سلسلة الهدى والنور – 381:

[حكم الدخول في المجالس النيابية – ما هو الجهاد الشرعي؟ – لا زكاة على عروض التجارة والرد على الغزالي]

للإمام محمد ناصر الدين الألباني

رحمه الله تعالى

[شريط مفرّغ]

قام بالتفريغ : محمد الهاشمي مصمودي

[ تم مراجعة هذا الملف مرة واحدة وإصلاح السقط والخطأ من قبل الإشراف في موقع الألباني :
www.alalbany.net ]

محتويات الشريط :-
1 - تتمة الكلام حول قاعدة : المثبت مقدم على النافي وحديث ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) . ( 00:00:45 )
2 - الرد علي شبهة من يقول إن تبليغ الحق لا يكون إلا بالدخول في المجالس النيابية أو الإضرابات . ( 00:05:55 )
3 - هل يجوز سلب أموال اليهود باعتبارهم محاربين .؟ وما هو الجهاد الشرعي .؟ ( 00:21:56 )
4 - قراءة الشيخ من أواخر سورة الفرقان. ( 00:28:30 )
5 - رد الشيخ على قول الغزالي بأن القائلين بعدم وجوب زكاة عروض التجارة قد أضروا بالإسلام إذ ... . ( 00:35:49 )

1 - تتمة الكلام حول قاعدة : المثبت مقدم على النافي وحديث (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) (00:00:45):

ولذلك ترك أبو حنيفة وأهل الكوفة ومن جاء بعدهم الرفع ، فهل نتركه نحن ..؟ نقول لا المثبت مقدم على النافي وذاك إمام وله اجتهاده ولا نعيره ولا نعيب عليه وله أجره عند الله على كل حال .


إذاً إذا جئنا إلى مثل حديث النهي عن صوم يوم السبت ولم نعلم أن أحداً من الأئمة المشهورين أخذ به، وقد علمنا إضافة نافلة بالعلم من عمل به من بعض العلماء المتقدمين أو جاءنا حديث لا اعتكاف إلا في ثلاث مساجد ولم نعلم أن أحد الأئمة عمل به لكننا علمنا أن بعض من سلف قد عمل به فحسبنا أن يكون الرسول عليه السلام قد قال ذلك وثبت لدينا وليس لنا عذر أن ندع العمل به ، فهل يتصور المسلم أنه وقف بين يدي الله تبارك وتعالى يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]. فقال له رب العالمين أي عبدي.
يتصور المسلم هذا الموقف الرهيب إذا قال له لماذا لم تعمل بهذا الحديث أو بذاك الحديث، هل يقول كما يقول للعبد منا أنا ما علمت من عمل به من أئمة المسلمين!! طيب، أليس رسول الله هو إمام المسلمين كلهم؟ فما الفرق بين أن تعرف أن إمام المسلمين جميعاً قد قال بهذا الحديث أو من دونه قد عمل بهذا الحديث، لا هذه حجة داحضة مرفوضة لا تنفع قائلها يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89].
السائل: شيخنا لا تؤاخذنا، يعني هناك لهم أيضا اعتراض.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: تفضل .
السائل: يقول أن حملكم على الألف واللام في قوله تبارك وتعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] على العهد، لا دليل عليه، لما لا يكون حمل الألف واللام على الاستغراق، عملا واتباعاً بفهم العلماء المفسرين الذين فسّروا هذه الآية.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: ليس في هذه الشبهة شيء جديد لأنها قائمة على الإغماض وتجاوز الحديث.
السائل: نعم.


الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: أما والحديث موجود فحين ذاك نحن نقول الحديث يقيد عموم القرآن ونحن نعلم من ذلك أمثلة كثيرة، وكثيرة جداً لماذا لا يقولون المصريون خاصة هؤلاء الذين يشككون فى العمل بمثل هذا الحديث لماذا لا يحرمون أكل الفسيخ والله يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]؟
السائل: هناك من يقول يعنى الفسيخ وسيخ - فعلمًا يبيح أكل الفسيخ .
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لا، أنا المقصود لماذا لا يحرمون السمك المحرم الميت؟ والله يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]، هذا الموقف الذي يقفونه بحق تجاه السمك الميت وبالتالي الفسيخ منه لأنه هذا أكره عند كثير من الناس الذين لم يعتادوا أكله لكن فلنقف عند اللفظ القرآني: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]. فلماذا لا يحرمون ميتة السمك؟
لوجود حديث هناك، وما الفرق إذاً بين موقفهم وبين موقفنا!! لماذا لا يُعَمِّمُون الميتة كما يريدون التعميم في المساجد؟ الجواب واحد، فإذا الجواب منا كما سمعت آنفاً هذه الشبهة قائمة أيضاً على غض النظر على هذا الحديث وعن تجاهله وهذا في الواقع لو كان كلام إمام من أئمة المسلمين وليس له معارض من الكتاب والسنة لم يجز أن يقابل بالتجاهل لهذا الكلام إذا كان كلام إمام من أئمة المسلمين فكيف وهو كلام سيد الأنبياء والمرسلين!!
أنا أعوذ بالله –أخيراً- أن أكون من الجاهلين أن أتعامى عن العمل بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم كما يفعل الآخرون ونسأل الله الهداية لنا ولهم أجمعين .نعم.

2 - الرد علي شبهة من يقول إن تبليغ الحق لا يكون إلا بالدخول في المجالس النيابية أو الإضرابات. (00:05:55)


السائل: شيخنا، شيخنا معلوم رأيكم فيما يتعلق بدخول المجالس النيابية ومجالس الشعب وإباحة المظاهرات والإضراب عن الطعام في السجون ونحو ذلك، لكن قالوا إن الحكومات القائمة الآن أصبح لا يُنال الحق إلا باتخاذ مثل هذه الإجراءات، فلا أستطيع مثلاً أن أواجه رئيس الجمهورية بكلمة حق فأقول له: (إتق الله وطبق شرع الله) إلا إذا كنت نائباًَ في البرلمان، فيقولون: وتبليغ هذه الكلمة واجبة بالنسبة للحاكم أو غيره وكذلك الحكومات تهاب المظاهرات وهياج الشعب فذاك يستجيبون لمطالبهم فيقولون وهذه الأشياء واجبه واجب التبليغ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولذلك هذه الأشياء مباحة في هذا الباب. فما قولكم جزاكم الله خيراً.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
أولاً: لا نسلم بقولهم بأنه لا سبيل إلى تبليغ كلمة الحق إلى الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله إلا بأن يكون الرجل نائبا في البرلمان وبخاصة إذا أُلْحِق بذلك أن تكون المرأة أيضاً نائبةً في البرلمان، لا أسلم بصحة هذه الدعوى فإنه من الممكن أن يتكلم الإنسان كلمة حق بطريق الجرائد والمجلات والوسائل ووإلى آخره...


فالطُرق لإبلاغ كلمة الحق إلى المسئولين وبخاصة أن الملك أو رئيس الجمهورية أو من يشبهه من رؤساء أنهم هم يتسترون بمن دونهم من الوزراء ثم هؤلاء يتسترون بمن دونهم من النواب ونحن نعرف في هذه الحياة البرلمانية التي نعيشها في كثير من البلاد الإسلامية أنها -وهذه يمين بالله وقلما أحلف- أنها تكوءات وستائر يعتمدون عليها لتنفيذ ما يريدون من مخالفة الأحكام الشرعية، فوجود هؤلاء في البرلمانات لا يفيدهم شيء والتاريخ والتجربة في نحو نصف قرن من الزمان أكبر دليل أن وجود المسلمين الطيبين الصالحين في البرلمانات هذه لا يفيدون شيئاً بل قد يضرون أولاً بأنفسهم لأنهم يدخلون ليصلحوا غيرَهم فإذا بغيرِهم قد أفسدهم، وهذا يُشَاهد في كثير من المظاهر يدخل مثلاً المسلم التقى الصالح الملتزم للسمت والدل والهدي الإسلامي له لحية جليلة وله قميص ولا يتشبه بالكفار بلبس الجاكيت والبنطال ونحو ذلك وإذا به بعد مضي شهر أو شهور أو سنه أو سنتين تراه قد تغيَّر مظهره لماذا؟ لأنه لم يستطع أن يثبت شخصيته المسلمة تجاه هذه الشخصيات التي أقل ما يقال فيها أن مظاهرهم ليست إسلامية، فإذا هو دخل في سبيل الإصلاح وإذا به أفسد نفسه فضلاً عن أنه لم يتمكن من أن يصلح غيره.
لا أريد أن أستطرد في هذا ولكني أريد أن أقول بأن هذه الحجة أولا حجة داحضة فبإمكان المسلم الغيور الحريص على تبليغ كلمة الحق إلى المسئولين في البرلمان بأي طريق من النشر وما أكثر وسائل النشر في العصر الحاضر.


ثانياً: طريقة الانتخابات واختيار النواب هذه ليست طريقة إسلامية أبداً، هذه طرق برلمانية أوربية كافرة لو إفترضنا الآن أن حكم إسلامياً قام على وجه الأرض ما بين عشية وضحاها وعسى أن يكون ذلك قريب بهمة المسلمين وليس بتواكلهم عن العمل، قام الحكم الإسلامي أترون أن هذا الحكم الإسلامي سيقر هذه البرلمانات التي تفتح مجال ترشيح الصالح والطالح وليس هذا فقط بل والمسلم والكافر الذي له دين وليس هذا فقط بل الكافر من أهل الكتاب الذين لهم حكم خاص في بعض المسائل في الإسلام والملاحدة والزنادقة والشيوعيين كل هؤلاء يُعطى لهم الحرية في أن يرشحوا أنفسهم وأن ينتخبهم من شاء من أفراد الأمة. أهذا هو نظام إسلامي؟!! لا والله، ليس من الإسلام بسبيل إنما هذا نظام من لا يخضع لمثل قول رب العالمين: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:35-36].
إذا في انضمامنا إلى البرلمانات هذه القائمة على غير النظام الإسلامي مثلُنا دون المثل الذي يقول: ((مثل فلان كمثل من يبنى قصراً ويهدم مصرأ)) هؤلاء يهدمون قصراً ومصراً في آن واحد لأنهم لا يفيدون شيء بمثل هذا الانتماء للبرلمانات، والحق والحق أقول إن للنفس هنا دخلاً كبيراً لأن النفس تحب التميز والترفع والتوظف في الكراسي العالية ليقال فلان وزير فلان نائب الوزير إلى آخره. فالنفس تسوِّل لصاحبها بمثل هذه التأويلات أنها تدخل لتبليغ كلمة الحق إلى الحاكم الذي لا سبيل لنا إليه إلا بطريق البرلمان. الجواب هذا الكلام أولا غير مسلم وثانياً أن هؤلاء الذين يدخلون البرلمانات في أي بلاد الإسلام لا يستطيعون أن يغيروا شيئاً من النظام القائم لأن هذا النظام القائم هو الذي سيحول الأفراد الذين انضووا تحت هذا النظام وقد يستطيعون أن يعملوا شيئا من الشكليات أما التغيير الجوهري فهذا لا سبيل للوصول إليه بطريق الانضمام كنواب في هذه البرلمانات.


أخيرا أريد أن ألفت النظر إلي شيء أدندن حوله كثيرا وكثيرا جدا، هل هذا هو سبيل إعادة الحكم الإسلامي وتحقيق المجتمع الإسلامي أن ننضم عن دستور لا يحكم بما أنزل الله؟ -وفاقد الشيء لا يعطيه-: لا أنا أعتقد أن الطريق لتحقيق المجتمع الإسلامي وبالتالي إقامة الدولة المسلمة إنما يكون على طريقة محمد عليه الصلاة والسلام الذي وضع لنا منهج عام وعبَّر عنه بكلمة موجزة: ((خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم)) فهل انضم الرسول عليه السلام إلى كفار مكة في سبيل إصلاحهم بالطريقة الناعمة اللطيفة كما يفعل هؤلاء الذين يريدون أن ينضموا إلى البرلمانات، أم صدع بكلمة الحق خاصة كلمة التوحيد: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:19].
لقد استمر النبي صلى الله عليه وسلّم كما تعلمون جميعاً ثلاثة عشر سنة وهو يدعو الناس إلى التوحيد وفى أثناء هذه السنين كان يربيهم عليه الصلاة والسلام على علمه بالأخلاق الإسلامية بأن يؤثروا الحياة الآخرة على الحياة الدنيا فهل سلكنا هذا السبيل؟ الجواب: إن هؤلاء الذين يريدون الإصلاح بطريق الانتماء للبرلمانات لقد نسوا طريق الحق وهو ((التصفية والتربية)) كلمتان أدعو المسلمين إلى الوقوف عندهما وتفهمهما جيداً والعمل على تطبيقهما.
التصفية: نحن الآن في أول القرن الخامس عشر من الهجرة وبيننا وبين العهد النبوي الأطهر الأزهر الأنور أربعة عشرة قرناً دخل في الإسلام ما ليس منه ليس فقط في السلوكيات والأخلاق ولا في العبادات وإنما دخل أيضاً في العقيدة ما ليس من ذلك فأين المرشدون وأين المربون الذين يربون الجماعات الإسلامية التي تكون بالألوف المؤلفة على التصفية والتربية!! لذلك أنا لا أرجو أبداً أن تنهض جماعة من المسلمين وتكون لهم الصولة والدولة إلا على الطريقة التي جاء بها الرسول عليه السلام.


وتلخيص ذلك العلم النافع والعمل الصالح، العلم النافع اليوم بيننا وبين الوصول إليه عقبات كأباء شديدة جداً فيجب تذليلها وتقريب هذا العلم النافع إلى أذهان الناس بهذه الكلمة التي أسميها بالتصفية مقرون معها التربية ونحن نجد الآن كثيراً من الدعاة الإسلاميين ليسوا هم أنفسهم لم يرَبوا على الإسلام الصحيح بل ذووهم أيضاً وأهلهم وأولادهم ونسائهم، فإذا لم نحقق المجتمع الإسلامي على هذا الأساس الصحيح من التصفية والتربية فلن تقوم دولة الإسلام بطريق البرلمانات أبداً وإنما هذا تعويق للمسيرة الإسلامية التي يجب أن نمشي عليها إن شاء الله. نعم.
السائل: شيخنا يقولون أيضاً في هذا أن البطانة والحاشية تحجب عن الحاكم الجرائد التي تنبهه وتأمره بتقوى الله عزَّ وجلَّ فلا يصل إلى الحاكم هذه الكلمة، ويقولون أيضاً سلِّم لنا أنه لا طريق إلى تبليغ الحاكم بشرع الله إلاَّ المواجهة الصريحة فهل هذا يسوغ أيضاً بالقاعدة السابقة دخول البرلمانات؟
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: المواجهة قبل كل شيء يجب تحقيق ما أشرت إليه آنفاً من التصفية والتربية وحينما توجد كتلة تُعد بالألوف المؤلفة رُبُّوا وعلِّموا وكانوا على قلب رجل واحد يومئذ يمكن أن تتحقق المواجهة المزعومة وهذا اليوم أبعد ما يكون بدليل أيضاً الحوادث التي وقعت هنا مثلا بالحجاز وما وقع في مصر عندكم، وما وقع عندنا في سوريا وما قد سيقع لا سمح الله في بلاد أخرى بسبب هذه الثورات الإسلامية التي لم تقم على أساس من التصفية والتربية فسوف تكون عاقبة ذلك سوءاً وتكون غير مرضيه بل ستكون سبب لتعويق استمرار الدعوة الإسلامية إلى الإمام.


فلذلك فنحن ننصح إخواننا الذين يشاركوننا في الاهتمام بالرجوع إلى الكتاب والسنة أن لا يستعجلوا الأمر وأن يربوا أنفسهم وأن يربوا ذويهم على هذا الإسلام الصحيح وأن يدعوا الحكام يفعلون ما يشاءوا لأننا لا سبيل لنا إليهم ولنتصور الرسول وحياته في مكة وماذا كان يصيبه ويصيب أصحابه، من الكفار؟ ما وقفوا أمامه يجابهونهم ويواجهونهم لسببين اثنين: أولاً أنَّ التربية التي ينبغي أن تتحقق في المسلمين لمَّا تكن قد تحققت فيهم، وثانياً ربنا يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] إلى آخر الآية... لم يكن المسلمين يومئذ مما يمكنهم أن يجابهوا العدو أولاً بإيمانهم القوي وثانياً باستعدادهم المادي.
فلذلك ننصح هؤلاء أن لا يتغلب عليهم الحماس والكره لهؤلاء الحكام وحُقَّ لهم ذلك لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله وإنما عليهم أن يتأنوا وأن يربوا أنفسهم ومن حولهم على الإسلام الصحيح وإلا فقد قيل قديماً: ((من استعجل الشيء قبل أوانه أبتلي بحرمانه)).
والآن ينشغلون بتحضير الطعام فحسبنا هذا الكلام.

3 - هل يجوز سلب أموال اليهود باعتبارهم محاربين ؟ وما هو الجهاد الشرعي؟ ( 00:21:56 ):

يتوهم كثير من الناس أن أموال المحاربين وأعراضهم تحل للمسلمين حِلاً مطلقاً بحيث أنه يجوز للمسلم أن يسطو على مال الكافر المحارب أو على عرضه كيفما اتفق له وشاء، والأمر ليس كذلك لأن أي مال يقع في يده أو أي أسير سواء كان ذكر أو أنثى فعليه أنه يسلم ذلك كله للأمير المسئول عنه والذي يقاتل هو معه، ثم هذا الأمير المفروض فيه أنه يوزع الغنائم التي حصل عليها جنده حسب التقسيم الشرعي.


ولذلك فحينما يأتي سؤال: ألا يجوز اليوم سلب أموال اليهود باعتبارهم محاربين ومحتلين لبلاد الإسلام؟ نقول: لا، لا يجوز بالمعنى الذي يتبادر للذهن، أن واحد سطاله مثلا على بنت يهودية فهو يأخذها جارية له، ليس كذلك أو صح له مال بطريقة أو بأخرى فهو يسلبه من ذاك اليهودي لأنه محارب ليس الأمر كذلك، هذا وذاك يُسلَّم للقائد الذي يسوق الجيش لقتال الكفار، أين هذا القائد اليوم؟ اليوم لا يوجد جهاد بالمعنى الشرعي في فلسطين بحيث تترتب عليه الأحكام الشرعية من مثل قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4]، أو مثل مثلا الأسر أو الاسترقاق. عرفت الجواب؟
السائل: نعم، جزاك الله خيرا.
سائل آخر: يا شيخ، في أفغانستان معروف، نفس الشيء القائد؟
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: أي نعم، لكن والله ما أدري هل تطبق الأحكام الشرعية هناك وهذا من الأمور التي تحفزني وتدفعني دفعنا على أنه لا يجوز القيام بجهاد شرعي إلا بعد أن تمهد له بكل الوسائل المشروعة منها أن من يريد أن يقوم بهذا الجهاد أن يكون عنده هيئة من أهل العلم يوجهون الجهاد الوجهة الشرعية.
فالآن مثلا لنأتي المسألة من أقرب طريق: الغنائم التي يستولى عليها المجاهدون الأفغان هل تقسم على المجاهدين كلهم؟ أم تقسم فقط على الفرقة أو السرية التي هي استولت على هذه؟ بينما هناك سرايا أخرى لهم جهاد في جبهات أخرى لهم نصيب من ذلك أو من تلك المغانم. ما أدرى هل يطبق هذا أم لا؟ ولذلك فالجهاد الذي ينشده كثير من الإسلاميين ويدندنون حوله كثيراً وكثيراً جداً، يتطلب المعرفة بالأحكام الشرعية المتعلقة بالجهاد.


يعنى مثلا اليوم لما تجولنا تلك الجولة في السعودية وفى الدمام المنطقة الشرقية، سألني بعضهم أن أمامه إجازة فهو يريد أن يستغلها ليذهب إلى أفغانستان ويجاهد في سبيل الله، قلت له: الجهاد في سبيل الله ليس نزهة وليس خيره بحيث أن يجاهد شهر شهرين وترجع أدراجك إلى أهلك، لا، يجب أن تسلم قيادة أمرك لرئيس الجيش ثم هو إن سمح لك بالعودة تعود وإلا فلا.
اليوم، صار القضية قضية اختيارية بيروح بيقضيلوا شهر شهرين ثم إش!! بيرجع. بعين بتستناله فرصة ثانية بيروح بيقضيها ثم بيرجع هو دا هو الجهاد، والسبب أنه ما في تنظيم كما ينبغي.

4 - قراءة الشيخ من أواخر سورة الفرقان. (00:28:30):

على كل حال أن أرى القمر أمامي فيذكرني ببعض الآيات التي ذكرتها أبا عبد الله، آنفاً، وبقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وكبروا وتصدقوا»


أما الآيات فهي كما قال تعالى في القرآن الكريم، وما دام أننا في صدد التلاوة فيجب أن نفتتحها بالاستعاذة فأقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا


لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان: 61-77]. ولا أقول صدق الله العظيم لأنه من المعلوم .... نعم .
السائل: جزاك الله خيراً، طيب الله الأنفاس يا شيخ ...

(أحد الحضور محاولا التصحيح للشيخ على ما يبدو)

الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: سمعنا شلون الشريط عندك.
السائل: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} الآية {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، قراءتان؟
ج: قراءتان. نعم.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: هات لأشوف.

5 - رد الشيخ على قول الغزالي بأن القائلين بعدم وجوب زكاة عروض التجارة قد أضروا بالإسلام (00:35:49):

الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: آه؟
السائل: نسأل؟
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: سبق بها عكّاشة.
السائل: أنا استأذنتُ منه.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: أيضاً!! ما شاء الله، طيب كما تريد.
السائل: نبدأ يا أبا ليلى؟
أبو ليلى: تفضل.
السائل: شيخنا، الشيخ محمد الغزالى في كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث..
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: وهل تشيخه؟
السائل:...
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: بعدما فعل فعلته...!!
السائل: الأستاذ محمد الغزالى ... يقول أن القائلين بأن عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة بفتواهم هذه أصاب الإسلام ضرر شديد إذا لا يعقل أن تفرض الزكاة على رجل عنده فدَّان شعير لا يكاد يخرج منه شيء مذكوراً، ويترك أصحاب الملايين بل المليارات لا يؤخذ منهم زكاة، فما جوابكم على هذه المقولة؟
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: جوابي على هذا القيل من ناحيتين:


الناحية الأولى أنه كما عهدناه في كل زلاته وشطحاته التي ظهرت في كتابه الأخير وفى ما قبله أنه يعتمد على الرأي فيما يصدره من أحكام شرعية ولا يعتمد على النقل، والسبب في ذلك معروف منذ قديم أن أهل الرأي لمّا كانت بضاعتهم مزجاة في علم السنة والحديث النبوي ولذلك فهم يلجئون لتعويض ما فاتهم من الخير إلى الاعتماد على آرائهم وأفكارهم التي لا مستند لها من كتاب ولا سنة.


وكل إنسان يستطيع أن يفعل فعل أهل الرأي، أن يقول رأيي كذا، كل إنسان يستطيع هذا وليس كذلك أن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال كذا وكذا، أو أنه صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال كذا وكذا، لأن لجأه إلى مثل هذه الدعوة تتطلب منه جهداً كبيراً ودراسة واسعة جدا وهو ما يُعلَم عند المحدثين بدراسة علم الجرح والتعديل من جهة وأصول علم الحديث من جهة أخرى فضلاً عن دراسة أو إطلاع واسع جداً على الأحاديث المروية في كتب السنة بأسانيدها. وبما لا شك فيه ولا ريب أن مثل هذه الدراسة تأخذ من عمر الإنسان حياته كلها مهما بارك الله عزّ وجلّ له فيها ولما كان هذا الأمر شاق وصعب تناوله على كثير من الناس ولذلك وجدناهم قد استقصروا الطريق وأتوه من أقرب السبل، بلاش دراسة علم الحديث وأصول الحديث ورجال الحديث ورواة الحديث، وإنما هو الرأي، أنا أرى كذا وأعتقد كذا ولا شيء يكلفهم من ذلك جهداً يذكر ولقد انتبه لهذا الأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رُوِيَ عنه من قوله رضي الله عنه: ((إذا جادلكم أهل الأهواء بالقرآن فجادلوهم بالسنة فإن القرآن ذو وجوه))، وهذه حقيقة فيمكن مثلاً أن نأخذ آية عامة وتكون السنة قد خصصتها فيأتي صاحب الهوى ويحتج بآية عامة لجهله بما جاء في السنة بما يخصصها أو يقيدها حسب النصوص الواردة في القرآن الكريم ولذلك نجد أهل الرأي قديماً وحديثاً استسهلوا طريق أهل الرأي واستصعبوا طريقة أهل السنة فوقعوا في مخالفات شرعية كثيرة وكثيرة جداً حتى في مخالفة القرآن لأننا نعلم والحمد لله جميعاً نحن أهل السنة نعلم أنه لا سبيل إلى تفسير القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً إلا بالرجوع إلى السنة فإذا لم يرجع المسلم إلى السنة في تفسير القرآن لا شك أن مصيره مصير أي فرقة من الفرق القديمة التي كانت تسمى عند السلف أهل الأهواء: كالمعتزلة والمرجئة والخوارج ونحوهم....


لابد أن يقع من أعرض عن السنة في فهمه للقرآن في شيء من هذا الانحراف لأنه يكون قد تجاهل آيات كثيرة في القرآن الكريم تحض المسلم على أن لا يعتمد في فهمه ودراسته للقرآن الكريم على عقله وإنما على سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلّم هذه السنة التي أشار إليها القرآن الكريم بأنها البيان حيث قال تبارك وتعالى في القرآن: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمِْ} [النحل:44]، هذا البيان هو السنة فإذا لم يرجع ولم يرجع طالب العلم إلى السنة لفهم القرآن الكريم فلا شك في أنه سوف ينحرف كثيراً كثيراً جداً عن مراد الله تبارك وتعالى فيما أنزل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلّم من الآيات البينات للآية السابقة: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمِْ } [النحل:44].


منطق هذا الرجل الذي يثبت وجوب الزكاة على عروض التجارة يلزمه أن يثبت كثيراً من الأحكام وينسبها إلى الإسلام لمجرد الرأي، ذلك لأن العلماء مثلاً اتفقوا إجمالاً على أنه لا يجب الزكاة على كثير مما تنبت الأرض بعد أن اختلفوا في بعض الأنواع لكنهم مثلاً اتفقوا على أن الخضروات لا زكاة عليها ونحن في هذا العصر نعرف بأن هناك أراضي كثيرة تزرع بالخضرة وفى فصول من السنة مختلفة متعددة وتثمر لصاحبها أموال طائلة جداً فهل على هذه الخضر زكاة؟ الجواب باتفاق العلماء فيما نعلم أنه لا زكاة عليها، بل قد جاء في السنة تحديد الزكاة المفروضة على ما تنبت الأرض بأنواع أربعة كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حينما أرسله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم إلى اليمن فقال له عليه الصلاة والسلام : «لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة»، فذكر عليه الصلاة والسلام : «الحنطة والشعير والتمر والزبيب». إذاً، خرج بهذا الحصر كثير مما تنبت الأرض منه مثلاً الذرة وقس على ذلك الخضروات كما ذكرنا آنفاً، صحيح كما أيضاً أشرت سابقاً أن هناك بعض الأمور اختلف الفقهاء لكن الخضر التي لا تُدَّخر فهذه قد اتفقوا على الأقل المذاهب الأربعة على أنه لا تجب الزكاة عليها.


فإذا أخذت القضية بالرأي فنخن نجد مثلاً الفوارق التالية من كان عنده مائتا درهم فضة: وجب عليه الزكاة، عنده عشرون مثقال من الذهب: وجب عليه الزكاة، عنده خمس رؤوس من الإبل: وجب عليها الزكاة، عنده أربعون رأس من الغنم: وجب عليه الزكاة، فهل قيم هذه الأمور التي فرض عليها الزكاة متساوية؟ الجواب: لا، فأين قيمة الفضة لو كان هناك مثلاً عملة فضية يتعاملها الناس اليوم من قيمة الذهب فلو استعملنا الرأي لقلنا ما في عدل هنا، في عشرين مثقال عشرين دينار يساوى اليوم تقريباً عشر جنيهات ذهبيه سعودية أو إنجليزية، بينما مائتا درهم فضية -ما أدرى على الضبط- لكن لا يساوى إلا نذراً قليلاً من هذه القيمة، فلو أننا حكمنا الرأي لأصاب شريعة الإسلام ما أصاب اليهود والنصارى من تحريف خطير في دينهم ولذلك كان من الواجب علينا أن نقف عند حدود الشرع ولا نتعداها لقوله عزّ وجلّ: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229].
هذا الرجل وأمثاله كثير ممن يناقش الأحكام الشرعية وبخاصة إذا كان فيها اختلاف بين الفقهاء فالراجح عنده ما حكم به عقله ورأيه، والآن نحن نقول يتوهم هذا الرجل وأمثاله أن الشارع الحكيم حينما لم يفرض الزكاة على عروض التجارة وفرضها على خمسة أوسق مثلا من القمح والشعير أخذ المسألة بعقله وهو بلا شك مهما كان مغرورا به فسوف لا يستطيع إلا أن يوافق على قوله أن عقله محدود وقاصر ولا يستطيع أن يعرف حقائق الأحكام الشرعية إلا بالاعتماد على كتاب الله وعلى حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم وإلا ألغى حكمة إرسال الرسل وإنزال الكتب. وعلى ذلك فهو استعمل عقله فقال: (كيف يُعقل أن يفرض الزكاة على من زرع شعيرا وكان قد بلغ النصاب وهو خمسة أوسق أما رجل عنده من عروض التجارة الملايين المملينة) ومع ذلك نحن نقول: لا زكاة على عروض التجارة.
جوابنا على هذه الشبهة العقلية من ناحيتين اثنتين:


الناحية الأولى: لو فرضنا أن تاجر ما عنده من عروض التجارة ما يساوي مليون ريال أو جنيه –مشم مهم-، ويقابله إنسان آخر عنده مليون نقد وليس عروض تجارة، نحن نسأل هذا الرجل العاقل الذي يحكم عقله في أحكام الشريعة أي الرجلين تصرفه في ماله أنفع لأمته؟ أَلرجل الأول الذي حول المليون جنيه أو ريال إلى عروض تجارة وحرك مصالح الناس ونفع العشرات والمئات من الناس، أهذا أنفع للمجتمع من الناحية المادية والاقتصادية أم ذاك الذي حبس وكنز المليون جنيه في الصندوق الحديدي؟ ثم هو مع ذلك يُخرج النسبة المفروضة في المئة اثنين ونصف، نحن نسأل الآن أهل العلم بالاقتصاد أي الرجلين أنفع لأمته؟ أَلذي كنز ماله وأخرج زكاته بالمائة اثنين ونصف أم الرجل الذي طرح ماله واشترى به بضاعة ونفع أمته؟ الآن هذا السؤال يوجه إلى الحاضرين على اختلاف علمهم وثقافتهم أي الرجلين أنفع فيما تظن؟
السائل: الأول.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: الأول، إذاً هذا الرجل يغالط الناس أو أنه يتجاهل، ومثله عندي كمثل الحزورة التي يحزر لما كنا صغار الأطفال بعضهم بعض، يفاجئ زميله في المدرسة بدي حزرك حزورة قنطار من قطن أثقل ولا من رصاص؟ يقول لا الرصاص. وهو محدود الوزن بالقنطار والأمر بديهي جداً فالوزن واحد لكن فيه إيهام في اللفظ الرصاص أثقل من القطن لكن هو لم يلاحظ أن النسبة من حيث الوزن واحدة !! هو لم يلاحظ أن نسبة المنفعة بالنسبة للأمة عكس ما يتواهم هو !! حينما يتساءل مستنكراً كيف يعقل أن يفرض الزكاة على من عنده كذا من المال ولا يفرض على من كان عنده من العروض التجارية الملايين المملينة. هذا هو الجواب رقم واحد.


الجواب رقم اثنين: نحن نقول لا يجب على عروض التجارة زكاة مطلقاً إنما نقول ما تقتضيه الأدلة الشرعية أولاً ثم ما تقتضيه قاعدة اليسر في الشريعة ثانياً {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، نحن حينما نقول لا زكاة على عروض التجارة إنما نعني ما هو معروف عند المذاهب الأربعة أن كل تاجر عليه في آخر كل سنه أن يقوِّم بضاعته ثم أن يخرج عن مجموع القيمة كما لو كانت هذه القيمة في يده أو في صندوقه نقداً فعليه أن يخرج في المائة اثنين ونصف. هذا الذي نحن ننكره ونقول لا دليل عليه في الشرع لكن يقابل هذا أننا نقول أن هذا الرجل الغني الذي حوَّل نقوده إلى بضاعة نفع بها مجتمعه الإسلامي لم ينجو من الزكاة المطلقة، وأعني أن كل تاجر يجب أن يحقق في نفسه قول الله تبارك وتعالى: {أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9-10]، وأن يزكى نفسه مما طبعت عليه وأحضرت عليه كما قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، فعليه أن يزكيها ولا يكون ذلك أبداً إلا بأن يخرج بقسم من ماله عن طيب نفسه. فهذا التاجر الكبير الذي عنده أنواع من العروض عليه أن يخرج منها ما تطيب به نفسه تزكية وتطهيراً لها هذا واجب عليه من باب استعمال النصوص العامة، أمَّا الذين يقولون ما ذكرناه أنفاً من التقويم فهذا ليس له أصل في الشرع، ولذلك فنحن أعملنا النصوص العامة التي معانيها واضحة جداً في تزكية النفس وتطهيرها من الشح والبخل وأعرضنا عن تلك الآراء التي لا مستند لها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم.


فإذا عرفتم من الجواب الأول أن التاجر الذي حوَّل رأس ماله إلى بضاعة هو أنفع لأمته من الذي كنز ماله في صندوقه أنه يجب عليه أن يخرج من تلك العروض ما تطيب نفسه من الزكاة حينئذ نعلم مغالطة هذا الإنسان، لكني لا أريد أن أتجنى عليه فأقول مغالطة ولأن المغالطة تكون عادة بعلم من المغالط وأنا أعتقد أنه لا علم عنده ولكنه يحكم برأيه فيقع في مثل هذه المخالفات.
أضم إلى هذا البيان شيئاً آخر وهو من الكمال من الكلام فأقول: إن الذي يكنز ماله ويخرج زكاته ويقدمها إلى الفقير فيده هي العليا، ويد الآخذ هي السفلى كما جاء في الحديث الصحيح، أما الغني الذي حوّل ماله إلى عروض فهو والمتعاملون معه في مرتبة واحدة ليس هناك يد عليا وليس هناك يد سفلى، فيكون تحويل المال إلى العروض أشرف للأمة من أن يكون هناك يد عليا ويد سفلى، وبهذا ينتهي جوابي.

(إخوة الإيمان تتمة المجلس في الشريط التالي)

الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: نعم.
السائل: بالنسبة لمحصول الأرز، الفدان عندنا ينتج حوالي ألفين كيلو (اثنين طن) فالجمعية الزراعية تجبر الفلاح أنه يورد طن ونصف مثلاً بسعر بخس أو قليل فممكن لو فيه فدان ينتج اثنين طن فسيعطى الجمعية طن ونصف ويبقى له نصف طن يأكل منه هو وأولاده كيف يخرج الزكاة لأن الجمعية تعطى مائتان جنيه مثلاً على الطن؟

[ تم مراجعة هذا الملف مرة واحدة وإصلاح السقط والخطأ من قبل الإشراف في موقع الألباني :
www.alalbany.net ]