماً عاقلاً. اعتزل الجمل وصفين. ومولده قبل بدر.
وفيها على الصحيح أبو عبد الرحمن عبد الله بن عامر بن كريز العبشمي الأمير. له رؤية.
سنة ستين
في رجب توفي أمير المؤمنين أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان عن ثمان وسبعين سنة بدمشق.
وفيِ أولها توفي سمرة بن جندب الفزاري، نزيل البصرة من أهل بيعة الرضوان.
وفيها أو قبلها أبو حميد الساعدي.
سنة إحدى وستين
فيها يوم عاشوراء استشهد ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبطه أبو عبد الله الحسين بن علي بكربلاء عن ست وخمسين سنة. وكان قد أنف من إمرة يزيد ولم يبايعه. وجاءته كتب أهل الكوفة يحضونه على القدوم عليهم. فاغتر وسار في أهل بيته. والقصة فيها طول.
وفيها توفي حمزة بن عمرو الأسلمي، له صحبة ورواية.
وفيها توفيت أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية. وقيل توفيت سنة تسع وخمسين. وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة.
وقتل مع الحسين ولداه علي الأكبر وعبد الله. وإخوته جعفر، ومحمد، وعتيق، والعباس الكبير. وابن أخيه قاسم بن الحسن. وأولاد عمه محمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ومسلم بن عقيل بن أبي طالب وابناه عبد الله وعبد الرحمن. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
سنة اثنتين وستين
فيها غزا سلم بن أحور خوارزم. وصالحوه. ثم عبر إلى سمرقند فصالحوه.
وفيها توفي على الأصح بريدة بن الحصيب الأسلمي وقبره بمرو. وقد أسلم قبل بدر.
وفيها توفي عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، نزيل دمشق. له صحبه ورواية.
وفيها توفي أمير مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري، له صحبة ورواية.
وفيها على الأصح علقمة بن قيس النخعي الكوفي الفقيه صاحب ابن مسعود. وكان يشبه بابن مسعود في هديه ودله وسمته.وكان غير واحد من الصحابة يسألونه ويستفتونه.
وفيها توفي أبو مسلم الخولاني الزاهد سيد التابعين بالشام.
وفد على أبي بكر مسلماً. وله مناقب غزيرة وكرامات. ويقال إن الأسود العنسي أمر بنار عظيمة وألقى أبا مسلم فيها. فلم تضره فنفاه لئلا يضطرب عليه أتباعه.
وهذا ما رواه أحد إلا شرحبيل بن مسلم، ولا رواه عنه إلا إسماعيل بن عياش. وهو خبر مرسل.
سنة ثلاث وستين
فيها كانت وقعة الحرة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه. فجهز لحربهم جيشاً عليهم مسلم بن عقبة. فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة. فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ثلاث مئة وست أنفس.
وقتل من الصحابة: معقل بن سنان الأشجعي، وعبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.


وممن قتل يومئذ: محمد بن ثابت بن قيس بن شماس. ومحمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة ومحمد بن أبي بن كعب. ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح بالناس. وواسع بن حبان الأنصاري. ويعقوب ولد طلحة بن عبيد الله التيمي. وكثير بن أفلح أحد كتاب المصاحب التي أرسلها عثمان. وأبو أفلح مولى أبي أيوب.
وفيها توفي مسروق بن الاجدع الهمداني الفقيه العابد صاحب ابن مسعود. وكان يصلي حتى تورم قدماه. وحج فما نام إلا ساجداً.
وعن الشعبي قال: ما رأيت أطلب للعلم منه. كان أعلم بالفتوى من شريح.
سنة أربع وستين
في أولها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة وعمل القبائح وما أمهله الله. والمليح أنه شهد الوقعة وهو مريض في محفة. نسأل الله العفو.
وكذلك لم يمهل يزيد بن حويه ومات بعد بضع وسبعين يوماً من الحرة. وذلك في نصف ربيع الأول وله ثمان وثلاثون سنة. وكان شديد الأدمة، كثير الشعر، ضخماً، عظيم الهامة، في وجهه أثر الجدري. كنيته أبو خالد. واستخلف بعهد من أبيه معاوية. فكانت مدته ثلاث سنين وثمانية أشهر.
وعهد بالأمر بعده إلى ابنه معاوية بن يزيد. فبقي في الخلافة شهرين أو أقل ومات. وكان شاباً مليحاً أبيض، فيه خير وصلاح. وعاش إحدى وعشرين سنة. ولما احتضر قالوا له: ألا تستخلف. فامتنع وقال: لم أصب من حلاوتها ما أتحمل به مرارتها.
وأما عبد الله بن الزبير فإنه كان قد أوى إلي مكة ولم يبايع يزيد.
فحاصره أصحاب يزيد ونصبوا المنجنيق على الكعبة ورموها بالنار، واحترق فيها مما احترق قرنا كبش إسماعيل. وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور ابن مخرمة بن نوفل الزهري، وله صحبة ورواية وشرف. فبلغ ابن الزبير وفاة يزيد، فترحل عنه عسكر يزيد، وبايعه أهل الحرمين بالخلافة، ثم أهل العراق واليمن وغير ذلك، حتى كاد تجتمع الأمة عليه.
وغلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري. وفي صحبته خلاف.
فدعا إلى ابن الزبير، ثم تركه ودعا إلى نفسه. وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران. فوافاهم عبيد الله بن زياد بن أبيه من الكوفة على البرية منهزماً من أهلها. فقوي عزم مروان على طلب الخلافة. وجرت أمور طويلة إلى أن التقى هو والضحاك بمرج راهط شرقي الغوطة. فقتل الضحاك، وقتل معه نحو ثلاثة آلاف. وانتصر مروان. وذلك في آخر السنة.
وبايعه أهل الشام. وسار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري لنصر الضحاك فقتله أصحاب مروان.
وفيها توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب. وكان جواداً حكيماً. عين للخلافة بعد يزيد، وولي إمرة المدينة غير مرة.
وفيها توفي ربيعة الجرشي شهيداً يوم مرج راهط مع الضحاك. وهو جد هشام بن الغاز. ويقال: له صحبة.
قال أبو المتوكل التاجي: سألت ربيعة الجرشي وكان فقيه الناس في زمن معاوية.
وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقق أيضاً من المنجنيق واحترق سقفه.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟سنة خمس وستين
فيها توجه مروان إلى مصر فتملكها. واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهد قواعدها ثم عاد إلى دمشق. ومات في رمضان فعهد بالأمر بعده إلى ابنه عبد الملك بن مروان.
وكان مروان من الفقهاء وكان كاتب السر لابن عمه عثمان رضي الله عنه . وكان قصيراً، كبير الرأس واللحية، دقيق الرقبة، أو قص، أحمر الوجه، يلقب خيط باطل لدقة عنقه عاش ثلاثاً وستين سنة.
وفيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة لابن الزبير. وحارب الأزارقة وأباد منهم ألوفاً.
وفيها خرج سليمان بن صرد الخزاعي. والمسيب بن نجبة الفزاري صاحب علي في أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين. وكان مروان قد جهز ستين ألفاً مع عبيد الله بن زياد ليأخذ العراق، فالتقى مقدمة عبيد الله وعليهم شرحبيل بن ذي الكلاع هم وأولائك بالجزيرة، وانكسروا. وقتل سليمان بن صرد والمسيب وطائفة. وكان لسليمان صحبة ورواية.
وفيها مات، على الصحيح، عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي. وكان أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة. وكان ديناً صالحاً كثير العلم كثير القدر. يلوم أباه على القيام في الفتنة ويطيعه للأبوة.


وفيها توفي الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور الفقيه، صاحب علي وابن مسعود. وحديثه في السنن الأربعة.
؟؟سنة ست وستين
فيها كان الوباء العظيم بمصر.
وتوثب على الكوفة عام أول المختار بن أبي عبيد وتتبع قتله الحسين.
فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص وأضرابه. وجهز جيشاً ضخماً مع إبراهيم ابن الأشتر النخعي فكانوا ثمانية آلاف لحرب عبيد الله بن زياد. فكانت وقعة الخازر بأرض الموصل. وقيل كانت في سنة سبع وهو أصح. وكانت ملحمة عظيمة.
وفيها، وقيل في سنة ثمان، توفي زيد بن أرقم الأنصاري، وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، ونزل الكوفة.
وفيها، وقيل في سنة أربع وسبعين، توفي جابر بن سمرة بالكوفة. وأبوه صحابي أيضاً.
وفيها قويت شوكة الخوارج، واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين.
سنة سبع وستين
في المحرم كانت وقعة الخازر، اصطدم فيها أهل الشام وكانوا أربعين ألفاً ظفر بهم إبراهيم بن الأشتر. وقتلت أمراءهم: عبيد الله بن زياد ابن أبيه، وحصين بن نمير السكوني الذي حاصر ابن الزبير، وشرحبيل بن ذي الكلاع.
وبعثت رؤوسهم فنصبت بمكة والمدينة.
وفيها، وقيل في سنة ثمان، توفي عدي بن حاتم الطائي رئيس طي عن مئة وعشرين سنة بقرقيسيا. ولما أسلم سنة سبع أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وألقى له وسادة وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " .
ولما تحقق ابن الزبير دبر المختار وكذبه بعث أخاه مصعب بن الزبير على العراق، فدخل البصرة وتأهب منها، وسار وعلى ميمنته وميسرته المهلب ابن أبي صفرة، وعمرو بن عبيد الله التيمي. فجهز المختار لحربهم جيشاً عليهم أحمر بن شميط وكيسان أبو عمرة، فهزمهم مصعب، وقتل أحمر وكيسان.وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ابن أخت الصديق. وعبيد الله بن علي أبي طالب. وقتل من جند المختار عمر الأكبر ابن علي بن أبي طالب. ثم ساق عسكر مصعب فدخلوا الكوفة وحصروا المختار بقصر الإمارة أياماً، إلى أن قتله الله في رمضان.
وكان كذاباً يزعم أن جبريل ينزل عليه. وصفت العراق لمصعب.
سنة ثمان وستين
فيها توفي أبو شريح الخزاعي الكعبي. وكان قد أسلم قبل فتح مكة.
وفيها توفي أبو واقد الليثي بمكة وكان ممن شهد الفتح. وعاش بضعاً وسبعين سنة.
وفيها على قول عبد الله بن عمرو، وزيد بن أرقم، وزيد بن خالد الجهني. وقد مر بعضهم.
وفيها توفي رباني الأمة عبد الله بن عباس الهاشمي الفقيه المفسر الحبر البحر، بالطائف، عن إحدى وسبعين سنة.
وفيها عزل ابن الزبير أخاه مصعباً وولى ابنه حمزة.
سنة تسع وستين
فيها كان طاعون الجارف بالبصرة. قال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام، فمات في كل يوم نحو من سبعين ألفاً.
وروى خليفة عن أبي اليقظان قال: مات لأنس بن مالك في الجارف سبعون ابناً.
وقيل: مات في طاعون الجارف عشرون ألف عروس.
وأصبح الناس في الرابع ولم يبق إلا اليسير من الناس. وصعد ابن عامر يوم الجمعة المنبر وما في الجامع إلا سبعة رجال وامرأة. فقال: ما فعلت الوجوه؟ فقيل: تحت التراب أيها الأمير وفيها قتل نجدة بن عامر الحروري. قتله أصحابه واختلفوا وقيل بل ظفر به أصحاب ابن الزبير.
وفيها مات قاضي البصرة أبو الأسود الدؤلي صاحب النحو. سمع من عمر وعلي.
وفيها مات بالكوفة قبيصة بن جابر الأسدي. وكان فصيحاً مفوهاً.
روى عبد الملك بن عمير عنه قال: لي عمر: إني أراك شاباً فصيح اللسان فسيح الصدر.
وفيها أعاد ابن الزبير مصعباً على العراق وعزل ابنه حمزة بن عبد الله. فقصد هو وعبد الملك كل منهما الآخر. ثم فصل بينهما الشتاء. فتوثب على دمشق في غيبة عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وأراد الخلافة. فجاء عبد الملك وجرى بينهما قتال، وحصار ثم نزل إليه بالأمان.
وفيها كان بين الأزارقة وبين المهلب حرب شديد ودام القتال أشهرا.
سنة سبعين
فيها غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق وذبحه صبراً، بعد أن آمنه وحلف له وجعله ولي عهده من بعده.
وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها، وقتل في التي قبلها مالك بن يخامر السكسكي صاحب معاذ. وكان قد أدرك الجاهلية. وفيها كان الوباء بمصر.


وفيها قال ابن جرير: ثارت الروم ووثبوا على المسلمين. فصالح عبد الملك بن مروان ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين.
قلت: هذا أول وهن دخل على الإسلام. وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة ولكون الوقت فيه خليفتان يتنازعان الأمر فما شاء الله كان.
سنة إحدى وسبعين
فيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. أحد من بايع تحت الشجرة. له أحاديث ولكن في غير الكتب الستة.
سنة اثنتين وسبعين
فيها توفي البراء بن عازب أبو عمارة الأنصاري الحارثي نزيل الكوفة. وكان من أقران ابن عمر. استصغر يوم بدر.
ومعبد بن خالد الجهني. وكان صاحب لواء جهينة يوم الفتح. له حديث عن أبي بكر.
وفيها على الصحيح عبيدة بن عمر بن السلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي. أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتفقه بعلي وابن مسعود.
قال الشعبي: كان يوازي شريحاً في القضاء.
وفيها، على الصحيح، الأحنف بن قيس، أبو بحر التميمي السعدي الأمير. أحد الأشراف، ومن يضرب بحلمه المثل. فعن الحسن قال: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف.
قلت: سمع من عمر وجماعة.
وفيها كانت وقعة هائلة بالعراق بدير الجاثليق. تجهز عبد الملك وطلب العراق. وسار مصعب أيضاً يقصد الشام. فالتقى الجمعان. فخان مصعباً بعض جيشه، وأفلت زياد بن عمرو ومالك بن مسمع وطائفة لديهم ولحقوا بعبد الملك. وكان عبد الملك قد كتب إليهم يعدهم ويمنيهم حتى أفسدهم. وجعل مصعب كلما قال لمقدم من أمرائه: تقدم، لا يطيعه. واستظهر عبد الملك فأرسل إلى مصعب يبذل له الأمان. فقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموطن إلا غالباً أو مغلوباً. ثم إنهم أثخنوه بالرمي. ثم شد عليه زائدة فطعنه وقال: يا لثارات المختار.
وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر سيد النخع وفارسها. ومسلم بن عمرو الباهلي. واستولى عبد الملك على العراق وما يليها. فأمر أخاه بشراً على العراق وبعث الأمراء على الأعمال. وجهز الحجاج إلى مكة لحرب ابن الزبير.
سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عوف بن مالك الأشجعي الحبيب الأمين. وكان ممن شهد فتح مكة.
وفيها توفي أبو سعيد بن المعلى الأنصاري. وله صحبة ورواية.
وربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي عم محمد بن المنكدر، وله رواية عن عمر.
وفيها نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره. ونصب المنجنيق على أبي قبيس. ودام القتال أشهراً. إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أمير المؤمنين وفارس قريش وابن حواري الرسول صلى الله عليه وسلم كان صواماً قواماً بطلاً شجاعاً فصيحاً مفوهاً. قتل في جمادى الأولى وطيف برأسه في مصر وغيرها.
وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي رئيس مكة وابن رئيسها. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولما حج معاوية قدم له ابن صفوان ألفي شاة.
وقتل معه بحجر المنجنيق عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي الذي ولي الكوفة لابن الزبير قبل غلبة المختار.
وقتل معه عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، وقد أسلم يوم الحديبية.
وتوفيت أم ابن الزبير بعد مصابه بيسير. وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي في عشر المئة. وهي من المهاجرات الأول، وتلقب بذات النطاقين.
وفيها استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان بمقتل ابن الزبير.
وولي الحجاج إمرة الحجاز. فنقض الكعبة وأعادها إلى بنائها من زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت قد شعثت من المنجنيق وأصيب الحجر الأسود، فأصلحوه ورمموه.
سنة أربع وسبعين
في أولها مات رافع بن خديج الأنصاري وقد أصابه يوم أحد سهم، فنزعه وبقي النصل في جسمه إلى أن مات.
وفي أولها توفي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي. السيد الفقيه القدوة. استصغر يوم أحد. وقد عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود علي والكبار، رضي الله عنهم.
وقال سعيد بن المسيب يوم مات ابن عمر: ما بقي في الأرض أحد أحب إلي أن ألقي الله بمثل عمله منه.
وهذا كنحو ما قال علي في عمر يوم مات.
وأما أبو داود فقال: مات ابن عمر بمكة في أيام الموسم. يعني سنة ثلاث وسبعين.
وتوفي بعده أبو سعيد سعد بن مالك الأنصاري الخدري. وكان من فقهاء الصحابة وأعيانهم. شهد الخندق وغيرها وشهد بيعة الرضوان.


وفيها توفي بالمدينة سلمة بن الأكوع الأسلمي. وكان ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت يوم الحديبية. وكان بطلاً شجاعاً رامياً يسبق الفرس سيراً وله مواقف مشهورة. وفيها توفي بالكوفة أبو جحيفة السوائي ويقال له وهب الخير. له صحبة ورواية. وكان صاحب شرطة علي رضي الله عنه . فكان يقوم تحت منبره يوم الجمعة. وقيل تأخر إلى بعد الثمانين. وفيها توفي محمد بن خاطب بن الحارث الجمحي. وله صحبة ورواية. وهو أول من سمي في الإسلام محمداً.
وفيها توفي أوس بن ضمغج الكوفي العابد. وخرشة بن الحر. وقد ربي يتيماً في حجر عمر. ونزل الكوفة.
وعاصم بن ضمرة السلولي. صاحب علي.
ومالك بن أبي عامر مع الأصبحي جد الإمام مالك. له عن عمر وعثمان رواية.
وفيها عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي بالمدينة. له رؤية ورواية. وكان كثير الحديث والفتيا.
سنة خمس وسبعين
فيها حج عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وعزل الحجاج عن الحجاز وأمره على العراق.
وفيها توفي العرباض بن سارية السلمي، أحد أصحاب الصفة بالشام.
وأبو ثعلبة الخشني بالشام، وقد شهد فتح خيبر.
وعمرو بن ميمون الأزدي. قدم مع معاذ من اليمن فنزل بالكوفة. وكان صالحاً قانتاً لله.
قال ابن إسحاق: حج مئة حجة وعمرة. وكان إذا رؤي ذكر الله.
والأسود بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه العابد. ورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبع مئة ركعة.
وبشر بن مروان الأموي أمير العراقين بعد مصعب.
وسليم بن عتر التجيبي قاضي مصر وقاصها وناسكها. وقد حضر خطبة عمر بالجابية.
سنة ست وسبعين
فيها وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفي، ابن عم المختار، لحرب شبيب والخوارج. فالتقوا، فاستظهر شبيب وقتل زائدة. واستفحل أمر شبيب وهزم العساكر مرات.
سنة سبع وسبعين
فيها بعث الحجاج لحرب شبيب عندما قتل عثمان الحارثي عتاب بن ورقاء الخزاعي الرباحي. فالتقى شبيباً بسواد الكوفة فقتل أيضاً عتاب، وهزم جيشه.
فجهز الحجاج لقتاله الحارث بن معاوية الثقفي. فالتقوا، فقتل الحارث.
فوجه الحجاج أبا الورد النضري فقتل.
فوجه طهمان مولى عثمان فقتل.
ففرق الحجاج وسار بنفسه. فالتقوا واشتد القتال. وقتلت غزالة امرأة شبيب. وكانت يضرب بشجاعتها المثل. وجحز بينهم الليل.
وسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن طلحة التيمي. فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب. وسار إلى كرمان فتقوى ورجع إلى الأهواز.
فبعث الحجاج لحربه سفيان الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي. فالتقوا على جسر دجيل. واشتد القتال حتى حجز بينهم الظلام.
ثم ذهب شبيب وعبر على الجسر فقطع به، فغرق. وكان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس، وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف.
وفيها غزا عبد الملك بنفسه. فدخل الروم وافتتح مدينة هرقلة.
وفيها توفي أبو تميم الجيشاني. واسمه عبد الله بن مالك. قرأ القرآن على معاذ. وكان من عباد أهل مصر وعلمائهم.
سنة ثمان وسبعين
فيها وثب الروم على ملكهم فنزعوه من الملك، وقطعوا أنفه، ونفوه إلى بعض الجزائر.
وفيها جرت حروب وملاحم بإفريقية.
وولي فيها موسى بن نصير إمرة الغرب كله.
وولي خراسان المهلب بن أبي صفرة.
وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي الأنصاري. وهو آخر من مات من أهل العقبة. وعاش أربعاً وتسعين سنة. وكان كثير العلم، من أهل بيعة الرضوان.
وفيها، على الأصح، زيد بن خالد الجهني بالكوفة، وله خمس وثمانون سنة. وهو من مشاهير الصحابة.
وفيها عبد الرحمن بن غنم الأشعري بالشام. وكان قد بعثه عمر يفقه الناس.
قال أبو مسهر: هو رأس التابعين رحمه الله.
وفيها أبو أمية شريح بن الحارث الكندي القاضي. وولي قضاء الكوفة لعمر ولمن بعده. وعاش أزيد من مئة سنة. واستعفى من القضاء قبل موته بعام، فأعفاه الحجاج. وكان فقيهاً قانتاً شاعراً صاحب مزاح.
وفيها قتل بسجستان أبو المقدام شريح بن هانئ المذحجي صاحب علي، عن مئة وعشرين سنة.
سنة تسع وسبعين
فيها أصاب أهل الشام طاعون كادوا يفنون من شدته. قاله ابن جرير.


وفيها كان مقتل رأس الخوارج قطري بن الفجاءة التميمي بطبرستان. عثر به فرسه فهلك. وأتي الحجاج برأسه.
ومات بسجستان عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي. وكان قد بعثه الحجاج أميراً عليها في العام الماضي. وكان جواداً ممدحاً يعتق في كل عيد مئة عبد.
وفيها مات عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وهو قليل الحديث.
سنة ثمانين
فيها بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي. فلما استقر بها خلع الحجاج وخرج. ثم كانت بينهما حروب يطول شرحها. وفيها مات عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي. وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم. ولد بالحبشة. ويقال لم يكن في الإسلام مثله في جوده وسخائه.
وفيها مات أبو إدريس الخولاني عائذ بن عبد الله، فقيه أهل الشام وقاصهم وقاضيهم. سمع من أبي الدرداء وطبقته.
قال ابن عبد البر: سماع أبي إدريس عندما من معاذ صحيح.
وفيها مات أسلم مولى عمر رضي الله عنه . اشتراه عمر في حياة أبي بكر. وهو من سبي عين التمر. وكان فقيهاً نبيلاً.
وفيها وقيل قبلها، جنادة بن أبي أمية الأزدي بالشام له ولأبيه صحبة. وحديثه في الصحيحين عن الصحابة ولي غزو البحر لمعاوية.
وفيها، على الأصح، أبو عبد الرحمن جبير بن نفير الحضرمي نزيل حمص. كان من جلة التابعين. روى عن أبي بكر وعمر.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد القاري. أتي به أبوه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صغير. روى عن جماعة. وهو مدني.
وفيها صلب عبد الملك معبد الجهني في القدر. قاله سعيد بن غفير.
وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب وقتله. له رواية، وقد وثقوه.
وفيها توفي ملك عرب الشام حسان بن النعمان بن المنذر الغساني غازياً بالروم.
وفيها مات اليون عظيم الروم.
وفيها حصر المهلب بن أبي صفرة كش ونسف.
سنة إحدى وثمانون
فيها قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة مع العلماء والعباد. فاجتمع له جيش عظيم. والتقوا عسكر الحجاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وتمت بينهما بعد ذلك عدة وقعات، حتى قيل كان بينهما أربع وثمانون وقعة على الحجاج، والآخرة كانت له.
وفيها، وقيل سنة اثنتين، توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي ابن الحنفية، عن سبعين إلا سنة. وكانت الشيعة قد لقبته المهدي. وتزعم شيعته أنه لم يمت، وأنه بجبل رضوى مختفياً عنده عسل وماء.
وفيها توفي سويد بن غفلة الجعفي بالكوفة. وقدم المدينة وقد دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم . ومولده عام الفيل فيما قيل. وكان فقيهاً إماماً عابداً كبير القدر.
وفيها توفي عبد الله بن زرير الغافقي المصري. روى عن عمر وعلي.
وفيها حجت أم الدرداء الأوصابية الحميرية. وكان لها نصيب وافر من العلم والعمل. ولهاحرمة زائدة بالشام. وقد خطبها معاوية بعد وفاة أبي الدرداء فامتنعت. وقتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي. روى عن طائفة. ولم يدرك السماع من والده. وقتل معه ليلتئذ عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي ابن خالة خالد ابن الوليد. وكان فقيها " كثير الحديث، لقي كبار الصحابة وأدرك معاذ بن جبل
سنة اثنتين وثمانون
وفيها كانت الحروب تستعر بالعراق بين الحجاج وابن الأشعث وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق. وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومئة وعشرين ألف راجل. ولم يتخلف عنه كثير. قاموا معه على الحجاج لله.
وفيها توفي أبو عمر زاذان مولى كندة. وقد شهد خطبة عمر بالجابية. وكان من علماء الكوفة.
وفيها توفي أبو مريم زر بن حبيش الأسدي القاري بالكوفة، عن مئة وعشرين سنة، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية فيما قيل.
وفيها قتل الحجاج كميل بن زياد النخعي صاحب علي. وكان شريفاً مطاعاً شيعياً متعبداً.
وفيها في ذي الحجة توفي بمرو الروذ المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير خراسان وصاحب الحروب والفتوحات.
قال أبو إسحاق السبيعي: لم أر أميراً أيمن نقيبةً، ولا أشجع لقاءً، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من المهلب.
قلت: ومولده عام الفتح، ولأبيه صحبة.
وفيها قتل مع ابن الأشعث سليم بن أسود المحاربي الكوفي.
وفيها قتل الحجاج محمد بن سعد أبي وقاص لقيامه مع ابن الأشعث.
سنة ثلاث وثمانين


فيها في قول الفلاس وغيره: وقعة دير الجماجم. وكان شعار الناس: يا ثارات الصلاة. لأن الحجاج، قاتله الله، كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها.
فقتل مع ابن الأشعث أبو البخترى الطائي مولاهم، واسمه سعيد بن فيروز، وكان من كبار فقهاء الكوفة. روى عن ابن عباس وطبقته.
وغرق مع ابن الأشعث بدجيل عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه المقرئ.
قال ابن سيرين: رأيت أصحابه يعظمونه كأنه أمير.
قلت: أخذ عن عثمان وعلي، ورأى عمر يمسح على الخفين.
وفيها توفي أبو الجوزاء الربعي البصري. واسمه أوس بن عبد الله. روى عن عائشة وجماعة.
وفيها توفي قاضي مصر عبد الرحمن بن جحيرة الخولاني. روى عن أبي ذر وغيره. وكان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف دينار فلا يدخرها.
سنة أربع وثمانين
فيها افتتح موسى بن نصير أوربة من المغرب وبلغ عدد السبي خمسين ألفاً.
وفيها فتحت المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية أحد الفصحاء والبلغاء. وكان قد خرج مع ابن الأشعث.
وفيها ظفروا بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان، وطيف برأسه في البلدان.
وفيها توفي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي بعمان. هارباً من الحجاج. وهو ابن أخت معاوية. ولما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه.
وفيها توفي عتبة بن الندر السلمي بالشام. له صحبة وحديثان.
وفيها توفي عمران بن حطان السدوسي البصري آخر رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ.
وفيها توفي أبو زرعة روح بن زنباع الجذامي سيد جذام وأمير فلسطين. وكان معظماً عند عبد الملك لا يكاد يفارقه. وهو عنده بمنزلة وزير. وكان ذا علم وعقل ودين.
سنة خمس وثمانين
وفيها غزا محمد بن مروان بن الحكم أرمينية. فأقام سنة، وأمر ببناء مدينة أردبيل وبرذعة.
وفيها كانت وقعة بين المسلمين والروم بطوانة أصيب فيها المسلمون واستشهد نحو الألف.
وفيها توفي أبو عمر عبد العزيز بن مروان بن الحكم أمير مصر والمغرب في جمادى الأولى. وأرخه جماعة وقال بعضهم: مات في العام الماضي وبقي على مصر عشرين سنة. وروى عن أبي هريرة وغيره. وكان ولي العهد بعد عبد الملك. عقد لهما أبوهما ذلك. فلما مات عقد العهد من بعده عبد الملك لولديه، وبعث إلى عاملة على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي ليبايع له الناس بذلك. فامتنع عليه سعيد بن المسيب وصمم.
فضربه هشام ستين سوطاً وطوف به.
وفيها أو في سنة ست توفي واثلة بن الأسقع الليثي. أحد فقراء الصفة. شهد غزوة تبوك. وعاش ثمانياً وتسعين سنة. وكان فارساً شجاعاً فاضلاً.
وفيها توفي عمرو بن حريث المخزومي. وله صحبة ورواية. مولده قبيل الهجرة.
وفيها، في قول، عمرو بن سلمة الجرمي البصري الذي صلى بقومه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . ويقال له صحبة.
وفيها توفي أسير بن جابر بالعراق، وله أربع وثمانون سنة.
عمرو بن سلمة الهمداني. سمع علياً وابن مسعود. ولم يخرجوا له في الكتب الستة شيئاً. وهو مقل.
وفيها توفي عبد الله بن عامر بن ربيعة العتري حليف آل عمر بن الخطاب. ولد سنة ست من الهجرة. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً ليس بمتصل. خرجه أبو داود. وله عن الصحابة.
سنة ست وثمانين
فيها ولي قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان وافتتح بلاد صاغان من الترك صلحاً.
وفيها توفي أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان نزيل حمص.
وقد قال: كنت يوم حجة الوداع ابن ثلاثين سنة فيكون عمره مئة وست سنين.
وافتتح مسلمة بن عبد الملك حصنين من بلاد الروم.
وفيها، وقيل سنة ثمان،عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي. وهو آخر الصحابة موتاً بالكوفة. وآخر من شهد بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص القرآن. ولا يدخل أحد منهم النار بنص السنة.
وفيها، على الصحيح، وقيل سنة ثمان أيضاً، عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي. آخر الصحابة موتاً بمصر.
وفيها قبيصة بن ذؤيب الخزاعي المدني الفقيه بدمشق. روى عن أبي بكر وعمر.
قال مكحول: ما رأيت أعلم منه.
وقال الزهري: كان من علماء الأمة.


وفي شوال مات الخليفة أبو الوليد عبد الملك بن مروان، وله ستون سنة. وكانت خلافته المجتمع عليها من بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأشهراً. وكان أبيض، طويلاً، كبير العينين، مشرف الأنف، رقيق الوجه، ليس بالبادن. عدة أبو الزناد في الفقيه في طبقة ابن المسيب.
وقال نافع: لقد رأيت أهل المدينة وما فيها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك.
سنة سبع وثمانين
فيها استعمل الوليد على المدينة عمر بن عبد العزيز، إلى أن عزله سنة ثلاث وتسعين بأبي بكر بن حزم.
وفيها كانت ملحمة هائلة بناحية بخارا بين قتيبة والكفار. ونصر الله الإسلام.
وفيها فتحت سردانية من المغرب.
وفيها ابتدأ بنيان جامع دمشق. ودام العمل والجد والاجتهاد في بنائه وزخرفته أكثر من عشر سنين. وكان فيه اثنا عشر ألف صانع.
وفيها توفي بحمص صاحب النبي صلى الله عليه وسلم عتبة بن عبد السلمي، وله أربع وتسعون سنة.
وفيها توفي المقدام بن معدي كرب الكندي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن إحدى وتسعين سنة. مات بحمص أيضاً.
سنة ثمان وثمانين
فيها زحفت الترك وأهل فرغانة والصغد وعليهم ابن أخت ملك الصين في جمع لم يسمع بمثله. فيقال: كانوا مائتي ألف. فالتقاهم قتيبة بن مسلم فهزمهم.
وفيها اقتتلت الروم في جمع عظيم. فالتقاهم مسلمة فكسرهم أيضاً. فلله الشكر والمنة. وافتتح مسلمة حرثومة وطوانة.
وفيها توفي عبد الله بن بسر المازني بحمص. فكان آخر من مات بالشام من الصحابة.
سنة تسع وثمانين
فيها جهز موسى بن نصير ولده عبد الله. فافتتح جزيرتي ميورقة ومنورقة.
وجهز ولده الآخر مروان فغزا السوس الأقصى. وبلغ السبي أربعين ألفاً.
وغزا مسلمة عمورية. فالتقى الروم وهزمهم.
وفيها توفي على الصحيح عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير العذري المدني. مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ودعا له. فوعى ذلك. وسمع من عمر.
سنة تسعين
فيها غزا قتيبة وردان خداه الغزوة الثانية. فاستصرخ عليه بالترك، فالتقاهم قتيبة وكسرهم.
وفيها غزا مسلمة سورية وافتتح الحصون الخمسة.
وفيها غدر ملك الطالقان واستعان بترك طرخان على قتيبة. ثم ظفر قتيبة بأهل الطالقان فقتل منهم صبراً مقتلة لم يسمع بمثلها. وصلب منهم سماطين طول كل سماط أربعة فراسخ في نظام واحد.
وفيها ولي مصر قرة بن شريك. وكان جباراً ظالماً.
وفيها توفي أبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي الكوفي والد قابوس.
وفيها، على الأصح، خالد بن يزيد بن معاوية الأموي الدمشقي وكان موصوفاً بالعلم والدين والعقل.
وفيها عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري المدني الفقيه.
وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري مفتي أهل مصر في وقته، وعلى عقبة بن عامر تفقه.
سنة إحدى وتسعين
فيها عزل الوليد عمه محمداً عن الجزيرة وأذربيجان وإرمينية وولى عليها أخاه مسلمة. فغزا مسلمة في هذا العام إلى أن بلغ الباب الحديد وافتتح حصوناً ومدائن.
وافتتح فيها قتيبة عدة مدائن بما وراء النهر. وأوطأ الكفار ذلاً وخوفاً. وحمل إليه طرخون القطيعة.
وفيها توفي، وقيل في سنة ثمان وثمانين، السائب بن يزيد الكندي ابن أخت نمر بالمدينة. وقال: حج بي أبي مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين. ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه.
وفيها توفي أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري وقد قارب المئة. وهوآخر من مات بالمدينة من الصحابة.
سنة اثنتين وتسعين
فيها افتتح إقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى فتحه في سنة ثلاث.
وفيها توفي مالك بن أوس بن الحدثان النصري المدني. أدرك الجاهلية، ورأى أبا بكر.
وفيها توفي إبراهيم بن يزيد التيمي الكوفي، ولم يبلغ الأربعين. روى عن عمرو بن ميمون الأزدي وجماعة.
سنة ثلاث وتسعين
فيها افتتح قتيبة عدة فتوح وهزم الترك. ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المنجنيق فجاءت نجدة الترك، فأكمن لهم كميناً فالتقوا في نصف الليل. فاقتتلوا قتالاً عظيماً، ولم يفلت من الترك إلا اليسير.


وافتتح سمرقند صلحاً وبنى بها الجامع والمنبر. وأما الباهليون فيقولون: صالحهم على مئة ألف فارس، وعلى بيوت النار، وعلى حلية الأصنام فسلبت. ثم وضعت قدامه فكانت كالقصر العظيم يعني الأصنام. فأمر بتحريقها. ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال واستعمل على البلد ابنه عبد الله. ورد إلى مرو.
وفيها كانت الفتوح بأرض المغرب والأندلس وبأرض الروم وبأرض الهند. ولم يفتتح المسلمون منذ خلافة عثمان مثل هذه الفتوح التي جرت بعد التسعين شرقاً وغرباً. فلله الحمد والمنة.
وفيها توفي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو حمزة أنس ابن مالك بن النضر الأنصاري. قاله حميد الطويل وابن علية وجماعة.
وقال شعيب بن الحبحاب: توفي سنة تسعين.
وقال قتادة والهيثم بن عدي: سنة إحدى وتسعين.
وقال الواقدي وغيره: سنة اثنتين. وقدم النبي صلى الله عليه وسلم وله عشر سنين.
وفيها توفي بلال بن أبي الدرداء. يروي عن أبيه وقد ولي إمرة دمشق.
وفيها أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة.
قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء لأوسعهم علماً عما في كتاب الله.
وفيها على الصحيح، وقيل سنة تسعين، أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي، مولاهم، البصري المقرئ المفسر. وقد دخل على أبي بكر، وقرأ القرآن على أبي.
قال أبو العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير وقريش أسفل.
وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.
وفيها زرارة بن أوفى العامري أبو حاجب، قاضي البصرة. قرأ في الصبح: " فإذا نقر في الناقور " فخر ميتاً.
وفيها عبد الرحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني. ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن الصحابة. وولي قضاء المدينة.
وعن الأعرج، قال: ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.
سنة أربع وتسعين
فيها غزا قتيبة بن مسلم فرغانة فافتتحها بعد قتال عظيم، وبعث جيشاً فافتتحوا الشاش.
وفيها افتتح مسلمة من أرض الروم سندرة.
وفيها توفي أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي المدني الفقيه. أحد الأعلام. قاله جماعة.
وقال ابن المديني وغيره: توفي سنة ثلاث. وولد في أثناء خلافة عمر.
قال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: ما رأيت أعلم من ابن المسيب.
وقال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. وهو عندي أجل التابعين.
وقال أحمد العجلي: كان لا يأخذ العطاء، وله أربع مئة دينار يتجر بها في الزيت.
وقال مسعر، عن سعد بن إبراهيم: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر مني.
وفيها توفي أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني الفقيه الحافظ. ولد في سنة تسع وعشرين، وحفظ عن والده، وكان يصوم الدهر، ومات وهو صائم. وكان يقرأ كل يوم ربع الختمة في المصحف، ويقوم الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله. وكانت وقع فيها الأكلة فنشرها.
قال الزهري: رأيت عروة بحراً لا ينزف.
وفيها توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول قاله يحي بن عبد الله ابن حسن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي. وولد سنة ثمان وثلاثين بالكوفة أو سنة سبع.
قال الزهري: ما رأيت أحداً أفقه منه لكنه قليل الحديث.
وقال أبو حاتم الأعرج: ما رأيت هاشمياً أفضل منه.
وعن سعيد بن المسيب قال: ما رأيت أورع منه.
وقال مالك: إن علي بن الحسين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات. قال: وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
وقال غيره: كان عبد الملك يحبه ويحترمه. وكان يوم مقتله والده مريضاً.
فقال عمر بن سعد: لا تتعرضوا لهذا المريض.
قلت: مناقبه كثيرة من صلواته وخشوعه وحجه وفضله رضي الله عنه .
وفيها توفي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني الفقيه. استصغر يوم الجمل، فرد هو وعروة.
وكان يقال له راهب قريش، لعبادته وفضله، وكان مكفوفاً. وهو أحد الفقهاء السبعة.
وفيها، وقيل سنة أربع ومئة، توفي أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. أحد الأئمة الكبار.
قال الزهري: أربعة وجدتهم بحوراً: عروة، وابن المسيب، وأبو سلمة، وعبيد الله.


وفيها تميم بن طرفة الطائي الكوفي. ثقة له عدة أحاديث.
سنة خمس وتسعين
فيها قلع الله الحجاج بن يوسف الثقفي الطائفي في ليلة مباركة على الأمة ليلة سبع وعشرين من رمضان، وله خمس وخمسون سنة أو دونها. وكان شجاعاً مقداماً مهيباً داهية فصيحاً مفوهاً بليغاً سفاكاً للدماء. تولى الحجاز سنتين، ثم العراق عشرين سنة.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن أبيه وسعد وجماعة.
وفي شعبان قتل الحجاج، قاتله الله، سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم، الكوفي المقرىء، الفقيه المفسر أحد الأعلام. وله نحو من خمسين سنة.
وفيها توفي مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري الفقيه العابد المجاب الدعوة. روى عن علي وعمار.
وفيها توفي حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. سمع من خاله عثمان وهو صغير. وكان عالماً فاضلاً مشهوراً.
وفيها توفي إبراهيم بن يزيد النخعي الإمام أبو عمران فقيه العراق، كهلاً. أخذ عن علقمة، والأسود، ومسروق. رأى عائشة وهو صبي.
سنة ست وتسعين
يقال فيها توفي عبد الله بن بسر المازني بحمص. ورخه عبد الصمد بن سعيد. وقد مر.
وفيها قلع الله قرة بن شريك القيسي أمير مصر. وكان عسوفاً ظالماً.
قيل كان إذا انصرف من بناء جامع مصر دخله ودعا بالخمر والملاهي، ويقول: لنا الليل ولهم النهار.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بمصر، وعثمان بن حبان بالحجاز امتلأت والله الأرض جوراً.
وفيها في جمادى الآخرة توفي الخليفة أبو العباس الوليد بن عبد الملك. وكان دميماً، سائل الأنف، يتبخر في مشيته، وأدبه ناقص، حتى قيل إنه قرأ في الخطبة فقال " يا ليتها كانت القاضية " ودخل عليه أعرابي فقال: من ختنك؟ فقال: المزين. فقيل: إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك؟ قال: نعم فلان.
لكنه كان مع ظلمه كثر التلاوة للقرآن. قيل إنه كان يختم في ثلاث، ويقرأ في رمضان سبع عشرة ختمة.
ورزق سعادة عظيمة في أيامه فأنشأ جامع دمشق.
وافتتحت في أيامه الهند والترك والأندلس. وكان كثير الصدقات. جاء عنه أنه قال: لولا ذكر الله آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعله.
وفي أواخرها قتل قتيبة بن مسلم بخراسان. وقد وليها عشر سنين.
قال خليفة: خلعه سليمان بن عبد الملك فقتلوه.
قلت: كان بطلاً شجاعاً. هزم الكفار وغير مرة، وافتتح عدة مدائن.
سنة سبع وتسعين
فيها توفي سعيد بن جابر المدني صاحب أبي هريرة.
والفقيه طلحة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة. وهو أحد الطلحات الموصفين بالجود. روى عن عثمان وغيره.
وفيها، أو في سنة ثمان، توفي قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي، وقد جاوز المئة. سمع أبا بكر وطائفة من البدريين، وكان من علماء الكوفة.
وفيها، أو في سنة ست، محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي. قال البخاري: له صحبة. وذكره مسلم وغيره في التابعين.وله عدة أحاديث حكمها الإرسال.
وحج بالناس خليفتهم سليمان بن عبد الملك. فتوفي معه بوادي القرى أبو عبد الرحمن موسى بن نصير الأعرج، الأمير الذي افتتح الأندلس وأكثر المغرب. وكان من رجال العالم حزماً ورأياً وهمةً ونبلاً وشجاعةً وإقداماً.
سنة ثمان وتسعين
فيها غزا المسلون قسطنطينية، وعلى الناس مسلمة.
وفيها افتتح يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان.
وفيها توفي أبو عمرو الشيباني الكوفي، واسمه سعيد بن إياس، عن مئة وعشرين سنة. وكان يقرىء الناس بمسجد الكوفة، روى عن علي وابن مسعود.
وفيها أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية الهاشمي المدني. وهو الذي أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وصرف الشيعة إليه ورفع إليه كتباً وأسر إليه أشياء.
وفيها، أو في التي بعدها، عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه العابد. أدرك عمر، وسمع من عائشة.
وفيها، على الصحيح، توفي عبيد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني. أحد الفقهاء السبعة ومؤدب عمر بن عبد العزيز.
وفيها كريب مولى ابن عباس. وكان كثير العلم كبير السن والقدر.
قال موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب عدل بعير من كتاب ابن عباس.
وفيها عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية الفقيهة، وكانت في حجر عائشة فأكثرت عنها.
سنة تسع وتسعين


فيها توفي محمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي المدني. وقد عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بئر في دارهم، وله أربع سنين.
ونافع بن جبير بن مطعم النوفلي المدني. وكان هو وأخوه محمد من العلماء. ولنافع رواية عن الزبير والعباس، وكان محمد من علماء قريش وأشرفهم. توفي قريباً من أخيه.
وفيها، إن شاء الله، توفي عبد الله بن محيريز الجمحي المكي نزيل بيت المقدس وكان عابد الشام في زمانه.
قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر فإنا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز. وإن كنت لأعد بقاءه أماناً لأهل الأرض.
وفي عاشر صفر توفي الخليفة ابو أيوب سليمان بن عبد الملك الأموي، وله خمس وأربعون سنة. وكانت خلافته أقل من ثلاث سنين. وكان فصيحاً فهماً محباً للعدل والغزو، عالي الهمة. جهز الجيوش لحصار القسطنطينية وسار فنزل على قنسرين رداءاً لهم. وقرب ابن عمه عمر بن عبد العزيز وجعله وزيره ومشيره، ثم عهد إليه بالخلافة. وكان أبيض، مليح الوجه مقرون الحاجبين، يضرب شعره منكبيه.
سنة مئة
وفيها توفي أبو أمامة أسعد بن سهل بن جنيف الأنصاري المدني، واسمه أسعد، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. روى عن عمر وجماعة. وكان من علماء المدينة.
وفيها، وقيل في سنة عشر ومئة، أبو الطفيل عامر بن وائلة ابن الأسقع الكناني الليثي. وهو آخر من من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا. وكان من شيعة علي، ترك الكوفة وتوفي بمكة.
وفيها بسر بن سعيد المدني الزاهد العابد المجاب الدعوة. روى عن عثمان وزيد بن ثابت. وولاؤه لبني الحضرمي.
وفيها وقيل بعدها بعام أو قبلها، سالم بنُ أبي الجعد الكوفي من مشاهير المحدثين.
وفيها خارجة بن زَيد بن ثابت الأنصاري المدني المفتي. أحد الفقهاء السبعة. وتفقه على والده. وفيها أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل بالبصرة. وكان قد أسلم وأدى الزكاة إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم. وحجَ في الجاهلية. وعاش مئة وثلاثين سنة، وصحب سلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة.
وفيها شهر بن حوشب الأشعري الشاميّ. قرأ القرآن على ابن عباس. وكان عالماً كثير الرواية الحديث.
وفيها حنش بن عبد الله الصَّنعاني صَنعاءُ دمشق كان مع علي بالكوفة. ثم ولي عشور إفريقية. وروى عن جماعة.
وفيها مسلم بن يسار المكي ثم البصري. روى عن ابن عمر وغيره. وكان من عباد البصرة وفقهائها.
قال ابنُ عَون: كان لايفضل عليه أحد في ذلك الزمان.
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً فاضلاً عابداً وَرِعاً.
وفيها عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي. أحدُ أشراف قريش وحكمائها وعقلائها. روى عن أَبيه وجماعة.
سنة إحدى ومئة
في رجب توفي الامامُ العادلُ أميرُ المومنين وخامسُ الخلفاء الراشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي بدير سمعان من أرض المعرة وله أربعون سنة. وكانت خلافته سنتين وخمسة أَشهر. كمثل خلافة الصديق. وكان أَبيض جميلاً، نحيفَ الجسم، حسن الحية، بجبهته أثر حافر فرس، شجه وهو صغير. فكان يقال له أشجُّ بني أمية. وحفظ القرآن في صغره فبعثه أبوه من مصر، فتفَقه بالمدينة حتى بلغ رتبة الاجتهاد. ومناقبُه كثيرة رضي الله عنه. وجدُّه لأُمه عاصم بن عمر بن الخطاب.
وفيها توفي أبو صالح السمان ذكوان، صاحب أَبي هريرة. قال أحمد بن حنبل: كان ثقةَ من أجل الناس.
وفيها أو في سنة مئة، ربعي بن حراش أَحد علماء الكوفة وعبادها. وقد شهد خطبة عمر بالجابية. قيل إِنه لم يكذب قط. رحمه الله عليه. وكان قد آلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أَو في النار.
وفيها مقسم مولى ابن عباس. ولم يكن مولاه بل مَولى عبد الله بن الحارث بن نَوفَل، وأضيف إلى ابن عبّاس لملازمته له.
وفيها محمد بن مروان بن الحكم الأمير، والد الخليفة مروان. وكان بطلاً شجاعاً شديد البأس. له عدة مصافات مع الروم. وكان متولي الجزيرة وغيرها.
وفيها وقيل في سنة خمس وتسعين، الحسنُ بن محمد بن الحنفية الهاشمي العلوي ورد أنه صنف كتاباً في الإرجاء ثم ندم عليه. وكان من عقلاء ِبني هاشم وعلمائهم.
وفيها استعمل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على إمرة العراقين، وامره بمحاربة يزيد بن المهلب، وكان قد خرج عليه، فحاربه حتى قتل في السنة الآتية.


وممن توفي بعد المئة: ابراهيم بن عبد الله بن حنين المدني، له عن أبي هريرة.
وابراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس الهاشمي المدني، له ابن عباس،وميمونة.
وعبد الله بن شقيق العقيلي البصري، سمع من عُمر والكبار.
والقطامي الشاعر المشهور.
ومُعاذةْ العدوية الفقيهة العابدة بالبصرة. وعراك بن مالك المدني.
ومُورق العجلي.
وبشير بن يسار المدني الفقييه.
وأبو السوار العدويّ البَصري الفقيه، صاحب عمران بن حنين.
وعبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري.
وابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله.
وحفصة بنت سيرين الفقيهة العابدة.
وعائشة بنت طلحة التيمية التي أصدَقَها مصعبُ بن الزبير مئة ألف دينار.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة أول من ولد بالبصرة.
ومعبد بن كعب بن مالك.
وذو الرمة الشاعر المشهور.
وأبو الأشعث الصنعاني الشامي.
وزيادٌ الأعجم الشاعر.
وسعد بن أبي هند.
وأبو سلام ممطور الحبشي الأسود.
وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري القاضي.
سنة اثنتين ومئة
كان يزيد بن المهلب بن أبي صُفرةَ أمير الصلاة لسليمان. فولي عمر، فعزله وسجنه. فلما توفي عمر أخرجه خواصه من السجن. وتوثب على البصرة، وفرّ منه عاملها.عدي بن أرطاة الفَزَاري. ونصب يزيد رايات سوداً وتسمى بالقحطاني، وقال: أدعو إلى سيرة عمر بن الخطاب. فجاء مسلمة وحاربه. ثم قتل في صفر. وكان جواداً ممدحَاً كثير العزو والفتوح.
وفيها توفي بخراسان الضحاك بن مزاحم الهلاليَ صاحب التفسير.
وثقه الامام أحمد وغيره. وورد أنه كان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي. وكان يركب حماراً ويدور عليهم إذا عيي.
وفيها توفي أبو المتوكل الناجي بالبصرة. واسمه علي بن داود.
روى عن عائشة وجماعة.
وفيها توفي افريقية أبو العلاء.
ولما قتل يزيد بن المهلب في المعركة عهد لابنه معاوية.
فأخرج من الجيش عدي بن أرطاة في جماعة فذبحهم صبراً.
سنة ثلاث ومئة
فيها توفي عطاءُ بن يسار المدني الفقيه. مَولى مَيمونة أم المؤمنين. ثقة إمام كان يقص بالمدينة. روى عن كبار الصحابة.
وفيها مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، عن نيف وثمانين سنة.
قال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير.
وعن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وقال لي ابن عمر: وددت أَن نافعاً يحفظ كحفظك.
قال سلمة بن كهيل: ما رأيت أَحداً أراد بهذا العلم وجه الله إلا عطاءً وطاوساً ومجاهداً.
وفيها مصعب بن سعد بن أبي وقاَص الزهري المدني. وكان فاضلاً كثير الحديث. روى عن علي والكبار.
وفيها موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي بالكوفة. روى عن والده وعثمان.
وقال أبو حاتم: هو أفضل إخوته بعد محمد. وكان يسمى في زمانه المهدي.
وفيها مقرئ الكوفة يحيى بن وثاب الأسدي، مولاهم. أَخذ عن ابن عباس وطائفة.
قال الاعمش: كنت إذا رأَيته قد جاء قلتُ: هذا قد وقف للحساب. كان يعدد ذنوبه رحمه الله. وفيها يزيد بن الأصم العامري ابن خالة ابن عباس. نزل الرقة. وروى عن خالته ميمونة وطائفة.
سنة أربع ومئة
فيها وقعة بهرازان دون الباب بفرسخين. التقى المسلمون وعليهم الجراح الحكمي هم والخاقان. فهزموه بعد قتال عظيم. وقتل خلق من الكفار.
وفيها توفي خالد بن معدان الكلاعي الحمصي الفقيه العابدْ. سمعه صفوان يقول: لقيت سبعين من الصحابة. وقال يحيى بن سعيد: ما رأيتُ ألزم للعلم منه.
وقال الثوري: ما أقدم عليه أحداً.
وروي عنه أَنه كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة.
وفيها، وقيل قبل المئة، عامر بن سعد بن أبي وقاص الزُهري، أحد الإخوة التسعة. وكان ثقةَ كثير العلم.
وفيها، وقيل سنة ثلاث، الحبر العَلاَمة أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الكوفي، عن بضع وثمانين سنة. وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء.
وقال ابن المديني: ابن عباس في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، والشعبي في زمانه.
وفيها، وقيل في سنة سبع، أبو قلابة الجرمي عبد الله بن زيد البصري الإمام. وقد طُلب للقضاء فهرب. وقدم الشام فنزل بدارَيا. وكان رأساً في العلم والعمل. سمع من سمرة وجماعة. وفيها أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، قاضي الكوفة وأحد الأئمة. لقي علياً والكبار.
سنة خمس ومئة


في رمضان التقى الجراحِ الحكَمي وخاقان ملك الترك. ودام الحرب أياماً، ثم نصر الله دينه، وهزم الترك شر هزيمة. وكان المصاف بناحية إرمينية.
وفيها غزا الرومَ عثمانْ بن حيان المري الذي ولي المدينة للوليد بن عبد الملك. وكان ظالماً، يقول الشعر على المنبر في خطبته. وقد روى له مسلم.
وفي شعبان توفي الخليفة أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان.
وجدُّه لأمه يزيد بن معاوية. عاش أربعاً وثلاثين سنة. وَولي أربع سنين وشهراً. وكان أبيض جسيماً مدور الوجه.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلَم: لما استخلفَ قال: سيروا سيرة عمر ابن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لاحساب عليهم ولا عذاب.
وفيها، على الأصح، أبو رجاء العطاردي، بالبصرة، عن مئة وعشرين سنة أو أقل. واسمه عمران بن ملحان. أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عن عمر وطائفة.
وفيها المسيب بن رافع الكوفي. سمع البراء وجماعة.
وفيها عمارة بن خزيمة بن ثابت. روى عن أبيه ذي الشهادتين وجماعة يسيرة. وهو مدني. وفيها توفي الأخوان عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب. وكان عبد الله وصي أبيه. وروايتهما قليلة.
وفيها سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، روى عن أبيه وعائشة وغيرهما.
وفيها أبان بن عثمان بن عفان الأموي المدني الفقيه. روى عن أبيه. قال ابن سعد: كان به صمم ووضح كثير. وأصابه فالج قبل موته بسنة.؟
سنة ست ومئة
فيها استعمل هشام بن عبد الملك على العراق خالد بن عبد الله القسري فدخلها وقبض على متوليها عمر بن عبد الله القسري. فدخلها وقبض على متوليها عمر بن هبيرََة الفزاري وسجنه. فعمد غلمانه فنقبوا سرباً إلى السجن أخرجوه منه. وهرب إلى الشام. وأجاره مسلمة بن عبد الملك. مات قريباً من ذلك.
وفيها غزا المسلمون فرغانة والتقوا الترك، فقتل في الوقعة ابن خاقان. وانهزموا ولله الحمد. وفيها غزا الجراح الحكَمي ووغل في بلاد الخزر. فصالحوه وأعطوه الجزية. وحج بالناس خليفتهم هشام.
وفيها توفي سالم بن عبد الله بن عمر العَدَوِي المدني الفقيهُ القدوة.
وكان شديد الأَدمة، خشن العيش، يلبس الصوف ويخدم نفسه.
قال مالك: ثم يكن في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الفضلِ والزهد منه.
قال أحمد وإسحاق: أصح الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه.
وفيها توفي طاوس بن كَيسان اليماني الجندي، أحَدُ الأعلام علماً وعملاً. أخذ عن عائشة وطائفة. توفي بمكة.
وفيها: قاله خليفةُ: أبو مجلز لاحق بن حُمَيد البصريّ. أحد علماء البصرة. لقِي كبارَ الصحابة كأَبي موسى وابن عباس.
قال هشام بن حبان: كان قليلَ الكلام، فإذا تكلم كان من الرجال.
سنة سبع ومئة
فيها عزل هشام الجرَاح بن عبد الله الحكَمي عن أذربيجان وإرمينية، واستعمل أخاه مَسلمةََ. فغزا وافتتح في رمضان قَيسارية عنوةً.
وفيها توفي سلَيمان بن يسار المدني أخو عطاء وهم عدة إخوة. وكان أحدَ الفقهاء السبعة. أخد عن عائشة وطائفة.
قال الحسن بن محمد بن الحنفية: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب.
وفيها عكرِمة بن عبد الله أبو عبد الله البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام. وقيل توفي في العام الماضي. وكان كثير التنقل في الأقاليم. دخل اليمن وخُراسان وَالمغرب. وكانت الأمراء تكرمه وتصله.
وقال عِكرِمة: طلبتُ العلم أربعين سنة.
وفيها وقيل سنة خمسٍ عطاءُ بن يزيد الليثِي المدنيّ، صاحبُ نميم الداري.
وفيها، وقيل في سنة ثمان، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيميّ المدني، الإمام.
نشأ في حجر عمته عائشة فأكثر عنها.
قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحداً نفضله بالمدينة على القاسم.
وعن أبي الزناد قال: ما رأيت فقيهاً أَعلم منه.
وقال ابن عيينة: كان القاسم أفضل أهل زمانه.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان أمر الخلافة إلي لما عدلت عن القاسم.
قلت: لأن سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بالخلافة وليزيد من بعده.
وفيها مات كثير عزة، أبو صخر الخزاعي المدني الشاعر المشهور.
كان شيعياً غالياً يؤمن بالرجعة.
سنة ثمان ومئة
فيها غزا أسد بن عبد الله القسرِِيّ أمير خراسان فالتقاه الغوز في جمع عظيم فهزمهم.


وفيها زحف ابن خاقان إلى اذربَيجان وحاصر مدينة ديان كذا ونصَب عليها المجانيق. فساد إليه المسلمون فهزموه، وقتلوا من جيشه خلقاً، ولكن استشهد أميرهم الحارث بن عمرو.
وفيها توفي أبو عبد الله بَكرُ بن عبد الله المُزَني البصري الفقيه. روى عن المغيرة بن شعبة وجماعة. وقيل توفي سنة ست.
وفيها، وقيل سنة تسع، أبو نضرة العبدي. واسمه المنذر بن مالك. أحد شيوخ البصرة.أدرك علياً وطلحة والكبار.
وفيها يزيد بن عبد الله بن الشخير البصري، أخو مطَرِّف. كان جليل القدر ثقة مشهوراً. لقي عمران بن حصين وجماعة. وعاش نحواً من تسعين سنة. وقيل بقي إلى سنة إحدى عشرة. وفيها. وقيل في سنة سبع عشرة، محمد بن كعب القرظي الكوفي المولد والمنشإ، ثم المدني. روى عن كَبار الصحابة. وبعضهم يقول: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان كبير القدرِ، موصوفاً بالعلم والورع والصلاح.
سنة تسع ومئة
فيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام فافتتح حصين القطاسين كذا. وفيها توفي أبو نجَيح يسار المكيّ، مولى ثقيف ووالد عبد الله بن أبي نجيح. روى عن أَبي سعيد وجماعة.
قال أحمد بن حنبل: كان من خيار عباد الله.
وفيها أبو حَرب بن أبي الأسود الدّؤلي البصري. روى عن عبد الله ابن عمر وجماعة.
سنة عشر ومئة
فيها افتتح معاوية ولد هشام قلعتين من أرض الروم.
وفيها كانت وقعة الطين التقى مسلمة وطاغية الخزر بقرب باب الأبواب. فاقتتلوا أياماً كثيرةَ. ثم كان النصر ولله الحمد في جُمادى الآخرة.
وفيها كانت وقعة بالمغرب أسر فيها بطريقُ المشركين.
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وكان يُسمى أسد قُريش. روى عن عائشة وجماعة. وولي خراجَ الكوفة لابن الزبير.
وفيها في شوال محمد بن سيرين أبو بكر، شيخ البصرة مع الحسن. سمع عمران بن حصين، وأبا هريرَة، وطائفة.
قال أيوب: أريدَ للقضاء َففَر إلى الشام وإلى اليمامة.
وقال مؤرق العجلي: ما رأَيت أفقه في ورعه من محمد بن سيرين.
وقال هشام بن حبان: حدثني أصدق من رأَيتُ من البشر محمد بن سيرين.
قال ابن عَون: لم أرَ مثل محمد بن سيرين. وكان الشعبِيّ يقول: عليكم بذاك الأصم، يعني ابن سيرين.
وتوفي قبله بمئة يوم الحسن بن أَبي الحسن البصري أبو سعيد، إمامُ أهل البصرة وَحَبر زمانه. وْلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. وسمع خطبةَ عثمان، وشهد يوم الدار وشهرتُه تغني عن التعريف به.
قال ابن سعد في الطبقات: كان جامعاً عالماً رفيعاً. فقيها حجة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً رحمه الله.
وفيها توفي بمكة أبو الطفيل عامر بن واثلة. قاله جرير بن حازم. وقد مر سنة مئة.
وفيها توفي نعيم بن أبي هند الأشجعي الكوفي، وهو أقدم شيخ لشعبة. ولأبيه صحبة.
وفيها توفي الفرزدق وجرير شاعر العصر.
سنة إحدى عشرة ومئة
فيها عُزل مسلمة عن أَذرَبيجان وأعيد الجراح الحكَمي. فافتتح مدينة البيضاء التي للخزر. فجمع ابن خاقان جمعاً عظيماً وساق فنازل أردبيل.
وفيها توفي عطِيّة بن سعد العوفي الكوفي. روى عن أبي هرَيرة وطائفة. وقد ضربه الحجاج أَربع مئة سوط على أن يشتم علياً رضي الله عنه فلم يفعل. وهو ضعيف الحديث.
وفيها توفي القاسم بن مخيمرَة الهمداني الكوفيّ نزيلُ الشام. روى عن أبي سعيد وعلقمة. وكان عالماً نبيلاً زاهداً رفيعاً.
سنة اثنتي عشر ومئة
وفيها سار مسلمة في شدة البرد والثلج في بلاد الترك حتى جاوز الباب. وافتتح مدائن وحصوناً.
وافتتح معاوية بن هشام خرشنة من ناحية ملطية.
وفيها زحف الجراح الحكمي من برذعة إلى ابن خاقان وهو محاصر أردبيل. فالتقى الجمعان واشتد القتال، فكسر المسلمون وقتل الجراح الحَكمي اليماني رضي الله عنه. وغلبت الخزر لعنهم الله على اذربَيجان. وبلغت خيولهم إلى الموصل. وكان بأساً شديداً على الإسلام. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروى أبو مسهر عن رجلٍ أن الجراح قال: تركت الذنوب حياءً أربعين سنة. ثم أدركني الورع وكان من قراءِ أهل الشام.
وقال غيره: ولي الجراح خراسان لعمر بن عبد العزيز.
وكان إذا مر بجامع دمشق يميل رأسه عن القناديل من طوله.
وفيها غزا الأشرس السلمي فَرْغَانَةَ، فاحاطت به التركُ.


وفيها أخذت الخَزَزُ أردَبيل بالسيف. فبعث هشام إلى أذربيَجان سعيدَ بن عمرو الجرشي. فالتقى الخزر وهزمهم واستنقذَ شيئاً كثيراً وغنائم ولَطفَ الله.
وفيها توفي أبو المقدام رجاء بن حيْوة الكندِي الشامي الفقيه.
روى عن معاوية وطبقته. وكان شريفاً نبيلاً. كامل السؤدد.
قال مطر الوراق: ما رأيت شاميا أفقه منه.
وقال مكحول: هو سيد أهل الشام في أنفسهم.
وقال مسلَمة: الأمير في كندة رجاء بن حَيوة. وعبادةُ بن نسَي، وعدي بن عدي. إن الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء.
وفيها القاسم أبو عبد الرحمن الدمشقي الفقيه. مولى آل معاوية.
قال أبو إسحاق الجوزجاني: كان خياراً فاضلاً. أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار.
وفيها طلحة بن مصرف اليامي الهمداني الكوفي. وكان يسمى سيد القراء.
قال أَبو معشر: ما ترك بعده مثله.
قلتُ: وكان يقدَم عثمان. وكان أقرأ أَهل الكوفة. فبلغه إجماعُهم على ذلك فذهب يقرأ على الأعمش رفيقه لتنزل رتبته في أعينهم. سمع عبد الله بن أبي أوفَى وصغار الصحابة، ومات كهلاً.
سنة ثلاث عشرة ومئة
فيها التقى المسلمون والترك بظاهر سمرقَند. فاستشهد أميرهم وعامة أصحابه. وهو الأمير َسوْرَةُ بن أَبجر الدارمي عامل سمرقند. ثم التقاهم الجُنيد المرّي فهزمهم.
وفيها أعيدَ مَسْلَمة إلى ولاية أذربيجان وإرمينية. فالتقى خاقان. واقتتلوا قتالاً عظيماً وتحاجزوا، ثم التقوا بعدها فانهزم خاقان.
وفيها غزا المسلمون وهم ثمانية آلاف وعليهم مالك بن شبيب الباهلي فوغل بهم في أرض الروم فحشدوا لهم، والتقوا. فانكسر المسلمون وقتل أميرهم مالك. وقتل معه عبد الوهاب بن بخت مولى بني مروان. وكان موصوفاً بالشجاعة والإقدام. روى عن ابن عمر وأنس. ووثقه أبو زرعة. وكان معه الأمير أبو محمد البطال، ويقال أبو يحيى، واسمه عبد الأنطاكي. أحد الشجعان الذين يضرب بهم المثل. وله مواقف مشهودة. وكان طليعةَ جيش مسلمة. وله اخبارٌ في الجملة. لكن كذبوا عليه، وحملوه من الخرافات والكذب ما لا يحد ولا يوصف.
وفيها توفي فقيه الشام أبو عبد الله مكحوِل مَولى بني هذيل.
أرسل عن طائفة من الصحابة، وسمع من واثِلَة بن الأسقع، وأَنس، وأبي أمامة الباهلي، وخلق. قال ابن إسحاق: سمعته يقول: طفت الأرض في طلب العلم.
وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول.
وقال سعيد بن عبد العزيز: أعطوا مكحولاً مرة عشرة آلاف دينار، فكان يعطى الرجل خمسين ديناراً.
وقال الزّهري: العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولاً.
وفيها توفي ابو إياس معاوية بن قرّة المدني البصريّ عن ثمانين سنة. وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابياً.
وفيها توفي يوسف بن ماهَك المكيّ. روى عن عائشة وجماعة. وقد لقيه ابن جُرَيْج وغيره.
سنة أربع عشرة ومئة
فيها عُزل مسلَمَةُ عن أذربَيْجَان والجزيرة، ووليها مروان الحمار. فسار مروان حتى جاوز نهر الروم. فأغار وقتَل وسبى خلقاً من الصقالبة.
وفي رمضان على الأصَحّ، وقيل في سنة خمس عشرة، توفي فقيهُ الحجاز الإمامُ أبو محمد عَطَاءُ بن أبي رباح، أسلم، المكيّ مولى قريش، عن سن عاليَة. وكان من مولدي الجند، أسودَ مُفَلفَلَ الشعر. سمع عائشة وأبا هُريرة وابن عباس.
قال أبو حنيفة: مارأيت أفضل منه.
وقال ابن جرَيج: كان المسجد فراش عَطاءٍ عشرين سنة. وكان من أحسن الناس صلاة.
وِقال الأوزاعيّ: مات عطاءٌ يَوم مات وهو أرضى أهلِ الأرض عند الناس.
وقال إسماعيلُ بن أمية: كان عطاءُ يُطيل الصّمت، فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يُؤيد كذا.
وقال غيره: كان لا يفترْ عن الذكر.
وفيها، وقيل في سنة سبع عشرة، علي بن رباح اللخميّ المصري، وهوِ في عشر المئة. حمل عن عدة من الصحابة، وَولي غزو إفريقية لعبد العزيز بن مروان. وكَان من علماء زمانه.
وفيها توفي السيد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر. وِلد سنة ست وخمسين من الهجرة. وروى عن أبي سعيد الخدري وجابر وعدة. وكان من فقهاء المدينة. وقيل له الباقر لأنَه بَقَرَ العلم، أي شقه وعرف أصله وخفيه.


وفيها أبو عبد الله وهب بن منَبه الصنعاني الحبر العلامةُ عن ثمانين سنه. روى عن ابن عباس وجماعة. وكان شديدَ العناية بكتب الأولين وأخبارِ الأمم وقصصهم، بحيث أنه كان يشبه بكعب الأَحبار في زمانه.
سنة خمس عشرة ومئة
فيها، وقيل في الماضية، الفقيه أبو محمد الحكم بن عتيبة الكوفي مولى كندة. أخذ عن أبي حجيفة السوائي وغيره. وتفقه على إبراهيم النخعي.
قال مَغيرة: كان الحكم إذا قَدم المدينة أخلوا له ساريةَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها. وقال الأوزاعي: قال لي عَبْدَةُ بن أبي لُبابة: هل لقيت الحكم؟ قلتُ: لا. قال: فاْلَقهُ فما بين لابتيها أفقه منه.
وفيها قاضي مرو أبوِ سهيل عبدالله بن ُبريْدَة الأسلمي عن مئة سنة. روى عن أبي موِسى وعائشة وطائفة.
وفيها توفي أبوِ يحيى عمير بن سعيد النخعي، وقد قارب المئة، أو جاوزها. وحديثه عن علي في الصحيحين. وهو أكبر شيخ لِمسْعَر.
وفيها تُوفي الُجنْيدُ بن عبد الرحمن المري الدمشقي الأمير على خراسان. والسند. وكان أحد الأجواد.
سنة ست عشرة ومئة
فيها توفي عدِيّ بن ثابت الأنصاري الكوفي، إِمام مسجد الشيعة وقاصهم. روىعن البَراء وطائفة.
وعَمْرُو بن مُرّة المرادي الكوفي الضرير. سمع ابن أبي أَوْفي وجماعة. وكان حجةً حافظاً.
قال مِسْعَر: ما أدركتُ أحداً أَفضل منه.
وفيها مُحارب بن دثار السدوسي قاضي الكوفة سمع ابن عمرُ وجابراً وطائفة.
سنة سبع عشرة ومئة
فيها جاشت الترك بخراسان وانضم إليهم الحارث بن أبي شريح الخارجي. فاقتتوا وجاوزوا نهر جيحون. وأغاروا على مرو الروذ. فسار إليهم أسد بن عبد الله القسري، فالتقَوا، ونصَر الله، وقتلهم المسلمون قتلاً ذريعاً.
وفيها افتتح مروان الحمار ثلاثةَ حصون، وأسر الملك تومان شاه، وبعث به إلى هشام.
فمن عليه وأعاده إلى ملكه.
وفيها توِفي أبو الحباب سعيد بن يسار المدني مولى ميمونة. روى عن عبد العزيز وجماعة. وفيها توِفي بالإسكندريّة عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج، صاحبُ أبي هريرة.
وفيها توفي عبدُ الله بن عبيد الله بن أبي ملَيكَة القرشي التيمي المدني،عن سن عالية. وقد ولى القضاء لابن الزبير. وكان مؤذن الحَرَم.
وفيها فقيه أهل دمشق عبد الله بن أبي زكريا الخزاُعي. وكان عُمر بن عبد العزيز يُجلسه معه على السرير.
قال أَبو مسهر: سيد أهل المسجد. قيل: بما سادهم؟ قال: بحسن الخلق.
قلتُ: أرسل عن أبي الدرداء، وعبادة. وهو ثقةٌ قليلُ الحديث.
وفيها، وقيل في سنة ثمان عشرة، الحافظ أبو الخطاب قَتَادة بن دعامة السدوسي. عالم أهل البصرة. روى معمر عنه.
قال: أقمتُ عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام. فقال لي في اليوم الثالث: ارتحل يا أعمى فقد أترفتني.
وقال قَتَادة: ما قلتُ لمحدث قطّ أعدهُ علي، وما سمعتُ شيئاً إِلا وعاه قلبي.
وقال فيه شيخُه ابن سيرين: قَتاَدة أحفظ الناس.
وقال مَعْمَر: سمعتُ قَتَادَة يقول: ما في القرآن آية إِلا وقد سمعتُ فيها شيئاً.
وقال أحمد: قل أن نجد من يتقدم قَتادة. كان عالماً بالتفسير، وباختلاف العلماء.
ويُقال فيها محمد بن كعب القرظي. ورّخه الواقديُّ والفلاس وقد مرّ.
وفيها موسى بن مروان بن وَرْدَان المصري القاضي. روى عن أبي هُرَيْرَة، وسعيد، وطائفة. وعاش نيفاً وثمانين سنة.
قال أبو حاتم: ليس به بأْس.
قلت: آخر أصحابه ضمَامُ بن إسماعيل.
وفيها توفي مَيْمونُ بن مِهْران الرقي أبو أيوب الفقيه، قاضي الجزيرة. و كَان من العلماء العاملين. روى عن عائشة وأبي هريرة وطائفة.
وفيها توفي فقيه المدينة أبو عبد الله نافع مولى ابن عمر.
قال عبيد الله بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز نافعاً إلى مصر يعلمهم السنن.
قلت: وقد روى نافع أيضاً عن عائشة وأبي هُرَيْرَة.
وفيها توفيت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص بالمدينة. وقد ِرأت ستاً مِن أمهات المؤمنين، وعاشت أربعاً وثمانين سنة.
وفيها توفيت سُكَيْنَة بنت الشهيد الحسين بن علي بالمدينة. وكانت من أجمل النساء. تزوّجها مُصْعَبُ بن الزبير.
سنة ثمان عشرة ومئة
يُقال فيها تُوفي أبو جعفر الباقر، ومكحول. وقد ذكِرا.


وفيها توفي علي بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب العباسي جدُّ الخلفاء، بأرض البلقاء. وولد ليلة قتل علي رضي الله عنه. وكان من أجمل قريش وأجلَها وأهيبها.
قال الأوزاعيّ وغيره: كان يسجدُ كل يَومٍ ألفَ سجدة. وقيل: كان يُقال له السجاد لكثرة صلاته. وفيها توفي عمرو بن شعيب. محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، أبو إبرهيم. روى عن زينب ربيبة النبي صلى الله عليه. فهو تابعيّ. وثقه يحيى بن مَعِين، وِابنُ راهُويَه. وهو حسنُ الحديث.
وفيها توفي عُبادة بن نسي الكندي قاضي طبرية.
وكان شريفاً جليل القدر، موصوفاً بالصلاح. روى عن شداد بن أوْس وجماعة.
وفيها في المحرم قارىء الشام أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقيّ. وله سبع وتسعون سنة. قرأ القرآن العظيم على المغيرة بن أبي شهاب، عن قراءته على عثمان. وقيل إنه قرأ على عثمان نفسه نصف القرآن.
وورد أيضاً أنه قرأَ على أبي الدّرْداء. وحدث عن فَضَالة بن عبَيد، والنّعمان ابن بشير وَولي قضاءَ دمشق رحمه الله.
وفيها عبد الرحمن بن جبيْر بن نفَير الحضرمِي الحمصي. وهو مُكْثرٌ عن أبيه وغيره. ولا أعلمه روى عن الصحابة. وقد رأى جماعة من الصحابة.
وفيها عبدُ الرحمن بن سابط الجمحِي المكيّ الفقيه. روى عن عائشة وجماعة.
وفيها معبد بن خالد الجدلي الكوفيّ القاص. روى عن جابر بن سمرة وجماعة.
وفيها أبو عشانة المعَافري حَيّ بن يومن بمصر. روى عن عُقبَة بن عامر وجماعة.
سنة تسع عشرة ومئة
فيها غزا مروان غزوة السانحة، فدخل من باب اللان، فلم يزل يسير حتى طلع من بلاد الخزر. ومر ببلَنجَر وسَمَندر، وانتهى إلى مدينة خاقان الترك فانهزم خاقان.
وفيها توفي إياس بن سَلََمَة بن الأكوع المدني. روى عن أبيه.
وفيها وقيل سنة اثنتين وعشرين، توفي حبيب بن أبي ثابت الكوفيّ، فقيه الكوفة ومفتيها. مع حَماد بن أبي سليمان، بل هو أكبر من حَمّاد وأجَل مكانةً. روى عن ابن عباسن، وابن عمر، وخَلْقٍ من التابعين.
وفيها فقيه دمشق سليمان بن موسى الأموي الأشدقُ. مولى بني أمية. روى عن أْبي أمامة، ووَاثلة، وطائفة.
قال سعيد بن عبد العزيز: كان أعلم أَهلِ الشام بعد مكحُول.
وقالَ ابن لَهيعة: ما لقيت مثله.
وفيها قَيْسُ بن سعد المكي صَاحبُ عطاء. وكان مفتي أهل مكة في وقته.
وفيها الأمير أبو شاكر مُعَاويةُ ولد الخليفة هشام بن عبد الملك. وكان أنبلَ أولاد أَبيه، جواداً مُمدحاً. وَلي الغزو مرات، وهو جد أمراء الأندلس.
سنة عشرين ومئة
فيها وقيل سنة ثمان عشرة. توفي أنس بن سيرين، أخوه محمد ابن سيرين، وله خمس وثمانون سنة. روى عن ابن عباسن وجماعة.
وفيها فقيهُ الكوفة أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان الأشعري، مولاهم. صاحبُ إبراهيم النخَعي. روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وطائفة. وكان سَرياً محتشماً، يفطر كل ليلة في رمضان خمس مئة إنسان.
وقال شُعْبَة: كان صَدُوقَ اللسان. وفيها توفي عاصم بن عُمر بن قَتَادَة بن النعمان الأنصاري، شيخُ محمد بن إسحاق. وكان إخباريا علامةَ بالمغازي. يروي عن جابر وغيره.
وفيها توفي قارىء أهل مكة أبو معبد عبد الله بن كثير الطائي مولاهم، الفارسي الأَصل، الداري العطّار. قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مُجاهد، وحدث عن ابن الزبير وغيره.
وفيها توفي سيدُ أهل الجزيرة عَديُّ بن عدي بن عُمَيْرة الكندي الأمير. وكان فقيهاً ناسكاً كبير الشأْن. ولأبيه صُحبة.
وفيها توفي عَلْقَمَةُ بن مَرثَد الحَضرمي الكوفيّ. وكَان ثبتاً في الحديث. روى عن طارق بن شهاب، ولطارق صُحبَة ما.
وفيها توفي قيس بن مسلم الجدلي الكوفي. صاحب طارق، ويَقال إنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ زمنان تعظيماً لله.
وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني الفقيه. روى عن أسامة بن زيد، وأبي سعيد وطائفة وجده من المهاجرين.
وفيها توفي واصل الأحدبُ الكوفي. يروي عن أبي وائل وطبقته.
وفيها توفي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزام الأنصاري قاضي المدينة. عن نيف وثمانين سنة. ويقال: كان أعلم أهلِ المدينة بالقضاء. وله خبرة بالسير.
سنة إحدى وعشرين ومئة


فيها غزا مروِان. فأتى قلعة بيت السرير، فقتل وسبى، ثم دخل حصن غومشك كذا، وفيه سريرُ مُلكِهم، فهرب منه الملك. ثم إن مروان صالحهم في العام على ألف رأس ومئة ألف مديٍ. ثم إنه سار حتى دخل أرض أرز ونطران كذا، فصالحوه، وصالحه تومان شاه على بلاده. ثم سار حتى نازل حمرين كذا وحاصرها شهرين، ثم صالحهم، وافتتح مسدارة صُلحاً، وتهيأ لمروان في هذه السنة من الفتوحات أمرٌ عظيم، ووقع في قلوب الترك والخَزَر منه رعبٌ شديد.
وفيها توفي قاضي دمشق نمير بن أوس الأشعري، أحد شعيوخ الاوزاعي.
وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري المدني. وقد لقي ابن عمر. ورافع بن خديج. وطائفة. وكانت له حلَقة للفتوى.
وفيها أو في التي بعدها. سَلمة بن كْهَيل الكوفي. روى عن جندب البجلي وطائفة. وكان من أثبات الشيعة وعلمائهم. حمل عنه شُعبة والثوري.
وفيها مَسلَمة بن عبد الملك بن مروان الأموي الأميرُ، ويلَقّبُ بالجرادة الصفراء. وكان موصوفاً بالشجاعة والإِقدام وَالرأْي والدهاء. ولي إرمينية وأذَربيجان غير مرة وإِمرة العراقَين. وسار في مئة وعشرين الفاً وغزا القسطنطينية، في خلافة سليمان أخيه. وروى عن عمر بن عبد العزيز.
وفيها قتل زَيدْ بن علي بن الحسين بن علي بالكوفة. وكان قد بايعه خلق كثير. وحارب متولي العراق يوسف بن عمر، فظفر به يوسف، وبقي مصلوباً أربع سنين. ولما خرج أَتاه طائفة كبيرةٌ وقالوا: تبرأْ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك. فأبى. فقالوا: إذاً نرفضك. فمن ذلك الوقت سُموا الرافضة. وسميت شيعته الزيدية. روى عن اَبيه وجماعة. وروى عنه شعبَة.
وفيها قتل أحد الشجعان الأبطال أبو محمد البطال وله حروبٌ ومواقف، ولكن كذبوا عليه فأفرطوا، ووضعوا له سيرةً كبيرة، كل وقت يزيد فيها من لا يستحي من الكذب.
سنة اثنتين وعشرين ومئة
فيها كانت بالمغرب حروب مزعجةّ وملاحم وخرجت طائفة كبيرة وبايعوا عبد الواحد الهواريَ. والتف عليه أممٌ من البربر. ثم نصير عليهم المسلمون وقتلوا منهم خلقاً.
وفيها توفي قاضي البصرة أبو وائلة إياس بن معاوية المزني أحد من يضرب به المثل في الذكاء والعقل. روى عن أنس وجماعة ووثقه ابن معين. ولا رواية له في الكتب الستة.
وفيها بكير بن عبد الله بن الأشج المدني الفقيه. نزيل مصر وأحد شيوخ الليث بن سعد. وهو من صغار التابعين.
وفيها زيد بن الحارث اليامي. روى عن إبراهيم النَخَعِي وخلق من كبار التابعين.
وفيها سيار أبو الحكم صاحب الشعبي. وهو واسطي حجة مشهور.
وفيها يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي المدني، عن سن عالية. لقِي أبا هريرة.
وفيها أبو هاشم الرماني الواسطي. واسمه يحيى. كان سكن قصر الرمان بواسط. روَى عن أبي العالية وجماعة.
وفيها قتل زيد بن علي. قاله خليفة. وقد مر في التي قبلها.
سنة ثلاث وعشرين ومئة
فيها قتل بالمغرب كْلثوم بن عياض القشيري في عدة من أمرائه واستبيح عسكره ومُزقوا. هَزمهم أبو يوسف الأزري رأس الصُفرية. و كَان كلثوم قد ولي دمشق لهشام، ثم ولاه غزو الخَوارج بالمغرب. وأتبعت الصفرية من انكسر من المسلمين. فثبت لهم بلجٌ القًشَيري ابن عم كُلثوم. وكان النصر وللَه الحمد.
وقثل في المعركة أبو يوِسف الأزري.
وفيها حج بالناس يزيد ابنُ الخليفة هشام، ومعه الزهري، فأخذ عنه إذ ذاك مالك، وابن عُيينة، وأَهلُ الحجاز.
وفيها توفي ثابت البناَنيّ بالبصرة، عن أكثر من ثمانين سنة. وكان من سادة التابعين علماً وفضلاً وعبادةً ونُبْلاً.
وربيعةُ بن يزيد الدمشقي القصير، شيخ دمشق بعد مكحُول. اسُتشْهد بإفريقية. وقد لقي جبير بن نُفَير وطائفة.
قال نوح بن فَضَالَة: كان يفضل على مكحُول.
وقال سعيد بن عبد العزيز: لم يكن عندنا أَحسن سَمْتاً في العبادة منه ومن مكحُول.
وفيها سِماكُ بن حرب الدّهلِي الكوفيّ، أحدُ الكبار. قال: أدركت ثمانين من الصحابة، وذهَبَ بصري فدعوتُ الله، فردّه الله عليّ.
وقال العجلي: كان عالماً بالشعر وأيامِ الناس فصيحا.
وفيها أبو يونس مولى أبي هريرة، وقد شاخ. واسمه سليمان بن جبَيْر. نزل مصر وأدركه الليثُ.
وفيها عابد البصرة محمد بن واسمع الأزدي. أخذ عن أنَس، ومُطرف بن الشخير، وطائفة. وهو مُقلّ. وروى خمسة عشر حديثاً. ومناقبه مشهورة.


وفيها قارىء أهلِ مكة بعد ابن كثير محمد بن عبد الرحمن بن مُحيَصن. ومنهم من يسميه عُمر، فأظنهما أخوين. وله رواية شاذة في كتَاب المنهج وغيره. وقد روى عن صفية بنت َشْيبة وغيرها.
سنة أربع وعشرين ومئة
فيها تمت وقعةٌ كبيرة بالمغرب مع الصفرية. ورأسهم َمْيسَرَةُ الحقير. وذاق المسلمون منهم مشاقّ وبلاءً شديداً.
وفيها مات محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري أحدُ الثقات. وقد ولي إمرة المدينة لعمر بن عبد العزير، وأدركَه ابن عيَينَة.
وفيها توفي القاسمُ بن أبي بزِة المكي. روى عن أبي الطفيل وجماعة يسيرة.
وفيها في رمضان توفي الزُهري وهو أبو بكر محمد بن مُسلم بن عبَيْد الله بن عبد الله بن شهاب المدني، أحد الأعلام. أربعٍ وسبعين سنة.
سمع من سهل بن سعد، وأَنَس بن مالك وخلق.
قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث.
وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أعلم بسنة ماضية من الزهري.
وكذا قال مكحول.
وقال الليث: قال ابن شهاب: ما استودعتُ قلبي علماً فنسيتْه.
قال الليث: وكان يكثر شُرب العسل، ولا يأكل شيئاً من النعاج.
وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري.
قلت: وكَان معظماً وافر الحرمة عند هشام بن عبد الملك. أعطاه مرّة سبعة آلاف دينار.
وقال عمروِ بن دينار: ما رأيتُ الدينار والدرهم عند أحَد أهون منه عند الزهري، كأنها بمنزلة البَعرْ.
سنة خمس وعشرين ومئة
فيها توفي أبو سعيد سعيد بن أبي سعيد المَقبرِيّ عن سن عالية. روى عن سَعْد بن أبي وقّاص، وأكثرَ عن أبي هُرَيْرَة.
قال ابن سعد: ثقة. لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين.
قلتُ: ما سمع منه ثقة في اختلاطه.
وفيها مات في ربيع الآخر الخليفةُ أبو الوَليد هشام بن عبد الملك الأموي. وكانت خلافته عشرين سنة، إِلا أشهرا. وكانت دارُه عن الخواصين بدمشق، فعمل منها مدرسة السلطانْ نور الدين. وكان ذا رأي وحزم وحلم. وجمع المال. عاش أربعاً وخمسين سنة. وكان أبيضَ جميلاً سميناً أحول، يخضب بالسوِاد.
وفيها أشعت بن أبي الشعثاء الحارثي الكوفي.
وآدمُ بن علي الشيباني الكوفي المدني. روى عن ابن عمر.
وأبو بشر جعفر بن أبي وحشِية إياس، صاحب سعيد بن جبَيْر. وقد روى عن عبّاد بن شُرحْبيل الصحابي.
وأبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، والد المنصور والسفاح، وله ستون سنة، وكان جميلاً وسيماً مهيباً نبيلاً. وكانت دُعاةُ بني العباس يكاتبونه وِيلقبونه بالإِمام. وفيها، وقيل في سنة أربع، زَيْدُ بن أبي أنيسة الجزريّ الرّهاوي الحافظ، أحد علماء الجزيرة، وله أربعون سنة. روى عن جماعة من التابعين.
وفيها أو بعدها زيادُ بن عِلاَقة الثعلبي الكوفي. روى عن طائفة. وكان معمراً أدرك ابن مسْعود، وسمع من جرير بن عبد الله.
وفيها صالح مَولى التوأمة المفتي، وقد هرم وخرف. لقي أبا هريرة وجماعة.
سنة ست وعشرين ومئة
فيها في جُمادى الآخرة مقتلُ الخليفة الوليدِ بن يزيد بن عبد الملك بحصن البخرآء بقرب تدمر. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر.
وكان من أجمل الناس وأقواهم وأجودهم نظماً. ولكنه كان فاسقاً متهتكاً. زعم أخوه سليمان أنه راوده عن نفسه. فقاموا عليه لذلك مع ابن عمه يزيد ابن الوليد الملقب بالناقص. لكونه نقص الجند أعطياتهم. وبويع يزيد الناقص فمات في العشرين من ذي االحجة من السنة عن ست وثلاثين سنة.
وبويع بعده أخوهم إبراهيم بن الوليد. وكان في يزيد زهد وعدل وخير. لكنه قدري.
قال الشافعي: ولي يزيد بن الولي فدعا الناس إلى القدر وحملهم عليه.
وفيها توفي جبَلة بن سحيم الكوفي. روى عن ابن عمر ومعاوية.
وفي المحرم هلك خالد بن عبد الله بن يزيد القسري الدمشقي الأمير تحت العذاب، وله ستون سنة. وكان جواداً، ممدحاً خطيبا مفوهاً.
وقال ابن معين: كان رجل سوءٍ يَقع في علي رضي الله عنه. ولي العراق لهشام.
وفيها توفي دَرَاج بن سمعان أبو السمح المصريّ القاص، مَولى عبد الله بن عمرو بن العاص. وسعيد بن مسروق، والد سفيان الثوري. وقيل مات في سنة ثمان، والله أعلم.
وفيها عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي المدني الفقيه. وكان إماماً ورعاً كثير العلم.


وفيها، على الصحيح، سليمان بن حبيب المحاربي قاضي دمشق. روى عن معاوية وجماعة. قال أبو داود: وَلي قضاء دمشق أربعين سنة.
وفيها الكميت الأسدي الشاعر المشهور.
وعبد الله بن هُبيرة السبائي المصري، وله ست وثمانون سنة.
وعبيدُ الله بن أبي يزيد المكي صاحب ابن عباس.
ويحيى بن جابر الطائي قاضي حمص.
وفي أولها عالم أهلِ مكة في زمانه أبو محمد عمرو بن دينار الجُمحِيَ مولاهم، المكي. قال عبد الله بن أبي نجَيج: ما رأيت أحداً قطّ أفقه منه.
وقال شعبة: ما رأيت أثبت في الحديث منه.
قلت: سمع ابن عباس وجابراً وطائفة.
سنة سبع وعشرين ومئة
لما بلغ مروان بن محمد بن مروان وفاة يزيد الناقص سار من إرمينية في جيوشه يطلب الأمر لنفسه. فجهّز إبراهيم الخليفة أخويه بشراً ومسروراً في جيش فكسرهما مروان وحبسهما. ثم نزل بمرج دمشق، فحاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك. ثم انهزم وعسكر الخليفة إبراهيم بن الوليد. فخلع نفسه وبايع مروان.
وفي هذه الفتنة قتل يوسف بن عمر الثقفي الذي كان أميراً بالعراق، في السجن بدمشق.
وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، والحكم وعثمان ابنا الوليد بن عبد الملك.
وفيها توفي عبد الله بن دينار مولى ابن عمر بالمدينة.
ومالك بن دينار البصري الزاهد المشهور.
وعمير بن هانئ العنسي الداراني. روى عن معاوية في الصحيحين، وعن أبي هريرة في السنن.
قال له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أراك لا تفتر عن الذكر، فكم تسبح؟ قال: مئة أَلف، إلا أن تخطىء الأصابع.
وعبد الكريم بن مالك الجزري الحراني الحافظ كهلاً.
ووهب بن كيسان المدني المؤدب عن سن عالية.
وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفَ الزهري المدني قاضي المدينة. قال شعبة: كان يصوم الدهر ويختم كل يوم. وقيل مات في سنة ست.
وفيها: توفي سنة تسعٍ. إسماعيل السدي الكوفي المفسر المشهور.
وفيها وقيل سنة ثمان. أبو إسحاق السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله، شيخ الكوفة وعالمها. وله نحو المئة. رأى علياً، وغزا الروم زمن معاوية.
سنة ثمان وعشرين ومئة
فيها ظهر الضحّاكُ بن قَيس الخارجي، وقَتل متولّي الموصل. واستولى عليها. وكثرت جموعه وأغار على البلاد، وخافه مروان. فسار بنفس، فالتقى الجيشان بنصيبين. وكان قد أشار على الضحّاك أمراؤه أَن يتقهقر فقال: ما لي في دنياكم من حاجة. وقد جعلتُ لله علي إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا. وعلي دينٌ سبعةُ دراهم. معي منها ثلاثة دراهم. ودام الحرب إِلى آخر النهار، فقتل الضحاك في المعركة في نحو ستة آلاف من الفريقين أَكثرهم من الخوارج. وانهزم مروان، لكن ثبت أمير الميمنة. وجاء الخبيريّ فملك مخيم مروان وقعد على سريره. فعطف نحو ثلاثة آلاف فأحاطت بالخبيري فقُتل، وقام بأمر الخوارج شيبان فتحيّز بهم. وخندقوا على نفوسهم. وجاءَ مروان فنازلهم وقاتلهم عشرة أشهر، كل يوم رايةُ مروان مهزومة. وكانت فتنةً هائلة تُشبه فتنة ابن الأشعث مع الحجاج.
ثم رحل شيبان على حمية نحو شهرزور، ثم توجه إلى كَرمان ناحية البحرين فقتل هناك.
وفيها خرج بسطام بن الليث بأذربيجان، ثم قدم بلد نصيبين في نيف وأربعين رجلاً. فنهض لحربه عسكر الموصل، فبيتهم وأصاب منهم، ثم عاث بنصيبين، ثم قتل.
وفيها ولي العراقين يزيد بن عمرو بن هبيرة. وعزل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز.
وفيها توفي بكر بن سوادة الجذامي المصري مفتي مصر. وقد روى عن عبد الله بن عمرو وسهل بن سعد.
وفيها جابر بن يزيد الجعفي من كبار المحدثين بالكوفة. روى عن أبي الطفيل. ومجاهد. وثقه وكيع وغيرهُ وضَعّفَه آخرون.
وفيها أبو قبيل المعافري المصري حيي بن هانئ الفقيه سمع عقبة وعبد الله بن عمرو.
وفيها عاصم بن أبي النجود الأسديَ، مولاهم، القارئ بالكوفة في زمانه، وأحَدُ السبعة. وكان صالحاً خيراً حجةً في القرآن. صدوقاً في الحديث. قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش.
وفيها أبو عمران الجوني البصري عبد الملك بن حبيب عن سن عالية. سمع جندب بن عبد الله وجماعة.
وفيها على الاصح، أبو حصين الاسدي عثمان بن عاصم، سيد بني أسد بالكوفة. وكان ثبتاً فاضلاً عثمانياً. لقي جابر بن سمرة وطائفة.


وفيها أبو الزبير المكي. محمد بن مسلم بن تدرس، أحد العقلاء والعلماء لقي عائشة والكبار.
وفيها أبو حمزة الضبعي البصري نصر بن عمران صاحب ابن عباس.
وفيها فقيه مصر وشيخها ومفتيها أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب الأزدي. مولاهم. لقي عبد الله بن الحارث بن جزء وطائفة.
قال الليث: هو عالمنا وسيدنا.
وفيها أبو التياح البصري صاحب أنس. واسمه يزيد بن حميد.
قال أبو إياس: ما بالبصرة أحدٌ أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله من أبي التياح.
سنة تسع وعشرين ومئة
في رمضان كان ظهور أبو مسلم صاحب الدعوة بمرو.
وفيها توفي المغرب وعابدها خالد بن أبي عمران التجيبي قاضي افريقية. روى عن عروة وطبقته.
وفيها سالم أبو النضر المدني. وحديثه عن عبد الله بن أبي أوفى إجازة في الصحيحين.
وفيها، وقيل في سنة إحدى وثلاثين علي بن زيد بن جدعان التيمي البصري الضرير. أحد علماء الشيعة. كان كثير الرواية ليس بالقوي.
وفيها، على الصحيح، يحيى بن أبي كثير أبو نصر اليمامي. أحدُ الأعلام في الحديث. له حديثٌ في صحيح مسلم عن أبي أمامة، وآخر في سنن النسائي عن أنس. فيقال: لم يلقهما. والله أعلم. وفيها قارىء المدينة أبو جعفر يزيدُ بن أبي القَعقَاع الزاهد العابدُ، عن بضع وثمانين سنة. أخذ عن أبي هريرة وابن عباس. قرأ عليه نافع وإلياس وله ذكر في سنن.
سنة ثلاثين ومئة
فيها تُوفي بالبصرة شعَيب بن الحبحاب، صاحب أنس.
وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية الأنصاري المدني.
وعبد العزيز بن رفيع المكي ثم الكوفي عن نيف وتسعين سنة. روى عم ابن عباس وجماعة. وشيبة بن نصاَح القارىء قرأ على أبي هريرة وابن عباس.
وقال قالون: كان نافع أكثر َاتباعاً لشيبَة من أبي جعفر.
وعبد العزيز بن صهيب البصري الأعمى.
وكعب بن علقمة التنوخي المصريَ. روى عن أبي تميم الجيشاني وطائفة.
وفيها، وقيل سنة إحدى وثلاثين، محمد بن المنكدر التيميّ الحافط الزاهدَ المدني القانت. وقد سمع من عائشة وأَبي هرَيرة. كان يجتمع إليه الصالحون.
وفيها كانت موقعة قديد، وقتل فيها خلق منهم مَخرَمَة بن سليمان الوالبي. روى عن عبد الله بن جعفر وجماعة.
وفيها توفي أَبو وَجزة السعديّ المدني يزيدُ بن عبَيد، الذي روى عن عُمير بن أبي سلَمة.
وفيها توِفي يزيد الرشك بالبصرة. روى عن مُطرف بن الشخير، وجماعة.
وفيها توفي يزيد بن رومان المرني. روى عن عروة وجماعة. وقيل إنه قرأ على ابن عباس. وهو من شيوخ نافع في القراءة.
وفيها توفي قاضي دمشق يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني الفقيه. أخذ عن واثلة بن الأسقع وطائفة.
سنة إحدى وثلاثين ومئة
فيها استولى أبو مسلم صاحب الدعوة على ممالك خراسان.
وهزم الجيوش. واقبلت سعادة بني العباس، وَولت الدنيا عن بني أمية.
وفيها توفي علي بن زيد بن جدعان ؛ وقد مرّ.
وفيها قتل أبو مسلم الخراساني إبراهيم بن ميمون الصائغ ظلماً. روى عن عطاء ونافع.
وفيها تُوفي بالبصرة إسحاق بن سُويد التميمي. روى عن ابن عمر وجماعة.
وفيها إسماعيلُ بن عبيد الله بن أَبي المهاجر الدمشقيّ، مؤدّبُ أولاد عبد الملك بن مروان. وكان زاهداً عابداً. روى عن أنس وطائفة.
وفيها فقيه أهل البصرة أَيوب السختيَاني أحد الأعلام. وكان من صغار التابعين.
قال شعبة: كان سيد الفقهاء.
وقال ابن عُيينة: لم ألق مثله.
وقال حماد بن زيد: كان أفضل من جالسته وِأشدهم اتباعاً للسنة.
وقال ابن المديني: له نحو ثمان مئة حديث.
وفيها الزبير بن عدي قاضي الري يروى عن أنس وجماعة.
وفيها سمَي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني. لقي كبار التابعين وفيها أبو الزناد الفقيه. أحد علماء المدينة. وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان. لقي عبد الله بن جعفر. وأنساً.
قال الليثَ: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاث مئة تابعٍ من طالب فقهِ وعلم وشعرِ وصنوفٍ، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة.
قال أبو حنيفة: كَان أبو الزناد أفقه من ربيعة.
وفيها عبدَ الله بن أبي نجيح المكي المفسر. صاحبَ مجاهد.
وفيها فرقد السبخي. أحد الزهاد بالبصرة. حدث عن أنس وجماعة. وفيه ضعف.
وفيها محمد بن جحادة الكوفي. يروي عن أنس وطائفة. توفي في رمضان.


وفيها منصور بن زاذان زاهد البصرة وشيخُها. روى عن أنس وجماعة. وكان يصلي من بكرةِ إلى العصر، ثم يُسبحُ إلى المغرب.
وفيهَا همام بن منبه اليماني صاحب أبي هُريرة. وكان من أبناء المئة.
قال أحمد: كان يغزو فجالس أبا هريرة. وكان يشتري الكتب لأخيه وهب.
سنة اثنتين وثلاثين ومئة
فيها ابتدا أمر دولة العباسية بني العباس. وبويع السفاح بالكوفة. وِجهز عمه عبدَ الله بن علي لمحاربة مروان. فزحف مروان إليه في مئة ألف إلى أن نزل بالزاب دون الموصل. فالتقوا في جمادى الآخرة. فانكسر مروان واستولى عبد الله على الجزيرة، وطلب الشام. فهرب مروان إلى مصر وخْذل. وانقضت أيامه.
فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها. وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية ابن مروان. فأخذت بالسيف. وقتل بها من الأمويين عدة ألوف، منهم أميرها الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك.
وزرعة بن إبراهيم.
وفيها توفي بمكة إبراهيم بن ميسرة الطائفي صاحب أنس.
قال ابن عيينة: أنَا إبراهيم بن ميسرة: من لم تر عيناك والله مثله.
وفيها توفي بالمدينة. إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريُ الفقيه وكان مالك لا يقدم عليه أحداً لنبله عنده.
وفيها قتل خالد بن سلمة بن العاص المخزومي الكوفي. وكان قد هرب إلى واسط مع يزيد بن عمر بن هبيرة، فقتله بنو العباس.
وفيها توفي سالم الأفطس الحراني الفقيه، مولى بني أمية. قتله عبد الله بن علي. روى عن سعيد بن جبير وجماعة.
وممن قتل عمر بن أَبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهرِي.
وفيها توفي أبو عبد الله صَفوانُ بن سُليم المدني الفقيه القدوَة. روى عن ابن عمر وجابر وعدة. قال أحمد بن حنبل: ثقة من خيارِ عباد الله، يستنزلُ بذكره القطر.
وفيها عبد الله بن طاوس اليماني ابن كَيسان اليماني النحوي. روى عن أبيه.
قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقاً. ما رأيت ابن فقيهٍ مثله.
وفيها عبد الله بن عثمان بن خيثم المكي. روى عن أبي الطفيل وعدة.
وفيها منصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي الكوفي الحافظ. أحد الأعلام. أخذ عن أبي وائل، وكبار التابعين. وقال: ما كتبت حديثاً قط.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظ منه.
وقال زايدة: صام منصور أربعين سنة، وقام ليلها. وكان يبكي الليل كله.
وقيل: كان قد عمي من البكاء. وقد أكره على قضاء الكوفة فقضى شهرين.
ومناقبه كثيرة، يقال فيه يسير تشيع.
وقتل بجامع دمشق يونس بن ميسرة بن حلبس المقرأ الأعمى وله مئة وعشرين سنة. روى عن معاوية والكبار. وكان موصوفاً بالفضل والزهد كبير القدر.
وقتل بنهر أبي فطرس من الأردن الأمير محمد بن عبد الملك بن مروان الأموي. وله رواية عن أبيه.
وفي ذي القعدة قتل الأمير أبو خالد يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين لمروان، وله خمس وأربعون سنة. وكان طويلاً شهماً شجاعاً خطيباً مفوهاً جواداً، مفرط الأكل واقع بني العباس فهزموه. فتحصن بواسط. فحاصره أبو جعفر المنصور أخو السفاح مدة ثم آمنه وغدر به وقتله.
وفيها كانت وقعة المسناة فقتل الأمير قحطبة بن شبيب الطائي المروزي أحد دعاة بني العباس. وتأمر على الجيش في الحال ولده.
وفيها قتل مروان الخليفة الملقب بالجعدي وبالحمار، عبر النيل طالباً بلاد الحبشة. فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيتوه ببوصير. وقاتل حتى قتل وكان بطلاً شجاعاً ظالماً، أبيض، ضخم الهامة، ربع، أشهل العين، كث اللحية، أسرع إليه الشيب. وعاش بضعاً وخمسين سنة. ذكره المنصور مرة فقال: لله دره ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الفيء. وقتل معه زبان أخو عمر بن عبد العزيز. وكان أحد الفرسان ولكن تقنطر به فرسه فقتلوه.
وفيها قتل سليمان بن كثير الخزاعي المروزي الأمير، أحد نقباء بني العباس. قتله أبو مسلم الخراساني.
وفي ذي الحجة قتل بمصر عبيد الله بن أبي جعفر الليثي، مولاهم، المصري الفقيه. أحد العلماء والزهاد. ولد سنة ست.
قال محمد بن سعد: كان ثقة بقية في زمانه.
سنة ثلاث وثلاثين ومئة
فيها نازل طاغية الروم اليون بن قسطنطين ملطية، وألح عليهم بالقتال حتى سلموها بالأمان. فهدم المدينة والجامع. ووجه مع المسلمين عسكر حتى يبلغوهم مأمنهم.


وفيها بعث أبو مسلم الخرساني مراراً الضبي فقتل الوزير أبا سلمة الخلال حفص بن سليمان السبيعي، مولاهم الكوفي وزير آل محمد. وفيه قيل هذا البيت:
إن الوزيرَ وزير آل محمدٍ ... أودى فمن يشناك كان وزيراً
وفيها توفي أيوب بن موسى بن الأشدق عمرو بن سعيد الأموي المكي الفقيه. روى عن عطاء ومكحول.
ومات بمكة داود بن علي بن عبد الله بن عباس. و كَان فصيحاً مفوّهاً. ولي إمرة المدينة. وروى عن جماعة أحاديث.
وفيها وقيل سنة خمس، سعيد بن أبي هلال الليثي، مولاهم، المصري، كهلاً. يروي عن التابعين.
وفيها عمار الدهني دهن بن معاوية من بحيلة أبو معاوية الكوفي. روى عن أبي الطفَيل وعدة. وفيها عيّاش بن عباس القتباني المصري. روى عن التابعين.
وفيها مغيرة بن مقسم الضبي، مولاهم، الكوفيّ الفقيهُ الأعمى أحد الأئمة. روى عن أَبي وائل وطبقته.
قال شعبة: كان أحفظ من حماد بن أبي سليمان.
وقال مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته.
ذكره أحمد بن حنبل فقال: ذكي حافظٌ صاحب سنة.
وفيها أو في الماضية، يحيى بن يحيى بن قيس الغساني سيد أهل دمشق في وقته. وقد ولي قضاء الموصل لعمر بن عبد العزيز. وأخذ عن أبي إدريس الخولاني وغيره. وكان ثقةَ إماماً. ولا رواية له في الكتب الستة.
سنة أربع وثلاثين ومئة
فيها تحول الخليفةُ السفّاح عن الكوفة فنزل الأنبار.
وفيها توفي بالبصرة أبو هارون العبديّ صاحب أبي سعيد الخدري. أحد الضعفاء.
والفقيه يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقيّ. روى عن مكحول و طائفة.
قال أَبو داود: أجازه الوليد بن يزيد مرةً بخمسين ألف دينار. وذكر للقضاء فإذا هو أكبر من القضاء.
وعن ابن عيينَة قال: لا أعلم مكحولاً خلف بالشام مثل يزيد بن يزيد إِلا ما ذكره ابن جرَيح من سلمان بن موسى.
وفيها توجّه من العراق موسى بن كعب إلى حرب منصور بن جمهور الكلبي الدمشقي، حتى أتى السّند فالتقى منصوراً في اثني عشر ألفاً. فهُزم منصورٌ ومات في البرية عَطَشاً. وكان قَدَريّاً.
سنة خمس وثلاثين ومئة
فيها توفي أبو العلاء بُرد بن سنان الدمشقي، نزيلُ البصرة. روى عن وِاثلة فمن بَعده.
وداود بن الحصين المدني مولى بني أمية. روى عن عكرمة و جماعة.
وفيها، على الأصح أبو عقيل زهرَةُ بن معبد التميي بالاسكندرية عن سن عالية.
قال الدارمي: زعموا أنه كاَن من الأبدال.
قلتُ: روىَ عن ابن عمرو ابن الزبير.
وفيها، على الأصح. عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم الأنصاري المدني، شيخ مالك والسفيانين. روى عن أنَس وجماعة. وكان كثير العلم.
وفيها عطاءُ الخراساني نزيل بيت المقدس. وهو كثير الإِرسال عن الصحابة. وإنما سمع من ابن بريدة والتابعين وَولد سنة خمس. وكان يقول: أوثق عمل في نفسي نشر العلم.
وقال ابنُ جابر: كنا نغزو معه، وكان يُحي الليلَ صلاةَ إلاّ نومة السحر.
وكان يعظنا ويحثنا على التهجد.
سنة ست وثلاثين ومئة
فيها توفي الأشعَت بن سوار الكندي الأفرق النجار بالكوفة. لقي الشعبي ونحوه.
وجعفر بن ربيعة الكِندي المصريَ. له عن أبي سامة والأعرج وطائفة.
وحصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الحافظُ، على ثلاث وتسعين سنة. لقي جابر بن سمُرة، والكبار.
وربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الفقيه أبو عثمان المدنيّ. عالم المدينة. ويقال له ربيعة الرأْي. سمع أنَساً وابنَ المسيب، وكانت له حَلقةٌ للفتوى أخذ عنه مالك.
وفيها زيدُ بن أسلم العَدوي، مولاهم، الفقيهُ العابد. لقي ابنَ عمر وجماعةَ وكان له حلقةّ للفتوى والعلم بالمدينة.
قال أبو حازم الأعرج: لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيهاً أدنى خصلة فينا التواسي بما في أَيدينا.
ونقل البخاري أن زين العابدبن علي بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم.
وفيها العلاءُ بن الحارث الحضرمي الفقيه الشامي، صَاحب مكحوِل.
روى عن عبدالله بن بسر وطائفة. وكَان ثقة مفتياً جليلاً.
وفيها عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي، عن مئة وبضع سنين.
رأى علياً رضي الله عنه. وروى عن عدي بن حاتم والكبار، وولي قضاء الكوفة.
وفيها عطاءُ بن السائب بن مالك الثقفي الكوفي الصالح. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وطائفة.


قال أحمد بن حنبل: وهو ثقة رجل صالح، كان يختم كل ليلةٍ. من سمع منه قديماً كان صحيحاً. وفيها يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي. سمع أنساً وجماعة. قال ابن سعد: له أحاديث، وكان صاحب قرآن وعربية.
وفي ذي الحجة مات أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي بالأنبار عن اثنتين وثلاثين سنة. وهو أول خلفاء بني العباس. وكان طويلاً أبيض جميلاً حسن اللحية. مات بالجدري. وكانت دولته دون الخمس سنين.
وفي أيامه تفرقت الكلمة وخرج عن طاعته الناحية الغربية من بلاد السودان، وإقليم الأندلس. وتغلبت على هذه الممالك خوارج وجماعة. وولي بعده أخوه أبو جعفر المنصوِر.
سنة سبع وثلاثين ومئة
وفي أولها بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح فدعى بالشام إلى نفسه. وعسكر بدابق وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر. وأقام شوراً بذلك. فجهز المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني. فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة. فاشتد القتال. ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة، وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت شيئاً عظيماً، لأنه استولى على جميع نعمة بني أمية فبعث المنصور إلى أبي مسلم: أن احتفظ بها في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم، وعزم على خلع المنصور. وسار نحو خراسان، فأرسل إليه المنصور يستعطفه ويمنيه وما زال به حتى وقع في براثنه، فأقدم على قتله.
وفي شعبان قتل أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس، ومنشىءُ دولتهم. وكان قد دخل خراسان على بهيمة، وهو شابٌّ طري له ذؤابة فما زال يتحيل بإعانة وجوِه شيعة بني العباس ونقبائهم، حتى توثب على مرو ومَلَكَهَا. وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أَن حكم عليها وضبطها. فقاد جيشاً هائلاً ومهد لبني العباس، بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً. وكَان حجاج زمانه.
وفيها، وقيل في غيرها، توفي خصيف بن عبد الرحمن الجزَري الحراني. روى عن مجاهد، وسعيد بن جبير.
وفيها، أو في التي تليها، منصور بن عبد الرحمن العبدري الحجبي المكي. ولد صفية بنت شيبة.
قال ابن عيينة: كان يبكي عند كل صَلاة. فكانوا يرون أنه يذكر الموت.
وفيها يزيد بن أبي زياد الكوفي عن نحو تسعين سنة. روى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي وطائفة. وهو لين الحديث. روى له مسلم مقروناً بآخر.
وفيها قُتل أحد الأشراف بدمشق وهو عثمان بن سراقة الأزدي. وكان قد توثب عند موِت السفاح، وسب بني العباس على منبر دمشق. وأقام في الخلافة هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية الأموِي. فبغتهم مجيء صالح عم السفاح، فلم يَقو لحربه. واختفى هاشم وضربت عنقُ ابن سراقة.
سنة ثمان وثلاثين ومئة
فيها أقبل طاغية الروم قسطنطين بن اليون بن قسطنطين في مئة الف حتى نزل بدابق. فالتقاه صالح بن علي عم المنصور فهزمه. وللَه الحمد.
وفيها توفي زَيد بن واقِد الدمشقي. روى عن جُبير بن نفَير، وكثير ابن مرة، وخلق.
وفيها أبو شبل العلاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب المدني مولى الحرقَة. روى عن أبيه وأَنس وطائفة.
قال أبو حاتم: ما أنكر من حديثه شيئاً.
وفيها ليث بن أبي سليم الكوفي. ورخه فطَين وسيعاد.
سنة تسع وثلاثين ومئة
فيها سار عسكر المنصور فنزلوا مَلَطية. وهي خراب، فزرعوا أرضها وطبخوا كلساً لبنائها ورجعوا فبعث طاغية الروم من حرق الزرع.
وفيها توفي خالد بن يزيد المصري الفقيه كهلاً. يروى عن عطاء والزهريَ وطبقتهما.
ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الفقيه الأعرجِ يروي عن شرَحبيل بن سعد وطبقته من التابعين.
ويونس بن عبيد شيخ البصرة، رأى أنَساً وأخَذَ عن الحسن وطبقته.
قال سعيد بن عامر الضبعي: ما رأَيت رجلاً قط أفضل منه. وأهل البصرة على ذاك.
وقال أبو حاتم: هو أَكبر من سليمان التيمي. ولا يبلُغ سليمان منزلته.
وقال يونس: ما كَتَبَت شيئاً قط، يعني لذكائه وحفظه.
سنة أربعين ومئة
فيها نزل جبريل بن يحيى الأمير من جهة صالح بن علي مرابطاً بالمصيصة. فأقام بها سنة حتى بناها حصنها.
وفيها توفي فقيه واسط أبو العلاء أيوب بن أبي مسكين القصاب كهلاً. أخد عن قتادة وجماعة. وفيها داود بن أبي هند البصري الفقيه. وكان حافظاً مفتياً نبيلاً.


روى عن سعيد بن المسيب وأبي العالية.
وفيها أبو حازم سلمة بن دينار المدني الأعرج. عالم أهل المدينة وزاهدهم وواعظًهم. سمع سَهل بن سَعد وطائفة. وكان أشقر فارسياً. وأمه رومية. وولاؤه لبني مخزوم.
قال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله. له حكم ومواعظ.
وفيها أبو يزيد سهَيل بن أبي صالح السمان المدني. روى عن أبيه وطبقته. وكَان كثير الحديث، تقةً مشهوراً. أخد عنه مالك والكبار.
وفيها عمارة بن غَزية المازني المدني. يروي عن الشعبي وطبقته.
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.
وفيها عمرو بن قيس الكندي السكوني الحمصي. وله مئة سنة تامة.
روى عن عبد الله بن عمرو والكبار. وذكر إسماعيل بن عياش أنه أدرك سبعين صحابياً. وقال غيره: كان عمرو بن قيس أميراً من دولة عبد الملك بن مروان. وكان سيد أهل حمص وشريفهم. ولي غزو الروم لعمر بن عبد العزيز.
سنة إحدى وأربعين ومئة
قال المدائني: فيها ظهرت الريوندية. وهم قوم خراسانيون على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يقولون بتناسخ الأرواح، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم المنصور، وأن الهيثم بن معاوية جبريلُ. فأتوا قصر المنصور وطافوا به، فقبض على مئتين من كبارهم. فغضب الباقون وحفوا بنعشٍ وحملوا هيئة جنازة. ثم مروا بالسجن فشدوعلى الناس، وفتحوا السجن وأخرجوا أصحابهم. وقصدوا المنصور في ست مئة مقاتل. فأغلق البلد، وحاربهم العسكُر مع مَعْن بن زائدة. ثم وضعوا فيهم السيف. وأصيب عثمان بن نهيك الأمير. فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى. وكان ذلك بالهاشمية.
فحدثني أبو بكر الهذلي قال: اطلع المنصور، فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزة الذي يطعمنا ويرزقنا.
وفيها افتتح المسلمون طَبَرَسْتان بعد حروب طويلة.
وأقام الحج صالح بن علي أمير الشام.
وفيها توفي موسى بن عقبة المدني صاحبُ المغازي. روى عن أم خالد بنت خالد الأموية ولها صُحبة. قال الواقدي: وكان مُوسى فقيهاً يُفتي.
وفيها، أو في التي تليها. أبو إسحاق الشيباني الكوفي سليمان بن فيروز، ويُقال بن خاقان من مواليهم. سمع عبد الله بن أبي أوفى وطائفة.
وفيها موسى بن كعب التميمي المروزي. أحد نقباء بني العباس الاثني عشر. وولي إمرة مصر سبعة أشهر.
ومات فيها أبان بن تغلب الكوفي القارىء المشهور. وكان من ثقات الشيعة. يروى عن الحكم وطائفة.
سنة اثنتين وأربعين ومئة
فيها عزل عن مصر محمد بن الأشعث، ووليها حميد بن قحطبة.
وولي الجزيرة والثغورعباس أخو المنصور.
وفيها توفي خالد الحذاء البصري الحافظ. يروي عن كبار التابعين وقد رأى أنساً. وكان يجلس في الحذائين فلقب الحذاء.
وفيها الأمير سليمان بن علي عم المنصور. وكان جواداً ممدحاً، بلغت عطاياه في المواسم خمسة آلاف ألف درهم. وولي إمرة البصرة وعاش ستين سنة.
وفيها عاصُم بن سُليمان الأحول، أحدُ حُفاظِ البصرة. روى عن عبد الله بن سرجس، وأنس وطائفة.
وفيها أو في سنة ثلاثٍ، عمرو بن عُبيد البصري الزاهد العابد المعتزلي القدري. صَحب الحسن ثم خالفه. واعتزل حلقته فلذا قيل المعتزلي.
وفيها محمد بن أبي إسماعيل الكوفي. روى عن أنس وجماعة.
قال شريك: رأيت أولاد أبي إسماعيل أربعة وُلدوا في بطن واحد وعاشوا.
وفيها أبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني المصري. روى عن علي بن رباح وعدة. وأدركه ابن وهب.
سنة ثلاث وأربعين ومئة
فيها ثارت الديلُم وبَدَعوا وقتلوا خلائق من المسلمين. فانتُدب الناس لغزوهم. وفيها سار الأمير محمد بن الأشعث إلى المغرب، فالتقى الأباضية وهَزَمَهم، وقُتل زعيمهم أبو الخطاب في المصاف.
فيها توفي حجاح بن أبي عثمان الصواف، أحد حفاظ البصرة. روى عن الحسن وغيره.
وفيها، على الصحيح، حميد الطويل، واسم أبيه أبي حميد تيرويه. أحد الثقات التابعين البصريين. قان قائماً يصلي فسقط ميتاً. سمع أنساً وطائفة، وكنيته أبو عبيدة.
وفي ذي القعدة سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي. أحد علماء البصرة وعبادها، سمع أنساً وطائفة.
قال شعبة: كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه تغير لونه. وما رأيت أصدق منه. وقال المعتمر: مكث أبي أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويصلي الفجر بوضوء العشاء. وعاش سبعاً وتسعين سنة.


وفيها، على الأصح، ليث بن أبي سليم الكوفي. يروي عن مجاهد طبقته. وكان أحد الفقهاء.
قال الفضيل بن عياض: كان أعلم أهل بلده بالمناسك.
وقال الدراقطني: كان صاحب سنة، إنما أنكروا عليه جمعه بين عطاء وطاوس ومجاهد.
وفيها مطرف بن طريف الكوفي الحارثي الزاهد. روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجماعة. وفيها يحيى بن سعيد الأنصاري المدني الفقيه أبو سعيد. أحد الأعلام. ولي قضاء المنصور، ومات بالهاشمية قبل أن يبني بغداد. روى عن أنس وخلق.
قال أيوب السختياني: ما تركت بالمدينة أفقه منه. وكان يحيى القطان يقدمه على الزهري.
وقال الثوري: كان من الحفاظ.
وقال ابن المديني: له نحو ثلاث مئة حديث.
سنة أربع وأربعين ومئة
فيها سار جيش العراق والجزيرة لغزو الديلم وعلى الناس محمد بن السفاح.
وحج بالناس المنصور. وأهمه شأن محمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم لتخلفهما عن الحضور عنده. فوضع عليهما العيون، وبذل الأموال، وبالغ في تطلبهما لأنه عرف مرامهما، وجرت أمور يطول شرحها. وقبض على أبيهما فسجنه.
وفيها توفي سعيد بن إياس الجريري البصري، محدث البصرة. روى عن أبي الطفيل وعدة. وساء حفظه قبيل موته. ويكنى أبا مسعود.
وفي آخرها، أو في أول سنة خمس، توفي عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمس بالمدينة في حبس المنصور، وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن أبيه، وعبد الله بن جعفر.
قال الواقدي: كان من العباد، وله شرف وهيبة ولسان سديد.
وفيها توفي فقيهُ الكوفة أبو شُبْرُمة عبد الله بن ُشْبُرمة الضبي القاضي. روى عن أنس والتابعين.
قال أحمد العجلي: كان عفيفاً صارماً عاقلاً يشبه النُساك، شاعراً جواداً.
وفيها عقيل بن خالد الأيلي، مولى بني أمية، وصاحب الزهري. لقي عكرمة وطائفة. وكان حافطاً ثبتاً حجة.
وفي ذي الحجة مُجالد بن سعيد الهمداني الكوفي، صاحب الشعبي.
كتبوا حديثه. وقد خرح له مسلم في صحيحه مقروناً بآخر.
سنة خمس وأربعين ومئة
فيها ظهر محمد بن عبد الله بن حسن. فخرح في مئتين وخمسين نفساً بالمدينة، وهو على حمار. وذلك في أول رجب. فوثب على متولي المدينة رباح وسجنه. وتتبع أصحاب رباح. ثم خطب الناس، وبايعه بالخلافة أهل المدينة قاطبةً طوعاً وكرهاً. وأظهر أنه قد خرج غضباً لله، وما تخلف عنه من الوجوه إلا نفر يسير. واستعمل على مكة عاملاً وعلى اليمن وعلى الشام، فلم يتمكن عماله وكان شديد الأدمة ضخماً فيه تمتمة وندب المنصور لحربة ابن عمه عيسى ابن موسى وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه لأن عيسى كان ولي العهد بعد المنصور عقد له ذلك السفاح. وكان المنصور يود هلاكه ليولي مكانه ولده المهدي. وسار عيسى في أربعة آلاف، وكتب إلى الأشراف يستميلهم ويمنيهم، فتفرق عن محمد بن عبد الله ناس كثير. وأشير عليه باللحاق بمصر ليتقوى منها. فأبى وتحصن بالمدينة. وعمق خندقها. فلما أظله عيسى قال: قد أحللتكم من بيعتي. فإن هذا قد جاء في عَددٍ وعُددٍ. فتسللوا عن محمد وبقي في طائفة فراسله عيسى يدعوه إلى الإنابة، ويبذل له الأمان فلم يسمع. ثم أنذر عيسى أهل المدينة ورغبهم ورهبهم أياماً ثم زحف على المدينة فظهر عليها و بادر محمداً وناشده الله، ومحمد لا يرعوي.
قال عثمان بن محمد بن خالد: إني لأحسب محمداً قتل بيده يومئذ سبعون رجلاً. وكان معه ثلاث مئة مقاتل. ثم قتل في المعركة وبعث عيسى برأسه إلى المنصور.
وفيها خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وكان قد سار من الحجاز إلى البصرة فدخلها سراً. في عشرة أنفس. وقد جرت له أمور غريبة في اختفائه وكان ربما يقع به بعض الأعوان فيصطنعه. فإنه دعا إلى نفسه سراً بالبصرة حتى بايعه نحو أربعة آلاف. وجاءه خبر ظهور أخيه بالمدينة فوجم واغتم.


ولما بلغ المنصور خروجه تحول فنزل الكوفة حتى يأمن غائلة أهلها. وألزم الناس بلبس السواد، وجعل يقتل كل من اتهمه أو يحبسه. وكان بالكوفة ابن ماعز يبايع لإبراهيم سراً. وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق. وخرج إبراهيم أول ليلة من رمضان، وتحسس منه سفيان متولي البصرة. وأقبل الخلق الى إبراهيم من بين ناصر وناظر. ونزل سفيان بالأمان ووجد إبراهيم في الحواصل ست مئة ألف. ففرضها لأصحابه خمسين خمسين. وبعث عاملاً على الأهواز ليفتحها. وبعث آخر إلى فارس، وآخر إلى واسط.
فجهز المنصور لحربه خمسة آلافٍ عليهم عامر المسكي. فكان بين الفريقين عدة وقعات. وقتل خلق من أهل البصرة وواسط. وبقي إبراهيم سائر رمضان يفرق العمال على البلدان ليخرج على المنصور من كل جهة فتق. فأتاه مصرع أخيه بالمدينة قبل الفطر بثلاث. فعيد بالناس وهم يرون فيه الانكسار.
وكان المنصور في جمعٍ يسير وعامة جيوشه في النواحي. فالتزم بعدها أن لا يفارقه ثلاثون ألفاً. فلم يبرح أن رد من المدينة عيسى بن موسى. فوجهه لحرب إبراهيم.
ومكث المنصور لا يقر له قرار. وجهز العساكر، ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة. وكل يوم يأتيه فتق من ناحية. هذا ومئة ألف سيف كامنة بالكوفة، ولولا السعادة لثل عرشه بدون ذلك. وكان ذلك صقراً أحوذياً مشمراً ذا عزم ودهاء.
وعن داود بن جعفر قال: أحصي ديوان إبراهيم بالبصرة فبلغوا مئة ألف.
وقال غيره: بل قام معه عشرة آلاف، فلو هجم بالكوفة لظفر بالمنصور، ولكنه كان فيه دين. قال: أخاف إن هجمتها أن يستباح الصغير والكبير، وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه. وكل يشير برأي إلى أن التقى الجمعان بباخمرا على يومين من الكوفة. فاشتد الحرب. واستظهر أصحاب إبراهيم.
وكان على مقدمة جيوش المنصور حميد بن قحطبة. فانهزم، وجعل عيسى بن موسى يثبت الناس، قد بقي في مئة من حاشيته. فأشاروا عليه بالفرار. فقال: لا أزل حتى أظفر أو أقتل. وكان يضرب به المثل بشجاعته ثم دار أبناء سليمان بن علي في طائفة وجاءوا من وراء إبراهيم. وحملوا على عسكره.
قال عيسى: لولا ابنا سليمان لافتضحنا. ومن صنع الله أن أصحابنا انهزموا.
فاعترض لهم نهرٌ، ولم يجدوا مخاضة، فرجعوا. فوقعت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، حتى بقي في سبعين، وأقبل حميد بن قحطبة فحمل بأصحابه. واشتد القتال حتى تفانى خلق تحت السيف طول النهار. وجاء سهم غرب لا يدرى من رمي به في حلق إبراهيم، فأنزلوه وهو يقول " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " أردنا أمراً وأراد الله غيره. واجتمع أصحابه يحمونه. وأنكر حميداً اجتماعهم وحمل عليهم. فتفرقوا عن إبراهيم فنزل جماعة واحتزوا رأسه. وبعث به إلى المنصور. وذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة، وعمره ثمان وأربعون سنة. وكان قد آذاه يومئذ الحر وحرارة الزردية. فحسرها عن صدره، فأصيب في لبته. ووصل إلى المنصور خلق منهزمين، وهيأ النجائب ليهرب إلى الري وكان يتمثل:
ونصبت نفسي للرماح درية ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول
فلما أسرعوا إليه بالبشارة وبالرأس تمثل بقول معقر البارقي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
قال خليفة: خرج مع إبراهيم: هشيم، وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس. وعباد بن العوام، ويزيد بن هارون، وكان أبو حنيفة يجاهر في أمره ويأمر بالخروج. قال أبو نعيم: فلما قتل هرب أهل البصرة براً وبحراً واستخفى الناس.
وفيها خرجت الترك والخزرج بباب الأبواب وقتلوا واستباحوا بعض أرمينية.
وفيها أمر المنصور فأسست بغداد. وابتدىء بإنشائها ورسم هيئتها و كيفيتها أولاً بالرماد وفرغت في أربعة أعوام بالجانب الغربي وتحول إليها المنصور في سنة ست وأربعين قبل تمامها. وبغداد في وقتنا أكثرها من الجانب الشرقي.
وفيها توفي الأجلح الكندي من مشاهير محدثي الكوفة. روى عن الشعبي وطبقته.
وفيها وقيل في سنة ست، إسماعيل بن أبي خالد البجلي، مولاهم، الكوفي الحافظ. أحد أعلام الحديث. سمع أبا جحيفة، وابن أبي أوفى، وخلقاً وكان صالحاً ثبتاً حجة.
وفيها حبيب ابن الشهيد البصري. روي عن الحسن وأقرانه، وأرسل عن أنس وجماعة. وكان ثبتاً كثير الحديث.


وفيها عمرو بن ميمون بن مهران الجزري الفقيه. أخذ عن أبيه مكحول وكان يقول: لو علمت أنه بقي علي حرف من السنة باليمن لأتيتها.
وفيها عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الكوفي الحافظ. أحد المحدثين الكبار. وكان شعبة جلالته يتعجب من حفظ عبد الملك. روى عن أنس فمن بعده.
وفيها عمر بن عبد الله مولى غفرة عن سن عالية. روى عن أنسٍ والكبار.
قال أحمد: أكثر حديثه مراسيل، وليس به بأس.
وقال ابن معين: ضعيف.
وفيها محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني. روى عن أبي سلمة وطائفة. وكان حسن الحديث، كثير العلم، مشهوراً. أخرج له البخاري مقروناً بآخر.
وفيها يحيى بن الحارث الذماري مقرىء دمشق وإمام جامعها. قرأ على ابن عامر. وروى عن واثلة بن الأسقع وخلق. وورد أنه قرأ القرآن أيضاً على واثلة، وعليه دارت قراءة الشاميين. وفيها يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب الكوفي. وكان ثقة إماماً صاحب سنة. روى عن الشعبي ونحوه.
سنة ست وأربعين ومئة
في صفر تحول المنصور فنزل بغداد قبل استتمام بنائها. وكان لا يدخلها أحد أبداً راكباً حتى إن عمه عيسى بن علي شكا إليه المشي فلم يأذن له.
وفيها توفي أشعث بن عبد الملك الحمراني، مولى حمران مولى عثمان. روى عن ابن سيرين وغيره، وكان ثقة ثبتاً حافظاً.
أما أشعث بن سوار فكوفي فيه ضعف.
وكذا أشعث الحداني الراوي عن أنس ليس بالقوي.
وفيها عوف الأعرابي البصري. وكان صدوقاً شيعياً كثير الحديث. روى عن أبي العالية وطائفة.
وفيها محمد بن السائب أبو نضر الكلبي الكوفي صاحب التفسير والأخبار والأنساب. أجمعوا على تركه وقد أتهم بالكذب والرفض.
قال ابن عدي: ليس لأحد أطول من تفسيره.
وفيها هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، الفقيه، أبو المنذر الأسدي المدني. أحد أئمة الحديث. أدرك عمه عبد الله بن الزبير وقال: مسح ابن عمر رأسي ودعا لي.
قال وهيب: قدم علينا هشام بن عروة. وكان مثل الحسن وابن سيرين.
وفيها أو في التي تليها، يزيد بن أبي عبيد صاحب سلمة بن الأكوع ومولاه بالمدينة.
سنة سبع واربعين ومئة
فيها بدعت الكفرة الترك بناحية إرمينية وقتلوا أمماً. ودخلوا تفليس. فالتقاهم المسلمون فلم ينصروا. وهرب أميرهم جبريل بن يحيى، وقتل مقدمه الآخر حرب الريوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد.
وفيها ألح المنصور وأسرف وتحيل بكل ممكن على ابن عمه ولي العهد عيسى بن موسى بالرغبة والرهبة حتى خلع نفسه كرهاً. وقيل بل عوضه عشرة آلاف ألف درهم. وعلى أن يكون أيضاً ولي عهدٍ بعد المهدي بن المنصور.
وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي حدث عن مجاهد وجماعة. وكان عالماً فقيهاً نبيلاً.
وفيها انهدم الحبس على الأمير عبد الله بن علي عم المنصور الذي هزم مروان وافتتح دمشق. وكان من رجال الدهر حزماً ورأياً ودهاءً وشجاعة.
سجنه المنصور مدة. وقيل إنه قتله سراً وهدم الحبس قصداً.
وفيه الإمام أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني. وكان أوفق إخوته وأفضلهم وأكثرهم علماً وصلاحاً وعبادة. روى عن القاسم وسالم ونافع.
وفيها هشام بن حسان الأزدي القردوسي الحافظ محدث البصرة وصاحب الحسن وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان أعلم الناس بحديث الحسن. وقيل: كان عنده ألف حديث.
سنة ثمان وأربعين ومئة
فيها توجه حميد بن قحطبة في جيش كثيف إلى ثغر إرمينية.
وفي آخرها توفي الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق ولد أبي جعفر محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي العلوي. وأمه فروة ابنه القاسم ابن محمد بن أبي بكر. فهو علوي الأب بكري الأم. روى عن أبيه وجده القاسم وطبقتهما. وكان سيد بني هاشم في زمانه. عاش ثمانياً وستين سنة وأشهراً.
وفي ربيع الأول توفي الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، الأعمش. روى عن ابن أبي أوفى وأبي وائل، والكبار.
وكان محدث الكوفة وعالمها.
قال ابن المديني: للأعمش نحو ألف وثلاث مئة حديث.
وقال ابن عيينة: كانأقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بالفرائض وأحفظهم للحديث.
وقال يحيى القطان: هو علامة الإسلام.
وقال وكيع: بقي الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.


قال الخريبي: ما خلف أعبد منه.
وفيها شبل بن عباد قارىء أهل مكة. وتلميذ ابن كثير. حدث عن أبي الطفيل وطائفة.
وفيها عمرو بن الحارث المصري الفقيه. حدث عن ابن أبي مليكه وطبقته.
قال ابن وهب: ما رأيت أحفظ منه.
وقال أبو حاتم الرازي: كان أحفظ الناس في زمانه، لم يكن له نظير في الحفظ.
وفيها محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي القاضي، عالم أهل حمص.
أخذ عن مكحول وعمرو بن شعيب وخلق. وقال: أقمت مع الزهري عشر سنين بالرصافة. وقال الزهري عنه: قد احتوى هذا على ما بين جنبي من العلم.
وقال محمد بن سعد: كان أعلم التابعين بالفتوى والحديث.
وفيها العوام بن حوشب شيخ واسط. وروى عن إبراهيم النخعي وجماعة.
قال يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
وفيها في رمضان قاضي الكوفة ومفتيها أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الفقيه لم يدرك أباه. وسمع الشعبي وطبقته.
قال أحمد بن يونس: كان أفقه أهل الدنيا.
قلت: وكان صاحب قرآن وسنة. قرأ عليه حمزة وكان صدوقاً جائز الحديث.
وفيها محمد بن عجلان المدني. روى عن أبيه وأنس وطائفة وكان ناسكاً صادقاً. له حلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم للفتوى. روى له مسلم مقروناً بآخر.
سنة تسع وأربعين ومئة
فيها غزا الناس بلاد الروم وعليهم العباس بن محمد. فمات في الغزاة أكبر أمرائه محمد بن الأشعث الذي كان ولي إمرة مصر.
وفيها توفي بالكوفة زكريا بن أبي زائدة الهمداني القاضي ولد يحيى. روى عن الشعبي وغيره. وفيها كهمس بن الحسن البصري روى عن أبي الطفيل وجماعة.
وفيها المثنى بن الصباح اليماني بمكة. روى مجاهد وعمرو بن شعيب وطائفة.
وكان من أعبد الناس وفي حديثه ضعف.
سنة خمسين ومئة
فيها خرجت أهل خراسان على المنصور مع الأمير استاذ سيس حتى اجتمع له فيما قيل ثلاث مئة ألف مقاتل من بين فارس وراجل، سائرهم من أهل وسجستان. واستولى على أكثر خرسان. وعظم الخطب فنهض لحربه الأخثم المروروذي. فقتل الأخثم واستبيح عسكره. فسار حازم بن خزيمة في جيش عظيم بالمرة فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وقتل خلق كثير، حتى قيل إنه قتل في هذه الوقعة سبعون ألفاً. وانهزم استاذ سيس في طائفة إلى جبل. وكانت هذه الوقعة في السنة الآتية سقناها استطراداً.
ثم أمر حازم بالأسرى فضربت أعناقهم كلهم. وكانوا أربعة عشر ألفاً. ثم حاصر استاذ سيس مدة. ثم نزل على حكمهم، فقيد هو وأولاده، وأطلق أصحابه، وكانوا ثلاثين ألفاً.
فيها توفي إمام الحجاز أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي ثم المكي مولى بني أمية، عن أكثر من تسعين سنة. أخذ عن عطاء وطبقته. وهو أول من صنف الكتب بالحجاز، كما أن سعيد بن أبي عروبة أول من صنف بالعراق.
قال أحمد: كان ابن جريج من أوعية العلم.
قلت: ولم يطلب العلم إلا في الكهولة، ولو سمع في عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة. فإنه قال: كنت أتبع الأشعار والعربية والأنساب حتى قيل لي: لو لزمت عطاءً فلزمته ثمانية عشر عاماً.
قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أعلم بعطاء بن أبي رباح من ابن جريج.
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج.
وقال خالد بن نزار الأيلي: رحلت بكتب ابن جريج سنة خمسين ومئة لألقاه فوجدته قد مات رحمه الله.
وفي رجب توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة. ومولده سنة ثمانين. رأى أنساً، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقه. وتفقه على حماد بن أبي سليمان. وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء. وكان لا يقبل جوائز الدولة بن ينفق ويؤثر من كسبه. له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صُناع وأجراءُ.
قال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل. فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل. فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. وقد روي أن المنصور سقاه السم فمات شهيداً رحمه الله سمّه لقيامه مع إبراهيم.


وفيها توفي عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر العمري بعسقلان روى عن سالم بن عبد الله وطائفة. ولم يعقب. وكان من السادة العباد.
قال الثوري: لم يكن في آل ابن عمر أفضل منه. وقال أبو عاصم نبيل: كان من أفضل أهل زمانه.
وفيها توفي عثمان بن الأسود المكي. روى عن سعيد بن جبير ومجاهد وطاوس.
سنة إحدى وخمسين ومئة
فيها قدم المهدي من الري إلى بغداد ليراها. فأمر أبوه ببناء الرصافة المهدي في الجانب الشرقي مقابلة بغداد. وجعل له حاشية وحشم وآلة في زي الخلافة. وجدد البيعة بالخلافة للمهدي من بعده، ومن بعد المهدي لعيسى بن موسى.
وفي رجب توفي الإمام عبد الله بن عون شيخ أهل البصرة وعالمهم.
روى عن أبي وائل والكبار.
قال هشام بن حبان: لم تر عيناي مثل ابن عون.
وقال قرة: كنا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما كان بالعراق أعلم بالسنة من ابن عون.
وفيها، على الصحيح، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، مولاهم، المدني صاحب السيرة. رأى أنساً. وسمع الكثير من المقبري والأعرج وهذه الطبقة.
وكان بحراً من بحور العلم. ذكياً حافظاً طالباً للعلم أخبارياً نسابة علامة.
قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن معين: هو ثقة وليس بحجة.
وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث.
وفيها حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي. روى عن مجاهد وطبقته.
فيها الوليد بن كثير المدني بالكوفة. روى عن بشير بن يسار وطائفة. وكان عارفاً بالمغازي والسير. ولكنه إباضي.
وفيها سيف بن سليمان المكي. روى عن مجاهد وغيره.
وفيها أو في التي تليها، صالح بن علي الأمير عم المنصور، وأمير الشام، وهو الذي أمر ببناء أذنة التي في يد صاحب سيس. وقد هزم الروم نوبة دابق، وكانوا في مئة ألف.
وفيها قتلت الخوارج غيلة معن بن زائدة الشيباني الأمير بسجستان. وكان قد وليها عام أول. وكان أحد الأبطال والأجواد.
سنة اثنتين وخمسين ومئة
فيها توفي إبراهيم بن أبي عبلة أحد الأشراف والعلماء بدمشق. عن سن عالية. روى عن أبي أمامة وواثلة الأسقع وخلق كثير.
وفيها عباد بن منصور الناجي. روى عن عكرمة وجماعة. وولي قضاء البصرة تلك الأيام لإبراهيم بن عبد الله بن حسن الحسني وليس بالقوي في الحديث.
وفيها أبو حرة واصل بن عبد الرحمن البصري. روى عن الحسن وطبقته.
قال شعبة: هو أصدق الناس.
وقال أبو داود الطيالسي: كان يختم في كل ليلتين.
وفيها، وقيل بعدها، يونس بن يزيد الأيلي صاحب الزهري وأوثق أصحابه. وقد روىعن القاسم وسالم وجماعة. وتوفي بالصعيد.
سنة ثلاث وخمسين ومئة
فيها غلبت الخوارج الإباضية على إفريقية، وهزمواعسكرها، وقتلوا متوليها عمر بن حفص الأزدي وكان على رأسهم ثلاثة: أبو حاتم الإباضي، وأبو محمد. وأبو قرة الصفري. وكان أبو قرة في أربعين ألفاً من الصفرية قد بايعوه بالخلافة. وكان أبو حاتم وصاحبه في مئتي ألف فارس وأمم لا يحصون من الرجالة.
وفيها ألزم المنصور الناس بلبس القلانس المفرطة الطول. وتسمى الدنية لشبهها بالدن. وكانت تعمل من كاغد ونحوه على قصب ويعمل عليها السواد. وفيها شبه من الشربوش.
وفيها توفي أبو زيد أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني. روى عن سعيد بن المسيب فمن بعده. وفيها أبو خالد ثور بن يزيد الكلاعي الحافظ محدث حمص. روى عن خالد بن معدان وطبقته. قال يحيى القطان: ما رأيت شامياً أوثق منه.
وقال أحمد: كان يرى القدر. ولذلك نفاه أهل حمص.
وفيها الفقيه أبو محمد الحسن بن عمارة الكوفي قاضي بغداد. روى عن ابن أبي ملكية والحكم وطبقتهما. وهو واه باتفاقهم.
وفيها الضحاك بن عثمان الحزامي المدني. روى عن نافع وجماعة.
وفيها عبد الحميد بن جعفر الأنصاري المدني. روى عن المقبري وجماعة.
وفيها، وقيل سنة خمس، فطر بن خليفة أبو بكر الكوفي الحناط. روى عن أبي الطفيل وأبي وائل وخلق. وهو مكثر حسن الحديث، روى له البخاري مقرونا بآخر.
وفيها محل بن محرز الضبي الكوفي. قال أبو حاتم: كان آخر من بقي من أصحاب إبراهيم. ما بحديثه بأس. ولا يحتج به.


قلت: لم يخرجوا له في الكتب الستة شيئاً. وقد روى أيضا عن أبي وائل والشعبي. ووثقه أحمد. وفي رمضان معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، البصري الحافظ أبو غزوة صاحب الزهري، كهلاً. روى عن أبي جبارة والحسن. وأقدم شيوخه موتاً قتادة.
قال أحمد: ليس يضم معمر إلى أحد إلا وجدته فوقه.
وقال غيره: كان معمر صالحاً خيراً وهو أول من ارتحل إلى اليمن في طلب الحديث، فلقي بها همام بن منبه صاحب أبي هريرة.
وفيها موسى بن عبيدة الربذي بالمدينة روى عن نافع وطبقته. وكان صالحاً ضعيفاً باتفاق. وفيها على الأصح، وقيل سنة أربع، هشام بن أبي عبد الله الحافظ البصري الدستوائي ويقال صاحب الدستوائي لأنه كان يتجر في الثياب المجلوبة من دستوا. وهي من الأهواز. روى عن قتادة وطبقته.
قال شعبة: ما من الناس أحد أقول إنه طلب الحديث لله إلا هشام الدستوائي. وهو أعلم بحديث قتادة مني.
وقال أبو داود الطيالسي: كان أمير المؤمنين في الحديث.
قال شاذ بن فياض: بكى هشام حتى فسدت عيناه.
وفيها هشام بن الغاز الجرشي الدمشقي متولي بيت المال للمنصور. روى عن مكحول وطبقته. وكان من ثقات الشاميين وعلمائهم.
وفيها وهيب بن الورد المكي العابد، صاحب المواعظ والرقائق روى عن حميد بن قيس الأعرج وجماعة.
سنة أربع وخمسين ومئة
فيها أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على المغرب، فسار إلى الشام، وزار القدس. وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس، وعقد له على المغرب. فبلغنا أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم. ومر بدمشق فاستعمل على قضائها يحيى بن حمزة، فبقي قاضياً ثلاثين سنة.
وفيها توفي فقيه الجزيرة وعالمها جعفر بن برقان الجزري صاحب ميمون بن مهران.
وفيها توفي أشعب الطامع. ويعرف بابن أم حميد المدني. روى عن عكرعة وسالم. وله نوادر وملح في الطمع والتطفل سائدة.
وفيها عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي. محدث دمشق. روى عن أبي الأشعث الصنعاني وخلق من التابعين.
وفيها قرة بن خالد السدوسي البصري صاحب الحسن وابن سيرين.
قال يحيى القطان: كان من أثبت شيوخنا.
وفيها معمر في قول وقد مر.
وفيها الحكم بن أبان العدني. روى عن طاوس وجماعة. و كان شيخ أهل اليمن وعالمَهم بعد مَعْمر.
قال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنة. كان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه، فيذكر الله حتى يُصبج.
وفيها مقرىء البصرة الإمام أبوعمرو بن العلاء المازني، أحد السبعة، وله أربع وثمانون سنة قرأ على أبي العَالية الرياحيّ وجماعة. وروى عن أنس وإياس.
قال أبو عمرو: كنت رأساً والحسن حي. ونظرت في العلم قبل أن أختن.
وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر وأيام العرب. قال: وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها.
سنة خمس وخمسين ومئة
فيها افتتح يزيد بن حاتم إفريقية واستعادها من الخوارج وهزمهم وقتل كبارهم: أبا حاتم وأبا عاد وطائفة. ومهد قواعدها.
وفيها أو سنة ثمان، توفي. محدث حمص صفوان بن عمرو السكسكي. أدرك أبا أمامة. وروى عن عبد الله بن بسر وعن جبير بن نفير والكبار.
وفيها مسعر بن كدام الحافظ، أبو سلمة الهلالي الكوفي. أخذ عن الحكم وقتادة وخلق. وكان عنده نحو ألف حديث.
وقال يحيى القطان: ما رأيت أثبت منه.
وقال شعبة: كنا نسمي مسعراً المصنف.
وقال أبو نعيم: مسعر أثبت من سفيان وشعبة.
وفيها عثمان بن أبي العاتكة الدمشقي القاضي. روى عن عميربن هانئ العنس وجماعة.
سنة ست وخمسين ومئة
فيها توفي سعيد بن أبي عروبة الإمام أبو النضر العدوي. شيخ البصرة وعالمها. وأول من دون العلم بها. وكان قد تغير حفظه قبل موته بعشر سنين. روى عن أبي رجاء العطاردي وابن سيرين والكبار. وقيل توفي سنة سبع وخمسين.
وفي آخر السنة عبد الله بن شوذب البلخي ثم البصري نزيل بيت المقدس. روى عن الحسن وطبقته. وكان كثير العلم جليل القدر.
قال كثير بن الوليد: كنت إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة.
قلت:عاش سبعين سنة.


وفيها شيخ إفريقية وقاضيها وأول من ولد بها من المسلمين عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم الشّعبْاني الإفريقيّْ الزاهد الواعظ. روى عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي وطبقته. وقد وفد على المنصور فوعظه بكلام خشن فاحتمله، وليس بقوي في الحديث.
وفيها عمر بن ذر الهمداني الكوفي الواعظ البليغ. روى عن أبيه وأبي وائل والكبار.
وفيها علي بن أبي حملة الدمشقي المعمر. أدرك معاوية وروى عن أبي إدريس الخولاني والكبار. و قد وثقه أحمد وغيره.
وفيها، وقيل سنة ثمان، فارسُ الكوفة أبو عُمارة حمزة بن حبيب التيمي. مولى تيم الله بن ربيعة، الكوفي الزيات الزاهد. أحد السبعة. قرأ على التابعين. وتصدر للإقراء. فقرأ عليه جُل أهل الكوفة. وحدث عن الحكم ابن عُييَنة وطبقته. وكان رأسا في القرآن والفرائض، قدوة في الورع.
سنة سبع وخمسين ومئة
فيها توفي الحُسينُ بن واقد المروزي قاضي مرو. روى عن عبد الله ابن بريدة وطبقته.
وفي صفر إمام الشاميين أبو عَمْرو عبدُ الرحمن بن عمرو الأْوزاعيُ الفقيهُ. روى عن القاسم مُخَيْمَرة، وعطاء، وخلق كثيرمن التابعين. وكان رأساً في العلم والعمل، جم المناقب. ومع علمه كان بارعاً في الكتابة والترسل.
قال الهقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة.
وقال إسماعيل بن عياش: سمعتُ الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة. وقال عبد الله الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.
وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهاداً في العبادة من الأوزاعي.
وقال أبو مسْهَر: كان يُحيي الليل صلاة وقرآناً وبُكاءً.
ومات في الحمام، أغلقت عليه امرأته باب الحمام ونسيتْهُ فمات. رحمه الله.
وفيها محمد بن عبد الله ابن أخي الزُهّري المدني. روى عن عمه وأبيه.
وفيها مُصْعَبُ بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام بالمدينة. روى عن أبيه وعطاء وطائفة. ضعفه ابن معين.
وفيها يوسفُ بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي. روى عن جده وعن الشعبي. قال ابن عُيَبْنَة: لم يكن في ولد أبي إسحاق أحَفظ منه.
سنة ثمان وخمسين ومئة
فيها صادر المنصور خالد بن برمك وأخذ منه ثلاثة آلاف ألف درهم، ثم رضي عليه وأمَّرّه على الموصل.
وفيها توفي أفْلَحُ بن حُمَيْد الأنصاري المدني. روى عن القاسم أبي بكر بن حزْم.
وفيها توجه المنصور للحج. فأدركه أجله يوم سادس ذي الحجة عند بئر ميمون بظاهر مكة مُحْرماً. فأقام الموسم إبراهيمُ بن يحيى بن محمد، صبيّ أمرد. وهو ابن أخي المنصور. واستخلف المهدي.
وفيها توفي الفقيه أبوعمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي نزيل الأندلس. وقاضي الجماعة بها. حج فأدركه الأجل بمكة. صلى عليه الثوري روى عن مكحول وطبقته. وأكثر عنه في هذا العام المصريون والحجاج. وقيل مات سنة تسع.
وفيها، على الصحيح، حيوة بن شريح التجيبي المصري الفقيه أحَدُ الزهاد والعلماء السادة. صحب يزيد بن أبي حبيب. وروى عن أبي يونس مَولى أبي هريرة وطبقته. وكان مجاب الدعوة.
وفيها زُفَرَ بن الهذيل العنبري الفقيه صاحب أبي حنيفة، وله ثمان وأربعون سنة. وكان ثقة في الحديث، موصوفاً بالعبادة. نزل البصرة وتفقهواعليه.
وفيها عبيد الله بن أبي زياد الرصافي الشامي صاحب الزهري. وثقة الدارقطني لصحة كتابه. وما روى عنه إلا حفيدُه حجاج بن أبي منيع.
وفيها توفي أخباريان كبيران: عبدُ الله بن عياش الهمداني الكوفي صاحب الشعبي ويعرف بالمنتوف.
وعوانة بن الحكم البصريُ.
وفيها في ذي الحجة بمكة المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي وله ثلاث وستون سنة وكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة. وكانت أمة بربرية. وكان طويلاً مهيباً أسمرَ خفيف اللحية. رحب الجبهة. كأن عينيه لسانان ناطقان، تقبله النُفوس. وكان يُخالط أبهة الملك بزي أولي النسك. ذا حزمٍ وعزمٍ ودهاءٍ ورأي وشجاعة وعَقْل. وفيه جبروت وظلم.
وفيها مات طاغية الروم قسطنطين بن إليون عليه اللعنة.
سنة تسع وخمسين ومئة
فيها ألحّ المهدي على ولي العهد عيسى بن موسى بكل ممكن، بالرغبة والرهبة، في خلع نفسه، ليولي العهد لولده موسى الهادي فأجاب خوفاً على نفسه. فأعطاه المهدى عشرة آلاف ألف درهم وإقطاعات.


وفيها تُوفي الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب هشام بن شعبة القرشي العامري المدني الفقيه.
ومولده سنة ثمانين. روى عن عكْرمة ونافع وخلق.
قال أحمد بن حنبل: كان يشبه بسعيد بن المسيب. وما خلَفَ مثله. كان أفضل من مالك إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال.
وقال الواقدي: كان ابن أبي ذئب يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، فلو قيل إن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيد من الإجتهاد. وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ثم سرده. وكان شديد الحال يتعشى بالخبز والزيت. وكان من رجال العالم صرامة وقولاً بالحق. وكان يحفظ حديثه لم يكن له كتاب.
وقال أحمد: دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر يعني المنصور فلم يؤهله أن قال: الظلم ببابك فاش وأبو جعفر أبو جعفر.
وفيها عبد العزيز بن أبي رواد بمكة. روى عن عكرمة وسالم وطائفة.
قال ابن المبارك: كان من أعبد الناس.
وقال غيره: كان مرجئاً.
وفيها عكرمة بن عمار اليمامي. روى عن طاوس وجماعة وسمع من الهرماس بن زياد الصحابي.
قال عاصم بن علي: كان مستجاب الدعوة.
قلت: آخر من روى عنه يزيد بن عبد الله اليمامي شيخ ابن ماجه.
وفيها عمار بن زريق الضبي الكوفي. روى عن منصور والأعمش.
وكان كبير القدر عالماً خيراً. قال أبو أحمد الزبيري لبعضهم: لو كنت اختلفت إلى عمار بن زريق لكفاك بأهل الدنيا.
وفيها، أو في سنة سبع عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني. ولقبه رباح. روى عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب. وهو أكبر شيخ للقعنبي.
وفيها في أولها مالك بن مغول البجلي الكوفي روى عن الشعبي وطبقته. وكان كثير الحديث ثقة حجة.
قال ابن عيينة: قال له رجل اتق الله فوضع خده بالأرض.
وفيها يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن سن عالية. روى عن أنسٍ وكبار التابعين. وكان صدوقاً كثيرالحديث قال عبد الرحمن بن مهدي، وغيُره: لم يكن به بأس.
وفيها أميرُ خراسان حمُيد بن قُحْطبة بن شبيب الطائيّ. وقد ولي أيضاً الجزيرة ومصر.
سنة ستين ومئة
في أولها كان خلع عيسى بن موسى. وقد ذكرنا ابتداء ذلك في السنة الماضية.
وفيها افتتح المسلمون وعليهم عبد الملك المسمعي مدينة كبيرة بالهند.
وفيها فرق المهدي في الحرمين أموالاً عظيمة إلى الغاية قيل إنها بلغت ثلاثين ألف ألف درهم. وفرق من الثياب مئة ألف وخمسين ألف ثوب. وحمل محمد بن سليمان الأمير الثلج حتى وافى به مكة للمهديَ، وهذا شيء لم يتهيأ لأحد.
وتُوفي في غزوة الهند في الرجعة بالبحر الربيع بن صبيح البصري صاحب الحسن. وقد قال فيه شُعبةُ: هو عندي من سادات المسلمين.
وقال أحمد: لا بأس به.
وفيها لثلاث بقين من جُمادى الآخرة شعبة بن الحجاح بن الورد، الإمام أبو بسطام العتكي الازدي. مولاهم، الواسطي، شيخ البصرة. وأمير المؤمنين في الحديث روى عن معاوية بن قرة وعمرو بن مرة وخلق من التابعين.
قال الشافعي: لو لا شعبة ما عرف الحديث بالعراق.
وقال ابن المدني: له نحو ألفي حديث.
وقال سفيان لما بلغه موت شعبة: مات الحديث.
وقال أبو زيد الهروي: رأيت شعبة يصلي حتى تورم قدماه. وقد أثنى جماعة من كبار الأئمة على شعبة ووصفوه بالعلم والزهد والقناعة والرحمة والخير. وكان رأساً في العربية والشعر سوى الحديث.
وفيها توفي المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي. روى عن الحكم بن عيينة وعمرو بن مرة وخلق.
قال أبو حاتم: كان أعلم أهل زمانه بحديث ابن مسعود. وتغير قبل موته بسنة أو سنتين.
سنة إحدى وستين ومئة
فيها كان ظهور عطاء المقنع الساحر الملعون الذي ادعى الربوبية بناحية مرو. واستغوى خلائق لا يحصون، ورأى الناس قمراً ثانياً في السماء كان يرى إلى مسيرة شهرين.
وفي شعبان توفي الإمام العالم أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي الفقيه، سيد أهل زمانه علماً وعملاً، وله ست وستون سنة. روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب، وخلق كثير.
قال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومئة، ما فيهم أفضل من سفيان الثوري.
وقال شعبة ويحيى بن معين وغيرهما: سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: لا يتقدم سفيان في قلبي أحد.


وقال يحيى القطان: ما رأيت أحداً أحفظ من الثوري، وهو فوق مالك في كل شيء.
وقال سفيان: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني.
وقال ورقاء: لم ير الثوري مثل نفسه.
وكان كثير الحط على المنصور لظلمه. فهم به وأراد قتله، فما أمهله الله. ومناقب سفيان كثيرة لا يحتملها هذا التاريخ.
وفي أولها أبو الصلت زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي الحافظ. روى عن زياد بن علاقة وطبقته. قال أبو حاتم: ثقة صاحب سنة.
وقال الطيالسي: كان لا يحدث عن صاحب بدعة.
وفيها حرب بن شداد اليشكري البصري. روى عن شهر بن حوشب، والحسن، ويحيى بن أبي كثير.
وفيها سعيد بن أبي أيوب المصري، وقد نيف على الستين. روى عن أبي زهرة بن معبد و جماعة.
وفيها أو في حدودها، ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي بالمدائن. روى عن عبيد الله بن أبي يزيد ومنصور وطبقتهما. قال أبو داود الطياليسي: قال لي شعبة: عليك بورقاء، فإنك لن تلقى مثله حتى ترجع.
وقال أحمد: كان ثقة صاحب سنة.
وفيها أو في حدودها هشام بن سعد المدني يتيم زيد بن أسلم. روى عن نافع وطائفة.
وفيها، أو في حدودها، داود بن قيس المدني الفراء الدباغ. روى عن المقبري وطبقته.
وأبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان. روى عن عطاء بن أبي رباح، الربيع بن أنس الخراساني. وكان زميل المهدي إلى مكة.
سنة اثنتين وستين ومئة
وفيها ظهرت المحمرة ورأسهم عبد القهار إبراهيم بن أدهم واستولوا على جرجان. وقتلوا خلائق. فقصده عمر بن العلاء من طبرستان، فقتل عبد القاهر وخلق من أصحابه.
وفيها إبراهيم بن أدهم البلخي الزاهد بالشام. روى عن منصور.ومالك بن دينار، وطائفة. ووثقه النسائي. وغيره. وكان أحد السادات.
وفيها. وقيل سنة ستين، داود بن نصير الطائي الكوفي الزاهد. وكان أحد من برع في الفقيه، ثم اعتزل. روى عن عبد الملك بن عمير وجماعة. وكان عديم النظير زهداً وصلاحاً.
وفيها قاضي العراق أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري المدني. أخذ عن زيد بن أسلم وجماعة. وهو متروك الحديث. قد ولي بعده القاضي أبو يوسف.
وفيها أبو المنذر زهير بن محمد التيمي المروزي الخراساني. نزل الشام، ثم الحجاز. وحدث عن عمرو بن شعيب وطائفة.
وفيها، أو قبلها، يزيد بن إبراهيم التستري ثم البصري. روى عن الحسن وعطاء والكبار. وكان عفان يثني عليه ويرفع أمره.
وفيها، أو في حدودها، شبيب بن شيبة المنقري البصري. وكان فصيحاً بليغاً أخبارياً. روى عن الحسن وابن سيرين.
وأبو سفيان حرب بن شريح المنقري البصري البزار، روى عن ابن أبي مليكة وجماعة.
قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وأبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني القاص، عن سن عالية.
رأى أبا سعيد الخدري. وروى عن السائب بن يزيد وجماعة.
قال ابن سعد: كان من أهل الفضل والنسك، يعظ ويذكر.
قلت: آخر من روى عنه كامل بن طلحة.
سنة ثلاث وستين ومئة
فيها قتل المهدي جماعة من الزنادقة. وصرف همته إلى تتبعهم، وأتى بكتب من كتبهم فقطعت بحضرته بحلب.
وفيها بالغ سعيد الجرشي في حصار عطاء المقنع. فلما أحس الملعون بالغلبة استعمل سما وسقى نساءه. فأهلكهم الله. ودخل المسلمون الحصن فقطعوا رأسه ووجهوا به إلى المهدي. فوافاه بحلب.
وكان يقول بالتناسخ، وأن الله تحول إلى صورة آدم، ولذلك سجدت له الملائكة، ثم تحول إلى صورة نوح، ثم إلى غيره من الأنبياء والحكماء، ثم إلى صورة أبي مسلم الخراساني، ثم إلى صورته، تعالى الله عن قوله علواً كبيراً. فعبده خلق وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من قبح صورته وعوره ولكنته وقصره. وكان قد اتخذ وجهاً من ذهب ولذلك قيل له المقنع، واستغواهم بالسحر، وأطمع لهم قمراً يرى من مسيرة شهرين. كما قيل:
إليك فما بدرُ المّقنع طالعاً ... بأَسحر من ألحاظ بدري المّعمم
وفيها توفي إبراهيم بن طهمان الخراساني بنيسابور روى عن عمر بن دينار وطبقته.
قال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث. ما كان بخراسان أكثر حديثاً منه.
وفيها أرطاة بن المنذر الألهاني الحمصي سمع سعيد بن المسيب والكبار. وكان ثقة حافظاً زاهداً معمراً.
قال أبو اليمان: كنت أشبه أحمد بن حنبل بأرطاة بن المنذر.


وفيها بكير بن معروف الدامغاني المفسر قاضي نيسابور، بدمشق. روى عن أبي الزبير المكي وجماعة.
قال النسائي: ليس به بأس.
وفيها حريز بن عثمان الحمصي. روى عن عبد الله بن بسر الصحابي، وعن كبار التابعين. واتهم بنصب ما.
قال أبو اليمان: كان ساول من رجل ثم ترك.
وقال أبو حاتم: لا يصح ما يقال في رأيه. ولا أعلم بالشام منه.
وقال أحمد: ثقة ثقة.
وفيها عيسى بن علي عم المنصور روى عن أبيه وقال ابن معين: ليس به بأس.
وفيها أو في التي قبلها، شعيب بن أبي حمزة بن دينار الحمصي، مولى بني أمية. وصاحب الزهري.
قال أحمد بن حنبل: رأيت كتبه قد ضبطها وقيدها. قال: وهو عندنا فوق يونس وعقيل.
وقال علي بن عياش: كان عندنا من كبار الناس. وكان من صنف آخر في العبادة.
وفيها موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري. روى عن أبيه وطائفة. وولي إمرة ديار مصر للمنصور ستة أعوام.
وهمام بن يحيى العوذي، مولاهم، البصري. روى عن وعطاء وطائفة. وكان أحد أركان الحديث ببلده.
قال أحمد: هو ثبت في كل مشايخه.
وفيها يحيى بن أيوب الغافقي المصري. روى عن بكير بن الأشج وجماعة. وكان كثير العلم فقيه النفس.
وفيها أو حدودها أبو غسان محمد بن مطرف المدني. روى عن محمد ابن المنكدر وطبقته.
سنة أربع وستين ومئة
فيها أقبل ميخائيل البطريق وطازاد الأرمني لعنهما الله في تسعي ألفاً. ففشل عبد الكبير ومنع المسلمين من الملتقى ورد، فهم المهدي بضرب عنقه وسجنه.
وفيها توفي إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني شيخ آل طلحة عن سن عالية. روى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعن عمته موسى وعيسى. وآخر روى عنه بشر بن الوليد الكندي. وهو متروك الحديث.
وفيها أبو معاوية شيبان النحوي الكوفي. نزل بغداد. وروى عن الحسن وطائفة بعده. وكان كثير الحديث عارفاً بالنحو صاحب حروف وقراءات، ثقة حجة.
وفيها عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني الفقيه. روى عن الزهري وطبقته. وكان إماماً مفتياً صاحب حلقة.
وفيها مبارك بن فضالة البصري، مولى قريش. روى عن الحسن، وبكر المزني وطائفة. وكان من كبار المحدثين والنساك. وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه.
وقال أبو داود: مدلس. فإذا قال حديثاً فهو ثبت.
وقال مبارك: جالست الحسن ثلاث عشرة سنة.
وقال أحمد: مارواه عن الحسن يحتج به.
وفيها، أو في التي تليها، عبد الله بن العلاء بن زبر الربعي الدمشقي. يروي بن القاسم ومكحول وكان بن أشراف البلد. عمر تسعين سنة.
سنة خمس وستين ومئة
فيها غزا المسلمون غزوة مشهورة، وعليهم هارون الرشيد وهو صبي أمرد. وفي خدمته الربيع الحاجب. فافتتحوا ماجدة من الروم، والتقوا الروم وهزموهم، ثم ساروا حتى وصلوا إلى خليج القسصنطينية، وقتلوا وسبوا. وصالحتهم ملكة الروم على مال جليل. فقيل إنه قتل من الروم في هذه الغزوة المباركة خمسون ألفاً. وغنم المسلمون ما لا يحصى، حتى بيع الفرس بدرهم، والبغل الجيد بعشرة دراهم.
وفيها توفي سليمان بن المغيرة البصري، عالم أهل البصرة في وقته. روى عن ابن سيرين وثابت.
قال شعبة: هو سيد أهل البصرة.
وقال الخريبي: ما رأيت بصرياً أفضل منه.
وقال أحمد: ثبت ثبت.
وفيها عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد عن تسعين سنة. روى عن خالد بن معدان وطبقته.
قال أحد بن حنبل: كان عابد أهل الشام. وذكر من فضله.
وقال أبو داود: كان مجاب الدعوة. وكانت فيه سلامة. وما به بأس.
وقال أبو حاتم: ثقة.
وفيها توفي معروف بن مشكان قارئ أهل مكة. وأحد أصحاب ابن كثير. وقد سمع من عطاء وغيره.
وفيها وهيب بن خالد أبو بكر البصري الحافظ. روى عن منصور وطائفة كبيرة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أبصر اصحابه بالحديث والرجال.
وقال أبو حاتم: يقال لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه.
وفيها خالد بن برمك وزير السفاح، وجد جعفر البرمكي، عن خمس وسبعين سنة. وكان يتهم بالمجوسية.
وفيها في آخر يوم منها أبو الأشهب العطاردي جعفر بن حبان بالبصرة روى عن أبي رجاء العطاردي والحسن والكبار، وعاش خمساً وتسعين سنة.
سنة ست وستين ومئة


فيها قبض المهدي على وزيره يعقوب بن داود لكونه أعطاه هاشمياً من ولد فاطمة رضي الله عنه ليقتله، فاصطنعه وهربه. فظفر به الأعوان وكان يعقوب شيعياً يميل إلى الزيدية ويقربهم. وفيها توفي أبو معاوية صدقة بن عبد الله السمين، من كبار محدثي دمشق. روى عن القاسم أبي عبد الرحمن وطائفة.
وفيها معقل بن عبد الله الجزري، من كبار علماء الجزيرة. روى عن عطاء بن أبي رباح، وميمون بن مهران، والكبار.
وفيها أبو بكر النهشلي الكوفي، وفي اسمه أقوال. روى عن أبي بكر ابن أبي موسى الأشعري وجماعة. وآخر أصحابه موتاً جبارة بن المغلس.
سنة سبع وستين ومئة
فيها جد المهدي في طلب الزنادقة في الآفاق وأكثر الفحص عنهم، وقتل طائفة.
وفيها أمر بالزيادة في المسجد الحرام وغرم عليها أموالاً عظيمةً، ودخلت فيه دور كبيرة.
وفيها توفي عالم أهل البصرة حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري الحافظ. في أواخر السنة. سمع قتادة وأبا جمرة الضبيعي وطبقتهما. وكان سيد أهل وقته.
قال وهيب بن خالد: حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا.
وقال ابن المديني: كان عند يحيى بن ضريس عن حماد بن سلمة عشر آلاف حديث.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل الحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزد في العمل شيئاً.
وقال شهاب البلخي: كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال.
وقال غيره: كان فصيحاً مفوهاً، إماماً في العربية، صاحب سنة. وله تصانيف في الحديث. وكان بطائنياً. فروى سوار بن عبد الله عن أبيه قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه. فإذا ربح ثوب حبة أو حبتين شد جونته وقام.
وقال موسى بن اسماعيل: لو قلت إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً لصدقت. كان يحدث أو يسبح أو يقرأ أو يصلي قد قسم النهار على ذاك.
وفيها الحسن بن صالح بن حي الهمداني، فقيه الكوفة وعابدها. روى عن سماك بن حرب وطبقته.
قال أبو نعيم: ما رأيت أفضل منه.
وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن.
وقال ابن معين: يكتب رأي الحسن بن صالح يكتب رأي الأوزاعي.
وهؤلاء ثقات.
وقال وكيع: الحسن بن صالح يشبه سعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزءا الليل ثلاثة أجزاء. فماتت. فقسما الليل بينهما. فمات علي. فقام حسن الليل كله.
قلت: مات سنة أربع وخمسين. وهما توأم. أخرج مما مسلم.
وفيها الربيع بن مسلم الجمحي، مولاهم، البصري. وكان من بقايا أصحاب الحسن.
وفيها مفضل بن مهلهل السعدي الكوفي صاحب منصور.
قال أحمد العجلي: كان ثقة صاحب سنة وفضل وفقه. لما مات الثوري جاء أصحابه إلى مفضل فقالوا: تجلس لنا مكانه فقال: ما رأيت صاحبكم يحمد مجلسه.
وفيها فقيه الشام بعد الأوزاعي أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي. عن نحو ثمانين سنة. أخذ بن مكحول، وربيعة بن يزيد القصير، ونافع مولى ابن عمر، وخلق. وكان صالحاً قانتاً خاشعاً. قال: ما قمت إلى صلاة حتى مثلت لي جهنم.
وقال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة.
وفيها أبو روح سلام بن مسكين البصري. روى عن الحسن والكبار.
قال أبو سلمة التبوذكي: كان من أعبد أهل زمانه.
وفيها أبو شريح عبد الرحمن بن شريح المعافري بالإسكندرية. روى عن أبي قبيل وطبقته. وكان ذا عبادة وفضل وجلالة.
وفيها أبو عقيل يحيى بن المتوكل المدني بغداد روى عن بقية وابن المنكدر. وليس بالقوي عندهم.
وفيها عبد العزيز بن مسلم بالبصرة. روى عن مطر الوراق وطائفة.
وكان عابداً قدرةً. روى عنه يحيى السليحيني وقال: كان من الأبدال.
وفيها القاسم بن الفضل الحداني بالبصرة. روى عن ابن سيرين والكبار. وكان كثير الحديث. قال ابن مهدي: هو من مشايخنا الثقات.
وفيها أبو هلال محمد بن سليم الراسبي بالبصرة. روى عن الحسن والكبار. وهو حسن الحديث. وثقه أبو داود وغيره.
وفيها محمد بن طلحة بن مصرف اليامي الكوفي. أحد المكثرين الثقات. يروي عن أبيه وطبقته.
وفيها أبو حمزة محمد بن ميمون المروزي السكري. ارتحل وأخذ عن زياد بن علاقة ونحوه. وكان شيخ بلده في الحديث والفضل والعبادة.
وفيها أبو بكر الهذلي البصري الأخباري. أحد الضعفاء. واسمه سلمى. روى عن الشعبي ومعاذة العدوية والقدماء.
وفيها قتل في الزندقة بشار بن برد البصري الأعمى شاعر العصر.
سنة ثمان وستين ومئة


فيها غزا المسلمون الروم لنقضهم الهدنة.
وفيها سار سعيد الجرشي في أربعين ألفاً إلى طبرستان.
وفيها مات السيد الأمير أبو محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، شيخ بني هاشم في زمانه، وأمير المدينة للمنصور، ووالد الست نفيسة. خافه المنصور فحبسه. ثم أخرجه المهدي وقربه. ولم يزل معه حتى مات بطريق مكة معه عن خمس وثمانين سنة. روى عن أبيه.
وفيها أبو الحجاح خارجة بن مصعب السرخسي، من كبار المحدثين بخراسان. رحل أخذ عن زيد بن أسلم وطبقته. وهو صدوق كثير الغلط، لا يحتج به.
وفيها سعيد بن بشير البصري ثم الدمشقي المحدث المشهور. أكثر عن قتادة وطبقته.
قال أبو مسهر: لم يكن في بلدنا أحفظ منه.
وقال أبو حاتم: محلة الصدق. وضعفه وغيره.
وفيها على الصحيح قيس بن الربيع، أبو محمد الأسدي الكوفي الحافظ. أحد علماء الحديث مع ضعفه. على أن ابن عدي قال فيه عامة رواياته مستقيمة. والقول فيه ما قال شعبة: فإنه لا بأس به.
وقال عفان: ثقة.
وقال أبو الوليد: حضر شريك القاضي جنازة قيس بن ربيع، فقال: ما ترك بعده مثله.
قلت: روى عن محارب بن دثار وطبقته.
وفيها الأمير عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي. ولي عهد السفاح، بعد أخيه المنصور. وقد ذكرنا أن المهدي خلعه.
وقد توفي أبوه شاباً سنة ثمان ومئة.
وفيها فليح بن سليمان المدني مولى آل الخطاب. روى عن نافع وطبقته. وكان ثقة مشهوداً كثير العلم. لينه ابن معين.
وفيها مندل بن علي العنزي الكوفي. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. وكان صدوقاً مكثراً، في حديثه لين.
وفيها نافع بن يزيد المصري، بن جعفر بن ربيعة وطبقته. وكان أحد الثقات.
وفيها يعلى بن الحارث المحاربي الكوفي. روى عن إياس بن سلمة بن الأكوع وغيره. وليس بالمكثر.
سنة تسع وستين ومئة
فيها عزم المهدي على أن يقدم هارون في العهد ويؤخر موسى الهادي. فطلبه وهو بجرجان ففهمها ولم يقدم. فهم بالمصير إلى جرجان لذلك.
وفيها لثمان بقين من المحرم ساق المهدي واسمه أبو محمد بن عبد الله أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي خلف صيد، فدخل الوحش خربة، فدخل الكلاب خلفه، وتبعهم المهدي فدق ظهره في باب الخربة لشدة سوقه، فتلف لساعته.
وقيل بل أكل طعاماً سمته جارية لضرتها، فلما وضع يده فيه ما جسرت أن تقول هيأته لضرتي فيقال كان انجاص. فأكل واحدة وصاح من جوفه ومات من الغد عن ثلاث وأربعين سنة.
وكانت خلافته عشر سنين وشهراً.
وكان جواداً ممدحاً محبباً إلى الناس. وصولاً لأقاربه، حسن الأخلاق، حليماً. قصاباً للزنادقة. وكان طويلاً أبيض مليحاً.
يقال إن المنصور خلف في الخزاين مئة ألف ألف، وستين ألف ألف درهم ففرقها المهدي. ولم يل الخلافة أحد أكرم منه، ولا أبخل من أبيه، ويقال إنه أعطى شاعراً مرةً خمسين ألف دينار. ولما مات أرسلوا بالخاتم والقضيب إلى الهادي. فأسرع على البريد، وقدم بغداد، وبلغ في طلب الزنادقة وقتل منهم عدة.
وفيها خرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي الحسيني بالمدينة، وتابعة عدد كثير. وحارب العساكر التي بالمدينة، وقتل مقدمهم خالد البربري. ثم تأهب وخرج في جمع إلى مكة، فالتف عليه خلق كثير. فأقبل عليه ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العباس بعدة وخيل. فالتقوا بفج، فقتل الحسين في مئة من أصحابه.
وقتل الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن الذي خرج أبوه زمن المنصور.
وهرب إدريس بن عبد الله بن حسن إلى المغرب فقام معه أهل طنجة.
وهو جد الشرفاء الإدريسيين. ثم تحيل الرشيد وبعث من سم إديس. فقام بعده ابنه إدريس بن إدريس وتملك مدة.
وفيها توفي أبو السليل عبيد الله بن إياد بن لقيط الكوفي. وله عن أبيه نسخة وكان عريف قومه بني سدوس.
وفيها أبو سعيد المؤدب ببغداد، واسمه محمد بن مسلم. وهو جزري روى عن عبد الكريم الجزري، وحماد بن أبي سليمان، وجماعة. وهو مؤدب موسى الهادي.
وفيها نافع بن أبي نعيم أبو عبد الرحمن، وقيل أبو رويم الليثي، مولاهم، قارىء أهل المدينة، وأحد السبعة.
قال موسى بن طارق: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين.
وقال الليث: حججت سنة ثلاث عشرة ومئة، وإمام الناس في القراءة نافع ابن أبي نعيم.


وقال مالك: نافع إمام الناس في القراءة.
قلت: وثقه غير واحد، وليس له رواية في الكتب الستة.
وفيها نافع بن عمر الجمحي المكي. سمع ابن أبي مليكة، وسعيد بن أبي هند، وطائفة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت الناس.
وفيها ثابت بن يزيد الأحول البصري. له عن هلال بن حباب وجماعة. وكان من ثقات الشيوخ.
سنة سبعين ومئة
في ربيع الأول توفي الخليفة الهادي أبو محمد بن المهدي. وكان طويلاً أبيض. جسيماً مات من قرحة أصابته. وقيل قتلته أمه الخيزران لما هم بقتل أخيه الرشيد. فعمدت لما وعك إلى أن غمته. وعاش بضعاً وعشرين سنة. فالله يسامحه، وقد كان جباراً ظالم النفس.
وفيها توفي أبو النضر جرير بن حازم الأزدي البصري أحد فصحاء البصرة ومحدثيها. عمر دهراً. أختلط بأخرة فحجبه ابنه وهب. فلم يرو شيئاً في اختلاطه. روى عن الحسن والكبار. وحضر جنازة ابن الطفيل بمكة.
وفيها الربيع بن يونس أبو الفضل حاجب المنصور والمهدي وفيها عبد الله بن جعفر المخزومي المدني. روى عن عمة أبيه أم بكر بنت المسور بن مخرمة، وجماعة من التابعين. قال الواقدي: كان عالماً بالمغازي والفتوى. وكان قصيراً دميماً.
وفيها محمد بن مهاجر الحمصي. روى عن نافع وطبقته. وآخر من حدث عنه أبو توبة الحلبي.
وفيها أبو معشر السندي واسمه نجيح بن عبد الرحمن المدني صاحب المغازي والأخبار.
قال ابن معين: كان أمياً يتقى من حديثه المسند.
قلت: روى عن محمد بن كعب القرظي والكبار. واستصحبه المهدي معه لما حج إلى بغداد. وقال: يكون بحضرتنا ويفقه من حولنا، وصله بألف دينار. وكان أبيض أزرق سميناً. وقيل له السندي بن قبيل اللقب بالضد.
وفيها الوزير أبو عبيد الله واسمه معاوية بن عبيد الله بن يسار الأشعري. مولاهم، كاتب المهدي ووزيره. و كان من خيار الوزراء، صاحب علم. وعبارة وصدقات. روى عن منصور بن المعتمر.
وفيها، أو في حدودها، محمد بن جعفر بن أبي كثير المدني مولى الأنصار. أخذ عن زيد بن أسلم وطبقته. وكان ثقة كثير العلم.
وأسباط بن نصر الهمداني الكوفي المفسر، صاحب إسماعيل السدي.
سنة إحدى وسبعين ومئة
فيها، على الأصح، توفي حبان بن علي العنزي أخو مندل. وكان من فقهاء الكوفة. وهو ضعيف. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته.
وفيها أبو المنذر سلام بن سلم المزني، مولاهم، البصري ثم الكوفي النحوي المقرىء. أخذ عن عاصم ابن أبي النجود، وأبي عمرو. وحدث عن ثابت البناني وغيره. وهو شيخ يعقوب الحضرمي المقرىء.
وفيها أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم العمري المدني أخو عبيد الله بن عمرو روى عن نافع وجماعة وكان محدثاً صالحاً.
قال أحمد: لا بأس به.
وفيها أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع الكوفي. روى عن عاصم الأحول وطبقته وتوفي كهلاً. وقيل توفي سنة اثنتين وسبعين.
وفيها أو نحوها مات الأمير يزيد بن حاتم بن قصيبة بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي البصري. أحد الشجعان المذكورين. ولي إمرة المغرب مدة طويلة. وولي إمرة مصر قبل ذلك سبع سنين.
وفيها عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله حنظلة بن الغسيل المدني.
رأى سهل بن سعد وروى عن عكرمة والكبار. وكان كثير الحديث ثقة جيلاً.
وفي هذه الحدود مات أبو دلامة الشاعر المشهور. وكان عبداً حبشياً فصيحاً صاحب نوادر ومزاح.
سنة اثنين وسبعين ومئة
فيها توفي الإمام بن محمد سليمان بن بلال المدني مولى آل أبي بكر الصديق روى عن عبد الله بن دينار وطبقته.
قال ابن سعد: كان بربرياً جميلاً، حسن الهيئة عاقلاً. كان يفتي بالمدينة. وولي خراج المدينة. وفيها أمير دمشق الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي ابن عم المنصور. وهو الذي أنشأ القبة التي بجامع دمشق وتعرف بقبة المال.
وفي جمادى الأولى مات صاحب الأندلس الأمير أبو المطرف عبد الرحمن بن معاوية الأموي الدمشقي المعروف بالداخل. فر إلى المغرب عند زوال دولتهم. فقامت معه اليمانية. وحارب يوسف الفهري متولي الأندلس وهزمه. ومالك قرطبة في يوم الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومئة، وامتدت أيامه.
وكان عالماً حسن السيرة. عاش اثنتين وستين سنة. وولي بعده ابنه هشام. وبقيت الأندلس لعقبه إلى حدود الأربع مئة.


وفيها، أو في سنة ست وسبعين، صالح المري الزاهد. واعظ البصرة. روى عن الحسن وجماعة. وحديثه ضعيف.
قال عفان: كان شديد الخوف من الله، إذأ قص كأنه ثكلى.
وفيها مهدي بن ميمون المعولي، مولاهم، البصري. روى عن أبي رجاء العطاردي وابن سرين والكبار.
وفيها الوليد بن أبي ثور الهمداني الكوفي. روى عن زياد بن علاقة وجماعة. وهو ضعيف.
وفي حدودها معاوية بن سلام بن الأسود أبو سلام ممطور الحبشي ثم الشامي. روىعن أبيه. والزهري وجماعة.
قال يحيى بن معين: أعده محدث أهل الشام.
سنة ثلاث وسبعين ومئة
فيها، وقيل سنة أربع، إسماعيل بن زكريا الخلقاني الكوفي ببغداد روىعن العلاء بن عبد الرحمن وطبقته. وعاش خمساً وستين سنة.
وفيها أمير البصرة وفارس محمد بن سليمان بن علي، ابن عم المنصور، وله إحدى وخمسون سنة. وكان الرشيد يبالغ في تعظيمه وإكرامه.
ولما مات احتوى على خزائنه فكانت خمسين ألف ألف درهم.
وفيها في رجب، الإمام أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة. روى عن سماك بن حرب وطبقته. و كان أحد الحفاظ الأعلام، حتى بالغ فيه شعيب بن حرب وقال: كان أحفظ من عشرين مثل شعبة.
وفيها أبو سعيد سلام بن أبي مطيع البصري. روى عن أبي عمران الجوني وطائفة.
قال أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنة.
وقال ابن عدي: كان يعد من خطباء أهل البصرة وعقلائهم.
وفيها نوح الجامع. وهو أبو عصمة نوح بن أبي مريم الفقيه قاضي مرو ولقب بالجامع لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحدديث عن حجاح بن أرطاة. والمعازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن مقاتل ابن سليمان وهو متروك الحديث.
وفيها عبد الرحمن بن أبي الموالي المدني، مولى آل علي. روى عن أبي جعفر الباقر وطائفة. وضربه المنصور أربع مئة سوط على أن يدله على محمد بن عبد الله بن حسن فلم يدله. وكان من شيعته.
وفيها جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري. روى عن نافع والزهري، وكان ثقةً كثير الحديث.
سنة أربع وسبعين ومئة
فيها توفي في جمادى الآخرة الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمي الحافظ. روى عن الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، وخلق كثير.
قال أحمد بن صالح المصري: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طلابة للعلم.
وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان الثوري يقول: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بمصر مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه.
وقال ابن معين: ليس بذاك القوي.
قلت: وقد ولي قضاء مصر في خلافة ابن المنصور.
وفيها بكر بن مضر المصري من نيف وسبعين سنة. روى عن أبي قبيل المصري المعافري وطائفة. أكثر عنه قتيبة.
وفيها عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني ببغداد. وكان فقيهاً مفتياً.
قال ابن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة.
قلت: وروى الكثير عن أبيه وطبقته. وفيه ضعف يسير.
وفيها، وقيل قبلها، يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي. رحل وحمل عن زيد بن أسلم، وأكثر عن جعفر بن أبي المغيرة القمي.
قال الدارقطني: ليس بالقوي.
وفيها الأمير روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب المهلبي، أخو يزيد أحد القواد الكبار. ولي إمرة الكوفة وغيرها.
سنة خمس وسبعين ومئة
فيها هاجت العصبية والأهواء بالشام بين القيسية واليمانية.
ورأس القيسية يومئذ أبو الهيذام المري. وقتل بيهنم بشر كثير.
وفيها توفي شيخ الديار المصرية وعالمها أبو الحارث الليث بن سعد الفمهي، مولاهم، الفقيه. وأصله فارسي إصبهاني. روى عن عطاء بن أبي رياح، وابن أبي مليكة، ونافع، وخلق كثير. توفي يوم الجمعة يوم نصف شعبان عن إحدى وثمانين سنة. وكان إماماً ثقة حجةً رفيعاً واسع العلم سخياً جواداً محتشماً.
قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان أتبع للأثر مالك.
وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه بن مالك لكن الحظوة لمالك.
وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث في السنة ثمانين ألف دينار، فما أوجب الله عليه زكاة درهمٍ.
وقال غيره: كان نائب مصر وقاضيها من تحت أوامر الليث. وإذا رابه من أحدهم شيء كاتب فيه فيعزل. وقد أراده المنصور أن يلي إمرة مصر فامتنع.
وفيها أبو الله حزم بن أبي حزم القطعي أخو سهيل روى عن الحسن وجماعة.


قال أبو حاتم: هو من ثقات من بقي بن أصحاب الحسن.
وفيها داود بن عبد الرحمن العطار المكي روى عن عمرو بن دينار وجماعة.
قال الشافعي: ما رأيت أورع منه.
وفيها قاضي الكوفة أبو عبد الله القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته.
قال أحمد: كان ثقة صاحب نحو وشعر. وكان لا يأخذ على القضاء رزقاً.
وقال أبو حاتم: كان أروى الناس للحديث والشعر وأعلمهم بالعربية والفقه.
وفيها، على أحد الأقول، وقيل قبلها، وبعدها، الخليل بن أحمد الأزردي البصري أبو عبد الرحمن. صاحب العربية والعروض. روى عن أيوب السيختياني وطائفة. وكان إماماً كبير القدر في لسان العرب، خيراً متواضعاً، فيه زهد وتعفف. صنف كتاب العين في اللغة. ويقال إنه حج فدعا أن يرزق علماً لم يسبق إليه. فرجع وقد فتح عليه بعلم العروض فوضعه ورتبه
سنة ست وسبعين ومئة
فيها افتتح المسلمون مدينة دبسة من أرض الروم بعد حرب طويلة.
وفيها اشتد البلاء والقتل بين القيسية واليمانية بالشام. واستمرت بينهم إحن وأحقاد ودماء يهيجون لأجلها في كل وقت وإلى اليوم.
وفيها توفي قاضي بغداد للرشيد أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن الجمحي المدني. روى عن عبد الرحمن بن القاسم وطبقته. وكان من أولي العلم والصلاح.
وفيها، وقيل في التي تليها، عبد الواحد بن زياد العبدي، مولاهم، البصري. روى عن كليب بن وائل وطائفة كبيرة.
وفيها، في ربيع الأول، أبو عوانة الوضاح مولى يزيد بن عطاء اليشكري الواسطي البزاز الحافظ، أحد الأعلام. رأى الحسن، وروى عن قتادة، وخلق.
قال يحيى القطان: ما أشيه حديثه بحديث سفيان وشعبة.
وقال عفان: هو عندنا أصح حديثاً بن شُعْبة.
وقال غيره: هو من سبي جُرْجان.
سنة سبع وسبعين ومئة
فيها توفي عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد الذي قيل إنه صلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة.
ومن مواعظه قوله: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون. روى عن الحسن وجماعة وهو متروكُ الحديث.
وفبها شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي أبو عبد الله. أحد الأعلام، عن نيف وثمانين سنة. روى عن سلمة بن كهيل والكبار. سمع منه إسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث.
قال ابن المبارك: هو أعلم بحديث بلده من سفيان الثوري.
وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال غيره: فقيه إمام لكنه يغلظ.
وفيها محمد بن مسلم الطائفي المكي. روى عن عمرو بن دينار وجماعة.
وقال ابن مهدي: كتُبه صحاح.
وفيها مُوسى بن أعْيَن الحَراني. رحل إلى العراق وأخذ عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، وطبقته. فأكثر.
وفيها أبو خالد يزيد بن عطاء الَيْشُكري الواسطي. روى عن علقمة بن مَرْثد وطبقته. وليس بالقوي. وقد مر مولاه أبو عوانة.
وفيها، أو في حدودها، عبد العزيز بن المختار البصري الدباغ، روى عن ثابت البناني وجماعة.
سنة ثمان وسبعين ومئة
فيها توفي جعفر بن سليمان الضبعي بالبصرة. روى عن أبي عمران الجوني وطائفة. وكان أحد علماء البصرة. وفيه تشيع. أخذ ذلك عنه عبد الرزاق باليمن.
وفيها عبثر بن القاسم أبو زبيد الكوفي. روى عن حصين بن عبد الرحمن وجماعة. ذكره أبو داود فقال: ثقة ثقة.
وفيها عبد الله بن علي بن جعفر بن نجيع السعدي، مولاهم، المديني، نزيل البصرة، ووالد على المديني. روى عن عبد الله بن دينار وطبقته. وهو ضعيف الحديث.
سنة تسع وسبعين ومئة
فيها كانت فتنة الوليد بن طريف الشاري الخارجي.
وفي بكرة رابع عشر ربيع الأول توفي في إمام دار الهجرة وفقيه الأمة أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني. وذو أصبح بطن من حمير. ولد سنة أربع وتسعين، وسمع من نافع والزهري وطبقتهما.
قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
قال معن القزاز، وجماعة: حملت بمالك أمه ثلاث سنين.
وقال غير واحد: كان مالك طوالاً، جسيماً، عظيم الهامة، أبيض الرأس، واللحية، أشقر، عظيم اللحم.
وقيل: كان أزرق العينين تبلغ لحيته صدره ويلبس الثياب الرفيعة البياض.
وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه.
وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلساناً وثياباً مرويةً جياداً.
وقال ابن عيينة وبلغه موت مالك: ما ترك على ظهر الأرض مثله.


وقال أبو مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
ومناقب مالك كثيرة قد سقت بعضها في تاريخ الإسلام.
وفيها خالد بن عبد الله الواسطي الطحان الحافظ، وله سبعون سنة.
روى عن سهيل بن أبي صالح وطبقته.
قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل منه.
وقال أحمد: كان ثقة صالحاً بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات.
وفيها أبو الأحوص سلام بن سليم الكوفي. روى عن زياد بن علاقة وطبقته. وكان أحد الحفاظ الأثبات. قال أحمد العجلي كان ثقة صاحب سنة وأتباع.
قلت: آخر من روى عنه هناد.
وفي رمضان إمام أهل البصرة أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درْهم الأزدي مولاهم. سمع أبا عمران الجوني. وأنس بن سيرين. وطبقتهما.
قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس أربعة: الثوري بالكوقة، ومالك بالحجاز، وحماد بن زيد بالبصرة، والأوزاعي بالشام.
وقال يحيى بن يحيى التيمي: ما رأيت شيخاً أحفظ من حماد بن زيد.
وقال أحمد العجلي: حماد بن زيد ثقة. كان حديثه أربعة آلاف حديث يحفظهما، ولم يكن له كتاب.
وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد.
وفيها الهقل بن زياد الدمشقي الفقيه كاتب الأوزاعي.
قال ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه.
وقال مروان الطاطري: كان أعلم الناس بالأوزاعي وبمجلسه وفتياه.
سنة ثمانين ومئة
فيها هاج الهوى والعصبية بالشام بين اليمانية والنزارية، وتفاقم الأمر واشتد الخطب.
وفيها كانت الزلزلة العظمى التي سقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفيها نزل الرشيد الرقة واتخذها وَطَنا.
وفيها توفي إسماعيل بن جعفر الأنصاري، مولاهم، المدني. قارىء المدينة بعد نافع، ومحدثها بعد مالك. روى عن عبد الله بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن وطائفة.
وفيها بشر بن منصور السليمي الأزدي البصري الزاهد. روى عن أيوب وطبقته.
قال ابن المديني: مارأيت أحداً أخوف لله منه. وكان يصلي كل يوم خمس مئة ركعة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحداً أقدمه عليه في الرقة والورع.
وفيها حفص بن سليمان الغاضري الكوفي قارىء الكوفة وتلميذ عاصم.
وقد حدث عن علقة بن مرثد وجماعة. وعاش تسعين سنة. وهو متروك الحديث، حجة في القراءة.
وفيها صدقة بن خالد الدمشقي. قرأ على يحيى الذماري. وروى عن التابعين. وكان من ثقات الشاميَين.
وفيها عبد الوارث بن سعيد التنوري الحافظ، محدث البصرة بعد حماد ابن زيد. ولد سنة اثنتين ومئة. وأخذ عن أيوب السختياني وطبقته.
وفيها أبو وهب عبيد الله بن عمرو الرقى الفقيهالجزيرة، مُحدَث ومفتيها. روى عن عبد الملك بن عُمَيْر وطبقته.
قال محمد بن سعد: كان ثقة، لم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، يعني ببلده.
وفيها فضيل بن سليمان النميري بالبصرة. روى عن أبي حازم الأعرج وصغارالتابعين.
وفيها مبارك بن سعيد، أخو سفيان الثوري. أبو عبد الرحمن الكوفي الضرير ببغداد. روى عن عاصم بن أبي النجود وطائفة. وهوثقة.
وفيها فقيه مكة أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي، وله ثمانون سنة.
روى عن ابن أبي مليكة والزهري وطائفة.
قال أحمد بن محمد الأزرقي: كان فقيهاً عابداً يصومُ الدهر.
وضعفه أبو داود وغيُره.
ولقب بالزنجي في صغره. وكان أشقر. وعليه تفقه الشافعي.
وفيها أبو المحياه يحيى بن يعلى التيمي الكوفي روى عن سلمة بن كهيل وطائفة. وعمر وأسن. وفيها الزاهدة الخاشعة رابعة العدوية بالبصرة، ولها ثمانون سنة.
وفيها أمير الأندلس أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن الداخل ابن معاوية الأموي المرواني، وله سبع وثلاثون سنة. وولي الأمر ثمانية أعوام. وكان متواضعاً حسن السيرة، كثير الصدقات. وقام بعده ابنه الحكم.
وفيها، على الصحيح، إمام أهل البصري في العربية سيبويه، أبو بشرعمرو بن عثمان بن قنبر البصري، مصَنفُ الكتاب في النحو. وتلميذ الخليل. عن بضع وثلاثين سنة.
سنة إحدى وثمانين ومئة
فيها غزا الرشيد، وافتتح حصن الصفصاف من أرض الروم بالسيف.
وسار عبد الملك بن صالح بن علي العباس حتى بلغ أنقرة وافتتح حصناً.
وفيها توفي الامام محدث الشام ومفتي أهل حمص أبو عتبة إسماعيلُ بن عياش العنسي، عن بضع وسبعين سنة. روى عن شرحبيل بن مسلم ومحمد بن زياد الألهاني. وخلق من التابعين بالشام والحرمين.


قال ابن معين: هو ثقة في الشاميين.
وقال يزيد بن هارون: ما رأيت شامياً ولاعراقياً أحفظ من إسماعيل بن عياش. ما أدري ما الثوري.
وقال ابن عدي: يحتج به في حديث الشاميين خاصة.
وقال أبو اليمان: كان إسماعيل جارنا، فكان يحيي الليل.
وقال داود بن عمرو: ما حدثنا إسماعيل إلا من حفظه. وكان يحفظ نحواً من عشرين ألف حديث.
وقيل توفي سنة اثنتين وثمانين. ومناقبه كثيرة.
وفيها أبو المليح الرقي. وله نيف وتسعون سنة واسمه الحسنُ بن عمر روى عن ميمون بن مهران. وابن الزهري. والكبار وثقه الإمام أحمد وغيره.
وفيها حفص بن ميسرة الصنعاني بعسقلان. روى عن زيد بن أسْلَم وطبقته. وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها المعمَر أبو أحمد خلف بن خليفة الكوفي ببغداد. وقد جاوز المئة بعام. رأى عمرو بن حُرَيْث الصابي. وروى عن مُحارب بن دثار وجماعة.
قال أبو حاتم: َصدوق ثقة.
قلتُ: هو أقدم شيخ للحسن بن عرفة.
وفيها الأمير حسن بن قحطبة بن شبيب الطائي، وله أربع وثمانون سنة. وكان من كبار قواد المنصور.
وفيها، وقيل سنة ثمانين أبو معاوية عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب المهلبي البصري. أحد المحثين والأشراف.
روى عن أبي جمرة الضبعي، صاحب ابن عباس وغيره.
وفيها، في رمضان، الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي، مولاهم، المروزي الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب رحمه الله، وله ثلاث وستون سنة. سمع هشام بن عروة وحميد الطويل، وهذه الطبقة.
وصنف التصانيف الكثيرة. وحديثه نحو من عشرين ألف حديث.
قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه.
وقال شعبة: ما قدم علينا مثله.
وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين.
وعن شعيب بن حرب قال: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه.
وقال غيره: كانت له تجارة واسعة، وكان ينفق على الفقراء في السنة مئة ألف درهم. وكان يحج سنة ويغزو سنة. كان استاذه تاجراً فتعلم منه. وكان ابوه تركياً وأمه خوارزمية.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثوري.
قلت: كان رأسا في العلم، رأسا في العمل رأسا في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأسا في الكرم وقبره بهيت ظاهر يُزار رحمه الله.
وفيها أبو الحسن ابن علي بن هاشم بن البريد الكوفي الخزاز. يروي عن الأعمش وأقرانه. وكان شيعياً جلْداً.
وفيها قاضي مصر أبو معاوية المفضل بن فضالة القتباني الفقيه. روى عن يزيد بن أبي حبيب وطائفة كثيرة. وكان زاهداً ورعاً قانتاً مُجاب الدعوة، عاش أربعاً وسبعين سنة.
وفيها بالإسكندرية يعقوب بن عبد الرحمن القاري المدني. روى عن زيد بن أسلم وطبقته فأكثر.
سنة اثنتين وثمانين ومئة
في سملت الروم عيني طاغيتهم قسطنطين وملكوا عليهم أمة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم المدني روى عن أبيه وجماعة.
وهو ضعيف كثير الحديث.
وفيها عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي الكوفي الحافظ. سمع من هشام بن عروة وجماعة. وقال: سمعتُ من سفيان الثوري ثلاثين ألف حديث.
وقال ابن معين: ما بالكوفة أعلم بالثوري من عبيد الله الأشجعي.
وفيها عمار بن محمد الثوري الكوفي، ابن أخت سفيان. روى عن منصور والأعش وعدة.
قال ابن عرفة: كان لا يضحك وكنا لا نسك أنه من الأبدال.
وفيها أبو سفيان المعمري محمد بن حميد البصري نزيل بغداد وكان محدثاً مشهوراً ذا صلاح وعبادة. رحل إلى معمر فلقب بالمعمري.
وفيها الوليد بن محمد الموقري البلقاوي، والموقر حصين بالبلقاء. وهو من ضعفاء أصحاب الزهري.
وفيها على الأصح، عالم أهل الكوفة أبو زكريا يحيى بن أبي زائدة الكوفي الحافظ روى عن أبيه، وعاصم الأحول. وطبقتهما. وعاش ثلاثاً وستين سنة.
قال علي بن المديني: انتهى العلم في زمانه إليه. ما كان بالكوفة بعد الثوري أثبت منه.
وقال غيره: ولي قضاء المدينة وبها توفي رحمه الله.
وفيها الحافظ الثبت أبو معاوية يزيد بن زريع العيشي. بالبصرة. روى عن أيوب السختياني وطبقته.
قال الإمام أحمد بن حنبل: كان ريحانة البصرة ما أتقنه وما أحفطه! وقال يحيى القطان: ما كان هنا أحد أثبت منه.


وقال نصر بن علي الجهضمي: رأيت يزيد بن زريع في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: دخلت الجنة. قلت: بماذا؟ قال: بكثرة الصلاة.
وفيها في شهر ربيع الآخر القاضي أبو يوسف، واسمه يعقوبُ بن إبراهيم الكوفي قاضي القضاة. وهو أول من دعي بذلك. تفقه على الإمام أبي حنيفة، وسمع من عطاء بن السائب وطبقته.
قال يحيى بن معين: كان القاضي أبو يوسف يحب أصحاب الحديث ويميل إليهم.
وقال محمد بن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعد ما ولي القضاء في كل يوم مائتي ركعة. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: سمعت أبا يوسُف يقول عند وفاته: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة.
قلت: كان أبو يوسف مع سعة علمه أحد الأجواد الأسخياء.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: صدوق.
وفيها توفي أمير عرب الشام القيسية وفارسهم البطل أبو الهيذام عامر بن عمارة المري
سنة ثلاث وثمانين ومئة
فيها خرج الخزرُ لعنهم الله. و من قصتهم أن ستيت إبنة ملك الترك خاقان خطبها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي وحُملت إليه في عام أول. فماتت في الطريق ببرذعة فرد من كان معها في خدمتها من العساكر وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة. فاشتد غضبه وتجهز للشر وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام وبالذمة، وقتل وسبى، وبدع وبلغ السبي مئة ألف، وعظمت المصيبة على المسلمين. فإنا لله وإنا إليه راجعون. فانزعج هارون الرشيد واهتم لذلك، وجهز البعوث. فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن إرمينية ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه.
وفيها توفي الإمام أبو معاوية هشيم بن بشير السلمي الواسطي، محدث بغداد. روى عن الزهري وطبقته.
قال يعقوب الدورقي: كان عند هشيم عشرون ألف حديث.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: هشيم أحفظ للحديث من الثوري.
وقال يحيى القطان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان وشعبة.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني من سمع عمرو بن عون يقول: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء عشر سنين قبل موته.
وقال أحمد: كان كثير التسبيج.
وفيها الواعظُ ابن السماك أبو العباس محمد بن صبيح الكوفي الزاهدُ.
مولى بني عجل. روى عن الأعمش وجماعة. وكان كبير القدر. دخل على الرشيد فوعظه وخوفه.
وفيها أبو محمد زياد بن عبد الله البكائي العامري الكوفي صاحب المغازي. وهو أوثق الناس في ابن إسحاق. وسمع بن عبد الملك بن عُمير ومنصور والكبار.
وفيها السيد أبو الحسن موسى الكاظم ولد جعفر الصادق وَوالد عليَ ابن موسى الرضا. ولد ثمان وعشرين ومئة وروى عن أبيه.
قال أبو حاتم: ثقة إمام من أئمة المسلمين. وقال غيره: أقدمه الرشيد معه من المدينة فحبسه ببغداد ومات في الحبس رحمه الله. وكان صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر.
وفيها شيخ إصبهان وعالمها أبو المنذر النعمان بن عبد السلام التيمي تيم الله من ثعلبة. وكان فقيهاً إماماً زاهداً عابداً صاحب تصانيف. أخذ عن الثوري وأبي حنيفة وطائفة.
وفيها الفقيه أبو عبد الرحمن يحيى بن حمزة الحضرمي البتهلي قاضي دمشق ومحدثها وله ثمانون سنة.
قال دحيم: هو ثقة عالم.
قلت: روى عن عروة بن رويم وأقرانه من التابعين. وولي القضاء دهراً، أظن ثلاثين سنة.
سنة أربع وثمانين ومئة
فيها توفي الفقيه أبو إسحاق أبو إبراهيم بن سعد الزهري العوفي المدني، قاضي المدينة ومحدثها، وله خمس وسبعون سنة. وقيل توفي في العام الماضي. سمع أباه والزهري وجماعة. وفيها الفقيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، روى عن الزهري وابن المنكدر وطبقتهما. يروي عنه الشافعي فيقول: أخبرني من لا أتهم. وقال: قدرياً.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: كان قدرياً معتزلياً جهمياً كل بلاء فيه، لا يكتب حديثه.
وقال البخاري: جهمي تركه الناس.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً إلا عن شيوخ يحتملون، وله كتاب الموطأ أضعاف موطأ مالك.
وفيها الزاهد العمري بالمدينة، واسمه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب روى عن أبيه. وكان إماماً فاضلاً رأساً في الزهد والورع.
وفيها فقيه أهل المدينة أبو تمام عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار. أخذ عن أبيه، وزيد بن أسلم، وطائفة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه.


وقال ابن سعد: ولد سنة سبع ومئة، ومات ساجداً رحمة الله عليه.
وفيها علي بن غراب الكوفي القاضي. روى عن هشام بن عروة وطبقته.
وفيها مروان بن شجاع الجزري ببغداد. روى عن خصيف، وعبد الكريم بن مالك.
وفيها، أو في التي مَضَتَ، نُوح بن قيس الُحَدانيّ الطاحي البصري. روى عن محمد بن واسع وطبقته.
سنة خمس وثمانين ومئة
فيها، وقيل في التي تليها، توفي الإمام القارىء القدوة أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي نزيل ثغر المصيصَة. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. ومن جلالته روى عنه الأوزاعي حديثاً، فقيل له: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني الصادق المصدق أبو إسحاق الفزاريَ.
وقال الفضل بن عياض: ربُما اشتقت إلى المصيصة ما بي فضل الرباط بل لأرى أبا إسحاق الفزاري.
وقال غيره: كان إماماً قانتاً مجاهداً مرابطاً أماراً بالمعروف، إذا رأى بالثغر مبتدعاً أخرجه. وفيها الأمير عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، شيخُ آل العبّاس وبقية عمومة المنصور. روى عن أبيه، عن جده ابن عباس وكان ذا قعدد في النسب. ولي إمرة البصرة مرة إمرة دمشق.
وفيها ضمام بن إسماعيل المصري بالإسكندرية. روى عن أبي قبيل المعافري وطبقته.
قال أبو حاتم: كان صدوقاً متعبداً.
قلتُ: لم يخرجوا له في الكتب الستة شيئاً. وهو من مشاهير المحدثين.
وفيها عُمرُ بن عبيد الطنافسي الكوفي. وكان أكبر إخونه. روى عن سماك بن حرب وطبقته.
وفيها المطّلبُ بن أبي زياد الكوفي. روى عن زياد بن علاقة والكبار. وثقه أحمد وابن معين. وفيها، على الأصح، المُعافى بن عمران، الإمام أبو مسعود الأزدي. عالم أهل الموصل وزاهدهم. رَحَلَ وطَوَف وسمع من ابن جُرَيَّح وطبقته. ذكره سفيان الثوري فقال: هو ياقوتةُ العلماء.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الحافظ: لم ألق أفضلَ منه.
وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلاً صاحبَ سُنَة.
وكان ابنُ المبارك، وهو أسن منه. يقول: حدثني ذاك الرجل الصالح.
وفيها يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون المدنيّ، ابن عم عبد العزيز الماجشون. روى عن الزهري. وابن المنكدر. وكان كثير العلم.
وفيها أمير دمشق للرشيد محمد بن ابراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي.
سنة ست وثمانين ومئة
فيها سار علي بن عيسى بن ماهان في الجيوش من مرو فالتقى هو وأبو الخصيب بنسا. فظفر بأبي الخصيب، واستقامت خراسان للرشيد.
وفيها توفي حاتم بن اسماعيل المدني. روى عن هشام بن عُروة وطبقته. وكان ثقة كثير الحديث. وقيل مات في التي تليها.
وفيها حسان بن إبراهيم الكرماني قاضي كرمان يروي عن عاصم الأحول وجماعة.
وفيها خالد بن الحارث أبو عثمان البصري الحافظ. روى عن أيوب وخلق.
قال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.
وفيها سفيان بن حبيب البصري البزاز روى عن عاصم الأحول وطائفة.
قال أبو حاتم: ثقة. أعلم الناس بحديث سعيد بن أبي عروبة.
وفيها أو في التي تليها. عباد بن العوام الواسطي ببغداد. روى عن أبي مالك الأشجعي وطبقته. وكان صاحب حديث وإتقان.
وفيها عيسى بن موسى غنجار أبو أحمد البخاري. محدث ما وراء النهر رحل وحمل عن سفيان الثوري وطبقته.
قال الحاكم: هو إمام عصره، طلب العلم على كبر السن وطوف. يروي عن أكثر من مئة شيخ من المجهولين. وحديثه الثقات مستقيم.
وفيها فقيه المدينة أبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وله اثنتان وستون سنة. روى عن هشام بن عروة وطبقته.
قال الزبير بن بكّار: عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فامتنع. فأعفاه ووصله بألفي دينار. وكان فقيه المدينة بعد مالك.
سنة سبع وثمانين ومئة
فيها خلعت الروم من الملك الست ريني وهلكت بعد أشهر.
وأقاموا عليهم نقفور.
والروم تزعم أن تقفور من ولد جفنة الغساني الذي تنصّر.
وكان نقفور قبل الملك يلي نظر الديوان.
فكتب نقفور هذا الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق. فحملت إليك من أموالها، وذلك لضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتد نفسك، وإلا فالسيفُ بيننا.


فلما قرأ الرشيد الكتاب اشتد غضبه، وتفرق جلساؤه خوفاً من بادرة تقعُ منه. ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قرأت كتابك يا ابن الكافرة. والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة، وأوطأ الروم ذلاً وبلاءً. فقتل وسبى. وذل نقفور وطلب الموادعة على خراج يحملُه. فأجابه. فلما رد الرشيد إلى الرقة نقض نقفور. فلم يجسر أحد أن يبلغ الرشيد، حتى عملت الشعراء أبياتاً يلوحون بذلك. فقال أو قد فعلها؟ فكر راجعاً في مشقة الشتاء حتى أناخ بفنائه ونال منه مراده. وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نَادَتْ هرَقّلةْ بالخراب ... منَ الملكِ الموفق للصواب
غدا هارونُ يُرعد بالمنايا ... ويُبرق بالمذكرة الصعاب
ورايات يحل النصرُ فيها ... تمُر كأنها قِطَعُ السَحاب
وفيها توفي أو في التي قبلها، بشر بن المفضل أحدُ حفاظ البصرة. روى عن سهل بن أبي صلح، وخالد الحذاء. وطائفة.
قال علي المديني: كان يصلي كل يوم أربع مئة ركعة، ويصوم يوماً ويفطر يوماً رحمه الله. وفيها محمد بن عبد الرحمن الطفاوي البصري. سمع أيوب السختياني وجماعة.
وفيها رباح بن زيد الصنعاني صاحب معمر.
قال أحمد: كان خياراً. ما أرى في زمانه من كان خيراً منه. انقطع في بيته.
وفيها عبد الرحيم سليمان الرازي نزيل الكوفة. كان ثقة صاحب حديث. له تصانيف. روى عن عاصم الأحول وخلق.
وفيها عبد السلام بن حرب الملاني الكوفي الحافظ. وله ست وتسعون سنة. روى عن أيوب السختياني وطبقته.
وفيها عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري الحافظ. روى عن أبي عمران الجوني والكبار. يكنى أبا الصمد.
وفيها أبو محمد عبد العزيز بن محمد الدراوردي المدني. روى عن صفوان بن سليم وخلق. وكان فقيهاً صاحب حديث.
قال يحيى بن معين: هو أثبت من فليح.
وفيها علي بن نصر بن علي الجهضمي. والد نصر بن علي. روى عن هشام الدستوائي وأقرانه.
وفيها أبو الخطاب محمد بن سواء السدوسي البصري المكفوف الحافظ.
سمع من حسين المعلم. وأكثر عن أبي عروبة.
وفيها الإمام أبو محمد معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي الحافظ.
أحد شيوخ البصرة. وله إحدى وثمانون سنة. روى عن عن أبيه ومنصور وخلق لا يحصون. قال قرة بن خالد: ما معتمر عندنا بدون أبيه.
وقال غيره: كان عابداً صالحاً حجة.
وفيها غضب الرشيد على البرامكة وضرب عنق جعفر بن يحيى البرمكي الوزير أحد الأجواد والفصحاء.
وفيها توفي معاذ بن مسلم الكوفي النحوي شيخ الكسائي عن نحو مئة سنة وهو الذي سارت فيه هذه الكلمة:
إن معاذ بن مسلم رجل ... ليس لميقات عمره أمد
الأبيات.
وفيها في الأبيات في المحرم شيخ الحجاز الإمام أبو علي الفضيل بن عياض التميمي المروزي الزاهد. أحد الأعلام. الذي قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض.
وكان قد قدم الكوفة شاباً فحمل عن منصور وطبقته.
قال شريك: القاضي فضيل حجة لأهل زمانه.
سنة ثمان وثمانين ومئة
فيها غزا المسلمون الروم من درب الصفصاف، والتقوا، فجرح الملك نقفور ثلاث جراحات. وانهزم، وقتل من جيشه عدة ألوف.
وفيها توفي محدث الري الحافظ أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد الضبي. وله ثمان وسبعون سنة. روى عن منصور وطبقته من الكوفيين، ورحل إليه الناس لثقته وسعة علمه.
وفيها رشدين بن سعد المهري. محدث مصر لكنه ضعيف وفيه دين وصلاح. روى عن زبان بن فائد، وحميد بن هانئ، وخلق كثير.
وفيها عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي. روى عن عاصم الأحول وطبقته. قال أحمد: ثقة وزيادة، مع صلاح وشدة فقر.
وفيها، وقيل في سنة تسعين.عتاب بن بشير الحراني صاحب خصيف. وكان صاحب حديث. وفيها عقبة بن خالد السكوني الكوفي. روى عن هشام بن عروة وطبقته.
وفيها، أو في سنة تسعين، محمد بن يزيد الواسطي عن إسماعيل بن أبي خالد وجماعة.
وفيها عمر بن أيوب الموصلي المحدث الزاهد. رحل وسمع من جعفر بن برقان وطبقته.
قال ابن معين: ثقة مأمون.
وقال ابن عمار: ما رأيته يذكر الدنيا.
وفيها مقرئ الكوفة سليم بن عيسى الحنفي، مولاهم. صاحب حمزة. تصدر لإقراء الناس مدة عليه دارت قراءة حمزة.


وفيها، على الصحيح، الإمام أبو عمرو عيسى بن بن أبي إسحاق السبيعي. رأى جده، وسمع من إسماعيل بن أبي خالد وخلق من طبقته. وروى عنه من الكبار حماد بن أبي سلمة وهو أكبر منه. ذكر لابن المديني فقال: بخ بخ ثقة مأمون.
وقال أحمد بن داود الحداني: سمعت عيسى بن يونس يقول: لم يكن في أسناني أبصر بالنحو مني، فدخلتني منه نخوة فتركته.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: الذي كنا نخبر أن عيسى سنة في الغزو وسنة في الحج. فقدم بغداد في شيء من أمر الحصون فأمر له بمال فلم يقبله.
وفيها، أو في السنة الماضية، مرحوم بن عبد العزيز العطار بالبصرة. كان محدثاً صالحاً عابداً. روى عن أبي عمران الجوني والكبار.
قال الخريبي: ما رأيت بصرياً أفضل منه ومن سليمان بن المغيرة.
وفيها يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية الكوفي روى عن العلاء بن المسيب وعدة. وكان بن عباد المحدثين.
قال أحمد العجلي: قالوا له: دواء عينيك ترك البكاء. قال: فما خيرهما إذاً؟
سنة تسع وثمانين ومئة
فيها كان الفداء الذي لم يسمع بمثله، حتى لم يبق بأيدي الروم مسلم إلا فودي به.
وفيها توهم الرشيد في علي بن عيسى بن علي بن ماهان أمير خراسان الخروح فسار حتى نزل بالري. فبادر إليه علي بأموال وجواهر وتحف تتجاوز الوصف. فأعجب الرشيد ورده على عمله.
وفيها توفي في صحبة الرشيد شيخ القراءات والنحو الإمام أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي الكوفي الكسائي. أحد السبعة. قرأ على حمزة، وأدب الرشيد وولده الأمين. وهو من تلامذة الخليل.
قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
وفيها توفي في صحبة الرشيد أيضاً بالري قاضي القضاة وفقيه العصر أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني مولاهم.الكوفي المنشأ. ولد بواسط، وعاش سبعاً وخمسين سنة. وسمع أبا حنيفة ومالك بن مغول وطائفة. وكان من أذكياء العالم.
قال أبو عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه.
قال الشافعي: لو أشاء أن أقول تنزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته وقد حملت عنه وقر بختي.
وقال محمد بن الحسن: خلف أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت نصفها على النحو بالري. وأنفقت الباقي على الفقه ولما توفي هو والكسائي قال الرشيد: دفنا الفقه والنحو بالري.
قال الخطيب: وولي القضاء بعد محمد بن الحسن علي بن حرملة التيمي صاحب أبي حنيفة. وفيها أو محمد عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي البصري. أحد علماء الحديث. سمع من حميد الطويل وطبقته.
وفيها أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان الكوفي أحد الكبار، روى عن أبي مالك الأشجعي وخلق من طبقته.
فيها قاضي الموصل علي بن مسهر. أبو الحسن الكوفي الفقيه. روى عن أبي مالك الأشجعي وأقرانه.
قال أحمد: هو أثبت من ابن أبي معاوية في الحديث.
وقال أحمد العجلي: ثقة جامع للفقه والحديث.
وفيها حكام بن سلم الرازي. يروي بن حميد الطويل وطبقته.
وفيها، وقيل قبلها بعام، يحيى بن اليمان العجلي الكوفي الحافظ. روىعن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وطائفة.
ذكره أبو بكر بن عياش فقال: ذاك راهب.
وعن وكيع قال: ما كان أحد من أصحابنا أحفظ منه. كان يحفظ في المجلس خمس مئة حديث ثم، نسي.
وقال ابن المديني: صدوق ثقة تغير من الفالج.
وفيها أو في حدودها. محمد بن مروان السدوسي، الصغير الكوفي المفسر صاحب الكلبي وهو متروك الحديث.
سنة تسعين ومئة
فيها فتح هرقلة في شوال. استعد للرشيد وأمعن في بلاد الروم.
فدخلها في مئة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً، سوى المجاهدين تطوعاً. وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب. ولما افتتح هرقلة أخربها وسبى أهلها. وكان مقامه عليها شهراً. وسارت فرقة فافتتحت حصن الصقالبة. وفرقة افتنحت حصن الصفصاف ومقدونية.
وركب حميد بن معيوف في البحر، فغزا قبرس فخرب وسبى وأحرق، وبلغ السبي من قبرس ستة عشر ألفاً. وكان فيهم أسقف قبرس ابن علية، فنودي عليه فبلغ ألفي دينار وبعث نقفور الجزية عن رأسه وامرأته وخواصه. فكان ذلك خمسين ألف دينار. وبعث إلى الرشيد يخضع له ويلتمس منه أن لا يخرب حصوناً سماها. فاشترط عليه الرشيد أن لا يعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاث مئة ألف دينار.


وكتب نقفور إليه: أما بعد، فلي إليك حاجة أن تهب لي لابني جارية من سبي هرقلة كنت خطبتها له فأسعفني بها. فأحضر الرشيد الجارية فزينت. وأرسل معها سرادقاً وتحفاً. فأعطى نقفور للرسول خمسين ألفاً وثلاثين مئة ثوب وبراذين وبزاة.
وفيها توفي الفقيه أسد بن عمرو البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة وقاضي بغداد.
وفيها قارىء مكة في زمانه إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين المخزومي، مولاهم. المعروف بالقسط. وله تسعون سنة. وهو آخر أصحاب ابن كثير وفاة. قرأ عليه الشافعي وجماعة.
وفيها أبو عبيدة الحداد البصري نزيل بغداد. واسمه عبد الواحد بن واصل. روى عن عوف الأعرابي وعدة.
وفيها عبيده بن حميد الكوفي الحذاء الحافظ، وله بضع وثمانون سنة. روى عن الأسود بن قيس ومنصور والكبار. وكان صاحب قرآن وحديث ونحو أدب الأمين بعد الكسائي.
وفيها عمر بن علي المقدمي، أبو حفص البصري. كان حافظاً مدلساً. كان يقول: ثنا. يقول: سمعت. ثم يسكت. ثم يقول: هشام بن عروة وينوي القطع.
وفيها عطاء بن مسلم الخفاف. كوفي صاحب حديث، ليس بالقوي. نزل حلب. وروى عن محمد بن سوقة وطبقته.
وفيها حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي. روى عن الأعمش وطبقته. قال أبو بكر بن أبي شيبة: قل من رأيت مثله.
وفيها يحيى بن خالد البرمكي. توفي في سجن الرشيد. وله سبعون سنة.
سنة إحدى وتسعين ومئة
فيها توفي سلمة بن الفضل الأبرش، قاضي الري وراوي المغازي عن ابن إسحاق. وهو مختلف في الاحتجاج به. ولكنه في ابن إسحاق ثقة.
وفيها الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي مولاهم. المصري الفقيه، صاحب مالك. وله ستون سنة. وقد أنفق أموالاً كبيرة في طلب العلم. ولزم مالكاً مدة. وسأله عن دقائق الفقه. وفيها الفضل بن موسى السيناني شيخ مرو ومحدثها وسينان من قرى مرو. ارتحل وكتب الكثير. وحدث بن هشام بن عروة وطبقته.
قال أبو نعيم الكوفي: هو أثبت من ابن المبارك.
وقال وكيع: أعرفه ثقة صاحب سنة.
وفيها محمد بن سلمة الحراني الفقيه. محدث حران ومفتيها. روى عن هشام بن حبان وطبقته. قال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً، له رواية وفتوى.
وفيها مخلد بن الحسين الأزردي المهلبي البصري. نزيل المصيصة. وكان من عقلاء زمانه وصلحائهم.
وفيها معمر بن سليمان الرقي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وطبقته.
وكان من أجلاء المحدثين. ذكره الإمام أحمد فذكره من فضيلته وهيبته.
وقال أبو عبيد: كان من خير من رأيت.
سنة اثنتين وتسعين ومئة
فيها أول ظهور الخرمية المارقة بجبال أذربيجان. فغزاهم حازم ابن خزيمة فقتل وسبى.
وفيها توفي الإمام الكبير أبو محمد عبد الله إدريس الأزدي الكوفي الحافظ العابد. روى عن حصين بن عبد الرحمن وطبقته. وقد روى عن مالك مع تقدمه وجلالته.
قال الإمام أحمد بن حنبل: كان عبد الله بن إدريس نسيج وحده.
وقال ابن عرفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه.
وقال أبو حاتم: هو إمام من أئمة المسلمين حجة.
وقال غيره: لم يكن بالكوفة أعبد لله منه. عاش اثنتين وسبعين سنة.
وفيها علي بن ظبيان العبسي الكوفي القاضي، أبو الحسن ولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة، وروى عن أبي حنيفة وإسماعيل بن أبي خالد. وكان محمود الأحكام دينا متواضعاً، ضعيف الحديث.
وفيها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي، أخو جعفر البرمكي، مات في السجن، وقد ولي أعمالاً جليلة. وكان أندى كفاً من جعفر مع كبر، وتيه.
له أخبار في السخاء المفرط، حتى إنه وصل مرة بعض أشراف العرب بخمسين ألف دينار. وفيها مفتي الأندلس وخطيب قرطبة صعصعة بن سلام الدمشقي.
أخذ عن الأوزاعي، ومالك، والكبار. أخذ عنه عبد الملك بن حبيب وجماعة.
سنة ثلاث وتسعين ومئة
فيها سار الرشيد إلى خراسان ليمهد قواعدها. وكان قد بعث في العام الماضي هرثمة بن أعين فقبض له على الأمير بن عيسى بن ماهان بحيلة وخديعة، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها الرشيد، وهو بجرجان. على ألف وخمسين مئة جمل. ثم سار إلى طوس في صفر. وهو عليل. وكان رافع بن الليث قد استولى على ما وراء النهر وعصى فالتقى جيشه وعليهم أخوه هم وهرثمة فهزمهم. وقتل أخو رافع. وملك هرثمة بخارى.


وفيها توفي في ذي القعدة. توفي الإمام العلم أبو بشر إسماعيل بن علية الأسدي. مولاهم البصري. واسم أبيه إبراهيم بن مقسم. وعلية أمه. سمع أيوب وطبقته.
قال فهد بن هارون: دخلت البصرة وما بها أحد يفضل في الحديث علي بن علية.
وقال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.
وقال ابن معين: كان ثقة ورعاً تقياً.
وقال شعبة: ابن علية سيد المحدثين.
وتوفي بعده بأيام محمد بن جعفر غندر الحافظ، أبو عبد الله البصري، صاحب شعبة. وقد روى عن حسين المعلم وطائفة وقال: لزمت شعبة عشرين سنة.
قال ابن معين: كان من أصح الناس كتاباً.
وقال آخر: مكث غندر خمسين سنة يصوم يوماً ويفطر يوما.
وفيها مخلد بن يزيد الحراني محدث رحال. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وطبقته.
وفيها في ذي الحجة أبو عبد الله مروان بن معاوية الفزاري الكوفي الحافظ نزيل دمشق. وابن عم أبي إسحاق الفزاري. روى عن حميد الطويل وطبقته.
قال الإمام أحمد: ثبت حافظ.
وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين.
وفيها الإمام أبو بكر بن عياش الأسدي، مولاهم، الكوفي الخياط. شيخ الكوفة في القراءة والحديث. وله بضع وتسعون سنة. كان من شيخ من أجل أصحاب عاصم. قطع الإقراء بن قبل موته بتسع عشرة سنة.
وقال ابن المبارك: ما رأيت أحداً أسرع إلى السنة من أبي بكر بن عياش.
وقال غيره: كان لا يفر من التلاوة، قرأ اثني عشر ألف ختمة. وقيل أربعة وعشرين ألف ختمة.
وفيها العباس بن الأحنف، أحد الشعراء المجيدين، ولاسيما في الغزل.
وفي ثالث جمادى الآخر توفي هارون الرشيد أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله العباسي بطوس. وكانت أيامه ثلاثاً وعشرين سنة. ومولده بالري سنة ثمان وأربعين ومئة. روى عن أبيه وجده. مبارك بن فضالة. وحج مرات في خلافته. وغزا عدة غزوات حتى قيل فيه:
فمن يطلب لقائك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممدحاً فيه دين وسنة، مع انهماكه على اللذات والقيان. وكان أبيض طويلاً سميناً مليحاً، قد خطه الشيب. ورد أنه كان يصلي في اليوم مئة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم. وكان يخضع للكبار، ويتأدب معهم. وعظه الفضيل. وابن السماك، وغيرهما. وله مشاركة قوية في الفقه والعلم والأدب.
وفيها وقيل بعدها. فقيه الأندلس زياد بن عبد الرحمن اللخمي شبطون صاحب مالك. وعليه تفقه يحيى بن يحيى قبل أن يرحل الى مالك. وكان زياد ناسكاً ورعاً، أريد على القضاء فهرب. وفيها نقفور ملك الروم في حرب برجان. وكانت مملكته تسعة أعوام. فملك بعده ابنه شهرين وهلك. فملك زوج أخته ميخائل بن جرجس لعنهم الله.
سنة أربع وتسعين ومئة
فيها وثب الروم على ملكهم ميخائيل فهرب وترهب. وقام بعده ليون القائد.
وفيها مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون. وكان الرشيد أبوهما قد عقد بالعهد للأمين، ثم من بعده للمأمون. وكان المأمون على إمرة خراسان. فشرع الأمين في العمل على خلع أخيه ليقدم ولده ابن خمس سنين وأخذ يهدي الأموال للقواد ليقوموا معه في ذلك. ونصحه أولو الرأي فلم يرعو، حتى آل الأمر إلى أن قتل.
وفي آخرها توفي الإمام أبو عمر حفص بن غياث بن طلق النخعي قاضي الكوفة، وقاضي بغداد. روى عن الأعمش وطبقته. وعاش خمساً وسبعين سنة.
قال يحيى القطان: حفص أوثق أصحاب الأعمش.
وقال سجادة: كان يقال ختم القضاء يحفص بن غياث. وقال ابن معين: جميع ما حدث به حفص بالكوفة وبغداد فمن حفظه.
وقال حفص: والله ما وليت القضاء حتى حملت لي الميتة.
وفيها سويد بن عبد العزيز الدمشقي قاضي بعلبك. قرأ القرآن على يحيى الزماري. وروى عن أبي الزبير المكي. والكبار وعاش بضعاً وثمانين سنة. ضعفوه.
وفيها عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي محدث البصرة.
روى عن أيوب السختياني. ومالك بن دينار. وطبقتهما.
قال الفلاس: كانت غلته في السنة أربعين ألفاً ينفقها كلها على أصحاب الحديث.
وقال أبو إسحاق النظام المتكلم، وذكر عبد الوهاب: هو والله أحلى، من أمن من بعد خوف. وبرء بعد سقم وخصب بعد جذب، وغنى بعد فقر، ومن إطاعة المحبوب ومن فرج المكروب. وفيها محمد بن أبي عدي البصري المحدث. وروى عن حميد وطبقته. وكان أحد االثقات الكبار.


وفيها محمد بن حرب الخولاني الأبرش الحمصي قاضي دمشق. روى عن الزبيدي فأكثر. وعن محمد بن زياد الألهاني وكان حافظاً مكثراً.
وفيها يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي الحافظ ولقبه جمل.
روى عن الأعمش وخلق. وحمل المغازي عن ابن إسحاق واعتنى بها، وزاد فيها أشياء.
وفيها استشهد في غزوة أبو علي شقيق البلخي الزاهد شيخ خراسان.
سافر مرة وفي صحبته ثلاث مئة مريد. وهو شيخ حاتم الأصم.
وفيها سلم بن سالم البلخي الزاهد. روى عن ابن جريج وجماعة.
وكان صواماً قواماً في الأمر بالمعروف.
قال أبو مقاتل السمرقندي: سلم في زماننا كعمر بن الخطاب في زمانه.
قلت: هو وشقيق ضعيفان في الحديث.
وفيها عمر بن هارون البلخي. روى عن جعفر الصادق وطبقته. وكان كثير الحديث بصيراً بالقراءات. تركوه.
سنة خمس وتسعين ومئة
فيها لما تيقن المأمون أن الأمين خلعه تسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك. وجهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان في جيش عظيم أنفق عليهم أموالاً لا تحصى. وأخذ علي معه له قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه. فبلغ إلى الري. وأقبل طاهر بن الحسين الخزاعي في نحو أربعة آلاف. فأشرف على جيش ابن ماهان وهم يلبسون السلاح، وقد إمتلأت بهم الصحراء بياضاً وصفرة في العدد المذهبة. فقال ابن طاهر: هذا ما لا قبل لنا به. ولكن جعلوها خارجية، واقصدوا القلب. ثم ذلك ذكروا ابن ماهان الأيمان التي في عنقه للمأمون. فلم يلتفت. وبرز فارس من جند ابن ماهان فحمل عليه طاهر بن الحسين فقتله. وشد داود شباه على علي بن عيسى بن ماهان فطعنه وصرعه، وهو لا يعرفه، ثم ذبحه بالسيف. فانهزم جيشه وحمل رأسه على رمح. وأعتق طاهر مماليكه شكراً لله. وشره أمر الأمين في سفال، وملكه في زوال.
قيل إنه لما بلغه قتل ابن ماهان وهزيمة جيشه كان يتصيد سمكاً. فقال للبريدي: ويلك دعني. كوثر وقد صاد سمكتين وأنا فما صدت شيئاً بعد. وندم في الباطل على خلع أخيه وطمع في أمراؤه. ولقد فرق عليهم أموالاً لا تحصى حتى فرغ الخزائن وما نفعوه. وجهز جيشاً فالتقاهم طاهر أيضاً بهمدان. فقتل في المصاف خلق كثير من الفريقين، وانتصر طاهر بعد وقعتين أو ثلاث. وقتل مقدم الجيش الأمين عبد الرحمن الأساوي أخذ الفرسان المذكورين، بعد أن قتل جماعة. وزحف طاهر حتى نزل بحلوان.
وفيها ظهر بدمشق أبو العميطر السفياني، فبايعوه بالخلافة. واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فطرد عاملها الأمير سليمان بن المنصور. فسير الأمين عسكراً لحربه. فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه.
وفيها توفي إسحاق بن يوسف الأزرق محدث واسط. روى عن الأعمش وطبقته وكان حافظاً عابداً يقال إنه بقي عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء.
وفيها بشر بن السري البصري الأفوه نزيل مكة. وكان فصيحاً بالمواعظ مفوهاً ذا صلاح. وقال الإمام أحمد: كان متقناً للحديث عجباً.
قلت: روى عن مسعر والثوري وطبقتهما.
وفيها أبو معاوية الضرير محمد بن معاوية الكوفي الحافظُ. ولد سنة ثلاث عشرة ومئة. ولزم الأعمش عشر سنين.
وقال أبو نعيم: سمعت الأعمش يقول لأبي معاوية: أما أنت فقد ربطت رأس كيسك.
وكان شعبة إذا توقف في حديث الأعمش راجع أبا معاوية وسأله عنه.
وفيها عبد الرحمن بن محمد المحاربي الحافظ. روى عن عبد الملك بن عُميْر وخلق.
قال وكيع: ما كان أحفظه للطوال. توفي بالكوفة.
وفيها، أو في التي مضت، عثام بن علي الكوفي. روى عن هشام بن عروة والأعمش.
وفيها، أو في الماضية، محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، مولاهم، روى عن حصين بن عبد الرحمن وطبقته وكان يتشيع.
وفيها محدث الشام أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي، وله ثلاث وسبعون سنة. توفي بذي المروة راجعاً من الحج في المحرم. روى عن يحيى الذماري، ويزيد بن أبي مريم. وخلائق. وصنف التصانيف.
قال ابن جوصا: ثم نزل نسمع انه بن كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء. وهي سبعون كتاباً.
وقال أبو مسهر: كان مدلساً ربما دلس عن الكذابين.
وفيها يحيى بن سليم الطائفي الحذاء بمكة. وكان ثقة صاحب حديث. روى عن عبد الله بن عثمان بن خثيم وطبقته.
سنة ست وتسعين ومئة.
فيها توثب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد.


فخلع الأمين في رجب وحبسه. ودعا إلى بيعة المأمون فلم ينشب أن وثب الجند عليه فقتلوه. وأخرجوا الأمين. وجرت أمور طويلة وفتنة كثيرة.
وفيها توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري في ربيع الآخر. روى عن حميد الطويل وطبقته وكان أحد الحفاظ.
قال يحيى القطان: ما بالبصرة. و لابالكوفة. ولا بالحجاز. أثبت من مُعاذ بن معاذ.
وقال الإمام أحمد: كان ثبتاً. وما رأيت أعْقَلَ منه.
وفيها قاضي شيراز ومحدثها سعد بن الصلت الكوفي. روى عن الأعمش وطبقته وكان حافظاً. قال سفيان: ما فعل سعد بن الصلت؟ قالوا له: ولي القضاء.
قال: ذره واقعد في الحش.
قلت: آخر من روى عنه شيخه إسحاق بن ابراهيم بن شاذان.
وفيها أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي الأديب شاعر العراق.
قال ابن عيينة: هو أشعر الناس.
وقال الحافظ: ما رأيت أعلم باللغة منه.
سنة سبع وتسعين ومئة
فيها حوصر الأمين ببغداد وأحاط به طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وزهير بن المسيب في جيوشهم. وقاتلت مع الأمين الرعية. وقاموا معه قياماً لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة. واشتد البلاء وعظم الخطب.
وفيها، أي سنة ثمان، توفي الإمام العلم أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، مولاهم الكوفي. شيخ الحجاز في أول رجب، وله إحدى وتسعون سنة. سمع زياد بن علاقة، الزهري والكبار. وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
وقال ابن وهب: لاأعلم أحداً أعلم بالتفسير منه.
وقال أحمد العجلي: كان حديثه نحواً من سبعة آلاف حديث. ولم يكن له كتاب، و كان ثبتاً في الحديث.
وقال فهر بن أسد: مارأيت متل ابن عيينة. فقيل له: ولا شعبة؟ قال: ولا شعبة.
وقال أحمد: ما رأيت أحداً أعلم بالسنن منه.
وفيها الإمام الحبر أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري، مولاهم، المصري أحد الأعلام، في شعبان. ومولده سنة خمس وعشرين ومئة. وطلب العلم بعد الأربعين ومئة بعام أوعامين. وروى عن ابن جُرَيْج. وعمرو بن الحارث، وخلق. وتفقه بمالك والليث.
قال أبو سعد بن يونس: جمع ابن وهب بين الفقه والرواية والعبادة. وله تصانيف كثيرة.
وقال أحمد بن صالح المصري: حدث ابن وهب بمئة ألف حديث، مارأيت أحداً أكثر حديثاً منه. وقال خالد بن خداش: قرىء على ابن وهب كتابه في أهوال يوم القيامة فخر مغشياً عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام.
وقال يونس بن عبد الأعلى: كانوا أرادوه على القضاء فتغيب.
وفيها محدث الشام الإمام أبو يحمد بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي الحافظ. ومولده سنة عشر ومئة. وروى عن محمد بن زياد الألهاني، و بجير بن سعد، والكبار. وأخذ عمن دب ودرج. وتفقه بالأوزاعي. وكان مشهوراً بالتدليس كالوليد بن مسلم.
وقال ابن معين: إذا روى عن ثقة فهو حجة.
وقال بقية: قال لي شعبةُ: إني لأسمع منك أحاديث لو لم أسمعها لطرت.
وفيها شُعَيْبُ بن حرب المدائني الزاهد أحد علماء الحديث. روى عن مالك بن مغول وطبقته. قال الطبيب بن إسماعيل: دخلنا عليه وقد بنى له كوخاً، وعنده خبز يابس يبله ويأكل، وهو جلد وعظم.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حمل على نفسه في الورع.
وفيها شيخ الإقراء بالديار المصرية أبو سعيد عثمان بن سعيد القيرواني ثم المصري ورش، صاحبُ نافع. وله سبع وثمانون سنة.
وفيها محمد بن فليح بن سليمان المدني. روى عن هشام بن عروة وطبقته.
وفيها قاضي صنعاء وعالمها هشام بن يوسف الصنعاني. أخذ عن معمر. وابن جريح، وجماعة.
قال ابن معين: هو أثبت بن عبد الرزاق في ابن جُريْج.
وفيها الإمام العلم أبو سفيان وكيع بن الجراح الرؤاسي في المحرم، راجعاً من الحج بفَيد، وله سبع وستون سنة. روى عن الأعمش وأقرانه.
قال ابن معين: كان وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه.
وقال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع.
وقال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فخرج وكيع فقالوا: هذا راوية سفيان. قال: إن شئتم أرجح من سفيان.
وقال يحيى بن أكثم: صحبت وكيعاً فكان يصومُ الدهر ويختم القرآن فيه كل ليلة.
وقال الإمام بن أحمد: ما رأت عيني مثل وكيع قط.
وقال ابن معين: ما رأيت أفضل بن و كيع. كان يحفظ حديثه، ويوم يقوم الليل. ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة قال: وكان يحيى القطان يفتي بقوله أيضاً.


سنة ثمان وتسعين ومئة
في المحرم ظفر طاهر بن الحسين بعد أمور يطول شرحها بالأمين.
فقتله ونصب رأسه على رمح. وكان مليحاً أبيض جميل الوجه طويل القامة. عاش سبعاً وعشرين سنة. واستخلف ثلاث سنين وأياماً، وخلع في رجب سنة ست وتسعين. وحارب سنة ونصفاً وهو ابن زبيدة بنت جعفر بن المنصور.
وكان مبذراً للأموال قليل الرأي كثير اللعب. لا يصلح للخلافة. سامحه الله ورحمه.
وفيها توفي أول رجب شيخ الحجاز وأحد الأعلام أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، مولاهم، الكوفي الحافظ نزيل مكة. وله إحدى وتسعون سنة. سمع زياد بن علاقة والزهري والكبار.
وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.
وقال ابن وهب: لاأعلم أحداً أعلم بالتفسير من ابن عيينة.
وقال أحمد العجلي: كان حديثه نحواً من سبعة آلاف حديث. ولم يكن له كتب.
وقال فهر بن أسد: ما رأيت مثل ابن عيينة.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً أعلم بالسنن من ابن عيينة.
توفي سنة سبع وهذا هو الصحيح.
وفي جمادى الآخرة الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي الحافظ. أحد أركان الحديث بالعراق. وله ثلاث وستون سنة. روى عن هشام الدستوائي وخلق. وأول طلبه سنة نيف وخمسين ومئة. فكتب عن صغار التابعين كأيمن بن نائل وغيره.
قال الإمام أحمد بن حنبل: هو أفقه من القطان وأثبت من وكيع.
وقال ابن المديني: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس. لو حلفت. لحلفت بين الركن والمقام أني لم أر أعلم منه.
قلت: وكان أيضاً رأساً في العبادة رحمه الله.
وفي شوال الإمام أبو يحيى معن بن عيسى المدني القزاز، صاحب مالك. روى عن موسى بن علي بن رباح وطائفة. وكان حجة، صاحب حديث.
قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك وأوثقهم.
وفي صفر الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري الحافظ. أحد الأعلام. وله ثمان وسبعون سنة روى عن عطاء بن السائب وحميد وخلق.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت بعيني مثله.
وقال ابن معين: قال لي عبد العجمان بن مهدي: لا ترى بعينيك مثل يحيى لقطان.
وقال بندار: اختلفت إليه عشرين سنة فما أظنه أنه عصى الله قط.
وقال ابن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة يختم في كل ليلة، ولم تفته الزوال في المسجد أربعين سنة.
وفيها أبو عبد الرحمن مسكين بن كبير الحراني. روى عن جعفر بن برقان وطبقته. وكان مكثراً تقة.
وفيها انتدب محمد بن صالح بن بيهس الكلابي أميرعرب الشام لحرب السفياني، ولمن قام معه من الأموية. وأخذ منهم دمشق. وهرب أبو العميطر السفياني في إزار بن المزة. وجرت بين أهل المزة وداريا، وبين ابن بيهس حروب ظهر فيها عليهم. واستولى على دمشق. وأقام الدعوة فيها للمأمون.
سنة تسع وتسعين ومئة
فيها فتنة ابن طباطبا العلوي. وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ظهر بالكوفة، وقام بأمره أبو السرايا السري بن منصور الشيباني. وسرع الناس إلى ابن طباطبا، وغلب على الكوفة. وكثر جيشه. فسار لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف. فالتقوا. فهزم زهير واستبيح عسكره. وذلك في سلخ جمادى الآخرة. فلما كان بن الغد أصبح ابن طباطبا ميتاً. فقيل إن أبا السرايا سمه لكونه لم ينصفه في الغنيمة. وأقام بعده في الحال محمد بن محمد ابن زيد بن علي الحسيني. شاب أمرد.
ثم جهز الحسن بن سهل جيشاً عليهم عبدوس المروذي، فالتقوا، فقتل عبدوس. وأسر عمير، وقتل خلق من جيشه. وقوي العلويون.
ثم استولى أبو السرايا على واسط فسار لحربه هرثمة بن أعين. فالتقوا، فقتل خلق من أصحاب أبي السرايا، وتقهقر إلى الكوقة. ثم التقوا ثانياً وعظمت الفتنة ولا سيما بالحجاز.
وفيها توفي إسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الأصل. روى عن ابن أبي ذيب وطبقته. وكان عابداً خاشعاً يقال إنه من الأبدال.
وفيها حفص بن عبد الرحمن البلخي، ثم النيسابوري، أبو عمر قاضي نيسابور. روى عن عاصم الأحول، وأبي حنيفة، وطائفة. وكان ابن المبارك يزوره ويقول: هذا اجتمع فيه الفقه والوقار والورع.
وفيها أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، وصاحب كتاب الفقه الأكبر، وله أربع وثمانون سنة. ولي قضاء بلخ. وحدث عن ابن عون وجماعة.


قال أبو داود: كان جهمياً تركوا حديثه. وبلغنا أبا مطيع كان من كبار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وفيها شعيب بن الليث بن سعد المصري الفقيه.
وفيها عبد الله بن نمير أبو هشام الخارقي الكوفي. أحد أصحاب الحديث المشهورين. روى عن هشام بن عروة وطبقته. وعاش بضعاً وثمانين سنة.
وفيها عمرو بن محمد العنقزي الكوفي. والعنقز هو المرزنجوش. روى عن ابن جريج وطبقته. وكان صاحب حديث.
وفيها محمد بن شعيب بن سابور الدمشقي ببيروت. روى عن عروة ابن رويم وطبقته. وكان من عقلاء المحدثين وعلمائهم المشهورين.
وفيها يونس بن بكير أبو بكر الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي. روى عن الأعمش وخلق.
قال ابن معين: صدوق.
وفيها. وقيل في التي، سيار بن حاتم العنزي البصري. صاحب القصص والرقائق، وراوية جعفر بن سليمان الضبعي. وثقه ابن حبان.
سنة مئتين من الهجرة
في أولها أبو السرايا والعلويون بن الكوفة إلى القادسية وضعف سلطانهم. فدخل هرثمة الكوفة وآمن أهلها. ثم ظفر أصحاب المأمون بأبي السرايا ابن وبمحمد بن محمد العلوي، فأمر الحسن بن سهل فقتل أبو السرايا في ربيع الأول، وبعث بمحمد إلى المأمون.
وخرج بالبصرة خارجي وبالحجاز آخر. فلم تقم لهما قائمة بعد فتن وحروب.
وفيها طلب لمأمون هرثمة بن أعين. فشتمه وضربه وحبسه. وكان الفضل بن سهل الوزير يبغضه، فقتله في: الحبس سراً.
وفيها أحصي ولد العباس رضي الله عنه فبلغوا ثلاثة وثلاثين الف نسمة.
وفيها قتلت الروم عظيمهم إليون. وكانت أيامه سبع سنين ونصفا. وأعادوا الملك الى ميخائيل الذي ترهب.
وفيها توفي أسباط بن محمد أبو محمد الكوفي. وكان ثقة صاحب حديث روى عن الأعمش وطبقته.
وفيها أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي المدني. وله ست وتسعون سنة. روى عن سهيل بن أبي صالح وطبقته. وكان مكثراً صدوقاً.
وفيها سلم بن قتيبة بالبصرة. روى عن يونس بن أبي إسحاق وطبقته. وأصله خراساني.
وفيها عبد الملك بن الصباح المسمعي الصنعاني البصري. روى عن ثور ابن يزيد، وابن عون.
وفيها عمر بن عبد الواحد السلمي الدمشقي. ولد سنة ثماني عشرة ومئة. وقرأ القران على الذماري. وحدث عن جماعة. وكان من ثقات الشاميين.
وفيها قتادة بن الفضل الرهاوي. رحل وسمع من الاعمش وعدة.
وفيها أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك الدؤلي، مولاهم، المدني الحافظ. روى عن سلمة بن ودان وطبقته. وكان كثير الحديث.
وفيها أبو عبد الله أمية بن أسد بن خالد أخو هدية. روى عن شعبة والثوري.
وفيها صفوان بن عيسى القسام بالبصرة. روى عن يزيد بن أبي عبيد وطبقته.
وفيها محمد بن الحسن الأسدي الكوفي بن التل. روى عن فطر بن خليفة وطبقته.
وفيها في صفر محمد بن حمير السليحي محدث حمص.روى عن محمد ابن زياد الألهاني وطائفة. وثقه ابن معين ودحيم.
وفيها أبو إسماعيل مبشر بن إسماعيل الحلبي. روى عن جعفر بن برقان وطبقته. وكان صاحب حديث وإتقان.
وفيها معاد بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. روى عن أبيه، وابن عون. وطائفة. وكان صاحب حديث له أوهام يسيرة.
وفيها المغيرة بن سعيد بن سلمة المخزومي بالبصرة.
قال ابن المديني: ما رأيت قرشياً أفضل منه، ولا أشد تواضعاً. أخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل.
قلت: روى عن القاسم بن الفضل الحداني وطبقته.
وفيها القاضي أبو البختري وهب بن وهب القرشي المدني، ببغداد. وكان جواداً محتشماً. روى عن هشام بن عروة وطائفة واتهم بالكذب.
وفيها على الصحيح القدوة الزاهد معروف الكرخي أبو محفوظ.
صاحب الأحوال والكرامات.
سنة إحدى ومئتين
فيها عهد المأمون إلى علي موسى الرضا العلوي. فعهد إليه بالخلافة من بعده. وأمر الدولة بترك السواد ولبس الخضرة. وأرسل من العراق بهذا. فعظم هذا على بن العباس الذين ببغداد. ثم خرجوا عليه وأقاموا منصور ابن المهدي. ولقبوه بالمرتضى. فضعف عن الأمر وقال: إنما أنا خليفة المأمون. فتركوه وعدلوا إلى أخيه بن إبراهيم بن المهدي الأسود. فبايعوه بالخلافة ولقبوه بالمبارك. وخلعوا المأمون. وجرت بالعراق حروب شديدة وأمور مزعجة.
وفيها أول ظهور بابك الخرمي فعاث وأفسد وكان يقول بالتناسخ.


وفيها توفي أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي الحافظ، مولى بني هاشم، وله إحدى وثمانون سنة. روى عن الأعمش والكبار.
قال الإمام أحمد: ما كان أثبته. لايكاد يخطىء! وفيها حماد بن مسعدة بالبصرة. روى عن هشام بن عروة وعدة.
وكان صاحب حديث.
وفيها حرمي بن عمارة بن أبي حفصة البصري. روى عن قرة بن خالد، وشعبة.
وفيها سعد بن إبراهيم سعد الزهري العوفي. قاضي واسط. سمع أباه و ابن أبي ذئب.
وفيها علي بن عاصم أبو الحسن الواسطي، محدث واسط. وله بضع وتسعون سنة. روى عن حصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، والكبار. وكان يحضر مجلسه ثلاثون ألفاً.
قال وكيع: أدركت الناس والحلقة لعلي بن عاصم بواسط.
وضعفه غير و حد لسوء حفظه. و كان إماماً ورعاً صالحاً، جليل القدر.
وفيها قتل المسيب بن زهير أكبر قواد المأمون. وضععف أمر الحسن بن سهل بالعراق، وهزم جيشه مرات. ثم ترجح أمره.
وحاصل القصة أن أهل بغداد أصابهم بلاء عظيم في هذه السنوات حتى كادت تتداعى بالخراب. وجلا خلق من أهلها عنها بالنهب والسبي والغلاء وخراب الدور.
وفيها يحيى بن عيسى النهشلي الكوفي الفاخوري بالرملة. روى عن الأعمش وجماعة. وهو حسن الحديث.
سنة اثنتين ومئتين
فيها توفي على الصحيح، ضمرة بن ربيعة في رمضان بفلسطين روى عن الأوزاعي وطبقته وكان من العلماء المكثرين.
وفيها أبو بكر بن أبي أويس المدني أخو اسماعيل. واسمه عبد الحميد الأعمش روى عن ابن أبي ذئب. وسليمان بن بلال وطائفة.
وفيها أبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني الكوفي. روى عن الأعمش وجماعة.
قال أبو داود: كان داعية إلى الإرجاء.
وفيها أبو حفص عمرو بن شبيب المسلي الكوفي. روى عن عبد الملك بن عمير والكبار.
قال النسائي: ليس بالقوي.
وفيها يحيى بن المبارك اليزيدي المقرىء النحوي اللغوي، صاحب التصانيف الأدبية. وتلميذ أبي عمرو بن العلاء، وله أربع وسبعون سنة، وهو بصري نزل بغداد.
وفيها الفضل بن سهل ذو الرياستين وزير المأمون. قتله بعض أعدائه في حمام بسرخس. فانزعج المأمون وتأسف عليه. وقتل به جماعة. وكان من مسلمة المجوس.
سنة ثلاث ومئتين
فيها استوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان في خراسان واتخذها سكناً.
وفيها توفي أزهر بن سعد السمان. أبو بكر البصري. روى عن سليمان التيمي وطبقته. وعاش أربعاً وتسعين سنة.
وفيها في ذي القعدة الإمام حسين بن علي الجعفي. مولاهم. الكوفي المقرىء الحافظ. روى عن الأعمش وجماعة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت أفضل منه ومن سعد بن عامر الضبعي.
وقال يحيى بن يحيى النيسابوري. إن بقي أحد من الأبدال فحسين الجعفي.
قلت: كان مع تقدمه في العلم رأساً في الزهد والعبادة.
وفيها الحسين بن الوليد النيسابوري الفقيه. رحل وأخذ عن مالك بن مغول وطبقته. وقرأ القرآن على الكسائي. وكان كثير الغزو والجهاد والكرم.
وفيها خزيمة بن حازم الخراساني الأمير. أحد القواد الكبار العباسية.
وفيها زيد بن الحباب أبو الحسين الكوفي سمع مالك بن مغول وخلق كبيراً. كان حافظاً صاحب حديث، واسع الرحلة صابراً على الفقر والفاقة.
وفيها عثمان بن عبد الرحمن الحراني الطرائفي. وكان يبيع طرائف الحديث فقيل له الطرائفي روى عن هشام بن حبان وطبقته. وهو صدوق.
وفيها، في صفر، علي بن موسى الرضا الإمام أبو الحسن الحسيني بطوس، وله خمسون سنة. وله مشهد كبير بطوس يزار. روى عن أبيه موسى الكاظم، عن جده جعفر بن محمد الصادق. وفيها أبو داود الحفري عمر بن سعد بالكوفة. روى عن مالك بن مغول ومسعر. وكان من عباد المحدثين.
قال أبو حمدون المقري: لما مات دفناه و تركنا بابه مفتوحاً. ما خلف شيئاً.
وقال ابن المديني: ما رأيت بالكوفة أعبد منه.
وقال وكيع: إن كان يدفع البلاء بأحد في زماننا فبأبي داود الحفري.
وفيها عمرو بن عبد الله بن رزين السلمي النيسابوري. رحل وسمع محمد ابن إسحاق وطبقته. قال سهل بن عمار: لم يكن بخراسان أنبل منه.
وفيها أبو حفص عمر بن يونس اليمامي. روى عن عكرمة بن عمار وجماعة. وكان ثقة مكثراً.
وفيها محمد بن بكر البرساني بالبصرة. روى عن ابن جريج وطبقته، وكان أحد الثقات الأدباء الظرفاء.


وفيها محمد بن بشر العبدي الكوفي الحافظ. روى عن الأعمش وطبقته.
قال أبو داود: هو أحفظ من كان بالكوفة في وقته.
وفيها أبو أحمد الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، مولاهم، الكوفي. روى عن يونس بن أبي إسحاق وطبقته.
قال أبو حاتم: كان ثقة حافظاً عابداً مجتهداً، له أوهام.
وفيها أبو جعفر محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين الحسيني المدني، الملقب بالديباج. روى عن أبيه. وكان قد خرج بمكة سنة مئتين ثم عجز وخلع نفسه، وأرسل إلى المأمون. فمات بجرجان. ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلاً شجاعاً يصوم يوماً ويفطر يوماً يقال إنه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم واحد فمات فجأة.
وفيها مصعب بن المقدام الكوفي. روى عن ابن جريج وجماعة.
وفيها النصر بن شميل الإمام أبو ابن المازني البصري النحوي نزيل مرو روى عن حميد، وهشام بن عروة، والكبار. وكان رأساً في الحديث. رأساً في اللغة والنحو. ثقة. صاحب سنة. توفي في آخر يوم من سنة ثلاث ودفن في أول سنة أربع من الغد. وعاش ثمانين سنة.
وفيها الوليد بن القاسم الهمداني الكوفي. روى عن الأعمش وطبقته. وكان ثقة.
وفيها أبو العباس الوليد بن يزيد العذري البيروتي صاحب الأوزاعي.
وفيها الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرىء الحافظ الفقيه أخذ القراءة عن أبي بكر عياش، وسمع بن يونس بن أبي إسحاق. وفطر ابن خليفة. وهذه الطبقة. وصنف التصانيف.
قال أبو أسامة: كان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم.
وقال أبو داود: يحيى بن آدم واحد الناس.
وذكره ابن المديني فقال: رحمه الله أي أعلم كان عنده!
سنة أربع ومئتيتن
فيها، في سلخ رجب، توفي فقيه العصر أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي بمصر، وله أربع وخمسون سنة. أخذ عن مالك ومسلم بن خالد ابن الزنجي و طبقتهما. وكان مولده بغزة، ونقل إلى مكة. وله سنتان.
قال المزني: ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي، إذا قبض على لحيته لا يفضل عن قبضته. وقال الزعفراني. كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. و كان حاذقاً بالرمي يصيب تسعة من العشرة.
وقال الشافعي: استعملت اللبان سنة للحفظ فأعقبني صب الدم سنة.
قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي.
وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشافعي.
وقال أبو ثور الفقيه: ما رأيت مثل الشافعي ولا رأى مثل نفسه.
وقال الشافعي: سميت ببغداد ناصر الحديث.
وقال أبو داود: ما أعلم للشافعي حديثاً خطأ.
وقال الشافعي ما شيء أبغض إلي من الرأي وأهله.
وفيها قاضي ديار مصر إسحاق بن الفرات أبو نعيم التجيبي، صاحب مالك.
قال الشافعي: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف الناس من إسحاق بن الفرات رحمه الله.
وقد روى إسحاق أيضا عن حميد بن هانىء. والليث بن سعد، وغيرهما.
وفيها، في ثامن عشر شعبان. فقيه الديار المصرية أشهب بن عبد العزيز، أبو عمرو العامري صاحب مالك، وله أربع وستون سنة. وكان ذا مال وحشمة وجلالة.
قال الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه بن أشهب لولا طيش فيه. وكان محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم صاحب أشهب يفضل أشهب على ابن القاسم.
وفيها الإمام أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، قاضي الكوفة وصاحب أبي حنيفة. وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث.
قلت: لم يخرجوا له في الكتب الستة لضعفه. وكان رأساً في الفقه.
وفيها الإمام أبو داود الطيالسي. واسمه سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند. وكان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: هو أصدق الناس. قال: كتبت عن ألف شيخ منهم ابن عون وطبقته.
وفيها شجاع بن الوليد أبو بدر السكوني الكوفي. كان من صلحاء المحدثين وعلمائهم. روى عن الأعمش والكبار.
قال سفيان الثوري: ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد.
وفيها أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، أخو أبو علي الحنفي. بصري مشهور صاحب حديث. روى عن خثيم بن عراك وجماعة.
وفيها أبو نصر عبد الوهاب بن عطاء الخفاف. بصري صاحب حديث وإتقان. سمع من حميد وخالد الحذاء وطائفة.


وفيها، وقيل سنة ست، هشام بن محمد بن السائب الكلبي الأخباري النسابة صاحب كتاب الجمهرة في النسب. وتصانيفه تزيد على مئة وخمسين تصنيفاً في التاريخ والأخبار. وكان حافظاً علامة، إلا أنه متروك الحديث، فيه رفض. روى عن أبيه وعن مجاهد بن سعيد وغيرهما.
سنة خمس ومئتين
فيها توفي إسحاق بن منصور السكوني الكوفي. روى عن إسرائيل وطبقته.
وفيها أبو عبد الله بسر بن بكر الدمشقي ثم التنيسي، محدث تنيس.
حدث بن الأوزاعي وجماعة.
وفيها في جمادى الأولى أبو محمد روح بن عبادة القيسي البصري الحافظ.
روى عن ابن عون وابن جريج وصنف في السنن والتفسير وغير ذلك. وعمر دهراً.
وفيها الزاهد القدوة أبو سليمان الداراني العنسي أحد الأبدال.
وكان عديم النظير زهداً وصلاحاً. وله كلام رفيع في التصوف والمواعظ.
وفيها أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو البصري، أحد الثقات المكثرين. روى عن هشام الدستوائي وأقرانه.
وفيها محمد بن عبيد الطنافسي الكوفي الحافظ. سمع هشام بن عروة، والكبار.
قال ابن سعد: كان ثقة صاحب سنة.
وفيها قارئ أهل البصرة أبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي مولاهم المقرىء النحوي. أحد الأعلام. قرأ على أبي المنذر سلام الطويل، ويسمع من شعبة وأقرانه. تصدر للإقراء والحديث، وحمل عنه خلق.
سنة ست ومئتين
فيها كان المد الذي غرق منه السواد وذهبت الغلات.
وفيها نكث بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أبي خالد.
وفيها استعمل المأمون على محاربة نصر بن شبيب، عبد الله بن طاهر وولاه الديار المصرية. واستعمل على بغداد ابن عمه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي فوليها مدة طويلة. وهو الذي كان يمتحن الناس بخلق القرآن في أيام المأمون والمعتصم والواثق. وولي بعده ابنه محمد.
وفي رجب سنة ست توفي أبو حذيفة إسحاق بن بشر البخاري صاحب المسند روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وابن جريج، والكبار فأكثر وأغرب، وأتى بالطامات، فاتهموه وتركوه. وفي ربيع الأول حجاح بن محمد المصيصي الأعور، صاحب ابن جريج، وأحد الحفاظ.
قال الإمام أحمد: ما كان أصح حديثه وأضبطه وأشد تعاهده للحروف! وفيها شبابة بن سوار المدائني الحافظ. روى عن ابن أبي ذئب وطبقته، وكان ثقة مرجئاً. وفيها، في رمضان، عبد الله بن نافع المدني الصائغ الفقيه، صاحب مالك. روى عن زيد بن أسلم وطائفة.
قال أحمد بن صالح: كان أعلم الناس برأي مالك وحديثه.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث بل كان صاحب رأي مالك. ومفتي المدينة. وفيها محاضر بن المورع الكوفي. روى عن عاصم الأحول وطبقته. وهو صدوق.
قال الإمام أحمد: كان مغفلاً جداً.
وفيها قطرب النحوي صاحب سيبويه. وهو أبو علي محمد بن المستنير البصري. وله عدة تصانيف في العربية. منها المثلث المشهور.
وفيها مؤمل بن إسماعيل في رمضان بمكة. وكان من ثقات البصريين. روى عن شعبة والثوري.
وفيها أبو العباس وهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري الحافظ.
أكثر عن أبيه وابن عون وعدة.
وفيها الإمام ابن الرباني يزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي الحافظ. روى عن عاصم الأحول والكبار.
قال علي بن المديني: ما رأيت رجلاً قط أحفظ من يزيد بن هارون.
وقال يحيى بن يحيى التميمي: هو أحفظ من وكيع.
وقال علي بن شعيب السمسار: سمعت يزيد بن هارون يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث باسنادها، ولا فخر.
وقال أحمد بن سنان القطان: كان هو وهشيم معروفان بطول صلاة الليل و النهار.
وقال يحيى بن أبي طالب: سمعت من زيد بن هارون ببغداد وكان يقال إن في مجلسه سبعين ألفاً.
سنة سبع ومئتين
فيها توفي طاهر بن الحسين فجأة على فراشه، وحم ليلة. وكان في تلك الأيام قد قطع دعوة المأمون وعزم على الخروج عليه، فأتى الخبر إلى المأمون بأنه خلعه، فما أمسى حتى جاءه الخبر بموته. وقام بعده ابنه طلحة، فأقره المأمون على خراسان، فوليها سبع سنين. وبعده ولي أخوه عبد الله.
وفي شعبان توفي قاضي البصرة يزيد بن عمر الزهراني، أبو محمد.
روى عن شعبة وعكرم بن عمار وكان من الثقات الجلة.
وفي أولها أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي العمري الكوفي. من نيف وتسعين سنة. سمع من الأعمش، وإسماعيل ابن أبي خالد. والكبار.
قال أبو حاتم: صدوق.


وطاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الأمير، أبو طلحة الخزاعي ذو اليمينين. كان من رجال الدهر حرماً وعزماً وشجاعة ورأياً. ندبه المأمون لمحاربة أخيه الأمين فظفر به وقتله وما غمه، وبقي في نفس المأمون سنة. وبعثه على خراسان فهم على أن يخرح فبغته الأجل. وكان مع كمال رجوليته فصيحاً خطيباً سيداً مهيباً جواداً ممدحاً. مات في جمادى الأولى. وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي التنوري أبو سهل. روى عن أبيه وهشام الدستوائي. وشعبة. وكان ثقة صاحب حديث.
وعمر بن حبيب العدوي البصري، في أول السنة. روى عن حميد الطويل، ويونس بن عبيد، و جماعة.
قال ابن عدي: هو مع ضعفه حسن الحديث.
قلت: ولي قضاء الشرقية للمأمون.
وقراد أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي. توفي ببغداد وحدث عن عوف وشعبة وطائفة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: كان عاقلاً من الرجال.
وقال ابن المديني: ثقة.
وقال ابن معين: ليس به بأس.
وكثير بن هشام الكلابي الرقي رواية جعفر بن برقان. توفي ببغداد في شعبان.
ومحمد بن عبد الله بن كناسة. أبو يحيى الكوفي النحوي الأخباري. سمع هشام بن عروة. والأعمش. ومات في شوال على الصحيح.
والواقدي قاضي بغداد. أبو عبد الله محمد بن عمرو بن واقد السلمي المدني العلامة. أحد أوعية العلم. روى عن ثور بن يزيد، وابن جريج. وطبقتهما. وكان يقول: حفظي أكثر من كتبي وقد تحول مرة و كانت كتبه مئة وعشرين حملاً. ضعفه الجماعة.
أبو النضر بن القاسم بن الخراساني. اقتضى ترك بغداد.
وكان حفظاً قوالاً بالحق. سمع شعبة وابن أبي ذئب وطبقتهما. وثقه جماعة.
والهيثم بن عدي، أبو عبد الرحمن الطائي الكوفي المؤرخ الأخباري.
روى عن مجالد، وابن إسحاق. وجماعة. وهو متروك.
والفراء يحيى بن زياد الكوفي النحوي: نزل بغداد وحدث في مصنفاته عن قيس بن الربيع وأبي الأحوص. وهو أجل أصحاب الكسائي وكان رأساً في النحو واللغة.
سنة ثمان ومئتين
فيها سار الحسن بن الحسين بن مصعب الخزاعي إلى كرمان فخرج بها. فسار لحربه أحمد بن أبي خالد. فظفر به، وأتى به إلى المأمون فعفا عنه.
وفيها توفي الأسود بن عامر شاذان، أبو عبد الرحمن، ببغداد. روى عن هشام بن حبان، وشعبة وجماعة.
وسعد بن عامر الضبعي، أبو محمد البصري. أحد الأعلام في العلم والعمل. روى عن يونس بن عبيد و سعد بن أبي عروبة وطائفة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت أفضل منه. توفي في شوال.
وعبد الله بن أبي بكر السهمي الباهلي، أبو وهب البصري. روى عن حميد الطويل، وبهز بن حكيم وطائفة. وكان ثقة مشهوراً. توفي في المحرم ببغداد.
والفضل بن الربيع بن يوسف الأمير حاجب الرشيد وابن حاجب المنصور. هو الذي قام بأعباء خلافة الأمين، ثم اختفى مدة بعد قتل الأمين. توفي في ذي القعدة.
والقاسم بن الحكم العرني الكوفي قاضي همذان. روى عن زكريا ابن أبي زائدة. وأبي حنيفة. وجماعة. وقد كان أراد الإمام أحمد أن يرحل إليه.
وقريش بن أنس البصري. روى عن حميد، وابن عون، وجماعة.
وقال النسائي: ثقة، إلا أنه تغير.
قلت: مات في رمضان.
ومحمد بن مصعب القرقساني. روى عن الأوزاعي وإسرائيل. ضعفه النسائي وغيره.
والسيدة نفيسة بنت الأمير حسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسنية، صاحبة المشهد بمصر. ولي أبوها إمرة المدينة للمنصور، ثم حبسه دهراً. ودخلت هي مصر زوجها إسحاق بن جعفر الصادق. توفيت في شهر رمضان.
ويحيى بن حسان التنيسي، أبو زكريا. روى عن معاوية بن سلام، وجماد ابن سلمة، وطائفة. وكان إماماً حجة من جلة المصريين. توفي في رجب.
ويحيى بن أبي بكير العبدي الكوفي. قاضي كرمان. حدث عن شعبة. وأبي جعفر الرازي، والكبار. وثقه ابن معين وغيره.
ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري بن العوفي المدني، نزيل بغداد. سمع أباه، وعاصم بن محمد العمري، والليث بن سعد. وكان إماماً ورعاً كبير القدر.
ويونس بن محمد البغدادي المؤدب الحافظ. روى عن شيبان، وفليح بن سليمان، وطائفة. توفي في صفر.
سنة تسع ومئتين
طال القتال بين عبد الله بن طاهر ونصر بن شبيب العقيلي إلى أن حصره في قلعة ونال منه. فطلب نصر الأمان. فكتب له المأمون أماناً وبعثه إليه. فنزل وهدم الحصن.


وفيها توفي الحسن بن موسى الأشيب، أبو علي البغدادي، قاضي طبرستان، بعد قضاء الموصل. روى عن شعبة، وحريز بن عثمان، وطائفة. وكان ثقة مشهوراً.
وحفص بن عبد الله السلمي، أبو عمرو النيسابوري. قاضي نيسابور. سمع مسعراً ويونس بن أبي إسحاق وأكثر عن إبراهيم بن طهمان ومكث عشرين سنة يقضي بالآثار وكان صدوقاً. وأبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد البصري. روى عن قرة بن خالد. ومالك بن مغول. وطائفة.
وعثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري، الرجل الصالح. روى عن ابن عون، وهشام بن حبان. ويوسف بن يزيد، وطائفة توفي في ربيع الأول بالبصرة.
ويعلى بن عبيد الطنافسي، أبو يوسف الكوفي. روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري والكبار. فعن أحمد بن يونس قال: ما رأيت أفضل منه. وكان يريد بعلمه رحمة الله تعالى.
سنة عشر ومئتين
فيها كان بناء المأمون ببوران بواسط، وأقام بضعة عشر يوماً. فقام أبوها الحسن بن سهل بمصالح الجيش تلك الأيام. فغرم خمسين ألف ألف درهم. وكان عرساً لم يسمع يمثله في الدنيا. وفيها توفي أبو عمرو الشيباني إسحاق بن مرار الكوفي اللغوي صاحب التصانيف، وله تسعون سنة وكان ثقة علامة خيراً صادقا فاضلاً.
والحسن بن محمد بن أعين الحراني أبو علي، مولى بني أمية. روى عن فليح بن سليمان، زهير بن معاوية، وطائفة.
وعلي بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين العلوي الحسيني. روى عن أبيه وأخيه موسى وسفيان الثوري. وكان من جلة السادة الأشراف.
ومحمد بن صالح بن بيهس الكلابي، أمير عرب الشام. وسيد قيس وفارسها وشاعرها، والمقاوم لأبي العميطر السفياني، والمحارب له، حتى شتت جموعه، فولاه المأمون دمشق.
ومروان بن محمد الطاطري، أبو بكر الدمشقي. صاحب سعيد بن عبد العزيز. كان إماماً صالحاً خاشعاً، من جلة الشاميين.
وأبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي العلامة الأخباري، صاحب التصانيف. روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء. وكان أحد أوعية العلم. وقيل توفي سنة إحدى عشرة.
سنة إحدى عشرة ومئتين
فيها أمر المأمون فنودي برئت الذمة من ذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه.
وفيها توفي أبو الجواب أحوص بن جواب الكوفي. روى عن يونس ابن أبي إسحاق وسفيان الثوري وجماعة.
وفيها أبو العتاهية الشاعر المشهور واسمه إسماعيل بن القاسم العنزي الكوفي ببغداد.
وفيها أبو زيد الهروي سعد بن الربيع البصري. و كان يبيع الثياب الهروية. روى عن قرة بن خلد وطائفة.
وفيها طلق بن غنام النخعي الكوفي، كاتب حكم شريك القاضي. روى عن مالك بن مغول وطبقته. وهو والذي قبله أقدم من مات بن شيوخ البخاري.
وفيها عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرىء المحدث، والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب. قرأ عبد الله القرآن على حمزة، وسمع عن إسرائيل وطبقته، وأقرأ وحدث ببغداد.
وفيها عبد الرزاق بن همام، العلامة الحافظ أبو بكر الصنعاني صاحب المصنفات. روى عن معمر وابن جريح وطبقتهما، ورحل الأئمة إليه إلى اليمن، وله أوهام مغمورة في سعة علمه. عاش بضعاً وثمانين سنة، وتوفي في شوال.
وفيها علي بن الحسين بن واقد، محدث مرو وابن محدثها.روى عن أبيه، وعن أبي حمز ة الكوفي.
وفيها معلى بن منصور الرازي الفقيه نزيل بغداد. روى عن الليث ابن سعد وغيره. روي أنه كان يصلي. فوقع عليه كور الزنابير فأتم صلاته. فنظروا فإذا رأسه قد صار هكذا من الإنتفاح.
سنة اثنتي عشرة ومئتين
فيها جهز المأمو ن جيشاً عليهم محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك الخرمي.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن ما أظهر في العام الماضي من التشيع. فاشمأزت منه القلوب وقدم دمشق، فصام بها رمضان، ثم حج بالناس.
وفيها توفي الحافظ أسد بن موسى الأموي نزيل مصر، ويقال له أسد السنة. روى عن شعبة وطبقته. ورحل في طلب الحديث وصنف التصانيف.
وفيها الفقيه أبو حيان إسماعيل بن حماد بن الإمام أبي حنيفة. روى عن مالك بن مغول وجماعة. وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد، وولي قضاء البصرة وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والعدل في الأحكام.


وفيها الحسين بن حفص الهمداني. قاضي إصبهان ومفتيها. أكثر عن سفيان الثوري وغيره وكان دخله في العام مئة ألف درهم، فما وجبت عليه زكاة.
وفيها المحدث خلاد بن يحيى الكوفي بمكة. روى عن عيسى بن طهمان وطبقته وهو من كبار شيوخ البخاري.
وفيها زكريا بن عدي الكوفي. روى عن جعفر بن سليمان وطائفة.
قال ابن عوف: ما كنت عن أحد أفضل منه.
قلت: حديثه في الصحيحين.
وفيها أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد الشيباني الحافظ محدث البصرة. توفي في ذي الحجة وقد نيف على التسعين. سمع من يزيد بن أبي عبيد. وجماعة من التابعين وكان واسع العلم، ولم ير في يده كتاب قط.
قال عمر بن شبة: والله ما رأيت مثله.
وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: ما أغتبت أحداً قط منذ عقلت. إن الغيبة حرام.
وفيها أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاح الخولاني الحمصي. سمع الأوزاعي وطبقته. أدركه البخاري.
وفيها الفقيه أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب مالك. وكان فصيحاً مفوهاً. وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة.
وفيها مفتي الأندلس عيسى بن دينار الغافقي صاحب ابن القاسم. وكان صالحاً ورعاً مجاب الدعوة، متقدماً في الفققه على يحيى بن يحيى.
وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي الحافظ، في أول السنة، بقيسارية. أكثر عن الأوزاعي والثوري. أدركه البخاري، ورحل إليه الإمام أحمد، فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص.
سنة ثلاث عشرة ومئتين
فيها توفي أسد بن الفرات الفقيه. أبو عبد الله المغربي، صاحب مالك وصاحب المسائل الأسدية التي كتبها أبي القاسم.
وفيها خالد بن مخلد القطواني، أحد الحفاظ بالكوفة. رحل وأخذ عن مالك وطبقته.
قال أبو داود: صدوق شيعي.
وفيها عبد الله بن داود الخريبي:الحافظ الزاهد. سمع الأعمش والبكار، وكان بن أعبد أهل زمانه. توفي بالكوفة في شوال، وقد نيف على التسعين.
وفيها أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرىء، شيخ مكة وقارئها ومحدثها. روى عن ابن عون والكبار، ومات في عشر المئة. وأقرأ القرآن سبعين سنة.
وفيها عمرو بن عاصم الكلابي. روى عن طبقة شعبة.
وفيها عببد الله بن موسى العنسي الكوفي، الحافظ. روى عن هشام بن عروة والكبار. وقرأ على حمزة. وكان إماماً في الحديث والفقه والقرآن. موصوفاً بالعبادة والصلاح. لكنه من رؤوس الشيعة.
وفيها عمرو بن أبي سلمة التنيسي الفقيه. وأصله دمشقي. روى عن الأوزاعي وطبقته.
وفيها محمد بن سابق البغدادي. روى عن مالك بن مغول وجماعة. وقيل توفي في السنة الآتية. وفيها محمد بن عرعرة بن البرند الشامي المصري. روى عن شعبة وطائفة. توفي في شوال. وفيها الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ، نزيل أنطاكية. روى عن جرير وطبقته، وكان من صلحاء المحدثين وأثباتهم.
وفيها يعقوب بن محمد الزهري الفقيه الحافظ روى عن إبراهيم بن سعد وطبقته. وهو ضعيف يكتب حديثه.
سنة أربع عشرة ومئتين
فيها التقى محمد بن حميد الطوسي وبابك الخرمي. فهزمهم بابك وقتل الطوسي.
وفيها وجه عبد الله بن طاهر بن الحسين على إمرة خراسان. وأعطاه المأمون خمس مئة ألف دينار.
وفيها توفي أحمد بن خالد الذهبي بن الحمصي، راوي المغازي عن ابن إسحاق. وكان مكثراً حسن الحديث.
وفيها أبو أحمد الحسين بن محمد المروزي المؤدب ببغداد. وكان من حفاظ الحديث. روى عن ابن أبي ذئب وسفيان وخلق.
وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الحكم، أبو محمد المصري، وله ستون سنة. وكان من جلة أصحاب مالك. أفضت إليه رئاسة مصر بعد أشهب. وقيل إنه وصل الشافعي بألف دينار، وله مصنفات في الفقه. وهو مدفون إلى جنب الشافعي.
وفيها أبو عمرو معاوية بن عمرو الأزدي بن البغدادي الحافظ المجاهد.
روى عن زائدة وطبقته. وأدركه البخاري. وكان بطلاً شجاعاً معروفاً بالإقدام والرباط.
سنة خمس عشرة ومئتين
فيها دخل المأمون من درب المصيصة إلى الروم، وافتتح حصن قرة عنوة، وتسلم ثلاثة حصون بالأمان، ثم قدم دمشق.
وفيها توفي الحافظ إسحاق بن عيسى بن الطباع البغدادي، نزيل أدنة، سمع الحمادين وطائفة. وفيها مفتي أهل بلخ أبو سعيد خلف بن أيوب العامري صاحب أبي يوسف. سمع من عوف الأعرابي، وجماعة من الكبار. وكان زاهداً قدوة. روى عن يحيى بن معين والكبار.


وفيها العلامة أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس الأنصاري اللغوي. وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن سليمان التيمي، وحيد الطويل، والكبار. وصنف التصانيف.
وقال بعض العلماء: كان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثي اللغة.
وكان صدوقاً صالحاً.
وفيها محمد بن عبد الله الأنصاري أبو عبد الله، قاضي البصرة وعالمها ومسندها. سمع سليمان التيمي وحميداً والكبار، وعاش سبعاً وتسعين سنة. وهو من كبار شيوخ البخاري. وفيها محمد بن المبارك الصوري، أبو عبد الله الحافظ صاحب سعيد ابن عبد العزيز.
قال يحيى بن معين: كان شيخ دمشق بعد أبي مسهر.
وقال أبو داود: كان رجل السنة بعد أبي مسهر.
وفيها أبو السكن مكي بن إبراهيم البلخي الحافظ. روى عن هشام بن حبان والكبار وهو آخر من روي من الثقات عن يزيد بن أبي عبيد. عاش نيفاً وتسعين سنة. وهو من كبار شيوخ البخاري.
وفيها أبو عامر قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي العابد، أحد الحفاظ. روى عن قطر بن خليفة وطبقته. فأكثر عن الثوري.
قال إسحاق بن سيار: ما رأيت شيخاً أحفظ منه.
وقال آخر: كان يقال له زاهد أهل الكوفة. وكان هناد بن السري إذا ذكره دمعت عيناه وقال: الرجل الصالح.
وفيها محدث مرو علي بن الحسن بن سفيان روى عن أبي حمزة السكري وطائفة. وكان حافظاً كثير العلم. كتب الكثير حتى كتب التوراة والإنجيل وجادل اليهود.
وفيها يحيى بن حماد البصري الحافظ، ختن أبي عوانة. سمع شعبة وطبقته.
سنة ست عشرة ومئتين
فيها غزا المأمون فدخل الروم، وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتح أخوه عدة حصون. وأغار جيشه فغنموا وسبوا، ثم رجع إلى دمشق، ودخل الديار المصرية.
وفيها توفي حبان بن هلال البصري الحافظ. روى عن شعبة وطبقته.
قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.
توفي في رمضان. وكان قد امتنع من التحديث قبل موته بأعوام.
وفيها الحسن بن سوار، أبو العلاء البغوي ببغداد. روى عن عكرمة بن عمار وأقرانه وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها عبد الله بن نافع الأسدي الزبيري المدني الفقيه. روى عن هلال وجماعة. ووصفه الزبير بن بكار بالفقه والعبادة والصوم رحمه الله.
وفيها عبد الصمد بن نعمان البزاز. روى عن عيسى بن طهمان وطبقته. وكان أحد الثقات ولم تقع له رواية في الكتب الستة.
وفيها الأصمعي العلامة، وهو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي البصري اللغوي الأخباري. سمع ابن عون والكبار. وأكثر عن أبي عمرو بن العلاء. وكانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته. وعاش ثمانياً وثمانين سنة. له عدة مصنفات.
وفيها قاضي دمشق أبو عبد الله محمد بن بلال العاملي. أخذ عن سعيد بن عبد العزيز وطبقته. وكان من العلماء الثقات.
وفيها محمد بن سعيد بن سابق الرازي، محدث قزوين. روى عنأبي جعفر الرازي وطبقته. وفيها محمد بن كثير الصنعاني ثم المصيصي. روى عن الأوزاعي ومعمر. وكان محدثاً حسن الحديث.
وفيها هوذة بن خليفة الثقفي البكراوي البصري الأصم وله إحدى وتسعون سنة. روى عن يونس وعقبة وسليمان التيمي والكبار.
قال الإمام أحمد: ما كان أضبطه عن عوف الأعرابي.
وقال ابن معين: ضعيف.
سنة سبع عشرة ومئتين
وفي وسطها دخل المأمون بلاد الروم، فنازل لؤلؤة مئة يوم ولم يظفر بها. فترك على حصارها عجيفا فخدعه أهلها وأسروه. ثم اطلقوه بعد جمعة.
وأقبل عظيم الروم توفيل فأحاط بالمسلمين، فجهز المأمون نجدة وغضب وهم بغزو قسطنطينية، ثم فتر لشدة الشتاء.
وفيها كان الفناء العظيم بالبصرة حتى أتى على أكثرها فيما قيل.
وفيها توفي وقيل في التي مضت حجاج بن منهال البصري أبو محمد الأنماطي الحافظ. سمع شعبة وطائفة. وكان دلالاً في الأنماط، ثقة صاحب سنة.
وفيها شريح بن النعمان الجوهري البغدادي الحافظ، يوم الأضحى. روى عن حماد بن سلمة وطبقته. وكان ثقة مبرزاً.
وفيها موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله الكوفي بن الحافظ. سمع شعبة وخلقاً.
قال الدارقطني: كان مصنفاً مكثراً مأموناً.
وقال ابن عمار: كان ثقة زاهداً صاحب حديث.
قلت: ولي قضاء طرسوس حتى مات.
وفيها هشام بن إسماعيل الدمشقي العطار، أبو عبد الملك الخزاعي الزاهد القدوة. روى عن إسماعيل بن عياش. وكان ثقة.
سنة ثمان عشرة ومئتين


فيها احتفل المأمون لبناء مدينة طوانة من أرض الروم، وحشد لها الصناع من البلاد وأمر ببنائها ميلاً في ميل. وولى ولده العباس أمر بنائها.
وفيها امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن. وكتب في ذلك إلى نائبه ببغداد. وبالغ في ذلك. وقام في هذه البدعة قيام معتقد متعبد بها.
فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة. ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وهدد على ذلك بالقتل، ولم يصب أحد من علماء العراق إلا الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فقيدا وارسلا إلى المأمون وهو بطرسوس. فلما بلغا إلى الرقة جاءهم الفرج بموت المأمون وعهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم. فأمر بهدم طوانة وبنقل ما فيها. وصرف أهلها إلى بلادهم.
وفيها دخل خلق من بلاد همذان إلى دين الخرمية وعسكروا.
فندب المعتصم لهم أمير بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فالتقاهم في ذي الحجة بأرض همذان فكسرهم. وقتل منهم ستين ألفاً. وانهزم من بقي إلى ناحية الروم.
وفيها توفي بمصر إسحاق بن بكر بن مضر الفقيه. وكان يجلس في حلقة الليث فيفتي ويحدث. قلت: لا أعلمه روى عن غير أبيه.
وفيها بشر المريسي الفقيه المتكلم. وكان داعية إلى القول بخلق القرآن.
هلك في آخر السنة ولم يشيعه أحد من العلماء. وحكم بكفره طائفة من الأئمة.
روى عن حماد بن سلمة، وعاش سبعاً وسبعين سنة.
وفيها عبد الله بن يوسف الحافظ أبو محمد أحد الأثبات.
أصله دمشقي. سمع من سعيد بن عبد العزيز ومالك والليث.
وفيها عالم أهل الشام أبو مسهر الغساني الدمشقي عبد الأعلى بن مسهر، في حبس المأمون ببغداد، في حين محنة القرآن. سمع سعيد بن عبد العزيز وتفقه عليه. وولد سنة أربعين ومئة. وكان علامة بالمغازي والأثر، كثير العلم رفيع الذكر.
قال يحيى بن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لم أر مثل أبي مسهر.
وقال أبو حاتم: ما رأيت أصح منه، وما رأيت أحداً في كورة من الكور أعظم قدراً ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، إذا خرج اصطف الناس يقبلون يده.
وفيها أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري النحوي صاحب المغازي، الذي هذب السيرة ونقلها عن البكائي صاحب ابن إسحاق. وكان أديباً أخبارياً نسابة. سكن مصر وبها توفي. وفيها في رجب مات المأمون أبو العباس محمد بن الرشيد هارون ابن المهدي محمد بن المنصور العباسي بالبدندون من أرض الروم، في العزاة بقرحة طلعت في حلقه، وله ثمان وأربعون سنة، وقد وخطه الشيب.
وكان أبيض، ربعة، حسن الوجه، طويل اللحية، دقيقها، ضيق الجبين. وكان ذا رأي وعقل ودهاء وشجاعة وكرم وحلم وتضلع من العلم والآداب.
سمع من هشام وغيره. وكان من أذكياء العالم، ذا همة عالية في الجهاد.
وكان يقول: معاوية بعمره. وعبد الملك بحجاجه، وأنا بنفسي.
وكان شيعياً جهمياً نازع أخاه الأمر لما خلعه واستقل بالخلافة عشرين سنة.
وفيها محمد بن نوح العجلي ناصر السنة. حمل مقيداً مع الإمام أحمد بن حنبل متزاملين، فمرض ومات بغابة في الطريق. فوليه الإمام أحمد ودفنه. وكان في الطريق يثبت أحمد ويشجعه.
قال أحمد: ما رأيت أقوم بأمر الله منه.
روى عن إسحاق الأزرق، ومات شاباً رحمه الله.
وفيها معلى بن أسد البصري أخو بهز بن أسد. روى عن وهيب بن الورد وطبقته. وكان ثقة. وفيها يحيى بن عبد الله النابلسي روى عن الأوزاعي وابن أبي ذئب، وطائفة.
سنة تسع عشرة ومئتين
فيها، وقيل في التي بعدها، امتحن المعتصم الإمام أحمد بن حنبل، وضرب بين يديه بالسبط حتى غشي عليه. فلما صمم ولم يجب أطلقه وندم على ضربه.
وفيها توفي علي بن عياش الألهاني الحمصي الحافظ. محدث حمص وعابدها. سمع من جرير بن عثمان وطبقته. وذكر فيمن يصلح للقضاء.
وفيها أبو أيوب سليمان بن داود بن علي الهاشمي العباسي. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته. وكان إماماً فاضلاً شريفاً. روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى عليه وقال: يصلح للخلافة. وفيها عالم أهل مكة الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشي الحميدي. روى عن فضل بن عياض وطبقته. وكان إماماً حجة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: الحميدي إمام والشافعي إمام وابن راهويه إمام.


وفيها الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين الملائي الحافظ محدث الكوفة. روى عن الأعمش وزكريا بن أبي زائدة والكبار.
قال ابن معين. ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان.
وقال الإمام أحمد: كان يقظان في الحديث عارفاً، وقام في أمر الامتحان بما لم يقم غيره عافاه الله. وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم، ووكيع أفقه منه.
وقال غيره: لما امتحن قال: والله عنقي أهون من زري هذا. ثم قطع زره ورماه.
وفيها أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي الحافظ. روى عن إسرائيل وطبقته.
قال ابن معين: ليس بالكوفة أتقن منه وقال أبو حاتم الرازي كان ذا فضل وصلاح وعبادة كانت عليه سجادتان كنت إذا نظرت كأنه خرج من برد له ولم أر بالكوفة أتقن منه لا أبو نعيم ولا غيره.
وقال أبو داود: كان شديد التشيع.
وفيها أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي الزاهد المصري. روى عن الليث وطبقته.
قال أبو حاتم: صدوق عابد وشبهته بالقعنبي رحمه الله.
سنة عشرين ومئتين
فيها عقد المعتصم للأفشين على حرب بابك الخرمي الذي هزم الجيوش وخرب البلاد منه عشرين سنة. ثم جهز محمد بن يوسف الأمير ليبني الحصون التي خربها بابك. فالتقى الأفشين ببابك فهزمه وقتل من الخرمية نحو الألف، وهرب بابك إلى موقان، ثم جرت لهما أمور يطول شرحها.
وفيها أمر المعتصم بإنشاء مدينة مكان القاطول ليتخذها دار للخلافة، وسميت سر من رأى. وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار. ثم نفاه واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات.
وفيها توفي آدم بن أبي إياس الخرساني ثم البغدادي نزيل عسقلان. سمع ابن أبي ذئب وشعبة. وروى الكثير. وكان صالحاً قانتاً لله. ولما احتضر قرأ الختمة ثم قال: لا إله إلا الله، ثم فارق. قال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد.
وفيها خلاد بن خالد الصيرفي الكوفي الأحول، قارىء الكوفة وتلميذ سليم. تصدر للإقراء وحمل عنه طائفة، وحدث عن الحسن بن صالح بن حي ابن جماعة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها عاصم بن يوسف اليربوعي الكوفي الخياط. روى عن إسرائيل وجماعة. وروى البخاري عن أصحابه.
وفيها عبد الله بن جعفر الرقي الحافظ. روى عن عبد الله بن عمرو وطبقته. وقد تغير حفظه قبل موته بسنتين.
وفيها أبو عمرو عبد الله بن رجاء الغداني بالبصرة يوم آخر السنة. وكان ثقة حجة. روى عن عكرمة بن عمار وطبقته.
وفيها عثمان بن الهيثم مؤذن جامع البصرة، في رجب. روى عن هشام بن حبان وابن جريج والكبار.
وفيها بن مسلم الحافظ البصري. أحد أركان الحديث. نزل بغداد ونشر بها علمه. وحدث بن شعبة وأقرانه.
قال ابن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج، ومالك، والثوري، وشعبة، وعفان.
وقال حنبل: كتب المأمون إلى متولي بغداد ليمتحن الناس. فامتحن عفان. وكتب المأمون: فإن لم يجب عفان فاقطع رزقه. وكان له في الشهر خمس مئة درهم. فلم يجبهم وقال: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " .
وفيها قالون قارىء أهل المدينة، صاحب نافع. وهو أبو موسى عيسى ابن مينا الزهري. مولاهم، المدني.
وفيها الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم الحسيني. أحد الاثني عشر إماماً الذين يدعي الرافضة فيهم العصمة. وله خمس وعشرون سنة. وكان المأمون قد نوه بذكره وزوجه بابنته، وسكن بها بالمدينة. فكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم أداء كريم، وفد على المعتصم فأكرم مورده توفي ببغداد في آخر السنة ودفن عند جده موسى. ومشهدهما ينتابه العامة بالزيارة.
وفيها أبو حذيفة النهدي موسى بن مسعود البصري المؤدب، في جمادى الآخرة. سمع أيمن بن بابك وطبقته.
قال أبو حاتم: روى عن سفيان الثوري بضعة عشر ألف حديث، وكان يصحف.
سنة إحدى وعشرين ومئتين
فيها كانت وقعة عظيمة. وكسر بابك الخرمي بغا الكبير. ثم تقوى بغا وقصد بابك. فالتقوا فانهزم بابك.
وفيها توفي أبو علي الحسن بن الربيع البجلي البوراني القصبي. روى عن قيس بن الربيع وطبقته. وكان ثبتاً عابداً.
وفيها عاصم بن علي بن عاصم الواسطي الحافظ. أبو الحسين، في رجب. سمع ابن أبي ذئب، وشعبة وخلقاً. وقدم بغداد فازدحموا عليه من كل مكان حتى حزر مجلسه بمئة ألف. وكان ثقة حجة صاحب سنة.


وفيها محدث مرو وشيخها عبد الله بن عثمان، عبدان المروزي. سمع شعبة وأبا حمزة السكري والكبار. وعاش ستاً وسبعين سنة. وكان ثقة جليل القدر معظماً. تصدق في حياته بألف ألف درهم.
وفيها الإمام الرباني أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني القعنبي الزاهد. سكن البصرة ثم مكة وبها توفي في المحرم روى عن مسلمة بن وردان، وأفلح بن حميد، والكبار. وهو أوثق من روى الموطأ.
قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي مالك.
وقال أبو حاتم: ثقة حجة، لم أر أخشع منه.
وقال الخريبي: حدثني القعنبي عن مالك، وهو والله عندي خير من مالك.
وقال الفلاس: كان القعنبي مجاب الدعوة.
وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: سمعتهم بالبصرة. يقولون: القعنبي من الأبدال. رحمة الله عليه.
وفيها محمد بن بكير الحضرمي البغدادي. حدث بإصبهان بن سهل وطبقته.
قال أبو حاتم: صدوق يغلط أحياناً.
وفيها أبو همام الدلال محمد بن محبب. بصري مشهور. روى عن الثوري وطبقته.
وفيها الفقه همام بن عبد الله الرازي الحنفي. روى عن ابن أبي ذئب ومالك، وطبقتهما. وكان كثير العلم، واسع الرواية. وفيه ضعف. وقد جاء عنه أنه وقال: أنفقت في طلب العلم سبع مئة ألف درهم.
سنة اثنتين وعشرين ومئتين
فيها التقى الأفشين والخرمية لعنهم الله فهزمهم ونجا بابك، فلم يزل الأفشين يتحيل عليه حتى أسره ومات وقد عاث هذا الملعون وأفسد البلاد والعباد. وامتدت أيامه نيفاً وعشرين سنة. وأراد أن يقيم ملة المجوس بطبرستان.
وقد بعث المعتصم في أول السنة خزائن أموال للأفشين ليتقوى بها. فكانت ولمن جاء برأسه ثلاثين ألف ألف درهم. وافتتحت البذ مدينة بابك في رمضان بعد حصار شديد فاختفى بابك في غيضة في الحصن وأسر جميع خواصه وأولاده وبعث إليه المعتصم الأمان فحرقه وسبه وكان قوي النفس شديد البطش صعب المراس وطلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل وانقلب ووصل إلى جبال إرمينية فنزل عند البطريق سهل فأغلق عليه وبعث يعرف الأفشين.
فجاء الأفشين فقتله. وكان الأفشين قد جعل لمن جاء به حياً ألفي ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم. كان دخوله يوماً مشهوداً.
وفيها توفي أبو اليمام الحكم بن نافع البهراني الحمصي الحافظ. روى عن حريز بن عثمان وطبقته وكان ثقة حجة كثير الحديث. ولد سنة ثمان وثلاثين ومئة. ومات في ذي الحجة وقد سئل أبو اليمان مرة حديث شعيب ابن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة. المناولة لم أخرجها إلى أحد.
وفيها عمر بن حفص بن غياث الكوفي. روى عن أبيه وطبقته. ومات كهلاً في ربيع الأول. وكان ثقةً متقناً عالماً.
وفيها أبو عمرو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي مولاهم البصري القصاب الحافظ محدث البصرة. سمع من ابن عون حديثاً واحداً، ومن قرة بن خالد. ولم يرحل ولكن سمع من ثمان مئة شيخ بالبصرة. وكان ثقة حجة. أضر بأخرة. وكان يقول: ما أتيت حراماً ولا حلالاً قط. توفي في صفر.
وفيها فقيه حمص ومحدثها يحيى بن صالح الوحاظي ولد سنة سبع وثلاثين ومئة، وسمع من سعيد بن عبد العزيز وفليح بن سليمان، وطبقتهما. وعين للقضاء بحمص.
قال العقيلي: هو حمصي جهمي.
وقال الجوزجاني: كان مرجئاً.
ووثقه غيره.
سنة ثلاث وعشرين ومئتين
فيها أتى المعتصم ببابك فأمر بقطع أربعته وبصلبه.
وفيها التقى المسلمون وعليهم الأفشين وطاغية الروم. فاقتتلوا ثانياً، وكثر القتل، ثم انهزم الملاعين. وكان طاغيتهم في هذا الوقت تيوفيل بن ميخائيل بن جرجيس، لعنهم الله، نزل على زبطرة في مئة ألف أياماً وافتتحها بالسيف، ثم أغار على ملطية، ثم أذن الله بهذه الكسرة. وفيها توفي خالد بن خداش المهلبي البصري المحدث في جمادى الآخرة. روى عم عن مالك وطبقته.
وفيها مات أبو الفضل. صدقة بن الفضل المروزي، عالم أهل مرو ومحدثهم. رحل وكتب عن ابن عيينة وطبقته. وأقدم شيخ له أبو حمزة السكري.
قال بعضهم: كان ببلده كأحمد بن حنبل ببغداد.
وفيها عبد الله بن صالح أبو صالح الجهني المصري الحافظ.
كاتب الليث بن سعد. توفي يوم عاشوراء وله ست وثمانون سنة. حدث عن معاوية بن صالح، وعبد العزيز بن الماجشون، وخلق.
قال ابن معين: أقل أحوال أبي صالح أنه قرأ هذه الكتب على الليث بإجازتها له.


وقال أبو الفضل الشعراني: ما رأيت عبد الله بن صالح إلا يحدث أو ينسخ.
وضعفه آخرون.
وفيها أبو بكر بن أبي الأسود، واسمه عبد الله بن محمد بن حميد، قاضي همذان. سمع مالكاً وأبا عوانة. وكان صدوقا متقناً.
وفيها أبو عثمان عمرو بن عون الواسطي. سمع الحمادين وطائفة.
قال أبو حاتم: ثقة حجة.
وكان يحيى بن معين يطنب في الثناء عليه.
وفيها محمد بن سنان العوقي، أبو بكر البصري. أحد الأثبات.روى عن جرير بن حازم وطبقته.
وفيها أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري المحدث روى عن سعيد وسفيان وجماعة. وفيها محمد بن محبوب البناني المحدث روى عن حماد بن سلمة وطبقته.
قال ابن معين: كيس صادق كثير الحديث.
وفيها معاذ بن أسد بالبصرة. وهو مروزي. روى عن ابن المبارك وكان كاتبه.
وفيها موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي البصري الحافظ، أحد أركان الحديث. سمع من سعيد حديثاً واحداً، وأكبر عن حماد بن سلمة وطبقته.
قال عباس الدوري: كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث.
سنة أربع وعشرين ومئتين
فيها ظهر مازيار بطبرستان وخلع المعتصم فسار لحربه عبد الله بن طاهر. وجرت له حروب وفصول. ثم اختلف عليه جنده، إلى أن قتل في سنة خمس الآتية.
وفيها توفي الأمير إبراهيم بن المهدي محمد بن المنصور العباسي الأسود، ولفخامته يقال له التنين، ويقال له ابن شكلة، وهي أمه. وكان فصيحاً أديباً شاعراً، رأساً في معرفة الغناء وأنواعه. ولي إمرة دمشق لأخيه الرشيد، وبويع بالخلافة ببغداد، ولقب بالمبارك. عندما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضا. فحاربه الحسن. بسن سهل فانكسر. ثم حاربه حميد الطوسي، فانكسر جيش إبراهيم، وانهزم فاختفى، وذلك في سنة ثلاث. وبقي في الاختفاء سبع سنين، ثم ظفروا به وهو في إزار فعفا عنه المأمون.
وفيها إبراهيم بن أبي سويد البصري الزارع، أحد أصحاب الحديث. روى عن حماد بن سلمة وأقرانه.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها أيوب بن سليمان بن بلال له نسخة صحيحة يرويها عن عبد الحميد بن أبي أويس عن أبيه سليمان بن بلال ما عنده سواها.
وفيها أبو العباس حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي الحافظ. سمع إسماعيل بن عياش وطائفة.
وفيها الربيع بن يحيى الأشناني البصري. روى عن مالك بن مغول والكبار. وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها بكار بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سيرين السيريني. روى عن ابن عون والكبار وفيه ضعف يسير.
وفيها سعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي، مولاهم، المصري، أحد أركان الحديث، وله ثمانون سنة. روى عن يحيى بن أيوب، وأبي غسان محمد بن مطرف، وطائفة من البصريين والحجازيين.
وفيها قاضي مكة أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي البصري الحافظ في ربيع الآخر، وهو في عشر التسعين. سمع شعبة وطبقته.
قال أبو داود: سمعته يقع في معاوية. وكان بشر الحافي يهجره لذلك. وكان لا يدلس ويتكلم في الرجال. وقرأ في الفقه. وقد ظهر من حديثه نحو عشرة آلاف حديث. وما رأيت في يده كتاباً قط. وحضرت مجلسه ببغداد فحزر بأربعين ألفاً، وحضر مجلسه المأمون من وراء ستر. وفيها أبو معمر المقعد. وهو عبد الله بن عمرو المنقري، مولاهم، البصري الحافظ. صاحب عبد الوارث.
قال ابن معين: ثقة ثبت.
وفيها عمرو بن مرزوق الباهلي، مولاهم، البصري الحافظ. روى عن مالك بن مغول وطبقته.
قال محمد بن عيسى بن السكن: سألت ابن معين عنه فقال: ثقة مأمون. صاحب البخاري بأخرة.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد المدائني البصري الأخباري. صاحب التصانيف والمغازي والأنساب، وله ثلاث وتسعون سنة. سمع ابن أبي ذئب وطبقته. وكان يسرد الصوم. وثقه ابن معين وغيره.
وفيها العلامة العلم أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي صاحب التصانيف. سمع شريكاً، وابن المبارك، وطبقتهما.
قال إسحاق بن راهويه: الحق يحب لله، أبو عبيد أفقه مني وأعلم.
وقال الإمام أحمد: أبو عبيد أستاذ.
وفيها أبو الجماهير محمد بن عمر التنوخي الكفرسوسي. سمع سعيد بن عبد العزيز وطبقته. قال أبو حاتم: ما رأيت أفصح منه ومن أبي مسهر.
وفيها أبو جعفر محمد بن عيسى بن الطباع الحافظ، نزيل الثغر بأدنة سمع مالكاً وطبقته.
قال أبو حاتم: ما رأيت أحفظ للأبواب منه.
وقال أبو داود: كان ينفقه ويحفظ أكثر من أربعين ألف حديث.


وفيها عارم أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري الحافظ. أحد أركان الحديث. روى عن الحمادين وطبقتهما، ولكنه اختلط بأخرة. وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه.
سنة خمس وعشرين ومئتين
فيها توفي الفقيه أصبغ بن الفرج، أبو عبد الله المصري، مفتي أهل مصر ووراق بن وهب. أخذ عن ابن وهب وابن القاسم. وتصدر للاشتغال والحديث.
قال ابن معين: كان عن أعلم خلق الله كلهم رأي مالك، يعرفا مسألة مسألة، متى قالها مالك ومن خالفه فيها.
وقال أبو حاتم: أجل أصحاب ابن وهب.
وقال بعضعهم: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. وقد كان ذكر للقضاء بمصر، وله تصانيف حسان.
وفيها حفص بن عمر أبو عمرو الحوضي الحافظ، بالبصرة. روى عن هشام الدستوائي والكبار.
قال أحمد بن حنبل: ثبت متقن: لايؤخذ عليه حرف واحد.
وفيها سعدويه الواسطي. سعيد بن سليمان الحافظ ببغداد. روى عن حماد بن سلمة وطبقته.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون، لعله أوثق من عفان.
وقال صالح جزرة: سمعت سعدويه يقول: حججت ستين حجة.
وفيها أبو عبيدة شاذ بن فياض اليشكري البصري. اسمه هلال، روى عن هشام الدستوائي والكبار فأكثر.
وفيها أبو عمرو الجرمي النحوي صالح بن إسحادق. وكان دينار ورعاً نبيلاً رأساً في اللغة والنحو. ملك بالأدب دنيا عريضة.
وفيها فروة بن أبي المغراء الكوفي المحدث. روى عن شريك وطبقته.
وفيها الأمير أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ. أحد الابطال المذكوين والأجواد المشهورين. وقد ولي إمرة دمشق للمعتصم.
وفيها محمد بن سلام البيكندي البخاري الحافظ. رحل وسمع بن مالك وخلق كثير. وكان محفظ خمسين ألف حديث. وقال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا ونشره مثلها.
سنة ست وعشرين ومئتين
فيها غضب المعتصم على الأفشين وسجنه، وضيق عليه. ومنع بن الطعام حتى مات أو خنق. ثم صلب إلى جانب بابك. وأتى بأصنام من داره أتهم بعبادتها فأحرقت. وكان أقلف متهما في دينه، وأيضاً خافه المعتصم. وكان من أولاد الأكاسرة. واسمه حيدر بن كاوس. وكان بطلاً شجاعاً مطاعاً. ليس في الأمراء أكبر منه.
وظفر المعتصم أيضاً بمازيار الذي فعل الأفاعيل بطبرستان وصلب إلى جانب بابك.
وفيها أحمد بن عمرو الخرشي النيسابوري. سمع مسلم بن خالد الزنجي وطبقته. ولزمه محمد بن نصر المروزي فأكثر عنه.
قال الحاكم: كان إمام عصره في العلم والحديث والزهد. ثقة.
وفيها إسحاق بن محمد الفروي المديني الفقيه. روى عن مالك وطبقته.
وفيها إسماعيل بن أويس الحافظ، أبو عبد الله الأصبحي المدني. سمع من خاله مالك وطبقته. وفيه ضعف.
وفيها سعيد بن كثير بن عفير، أبو عثمان المصري الحافظ العلامة، قاضي الديار المصرية. روى عن الليث ويحيى بن أيوب والكبار. وكان فقيهاً نسابةً أخبارياً شاعراً كثير الإطلاع، قليل المثل، صحيح النقل، ثقة روى عنه البخاري وغيره.
وفيها محدث الموصل غسان بن الربيع الأزردي. روى عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وطبقته. وكان ورعاً كبير القدر، لكن ليس بحجة.
وفيها محمد بن مقاتل المروزي، شيخ البخاري بمكة. روى عن ابن المبارك وطبقته.
وفيها شيخ خراسان الإمام يحيى بن يحيى بن بكر التيمي النيسابوري، في صفر بنيسابور. وكان يشبه بابن المبارك في وقته. طوف وروى عن مالك والليث وطبقتهما.
قال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أحسبه رأى مثل نفسه. ومات وهو إمام أهل الدنيا.
سنة سبع وعشرين ومئتين
فيها قدم على إمرة دمشق أبو المغيث الرافقي، فخرجت عليه قيس لكونه صلب منهم خمسة عشر رجلاً، وأخذوا خيل الدولة من المرج. فوجه إليهم أبو المغيث جيشاً فهزموه. ثم استفحل شرهم وعظم جمعهم، وزحفوا على دمشق وحاصروها. فجاء رجاء الحضاري الأمير في جيش من العراق ونزل بدير مران والقيسية بالمرج. فوجه إليهم يناشدهم الطاعة. فأبوا إلا أن يعزل أبا المغيث. فأنذرهم القتال يوم الاثنين. ثم كسبهم يوم الأحد بكفر بطنا. وكان جمهور القيسية بدومة. فوضع السيف في كفر بطنا وسقبا وجسرين، حتى قتل ألفاً وخمس مئة، وقتلوا الصبيان وجرحت النساء ووقع النهب.
وفيها أحمد بن عبد الله بن يونس، أبو عبد الله اليربوعي الحافظ الكوفي. سمع الثوري وطبقته. وعاش أربعاً وتسعين سنة.


قال الإمام أحمد لرجل سأله عن من أكتب؟ قال: اخرج إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. توفي في ربيع الآخر.
وفيها بشار بن إبراهيم الرمادي الزاهد، صاحب سفيان بن عيينة. قال ابن عدي: سألت محمد بن أحمد الزريقي عنه فقال: كان والله أزهد أهل زمانه.
وقال الإمام أحمد: كان متقناً ضابطاً.
وفيها أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي الفراديسي من أعيان الشيوخ بدمشق. روى عن سعيد بن عبد العزيز وجماعة.
وفيها إسماعيل بن عمرو البجلي محدث إصبهان وهو كوفي روى عن مسهر وطبقته. وثقه ابن حبان وغيره. وضعفه الدراقطني. وهو مكثر عالي الاسناد.
وفيها الرباني القدوة أبو نصر بشر بن الحارث المروزي الزاهد المعروف ببشر الحافي. سمع من حماد بن زيد، وإبراهيم بن سعد وطبقتهما. وعني بالعلم، ثم أقبل على شأنه، ودفن كتبه. وحدث بشيء يسير. وكان في الفقه على مذهب الثوري. وقد صنف العلماء في مانقب بشر وكراماته رحمه الله. وعاش خمساً وسبعين سنة. وتوفي ببغداد في ربيع الأول.
وفيها أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ صاحب السير روى عن فليح بن سليمان. وشريك وطبقتهما. وجاور بمكة وبها مات في رمضان. وقد روى البخاري عن رجل عنه. وفيها سهل بن بكار البصري. روى عن شعبة وجماعة.
وفيها محمد بن الصباح البغدادي البزاز الدولابي، أبو جعفر. روى عن شريك وطبقته. وله سنن صغيرة.
وفيها أبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك الباهلي، مولاهم، البصري الحافظ. أحد أركان الحديث، في صفر. وله أربع وتسعون سنة. سمع عاصم بن محمد العمري وهشاماً الدستوائي والكبار.
قال أحمد بن سنان: كان أمير المحدثين.
وقال أبو زرعة: وكان إماماً في زمانه جليلاً عند الناس.
وقال أبو حاتم: إمام فقيه عاقل ثقة حافظ، ما رأيت في يده كتاباً قط.
وقال ابن وارة: ما أراني أدركت مثله.
وفيها الهيثم بن خارجة، في ذي الحجة ببغداد. سمع مالكاً والليث.
وفيها يحيى بن بشر الحريري الكوفي. سمع بدمشق معاوية بن سلام وجماعة وعمر دهراً.
وفيها، في ربيع الأول، الخليفة أبو إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن المهدي العباسي، وله سبع وأربعون سنة. وعهد إليه المأمون بالخلافة، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها. مربوعاً. مشرق اللون، قوياً إلى الغاية، شجاعاً شهماً مهيباً. وكان كثير اللهو، مسرفا على نفسه. وهو الذي افتتح عمورية من أرض الروم.
وكان يقال له المثمن لأنه ولد سنة ثمانين ومئة في ثامن شهر فيها.
وهو ثامن الخلفاء من بني العباس.
وفتح ثمانية فتوح: عمورية. ومدينة بابك. ومدينة الزط. وقلعة الأحزان ومصر وأذربيجان، وديار ربيعة، وإرمينية.
ووقف في خدمته ثمانية ملوك: الأفشين، والمازيار، وبابك، وباطس ملك عمورية، وعجيف ملك اسباخنج. وصول صاحب اسبيجاب، وهاشم ناحور ملك طخارستان، وكناسة ملك السند. فقتل هؤلاء سوى صول و هاشم.
واستخلف ثمان سنين وثمانية اشهر وثمانية أيام.
وخلف ثمانية بنين وثماني بنات. وخلف بن الذهب ثمانية آلاف ألف دينار.
ومن الدراهم ثمانية عشر ألف درهم.
ومن الخيول ثمانين ألف فرس.
ومن الجمال والبغال مثل ذلك.
ومن المماليك ثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية.
وبنى ثمانية قصور.
وكان له نفس سبعية، وإذا غضب لم يبال من قتل ولا ما فعل. وقام بعده ابنه الواثق.
سنة ثمان وعشرين ومئتين
فيها توفي داود بن عمرو الضبي البغدادي. سمع نافع بن عمر الجمحي وطائفة. وكان صدوقاً صاحب حديث.
وفيها حماد بن مالك الأشجعي الخراساني، شيخ معمر، كان مقبول الرواية. روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والأوزاعي.
وفيها أبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار الزاهد ببغداد، في أول العام. روى عن حماد بن سلمة وطبقته. وكان ثقة ثبتاً عالماً عابداً قانتاً، يعد من الأبدال.
وفيها عبيد الله بن محمد العيشي البصري الأخباري. أحد الفصحاء الأجواد. روى عن حماد بن سلمة وطبقته.
قال يعقوب بن شيبة: أنفق ابن ابن عائشة على إخوانه أربع مئة ألف دينار في الله.
وعن إبراهيم الحربي. قال: ما رأيت مثل ابن عائشة.
وقال ابن خراش: صدوق.


وفيها علي بن عثام بن علي العامري الكوفي بنيسابور. سمع مالكاً وطبقته. وكان حافظاً زاهداً أديباً كبير القدر. توفي مرابطاً بطرسوس. روى مسلم في صحيحه عن رجل عنه.
وفيها أبو الجهم العلاء بن موسى الباهلي ببغداد. وله جزء مشهور من أعلا المرويات روى فيه عن الليث بن سعد وجماعة.
قال الخطيب: صدوق.
وفيها محمد بن الصلت، أبو يعلى الثوري ثم البصري الحافظ. سمع الدراوردي وطبقته.
قال أبو حاتم: كان يملي علينا في التفسير من حفظه.
وفيها العتبي الأخباري. وهو أبو عبدالرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو الأموي. أحد الفصحاء الأدباء من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب. كان من أعيان الشعراء بالبصرة. سمع أباه، وسمع أيضاً من سفيان بن عيينة عدة أحاديث، والأخبار أغلب عليه.
وفيها مسدد بن مسرهد الحافظ، أبو الحسن البصري. سمع جويرية ابن أسماء وأبا عوانة وخلقاً. وله مسند في مجلد، سمعنا بعضه.
وفيها نعيم بن الهيضم الهروي، ببغداد. روى عن أبي عوانة وجماعة، وهو من ثقات شيوخ البغوي.
وفيها أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي الحافظ أحد أركان الحديث.
قال ابن معين: ما كان بالكوفة من يحفظ معه. سمع قيس بن الربيع وطبقته.
وهو ضعيف.
سنة تسع وعشرين ومئتين
فيها توفي الإمام أبو محمد خلف بن هشام البزار شيخ القراء والمحدثين ببغداد سمع من مالك بن أنس وطبقته، وله اختيار خالف فيه حمزة في أماكن وكان عابداً صالحاً كثير العلم صاحب سنة رحمه الله.
وفيها عبد الله بن محمد الحافظ. أبو جعفر الجعفي البخاري المسندي. لقب بذلك لأنه كان يتتبع المسند و يتطلبه. رحل وكتب الكثير عن سفيان بن عيينة وطبقته.
وفيها نعيم بن حماد الخزاعي المروزي الفرضي الحافظ أحد علماء الأثر سمع أبا حمزة السكري، وهشماً، وطبقتهما. وصنف التصانيف. و له غلطات ومناكير مغمورة في كثرة ما روى. وامتحن بخلق القرآن فلم يجب. فحبس وقيد ومات في الحبس. رحمه الله تعالى.
وفيها يزيد بن صالح الفراء أبو خالد النيسابوري العبد الصالح.
روى عن إبراهيم طهمان. وقيس بن الربيع. وطائفة. وكان ورعاً قانتاً مجتهداً في العبادة.
سنة ثلاثين ومئتين
فيها توفي إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني الحافظ. روى عن إبراهيم بن سعيد وطبقته، ولم يلق مالكاً.
وفيها سعيد بن محمد الجرمي الكوفي، وإلا في حدودها. روى عن شريك، وحاتم بن اسماعيل وطائفة. وكان صاحب حديث.
وفيها أمير المشرق أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، وله ثمان وأربعون سنة. وكان شجاعاً مهيباً عاقلاً جواداً كريماً. يقال إنه وقع مرة على قصص بصلات بلغت أربعة آلاف ألف درهم. وقد خلف من الدارهم خاصة أربعين ألف ألف درهم. وقد تاب قبل موته وكسر آلات الملاهي واستفك أسرى بألفي ألف. وتصدق بأموال.
وفيها علي بن الجعد، أبو الحسن الهاشمي، مولاهم، البغدادي الجوهري الحافظ. محدث بغداد. في رجب. وله ست وتسعون سنة. روى عن شعبة، وابن أبي ذئب، والكبار فأكثر. وكان يحدث من حفظه.
قال اللغوي آخر اصحابه موتاً: أخبرت أنه مكث ستين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً.
وفيها علي بن محمد إسحاق. أبو الحسن الطنافسي الكوفي الحافظ. محدث قزوين، وأبو قاضيها الحسين. سمع سفيان بن عيينة وطبقته قأكثر. وثقه أبو حاتم وقال: هو أحب إلي من أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح.
وفيها عون بن سلام الكوفي. وله تسعون سنة. سمع أبا بكر النهشلي. وزهير بن معاوية. وفيها محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري الحافظ المجاهد. روى عن معتمر بن سليمان وطبقته.
وفيها الإمام الحبر أبو عبد الله محمد بن سعد الحافظ، وفيها كاتب الواقدي وصاحب الطبقات والتاريخ، ببغداد. في جمادى الآخرة. وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن سفيان بن عيينة، وهشيم، وخلق كثير.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي البصري المحدث. روى عن معتمر بن سليمان وطبقته.
وفي حدود الثلاثين إبراهيم بن موسى الرازي الفراء الحافظ. أبو إسحاق. أحد أركان العلم. رحل وسمع أبا الأحوص، وخالد بن عبد الله الواسطي وطبقتهما.
قال أبو زرعة: كتبت عنه مئة ألف حديث. وهو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، وأصح حديثاً.
سنة إحدى وثلاثين ومئتين


فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة بامتحان الأئمة و المؤدبين بخلق القرآن. وكان قد تبع أباه في امتحان الناس.
وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد. كان من أولاد أمراء الدولة. فنشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة. وحمل عن هشيم مصنفاته. وما كان يحدث. وكان يزري على نفسه. قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن، ولكونه أغلط للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي. وكان رأساً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقام معه خلق من المطوعة واستفحل أمرهم فخافته الدولة من فتق يتم بذلك.
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن عرعرة الشامي البصري. أبو إسحاق الحافظ. ببغداد، في رمضان. سمع جعفر بن سليمان الضبعي، وعبد الوهاب التقفي، وطائفة.
قال عثمان بن خرزاد: ما رأيت أحفظ من أربعة فذكر منهم إبراهيم هذا.
وفيها أمية بن بسطام، أبو بكر العيشي البصري. أحد الأثبات. روى عن ابن عمه يزيد بن زريع وطبقته.
وفيها أبو عمرو سهل بن زنجلة الرازي الحافظ. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته.
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي البصري أحد الأئمة.
روى عن جويرية بن أسماء وجماعة.
قال أحمد الدروقي: لم أرى بالبصرة أفضل منه. وذكر لعلي بن المديني فعظمه.
وفيها كامل بن طلحة الجحدري البصري، وله ست وثمانون. روى عن مبارك بن فضالة، وجماعة.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
وفيها ابن الأعرابي صاحب اللغة. وهو أبو عبد الله محمد بن زياد. توفي بسامراً وله ثمانون سنة. وكان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب.
وفيها محمد بن سلام الجمحي البصري الأخباري الحافظ أبو عبد الله. روى عن حماد بن سلمة، وجماعة وصنف كتباً منها كتاب طبقات الشعراء، وكان صدوقاً.
وفيها أبو جعفر محمد بن المنهال الضرير البصري الحافظ. روى عن أبي عوانة. ويزيد بن زريع، وجماعة. وكان أبو يعلي الموصلي يفخم أمره ويقول: كان أحفظ من بالبصرة وأثبتهم في وقته.
قلت: ومات قبله بيسير أو بعده محمد بن المنهال البصري العطار. أخو حجاج بن منهال. روى عن يزيد بن زريع وجماعة وكان صدوقاً روى عن الرجلين أبو يعلي الموصلي.
وفيها منجاب بن الحارث الكوفي، روى عن شريك، وأقرانه.
وفيها أبو علي هارون بن معروف الضرير ببغداد. روى عن عبد العزيز الدراوردي وطبقته وكان ثقة من حفاظ الوقت، صاحب سنة.
وفيها الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي. مولاهم. المصري، في صفر. سمع مالكاً والليث وخلقاً كثيراً. وصنف التصانيف. وسمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة. وفيها العلامة أبو يعقوب يو سف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي ببغداد. في السجن والقيد. ممتحناً بخلق القرآن. وكان عابداً مجتهداً دائم الذكر كبير القدير.
قال الشافعي: ليس في أصحابي أعلم بن البويطي.
وقال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنة.
قلت: وسمع أيضا من ابن وهب.
وفيها أبو تمام الطائي حبيب بن أوس الحوراني. مقدم شعراء العصر.
توفي في آخر السنة الموصل كهلاً.
سنة اثنتين وثلاثين ومئتين
فيها توفي الحكم بن موسى. أبو صالح القنطري البغدادي الحافظ. أحد العباد، في شوال. سمع إسماعيل بن عياش وطبقته.
وفيها عبد الله بن عون الخراز الزاهد. أبو محمد البغدادي المحدث.
وكان يقال إنه بن الأبدال. روى عن مالك وطبقته. توفي في رمضان وفيها عمرو بن محمد الناقد الحافظ أبو عثمان البغدادي نزيل الرقة وفقيهها ومحدثها سمع هشيماً وطبقته توفي في ذي الحجة ببغداد.
وفيها الإمام أبو يحيى هارون بن عبد الله الزهري العوفي المكي المالكي القاضي. نزيل بغداد. تفقه بأصحاب مالك.
قال الخطيب: إنه سمع من مالك، وإنه ولي قضاء العسكر ثم قضاء مصر.
وفيها يوسف بن عدي الكوفي نزيل مصر، أخو زكريا بن عدي. حدث بن مالك، وشريك. وكان محدثاً تاجراً.


وفي ذي الحجة الواثق أبو جعفر، وقيل أبو القاسم هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد المهدي العباسي. عن بضع وثلاثين سنة. وكانت أيامه خمس سنين واشهراً. ولي بعهد من أبيه وكان أديباً شاعراً، أبيض تعلوه صفرة. حسن اللحية. في عينه نكتة دخل في القول بخلق القرآن وامتحن الناس. وقوى عزمه أحمد بن أبي داود القاضي. ولما احتضر ألصق بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه أرحم من قد زال ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل على الله فأظهر السنة. ورفع المحنة. وأمر بنشر أحاديث الرؤية والصفات.
سنة ثلاث وثلاثين ومئتتن
فيها كانت الزلزلة المهولة بدمشق دامت ثلاث ساعات. وسقطت الجدران، وهرب الخلق إلى المصلى يجأرون إلى الله. ومات عدد كبير تحت الردم. وامتدت إلى أنطاكية، فيقال إنه هلك من أهلها عشرون ألفاً. وامتدت إلى الموصل فزعم بعضهم أنه هلك بها تحت الردم خمسون ألفاً.
وفيها توفي إبراهيم بن الحجاج الشامي المحدث بالبصرة. روى عن الحمادين وجماعة. وخرج له النسائي.
وفيها حبان بن موسى المروزي. سمع أبا حمزة السكري، وأكثر عن ابن المبارك. وكان ثقة مشهوراً.
وفيها سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل. أبو أيوب التميمي الدمشقي. الحافظ، محدث دمشق، في صفر، و له ثمانون سنة. سمع إسماعيل بن عياش ويحيى بن حمزة، وطبقتهما. وعني بهذا الشأن وكتب عمن دب ودرج.
وفيها سهل بن عثمان العسكري الحافظ أحد الأئمة توفي فيها أو في حدودها. روى عن شريك وطبقته.
وفيها القاضي أبو عبد الله محمد بن سماعة الفقيه ببغداد. وقد جاوز المئة. تفقه علي أبي يوسف. ومحمد وروى عن الليث بن سعد. وله مصنفات واختيارات في المذهب وكان ورده في اليوم واليلة مائتي ركعة.
وفيها الحافظ أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقي الكاتب، صاحب المغازي والفتوح، والصوائف. وغير ذلك من المصنفات المفيدة. روى عن إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. وخلق. وكان ناظر خراج الغوطة.
وفيها الوزير أبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم والوثق والمتوكل. ثم قبض عليه المتوكل وعذبه وسجنه حتى هلك. كان أديباً شاعراً محسناً كامل الادوات، جهمياً. وفيها يحيى بن أيوب المقابري، أبو زكريا البغدادي العابد. أحد أئمة الحديث والسنة. روى عن إسماعيل بن جعفر وطبقته. توفي في ربيع الأول وله ست وسبعون سنة.
وفيها الإمام أبو زكريا يحيى بن معين البغدادي الحافظ. أحد الأعلام وحجة الإسلام. في ذي القعدة بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم. متوجهاً إلى الحج، وغسل على الأعواد التي غسل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعاش خمساً وسبعين سنة. سمع هشيماً. ويحيى بن أبي زائدة. وخلائق. جاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ست مئة ألف حديث. يعني بالمكرر. وقال الإمام أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث.
وقال ابن المديني: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين رحمه الله.
قلت: حديثه في الكتب الستة.
سنة أربع وثلاثين ومئتين
فيها توفي أحمد بن حرب النيسابوري الزاهد. قال فيه يحيى بن يحيى: إن لم يكن من الأبدال فلا أدري من هم رحل وسمع من بن عيينة وجماعة. وكان صاحب عزو وجهاد وموعظ ومصنفات في العلم رحمه الله.
وفيها الأمير إيتاخ التركي، مقدم الجيوش وكبير الدولة. خافة المتوكل وعمل عليه كل حيلة حتى قبض له عليه نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم، وأميت عطشاً وأخذ له المتوكل من الذهب ألف ألف دينار.
وفيها الإمام أبو خيثمة زهير بن حرب الحافظ، ببغداد، في شعبان. وله أربع وسبعين سنة. رحل وكتب الكثيرعن هشيم وطبقته. وصنف. وهو والد صاحب التاريخ أحمد أبي خيثمة. وفيها أبو أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني البصري الحافظ الذي قال فيه صالح محمد الحافظ: ما رأيت أحفظ منه. سمع حماد بن يزيد وطبقته. وكان آية في كثرة الحديث وحفظه. ينظر بعلي بن المديني، ولكنه متروك الحديث.
وفيها أبو الربيع سليمان بن داود العتكي البصري الزهراني أبي الحافظ. كتب الكثير عن جرير بن حازم والكبار. وطال عمره واشتهر ذكره. وفيها أبو جعفر النفيلي الحافظ. أحد الأعلام، عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل الحراني، في ربيع الآخر عن سن عالية. روى عن زهير بن معاوية والكبار.
قال أبو داود: ثم أر أحفظ منه.


قال: وكان الشاذكوني لا يقر لأحد في الحفظ إلا للنفيلي.
وقال أبو حاتم: ثقة مأمون.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان النفيلي رابع أربعة: وكيع وابن مهدي وأبو نعيم وهو.
وفيها أبو الحسن علي بن بحر بن بري القطان البغدادي الحافظ الأهوازي. كتب الكثير عن عبد العزيز الدراودي وطبقته. وفيها علي بن المديني. وهو الإمام أحد الأعلام. أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي. مولاهم البصري الحافظ. صاحب التصانيف. سمع من حماد بن زيد وطبقته.
قال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
وقال أبو داود ابن المديني أعلم بإختلاف الحديث من أحمد بن حنبل.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة بحديث سفيان بن عيينة. توفي في ذي القعدة وله ثلاث وسبعون سنة.
وفيها محمد بن عبد الله بن نمير الحافظ، أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي أحد الأئمة في شعبان. سمع أباه وسفيان بن عيينة وخلقاً.
قال أبو إسماعيل القرمذي كان الإمام أحمد بن حنبل يعظم محمد بن عبد الله بن نمير.
وقال علي بن الحسين بن الجنيد الحافظ: ما رأيت بالكوفة مثله. قد جمع العلم. والسنة، والزهد. وكان قصيراً يلبس في الشتاء الباردة.
قال أحمد بن صالح المصري: ما رأيت بالعراق ومثله ومثل أحمد بن حنبل جامعين لم أر مثلهما بالعراق رحمها الله.
وفيها محمد بن أبي بكر بن علي بن مقدم، مولى ثقيف، الحافظ أبو عبد الله المقدمي البصري. توفي في أول السنة. روى عن حماد بن زيد وطبقته.
وفيها المعافى بن سليمان الرسعني. محدث رأس العين. روى عن فليح بن سليمان وزهير معاوية. وكان صدوقاً.
وفيها شيخ الأندلس يحيى بن يحيى بن كثير الفقيه، أبو محمد الليثي. مولاهم، الأندلسي في رجب. وله اثتنان وثمانون سنة. روى الموطأ عن مالك بفوت من الاعتكاف وانتهت إليه رياسة الفتوى ببلده. وخرج له عدة أصحاب. وبه انتشر مذهب مالك بناحيته. وكان إماماً كثير العلم، كبير القدر، وافر الحرمة، كامل العقل، كثير العبادة والفضل.
سنة خمس وثلاثين ومئتين
فيها ألزم المتوكل جميع النصارى بلبس العسلي وخصوا به.
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أبو محمد النديم. كان رأساً في صناعة الأدب والموسيقى. أديباً عالماً أخبارياً شاعراً محسناً كثير الفضائل.
سمع من مالك وهشيم وجماعة. وعاش خمساً وثمانين سنة. وكان نافق السوق عند الخلفاء العباسية، بعد من الأجواد. وثقه إبراهيم الحربي.
وفيها إسحاق بن ابراهيم بن مصعب الخزاعي الأمير ابن عم طاهر ابن الحسين. ولي بغداد أكثر من عشرين سنة. وكان يسمى صاحب الجسر. وكان صارماً سائسأ حازماً وهو الذي كان يطلب الفقهاء ويمتحنهم بأمر المأمون. مات في آخر السنة.
وفيها سريج بن يونس البغدادي أبو الحارث الجمال العابد. أحد أئمة الحديث. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته. وهو الذي رأى رب العزة في المنام.
وفيها شيبان بن فروخ الأبلي من كبار الشيوخ وثقاتهم. روى عن جرير بن حازم وطبقته.
قال عبدان: كان عنده خمسون ألف حديث.
قلت: وهو شيبان بن أبي شيبة.
وفيها أبو بكر بن أبي شيبة.
وهو الإمام أحد الأعلام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، صاحب التصانيف الكبار.
توفي في المحرم وله بضع وسبعون سنة. سمع من شريك فمن بعده.
قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه.
وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة، وهو أسردهم له، وابن معين وهو أحفظهم له، وابن المديني وهو أعلمهم به. وأحمد ابن حنبل وهو أفقههم فيه.
وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفاً. وفيها عبيد الله بن عمر القواريري البصري، الحافظ أبو سعيد ببغداد. في ذي الحجة روى عن حماد بن زيد وطبقته.
وقال صالح جزرة: هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة.
وفيها وقيل سنة ست وعشرين. أبو الهذيل العلاف محمد بن الهذيل بن عبد الله البصري. شيخ المعتزلة ورأس البدعة. وله نحو من مئة سنة.
سنة ست وثلاثين ومئتين


فيها توفي بن إبراهيم بن المنذر الحزامي المدني، الحافظ أبو إسحاق محدث المدينة. روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وطبقتهما فأكثر.
وفيها أبو معمر القطيعي إسماعيل بن إبراهيم ببغداد. روى عن شريك وطبقته. وكان ثقة صاحب حديث وسنة.
وفيها وزير المأمون وحموه أبو محمد الحسن سهل. وله سبعون سنة وكان سمحاً جواداً إلى الغاية ممدحاً. يقال إنه أنفق على عرس بنته بوران على المأمون أربعة آلاف ألف دينار. وفيها مصعب بن عبد الله بن مصعب، الحافظ أبو عبد الله الأسدي الزبير المدني النسابة الأخباري. سمع مالكاً وطائفة.
قال الزبير: كان عمي مصعب وجه قريش مروءة وعلماً وشرفاً وبياناً وقدراً وجاهاً. وكان نسابة قريش. عاش ثمانين سنة.
وفيها هدبة بن خالد القيسي البصري، أبو خالد الحافظ. سمع حماد ابن سلمة، ومبارك بن فضالة، والكبار، فأكثر.
قال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلي خلف هدبة مما يطول. كان يسبح في الركوع والسجود نيفاً وثلاثين تسبيحة وكان من أشبه خلق الله بهشام بن عمار لحيته ووجهه وكل شيء منه، حتى في صلاته.
سنة سبع وثلاثين ومئتين
فيها وثبت بطارقة إرمينية على متوليها يوسف بن محمد فقتلوه.
فجهز المتوكل لحربهم بغا الكبير. فالتقوا عند أردبيل، فكسرهم بغا الكبير، وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى وغنم، ونزل بناحية تفليس.
وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد القاضي وآله وصادرهم، وأخذ منهم ستة عشر ألف ألف درهم.
وفيها توفي حاتم الأصم، أبو عبد الرحمن الزاهد، صاحب المواعظ والحكم بخراسان، وكان يقال له لقمان هذه الأمة.
وفيها عبد الأعلى بن حماد النرسي الحافظ، في جمادى الآخرة. روى عن حماد بن سلمة ومالك وخلق. وكان ممن قدم على المتوكل فوصله بمال.
وفيها عبد الله بن معاذ بن معاذ العنبري البصري. سمع أباه ومعمر بن سليمان.
قال أبو داود: كان فصيحاً يحفظ نحو عشرة آلاف حديث.
وفيها الفضل بن الجحدري، ابن أخي كامل بن طلحة. سمع حماد بن سلمة والكبار. وكان له حفظ ومعرفة.
وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان المطلبي، ابن عم الشافعي. سمع الفضيل بن عياض وطائفة. وكان كثير الحديث ثقة.
سنة ثمان وثلاثين ومئتين
فيها حاصر بغا تفليس، وقد عصى بها إسحاق بن إسماعيل. فخرح للمحاربة، فأحيط به ضربت عنقه. وأحرقت تفليس فاحترق بها خلق.
وفيها أقبلت الروم في البحر في ثلاث مئة مركب، وأهبة عظيمة، فكبسو دمياط. وسبوا وأحرقوا، وأسرعوا الكرة في البحر، فأسروا ست مئة إمرأة.
وفيها توفي إسحاق بن راهوية وهو الإمام عالم المشرق أبو يعقوب ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي ثم النيسابوري الحافظ. صاحب التصانيف.
سمع عبد العزيز الدراوردي و بقية وطبقتهما. وعاش سبعاً وسبعين سنة. وقد سمع من ابن المبارك وهو صغير، فترك الرواية عنه لصغره.
قال الإمام أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيراً، وما عبر الجسر مثل إسحاق.
وقال محمد بن أسلم: ما أعلم أحدأ كان أخشى لله من إسحاق. ولو كان سفيان حياً لاحتاج إلى إسحاق.
وقال أحمد بن سلمة: أملى علي إسحاق التفسير عن ظهر قلب.
وجاء عن غير وجه أن إسحاق كان يحفظ سبعين ألف حديث.
وقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق.
توفي إسحاق ليلة نصف شعبان بنيسابور.
وفيها بشر بن الحكم العبدي النيسابوري الفقيه، والد عبد الرحمن. توفي قبل إسحاق بشهر، وقد رحل قبله. لقي مالكاً والكبار، عني بالأثر.
وفيها بشر بن الوليد الكندي القاضي، العلامة أبو الوليد ببغداد، في ذي القعدة، وله سبع وتسعون سنة. تفقه على أبي يوسف، وسمع من مالك وطبقته. وولي قضاء مدينة المنصور. وكان محمود الأحكام كثير العبادة والنوافل.
وفيها الحسين بن منصور، أبو علي السلمي النيسابوري الحافظ. رحل وسمع وأكثر. أبي بكر بن عياش وابن عيينة وطبقتهما. وعرض عليه قضاء نيسابور فاختفى، ودعا الله فمات في اليوم الثالث.
وفيها طالوت بن عباد أبو عثمان الصيرفي البصري. له مشيخة عاليه مشهورة. روى عن حماد بن سلمة وطبقته. وكان ثقة. ولم يخرجوا له شيئا.
وفيها عمرو بن زرارة الكلابي النيسابوري، وله ثمان وتسعون سنة. روى عن هشيم وطبقته. وكان ثقة صاحب سنة.


وفيها عبد الملك بن حبيب مفتي أهل الأندلس ومصنف الواضحة وغير ذلك. في رابع رمضان، وله أربع وسبعون سنة. تفقه بالأندلس على أصحاب مالك: زياد بن عبد الرحمن شبطون وغيره. وحج سنة ثمان ومئتين.
فحمل بن عبد الملك بن الماجشون وطائفة. وتفرد بالمشيخة بعد يحيى بن يحيى. وهو في الحديث ليس بحجة.
وفيها عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الداخل الأموي صاحب الأندلس، وقد نيف على الستين. وكانت أيامه اثنتين وثلاثين سنة. وكان محمود السيرة عادلاً جواداً مفضلاً، له نظر في العقليات، ويقيم الناس الصلوات، ويهتم بالجهاد.
وفيها محمد بن بكار بن الريان ببغداد، في ربيع الآخر. سمع فليح بن سليمان وقيس بن الربيع بن الكبار.
وفيها أبو جعفر محمد بن الحسين البرجلاني. مصنف الزهديات وشيخ ابن أبي الدنيا.
وفيها محمد بن عبيد بن حساب الغبري بالبصرة. روى عن حماد بن زيد وطبقته. وكان ثقة حجة.
وفيها محمد بن أبي السري العسقلاني في شعبان. سمع الفضيل بن عياض وطبقته.
وفيها أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي الكوفي المقرىء الحافظ نزيل مصر، وقيل في السنة التي قبلها. سمع عبد العزيز الدراوردي وطبقته.
سنة تسع وثلاثين ومئتين
فيها غزا المسلمون وعليهم علي الأرمني، حتى شارفوا القسطنطينية، فأغاروا وأحرقوا ألف قرية وقتلوا وسبوا.
وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء وصودر، وأخذ منه مئة ألف دينار.
وفيها توفي مفتي بلخ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الباهلي البلخي الحنفي الفقيه في جمادى الأولى. أخذ عن أبي يوسف، وسمع من مالك وجماعة.
وكان رئيساً مطاعاً فأخرج قتيبة من بلخ لعداوة بينهما. وخرج له النسائي وهو شيخه.
وفيها داود بن رشيد، أبو الفضل الخوارزمي، ببغداد، في شعبان. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته. وكان ثقة، وامتنع من الرواية.
وفيها صفوان بن صالح، أبو عبد الملك مؤذن جامع دمشق. روى عن الوليد بن مسلم وطبقته. وكان حنفي المذهب.
وفيها الصلت بن مسعود الجحدري. قاضي سامراء في صفر. روى عن حماد بن زيد وطبقته. وفيها عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي مشكدانه. روى عن أبي الأحوص وجماعة كبيرة. وفيها عثمان بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي الحافظ. وكان أكبر من أخيه أبي بكر. رحل وطوف وصنف التفسير والمسند. وحضر مجلسه ثلاثون ألفاً. روى عن شريك وأبي الأحوص وخلق.
وفيها محمد بن مهران، أبو جعفر الجمال الرازي الحافظ. رحل وطوف. وروى عن فضيل بن عياض وخلق كثير.
وفيها محمد بن يحيى بن أبي سمينة، أبو جعفر البغدادي التمار الحافظ في ربيع الأول. سمع المعافي بن عمران وطائفة.
وفيها محمود بن غيلان، أبو أحمد المروزي الحافظ محدث مرو صبح وحدث ببغداد عن الفضل بن موسى وابن عيينة وطائفة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: أعرفه بالحديث صاحب سنة. حبس بسبب القرآن.
وفيها وهب بن بقية الواسطي. ويقال له وهبان. روى عن هشيم وأقرانه.
سنة أربعين ومئتين
فيها توفي أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة أبو عبد الله الإيادي وله ثمانون سنة وكان فصيحاً مفوهاً شاعراً جواداً ممدحاً رأساً في التهجم وهو الذي شعب على الإمام أحمد بن حنبل وأفتى بقتله. وقد مرض بالفالج قبل موته بنحو أربع سنين، ونكب وصودر.
وفيها توفي أبو ثور بن إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه أحد الأعلام. تفقه بالشافعي. وسمع من ابن عيينة وغيره. وبرع في العلم ولم يقلد أحداً.
قال الإمام احمد: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة. وهو عندي في صلاح سفيان الثوري.
وفيها الحسن بن عيسى بن ماسرجس، أبو علي النيسابوري. توفي في أول السنة بطريق مكة. وكان ورعاً ديناً ثقة. أسلم على يد ابن المبارك، وسمع الكثير منه، ومن أبي الأحوص، و طائفة. ولما مر ببغداد وحدث بها عدوا في مجلسه اثني عشر ألف محبرة.
وفيها أبو عمرو خليفة بن خياط العصفوري البصري الحافظ شباب صاحب التاريخ والطبقات وغير ذلك. وسمع من يزيد بن زريع وطبقته.
وفيها سويد بن سعيد، أبو محمد الهروي الحدثاني، نسبة إلى الحديثة التي تحت عانة. سمع مالكاً وشريكاً وطبقتهما. وكان مكثراً، حسن الحديث، بلغ مئة سنة.
قال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس.


وفيها سويد بن نصر المروزي. رحل وكتب عن ابن المبارك وابن عيينة. وعمر سبعين سنة. وفيها سحنون مفتي القيروان وقاضيه، أبو سعيد عبد السلام بن سعيد ابن حبيب التنوخي الحمصي الأصل المغربي المالكي. صاحب المدونة. أخذ عن أبي القاسم، وابن وهب، وأشهب، وله عدة أصحاب، وعاش ثمانين سنة.
وفيها عبد الواحد بن غياث المربدي البصري. سمع حماد بن سلمة وطبقته.
وفيها محدث خراسان أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفي، مولاهم، البلخي ثم البغلاني الحافظ، وأسمه يحيى، وقيل علي. وقتيبة لقبه. سمع مالكاً والليث والكبار. ورحل العلماء إليه من الأوطان. وكان من الأغنياء التقاة ببغلان.
وفيها أبو بكر الأعين محمد بن أبي عتاب الحسن بن ظريف البغدادي الحافظ، في جمادى الأولى. سمع زيد بن الحباب وطبقته. ورحل إلى الشام ومصر وسمع صنف.
وفيها الليث بن خالد أبو الحارث، المقرىء الكبير صاحب الكسائي. وكان من أعيان أهل الأداء ببغداد. وتوفي قبل الأربعين تقريباً.
وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي الواسطي الحافظ. روى عن الوليد بن مسلم وجماعته. وهو ضعيف.
قال البخاري: فيه نظر.
وعبد العزيز بن يحيى الكناني المكي صاحب الحيدة. سمع من سفيان بن عيينة، وناظر بشراً المريسي. وهو معدود في أصحاب الشافعي.
ونصر بن يوسف الرازي النحوي المقرىء تلميذ الكسائي.
وعمر بن زرارة الحدثي. ثقة، له مشيخة مشهورة. روى عن شريك وجماعة.
وأبو يعقوب الأزرق المقرىء صاحب ورش. وكان مقرىء ديار مصر في زمانه. وأسمه يوسف بن عمرو بن يسار.
وأبو الفضل أحمد المعدل بن غيلان العبدي البصري الفقيه المالكي المتكلم، صاحب عبد الملك بن الماجشون وكان فصيحاً مفوهاً. له عدة مصنفات. وعليه تفقه إسماعيل بن إسحاق والبصريون.
سنة إحدى وأربعين ومئتين
فيها، في ثاني عشر ربيع الأول. بكرة الجمعة، شيخ الإسلام وعالم أهل العصر أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الدهلي ثم الشيباني المروزي ثم البغدادي. أحد الأعلام ببغداد، وقد جاوز سبعاً وسبعين سنة بأيام. وكان أبوه جندياً فمات شاباً أول طلب أحمد للعلم، في سنة تسع وسبعين ومئة. فسمع بن هشيم، وإبراهيم بن سعد، وطبقتهما. وكان شيخاً أسمرَ مديد القامة مخضوباً، عليه سكينة ووقار. وقد جمع ابن الجوزي أخباره في مجلد، وكذلك البيهقي وشيخ الإسلام الهروي. وكان إماماً في الحديث وضروبه، إماماً في الفقه ودقائقه، إماماً في السنة وطرائقها، إماماً في الورع وغوامضه، إماماً في الزهد حقائقه. رحمة الله عليه.
وفيها توفي جبارة بن المغلس الحماني الكوفي، عن سن عالية. روى عن شبيب بن أبي شيبة، وأبي بكر النهشلي. وهو ضعيف عندهم.
وفيها الحسن بن حماد، الإمام أبو علي الحضرمي البغدادي سجادة. روى عن أبي بكر بن عياش وطبقته. وكان ثقة صاحب سنة. وله حلقة وأصحاب.
وفيها أبو توبة الحلبي، واسمه الربيع بن نافع الحافظ. سمع معاوية بن سلام وشريكاً والكبار. روى البخاري ومسلم عن رجل عنه.
وفيها عبد الله بن منير. أبو عبد الرحمن المروزي. الزاهد القانت الذي قال البخاري: لم أر مثله روى عن يزيد بن هارون وطبقته. وكان ثقة.
وفيها أبو قدامة السرخسي. عبيد الله بن سعيد الحافظ. سمع سفيان بن عيينة وطبقته.
وفيها يعقوب بن حميد بن كاسب المحدث: مدني مشهور. نزل مكة وروى عن إبراهيم بن سعد طبقته.
سنة اثنتين وأربعين ومئتين
فيها توفي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري الفقيه قاضي المدينة ومفتيها. في رمضان، وله اثتنان وتسعون سنة. تفقه على مالك، وسمع منه الوطأ ولزمه مدة. وسمع من جماعة.
قال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه المدينة غير مدافع.
وفيها القاضي أبو حسان الزيادي. وهو الحسن بن عثمان، في رجب ببغداد. وكان ثقة أخبارياً مصنفاً كثير الاطلاع. سمع حماد بن زيد وطبقته.
قيل إن الشافعي نزل عليه ببغداد.
وفيها الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الحلواني الخلال. سمع حسين بن علي الجعفي وطبقته. قال إبراهيم بن أرومة: بقي اليوم في الدنيا ثلاثة: محمد بن يحيى الذهلي بخراسان، وأحمد بن الفرات بإصبهان، والحسن بن علي الحلواني بمكة.
وفيها الإمام أبو عمرو عبد الله بن أحمد بشير بن ذكوان المقرىء إمام جامع دمشق. قرأ على أيوب بن تميم، وسمع الوليد بن مسلم وطائفة.


قال أبو زرعة الدمشقي: ما في الوقت أقرأ من ابن ذكوان.
وقال أبو حاتم: صدوق.
قلت: عاش سبعين سنة.
وفيها الإمام الرباني أبو الحسن محمد بن أسلم الطوسي الزاهد، صاحب المسند والأربعين. وكان يشبه في وقته بابن المبارك. رحل وسمع من يزيد ابن هارون، وجعفر بن عون وطبقتهما. روى عن إمام الأئمة ابن خزيمة، وقال: لم تر عيني مثله.
وقال غيره: كان ثقة من الأبدال. رحمة الله عليه.
وفيها أبو عبد الله محمد بن رمح التجيبي، مولاهم، المصري الحافظ في شوال. سمع الليث وابن لهيعة.
قال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد.
وقال ابن يونس: ثقة ثبت كان أعلم الناس بأخبار بلدنا.
وفيها توفي مخلد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ أبو جعفر صاحب التاريخ وعلل الحديث سمع المعافي بن عمران، وابن عيينة وطبقتهما. وكان عبيد العجلي يعظم أمره ويرفع قدره.
وقال النسائي: ثقة صاحب حديث.
وفيها نوح بن حبيب القومسي الحافظ، في رجب روى عن عبد الله بن إدريس، ويحيى القطان، وطبقتهما. وكان ثقة صاحب سنة.
وفيها يحيى بن أكثم القاضي، أبو محمد المروزي، ثم البغدادي. أحد الأعلام في آخر السنة بالربذة. منصرفاً من الحج، وله سبعون سنة. روى عن جرير بن عبد الحميد وطبقته. وكان مجتهداً مصنفاً.
قال طلحة الشاهد: يحيى بن أكثم أحداً الأعلام القائم بكل معضلة في الدنيا. غلب على المأمون حتى أخذ بمجامع قلبه، وقلده القضاء وتدبير مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل شيئاً إلا بعد مطالعته.
وقال غيره: جعل المتوكل يحيى بن أكثم في مرتبة أحمد بن أبي دؤاد ثم غضب عليه.
وقال أبو حاتم: فيه نظر.
سنة ثلاث وأبعين ومئتين
فيها توفي أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي الحافظ بنيسابور. وقيل في سنة خمس أو ست وأربعين. سمع و كيعاً ورحل إلى عبد الرزاق وفيها أبو عبد الله أحمد بن عيسى المصري المعروف بابن التستري سمع ابن وهب، نزل بغداد.
وفيها إبراهيم بن العباس الصولي البغدادي. أحد الشعراء المجودين والكتاب المنشئين. كان موصوفاً بالبلاغة والبراعة. وله ديوان مشهور فيه أشياء بديعة.
قال دعبل: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء.
وفيها الزاهد الناطق بالحكمة الحارث بن أسد المحاسبي، صاحب المصنفات في التصوف والأحوال. روى عن يزيد بن هارون وغيره.
وفيها الفقيه أبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي المصري الحافظ، مصنف المختصر والمبسوط. روى عن ابن وهب مئة ألف حديث. وتفقه بالشافعي.
وفيها عبد الله بن معاوية الجمحي البصري، وقد نيف على المئة. روى عن القاسم بن الفضل الحداني، والحمادين. وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها عقبة بن مكرم، أبو عبد الملك العمي البصري الحافظ. روى عن عبيد وطبقته. وكان ثبتاً حجة.
ومات قبله عقبة بن مكرم الضبي الكوفي. روى عن ابن عيينة، ويونس ابن بكير ولم يقع له رواية في شيء من الكتب الستة.
وفيها محمد بن يحيى بن أبي عمر، أبو عبد الله العدني الحافظ، صاحب المسند، بمكة، في آخر السنة. روى عن الفضيل بن عياض والدراوردي وخلق. وكان عبداً صالحاً خيراً.
وفيها هارون بن عبد الله الحافظ أبو موسى البغدادي البزار المعروف بالحمال. رحل وسمع عبد الله بن نمير وابن أبي مديك وطبقتهما. قيل إنه تزهد وصار يحمل بأجرة يتقوت بها. وفيها هناد السري الحافظ الزاهد القدوة أبو السري الدارمي الكوفي، صاحب كتاب الزهد روى عن شريك، وإسماعيل بن عياش، وطبقتهما فأكثر، وجمع وصنف.
وفيها أبو همام الوليد بن شجاع السكوني الكوفي الحافظ. سمع شريكا، وإسماعيل بن جعفر، وطبقتهما.
سنة أربع وأربعين ومئتين
فيها توفي أحمد بن منيع، الحافظ الكبير، أبو جعفر البغوي الأصم، صاحب المسند ببغداد في شوال. سمع هشيماً وطبقته. وهو جد أبي القاسم البغوي لأمه.
وفيها إبراهيم بن عبد الله الهروي الحافظ ببغداد في رمضان. روى عن إسماعيل بن جعفر. وكان أعلم الناس بحديث هشيم. وكان صواماً عابداً تقياً.
وفيها إسحاق بن موسى الأنصاري ثم الخطمي المدني ثم الكوفي، أبو محمد قاضي نيسابور روى عن ابن عيينة وطبقته. أطنب أبو حاتم الرازي في الثناء عليه. وكان كثير الأسفار فتوفي بجوسية من أعمال حمص.


وفيها الحسن بن شجاع، أبو علي البلخي الحافظ أحد أركان الحديث في شوال كهلاً. ولم ينتشر حديثه. سمع عبيد الله بن موسى وطبقته روى الترمذي عن رجل عنه.
وفيها أبو عمار الحسين بن حريث المروزي الحافظ. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته. وفيها أبو علي حميد بن مسعدة الباهلي البصري الحافظ. روى عن حماد بن زيد وطبقته. ولم يرحل.
وفيها عبد الحميد بن بيان الواسطي. روى عن خالد الطحان وهشيم فأكثر.
وفيها علي بن حجر الحافظ الإمام أبو الحسن السعدي المروزي نزيل نيسابور في جمادى الأولى وله نحو من تسعين سنة روى عن إسماعيل بن جعفر، وشريك، وخلق.
وفيها محمد بن أبان أبو بكر المستملي البلخي الحافظ. مستملي وكيع، لقي ابن عييتة وابن وهب والكبار.
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري، في جمادى الاولى. سمع أبا عوانة وطبقته. وكان صاحب حديث. ولي القضاء جماعة من أولاده.
وفيها يعقوب بن السكيت النحوي، أبو يوسف البغدادي، صاحب كتاب إصلاح المنطق. أخذ عن أبي عمرو الشيباني. وأدب أولاد المتوكل.
سنة خمس وأربعين ومئتين
فيها توفي أحمد بن عبدة الضبي بالبصرة. سمع حماد بن زيد والكبار وروى الكثير.
وفيها إسحاق بن أبي إسرائيل إبراهيم بن كامجرا المروزي الحافظ، في شوال. ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. سمع حماد بن زيد وطبقته، وكان من كبار المحدثين.
وفيها إسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي الشيعي المحدث، ابن بنت السدي. روى عن مالك وطبقته. وروى عن عمر بن شاكر عن أنس وخرج له أبو داود والترمذي وغيرهما.
وفيها ذو النون المصري الزاهد، أحد مشايخ الطريق، وله تسعون سنة أو نحوها. وله مواعظ نافعة وكلام رفيع. استحضره المتوكل إليه ليسمع كلامه وينتفع برؤيته.
وفيها سوار بن عد الله بن سوار التميمي العنبري البصري، أبو عبد الله قاضي الرصافة ببغداد. روى عن يزيد بن زريع وطبقته. وله شعر فائق.
وفيها دحيم الحافظ الحجة أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي. قاضي فلسطين والأردن. وله خمس وسبعون سنة. سمع ابن عيينة والوليد بن مسلم وطبقتهما.
قال أبو داود: لم يكن في زمانه مثله.
وفيها أبو تراب النخشبي العارف، واسمه عسكر بن الحصين. من كبار مشايخ القوم. صحب حاتما الأصم وغيره.
وفيها محمد بن رافع أبو عبد الله القشيري، مولاهم، النيسابوري الحافظ. سمع ابن عيينة ووكيعاً وخلائق. وكان زاهداً عابداً صالحاً قد أرسل إليه ابن طاهر نوبة خمسة آلاف درهم فردها، ولم يكن لأهله يومئذ خبز.
وفيها هشام بن عمار، أبو الوليد السلمي، خطيب دمشق وقارئها وفقيهها ومحدثها. في سلخ المحرم. عن اثنتين وتسعين سنة. روى عن مالك وطبقته. وقرأ على أيوب بن تميم وعراك عن قرائتهما على يحيى الذماري صاحب ابن عامر.
سنة ست وأربعين ومئتين
فيها أحمد بن إبراهيم بن كثير، أبو عبد الله العبدي البغدادي الدورقي الحافظ. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته. وصنف التصانيف.
وفيها أحمد بن أبي الحواري الزاهد الكبير أبو الحسن الدمشقي. سمع أبا معاوية وطبقته. وكان من كبار المحدثين والصوفية وأجل أصحاب أبي سليمان الداراني.
وفيها أبو عبد اله الحسين بن الحسن المروزي الحافظ صاحب ابن المبارك بمكة. وقد سمع بن هشيم والكبار.
وفيها أبو عمرو الدوري، شيخ المقرئين في عصره، وله سعن وتسعون سنة. وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان المقرىء. قرأ على الكسائي. وإسماعيل بن جعفر، ويحيى اليزيدي. وحدث بن طائفة. وصنف التصانيف. وكان صدوقاً. قرأ عليه خلق كثير.
قال: أدركت حياة نافع، ولو كان عندي شيء لرحلت إليه.
وفيها دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور الرافضي. مدح الخلفاء والملوك. وكان خبيث الهجاء. وقد أجازه عبد الله بن طاهر على أبيات ستين ألف درهم.
وفيها العباس بن عبد العظيم، أبو الفضل العنبري البصري الحافظ أحد علماء السنة. سمع يحيى القطان وطبقته. توفي في رمضان.
وفيها لوين، واسمه محمد بن سليمان، أبو جعفر الاسدي البغدادي ثم المصيصي. سمع مالكاً. وحماد بن زيد. والكبار. وعمر دهرا طويلاً جاوز المئة.
وكان كثير الحديث ثقة.
وفيها محمد بن مصفى الحمصي، أبو عبد الله. روى عن الوليد بن مسلم وطائفة كبرة.


وفيها محمد بن يحيى بن فياض الزماني البصري. روى عن عبد الوهاب الثقفي، وطبقته فأكثر وحدث في آخر عمره بدمشق وإصبهان.
وفيها المسيب بن واضح الحمصي. روى عن إسماعيل بن عياش والكبار. وتوفي في آخر السنة.
قال أبو حاتم: صدوق يخطئ.
وفيها المفضل بن الغلابي ببغداد. روى عن عبد الرحمن بن مهدي وطبقته، وله تاريخ مفيد.
سنة سبع وأربعين ومئتين
فيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهري. أبو إسحاق البغدادي الحافظ صاحب المسند. روى عن هشيم وخلق كثير. ومات مرابطاً بعين زربة. وكان من أركان الحديث. خرج مسند أبي بكر الصديق في نيف وعشرين جزءاً.
وفيها أبو عثمان المازني النحوي صاحب التصانيف. واسمه بكر بن محمد.
قال المبرد تلميذه: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان المازني بالنحو.
وفيها في شوال. قتل المتوكل أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد هارون العباسي. فتكوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر. وعاش أربعين سنة. وكان أسمر نحيفاً، مليح العينين. خفيف العارضين، ليس بالطويل. وهو الذي أحيا السنة وأمات التجهم، ولكنه كان فيه نصب ظاهر، وانهماك على اللذات والمكاره. وفيه كرم وتبذير. وكان قد عزم على خلع ابنه المنتصر وتقديم المعتز عليه لفرط محبته أمه قبيحة، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد. واتفق مصادرة المتوكل لوصيف. فتعاملوا عليه. فدخل عليه خمسة في جوف الليل فنزلوا عليه بالسيوف. فقتلوه وقتلوا وزيره الفتح بن خاقان معه.
وفيها مسلمة بن شبيب، أبو عبد الرحمن النيسابوري الحافظ، في رمضان بمكة. روى عن يزيد بن هارون وطبقته وقد روى عنه من الكبار الإمام أحمد وغيره.
وفيها أو بعدها محمد بن مسعود الحافظ ابن العجمي، سمع عيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطان، وطبقتهما. ورابط بطرسوس.
قال محمد بن وضاح القرطبي: هو رفيع الشأن، فاضل، ليس بدون أحمد بن حنبل، يعني في العمل لا في العلم. والله أعلم.
سنة ثمان وأربعين ومئتين
فيها توفي الإمام العالم أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري ثم المصري الحافظ. سمع من ابن عيينة، وابن وهب، وخلق.
قال محمد بن عبد الله بن نمير: إذا جاوزت الفرات فليس أحد مثل أحمد بن صالح.
وقال ابن وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، وابن نمير بالكوفة. والنفيلي بحران. هؤلاء أركان الدين.
وقال يعقوب الفسوي: كتبت عن ألف شيخ. حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن صالح وأحمد بن حنبل.
وفيها الحسين بن علي الكرابيسي الفقيه المتكلم، أبو علي ببغداد. وقيل مات سنة خمس وأربعين. تفقه على الشافعي، وسمع بن إسحاق الأزرق. وجماعة. وصنف التصانيف. وكان متضلعاً في الفقه والأصول والحديث ومعرفة الرجال. والكرابيس الثياب الغلاظ.
وفيها بغا الكبير. أبو موسى التركي. مقدم قواد المتوكل. عن سن عالية. وكان بطلاً شجاعاً مقداماً. له عدة فتوحات ووقائع. باشر الكثير من الحروب فما جرح قط. وخلف أموالاً عظيمة. وفيها أمير خراسان وابن أميرها طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، في رجب. ولي بن إمرة خراسان بعد أبيه ثماني عشرة سنة. ووليها بعده ولده محمد بن طاهر عشر سنين. وقد حدث طاهر عن سليمان بن حرب.
وفيها عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار، أبو بكر البصري، ثم المكي العطار. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته. وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصري. سمع أباه، وابن وهب. وكان أحد الفقهاء.
وفيها عيسى بن حماد بن زغبة التجيبي، مولاهم، المصري.
راوي الليث بن سعد.
وفيها القاسم بن عثمان الدمشقي الزاهد، المعروف بالجوعي. من كبار الصوفية والعباد العارفين. صحب أبا سليمان الداراني، وروى عن سفيان بن عيينة وجماعة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها محمد بن حميد الرازي، أبو عبد الله الحافظ. روى عن جرير بن عبد الحميد. ويعقوب القمي. وخلق. وكان من أوعية العلم، لكن لا يحتج به. وله ترجمة طويلة.


وفيها، في ربيع الآخر، المنتصر أبو جعفر بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد العباسي، بالخوانيق. وكانت خلافته ستة أشهر. وعاش ستاً وعشرين سنة. وأمه رومية تسمى حبشية. وكان ربعة جسيماً، أعين، أقنى، بطيناً، مليح الصورة مهيباً. وكان كامل العقل محباً للخير، محسناً إلى آل علي، باراً بهم. وقيل إن أمراء الترك خافوه، فلما حم دسوا إلى طبيبه أبي طيفور ثلاثين ألف دينار ففصده بريشة مسمومة، وقيل سم في كمثرى. وقيل إنه قال: يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة. عاجلت أبي فعوجلت.
وفيها محمد بن زنبور، أبو صالح المكي. روى عن حماد بن زيد، وإسماعيل بن جعفر. وكان صدوقاً.
وفيها محدث الكوفة أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، الحافظ في جمادى الآخرة. سمع ابن المبارك، وعبد الله بن إدريس، وخلائق. قيل إنه كان عنده ثلاث مئة ألف حديث.
وفيها أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد الكوفي القاضي. أحد أعلام القرآن. قرأ على سليم. وسمع من أبي خالد الأحمر. وابن فضيل وطبقتهما. وكان إماماً مصنفاً في القراءات. ولي القضاء ببغداد.
سنة تسع وأربعين ومئتين
فيها توفي الحسن الصباح، الإمام أبو علي البزار ببغداد. سمع سفيان بن عيينة وطبقته. وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفع قدره ويجله ويحترمه.
قال أبو حاتم: صدوق. وكانت له جلالة عجيبة ببغداد. رحمه الله.
وفيها رجاء بن مرجي، أبو محمد السمرقندي الحافظ ببغداد. روى عن النضر بن شميل فمن بعده.
قال الخطيب: كان ثقة ثبتا إماماً في الحفظ والمعرفة.
وفيها عبد بن حميد الحافظ، أبو محمد الكشي، صاحب المسند والتفسير. واسمه عبد الحميد فخفف. سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما.
وفيها أبو حفص عمرو بن علي الباهلي البصري الصيرفي الفلاس الحافظ. أحد الأعلام. سمع معتمر بن سليمان وطبقته. وصنف، وعني بهذا الشأن.
قال النسائي: ثقة حافظ.
وقال أبو زرعة: ذاك في فرسان الحديث.
وقال أبو حاتم: كان أوثق من علي بن المديني
سنة خمسين ومئتين
فيها توفي العلامة أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، البصري الفقيه، مولى بني أمية. روى عن ابن عيينة، وابن وهب، وسرح مولى بن وهب.
وفيها أبو الحسن أحمد بن محمد البزي المقرىء، مؤذن المسجد الحرام، وشيخ الإقراء به. ولد سنة سبعين ومئة، وقرأ على عكرمة بن سليمان، وأبي الإخريط. قرأ عليه جماعة. وكان لين الحديث، حجة في القرآن.
وفيها الحارث بن مسكين، الإمام أبو عمرو، قاضي الديار المصرية.
وله ست وتسعون سنة. سأل الليث بن سعد، وسمع الكثير من ابن عيينة، وابن وهب. وأخذ في المحنة فحبس دهراً حتى أخرجه المتوكل وولاه قضاة مصر. وكان من كبار أئمة السنة. وفيها، ويقال في سنة خمس وخمسين، الإمام أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد النحوي المقرىء اللغوي. صاحب المصنفات. حمل العربية عن أبي عبيدة والأصمعي. وقرأ القرآن على يعقوب. وكتب الحديث عن طائفة.
فيها عباد بن يعقوب الأسدي الرواجني الكوفي الحافظ الحجة. سمع من شريك. وابن أبي ثور، والكبار.
قال الإمام أحمد بن حنبل: كان داعية إلى الرفض.
وقال ابن خزيمة: ثنا الصدق في روايته، المتهم في دينه عباد بن يعقوب.
وروى عنه البخاري مقروناً بآخر.
وفيها عمرو بن بحر الجاحظ أبو عثمان البصري. صاحب التصانيف الكثيرة في الفنون. كان بحراً من بحور العلم، رأساً في الكلام والاعتزال. وعاش تسعين سنة، وقيل بقي إلى سنة خمس وخمسين أخذ عن القاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس، وأبي إسحاق النظام.
وفيها توفي كثير بن عبيد المذحجي الحذاء إمام جامع حمص، مدة ستين سنة. حدث عن ابن عيينة وبقية، وطائفة. قيل إنه ما سها في صلاة مدة ما أم. وكان عبداً صالحاً.
وفيها أبو عمرو نصر بن علي الجهضمي البصري الحافظ، أحد أوعية العلم. روى عن يزيد بن زريع، وطبقته.
قال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعين طلب نصر بن علي ليوليه القضاء.
فقال لأمير البصرة: حتى أرجع فأستخبر الله. فرجع وصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. ثم نام فنبهوه، فإذا هو ميت.
توفي في ربيع الآخر رحمه الله تعالى.
سنة إحدى وخمسين ومئتين


فيها توفي إسحاق بن المنصور الكوسج، الإمام الحافظ أبو يقوب المروزي بنيسابور. في جمادى الأولى. سمع سفيان بن عيينة وطائفة. وتفقه على أحمد وإسحاق. وكان ثقة نبيلاً. وفيها حميد بن زنجويه، أبو أحمد النسائي، صاحب المصنفات روى عن النضر بن شميل، وخلق بعده.
وفيها عمرو بن عثمان الحمصي محدث حمص. روىعن إسماعيل ابن عياش و بقية وابن عيينة.
قال ابن عيينة: كان أحفظ من محمد بن مصفى.
وفيها أبو التقى هشام بن عبد الملك اليزني الحمصي الحافظ. روى عن إسماعيل بن عياش وبقية وكان ذا معرفة وإتقان.
سنة اثنتين وخمسين ومئتين
قتل المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد العباسي. ولد سنة إحدى وعشرين ومايتين، وبويع بعد المنتصر وكان أمراء الترك قد استولوا على الأمر، وبقي المستعين مقهوراً معهم، فتحول من سامرا إلى بغداد غضبان، فوجهوا يعتذرون إليه ويسألونه الرجوع، فامتنع. فعمدوا إلى الحبس، فأخرجوا المعتز بالله وحلفوا له. وجاء أبو أحمد لمحاصرة المستعين. فتهيأ المستعين ونائب بغداد ابن طاهر للحرب. وبنوا سور بغداد. ووقع القتال. ونصبت المجانيق، ودام الحصار أشهر، واشتد البلاء وكثر القتل، وجهد أهل بغداد. حتى أكلوا الجيف وجرت عدة وقعات بين الفريقين. قتل في وقعة منها نحو الألفين من البغاددة. إلى أن كلوا وضعف أمرهم وقوي أمر المعتز. ثم تخلى ابن طاهر عن المستعين. لما رأى البلاء وكاتب المعتز ثم سعوا في الصلح على خلع المستعين فخلع نفسه على شروط مؤكدة في أول سنة اثنتين هذه. ثم أنفذوه إلى واسط. فاعتقل تسعة أشهر. ثم أحضر إلى سامرا، فقتلوه بقادسية سامرا في آخر رمضان.
وكان ربعة، خفيف العارضين، أحمر الوجه مليحاً، بوجه أثر جدري. ويلثغ في السين نحو الثاء. وكان مسرفاً في تبذير الخزائن والذخائر سامحه الله.
وفيها إسحاق بن بهلول، أبو يعقوب التنوخي الأنباري الحافظ. سمع ابن عيينة وطبقته وكان من كبار الأئمة، صنف في القراءات وفي الحديث والفقه.
قال ابن صاعد: حدث إسحاق بن بهلول نحو خمسين ألف حديث من حفظه.
قلت: عاش ثمانياً وثمانين سنة.
وفيها أبو هاشم زياد بن أيوب الطوسي البغدادي، دلويه الحافظ. سمع هشيماً وطبقته. وكان يقال له شعبة الصغير. لإتقانه ومعرفته.
وفيها بندار محمد بن بشار البصري، أبو بكر الحافظ، في رجب، سمع معتمر بن سليمان، وغندراً، وطبقتهما.
قال أبو داود: كتبت عنه خمسين ألف حديث.
وفيها محمد بن المثنى الحافظ، أبو موسى العتري البصري الزمن، في ذي القعدة. ومولده عام توفي حماد بن سلمة. سمع معتز بن سليمان، وسفيان بن عيننة وطبقتهما.
وفيها يعقوب بن إبرهيم، أبو يوسف الدورقي الحافظ، سمع هشيماً وإبراهيم بن سعد وطبقتهما.
سنة ثلاث وخمسين ومئتين
فيها توفي أحمد بن سعيد بن صخر الحافظ، أبو جعفر الدارمي السرخسي. أحد الفقهاء والأئمة في الأثر، سمع النضر بن شميل وطبقته.
وفيها أحمد بن المقدام، أبو الأشعت العجلي البصري المحدث، في صفر، سمع حماد بن زيد وطائفة كثيرة.
وفيها السري بن المغلس السقطي، أبو الحسن البغدادي، أحد الأولياء الكبار، وله نيف وتسعون سنة سمع من هشيم وجماعة، وصحب معروفاً الكرخي، وله أحوال وكرامات رحمة الله عليه. وفيها الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، نائب بغداد، وكان جواداً ممدحاً عالماً قوي المشاركة جيد الشعر، مرض بالخوانيق.
وفيها وصيف التركي، كان من أكبر أمراء الدولة، وكان قد استولى على المعتز اصفطى الأموال لنفسه وتمكن حتى قتل.
سنة أربع وخمسين ومئتين
فيها قتل بغا الصغير الشرابي، وكان قد تمرد وطغى، وراح نظيره وصيف، فتفرد واستبد بالأمور. وكان المعتز بالله يقول: لا أستلذ بحياة ما بقي بغا. ثم إنه وثب فأخذ من الخزائن مائتي ألف دينار، ةسار نحو السن، فاختلف عليه أصحابه وفارقه عسكره، فذل، وكتب يطلب الأمان، وانحدر في مركب، فأخذته المغاربة، وقتله وليد المغربي، وأتى برأسه، فأعطاه المعتز عشرة آلاف دينار.


وفيها أبو الحسن علي بن الجواد محمد بن الرضى علي بن الكاظم موسى بن الصادق جعفر العلوي الحسيني المعروف بالهادي، توفي بسامرا وله أربعون سنة. وكان فقيهاً إماماً متعبداً، استفتاه المتوكل مرة ووصله بأربعة آلاف دينار. وهو أحد الاثنى عشر. الذين يعتقد الشيعة الغلاة عصمتهم.
وفيها محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي. الحافظ أبو جعفر ببغداد، روى عن وكيع وطبقته، وولي قضاء حلوان، وكان من كبار الحفاظ، لما قدم ابن المديني بغداد قال: وجدت أكيس القوم هذا الغلام المخرمي.
وفيها أبو أحمد المرار بن حمويه الثقفي الهمذاني الفقيه، سمع أبا نعم، وسعيد بن أبي مريم، وكان موصوفاً بالحفظ وكثرة العلم.
وفيها العتبي، صاحب العتبية في مذهب مالك، واسمه محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأموي العتبي القرطبي الأندلسي الفقيه، أحد الأعلام ببلده. أخذ عن يحيى بن يحيى، ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون، ومصرعن أصبغ، وصنف المستخرجة. وجمع فيها أشياء غريبة عن مالك.
وفيها المؤمل بن إهاب. أبو عبد الرحمن، الحافظ بالرملة، روى عن ضمرة بن ربيعة، ويحيى بن آدم وطبقتهما.
سنة خمس وخمسين ومئتين
فيها فتنة الزنج، وخروج العلوي قائد الزنج بالبصرة، فعسكر ودعا الى نفسه، وزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى الشهيد زيد بن علي، ولم يثبتوا نسبه. فبادر إلى دعوته عبيد أهل البصرة السودان. ومن ثم قيل الزنج، والتف إليه كل صاحب فتنة. حتى استفحل أمره. وهزم جيوش الخليفة. واستباح البصرة وغيرها. وفعل الأفاعيل. وامتدت أيامه الملعونة. إلى أن قتل إلى غير رحمة الله، في سنة سبعين.
وفيها خرج غير واحد من العلوية، وحاربوا بالعجم وغيرها.
وفيها توفي الإمام الحبر، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي التميمي السمرقندي الحافظ، صاحب المسند المشهور، رحل وطوف وسمع النضر بن شميل، وزيد بن هارون وطبقتهما.
قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا الدارمي بالحفظ والورع وقال رجاء بن مرجى: ما رأيت أعلم بالحديث منه.
وفيها قتل المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، في رجب، خلعوه فأشهد على نفسه مكرها. ثم أدخلوه بعد خمسة أيام إلى الحمام فعطش. حتى عاين الموت وهو يطلب الماء، فيمنع. ثم أعطوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتاً، واختف أمه قبيحة، وسبب قتله: أن جماعة من الأتراك قالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالاً فلم تعطه، وكانت ذات أموال عظيمة إلى الغاية، منها جوهر وياقوت وزمرد، قوموه بألفي ألف دينار، ولم يكن بقي إذ ذاك في خزائن الخلافة شيء، فحينئذ أجمعوا على خلعه، ورئيسهم حينئذ، صالح بن وصيف ومحمد ابن بغا، فلبسوا السلاح، وأحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم، فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافياً ليخلع نفسه. فأجاب. واحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول بن بايعه، المعتز بالله. وعاش المعتز ثلاثاً وعشرين سنة، وكان من أحسن أهل زمانه، ولقبوه محمداً بالمهتدي بالله.
وفيها توفي محمد بن عبد الرحيم. أبو يحيى البغدادي الحافظ البزاز. ولقبه صاعقة. سمع عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وطبقته، وكان أحد الأثبات المجودين.
وفيها محمد كرام، أبو عبد الله السجستاني الزاهد شيخ الطائفة الكرامية. وكان من عباد المرجئة.
وفيها موسى بن عامر المري الدمشقي، سمع الوليد بن مسلم، وابن عيينة. وكان أبوه أبو الهيذام عامر بن عمارة، سيد قيس وزعيمها وفارسها. وكان طلب من الوليد، فحدث ابنه هذا بمصنفاته.
سنة ست وخمسين ومئتين
كان صالح بن وصيف التركي، قد أرتفعت منزلته، وقتل المعتز، وظفر بأمه قبيحة فصادرها حتى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار. ونفاها الى مكة. ثم صادر خاصة المعتز وكتابه. وهم: أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد. وأبا نوح عيس بن إبراهيم. ثم قتل أبا نوح وأحمد.


فلما دخلت هذه السنة أقبل موسى بن بغا من بغداد وعبأ جيشه في أكمل أهبة ودخلوا سامرا ملبين قد أجمعوا على قتل صالح بن وصيف. وهم يقولون: قتل المعتز وأخذ أموال أمه. وأموال الكتاب. وصاحت العامة: يا فرعون. جاءك موسى. ثم هجم بمن معه على المهتدي بالله وأركبوه فرساً وانتهبوا القصر. ثم أدخلوا المهتدي دار باجور. وهو يقول: يا موسى. ويحك. ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا نالك سوء. ثم حلفوه لا يمالئ صالح بن وصيف عليهم، وبايعوه. وطلبوا صالحاً ليناظروه على أفعاله فاختفى، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح.
وفي رجب قتل المتهدي بالله أمير المؤممنين، أبو إسحاق محمد بن الواثق بالله بن هارون بن المعتصم بالله محمد، بن الرشيد العباسي. وكانت دولته سنة. وعمر نحو ثمان وثلاثين سنة. وكان أسمر رقيقاً مليح الصورة ورعاً تقياً. متعبداً عادلاً فارساً شجاعاً، قوياً في أمر الله، خليقاً للإمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير وقيل: إنه سرد الصوم مدة إمارته. وكان يقتنع. بعض الليالي بخبز وخل وزيت، وكان يتشبه بعمر بن عبد العزيز.
وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد في بالليل قد سد باب الملاهي والغناء. وحسم الأمراء على الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل حساب الدواوين بين يديه. ثم إن الأتراك خرجوا عليه، فلبس السلاح وشهر سيفه. وحمل عليهم فجرح. ثم أسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله ورضوانه، وأقاموا بعده المعتمد على الله.
وفيها توفي الزبير بن بكار الإمام أبو عبد الله الاسدي الزبيدي قاضي مكة، في ذي القعدة. سمع سفيان بن عيينة ومن بعده. وصنف كتاب النسب وغير ذلك.
وفيها ليلة عيد الفطر، الإمام حبر الإسلام، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، مولى الجعفيين صاحب التصانيف. ولد سنة أربع وتسعين ومائة، وارتحل سنة عشر ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم وأبا عاصم النبيل، وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكان من أوعية العلم، يتوقد ذكاء، ولم يخلف بعده مثله رحمة الله عليه.
وفيها يحيى بن حكيم البصري المقوم أبو سعيد الحافظ. سمع سفيان ابن عيينة وغندراً و طبقتهما. قال أبو داود: كان حافظاً متقناً.
سنة سبع وخمسين ومئتين
فيها وثب العلوي قائد الزنج على الأبلة فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفاً، فساق لحربه سعيد الحاجب، فالتقوا فانهزم سعيد. واستحر القتل بأصحابه. ثم دخلت الزنج البصرة، وخربوا الجامع، وقتلوا بها اثنتي عشر ألفا، فهرب باقي أهلها بأسواء حال، فخربت ودثرت. وفيها قتل توفيل طاغية الروم. قتله بسيل الصقلبي.
وفيها توفي المحدث المعمر، أبو علي ابن بن عرفة العبدي البغدادي المؤدب، وله مائة وسبع سنين. سمع إسماعيل بن عياش وطبقته، وكان يقول: كتب عني خمسة قرون. قال النسائي: لا بأس به.
وفيها زهير محمد بن قمير المروزي البغدادي الحافظ. سمع يعلى بن عبيد، ورحل إلى عبد الرزاق. وكان بن أولياء الله. قال البغوي: ما رأيت بعد الإمام أحمد بن حنبل أفضل منه. كان يختم في رمضان تسعين ختمه.
وفيها الحافظ أبو داود سليمان بن معبد السنجي المروزي. روى عن النضر بن شميل وعبد الرزاق، وكان مقدماً في العربية أيضاً.
وفيها الرياشي أبو الفضل العباس بن الفرج، قتلته الزنج بالبصرة وله ثمانون سنة، أخذ عن أبي عبيدة ونحوه، وكان إماماً في اللغة والنحو أخبارياً علامة ثقة. حكى عنه أبو داود في سنته. وفيها زيد بن أخرم، أبو طالب الحافظ، ذبحته الزنج أيضاً، روى عن يحيى القطان وطبقته. وفيها أبو سعيد الأشج، عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي الحافظ. صاحب التصانيف، في ربيع الأول، وقد جاوز التسعين. روى عن هشيم وعبد الله بن إدريس وخلق. قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. وقال محمد بن أحمد الشطوي: ما رأيت أحفظ منه.
سنة ثمان وخمسين ومئتين
فيها توجه منصور بن جعفر، فالتقى بالخبيث قائد الزنج فقتل منصور في المصاف، واستبيح ذلك الجيش، فسار أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم، فانهزمت الزنج وتقهقرت، ثم جهز الموفق فرقة عليهم مفلح، فالتقوا الزنج، فقتل مفلح في المصاف وانهزم الناس، وتحيز الموفق إلى الأبلة. فسير قائد الزنج جيشاً، عليهم يحيى بن محمد، فانتصر المسلمون. وقتل


في الوقعة خلق، وأسروا يحيى، فأحرق بعد ما قتل ببغداد، ثم وقع الوباء في جيش الموفق وكثر بالعراق، ثم كانت وقعة هائلة بين الزنج والمسلمين، فقتل خلق من المسلمين. وتفرق عن الموفق عامة جنده.
وفيها توفي أحمد بن بديل. الإمام أبو جعفر اليامي الكوفة قاضي الكوفة، ثم قاضي همذان، روى عن أبي بكر بن عياش وطبقته. وكان صالحاً لما تقلد القضاء، عادلاً في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته. قال الدرارقطني: فيه لين.
وفيها أبو علي أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي النيسابوري قاضي نيسابور. روى عن أبيه وجماعة.
وفيها أحمد بن سنان القطان، أبو جعفر الواسطي الحافظ. سمع أبا معاوية وطبقته. وصنف المسند، كتب عنه ابن أبي حاتم وقال: هو إمام أهل زمانه.
وفيها أحمد بن الفرات الحافظ، أبو مسعود الرازي، أحد الأعلام. في شعبان بأصبهان، طوف النواحي، وسمع أبا أسامة وطبقته، وكان ينظر بأبي زرعة في الحفظ، و صنف المسند والتفسير وقال: كتبت ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.
وفيها محمد بن سنجر، أبو عبد الله الجرجاني الحافظ. صاحب المسند. في ربيع الأول بصعيد مصر. سمع أبا نعيم وطبقته.
وفيها محمد بن عبد الملك بن زنجويه. أبو بكر الحافظ، في جمادى الآخرة ببغداد. وكان أحد من رحل إلى عبد الرزاق فأكثر وصنف.
وفيها محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس. أبو عبد الله الذهلي النيسابوري. أحد الأئمة الأعلام، سمع عبد الرحمن بن مهدي وطبقته. وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجلسه ويعظمه. قال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه. وقال أبو بكر بن أبي داود: وهو أمير المؤمنين في الحديث.
وفيها يحيى بن معاذ الزاهد العارف. حكيم زمانه وواعظ عصره. توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وقد روى عن إسحاق بن سليمان الرازي وغيره.
سنة تسع وخمسين ومئتين
كان طاغية الزنج قد نزل البطيحة، وشق حوله الأنهار و تحصن، فهجم عليه الموفق، فقتل من أصحابه خلقاً. وحرق أكواخه، واستنقذ من النساف خلقاً كثيرأً. فسار الخبيث إلى الاهواز. ووضع السيف في الأمة، فقتل خمسين ألفاً وسبى مثلهم. فسار لحربه موسى بن بغا، فحاربه بضعة عشر شهراً، وقتل خلق من الفريقين.
وفيها نزلت الروم لعنهم الله على ملطية. فخرج أحمد القابوس في أهلها، فالتقى الروم، فقتل مقدمهم الأقريطشي فانهزموا. ونصر الله المسلمين.
وفيها استفحل أمر يعقوب بن الليث الصفار ودوح المماليك استولى على أقليم خراسان وأسر محمد بن طاهر أمير خراسان.
وفيها توفي أحمد بن إسماعيل. أبو حذافة السهمي المدني صاحب مالك ببغداد، وهو في عشر المائة. ضعفه الدارقطني وغيره، و هو آخر من حدث عن مالك.
وفيها الإمام إبراهيم بن يعقوب. أبو إسحاق الجوزجاني الحافظ صاحب التصانيف. سمع الحسين بن علي الجعفي وشبابة وطبقتهما. و كان من كبار العلماء. نزل دمشق وجرح وعدل. وفيها حجاح بن يوسف ابن الشاعر الثقفي الحافظ، أحد الأثبات، سمع عبد الرزاق وطبقته. وفيها محمد بن يحيى الأسفرييني الحافظ، محدث أسفرايين في ذي الحجة، سمع سعيد بن عامر الضبعي وطبقته، وبه تخرح الحافظ أبو عوانة.
وفيها الحافظ أبو ابن محمود بن سميع الدمشقي، صاحب الطبقات، وأحد الثقات. سمع إسماعيل بن أبي أويس وطبقته. قال أبو حاتم: ما رأيت بدمشق أكيس منه.
سنة ستين ومئتين
صال يعقوب بن الليث وجال، وهزم الشجعان والأبطال، وترك الناس بأسوأ حال، ثم قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، فالثقوا فانهزم العلوي. وتبعه يعقوب في تلك الجبال، فنزلت على يعقوب كسرة سماوية، نزل على أصحابه ثلج عظيم حتى أهلكهم، ورد إلى سجستان بأسوإ حال. وقد عدم بن جيوشه أربعون ألفاً، وذهبت عامة خيله وأثقاله.
وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، الفقيه الحافظ، صاحب الشافعي، ببغداد، روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، وكان من أذكياء العلماء.
وفيها الحسن بن علي الجواد بن محمد بن علي بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أحد الأئمة الاثني عشر، الذين تعتقد الرافضة فيهم العصمة، وهو والد المنتظر محمد، صاحب السرداب.
وفيها حنين بن إسحاق النصراني، شيخ الأطباء بالعراق، ومعرب الكتب اليونانية، ومؤلف الرسائل المشهورة.


وفيها مالك بن طوق التغلبي، أمير عرب الشام.وصاحب الرحبة وبانيها.
سنة إحدى وستين ومئتين
فيها كانت الفتن تغلي وتستعر بخراسان. بيعقوب بن الليث.وبالأهواز بقائد الزنج، وتمت لهما حروب وملاحم.
وفيها توفي أحمد بن سليمان الزهاوي أبو الحسين الحافظ أحد الأئمة، طوف وسمع زيد بن الحباب وأقرانه.
وفيها أحمد بن عبد الله بن صالح، أبو الحسن العجلي الكوفي الحافظ نزيل أطرابلس المغرب، وصاحب التاريخ، والجرح والتعديل، وله ثمانون سنة، نزح إلى المغرب أيام محنة القرآن وسكنها، روى عن حسين الجعفي وشبابة وطبقتهما، قال عباس الدوري: إنا كنا نعده مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وفيها أو في حدودها، أبو بكر الأثرم، أحمد بن محمد بن بن هاني الطائي الحافظ. أحد الأئمة المشاهير، روى عن أبي نعيم وعفان، وصنف التصانيف، وكان من أذكياء الأئمة.
روى عن عبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم، وكان ثبتاً إماماً.
وفيها الحسن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، قاضي قضاة المعتمد، وكان أحد الأجواد الممتدحين.
وفيها شعيب بن أيوب، أبو بكر الصريفني، مقرىء واسط وعالمها، قرأ على يحيى بن آدم، وسمع من القطان، وطائفة، وكان ثقة.
وفيها أبو شعيب السوسي، صالح بن زياد، مقرىء أهل الرقة وعالمهم. قرأ على يحيى اليزيدي، وروى عن عبد الله بن نمير وطائفة. وتصدر للإقراء، وحمل عنه طائفة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها أبو يزيد البسطامي، العارف الزاهد المشهور، واسمه طيفور ابن عيسى، وكان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الشريعة.
وفيها مسلم بن الحجاح، أبو الحسن القشيري النيسابوري الحافظ، أحد أركان الحديث، وصاحب الصحيح وغير ذلك، في رجب، وله ستون سنة. وكان صاحب تجارة وكان محسن نيسابور. وله أملاك وثروة، وقد حج سنة عشرين ومائتين، فلقي القعنبي وطبقته.
سنة اثنتين وستين ومئتين
لما عجز المعتمد على الله، بن يعقوب بن الليث، كتب إليه بولاية خراسان وجرجان فلم يرض حتى يوافي باب الخليفة. وأضمر في نفسه الاستيلاء على العراق، والحكم على المعتمد. وخاف المعتمد، فتحول عن سامراً إلى بغداد، وجمع أطرافه وتهيأ للملتقى، وجاء يعقوب في سبعين ألف فارس فنزل واسط، فتقدم المعتمد، وقصده يعقوب، فقدم المعتمد أخاه الموفق بجمهرة الجيش، فالتقيا في رجب، واشتد القتال، فوقعت الهزيمة على الموفق، ثم ثبت وشرعت الكسرة على أصحاب يعقوب، فولوا الأدبار. واستبيح عساكرهم، وكسب أصحاب الحليفة ما لا يحد ولا يوصف، وخلصوا محمد بن طاهر، وكان مع يعقوب في القيود، ودخل يعقوب إلى فارس وخلع المعتمد على محمد بن طاهر أمير خراسان، ورده إلى عمله. وأعطاه خمسمائة ألف درهم، وعانت جيوش الخبيث عند اشتغال العسكر، فنهبوا البطيحة، وقتلوا وأسروا، فسار عسكر الموفق لجربهم، فهزمهم وقتل منهم مقدم كبير يعرف بالصعلوك.
وفيها توفي عمر بن شبة، أبو زيد النميري البصري، الحافظ العلامة الأخباري، صاحب التصانيف، حدث بن عبد الوهاب الثقفي وغندر وفيها محمد بن عاصم. أبو جعفر الأصبهاني العابد، سمع سفيان بن عيينة وأبا أسامة وطبقتهما. وكان ثقة.
وفيها محمد بن عاصم أبو جعفر الأصبهاني العابد سمع سفيان بن عيينة وأبا أسامة وطبقتهما. قال إبراهيم بن أورمة: ما رأيت مثل محمد بن عاصم ولا رأى مثل نفسه.
وفيها يعقوب بن شيبة السدوسي البصري الحافظ، أحد الأعلام، وصاحب المسند المعلل، الذي ما صنف أحد أكبر منه، ولم يتمه، وكان سرياً محتشماً، عين لقضاء القضاة ولحقه على ما خرج بن المسند، نحوعشرة آلاف مثقال. وكان صدوقاً.
سنة ثلاث وستين ومئتين
وفيها توفي أحمد بن الازهر بن منيع. أبو الأزهر النيسابوري الحافظ، وقيل سنة إحدى وستين، رحل وسمع أبا ضمرة أنس بن عياض وطبقته. ووصل إلى اليمن. قال النسائي: لا بأس له. وفيها الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ببغداد، سمع أبا يحيى الحماني ورحل إلى عبد الرزاق وأقرانه.
وفيها الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وقد نفاه المستعين إلى برقة ثم قدم بعد المستعين. فوزر للمعتمد إلى أن مات.


وفيها محمد بن علي بن ميمون الرقي العصر الحافظ، روى عن محمد بن يوسف الفريابي والقعنبي وأقرانهما.
قال الحاكم: كان إمام أهل الجزيرة في عصره. ثقة مأمون.
وفيها معاوية بن صالح الحافظ. أبو عبيد الله الأشعري الدمشقي. روى عن عبيد الله. وأبي مسهر. وسأل يحيى بن معين يخرج به.
سنة أربع وستين ومائتين
فيها أغارت الزنج على واسط، وهج أهلها حفاة عراة، ونهبت ديارهم وأحرقت، فسار لحربهم الموفق.
وفيها غزا المسلمون الروم. وكانوا أربعة آلاف، عليهم ابن كاوس. فلما نزلوا البدندون، تبعهم البطارقة. وأحدقوا بهم، فلم ينج منهم إلا خمسمائة، واستشهد الباقون، وأسر أميرهم جريحاً. وفيها مات الأمير موسى بن بغا الكبير. وكان من كبار القواد وشجعانهم كأبيه.
وفيها أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أبو عبيد الله المصري المحدث، روى الكثير عن عمه عبد الله، وله أحاديث مناكير، وقد احتج به مسلم.
وفيها أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري الحافظ ويلقب حمدان كان ممن رحل إلى اليمن وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته وكان يقول: كتبت عن عبيد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث.
وفيها المزني الفقيه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحى بن إسماعيل المصري صاحب الشافعي. في ربيع الأول وهو في عشر التسعين.
قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وكان زاهد عابداً. يغسل الموتى حسبة. وصنف الجامع الكبير، والجامع الصغير، وتققه عليه خلق.
وفيها أبو زرعة. عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي الحافظ. أحد الأئمة الأعلام، في آخر يوم من السنة. رحل وسمع بن أبي نعيم والقعنبي طبقتهما.
قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله، فقها وعلما وصيانة وصدقاً. وهذا مما لا يرتاب فيه. ولا أعلم في المشرق والمغرب. من كان يفهم هذا الشأن مثله.
وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة فليس له أصل.
وفيها يونس بن عبد الأعلى، الإمام أبو موسى الصدفي المصري الفقيه المقرىء المحدث، وله ثلاث وتسعون سنة، روى عن ابن عيينة وابن وهب، وتفقه على الشافعي. وكان الشافعي يصف عقله، وقرأ القرآن على ورش وتصدر للإقراء والفقه، وانتهت إليه مشيخة بلده. وكان ورعاً صالحاً عابداً كبير الشأن.
سنة خمس وستين ومائتين
فيها توفي أحمد بن الخصيب الوزير أبو العباس، وزر للمنتصر والمستعين. ثم نفاه المستعين إلى المغرب، وكان أبوه أمير مصر في دولة الرشيد.
وفيها أحمد بن منصور، أبو بكر الرمادي الحافظ، ببغداد. وكان أحد من رحل إلى عبد الرزاق. وثقه أبو حاتم وغيره.
وفيها إبراهيم بن هانئ النيسابوري الثقة العابد، رحل وسمع من يعلى بن عبيد وطبقته. قال الإمام أحمد بن حنبل: إن كان أحد من الأبدال، فإبراهيم بن هاني.
وفيها صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام أبو الفضل، قاضي أصبهان. في رمضان، وله اثنتان وستون سنة. سمع من عفان وطبقته، وتفقه على أبيه. قال ابن أبي حاتم: صدوق.
وفيها علي بن حرب، أبو الحسن الطائي الموصلي المحدث الأخباري، صاحب المسند. سمع ابن عيينة، وعش تسعين سنة.
وتوفي قبله أخوه أحمد بن حرب، بسنتين.
وفيها أبو حفص النيسابوري الزاهد، شيخ خراسان، واسمه عمرو ابن مسلم، وكان كبير القدر، صاحب أحوال وكرامات، وكان عجباً في الجود والسماحة، وقد نفذ مرة بضعة عشر ألف دينار، يفتك بها أسارى، ومات وليس له عشاء، وكان يقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء ولا لمحة بقلبه.
وفيها محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني أبو القاسم.الذي تلقبه الرفضة: الخلف الحجة. وتلقبه بالمهدي وبالمنتظر. وتلقبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثنتي عشر، وطلال الرافضة ما عليه مزيد. فإنهم يزعمون أنه دخل السرداب الذي بسامر فاختفى. وإلى الآن، وكان عمره لما عدم تسع سنين أو دونها.
وفيها العلامة محمد بن سحنون المغربي المالكي مفتي القيروان، تفقه على أبيه، وكان إماماً ماطراً كثير التصانيف، متعظماً بالقيروان، خرج له عدة أصحاب، وما خلف بعده مثله.


وفيها يعقوب بن الليث الصفار، الذي غلب على بلاد المشرق، وهزم الجيوش، وقام بعده أخوه عمرو بن الليث، وكانا شابين صفارين. فيهما شجاعة عظيمة مفرطة، فصحبا صالح بن النضر، الذي كان يقاتل الخوارح بسجستان، فآل أمرهما إلى الملك، فسبحان من له الملك، ومات يعقوب بالقولنج في شوال بحند نيسابور وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين. وقيل: إن الطبيب قال له: لا دواء لك إلا الحقنة، فامتنع منها.
وخلف أموالاً عظيمة، منها من الذهب ألف ألف دينار. ومن الدراهم خمسين أالف ألف درهم، وقام بعده أخوه بالعدل، والدخول في طاعة الخليفة، وامتدت أيامه.
سنة ست وستين ومائتين
فيها أخذت الزنج رامهرمز فاستباحوها قتلاً وسبياً.
وفيها خرج أحمد بن عبد الله الخجستاني وحارب عمراً بن الليث الصغار. فظهر عليه. ودخل بنيسابور، فظلم وعسف.
وفيها خرجت جيوش الروم، ووصلت إلى الجزيرة فعاثوا وأفسدوا.
وفيها مات إبراهيم بن أورمة. أبو إسحاق الأصبهاني الحافظ، أحد الأذكياء المحدثين. في ذي الحجة. ببغداد. روى عن عباس العنبري وطبقته. ومات قبل أوان الرواية.
وفيها محمد بن شجاع بن الثلجي فقيه العراق شيخ الحنفية. سمع من إسماعيل بن علية. وتفقه بالحسن بن زياد اللؤلؤي، وصنف واشتغل، وهو مترول الحديث، توفي ساجداً في صلاة الصبح، وله نحو من تسعين سنة.
وفيها محمد بن عبد الملك بن مروان. أبو جعفر الواسطي، في شوال، روى عن يزيد بن هارون وطبقته. وكان ثقة صاحب حديث.
سنة سبع وستين ومئتين
فيها دخلت الزنج واسط. فاستباحوها ورموا النار فيها، فسار لحربهم أبو العباس. وهو المتضد، فكسرهم ثم التقاهم ثانياً بعد أيام فهزمهم، ثم واقعهم ونازلهم، وتصابروا على القتال شهرين، فذلوا ووقع في قلوبهم الرعب من أبي العباس بن الموفق، ونحو إلى الحصون، وحاربهم في المراكب، فغرق منهم خلق، ثم جاء أبو الموفق في جيش لم ير مثله، فهزموا الزنج، هذا وقايدهم العلوي غائب عنهم، فلما جائته الأخبار بهرب جنوده مرات. ذل واختلف إلى الكثيف مرارا. وتقطعت كبده، ثم زحف عليهم أبو العباس. وجرت لهم حروب يطول شرحها. إلى أن برز الخبيث قائد الزنج بنفسه، في ثلاثة آلاف فارس، ونادى الموفق بالأمان، وأتاه خلق، قفت ذلك في عضد الخبيث. ولم تجر وقعة. لأن النهر فصل بين الجيشين.
وفيها توفي إسماعيل بن عبد الله، أبو بشر العبدي الأصبهاني سمويه، سمع بكر بن بكار، وأبا مسهر وخلقاً من هذه الطبقة. قال أبو الشيخ وكان حافظاً متقناً يذاكر بالحديث.
وفيها المحدث إسحاق بن إبراهيم الفارسي شاذان في جمادى الآخرة بشيراز روى عن قاضي شيراز سعيد بن الصلت وطائفة وثقه ابن حبان.
وفيها بحر بن نصر بن سايق الخولاني المصري، سمع ابن وهب وطائفة، وكان أحد الثقات الأثبات. روى النسائي في جمعه لمسند مالك، عن رجل،عنه.
وفيها حماد بن إسحاق بن إسماعيل، الفقيه أبو إسماعيل القاضي، وأخو إسماعيل القاضي، تفقه على أحمد بن المعدل، وحدث بن القعنبي. وصنف التصانيف. وكان بصيراً بذهب مالك.
وفيها عباس الترقفي ببغداد، أحد الثقات العباد، سمع محمد بن يوسف الفريابي وطبقته.
وفيها عبد العزيز بن منيب أبو الدرداء المروزي الحافظ. رحل وطوف. وحدث عن مكي بن إبراهيم وطبقته.
وفيها محمد بن عزيز الأيلي بأيلة. روى عن سلامة بن روح وغيره.
وفيها يحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي الحافظ، شيخ النيسابور بعد أبيه، ويقال له حيكان. رحل وسمع بن سليمان بن حرب وطبقته. وكان أمير المتطوعة المجاهدين، ولما غلب أحمد بن عبد الله الخجستاني على نيسابور، وكان ظلوماً غشوماً، فخرج منها هارباً. فخافت النيسابوريون كرته، فاجتمعوا على باب حيكان، وعرضوا في عشرة آلاف مقاتل ورد إليهم أحمد، فانهزموا واختفى حيكان. وصحب قافلة، ولبس عباءة فعرف وأتي به إلى أحمد، فقتله. وفيها يونس بن حبيب أبو بشر العجلي مولاهم الأصبهاني. روى مسند الطيالسي عنه، وكان ثقة ذا صلاح وجلالة.
سنة ثمان وستين ومئتين
فيها غزا الثغور الشامية خلف التركي الطولي، فقتل من الروم بضعة عشر ألفاً، وغنموا غنيمة هائلة، حتى بلغ السهم أربعين ديناراً.
وفيها كان المسلمون يحاصرون الخبيث، في مدينه المسماة بالمختارة.


وفيها توفي محدث مرو أبو الحسن أحمد بن سيار المروزي حافظ. مصنف تاريخ مرو. في ربيع الآخر. سمع عن عفان وطبقته وكان يشبه في عصره بابن المبارك. علماً وزهداً، وكان صاحب وجه في مذهب الشافعي. أوجب الأذان للجمعة فقط.
وفيها أبو عبد المؤمن أحمد بن شيبان الرملي، في صفر. روى عن بن عيينة وجماعة، وثقه الحاكم.
وفيها أحمد بن يوسف الضبي الكوفي. بأصبهان. روى عن حجاج الأعور وطبقته. وكان ثقة محتشماً.
وفيها في شوال، أحمد بن عبد الله الخجستاني، كان من إمراء يعقوب الصفار، جباراً عنيداً، خرج على يعقوب، وأخذ نيسابور، وله حروب ومواقف مشهودة، ذبحه غلمانه وقد سكر. وفيها عيسى بن أحمد العسقلاني الحافظ، وهو بغدادي، نزل عسقلان محلة ببلخ. روى عن ابن وهب وبقية وطبقتهما.
وفيها محمد بن عبد الله بن المصري، مفتي الديار المصرية، تفقه بالشافعي وأشهب، وروى عن ابن وهب وعدة. قال بن خزيمة: ما رأيت أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه.
قلت: توفي في نصف ذي القعدة. وله مصنفات كثيرة.
سنة تسع وستين ومئتين
فيها ظفر المسلمون بمدينة الخبيث، وحصروه في قصره. فأصاب الموفق سهم فتألم منه. ورجع بالجيش حتى عوفي فحصن الخبيث مدينته وبنى ما تهدم.
وفيها تخيل المعتمد على الله من أخيه الموفق، و لا ريب في أنه كان مقهوراً مع الموفق. فكاتب أحمد بن طولون واتفقا، وسافر المعتمد في خواصه من سامر يريد اللحاق بإبن طولون. في صورة متنزه متصيد. فجاء كتاب الموفق إلى إسحاق بن ككلح يقول: متى تفق ابن طولون المعتمد لم تعق منكم باقية، وكان إسحاق على نصيبين في أربعة آلاف، فبادر إلى الموصل، فإذا بحرقات المعتمد وأمراؤه فوكل بهم، وتلقى المعتمد بين الموصل والحديثة، فقال: يا إسحاق، لم منعت الحشم من الدخول إلى الموصل؟ فقال: أخوك يا أمير المؤمنين في وجه العدو، و أنت تخرج عن مستقرك. فمتى علم رجع عن قتال الخبيث، عدوك على دار آبائك. ثم كلم المعتمد بكلام قوي ووكل به وساقه وأصحابه إلى سامرا، فتلقاه صاعد كاتب الموفق. وتسلمه من إسحاق، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من الدخول دار الخلافة. ووكل بالدار خمسمائة. يمنعون من يدخل إليه، وبقي صاعد يقف في خدمته. ولكن ليس له حل ولا ربط. وأما ابن طولون فجمع الأمراء والقضاة وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلا القاضي بكار، قيده وحبسه وأمر بلعنة الموفق على المنابر.
وفيها توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري. صاحب ابن وهب. وكان ثقة.
وفيها الأمير عيسى بن الشيخ بن الذهلي، وكان قد ولي دمشق. فأظهر الخلاف في سنة خمس وخمسين. وأخذ الخزائن وغلب على دمشق. فجاء عسكر المعتمد، فالتقاهم ابنه ووزيره فهزمهم، وقتل ابنه وصلب وزيره. وهرب عيسى، ثم استولى على أمد وديار بكر مدة.
سنة سبعين ومئتين
فيها التقى المسلمون والخبيث فاستظهروا، ثم وقعة أخرى قتل فيها. وعجل الله بروحه إلى النار، واسمه علي بن محمد العبقسي، المدعي أنه علوي، ولقد طال قتال المسلمين معه، واجتمع مع الموفق نحو ثلاثمئة ألف مقاتل، أجناد ومطوعة، وفي آخر الأمر التجأ الخبيث إلى جبل، ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينهم، فحاربهم المسلمون. فانهزم الخبيث، وتبعهم أصحاب الموفق يأسرون ويقتلون، ثم استقبل هو وفرسانه، وجملوا على الناس فأزالوهم، فحمل عليه الموفق والتحم القتال، وإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده، فلم يصدقه، فعرفه جماعة من الناس، فحينئذ ترجل الموفق وابنه المعتضد والأمراء، فخروا لله سجداً وكبروا، وسار الموفق، فدخل بالرأس بغداد، وعملت القباب، وكان يوما مشهوداً، وأمن الناس وشرعوا يتراجعون إلى الأمصار التي أخذها الخبيث، وكانت أيامه خمس عشرة سنة.


قال الصولي: قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف. قال: وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان يصعد على المنبر، فيسب عثمان وعلياً وعائشة ومعاوية. وهو اعتقادً الأزارقة، وكان ينادي في عسكره على العلوية بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد من الزنج العشرة من العلويات يفترشهن، وكان الخبيث خارجياً يقول: لاحكم إلا لله. وقيل: كان زنديقاً يتستر بمذهب الخوارج وهو أشبه، فان الموفق كتب إليه وهو يحاربه في سنة سبع وستين، يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله، مما فعل من سفك الدماء، وسبي الحريم، وانتحال النبوة والوحي، فما زاده الكتاب إلا تجبراً وطغياناً. ويقال: إنه قتل الرسول، فازل الموفق مدينته المختارة، فتأملها فاذا مدينة حصينة محكمة الأسوار، عميقة الخادق، فرأى شيعا مهولا، ورأى من كترة المقاتلة ما أذهله، تم رموه رمية واحدة بالمجانيق والمقاليع والنشاب، وصاحوا صيحة واحدة، ارتجت منها الأرض، فعمد الموفق إلى مكاتبة قواد الخبيث واستمالهم، فاستجاب اسه عدد منهم فأحسن إليهم وقتل، وكان الخبيث منجما يكتب الخروز، وأول شيئ كان بواسط، فحبسه محمد بن أبي عون ثم أطلقه، فلم يلبث أن خرج بالبصرة، واستغوى السودان الزبالين والعبيد، فصار أمره إلى ما صار.
وفيها في ذي القعدة، توفي أمير الديار المصرية والشامية أبو العباس أحمد بن طولون، وهو في عشر الستين، وخلف عشرة ألف ألف دينار، وكان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريماً شجاعاً مهيباً حازماً لبيباً.
قال القضاعي: كان طائش السيف. فأحصي من قتله صراً، أو مات في سجنه. فكانوا ثمانية عشر ألفاً، وكان يحفظ القرآن، وأوتي حسن الصوت به. وكان كثير التلاوة. وكان أبوه أحمد من مماليك المأمون. مات سنة أربعين ومئتين. وملك أحمد الديار المصرية. ست عشر سنة وفيها أسيد بن عاصم الثقفي الأصبهاني، أخو محمد بن عاصم، رحل وصنف المسند، وسمع من سعيد بن عامر الضبعي وطبقته.
وفيها بكار بن قتيبة الثقفي البكراوي أبو بكرة الفقيه البصري، قاضي الديار المصرية، في ذي الحجة، سمع أبا داود الطيالسي وأقرانه. وله أخبار في العدل والعفة والنزاهة والورع. ولاه المتوكل القضاء، في سنة ست وأربعين.
وفيها الحسن بن علي بن عفان، أبو محمد العامري الكوفي، في صفر، روى عن عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وعدة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وفيها داود بن علي، الإمام أبو سليمان الأصبهاني ثم البغدادي الفقيه الظاهري صاحب التصانيف، في رمضان، وله سبعون سنة، سمع القعنبي، وسليمان بن حرب، وطبقتهما. وتفقه على أبي ثور، وابن راهويه، وكان زاهداً ناسكاً.
قال ابن خلكان: إليه انتهت رئاسة العلم ببغداد، قيل: إنه كان يحضر مجلسه كل يوم أربعمائة صاحب طيلسان أخضر.
وفيها الربيع بن سليمان المرادي مولاهم، المصري الفقيه صاحب الشافعي، وهو في عشر المائة، سمع بن وهب وطائفة، وكان إماماً ثقة، صاحب حلقة بمصر.
وفيها زكريا بن يحيى بن أسد، أبو يحيى المروزي، ببغداد، روى عن سفيان بن عيينة، وأبي معاوية. قال الدراقطني: لا بأس به.
وفيها العباس بن الوليد بن مزيد العذري البيروتي، المحدث العابد، في ربيع الآخر، وله مائة سنة تامة. روى عن أبيه، ومحمد بن شعيب، وجماعة. قال أبو داود: كان صاحب ليل.
وفيها أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر العنبري ببغداد، في ذي الحجة، سمع حسين بن علي الجعفي، وأبا أسامة وثقة الدارقطني وغيره.
وفيها محمد بن إسحاق، أبو بكر الصغاني ثم البغدادي، الحافظ الحجة، في صفر، سمع يزيد بن هارون وطبقته.
وفيها محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة، أبو د الله الحافظ المجود، سمع أبا عاصم النبيل وطبقته. قال النسائي: ثقة صاحب حديث، وكان مع إمامته وعلمه، فيه نأو وتعظيم لنفسه.
وفيها محمد بن هشام بن ملاس، أبو جعفر النميري الدمشقي، عن سبع وتسعين سنة، روى عن مروان بن معاوية الفزاري وغيره، وكان صدوقاً.
سنة إحدى وسبعين ومئتين


فيها وقعت الطواحين، وكان ابن طولون خلع الموفق من ولاية العهد، ومات وقام بعده ابنه خمارويه، على ذلك، فجهز الموفق ولده أبا العباس المعتضد، في جيش كبير، وولاه مصر والشام، فسار حتى نزل بفلسطين، وأقبل خمارويه فالتقا الجمعان بفلسطين، وحمي الوطيس حتى حرت الأرض من الدماء، ثم انهزم خمارويه إلى مصر، ونهبت خزائنه، وكان سعد الأعسر كميناً لخمارويه، فخرج على أبي العباس وهم فارو، فأوقعوا بهم، فانهزم هو وجيشه أيضاً، حتى ول طرسوس في نفير يسير، وذهبت خزائنه أيضاً، حواها سعد وأصحابه.
وفيها توفي عباس بن محمد بن حاتم الدوري الحافظ أبو الفضل، مولى بني هاشم، ببغداد في صفر، سمع الحسين بن علي الجعفي، وأبا النضر وطبقتهما، وكان من أئمة الحديث.
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي البصري أبو سعيد، صاحب يحيى القطان. يوم الأضحى بسامرا. وفيه لين.
وفيها محمد بن حماد الطهراني الرازي الحافظ، أحد من رجل إلى عبد الرزاق. وحدث بمصر والشام والعراق، وكان ثقة.
وفيها أبو الحسن محمد بن سنان بن القزاز. بصري نزل بغداد. روى عن عمر بن يونس اليماني وجماعة. قال الدارقطني: لا بأس به. وقال أبو داود: يكذب.
وفيها يوسف بن سعيد بن مسلم الحافظ أبو يعقوب، محدث المصيصة، روى عن حجاح الأعور، وعبيد الله بن موسى وطبقتهما، قال النسائي: ثقة حافظ.
وفيها يحيى بن عبدك القزويني، محدث قزوبن، طوف وسمع أبا عبد الرحمن المقرىء. وعفان.
سنة اثنتين وسبعين ومئتين
فيها أحمد بن عبد الجبار العطاردي الكوفي، في شعبان ببغداد، في عشر المائة، سمع أبا بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وطبقتهما. وثقه ابنا حبان.
وفيها أحمد بن الفرح، أبو عتبة الحمصي المعروف بالحجازي، روى عن بقية وجماعة، قال ابن عدي: هو وسط ليس بحجة.
وفيها أحمد بن مهدي بن رستم الأصبهاني الزاهد الرازي صاحب المسند. رحل وسمع أبا نعيم وطبقته.
وفيها أبو معين الرازي، الحسين بن الحسين الحافظ، رحل وسمع سعيد بن أبي مريم، وأبا سلمة التبوذكي وطبقتهما.
وفيها سليمان بن سيف الحافظ أبو داود محدث حران وشيخها. في شعبان، سمع يزيد بن هارون وطبقته.
وفيها محمد بن عبد الوهاب العبدي، أبو أحمد الفراء النيسابوري الفقيه الأديب، أحد أوعية العلم، سمع حفص بن عبد الله، وجعفر بن عون والكبار.
وفيها محمد بن عبيد الله بن يزيد أبو جعفر بن المنادى المحدث، في رمضان ببغداد، وله مائة سنة وستة عشر شهراً، سمع حفص بن غياث، وإسحاق الأزرق وطبقتهما.
وفيها محمد بن عوف بن سليمان بن سفيان، أبو جعفر الطائي الحافظ، محدث حمص، سمع محمد بن يوسف الفريائي وطبقته. وكان من أئمة الحديث.
سنة ثلاث وسبعين ومئتين
فيها توفي إسحاق بن سيار النصيبني محدث نصيين. في ذي الحجة سمع الخريبي وأبا عاصم وطبقتهما.
وفيها حنبل بن إسحاق، الحافظ أبو علي، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه. في جمادى الأولى. سمع أبا نعيم والحميدي. وجمع وصنف.
وفيها أبو أمية الطرطوسي، محمد بن إبراهيم بن مسلم الحافظ، سمع عبد الوهاب بن عطاء وشبابة وطبقتهما. وكان من ثقات المصنفين.
وفيها محمد بن يزيد بن ماجه، الحافظ الكبير أبو عبد الله القزويني، صاحب السنن والتفسير والتاريخ. سمع أبا بكر بن أبي شعيبة. ويزيد بن عبد الله اليمامي. وهذه الطبقة.
وفيها أحمد بن الوليد الفحام، أبو بكر البغدادي، روى عن عبد الوهاب بن عطاء وطائفة، وكان ثقة.
وفيها في صفر، صاحب الأندلس محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام الأمو ي، أبو عبد الله، وكانت دولته خمساًوثلاثين سنة، وكان فقيهاً عالماً فصيحاً مفوهاً رافعاً علم الجهاد.
قال بقي بن مخلد. ما رأيت ولا سمعت أحداً من الملوك أفصح منه ولا أعقل.
وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: هو صاحب وقعة وادي سليط، التي لم سيمع بمثلها. يقال: إنه قتل فيها ثلاثمائة ألف كافر. رحمة الله عليه.
سنة أربع وسبعين ومائتين
فيها توفي أحمد بن محمد بن أبي الخناجر. أبو علي الأطرابلسي. في جمادى الآخرة روى عن مؤمل بن إسماعيل وطبقته، وكان من نبلاء العلماء.


وفيها الحسن بن مكرم بن حسان أبو علي، ببغداد، روى عن علي ابن عاصم وطبقته. ووثق. وفيها خلف بن محمد الواسطي، كردوس الحافظ، سمع يزيد بن هارون، وعلي بن عاصم. وفيها عبد الملك بن عبد الحميد، الفقيه أبو الحسن الميموني الرقي. صاحب الإمام أحمد، في ربيع الأول، روى عن إسحاق الأزرق ومحمد بن عبيد، وطائفة.
وفيها محمد بن عيسى بن حبان المدائني. روى عن سفيان بن عيينة وجماعة. لينه الدراقطني. وقال البرقاني: لا بأس به.
سنة خمس وسبعين ومئتين
فيها توفي أبو بكر المروذي، الفقيه أحمد بن محمد بن الحجاج، في جمادى الأولى ببغداد، وكان أجل أصحاب أحمد بن حنبل، إماماً في الفقه والحديث. كثير التصانيف، خرج مرة إلى الرباط، فشيعه نحو خمسين ألفاً من بغداد إلى سامرا.
وفيها أحمد بن ملاعب، الحافظ أبو الفضل المخرمي. وله أربع وثمانون سنة، سمع عبد الله بن بكر، وأبا نعم، وطقبتهما.
وفيها الإمام أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث بن إسحاق ابن بشير الأزردي، صاحب السنن التصانيف المشهورة، في شوال بالبصرة، وله بضع وسبعون سنة، سمع مسلم بن إبراهيم، والقعنبي وطبقتهما. وطوف الشام والعراق ومصر والحجاز والجزيرة وخراسان، وكان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه. ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع، حتى إنه كان يشبه بشيخه الإمام أحمد بن حنبل.
وفيها يحيى بن أبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزبرقان أبو بكر البغدادي المحدث، في شوال، روى عن علي بن عاصم، ويزيد بن هارون، وجماعة، وصحح الدارقطيني حديثه.
سنة ست وسبعين ومائتين
فيها جرت حروب صعبة بين صاحب مصر خمارويه، وبين محمد بن أبي الساج، ثم ضعف محمد وهرب إلى بغداد.
وفيها توفي الحافظ أبو عمرو، أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغفاري، محدث الكوفة، في ذي الحجة، صنف المسند والتصانيف، وروى عن جعفر بن عون وطبقته. قال ابن حبان: كان متقناً.
وفيها الإمام بقي بن مخلد، أبو عبد الرحمن الأندلسي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، في جمادى الآخرة، وله خمس وسبعون سنة، سمع يحيى ابن يحيى الليثي ويحيى بن بكير وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وصنف التفسير الكبير، والمسند الكبير.
قال ابن خزم: أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، وكان بقي، علامة فقيها مجتهداً صواما قواماً تبتلاً عديم المثيل.
وفيها الإمام الورع أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. صاحب التصانيف في فنون العلم والآداب، في رجب ببغداد فجأة، وله ثلاث وستون سنة، روى عن إسحاق بن راهويه وغيره.
وفيها أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري الحافظ، أحد العباد والأئمة، في شوال ببغداد. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، ووثقه أبو داود.
قال أحمد بن كامل: قبل عنه إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة، ويقالء بن روى من حفطه ستين ألف حديث.
وفيها محدث الأندلس، قاسم بن محمد بن قاسم الأمو ي مولاهم القرطبي الفقيه، له رحلتان إلى مصر، وتفقه على الحارث بن مسكين، وابن عبد الحكيم، وكان مجتهداً لا يقلد.
قال بقي بن مخلد: هو أعلم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأما ابن عبد الحكم فقال: لم يقدم علينا من الأندلس أعلم من القاسم.
وقال محمد بن عمر بن لبابة ما رأيت أفقه منه.
قلت: وروى عن إبراهم بن المنذر الحزامي.
وفيها محدث مكة، محمد بن إسماعيل الصائغ، أبو جعفر. وقد قارب التسعين، سمع أبا أسامة وشبابة وطبقتهما.
وفيها محدث دمشق، أبو القاسم يزيد بن محمد بن عبد الصمد، سمع أبا مسهر، والحميدي و طبقتهما. وكان ثقة بصيراً بالحديث.
سنة سبع وسبعين ومئتين
فيها توفي حافظ المشرق، أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، في شعبان، وفي عشر التسعين، وكان بارع الحفظ واسع الرحلة، من أوعية العلم، سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا مسهر وخلقا لا يحصون وكان جاريا في مضمار البخاري وأبي زرعة الرازي.
وفيها المحدث أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي الحنين الحنيني الكوفي صاحب المسند. روى عن عبيد الله بن موسى وأبي نعيم وطبقتهما، وكان ثقة.
وفيها الإمام أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ، أحد أركان الحديث. وصاحب المشيخة والتاريخ، في وسط السنة، وله بضع وثمانون سنة. سمع أبا عاصم، وعبيد الله بن موسى وطبقتهما، فأكثر.


سنة ثمان وسبعين ومئتين
فيها مبدأ ظهور القرامطة بسواد الكوفة. و هم خوارج زنادقة مارقة من الدين.
وفيها توفي الموفق، أبو أحمد طلحة ويقال ابن محمد بن المتوكل، ولي عهد أخيه المعتمد، في صفر وله تسع وأربعون سنة، وكان ملكاً مطاعاً وبطلاً شجاعاً، ذا بأس وأيد ورأي وحزم. حارب الزنج حتى أبادهم، وقتل طاغيتهم، وكان جميع أمر الجيوش إليه، وكان محبباً إلى الخلق، وكان المعتمد مقهوراً معه، اعتزاه بقرس فبرح به، وأصاب رجله داء الفيل، وكان يقول: قد أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، وما أصبح فيهم أسوأ حالاً مني. واشتد ألم رجله وانتفاخها، إلى أن مات منها، وكان قد ضيق على ابنه أبي العباس وخاف منه، فلما احتضر رضي عليه. فلما توفي ولاه المعتمد ولاية العهد ولقبه المعتضد، وكان بعض الأعيان يشبه الموفق بالمنصور. في حزمه ودهائه ورأيه.
قلت: وجميع الخلفاء إلى اليوم فمن ذريته.
وفيها عبد الكريم بن الهيثم، أبو يحيى الدير عاقولي، رحل وحصل وجمع، وروى عن نعيم وأبي اليمان وطبقتهما، وكان أحد الثقات.
وفيها موسى بن سهل بن كثير الوشاء ببغداد في ذي القعدة، وهو آخر من حدث عن ابن علية وإسحاق الأزرق، ضعفه الدارقطني.
سنة تسع وسبعين ومائتين
تمكن المعتضد أبو العباس من الأمور، وأطاعته الأمراء حتى ألزم عمه المعتمد، أن يقدمه في العهد على ابنه المفوض. ففعل مكرها.
وفيها منع المعتضد من بيع كتب الفلاسفة والجدل. وتهدد على ذلك، ومنع المنجمين والقصاص من الجلوس. فكان ذلك من حسناته.
وفيها توفي في رجب المعتمد على الله وله خمسون سنة.
وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة ويومين، وكان اسمر ربعة نحيفاً مدور الوجه، صغير اللحية، مليح العينين، ثم سمن وأسرع إليه الشيب، ومات فجأة. وأمه أم ولد اسمها فتيان. وله شعر متوسط. وكان قد أكل رؤوس جدي فمات من الغد بين المغنين والندماء. فقيل سم في الرؤوس. وقيل نام فغم في بساط. وقسل سم في كأس الشراب، فدخل عليه القاضي والشهود. فلم يرو به أثراً، وكان منهمكاً في اللذات، فاستولى أخوه على المملكة، وحجر عليه في بعض الأشياء، فاستصعب المعتضد الحال بعد أبيه.
وعن أحمد بن يزيد قال: كنا عند المعتمد، وكان كثير العربدة إذا سكر فذكر حكاية.
وفيها توفي أحمد، بن أبي خيثمة زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ أبو بكر النسائي ثم البغدادي. مصنف التاريخ الكبير، وله أربع وتسعون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما.
قال الدراقطني: ثقة مأمون.
وفيها إبراهيم بن عبد الله بن عمر العبسي الكوفي القصار. أبو إسحاق، آخر أصحاب وكيع وفاة.
وفيها جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ ببغداد. وله تسعون سنة. روى عن أبي نعيم وطبقته، وكان زاهداً عابداً ثقة. ينفع الناس ويعلمهم الحديث.
وفيها أبو يحيى عبد الله بن أحمد زكريا بن أبي مبسرة. محدث مكة. في جمادى الأولى. روى عن عبد الرحمن المقري وطبقته.
وفيها الامام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي الحافظ. مصنف الجامع. في رجب بترمذ. سمع قتيبة وأبا مصعب وطبقتهما. وكان من أئمة هذا الشأن، وكان ضريراً. فقبل إنه ولد أكمه.
وفيها أبو الأحوص، محمد بن الهيثم الحافظ. قاضي عكبرا. في جمادى الآخرة، وكان أحد من عني بهذا الشأن، فروى عن عبد الله بن رجاء. وسعد بن عفير. و طبقتهما.
سنة ثمانين ومئتين
فيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، الفقيه الحافظ صاحب المسند، روى عن أبي نعيم، ومسلم بن بن إبراهيم، وخلق، وكان بصيراً بالفقه عارفاً بالحديث وعلله زاهداً عابداً كبير القدر من أعيان الحنفية.
وفيها الإمام قاضي الديار المصرية، أحمد بن أبي عمران، أبو جعفر الفقيه الحنفي، تفقه على محمد بن سماعة. وحدث بن عاصم بن علي وطائفة. وروى الكثير من حفظه لأنه عمي بمصر وهو شيخ الطحاوي بمصر في الفقه.
وفيها الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدرامي السجزي الحافظ. صاحب المسند والتصانيف. روى عن سليمان بن حرب وطبقته. وكان جذعا في أعين المبتدعة. قيماً بالسنة.
قال يعقوب بن إسحاق الهروي، ما رأينا أجمع منه، أخذ الفقه عن البويطي. والعربية عن ابن الأعرابي. والحديث عن ابن المديني. توفي في ذي الحجة. وقد ناهز الثمانين.


وفيها الحافظ أبو إسماعيل، محمد بن إسماعيل السلمي الترمذي، أحد أعلام السنة، سمع محمد بن عبد الله الأنصاري، وسعيد بن أبي مريم، وطبقتهما. وجمع وصنف.
وفيها أبو عمر هلال بن العلاء بن هلال الرقي محدث الرقة وشيخها في ذي الحجة، وقد قارب التسعين، روى عن حجاح الأعور، وخلق كثير، وله شعر رائق.
سنة إحدى وثمانين ومئتين
فيها توفي إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمذاني بن ديزيل، ويعرف بدابة عفان للزومه له ويلوسيفينه، وكان ثقة جوالاً صالحاً. يصوم صوم داود، سمع أيضا أبا مسهر، وأبا اليمان وطبقتهما، وكان من أكثر الحفاظ حديثاً.
وفيها الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي مولاهم البغدادي، صاحب التصانيف، في جمادى الأولى، وقد نيف على الثمانين. وكان صدوقاً أديباً أخبارياً كثير العلم. روى عن خالد بن خداش، وسعيد بن سليمان سعدويه وطبقتهما.
وفيها الإمام أبو زرعة عبد الرحمن عمرو البصري الدمشقي الحافظ في جمادى الآخرة، سمع أبا مسهر وأبا نعيم وطبقتهما، وصنف التصانيف. وكان محدث الشام في زمنه.
وفيها الحافظ أبو عمرو، عثمان بن عبد الله بن خرزاذ الانطاكي، أحد أركان الحديث، سمع عفان، وسعيد بن عفير، والكبار. و قال محمد بن خميرويه: هو أحفظ من رأيت، توفي في آخر السنة.
وفيها العلامة أبو عبد الله. محمد بن إبراهيم بن المواز الاسكندراني المالكي. صاحب التصانيف. أخذ عن أصبغ بن الفرج، وعبد الله بن عبد الحكم، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وإليه كان المنتهى في تفريع المسائل.
سنة اثنتين وثمانين ومئتين
فيها وقع الصلح بين المعتضد وخمارويه، وتزوج المعتضد بابنة. خمارويه، على مهر مبلغه ألف ألف درهم، فأرسلت إلى بغداد، وبنى بها المعتضد، وقوم جهازها بألف ألف دينار، وأعطت ابن الجصاص، الذي مشى في الدلالة، مائة ألف درهم.
وفيها توفي إبراهيم بن إسماعيل. الحافظ أبو إسحاق الطوسي العنبري. سمع يحيى بن يحيى التميمي. فمن بعده، وكان محدث الوقت وزاهده. بعد محمد بن أسلم بطوس، صنف المسند الكبير في مئتي جزء.
وفيها العلامة أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد ابن زيد الأزدي مولاهم. البصري الفقيه المالكي القاضي ببغداد. في ذي الحجة فجأة، وله ثلاث وثمانون سنة وأشهر، سمع الأنصاري، ومسلم بن إبراهيم وطبقتهما، وصنف التصانيف في القراءات والحديث وبالفقه وأحكام القرآن والأصول. وتفقه على أحمد بن المعدل. وأخذ علم الحديث عن ابن المديني، وكان إماماً في العربية، حتى قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني.
وفيها الحافظ أبو الفضل. جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي البغدادي، في رمضان. سمع عفان وطبقته. وكان ثقة متحرياً إلى الغاية في التحديث.
وفيها الحافظ أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي، صاحب المسند، يوم عرفة، وله ست وتسعون سنة. سمع علي بن عاصم، وعبد الوهاب بن عطاء وطبقتهما. قال الدراقطني: صدوق.
وفيها الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي المفسر نزيل نيسابور، وكان آية في معاني القرآن، صاحب فنون وتعبد، قيل إنه كان يصلي في اليوم والليلة ستمائة ركعة، وعاش مائة وأربع سنين، روى عن يزيد بن هارون والكبار.
وفيها خمارويه بن أحمد بن طولون، الملك أبو الجيش، متولي مصر والشام، وحمو المعتضد بالله، فتك به غلمان له راودهم في ذي القعدة بدمشق، وعاش اثنتين وثلاثين سنة، وكان شهما صارماً كأبيه.
وفيها الحافظ أبو محمد، الفضل بن المسيب البيهقي الشعراني، طوف الأقاليم، وكتب الكثير، وجمع وصنف. روى عن سليمان بن حرب وسعيد بن أبي مريم وطبقتهما.
وفيها محمد بن الفرج الأزرق أبو بكر، في المحرم ببغداد، سمع حجاح بن محمد، وأبا النضر وطبقتهما.
وفيها العلامة أبو العيناء محمد بن القاسم بن خلاد البصري الضرير اللغوي الأخباري، وله إحدى وتسعون سنة، وأضر وله أربعون سنة، أخذ عن أبي عبيدة، وأبي عاصم النبيل وجماعة. وله نوادر وفصاحة وأجوبة مسكتة.
سنة ثلاث وثمانين ومئتين


فيها ظفر المعتضد بهرون الشاري رأس الخوارج بالجزيرة وأدخل راكباً فيلاً. وزينت بغداد. وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد، بتوريث ذوي الأرحام، وإبطال دواوين المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له وكان قبل ذلك من أبطال السرورود من السراك رامان من المجوس.
وفيها التقى عمرو بن الليث الصفار، ورافع بن هرثمة، فانهزمت جيوش رافع وهرب، وساق الصفار وراءه، فأدركه بخوارزم فقتله، وكان المعتضد قد عزل رافعا عن خراسان، واستعمل عليها عمرو بن الليث، في سنة تسع وسبعين، فبقي رافع بالري، وهادن الملوك المجاورين له، ودعا الى العلوي.
وفيها وصلت تقادم عمرو بن الليث إلى المعتضد، من جملتها مائتا حمل مال.
وفيها توفي القدوة العارف سهل بن عبد الله التستري الزاهد، في المحرم، عن نحو من ثمانين سنة، وله مواعظ وأحوال وكرامات وكان من أكبر مشايخ القوم.
وفيها أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المروزي ثم البغدادي الحافظ، صاحب الجرح والتعديل، أخذ عن أبي حفص الفلاس وطبقته.
قال أبو أحمد بن عدي: ما رأيت أحفظ منه. وقال بكر بن محمد البصري: سمعته يقول: شربت بولي في طلب هذا الشأن خمس مرات.
فيها توفي قاضي القضاة. أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري، وكان رئيساً معظماً ديناً خيراً. روى عن أبي الوليد الطياليسي وجماعة.
وفيها محمد بن سليمان بن الحارث، أبو بكر الباغندي، محدث واسط، مشهور. نزل بغداد وحدث بن محمد بن عبد الله الأنصاري وعبيد الله بن موسى. وكان صدوقا، وهو والد الحافظ محمد بن محمد.
وفيها تمتام، الحافظ أبو جعفر محمد بن غالب بن حرب الضبي البصري، في رمضان ببغداد. روى عن أبي نعيم وعفان وطبقتهما وصنف وجمع.
سنة أربع وثمانين ومئتين
قال محمد بن جرير: فيها عزم المعتضد على لعنة معاوية رضي الله عنه على المنابر. فخوفه الوزير عبيد الله من اضطراب العامة. فلم يلتفت وتقدم إلى العامه بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القصاص من الكلام، ومن اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب كتاباً في ذلك، واجتمع له الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه، فما قرئ، وكان من إنشاء الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب، وهو طويل، فيه مصائب ومعائب، فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير المومنين، أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة وضعت فيهم السيف، قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك، وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت، مالوا إليهم وصاروا أبسط ألسنة، فأمسك المعتضد.
وفيها توفي محدث نيسابور ومفيدها، أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي الحافظ، سمع قتيبة وطبقته، وكان من سعة روايته راهب عصره، مجاب الدعوة.
وفيها أبو يعقوب إسحاق بن الحسن الحربي، سمع أبا نعيم والقعنبي وطبقتهما، وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها أبو عبادة البحتري، أمير شعراء العصر، وحامل لواء القريض، واسمه الوليد بن عبادة الطائي المنبجي، أخذ عن أبي تمام الطائي، ولما سمع أبو تمام شعره قال: نعيت إلى نفسي. وقال المبرد: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده أبو عبادة البحتري. وقيل مات في السنة الماضية، وقيل في السنة الآتية، وله بضع وسبعون سنة.
سنة خمس وثمانين ومئتين
فيها وثب صالح بن مدرك الطائي في طي، فانتهبوا الركب العراقي، وبدعو وسبوا النسوان، وراح للناس ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها مات الإمام الحبر إبراهيم بن إسحاق بن بشير. أبو إسحاق الحربي الحافظ. أحد الأئمة الأعلام ببغداد. في ذي الحجة. وله سبع وثمانون سنة. سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما، وتفقه على الإمام أحمد. وبرع في العلم والعمل. وصنف التصانيف الكثيرة. وكان يشبه بأحمد بن حنبل في وقته.
وفيها إسحاق بن إبراهيم الدبري المحدث. راوية عبد الرزاق بصنعاء. عن سن عالية. اعتنى به أبوه واسمعه الكتب من عبد الرزاق، في سنة عشر ومائتين، وكان صدوقاً.
وفيها أبو العباس المبرد، محمد بن يزيد الأزدي البصري، إمام أهل النحو في زمانه، وصاحب التصانيف.
أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وتصدر للاشتغال ببغداد، وكان وسيما مليح الصورة، فصيحاً مفوهاً أخبارياً علامة ثقة، توفي في آخر السنة.
سنة ست وثمانين ومئتين


فيها التقى إسماعيل بن أحمد بن أسد الأمير، عمرو بن الليث الصفار بما وراء النهر، فانهزم أصحاب عمرو، وكانوا قد ضجروا منه، ومن ظلم خواصه، ولا سيما أهل بلخ، فإنهم نالهم بلاء شديد من الجند، فانهزم عمرو إلى بلخ، فوجدها مغلوقة، ففتحوا له ولجماعة يسيرة، ثم وثبوا عليه، فقيدوه وحملوه إلى إسماعيل، أمير ما وراء النهر، فلما دخل عليه، قام إليه واعتنقه وتأدب معه، فإنه كان في أمراء عمر وغير واحد مثل إسماعيل وأكبر، وبلغ ذلك المعتضد ففرح، وخلع على إسماعيل خلع السلطنة، وقلده خراسان وما وراء النهر، وغير ذلك، وأرسل إليه، يلح عليه في إرسال عمرو بن الليث، فدافع، فلم ينفع، فبعثه وأدخل بغداد على جمل، بعد أن كان يركب في مائة ألف، وسجن ثم خنق وقت موت المعتضد.
وفيها ظهر بالبحرين، أبو سعيد الجنابي القرمطي، وقويت شوكته، وانضم إليه جمع من الأعراب، فعاث وأفسد وقصد البصرة، فحصنها المعتضد، وكان أبو سعيد كيالاً بالبصرة، وجنابة قرية من قرى الأهواز.
قال الصولي: كان أبو سعيد فقيراً يرفو أعدال الدقيق، فخرح إلى البحرين، وانضم إليه طائفة من بقايا الزنج واللصوص، حتى تفاقم أمرم، وهزم جيوش الخليفة مرات.
وقال غيره: ذبح أبو سعيد الجنابي في حمام بقصره، وخلفه ابنه أبو طاهر الجنابي القرمطي، الذي أخذ الحجر الأسود.
وفيها توفي أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ أبو الفضل، رفيق مسلم في الرحلة إلى قتيبة. وفيها الزاهد الكبير أحمد بن عيسى. أبو سعيد الخراز شيخ الصوفية، وهو أول من تكلم في علم الفناء، والبقاء، قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا.
وفيها عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن البرقي أبو سعيد. مولى الزهريين، روى السيرة عن ابن هشام، وكان ثقة، وهو أخو المحدثين أحمد ومحمد.
وفيها محمد بن وضاح الحافظ، الإمام أبو عبد الله الأندلسي، محدث قرطبة. وهو في عشر التسعين. رحل مرتين إلى المشرق. وسمع إسماعيل ابن أبي أويس، وسعيد منصور، والكبار، وكان فقيراً زاهداً قانتاً لله صابراً بصيراً بعلل الحديث.
وفيها علي بن عبد العزيز، أبو الحسن البغوي المحدث، بمكة، وقد جاوز التسعين، سمع أبا نعيم وطبقته، وهو عم أبو القاسم البغوي عبد الله بن محمد.
وفيها الكديمي، وهو أبو العباس محمد بن يونس القرشي العامي البصري الحافظ، في جمادى الآخرة، وقد جاوز المائة بيسير. روى عن أبي داود الطيالسي، وزوج أمه، روح بن عبادة وطبقتهما، وله مناكير ضعف بها.
سنة سبع وثمانين ومئتين
في المحرم، قصدت طي ركب العراق لتأخذه كعام أول بالمعدن، وكانوا في ثلاثة آلاف، وكان أمير الحاج أبو الأغر، فواقعوهم يوماً وليلة، والتحم القتال، وجدلت الأبطال، ثم أيد الله الوفد، وقتل رئيس طي صالح بن مدرك، وجماعة من أشراف قومه، وأسر خلق وانهزم الباقون، ثم دخل الركب بالأسدي والرؤوس على الرماح.
وفيها سار العباس الغنوي في عسكره، فالتقى أبا سعيد الجنابي، فأسر العباس، وانهزم عسكره، وقيل بل أسر سائر العسكر وضربت رقابهم، وأطلق العباس فجاء وحده إلى المعتضد برسالة الجنابي، أن كف عنا واحفظ حرمتك.
وفيها غزا المعتضد وقدم طرسوس ورد إلى أنطاكية وحلب.
وفيها سار الأمير بدر، فبيت القرامطة وقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفيها توفي الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك ابن مخلد الشيباني البصري الحافظ، قاضي أصبهان وصاحب المصنفات، وهو في عشر التسعين، في ربيع الآخر، سمع من جده لأمه موسى بن إسماعيل، وأبي الوليد الطيالسي وطبقتهما، وكان إماماً فقيهاً صالحاً ورعاً، كبير القدر، صاحب مناقب.
وفيها زكريا بن يحيى السجزي الحافظ أبو عبد الرحمن. خياط السنة بدمشق، وقد نيف على التسعين، روى عن شيبان بن فروخ وطبقته، وكان من علماء الأثر وقيل توفي سنة تسع وثمانين.
وفيها يحيى بن منصور، أبو سعد الهروي الحافظ. شيخ هراة ومحدثها وزاهدها، في شعبان. وقيل توفي سنة اثنتين وتسعين.
وفيها في رجب. قطر الندى، بنت الملك خمارويه بن أحمد بن طولون. زوجة المعتضد. وكانت شابة بديعة الحسن عاقلة.
سنة ثمان وثمانين ومئتين
فيها ظهر أبو عبد الله الشيعي بالمغرب، فدعا العامة إلى الإمام المهدي عبيد الله، فاستجابوا له.


وفيها كان الوباء المفرط بأذربيجان، حتى فقدت الأكفان. وكفنوا في اللبود، ثم بقوا مطرحين في الطرق.
ومات أمير أذربيجان محمد بن أبي الساج وسبعمئة من خواصه وأقاربه، ومات ابنه الأفشين.
وفيها بشر بن موسى أبو علي الأسدي المحدث في ربيع الأول ببغداد روى عن هوذة بن خليفة والأصمعي وسمع من روح بن عبادة حديثا واحداً وكان ثقة رئيساً محتشما كثير الرواية عاش ثمانيا وتسعين سنة.
وفيها توفي مفتي بغداد، الفقيه عثمان بن سعيد بن بشار، أبو القاسم البغدادي الأنماطي، صاحب المزني، في شوال، وهو الذي نشر مذهب الشافعي ببغداد، وعليه تفقه أبو العباس بن سريج. وفيها توفي معلى بن المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري البصري المحدث، روى عن القعنبي وطبقته، وسكن بغداد، وكان ثقة عارفا بالحديث.
وفيها الفقيه العلامة، أبو عمرو يوسف بن يحيى المغامي الأندلس، تلميذ عبد الملك بن حبيب، وصاحب التصانيف، ألف كتابا في الرد على الشافعي، واستوطن القيروان، وتفقه به خلق.
سنة تسع وثمانين ومئتين
فيها خرج بالشام، يحيى بن زكرويه القرمظي، وقصد دمشق، فحاربه طغج بن جف متوليها غير مرة، إلى أن قتل يحيى في أول سنة تسعين.
وفيها توفي المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق ولي عهد المسلمين أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم العباسي، في ربيع الآخر، ومرض أياماً، وكانت خلافته أقل من عشر سنين، وعاش ستاً وأربعين سنة، وكان أسمر نحيفاً معتدل الخلق، تغير مزاجه من إفراط الجماع، وعدم الحمية في مرضه، وكان شجاعا مهيباً حازما، فيه تشيع.
وفيها توفي بدر التركي، مولى المعتضد ومقدم جيوشه، عمل الوزير عبيد الله عليه، ووحش قلب المتكفي بالله عليه. وكان في جهة فارس يحارب، فطلبه المكتفي بالله وبعث له أماناً وغدر به. وقتله في رمضان.
وفيها بكر بن سهل الدمياطي المحدث، في ربيع الأول. سمع عبد الله ابن يوسف التينسي وطائفة. ولما قدم القدس، جمعوا له ألف دينار. حتى روى لهم التفسير.
وفيها حسين بن محمد، أبو علي القباني النيسابوري الحافظ. صاحب المسند والتاريخ، سمع إسحاق بن راهويه وخلقا من طبقته وكان إليه يجتمع أصحاب الحديث بنيسابور. بعد مسلم. وفيها الحسين بن محمد بن فهم، أبو علي البغدادي الحافظ، أحد أئمة الحديث. أخذ عن يحيى بن معين، وروى الطبقات عن ابن سعد.
وفيها علي بن عبد الصمد الطيالسي، ولقبه علان ما غمه. روى عن أبي عمر الهذلي وطبقته.. وفيها عمرو بن الليث الصفار، الذي كان ملك خراسان، قتل في الحبس عند موت المعتضد، لأنه كان له أياد على المكتفي بالله، فخاف الوزير أن يخرجه ويتمكن، فينتقم من الوزير. وفيها يحيى بن أيوب العلاف المصري، صاحب سعيد بن أبي مريم والعباس بن الفضل الأسفاطي صاحب أبي الوليد الطيالسي وفيها يوسف بن يزيد بن كامل، أبو يزيد القراطيسي المصري، صاحب أسد بن موسى يقال له أسد السنة.
وفيها محمد بن محمد أبو جعفر التمار البصري، صاحب أبي الوليد الطيالسي.
وفيها محمد بن هشام بن أبي الدميك، أبو جعفر الحافظ، صاحب سليمان بن حرب، ببغداد. وهؤلاء من كبار شيوخ الطبراني.
سنة تسعين ومئتين
فيها حاصرت القرامطة دمشق، فقتل طاغيتهم يحيى بن زكرويه فخلفه أخوه الحسين صاحب الشامة، فجهز المكتفي عشرة آلاف لحربهم، عليهم الأمير أبو الأغر، فلما قاربوا حلب، كبستهم القرامطة ليلاً، ووضعوا فيهم السيوف، فهرب أبو الأغر في ألف نفس، فدخل حلب وقتل تسعة آلاف، ووصل المكتفي إلى الرقة، وجهز الجيوش إلى أبي الأغر، وجاءت من مصر العساكر الطولونية مع بدر الحمامي، فهزموا القرامطة، وقتلوا منهم خلقا، وقيل بل كانت الوقعة بين القرامطة والمصريين بأرض مصر، وأن القرمطي صاحب الشامة، انهزم إلى الشام، ومر على الرحبة وهب ينهب ويسبي الحرم، حتى دخل الأهواز. وكان زكرويه القرمطي. يكذب ويزعم أنه من آل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وفيها دخل عبيد الله الملقب بالمهدي المغرب متنكرا. والطلب عليه من كل وجه. فقبض عليه متولي سجلماسة وعلى ابنه. فحاربه، أبو عبيد الشيعي داعي المهدي. فهزمه ومزق جيوشه، وجرت بالمغرب أمور هائلة. واستولى على المغرب المهدي المنتسب إلى الحسين بن علي أيضاً بكذبه وكان باطني الاعتقاد وهو الذي بنى المهدية بالمغرب.


وفيها توفي الحافظ أبو العباس، أحمد بن علي الأبار ببغداد، روى عن مسدد، وعلي بن الجعد وطبقتهما.
وفيها الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني، ببغداد. في جمادى الآخرة، وله سبع وسبعون سنة كأبيه، وكان إماماً خبيراً بالحديث وعلله مقدما فيه. وكان من أروى الناس عن أبيه وقد سمع من صغار شيوخ أبيه، وهو الذي رتب مسند والده.
وفيها محمد بن زكريا الغلابي الأخباري أبو جعفر، بالبصرة روى عن عبد الله بن رجاء الغداني وطبقته. قال ابن حبان: يعتبر بحديثه إذا روى عن الثقات.
وفيها محمد بن يحيى بن المنذر أبو سليمان القزاز مصري معمر توفي في رجب، وقد قارب المائة أو كملها، روى عن سعيد بن عامر الضبعي، وأبي عاصم، والكبار.
سنة إحدى وتسعين ومئتين
فيها خرجت الترك في جيش لجب، فاستنفر إسماعيل بن أحمد، الناس عامة، وكبس الترك في الليل فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وكانت من الملاحم الكبار، ونصر الله، و لكن أصيب المسلمون من جهة أخرى خرجت الروم في مائة ألف، فوصلوا الى الحدث فقتلوا وسبوا وأحرقوا ورجعوا سالمين، فنهض جيش من طرسوس، عليهم غلام زرافة، فوغلوا في الروم، حتى نازلوا أنطاكية مدينة صغيرة قريبة من قسطنطينية العظمى ففتحوها عنوة، وقتلوا من الروم نحو خمسة آلاف، وغنموا غنيمة عظيمة لم يعهد بمثلها، بحيث إنه بلغ سهم الفارس، ألف دينار ولله الحمد.
وأما القرمطي صاحب الشامة، فعظم به الخطب، والتزم له أهل دمشق بمال عظيم، حتى ترحل عنهم، وتملك حمص، وسار إلى حماة والمعرة، فقتل وسبي وعطف إلى بعلبك، فقتل أكثر أهلها ثم سار فأخذ سلمية وقتل أهلها قتلا ذريعاً، حتى ما ترك بها عينا تطرف، وجاء جيش المكتفي، فالتقاهم بقرب حمص فكسروه وأسر خلق من جنده، وركب هو وابن عمه الملقب بالمدثر وآخر، فاخترقوا ثلاثتهم ابن البرية، فمروا بدالية ابن طوق، فأنكرهم والى تلك الناحية، فقررهم، فاعترف صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي بالله فقتلهم وحرقهم.
وفيها توفي ثعلب العلامة أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم الكوفي النحوي. صاحب التصانيف. في جمادى الأولى ببغداد. وله إحدى وتسعون سنة، قرأ العربية على ابن الأعرابي وغيره، وسمع من عبيد الله القواريري وطائفة. وانتهت إليه رئاسة الأدب في زمانه.
وفيها علي بن الحسين بن الجنيد الرازي، الحافظ الكبير أبو الحسن. في آخر السنة، ويعرف بالمالكي. لتصنيفه حديث مالك، طوف الكثير، وسمع أبا جعفر النفيلي وطبقته، وعاش نيفاً وثمانين سنة.
وفيها قنبل قارىء أهل مكة، وهو أبو عمر محمد بن عبد الرحمن المخزومي مولاهم المكي، وله ست وتسعون سنة، شاخ وانهرم، وقطع الإقراء قبل موته بسبع سنين، قرأ على أبي حسن القواس، ورحل إليه القراء وجاوروا وحملوا عنه.
وفيها القاسم بن عبيد الله الوزير ببغداد، وزر للمعتضد والمكتفي. وكان أبوه أيضا وزير المعتضد، وكان القاسم قليل التقوى كثير الظلم، وكان يدخله من ضياعه في العام سبعمئة ألف دينار، ولما مات أظهر الناس الشماتة بموته.
وفيها محمد بن أحمد بن البراء القاضي أبو الحسن العبدي، ببغداد، روى عن ابن المديني وجماعة.
وفيها محمد بن أحمد بن النضر، أبو بكر الأزدي، ابن بنت معاوية بن عمرو، وله خمس وتسعون سنة، روى عن جده والقعنبي، وكان ثقة.
وفيها، محمد بن إبراهيم البوشنجي، الإمام الحبر أبو عبد الله، شيخ أهل الحديث بخراسان، في أول السنة، رحل وطوف، وروى عن أحمد بن يونس، ومسدد والكبار، وكان من أوعية العلم. قد روى عنه البخاري حديثا في صحيحه، عن النفيلي. وآخر من روى عنه، إسماعيل بن نجيد. وفيها محدث مكة، محمد بن علي بن زيد الصائغ، في ذي القعدة، وهو في عشر المائة، روى عن القعنبي، وسعيد بن منصور.
وفيها مقرىء أهل دمشق هرون بن مومى بن شريك المعروف بالأخفش، صاحب ابن ذكوان في عشر المائة.
سنة اثنتين وتسعين ومئتين


فيها خرج صاحب مصر، هارون بن خمارويه الطولوني عن الطاعة، قسارت جيوش المكتفي القواد فقبضوا علبه لجربه، وجرت لهم وقعات، ثم اختلف أمراء هارون واقتتلوا، فخرج ليسكنهم، فجاءه سهم فقتله، ودخل الأمير محمد بن سليمان، قائد جيش المكتفي بالله فتملك الإقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل من آل طولون بضعة عشر رجلاً، وحبس طائفة، وكتب بالفتح بن المكتفي. وقيل: إنه هم بالمضي إلى المكتفي أعني هارون فامتنع عليه أمراؤه، وشجعوه، فأبى، فقتلوه غيلة، ولم يمنع محمد بن سليمان، فإنه أرعد وأبرق، وخيف من غلبته على بلاد مصر، فكاتب وزير المكتفي وفيها خرج الخلنجي القائد بمصر، وحارب الجيوش. واستولى على مصر.
وفيها توفي القاضي الحافظ، أبو بكر المروزي أحمد بن على بن سعيد. قاضي حمص، في آخر السنة. روى عن علي بن الجعد، وطبقته.
وفيها الحافظ الكبير أبو بكر البزار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير، في ربيع الأول بالرملة. روى عن هدبة بنت خالد وأقرانه، وحدث في آخر عمره بأصبهان والعراق والشام.
قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه.
وفيها أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد، الحافظ أبو جعفر المهري المقرىء المصري قرأ القرآن على أحمد بن صالح، وروى عن سعيد بن عفير وطبقته. وفيه ضعف. قال ابن عدي: يكتب حديثه.
وفيها أبو مسلم الكجي إبراهيم بن عبد الله البصري الحافظ. صاحب السنن، ومسند الوقت، في المحرم. وقد قارب المئة أو كملها، سمع أبا عاصم النبيل والأنصاري والكبار، وثقه الدراقطني. وكان محدثا حافظا محتشما كبير الشأن، قيل إنه لما فرغوا من سماع السنن عليه. عمل لهم مائدة غرم عليها ألف دينار، نصدق بجملة منها. ولما قدم بغداد، ازدحموا عليه حتى حزر مجلسه بأربعين ألف وزيادة، وكان في المجلس سبعة مستملين كل واحد يبلغ الآخر.
وفيها إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرئ المحدث يوم الأضحى ببغداد، وله نحو من تسعين سنة، روى عن عاصم بن علي وطبقته، وقرأ القرآن على خلف، وتصدر للإقراء والعلم.
قال الدارقطني: هو فوق الثقة بدرجة.
وفيها محدث واسط بحشل، وهو الحافظ أبو الحسن أسلم بن سهل الرزاز، روى عن جده لأمه وهب بن بقية وطبقته. وصنف التصانيف.
وفيها قاضي القضاة أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي ببغداد، وكان من القضاة العادلة، له أخبار ومحاسن، ولما احتضر، كان يقول: يا رب من القضاء إلى القبر، ثم يبكي. روى عن بندار.
وفيها محمد بن أحمد بن سليمان، الإمام أبو العباس الهروي، فقيه محدث صاحب تصانيف، رحل إلى الشام والعراق، وحدث عن أبي حفص الفلاس وطبقته.
وفيها يحيى بن منصور، أبو سعيد الهروي، أحد الأئمة في العلم والعمل، حتى قيل إنه لم ير مثل نفسه، روى عن سويد بن نصْر وطبقته.
سنة ثلاث وتسعين ومئتين
فيها التقى الخلنجي المتغلب على مصر وجيش المكتفي بالعريش، فهزمهم أقبح هزيمة.
وفيها عاثت القرامطة بالشام وقتلوا، وسبوا وما أبقوا ممكنا، بحوران وطبرية وبصرى، ودخلوا السماوة فطلعوا إلى هيت فاستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الملعونة، على زعيمها ابن غانم فقتلوه. ثم جمع رأس القوم زكرويه. والد صاحب الشامة جموعا ونازل الكوفة. فقاتله اهلها، ثم جاءه جبش الخليفة، فالتقاهم وهزمهم. ودخل الكوفة يصيح، قومه: يا ثارات الحسين يعنون صاحب الخال و لد زكرويه لا رحمه الله.
وفيها سار فاتك المعتضدي. فالتقى الخلنجي، فانهزم الخلنجي، وكثر القتل في جيشه، واختفى الخلنجي. فدل عليه رجل، فبعثه فاتك في جمع من قواده إلى بغداد، فأدخلوا على الجمال وحبسوا.
وفيها توفي أبو العباس الناشي الشاعر المتكلم، عبد الله بن محمد بمصر.
وفيها عبدان بن محمد بن عيسى المروزي أبو محمد، سمع قتيبة وجماعة، وكان فقيهاً علامة رأسا في الفقه وغوامضه زاهداً عابداً صاحب حديث.
وفيها عيسى بن محمد أبو العباس الطهماني المروذي اللغوي، كان إماما في العربية، روى عن إسحاق بن راهويه، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفاً وعشرين سنة، لا تأكل ولا تشرب.
وفيها محمد بن أسد المدايني، أبو عبد الله الزاهد وكان يقال إنه مجاب الدعوة، عمر أكثر من مئة سنة، وحدث عن أبي داود الطيالسي بمجلس واحد.


وفيها أبو أحمد محمد بن عبدوس بن كامل السراج الحافظ. ببغداد في رجب، روى علي بن الجعد وطبقته.
سنة أربع وتسعين ومئتين
فيها أخذ ركب العراق زكرويه القرمطي، وقتل الناس قتلا ذريعاً، وحوى ما قيمته ألف ألف دينار. وهلك من الحجيج عشرون ألف إنسان، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم هذا على المكتفي، فبعث الجيش لقتاله، وعليهم وصيف بن صوراتكين فالتقوا، فأسر زكرويه وخلق من أصحابه. وكان مجروحاً. فمات إلى لعنة الله بعد خمسة أيام، فحمل ميتا إلى بغداد، وقتل أصحابه ثم أحرقوا، وتمزق أصحابه في البرية.
وفيها توفي الحافظ الكبير. أبو على صالح بن محمد بن عمرو الأسدي البغدادي خرزة. محدث ما وراء النهر، نزل بخارى وليس معه كتاب. فروى بها الكثير من حفظه، روى عن سعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد. وطبقتهما. ورحل إلى الشام ومصر والنواحي، وصنف وجرح وعدل، وكان صاحب نوادر ومزاح.
وفيها صباح بن عبد الرحمن، أبو الغصن العتقي الأندلسي المعمر، مسند العصر بالأندلس. روى عن يحيى بن يحيى وأصبغ بن الفرج وسحنون.
قال ابن الفرضي: بلغني أنه عاش مئة وثمانية عشر عاما. وتوفي في المحرم.
وفيها عبيد العجل. الحافظ وهو أبو علي الحسين بن حاتم محمد، في صفر،روى عن يحيى معين وطبقته.
وفيها محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه، القاضي أبو الحسن. روى عن أبيه وعلي بن المديني، قتل يوم أخذ الركب شهيدا.
وفيها محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، الحافظ أبو عبد الله البجلي الرازي، محدث الري، يوم عاشوراء، وهو في عشر المئة، روى عن مسلم بن إبراهيم، والقعنبي والكبار. وجمع وصنف، وكان ثقة.
وفيها محمد بن معاذ، دران الحلبي، محدث تلك الناحية، أصله من البصرة، روى عن القعنبي، وعبد الله بن رجاء وطبقتهما، ورحل إليه المحدثون.
وفيها محمد بن نصر المروزي، الإمام أبو عبد الله أحد الأعلام، كان رأسا في الفقه، رأسا في الحديث، رأسا في العبادة. قال أبو عبد الله بن الأخرم الحافظ قال: كان محمد بن نصر يقع على أذنه الذباب وهو في الصلاة. فسيل الدم وهو لا يذبه، كان ينتصب كأنه خشبة.
قال أبو إسحاق الشيرازي: كان من أعلم الناس بالاختلاف. وصنف كتباً.
وقال شيخه في الفقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر عندنا إماماً فكيف بخراسان؟ وقال غيره: لم يكن للشافعية في وقت مثله، سمع يحيى بن يحيى، وشيبان ابن فروخ وطبقتها. وتوفي في المحرم بسمرقند. وهو في عشر التسعين.
وفيها الإمام موسى بن هارون بن عبد الله. أبو عمران البغدادي البزار الحافظ. ويعرف أبوه بالحمال، كان إمام وقته في حفظ الحديث وعلله.
قال أبو بكر الضبعي: ما رأينا في حفاظ الحديث أهيب ولا أورع من موسى بن هارون، سمع علي بن الجعد وقتيبة وطبقتهما.
سنة خمس وتسعين ومئتين
فيها توفي إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري الحافظ، أحد أركان الحديث، روى عن إسحاق بن راهويه وطبقته.
قال عبد الله بن سعد النيسابوري: ما رأيت مثل إبراهيم بن أبي طالب، ولا رأى هو مثل نفسه. وقال أبو عبد الله بن الأخرم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وفيها إبراهيم بن معقل، أبو إسحاق قاضي نسف وعالمها ومحدثها، وصاحب التفسير والمسند. وكان بصيراً بالحديث، عارفا بالفقه والاختلاف، روى الصحيح بن البخاري. وروى عن قتيبة، وهشام بن عمار وطبقتهما.
وفيها المعمري الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن شبيب. ببغداد.في المحرم، روى عن علي بن المديني، وجبارة بن المغلس وطبقتهما. وعاش اثنتين وثمانين سنة، وله أفراد وغرايب، مغمورة في سعة علمه.
وفيها الحكم معبد الخزاعي الفقيه، مصنف كتاب السنة، بأصبهان، روى عن محمد بن حميد الرازي، ومحمد بن المثنى وطبقتهما، وكان من كبار الحنفية وثقاتهم.
وفيها أبو شعيب الحراني عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الأموي الؤدب نزيل بغداد في ذي الحجة. روى عن يحيى البابلتي وعفان وعاش تسعين سنة وكان ثقة.
وفيها أمير خراسان وما وراء النهر إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان في صفر ببخارى وكان ذا علم وعدل وشجاعة ورأي. وكان يعرف بالأمير الماضي أبي إبراهيم، جمع بعض الفضلاء شمائلة وسيرته في كتاب. وكان ذا اعتناء زائد بالعلم والحديث.


وفيها أبو علي عبد الله بن محمد بن علي البلخي الحافظ. أحد أركان الحديث ببلخ سمع قتيبة وطبقته وصنف التاريخ والعلل.
وفيها المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن أبي أحمد المتوكل بن المعتصم العباسي، وله إحدى وثلاثون سنة. و كان جميلاً وسيماً. بديع الجمال معتدل القامة، دري اللون أسود الشعر. استحلف بعد أبيه. وكانت دولته ست سنين ونصف. وتوفي في ذي القعدة، وولي بعده أخوه المقتدر. وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوماً. فلم يل أمر الأمة صبي قبله.
وفيها عيسى بن مسكين قاضي القيروان وفقيه المغرب. أخذ عن سحنون. والحارث بن مسكين بمصر. وكان إماماً ورعاً خاشعاً متمكناً من الفقه والآثار، مستجاب الدعوة. يشبه بسحنون في سمته وهيبته. أكرهه ابن الأغلب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقاً، وكان يركب حماراً ويستقي الماء لبيته.
وفيها محمد بن أحمد بن جعفر، الإمام أبو جعفر الترمذي الفقيه كبير الشافعية الشافعي بالعراق قبل ابن سريج، في المحرم، وله أربع وتسعون سنة، وكان قد اختلط في أواخر أيامه، وكان زاهداً ناسكاً قانعاً باليسر متعففاً.
قال الدراقطني: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس ولا أروع منه. وكان صبوراً على الفقر.
قلت: روى عن يحيى بن بكير وجماعة، وكان ثقة.
وفيها الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيل، أحد المحدثين الكبار بنيسابور، له تصانيف مجودة، ورحلة واسعة، سمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار.
سنة ست وتسعين ومئتين
دخلت والملأ يستصبون المقتدر، ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط أن لا يكون في حرب وكان رأسهم محمد بن داود بن الجراح، و أحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان. واتفقوا على قتل المقتدر، ووزيره العباس بن الحسن، وفاتك الأمير. فلما كان في عاشر ربيع الأول، ركب الحسين بن حمدان، والوزير والأمراء، فشد ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر فاتك قتله، فعطف على فاتك، فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلث بالمقتدر، وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الهيعة، فدخل وأغلقت الأبواب ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب واستدعى ابن المعتز، وأحضر الأمراء والقضاة، سوى خواص المقتدر. فبايعوه ولقبوه الغالب بالله فاستوزر ابن الجراح واستخلفه على الجيش وصدرت الكتب إلى البلاد، وأرسلوا الى المقتدر ليتحول من دار الخلافة، فأجاب ولم يكن بقي معه غير مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وخاله الأمير غريب، فتحصنوا وأصبح الحسين بن حمدان علىمحاصرتهم. فرموه بالنشاب، وتنادو ونزلوا على حمية، وقصدوا ابن المعتز، فانهزم كل من حوله، وركب ابن المعتز فرساً ومعه وزيره وحاجبه، وقد شهر سيفه، وهو ينادي معاشر العامة: ادعوا لخليفتكم. وقصد سامراً ليثبت بها أمره فلم يتبعه كبير أحد. فخذل ونزل عن فرسه، فدخل دار ابن الجصاص، واختفى وزيره. ووقع النهب والقتل في بغداد، وقتل جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سراً، وصودر ابن الجصاص، وقدم بأعباء الخلافة الوزير ابن الفرات. ونشر العدل، واشتغل المقتدر باللعب.
وأما الحسين بن حمدان فأصلح أمره، وبعث إلى ولاية قم وقاشان.
وفيها وصل إلى مصر، أمير أفريقية، زيادة الله بن الأغلب، هارباً من المهتدي عبيد الله، وداعيه أبي عبد الله الشيعي، فوجه إلى العراق.
وفيها مات المحدث أبو جعفر أحمد بن حماد بن مسلم.، أخو عيسى زغبة التجيبي، بمصر في جمادى الأولى، روى عن سعيد بن أبي مريم وسعيد بن عفير وطائفة وعمره أربعاً وتسعين سنة.
وفيها أحمد بن نجدة الهروي المحدث روى عن سعيد بن منصور وطائفة.
وفيها أحمد بن يحيى الحلواني أبو جعفر، الرجل الصالح، ببغداد، سمع أحمد بن يونس وسعدويه، وكان من الثقات.
وفيها أحمد بن يعقوب المثنى القاضي، أحد من قام في خلع المقتدر تدينا، ذبح صبراً.
وفيها خلف بن عمرو العكبري، محتشم نبيل تقة، روى عن الحميدي، وسعيد بن منصور. وفيها أبو حصين الوادعي القاضي محمد بن الحسين بن حبيب، في رمضان، صنف المسند، وكان من حفاظ، الكوفة، روى عن أحمد بن يونس وأقرانه.


وفيها محمد بن داود بن الجراح الكاتب. أبو عبد الله الأخباري العلامة، صاحب المصنفات، وكان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس، أخذ عن عمر بن شبة وغيرها. وقتل كما مر في فتنة ابن المعتز، صاحب الأدب والشعر. وكذلك فاتك المعتضدي. في كثير من أمراء الوقت.
سنة سبع وتسعون ومئتين
فيها توفي عبيد بن غنام بن حفص بن غياث الكوفي أبو محمد، راوية الكتب عن أبي بكر بن أبي شيبة، وكان محدثا صدوقا، روى أيضاً عن جبارة بن المغلس، وهو صدوق.
وفيها محمد بن أحمد بن أبي خيثمة. زهير بن حرب أبو عبد الله، الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ.
قال أحمد بن حنبل وما رأيت أحفظ من أربعة أحدهم محمد بن أحمد بن أبي خيثمة. وكان أبوه يستعين به في تصنيف التاريخ، سمع أبا حفص الفلاس وطبقته، ومات في عشر السبعين. وفيها عمرو بن عثمان. أبو عبد الله المكي الزاهد. شيخ الصوفية وصاحب التصانيف في الطريق، صحب أبا سعيد الخراز والجنيد، وروى الكثير عن يونس بن الأعلى وجماعة.
وفيها محمد بن داود بن علي الظاهري، الفقيه أبو بكر، أحد أذكياء زمانه. وصاحب كتاب االزهرة تصدر للاشتغال والفتوى ببغداد بعد أبيه. وكان يناظر أبا العباس بن سريج، وله شعر رائق، وهو ممن قتله الهوى، وله نيف وأربعون سنة.
وفيها مطين. وهو الحافظ أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، في ربيع الآخر بالكوفة، وله خمس وتسعون سنة، ودخل على أبي نعيم، وروى عن أحمد بن يونس و طبقته.
قال الدراقطني: ثقة. جبل.
وفيها محمد بن عثمان بن أبي شيبة. الحافظ ابن الحافظ أبو جعفر العبسي الكوفي نزيل بغداد في جمادى الأولى. وهو في عشر التسعين. روى عن أبيه وعمه وأحمد بن يونس وخلق، وله تاريخ كبير، وثقه صالح جزرة. وضعفه الجمهور.
وأما ابن عدي فقال: لم أر له حديثاً منكراً فأذكره.
وفيها موسى بن إسحاق بن موسى الأنصاري الخطمي، القاضي أبو بكر الفقيه الشافعي، بالأهواز، وله سبع وثمانون سنة، ولي قضاء نيسابور، وقضاء الأهواز، وحدث بن أحمد بن يونس وطائفة. وهو آخر من حدث عن قالون صاحب نافع القارىء، وكان يضرب به المثل في ورعه وصيانته في القضاء. وثقه ابن أبي حاتم.
وفيها يوسف بن يعقوب القاضي أبو محمد الأزدي. ابن عم إسماعيل القاضي، ولي قضاة البصرة وواسط، ثم ولي قضاء الجانب الشرقي، وولد سنة ثمان ومئتين، وسمع في صغره بن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما، وصنف السنن، وكان حافظاً ديناً عفيفاً مهيباً.
سنة ثمان وتسعين ومئتين
فيها ولي الحسين بن حمدان ديار بكر وربيعة.
وفيها خرج على عبيد الله المهتدي. داعياه: أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العباس وجرت لهما معه وقعة هائلة في جمادى الآخرة، فقتل الداعيان الأعيان وأعيان جندهما، وصفا الوقت لعبيد الله. فعصي عليه أهل طرابلس. فجهز لحربهم ولده القائم أبا القاسم، فأخذها بالسيف في سنة ثلثلمائة.
وفيها توفي أبو أحمد، أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي الزاهد ببغداد في صفر. وكان من سادة الصوفية ومحدثيهم، روىعن علي بن الجعد وعلي المديني، وجمع وصنف.
وفيها قاضي الأنبار وخطيبها البليغ المصقع، أبو محمد بهلول ابن إسحاق بن بهلول بن حسان التنوخي. وكان ثقة صاحب حديث، سمع بالحجاز. سعيد بن منصور، وإسماعيل بن أبي أويس. وفيها الزاهد القطب، شيخ العصر، أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري، ببغداد، وقيل في سنة سبع وقيل في سنة تسع صحب السري السقطي، والحارث المحاسبي. وتفقه على أبي ثور، وله المقامات والكرامات، والكلام النافع في الصدق والمعاملات، رحمه الله، ومات في عشر الثمانين.
وفيها العلامة أبو يحيى زكريا بن يحيى النيسابوري المزكي، شيخ الحنيفة. وصاحب التصانيف بنيسابور في ربيع الآخر وقد ناهز الثمانين روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة، وكان ذا عبادة وتقى.
وفيها الزاهد الكبير، أبو عثمان الحيري، سعيد بن إسماعيل. شيخ نيسابور وواعظها وكبير الصوفية بها في ربيع الآخر وله ثمان وستون سنة صحب العارف أبا حفص النيسابوري. وسمع بالعراق من حميد بن الربيع. وكان كبير الشأن محارب الدعوة.


وفيها فقيه قرطبة ومسند الأندلس، أبو مروان عبيد الله بن الإمام يحيى بن يحيى الليثي في عاشر رمضان، وكان ذا حرمة عظيمة وجلالة. روى عن والده الموطأ، وحمل عنه بشر كثير. وفيها محمد بن يحيى بن سليمان، أبو بكر المروزي في شوال ببغداد،روى عن عاصم بن علي وأبي عبيد.
وفيها محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، أبو العباس الأمير ببغداد. ودفن عند عمه محمد بن عبد الله، سمع من إسحاق بن راهويه وغيره. وولي إمرة خراسان بعد والده، سنة ثمان وأربعين وهو شاب، ثم خرج عليه يعقوب الصفار وحاربه، وأسره يعقوب في سنة تسع وخمسين، ثم وخلص من أسره سنة اثنتين وستين، ثم بقي خاملا إلى أن مات.
سنة تسع وتسعين ومئتين
فيها قبض المقتدر على الوزير ابن الفرات، ونهبت دوره، ووقع النهب والخبطة في بغداد. وفيها توفي شيخ نيسابور، أبو عمرو الخفاف. أحمد بن نصر الزاهد الحافظ سمع إسحاق بن راهويه وجماعة.
قال الضبعي: كنا نقول إنه يفي بمذاكرة ثلاثمائة ألف حديث.
وقال ابن خزيمة: يوم وفاته لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه.
وقال يحيى العنبري: لما كبر أبو عمرو، ويئس من الولد. تصدق بأموال يقال إن قيمتها خمسون ألف دينار.
وفيها الحافظ أبو الحسين محمد بن حامد بن السري خال ولد السري المروزي، حدث عن أبي حفص الفلاس وطبقته.
وفيها أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف في القراءات والغريب والنحو، وكان أبو بكر بن مجاهد يعظمه و يطريه ويقول وهو أنحى من الشيخين يعني ثعلباً والمبرد توفي في ذي القعدة.
وفيها محمد بن يزيد بن محمد بن عبد الصمد المحدث أبو الحسن، روى عن صفوان بن صالح وطبقته، وكان صدوقا، وقع لنا جزء من حديثه.
سنة ثلاثمائة
فيها توفي صاحب الأندلس أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، في ربيع الآخر، وكانت دولته خمسا وعشرين سنة، ولي بعد أخيه المنذر في سنة خمس وسبعين، وكان ذا صلاح وعبادة وعدل وجهاد، يلتزم الصلوات في الجامع، وله غزوات كبار، أشهرها غزوة ابن حفصون، وكان أبن حفصون قد نازل حصن بلي في ثلاثين ألفا، فخرح عبد الله من قرطبة، في أربعة عشر ألفا، فالتقيا، فانكسر ابن حفصون، وتبعه عبد الله يأسر ويقتل، حتى لم ينج منهم أحد، وكان ابن حفصون من الخوارج، وولي الأندلس بعده حفيده، الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن فبقي في الإمرة خمسين عاماً.
وفيها أبو الحسن علي بن سعيد العسكري الحافظ، أحد أركان الحديث، روى عن محمد بن بشار وطبقته وتوفي بخراسان.
وفيها محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي الكوفي أبو العلاء الذهلي بمصر، بن ست وتسعين سنة، روى عن علي بن المديني وجماعة، وثقه ابن يونس.
وفيها محمد بن الحسن بن سماعة الحضرمي الكوفي. في جمادى الأولى. ومحمد بن جعفر القتات الكوفي أبو عمرو، في جمادى الأولى أيضاً، رويا كلاهما على ضعف فيهما عن أبي نعيم.
وفيها محمد بن جعفر الربعي البغدادي أبو بكر المعروف بابن الإمام. في آخر السنة بدمياط، وهو في عشر المائة روى عن إسماعيل ابن أبي أويس، وأحمد بن يونس.
وفيها أبو الحسن مسرد بن قطن النيسابوري. روى عن جده لأمه. بشر بن الحكم وطبقته بخراسان والعراق. قال الحاكم: كان مزني عصره، والمقدم في الزهد والورع.
وفي حدود الثلاثمائة، أحمد بن يحيى الريوندي الملحد لعنه الله. ببغداد. وكان يلازم الرفضة. والزنادقة. قال ابن الجوزي: كنت أسمع عنه بالعظائم، حتى رأيت في كتبه ما لم يخطر على قلب أن يقوله عاقل فمن كتبه: كتاب نعت الحكمة. وكتاب قضيب الذهب وكتاب الزمردة.
وقال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل، وقد صنف الدامغ يدمغ به القرآن، والزمردة يزري به على النبوات.
سنة إحدى وثلاثمئة
فيها أدخل الحلاج بغداد مشهوراً على جمل. وعلق مصلوباً، ونودي عليه هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه. ثم حبس وظهر أنه ادعى الإلهية. وصرح بحلول اللاهوت في الناسوت، وكانت مكاتباته تنبىء بذلك في وبعضها من النور الشعشعاني، فاستمال أهل الحبس بإظهار السنة فصاروا يتبركون به.


وفيها قتل أبو سعيد الجنابي القرمطي صاحب هجر، قتله خادم له صقلبي، راوده في الحمام، ثم خرج فاستدعى رئيساً من خواص الجنابي وقال السيد يطلبك، فلما دخل قتله، ثم دعى آخر كذلك حتى قتل أربعة، ثم صاح النساء، وتكاثروا على الخادم فقتلوه. وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة واسمه الحسن بن بهرام الجنابي.
وفيها سار عبيد الله المهدي المتغلب على المغرب، في أربعين ألفاً، ليأخذ مصر، حتى بقي بينه وبين مصر أيام، فانفجرت مخاضة النيل، فحال إلماء بينهم وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهدي إلى برقة، بعد أن ملك الاسكندرية والفيوم.
وفيها توفي أبو نصر أحمد بن الأمير إسماعيل يهرب بن أحمد الساماني. ما وراء النهر، قتله غلمانه، وتملك بعده ابنه نصر.
وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الجعد البغدادي الوشاء، الذي روى الموطأ عن سويد.
والحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البردعي البرديجي، ببغداد، روى عن أبي سعيد الأشج وطبقته، وطوف وصنف.
وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني، أبو إسحاق الحافظ بالري، روى عن طالوت بن عباد، وهشام بن عمار وطبقتهما.
وبكر بن أحمد بن مقبل البصري الحافظ، روى عن عبد الله بن معاوية الجمحي وطبقته. وفيها جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، الحافظ العلامة أبو بكر الفريابي، صاحب التصانيف، رحل من بلاد الترك إلى مصر، وعاش أربعاً وتسعين سنة. وولي قضاء الدينور، وكان من أوعية العلم. روى علي ابن المديني، وأبي جعفر النفيلي وطبقتهما، وأول سماعه سنة أربع وعشرين ومئتين.
قال ابن عدي: كنا نحضر مجلسه، وفيه عشرة آلاف أو أكثر.
وفيها الحسين بن إدريس الحافظ أبو علي الأنصاري الهروي رحل وطوف وصنف. وروى عن سعيد بن منصور، وسويد بن سعيد وخلق وثقه الدراقطني.
وفيها الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية البربري الأصل البغدادي، أحد الأثبات المصنفين، سمع أبا بكر بن أبي شيبة وطبقته.
وفيها المحدث المعمر، محمد بن حبان بن الازهر أبو بكر الباهلي البصري القطان، نزيل بغداد، روى عن أبي عاصم النبيل، وعمرو بن مرزوق وهو ضعيف.
وفيها الحافظ أبو جعفر محمد بن العباس بن الأخرم الأصبهاني الفقيه، روى عن أبي كريب وخلق.
وفيها محمد بن عبد الرحمن السامي الهروي الحافظ. في ذي القعدة. طوف وروى عن أحمد بن يونس، وأحمد بن حنبل والكبار.
وفيها محمد بن يحيى بن مندة الحافظ أبو عبد الله العبدي الأصبهاني، جد الحافظ الكبير، محمد بن إسحاق بن مندة، روى عن لوين وأبي كريب وخلق.
قال أبو الشيخ: كان أستاذ شيوخنا وإمامهم، وقيل إنه كان يجاري أحمد ابن الفرات الرازي وينازعه.
وفيها الأمير علي بن أحمد الراسبي، أمير جنديسابور والسوس و خلف ألف فرس، وألف ألف دينار، ونحو ذلك.
سنة اثنتين وثلاثمئة
فيها عاد المهدي ونائبه حباسة إلى الإسكندرية. فتمت وقعة كبيرة، قتل فيها حباسة فرد المهدي إلى القيروان.
وفيها صادر المقتدر أبا عبد الله الحسين بن الحصاص الجوهري وسجنه، وأخذ من الأموال ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار.
وأما أبو الفرج بن الجوزي فقال: أخذوا منه ما مقداره: ستة عشر ألف ألف دينار، عينا وورقاً وقماشاً وخيلاً. قيل كانت عنده ودائع عظيمة، لزوجة المعتضد قطر الندى بنت خمارويه. وقال بعض الناس رأيت سبائك الذهب تقبن بالقبان، بن يدي ابن الجصاص.
وفيها أخذت القرمطي الركب العراقي، وتمزق الوفد في البرية. وأسروا من النساء مئتين وثمانين امرأة.
وفيها توفي العلامة فقيه المغرب، أبو عثمان بن الحداد الافريقي المالكي، سعيد بن محمد بن صبيح، وله ثلاث وثمانون سنة، أخذ عن سحنون وغيره، وبرع في الكلم العربية والنظر، ومال إلى مذهب الشافعي، وأخذ يسمى المدونة المدودة، فهجره المالكية، ثم أحبوه لما قام علي أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السنة.
وفيها إبراهيم بن شريك الأسدي الكوفي، صاحب أحمد بن يونس، ببغداد.
وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، صاحب نعيم بن حماد ببغداد.
وإبراهيم بن محمد بن الحسن بن متويه، العلامة أبو إسحاق الأصبهاني إمام جامع أصبهان، وأحد العباد والحفاظ، سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن هاشم البعلبكي وطبقتهما.


ومحمد بن زنجويه القشيري النيسابوري، صاحب إسحاق بن راهويه.
والقاضي أبو زرعة محمد بن عثمان الثقفي مولاهم، قاضي دمشق بعد قضاء مصر، وكان جده يهودياً فأسلم.
سنة ثلاث وثلاثمئة
فيها عسكر الحسين بن حمدان، والتقى هو ورائق، فهزم رائقاً، فسار لحربه وتمت لهما خطوب، ثم أخذ مؤنس يستميل أمراء الحسين، فتسرعوا إليه، ثم قاتل الحسين فأسره واستباح أمواله، وأدخل بغداد على جمل هو وأعوانه، ثم قبض على أخيه أبي الهيجا عبد الله بن حمدان وأقاربه.
وفيها توفي الإمام أحد الأعلام، صاحب المصنفات، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي، النسائي في ثالث عشر صفر، وله ثمان وثمانون سنة. سمع قتيبة إسحاق وطبقتهما، بخراسان والحجاز والشام والعراق ومصر والجزيرة. وكان رئيساً نبيلاً حسن البزة، كبير القدر، له أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو من سرية، لنهمته في التمتع، ومع ذلك فكان يصوم صوم داود ويتهجد.
قال ابن المظفر الحافظ: سمعتهم بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الغزاة مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس الأمير.
وقال الدارقطني: خرج حاجا، فامتحن بدمشق، فأدرك الشهادة فقال. احملوني إلى مكة فحمل، وتوفي بها في شعبان. قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث.
وفيها الحافظ الكبير، أبو العباس الحسن بن سفيان الشيباني النسوي صاحب المسند، تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه.
وسمع من أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والكبار، وكان ثقة حجة، واسع الرحلة.
قال الحاكم: كان محدث خراسان في عصره، مقدماً في التثبت والكثرة والفهم والأدب والفقه، توفي في رمضان.
وفيها أبو علي الجبائي محمد بن عبد الوهاب البصري شيخ المعتزلة، وأبو شيخ المعتزلة: أبي هاشم.
وفيها أحمد بن الحسين بن إسحاق، أبو الحسن البغدادي المعروف بالصوفي الصغير. روى عن إبراهيم الترجماني وجماعة.
وفيها أبو جعفر أحمد بن فرح البغدادي المقري الضرير صاحب أبي عمرو الدوري، تصدر للإقراء مدة طويلة، روى الحديث عن ابن المديني.
وفيها إسحاق بن إبراهيم النيسابوري البشتي، روى عن قتيبة وخلق.
وفيها إبراهيم بن إسحاق النيسابوري الأنماطي الحافظ، صاحب التفسير، روى عن إسحاق بن راهويه وخلق.
وفيها جعفر بن أحمد بن نصر، الحافظ أبو محمد النيسابوري المعروف بالحصيري، سمع إسحاق بن راهويه. و كان حافظاً عابداً.
وفيها عبد الله بن محمد بن يونس السمناني أبو الحسين، أحد الثقات الرحالة، سمع إسحاق، وعيسى بن زغبة وطبقتهما.
وفيها عمرو بن أيوب السقطي ببغداد، روى عن بشر بن الوليد وطبقته.
وفيها محمد بن العباس بن الدرفس، أبو عبد الرحمن الغساني الدمشقي، الرجل الصالح. روى عن هشام بن عمار وعدة.
وفيها أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي الحافظ، شكر، طوف وجمع، وروى عن محمد بن رافع و طبقته.
سنة أربع وثلاثمئة
فيها غزا مؤنس الخادم بلاد الروم من ناحية ملطية، فافتتح حصونا وأثر أثرة حسنة.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله بن محمد المخرمي أبو إسحاق، روى عن عبيد الله القواريري وجماعة ضعفه الدار قطني.
وفيها إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب المنجنيقي بغدادي حافظ نبيل، نزل مصر، وكان يحدث عند منجنيق بجامع مصر، فقيل له المنجنيقي، روى عن داود بن رشيد وطبقته.
وفيها مات الأمير زيادة الله بن عبد الله الأغلبي ابن أمير القيروان، حارب المهدي الذي خرج بالقيروان، ثم عجز عنه، وهرب إلى الشام، ومات بالرقة، وقيل بالرملة.
وفيها الحافظ أبو محمد عبد الله بن مظاهر الأصبهاني، شاباً، وكان قد حفظ جميع المسند، وشرع في حفظ أقوال الصحابة والتابعين، روى عن مطين يسيراً.
وفيها القاسم بن الليث بن مسرور الرسعني العتابي أبو صالح، نزيل تنيس، روى عن المعافي الرسعني، وهشام بن عمار.
وفيها يموت بن المزرع، أبو بكر العبدي البصري الأخباري العلامة، وهو في عشر الثمانين، روى عن خاله الجاحظ، وأبي حفص الفلاس وطبقتهما.
وفيها الزاهد أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي الصوفي، أحد المشايخ الكبار صحب ذا النون المصري وروى عن الإمام أحمد ابن حنبل ودحيم وطائفة.


قال القشيري: كان نسيج وحده في إسقاط التصنع. وقال يوسف بن الحسين: ما صحبني متكبر إلا اعتراني داؤه لأنه يتكبر، فإذا تكبر غضبت، فإذا غضبت أداني الغضب إلى الكبر.
سنة خمس وثلاثمئة
فيها قدم رسول ملك الروم يطلب الهدنة، فاحتفل المقتدر بالله لجلوسه له. قال الصولي، وغيره: أقاموا الجيش بالسلاح من باب الشماسية فكانوا نحواً من مئة وستين ألفاً، ثم الغلمان، فكانوا سبعة آلاف، وكانت الحجاب سبعمئة، وعلقت ستور الديباج، فكانت ثمانية وثلاثين ألف ستر، ومن البسط وغيرها. ومما كان في الدار مئة سبع مسلسلة. الى أن قال: ثم أدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة فيها شجرة لها أغصان، عليها طيور مذهبة، وورقها ألوان مختلفة، وكل طائر يصفر لوناً بحركات مصنوعة تغني، ثم أدخل الى الفردوس، وفيها من الفراش والآلات ما لا يقوم.
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن شيرويه، الفقيه ابو محمد النيسابوري، أحد الحفاظ، سمع إسحاق بن راهيويه، وأحمد بن منيع وطبقتهما، وصنف التصانيف.
وفيها عمران بن موسى بن مجاشع، الحافظ ابو إسحاق السختياني محدث جرجان، سمع هدبة بن خالد وطبقته، ورحل وصنف، توفي في رجب.
وفيها أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي البصري، مسند العصر، في ربيع الآخر، وله مئة سنة إلا بعض سنة، وكان محدثاً متقناً أخبارياً عالماً، روى عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما.
وفيها القاسم بن زكريا، أبو بكر المطرز ببغداد، روى عن سويد ابن سعيد وأقرانه،وقرأ على الدوري، وأقرأ الناسن وجمع وصنف، وكان ثقة.
وفيها محمد بن إبراهيم بن أبان السراج البغدادي، روى عن يحيى الحماني وعبيد الله القواريري وجماعة.
ويحيى بن نصر بن شبيب، أبو بكر الأصبهاني، روى عن أبي ثور الكلبي وغيره.
وفيها محمد بن نصر، أبو عبد الله المديني، روى عن إسماعليل بن عمرو البجلي وجماعة، وثقة أبو نعيم الحافظ.
سنة ست وثلاثمئة
فيها وقبلها، أمرت أم المقتدر في أمور الأمة ونهيت، لركاكة ابنها، فإنه لم يركب للناس ظاهراً منذ استخلف، إلى سنة إحدى وثلاثمئة. ثم ولى ابنه علياً إمرة مصر وغيرها، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن الذي دخل على الأمة.
ولما كان في هذا العام، أمرت أم المقدر. مثل القهرمانة، أن تجلس للمظالم، وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع وعليها خطها.
وفيها أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد ثم رجع.
وفيها توفي أحمد بن الحسن بن عبد الجبار أبو عبد الله الصوفي ببغداد. روى عن علي بن الجعد، ويحيى بن معين وجماعة، وكان ثقة صاحب حديث، مات عن نيف وتسعين سنة. وفيها القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، شيخ الشافعية وصاحب التصانيف، في جمادى الأولى، وله سبع وخمسون سنة وستة أشهر، وكان يقال له الباز الأشهب، ولي قضاء شيراز، وفهرس كتبه يشتمل على أربعمئة مصنف، روى الحديث عن الحسن بن محمد الزغفراني وجماعة. د وفيها أبو عبد الله أبو عبد الجلا الزاهد، شيخ الصوفية، واسمه أحمد بن يحيى، صحب ذا النون المصري والكبار، وكان قدوة أهل الشام، توفي في رجب، وقد سئل عن المحبة فقال: مالي وللمحبة، أنا أريد أتعلم التوبة.
وفيها حاجب بن أركين الفرغاني الضرير المحدث، روى عن أحمد بن إبراهيم الدورقي وجماعة، وله جزء مشهور.
وفيها الحسين بن حمدان التغلبي، ذبح في حبس المقتدر بأمره.
وفيها الإمام أبو محمد عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي الحافظ، صاحب التصانيف، سمع سهل بن عثمان، وأبا بكر بن أبي شيبة وطبقتهما، وكان يحفظ معة ألف حديث، ورحل إلى البصرة ثماني عشرة مرة، توفي في آخر السنة، وله تسعون سنة وأشهر.
وفيها محمد بن خلف بن وكيع القاضي، أبو بكر الأخباري، صاحب التصانيف، روى عن الزبير بن بكار وطبقته، وولي قضاء الأهواز.
سنة سبع وثلاثمئة
فيها كانت الحروب والأراجيف الصعبة بمصر، ثم لطف الله وأوقع المرض في المغاربة، ومات جماعة من أمرائهم واشتدت علة القائم محمد بن المهدي.
وفيها دخلت القرامطة البصرة، ونهبوا وسبوا.
وفيها توفي الأشناني، أبو العباس أحمد بن سهل المقرىء المجود، صاحب عبيد بن الصباح، وكان ثقة.
روى الحديث عن بشر بن الوليد وجماعة.


وفيها أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الحافظ، صاحب المسند. روى عن علي بن الجعد وغسان بن الربيع والكبار. وصنف التصانيف، وكان ثقة صالحاً متقنا يحفظ حديثه، توفي وله سبع وتسعون سنة.
وزكريا بن يحيى الساجي البصري الحافظ، محدث البصرة، روى عن هدبة بن خالد وطبقته.
وأبو بكر عبد الله بن مالك بن سيف التجيبي، مقرىء الديار المصرية، روى عن محمد بن رمح، وتلا على أبي يعقوب الازرق صاحب ورش.
وأبي جعفر، محمد بن صالح بن ذريح العكبري المحدث، روى عن جبارة بن المغلس وطائفة.
ومحمد بن علي بن مخلد بن فرقد الداركي الأصبهاني، آخر أصحاب إسماعيل بن عمرو البجلي، وآخر أصحابه أبو بكر بن المقري.
ومحمد بن هارون، أبو بكر الروياني الحافظ الكبير، صاحب المسند. روى عن أبي كريب وطبقته، وله تصانيف في الفقه. قاله أبو يعلى الخليلي.
وأبو عمران الجوني موسى بن سهل بالبصرة، ثقة رحال حافظ، سمع محمد بن رمح، وهشام بن عمار وطبقتهما.
والحافظ أبو محمد الهيثم بن خلف الدوري ببغداد، روى عن عبيد الله بن عمر القواريري وطبقته. وجمع وصنف.
ويحيى بن زكريا النيسابوري، أبو زكريا الأعرج أحد الحفاظ بمصر، وهو عم محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري، دخل مصر على كبر السن، وروى عن قتيبة، و إسحاق بن راهويه.
سنة ثمان وثلاثمئة
فيها ظهر اختلال الدولة العباسية، وجيشت الغوغاء ببغداد، فركبت الجند، وسبب ذلك، كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس، فقصدت العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، فدام القتال أياما، وقتل عدد كثير وقليل، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب في بغداد. وجرت فيها فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، فجزعت الخلق وشرعوا في الهروب والجفل.
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن سفيان، الفقيه أبو إسحاق النيسابوري الرجل الصالح، راوي صحيح مسلم روى عن محمد بن رافع، ورحل وسمع ببغداد والكوفة والحجاز، وقيل كان مجاب الدعوة.
وفيها أبو محمد إسحاق بن أحمد الخزاعي، مقرىء أهل مكة، وصاحب البزي، روى مسند العدني عن المصنف، وتوفي في رمضان، وهو في عشر التسعين.
وعبد الله بن محمد بن وهب. الحافظ الكبير أبو محمد الدينوري سمع الكثير، وطوف الأقاليم، وروى عن أبي سعيد الأشج وطبقته.
قال ابن عدي: سمعت عمر بن سهل يرميه بالكذب. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو علي النيسابوري. بلغني ان أبا زرعة الرازي، كان يعجز عن مذاكرته.
وفيها أبو الطيب محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم الضبي الفقيه، صاحب ابن سريج، أحد الأذكياء، صنف الكتب، وهو صاحب وجه، وكان يرى تكفير تارك الصلاة، ومات شاباً، وأبوه وجده من أئمة العربية.
والمفضل بن محمد بن إبراهيم أبو سعيد الجندي محدث مكة، روى عن إبراهيم بن محمد الشافعي، والعدني، وجماعة. وثقه أبو علي النيسابوري.
سنة تسع وثلاثمئة
فيها أخذت الإسكندرية، واستردت إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب.


وفيها قتل الحلاج وهو أبو عبد الله الحسين بن منصور بن محمى الفارسي وكان محمى مجوسياً، تطوف الحلاج وصحب سهل بن عبد الله التستري، ثم قدم بغداد، فصحب الجنيد والنوري وتعبد فبالغ في المجاهدة والترهب، ثم فتن ودخل عليه الداخل بن الكبر والرئاسة، فسافر إلى الهند وتعلم السحر، فحصل له به حال شيطاني، هرب منه الحال الإيماني، ثم بدت منه كفريات أباحت دمه، وكسرت صنمه، واشتبه على الناس السحر بالكرامات، فضل به خلق كثير، كدأب من مضى ومن يكون، مثل أبي مقتل الدجال الأكبر، والمعصوم من عصم الله، وقد جال هذا الرجل بخراسان وما وراء النهر والهند، وزرع في كل ناحية زندقة، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد الترك بالمقيت، لبعد الديار عن الإيمان. وأما البلاد القريبة، فكانوا يكاتبونه من خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوزستان بالشيخ حلاج الأسرار، وسماه أشياعه ببغداد المصطلم، وبالبصرة المجير، ثم سكن بغداد في حدوث الثلاثمئة وقبلها: واشترى أملاكا وبنى دارا وأخذ يدعو الناس إلى أمور، فقامت عليه الكبار، ووقع بينه وبين الشبلي، والفقيه محمد بن داود الظاهري، والوزير علي بن عيسى، الذي كان في وزارته، كابن هبيرة في وزارته، علماً وديناً وعدلاً. فقال ناس: ساحر فأصابوا. وقال ناس: به مس من الجن فما أبعدوا، لأن الذي كان يصدر منه لا يصدر من عاقل، إذ ذلك من موجب حتفه، أو هو كالمصروع أو المصاب، الذي يخبر بالمغيبات، ولا يتعاطى بذلك حالا، ولا إن ذلك من قبيل الوحي ولا الكرامات. وقال ناس من الأغتام: بل هذا رجل عارف ولي الله صاحب كرامات، فليقل ما شاء فجهلوا من وجهين أحدهما أنه ولي والثاني أن الولي يقول ما شاء فلن يقول إلا الحق، وهذه بلية عظيمة ومرضة مرمنة، أعيى الأطباء دواؤها، وراح بهرجها وعز ناقدها، والله المستعان.
قال أحمد بن يوسف التنوخي الأزرق: كان الخلاح يدعو كل وقت إلى شيء، على حسب ما يستبله طائفة أخبرني جماعة من أصحابه، أنه لما افتتن به الناس بالأهواز، لما يخرح لهم من الأطعمة في غير وقتها، والدراهم ويسميها دراهم القدرة، حدث الجبائي بذلك فقال: هذه الأشياء يمكن الحيل فيها، ولكن أدخلوه بيتاً من بيوتكم، وكلفوه أن يخرج منه جرزتين من شوك، فبلغ الحلاج قوله، فخرج عن الأهواز.
وروي عن عمرو بن عثمان المكي، أنه لعن الحلاج وقال: قرأت آية، فقال: يمكنني أن أولف مثلها.
وقال أبو يعقوب الأقطع: زوجت بنتي بالحلاج، فبان لي بعد أنه ساحر كذاب محتال. وقال الصولي: جالست الحلاج، فرأيت جاهلا يتعاقل، وغبيا يتبالغ، وفاجراً يتزهد.
وكان ظاهره أنه ناسك، فاذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال صار معتزليا، أو يرون التشيع تشيع، أو يرون التسنن تسنن، وكان يعرف الشعبذة والكيمياء والطب، وينتقل في البلدان، ويدعي الربوبية، ويقول للواحد من أصحابه: أنت آدم، ولذا أنت نوح، ولهذا أنت محمد، ويدعي التناسخ وأن أرواح الانبياء انتقلت إليهم.
وقال الصولي أيضاً: قبض علي الراسبي أمير الأهواز على الحلاج في سنة احدى وثلثمئة وكتب إلى بغداد يكر أن البينة قامت عنده أن الحلاج يدعي الربوبية ويقول بالحلول فحبس مدة وكان يري الجاهل شيئاً من شعبذنه، فاذا وثق به، دعاه إلى أنه إله، ثم قيل: إنه سني وإنما يريد قتله الرافضة، ودافع عنه نصر الحاجب قال: وكان في كتبه إنه مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود. وكان الوزير حامد، قد وجد له كتاباً فيه: أن المرء إذا عمل كذا وكذا من الجوع والصدقة ونحو ذلك، أغناه عن الصوم والصلاة والحج، فقام عليه حامد فقتل، وافتى جماعة من العلماء بقتله، وبعث حامد بن العباس بخطوطهم إلى المقتدر، فتوقف المقتدر، فراسله إن هذا قد ذاع كفره وادعاؤه الربوبية، وإن لم يقتل افتتن به الناس، فأذن في قتله، فطلب الوزير صاحب الشرطة، فأمره ان يضربه ألف سوط، فان مات وإلا قطع أربعته، فأحضر وهو يتبختر في قيده، فضرب ألف سوط، ثم قطع يده ورجله، ثم حز رأسه وأحرقت جثته.


وقال ثابت بن سنان: انتهى إلى حامد في وزارته أمر الحلاج، وأنه قدموه على جماعة من الخدم والحشم وأصحاب المقتدر، بأنه يحيى الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون إليه ما يريد، وكان محبوساً بدار الخلافة فأحضر جماعة إلى حامد، فاعترفوا أن الحلاج إله، وأنه يحيي الموتى، ثم وافقوه وكاشفوه فأنكر، وكانت زوجة السمري عنده في الاعتقال، فأحضرها حامد فسألها، فقالت: قد قال مرة زوجتك بابني وهو بنيسابور، فإن جرى منه ما تكرهين فصومي واصعدي على السطح على الرماد، وافطري على الرماد وافطري على الملح، واذكري ما تكرهينه، فاني أسمع وأرى، قالت: وكنت نائمة وهو قريب مني فما أحسست إلا وقد غشيني، فانتبهت فزعة، فقال: إنما جئت لأوقظك للصلاة. وقالت لي بنته يوماً اسجدي له فقلت أو يسجد أحد لغير الله؟ وهو يسمعنى، فقال: نعم، إله في السماء وإله في الأرض.
وقال ابن باكويه: سمعت أحمد بن الحلاج يقول: سمعت أحمد بن فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاث من قتل والدي: رأيت رب العزة في المنام، فقلت: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ قال: كاشفته بمعنى، فدعى الخلق إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت.
وقال يوسف بن يعقوب النعماني: سمعت محمد بن داود بن علي الأصبهاني الفقيه يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه حقاً، فما يقول الحلاج باطل.
وعن أبي بكر بن سعدان، قال لي الحلاج: تؤمن بي حتى أبعث إليك عصفورة، تطرح من ذرقها وزن حبة، على كذا مناً من نحاس فيصير ذهبا، قلت: أفتؤمن بي حتى أبعث إليك بفيل يستلقي فتصير قوائمه في السماء، فإذا أردت أن تخفيه، أخفيته في عينك، فأبهته، وكان مموها مشعوذا.
وفيها توفي أبو العباس بن عطاء الأزدي الزاهد، وهو أحمد ابن محمد بن سهل بن عطاء، أحد مشايخ الصوفية القانتين الموصوفين بالاجتهاد في العبادة، قيل: كان ينام في اليوم والليلة ساعتين، ويختم القرآن كل يوم، توفي في ذي القعدة بالعراق.
وفيها حامد بن محمد بن شعيب، أبو العباس البلخي المؤدب ببغداد روى عن شريح بن يونس وطائفة وكان ثقة عاش ثلاثا وتسعين سنة.
وفيها عمر بن اسماعيل بن غيلان أبو حفص الثقفي البغدادي سمع علي بن الجعد وجماعة وثقه الخطيب.
وفيها أبو بكر محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي بالبصرة، وكان أحد الحفاظ المبرزين، روى عن بشر بن الوليد وطبقته.
وفيها محمد بن خلف بن المرزبان، أبو بكر البغدادي الأخباري صاحب التصانيف. روى عن الزبير بن بكار وطبقته. وكان صدوقاً.
سنة عشر وثلاثمئة
فيها توفي الحافظ الكبير، أبو جعفر أحمد بن يحيى بن زهير التستري، سمع أبا كريب وطبقته، وكان حفطه زاهداً خيراً. قال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت أحفظ منه. وقال ابن المقري فيه: حدثنا تاج المحدثين، فذكر حديثاً.
وإسحاق بن إبراهم بن محمد بن جميل، أبو يعقوب الأصبهاني، الراوي بن أحمد بن منيع مسنده عن سن عالية. قال حفيده عبد الله بن يعقوب: عاش جدي مئة وسبع عشرة سنة.
وأبو شيبة داود بن إبراهيم بن روزبة البغدادي بمصر، روى عن محمد ابن بكار بن الريان وطائفة.
وفيها علي بن العباس البجلي الكوفي المقانعي، أبو الحسن.
روى عن أبي كريب وطبقته.
وفيها أبو بشر الدولابي، وهو محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الرازي الحافظ، صاحب التصانيف، روى عن بندار محمد بن بشار وخلق، وعاش ستا وثمانين سنة.
قال أبو سعيد بن يونس كان من أهل الصنعة، وكان يضعف، توفي بين مكة والمدينة.
وفيها الحبر البحر الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير، والتاريخ، والمصنفات الكثيرة. سمع إسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد ابن حميد الرازي وطبقتهما. وكان مجتهداً لا يقلد أحداً.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال أبو حامد الإسفراييني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل تفسير محمد بن جرير، لم يكن كثيراً.
قلت:ومولده بآمل طبرستان، سنة أربع عشرة ومئتين، وتوفي ليومين بقيا من شوال، وكان ذا زهد وقناعة، توفي ببغداد.
وفيها أو بعدها بيسير، العالم المحدث أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، محدث فلسطين. روى عن صفوان بن صالح المؤذن، ومحمد بن رمح والكبار. وكان ثقة.


وفيها تقريباً أبو عمران الرقي موسى بن جرير المقري النحوي صاحب أبي شعيب السوسي وتصدر لإقراء مدة.
وفيها الوليد بن أبان بن الحافظ أبو العباس بأصبهان، صنف المسند والتفسير. وطوف الكثير. وحدث بن أحمد بن الفرات الرازي وطبقته.
سنة إحدى عشرة وثلاثمئة
فيها دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي القرمطي البصرة في الليل، في ألف وسبعمائة فارس. نصبوا السلالم على السور ونزلوا، فوضعوا السيف في البلد. وأحرقوا الجامع. وهرب خلق إلى الماء فغرقوا، وسبوا الحريم. والله المستعان.
وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحبري النيسابوري. الحافظ الزاهد المجاب الدعوة، والد المحدث أبي عمرو بن حمدان، روى عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم وطبقته، وصنف الصحيح على شرط مسلم، وكان يحيي الليل.
وفيها أبو بكر الخلال أحمد بن محمد بن هارون البغدادي، الفقيه الحبر الذي أنفق عمره في جمع مذهب الإمام أحمد وتصنيفه، تفقه على المروذي، وسمع من الحسن بن عرفة وأقرانه، توفي في ربيع الأول.
وفيها إبراهيم بن السري، أبو إسحاق الزجاج نحوي العراق وصاحب المبرد. صنف التصانيف الكثيرة، وتوفي في جمادى الآخرة وقد شاخ.
وفيها عبد الله بن إسحاق المدايني الأنماطي ببغداد، روى عن عثمان ابن ابي شيبة وطبقته، وكان ثقة محدثاً.
وعبد الله بن محمود السعدي، أبو عبد الرحمن، محدث مرو.
وعبد الله بن عروة الهروي الحافظ المصنف، سمع أبا سعد الأشج وطبقته.
والحافظ الكبير أبو حفص عمر بن بجير الهمذاني السمرقندي، صاحب الصحيح والتفسير، وذو الرحلة الواسعة روى عن عيسى بن حماد زغبة وبشر بن معاذ العقدي وطبقتهما وعاش ثمانيا وثمانين سنة.
ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، إمام الأئمة أبو بكر السلمي النيسابوري الحافظ، صاحب التصانيف، روى عن علي بن حجر وطبقته، ورحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر، وتفقه على المزني وغيره.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: لم أر مثل محمد بن إسحاق.
وقال أبو زكريا العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قول، إذا صح الخبر عنه.
وقال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارىء السورة. وقال ابن حبان لم ير مثل ابن خزيمة في حفظ الإسناد والمتن.
وقال الدار قطني: كان إماماً معدوم النظير.
ومحمد بن شادل أبو العباس النيسابوري سمع ابن راهويه وأبا مصعب وخلقا. وكان يختم القرآن في كل يوم.
ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب العلامة، صاحب المصنفات في الطب والفلسفة. وإنما اشتغل بعد أن بلغ الأربعين. وكان في صباه مغنياً بالعود.
سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة


فيها في المحرم، عارض أبو طاهر الجنابي ركب العراق. ومعه ألف فارس. وألف راجل. فوضعوا السيف وأستباحوا الحجيج. وساقوا الجمال بالأموال والحريم، وهلك الناس جوعاً وعطشاً. ونجا من نجا بأسوأ حال. ووقع النوح والبكاء، ببغداد وغيرها. وامتنع الناس من الصلوات في المساجد. ورجموا ابن الفرات الوزير، وصاحوا عليه أنت القرمطي الكبير. فأشار على المقتدر. بأن بكاتب مؤنساً الخادم. وهو على الرقة، وكان ابن الفرات قد سعى في إبعاده إليها خوفاً منه، فقدم مؤنس، فركب إلى داره ابن الفرات للسلام عليه. ولم يتم مثل هذا من وزير، فأسرع مؤنس إلى باب داره، وقبل يده وخضع، وكان في حبس المحسن ولد الوزير. جماعة في المصادرة. فخاف العزل. وأن يظهر عليه ما أخذ منه. فسم إبراهيم أخا الوزير علي بن عيسى. وذبح مؤنس خادم حامد بن العباس، وعبد الوهاب ابن ما شاء الله. فكثر ضجيج المقتولين على بابه. ثم قبض المقتدر على ابن الفرات وسلمه إلى مؤنس فعاتبه مؤنس، وتذلل له. فقال مؤنس: الساعة تخاطبني بالأستاذ. وأمس تبعدني إلى الرقة واختفى المحسن، ثم ظفر به في زي امرأة، وقد خضب يديه، فعذب، وأخذ خطه بثلاثة آلاف ألف دينار، وولي الوزارة عبيد الله بن محمد الخاقاني فعذب بني الفرات، واستصفى أموالهم، فيقال أخذ منهم ألفي ألف دينار، ثم ألح مؤنس، ونصر الحاجب، وهارون بن خالد المقتدر: حتى أذن في قتل ابن الفرات وولده المحسن فذبحا. وعاش ابن الفرات إحدى وسبعين سنة، وعاش بعد حامد بن العباس نصف سنة، وكان جباراً فاتكاً كريماً سائساً متمولاً، كان يقدر على عشرة آلاف ألف دينار. وقد وزر للمقتدر ثلاث مرات، وقيل كان دخله من أملاكه في العام، ألف ألف دينار.
وكان القرمطي، قد أسر طائفة من الحجاح، منهم الأمير أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، فأطلقه وأرسل معه يطلب من المقتدر، البصرة والأهواز، فحدث أبو الهيجاء أن القرمطي، قتل من الحجاح ألفي رجل ومئتين، ومن النساء ثلاثمئة، وفي الأسر مثلهم بهجر.
وفيها افتتح المسلمون فرغانة، إحدى مدائن الترك.
وفيها توفي علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، أبو الحسن الوزير، وابنه المحسن، ذبحا صبراً، ويقال عنه: أنه كاتب الأعراب أن يكبسوا بغداد، ولما ولي الوزارة في سنة أربع وثلاثمئة، خلع عليه سبع خلع، وكان يوماً مشهوداً، بحيث أنه سقى في داره في ذلك اليوم والليلة، أربعين ألف رطل ثلج، وكان هو وأخوه أبو العباس، آية في معرفة حساب الديوان.
وفيها علي بن الحسن بن خلف بن قديد أبو القاسم المصري المحدث وله بضع وثمانون سنة روى عن محمد بن رمح وحرملة.
وفيها محمد بن سليمان بن فارس أبو أحمد الدلال النيسابوري أنفق أموالا جليلة في طلب العلم وأنزل البخاري عنده لما قدم نيسابور وروى عن محمد بن رافع وأبي سعيد الأشج وخلق، وكان يفهم ويذاكر.
وفيها محمد بن محمد سليمان الحافظ الكبير. أبو بكر الباغندي، أحد أئمة الحديث، في ذي الحجة ببغداد. وله بضع وتسعون سنة.
روى عن علي بن المديني، وشيبان بن فروخ. وطوف بمصر والشام والعراق، وروى أكثر حديثه من حفظه.
قال القاضي أبو بكر الأبهري: سمعته يقول أجبت في ثلاثمئة ألف مسألة، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإسماعيلي: لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس، ومصحف أيضاً.
وقال الخطيب: رأيت كافة شيوخنا يحتجون به.
وفيها أبو بكر بن المجدر، وهو محمد بن هارون البغدادي. روى عن داود بن رشيد وطبقته، وكان معروفا بالانحراف عن علي.
سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة
فيها سار الركب العراقي، ومعهم ألف فارس، فاعترضهم القرمطي بزبالة، وناوشهم القتال، فرد الناس ولم يحجوا، ونزل القرمطي على الكوفة، فقاتلوه فغلب على البلد. ونهبه، فندب المقتدر مؤنسا، وأنفق في الجيش ألف ألف دينار.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق ببغداد، وكان ثقة رحالا، روى عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأبي نعيم الحلبي وعدة.
وفيها أبو العباس أحمد بن الحسين الماسرجسي سمع من جده لأمه، الحسن بن عيسى بن ماسرجس، وإسحاق بن راهويه، وشيبان بن فروخ.
وفيها جماهر بن محمد بن أحمد أبو الأزهر الأزدي الزملكاني، روى عن هشام بن عمار وطبقته.
وفيها أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي اللغوي العلامة.


قال ابن الفرضي: كان مفتيا بصبرا بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، و عاش خمسا وتسعين سنة، روى عن محمد بن وضاح وطائفة.
وعبد الله بن زيدان بن يزيد، أبو محمد البجلي الكوفي،عن إحدى وتسعين سنة، روى عن أبي كريب وطبقته. قال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ: لم تر عيني مثله. كان ثقة حجة، أكثر كلامه في مجلسه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على طاعتك، أخبرت أنه مكث نحو ستين سنة لم يضع جنبه على مضربة، كان صاحب ليل.
وعلي بن عبد الحميد الغضائري أبو الحسن، بحلب في شو ال. روى عن بشر بن الو ليد. والقواريري وعدة. وقال: حججت ماشيا من حلب أربعين حجة.
وعلي بن محمد بن بشار، أبو الحسن البغدادي الزاهد شيخ الحنابلة، أخذ عن صالح بن أحمد، والمروذي، وجاء عنه أنه قال: أعرف رجلاً منذ ثلاثين سنة، يشتهي أن يشتهي ليترك لله ما يشتهي، فلا يجد شيء يشتهي.
ومحمد بن أحمد بن أبي عون عبد الجبار، أبو جعفر النسائي الرياني، روى عن علي بن حجر، وأحمد بن إبراهيم الدورقي وطبقتهما، وثقة الخطيب.
ومحمد بن إبراهيم الرازي الطيالسي، روى عن إبراهيم بن موسى الفراء، وابن معين وخلق. قال الدارقطني: متروك.
وأبو لبيد محمد بن إدريس الشامي السرخسي، روى عن سويد، وأبي مصعب وطبقتهما.
وفيها محمد بن إسحاق، الثقفي مولاهم النيسابوري أبو العباس السراج الحافظ، صاحب التصانيف. روى عن قتيبة، وإسحاق وخلق كثير.
قال أبو إسحاق المزكي سمعته يقول: ختمت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اثنتي عشرة ألف ختمة، وضحيت عن اثنتي عشرة ألف أضحية. محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها. وقد ألف السراج مستخرجاً على صحيح مسلم، وكان أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر، عاش سبعاً وتسعين سنة.
وفيها أبو قريش محمد بن جمعة بن علي بن خلف القهستاني الحافظ. صاحب المسند على الرجال، وعلى الأبواب. أكثر التطواف، وروى عن أحمد بن منيع وطبقته.
سنة أربع عشرة وثلاثمئة
فيها أخدت الروم لعنهم الله ملطية عنوة واستباحوها، ولم يحج. أحد من العراق. خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها خوفا منهم.
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر التيمي المنكدري الحجازي نزيل خراسان، روى عن عبد الجبار بن العلاء وخلق.
قال الحاكم: له أفراد وعجايب.
وفيها محمد بن محمد بن النفاح بن بدر الباهلي أبو الحسن، بغدادي حافظ خير متعفف. توفي بمصر في ربيع الآخر، روى عن إسحاق بن أبي إسرائيل وطبقته.
وفيها محمد بن عمر بن لبابة، أبو عبد الله القرطبي مفتي الأندلس، كان رأسا في الفقه، محدثاً أديباً أخباريا شاعراً مؤرخاً، توفي في شعبان، وولد سنة خمس وعشرين ومئتين. روى عن أصبغ بن الخليل والعتبي وطبقتهما من أصحاب يحيى بن يحيى وأصبغ وتفقه به خلق.
وفيها نصر بن القاسم أبو الليث البغدادي الفرائضي روى عن شريح بن يونس وأقرانه وكان ثقة من فقهاء أهل الري.
سنة خمس عشرة وثلاثمئة
فيها أخذت الروم سميساط واستباحوها. وضربوا الناقوس في الجامع، فسار مؤنس بالجيوش ودخل الروم، وتم مصاف كبير هزمت فيه الروم. وقتل منهم خلق.
وأما القرامطة فنازلت الكوفة. فسار يوسف بن أبي الساج. فالتقاهم. فأسر يوسف، وانهزم عسكره، وقتل منهم عدة. و سار القرمطي إلى أن نزل غربي الأنبار. فقطع المسلمون الجسر. فأخذ يتحيل في العبور. ثم عبر وأوقع بذلك بالمسلمين. فخرج نصر الحاجب ومؤنس. فعسكروا بباب الأنبار. وخرج أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته. ثم ردت القرامطة في خبر العسكر عليهم وهذا أحد لان العرفان القرامطة وكانوا ألفاً وسبعمئة. من فارس وراجل. والعسكر أربعين ألف فارس، ثم إن القرمطي قتل ابن أبي الساج وجماعة معه. وسار إلى هيت، فبادر العسكر وحصنوها فرد القرمطي إلى البرية، فدخل الوزير علي بن عيسى على المقتدر بالله وقال: قد تمكنت هيبة هذا الكافر من القلوب. فخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش، والا فما لك إلا أقاصي خراسان. فأخبر أمه. فأخرجت خمسمئة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلثمئة ألف دينار. ونهض ابن عيسى في استخدام العساكر، وجددت على بغداد الخنادق، وعدمت هيبة المقتدر من القلوب. وشتمته الجند.


وفيها توفي أحمد بن علي بن الحسين، أبو بكر الرازي ثم النيسابوري الحافظ صاحب التصانيف، وله أربع وخمسون سنة. رحل وادرك إبراهيم بن عبد الله القصار وطبقته، بخراسان والري وبغداد والكوفة والحجاز.
وفيها أبو القاسم عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني الفقيه. قاضي دمشق نيابة. ثم قاضي الرملة. روى عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته، وكان له حلقة بمصر للفتوى والاشتغال. قال ابن يونس: خلط ووضع أحاديث.
وفيها الأخفش أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي النحوي، وهو الأخفش الصغير النحوي روى عن ثعلب والمبرد.
وفيها محمد بن الحسين، أبو جعفر الخثعمي الكوفي الأشناني أحد الأثبات. روى ببغداد، عن أبي كريب وطبقته.
وفيها محمد بن الفيض، أبو الحسن الغساني، محدث دمشق، روى عن صفوان بن صالح والكبار، توفي في رمضان عن ست وتسعين سنة.
وفيها محمد بن المسيب الأرغياني، الحافظ الجوال الزاهد المفضال، شيخ نيسابور. روى عن محمد بن رافع، وبندار، ومحمد بن هاشم البعلبكي وطبقتهم. وكان يقول: ما أعلم منبراً من منابر الإسلام. بقي علي لم أدخله لسماع الحديث. وقال: كنتُ أمشي في مصر، وفي كمي مائة جزء، في الجزء ألف حديث.
قال الحاكم: كان دقيق الخط. وصار هذا كالمشهور من شأنه، عاش اثنتين وتسعين سنة.
سنة ست عشرة وثلاثمئة
فيها دخل القرمطي الرحبة بالسيف واستباحها، ثم نازل الرقة وقتل جماعة بربضها، وتحول إلى هيت، فرموه بالحجارة وقتلوا صاحبه أبا الذواد فسار الى الكوفة ثم انصرف وبنى دارا سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي، وتسارع إليه كل مريب. ولم يحج أحد، ووقع بين المقتدر وبين مؤنس الخادم. واستعفى ابن عيسى من الوزارة. وَوَليَ بعده أبو علي بن مقلة الكاتب.
وفيها توفي بنان الحَمال، أبو الحسن الزاهد الواسطي، نزيل مصر وشيخها، كان ذا منزلة عظيمة في النفوس، وكانوا يضربون بعبادته المَثل و صحب الجنيد. وحدث عن الحسن بن محمد الزغفراني وجماعة. وثقه أبو سعيد بن يونس وقال توفي في رمضان، وخرج في جنازته أكثر أهل مصر. وكان شيئاً عجيباً.
وفيها أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، الخافظ ابن الحافظ، ولد بسجستان سنة ثلاثين ومئتين، ونشأ بنيسابور وغيرها، وسمع من محمد بن أسلم الطوسي، وعيسى بن زغبة. وخلائق بخراسان والشام والحجاز و مصر والعرق وأصبهان، وجمع وصنف وكان عنده عن أبي سعيد الأشج، ثلاثون ألف حديث، وحدث بأصبهان من حفظه بثلاثين ألفا. وقال ابن شاهين: كان ابن أبي داود، يملي علينا من حفظه، و كان يقعد على المنبر بعد ما عمي، ويقعد تحته بدرجة، ابنه أبو معمر، وبيده كتاب، يقول له: حديث كذا، فيسرد من حفظه حتى يأتي على المجلس. وقال غيره: توفي في ذي الحجة. وقال محمد بن عبيد الله بن الشخير: كان زاهداً ناسكأَ. صلى عليه نحو ثلاثمئة ألف إنسان أو أكثر.
وقال عبد الأعلى بن أبي بكر بن أبي داود: صلي على أبي ثمانين مرة.
وفيها محمد بن خريم، أبو بكر العقيلي، محدث دمشق، في جمادى الآخرة، روى عن هشام بن عمار وجماعة.
والعلامة أبو بكر بن السراج واسمه محمد بن السري البغدادي النحوي، صاحب الأصول في العربية وله مصنفات كثيرة، منها شرح سيبويه. أخذ عن المبرد وغيره، وكان مغرى في الطرب والموسيقى.
وفيها محمد بن عقيل بن الأزهر البلخي الحافظ، شيخ بلخ ومحدثها، صنف المسند والتاريخ وغير ذلك، سمع علي بن خشرم، وعباد ابن الوليد الغبري وطبقتهما.
وفيها أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الاسفراييني الحافظ، صاحب الصحيح المسند. رحل إلى الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة والعراق وفارس وأصبهان، وروى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب وطبقتهما وعلى قبره مشهد بإسفرايين. وكان مع حفظه فقيها شافعياً إماماً.
سنة سبع عشرة وثلاثمئة


في أولها، عسكر مُؤنس الخادم بباب الشَماسية، ومعه سائر الجيش، فكتب له المقتدر رقعة يبالغ في الخضوع له ويستعطفه، فطالبه بإخراج هارون بن غريب الخال، وكان صديقا لمؤنس، فقلده الثغور، وسار ليومه، فلما كان من الغد، اتفق مؤنس وأبو الهيجاء بن حمدان ونازوك على خلعه. وهرب ابن مقلة والحاجب، وهجم مؤنس وأكثر الجيش إلى دار الخلافة، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وحرمه إلى دار مؤنس، وردّ هارون فاختفى، فأحضروا محمد بن المعتضد من الحبس وبايعوه، ولقّبوه: القاهر بالله، وقلدوا ابن مقُلة وزارته، ووقع النهب في دار الخلافة وبغداد، وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع، وجلس القاهر من الغد، وصار نازوك حاجبه، فجاءت الجند، ودخلوا وطلبوا رزق البيعة ورزق السنة، ولم يأت يومئذ مؤنس، وعظم الصياح، ثم وثب جماعة على نازوك فقتلوه وقتلوا خادمه، ثم صاحوا يا مقتدر يا منصور، فتهارب الوزير والحجاب والقاهر صاروا إلى مؤنس ليرد المقتدر، وسُدت المسالك على القاهر وأبي الهيجاء، ثم حاسب نفسه وقال: يا أبي ثعلب أأُقتل بين الجدران؟ أين الكُمَيت؟ أين الدهماء؟ فرماه كما جور بسهم في ثديه، وآخر بسهم في نحره، ثم حز رأسه، وأحضروا المقتدر، وألقي بين يديه الرأس، ثم أسر القاهر، وأتي به إلى المقتدر، فاستدناه وقبل جبينه وقال: أنت لا ذنب لك يا أخي، وهو يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي، فقال: والله لا نالك مني سوء، وطيف برأس نازوك، ورأس أبي الهيجاء، ثم أتى مؤنس والقضاة، وجددوا البيعة للمقتدر، فبذل للجند أموالاً عظيمة، باع في بعضها ضياعاً وأمتعة، وقلد الشرطة، محمد بن رائق، وأخاه إبراهيم.
وماتت ثمل القهرمانة، التي تجلس للناس بدار العدل، وحج بالناس منصور الديلمي، فدخلوا مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجاج قتلا ذريعاً في المسجد، وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة ابن محارب، وقلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، وأخذه إلى هجر، وكان معه تسعمئة نفس، فقتلوا في المسجد الحرام ألفا وسبع مئة نسمة، وصعد على باب البيت وصاح:
أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأقتلهم أنا
وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها، زهاء ثلاثين ألفا، وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام، ولم يحج أحد.
قال محمود الأصبهاني: دخل قرمطي وهو سكران، فصفر لفرسه، فبال عند البيت، وقتل جماعة، ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس، فكسر منه قطعة ثم قلعه، وبقي الحجر الأسود بهجر نيفاً وعشرين سنة، وقد بسطت شأنه في التاريخ الكبير.
وفيها قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي، شيخ حنيفة بغداد، أخذ عنه أبو الحسن الكرخي. وقد ناظر مرة داود الظاهري، فقطع داود. لكنه معتزلي.
والحافظ الشهيد أبو الفضل الجارودي محمد بن الحسين بن محمد بن عمار الهروي، قتل بباب الكعبة، روى عن أحمد بن نجدة وطبقته، ومات كهلاً.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد حفص بن مسلم، أبو عمرو الجبري المزني، من كبار شيوخ نيسابور ورؤسائها، روى عن محمد بن رافع، والكوسج، ورحل وطوف، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها حرمي بن أبي العلاء المكي نزيل بغداد، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي حميضة الشروطي، كاتب أبي عمرو القاضي، روى عن كتاب النسب عن الزبير بن بكار.
وفيها القاضي المعمر أبو القاسم بدر بن الهيثم اللخمي الكوفي، نزيل بغداد، روى عن أبي كريب وجماعة.
قال الدارقطني: كان نبيلا، بلغ مئة وسبع عشرة سنة.
وفيها الحسن بن محمد، أبو علي الداركي محدث أصبهان، في جمادى الآخرة، روى عن محمد بن حميد الرازي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وطائفة.
وفيها البغوِي، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ليلة عيد الفطر ببغداد. وله مئة وثلاث سنين وشهر، وكان مُحدثاً حافظا مجوداًَ مصنفا. انتهى إليه علو الإسناد في الدنيا، فانه سمع في الصغر بعناية جده لأمه أحمد بن منيع، وعمه علي بن عبد العزيز، وحضر مجلس عاصم بن علي وروى الكثير عن علي بن الجَعد، ويحيى الحمّاني. وأبي نصر التمار، وعلي بن المديني وخلق وأول ما كتب الحديث، سنة خمس وعشرين وِمئتين. وكان ناسخا مليح الخط، نسخ الكثير لنفسه ولجده وعمه، وكان يبيع أصول نفسه.


وفيها علي بن أحمد بن سليمان بن الصيقل، أبو الحسن المصري، ولقبه علان المعَدل، روى عن محمد بن رمح وطائفة، وتوفي في شوال عن تسعين سنة.
وفيها محمد بن أحمد بن زهير، أبو الحسن الطوسي، حافط مصنف سمع إسحاق الكَوسج، وعبد الله بن هاشم وطبقتهما، وما أطنُه ارتحل.
وفيها محمد بن رَيان بن حبيب، أبو بكر المصري، في جمادى الأولى، سمع زكريا بن يحيى، كاتب العمَري، ومحمد بن رمح، وعاش اثنتين وتسعين سنة.
سنة ثماني عشرة وثلاثمئة
توفي فيها القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول بن حسان التنوخي الحنفي الأنباري الأديب، أحد الفصحاءِ البلغاءِ، وله سبع وثمانون سنة، رَوى عن أبي كُرَيب وطبقته، وولي قضاءَ مدينة المنصور عشرين سنة، وله مصنف في نحو الكوفيين. وفيها أحمد بن محمد المغلس البزاز، أخو جعفر، ثقة، روى عن لُوَيْن، وعدة.
وفيها إسماعيل بن داود بن وَردَان المصري البزاز، رَوى عن زكريا كاتب العمَري، ومحمد بن رمح، وتوفي في شهر ربيع الآخر، عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها أبو بكر الحسن بن علي بن بشار بن العلاّف البغدادي المقرىء، صاحب الدّوري، وكان ظريفا اديبا، نديما للمعتضد، ثم شاخ وعمي، وهو صاحب مرثية الهرّ:
يا هّر فارقتنا ولم تعدْ
وفيها أبو عَروبة، الحسين بن أبي معشر محمد بن مودود السّلمي الحراني الحافظ، مَحدث حران، وهو في عشر المئة، روى عن إسماعيل بن موسى العّدّي وطبقته، بالجزيرة والعراق والشام ورحل الناس إليه.
وفيها سعيد بن عبد العزيز أبو عثمان الحلبي الزاهد نزيل دمشق، صحب،سريا السقطي، وروى عن أبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي وأحمد بن أبي الحوري، وطبقتهما وقال: أبو أحمد الحاكم كان من عباد الله الصالحين بن محمد.
وفيها أبو بكر عبد الله بن مسلم الإسفراني الحافظ المصنف، وله ثمانون سنة. روى عن الحسن بن محمد الزعفراني. والذهلي وطبقتهما. ورحل الكثير.
وفيها محمد بن إبراهيم بن فيروز. أبو بكر الأنماطي. ببغداد، سمع أبا حفص الفلاس وطبقته. وفيها يحيى بن محمد بن صاعد، الحافظ الحجة أبو محمد البغدادي، مولى بني هاشم. في ذي القعدة، وله تسعون سنة. عني بالأثَر، وجمع وصنف، وارتحل إلى الشام والعراق ومصر والحجاز. وروى عن لُوين وطبقته. قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد في فهمه، والفهم عندنا أجل من الحفظ وهو فوق أبي بكر بن أبي داود، في الفهم والحفظ.