الفوائد الجلية في المباحث الفرضية

[باب ميراث الغرقى ونحوهم]
باب ميراث الغرقى ونحوهم إذا مات متوارثان فأكثر بهدم أو غرق أو حرق أو طاعون أو نحو ذلك فلهما خمس حالات: إحداهن أن يتأخر موت أحد المتوارثين ولو بلحظة فيرث

(1/83)


المتأخر إجماعا. الثانية أن يتحقق موتهما معا فلا إرث إجماعا. الثالثة أن تجهل الحال فلا يعلم أماتا معا أم سبق أحدهما الآخر. الرابعة أن يعلم سبق أحدهما الآخر لا بعينه. الخامسة أن يعلم السابق ثم ينسى، ففي الثلاث الأخيرة إذا لم يدّع (1) ورثة كل ميت تأخر موت مورثهم يرث كل واحد من تلاد مال الآخر دون ما ورثه دفعاً للدور، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول عمر وعلى وابن مسعود - رضى الله تعالى عنهم - وبه قال شريح وابن أبى ليلى وإبراهيم النخعى رحمهم الله تعالى، وذهب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه إلى عدم التوريث وهو مذهب الأئمة
_________
(1) فإن ادعى ورثة كل ميت تأخر موت مورثهم ولا بينة أو ثم بينة وتعارضت حلف كل منهم على إبطال دعوى خصمه ولا توارث حينئذ بين الأموات بل يقسم مال كل ميت على ورثته الأحياء حين موته خاصة.

(1/84)


الثلاثة رحمهم الله تعالى (1) إذا عرفت ذلك فطريق العمل على مذهب أحمد رحمه الله أن تقدر أن أحد الميتين أو الأًموات مات أولا ثم تقسم جميع ماله الأصلي - ويسمى التلاد - على من يرثه من الأحياء ومن مات معه فما حصل لكل واحد ممن مات معه، ويسمى الطريف فاقسمه على الأًحياء من ورثته بعد أن تجعل لهم مسألة وتقسمها عليهم، فإن انقسم عليهم صحت مسألتهم مما صحت منه الأولى، وإن لم ينقسم نظرت بينه وبين مسألتهم كنظرك بين الفريق وسهامه، فإن باينها أثبتَّ جميعها، وإن وافقها أثبت وفقها ثم بعد هذا تقسم طريف الميت الثالث إن كان على الأحياء من ورثته بعد أن تجعل لهم مسألة وتقسمها عليهم، فإن انقسم عليهم صحت مسألتهم مما صحت منه الأولى، وإن لم ينقسم نظرت بينه وبين مسألتهم كنظرك بين الفريق وسهامه، فإن باينها أثبت
_________
(1) واختاره جمع من الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجده المجد، وهو أرجح دليلا والله أعلم.

(1/85)


جميعها، وإن وافقها أثبت وفقها، ثم إن كان هناك ميت رابع قسمت طريفه على الأًحياء من ورثته وعملت كما سبق، وهكذا إلى أن تنتهي الأموات ثم تنظر بعد ذلك بين المثبتات من المسائل أو وفقها بالنسب الأربع فما حصل بعد النظر والعمل فهو كجزء السهم يضرب في مسألة الميت الأول فما حصل فمنه تصح مسألة الميت الأول، ومسائل الأحياء من ورثة من مات معه، ومن له شيء من الأولى أخذه مضروبا في جزء السهم، ومن له شيء من المسائل الأخيرة (1) أخذه مضروبا في سهام مورثه أو وفقها ثم بعد هذا تنتقل إلى الميت الثاني فتقدر أنه مات أولا وتعمل في تلاد ماله
_________
(1) هذا لا يصح إلا إذا كان الغرقى ونحوهم اثنين، فإن كانوا أكثر من ذلك فطريق القسم أن يقال بعد ضرب جزء السهم في المسألة الأولى ثم تأخذ نصيب كل وارث من المسألة الأولى فتضربه في جزء السهم فما بلغ فهو لذلك الوارث إن كان حيا، وإن كان ميتا فهو لورثته منقسما على مسألتهم. وهذا الطريق صالح أيضا فيما إذا كان الغرقى ونحوهم اثنين. وبذلك يعلم أن هذا الطريق أعم من الطريق المذكور وأسهل، والله أعلم.

(1/86)


وطريف من مات معه مثل عملك في الميت الأول، وهكذا تعمل إن وجد ثالث فأكثر، فلو ماتت امرأة وابنها وجهل الحال أو علم السبق ولم يعلم عين السابق منهما أو علم ثم نسي وخلفت المرأة أبوين وخلف الابن بنتا، فمسألة المرأة من ستة لكل من أبويها السدس واحد والباقي أربعة للابن؛ ومسألة ورثة الابن الإحياء من ستة للجدة أم الأم السدس واحد وللبنت النصف ثلاثة والباقي اثنان للعاصب وبين المسألة وسهام الابن توافق بالنصف فتأخذ وفق المسألة ثلاثة وهو جزء السهم فتضربه في مسألة المرأة ستة فتبلغ ثمانية عشر لكل واحد من أبوي المرأة واحد من مسألتها يضرب في جزء السهم ثلاثة فيحصل له ثلاثة وللجدة التي هي أم في الأولى من مسألة ورثة الابن واحد يضرب في وفق السهام اثنين باثنين فيكون جميع مالها من المسألتين خمسة ولبنت الابن من مسألة ورثة الابن ثلاثة تضرب في وفق السهام اثنين بستة وللعاصب منها اثنان يضربان في وفق السهام

(1/87)


اثنين بأربعة، ومسألة تلاد الابن من ستة لأمه السدس واحد ولبنته النصف ثلاثة والباقي اثنان للعاصب، ومسألة ورثة الأًم الأحياء من ستة لكل واحد من أبويها السدس واحد ولبنت ابنها النصف ثلاثة والباقي واحد لأبيها تعصيب، وبين مسألة ورثة الأم وسهامها تباين فتضرب المسألة ستة وهي جزء السهم في مسألة الابن ستة فتبلغ ستة وثلاثين لبنت الابن من مسألته ثلاثة تضرب في جزء السهم ستة فيحصل لها ثمانية عشر ولعاصب الابن من مسألته اثنان يضربان في جزء السهم ستة فيحصل له اثنا عشر ولبنت الابن من مسألة ورثة الأم ثلاثة تضرب في سهام الأم واحد بثلاثة فيكون جميع مالها من المسألتين واحداً وعشرين، ولأب الأم من مسألة ورثتها اثنان يضربان في سهمها واحد باثنين ولأمها واحد يضرب في سهمها واحد بواحد، ولو مات أخوان أحدهما عتيق لعمرو والآخر عتيق لزيد فمال عتيق عمرو لزيد ومال عتيق زيد لعمرو، والله تعالى أعلم.

(1/88)