سلسلة الأحاديث الصحيحة - كاملة

1 - " لا يذهب الليل و النهار حتى تعبد اللات و العزى , فقالت عائشة :
يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله *( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين
الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون )* أن ذلك تاما , قال : إنه سيكون
من ذلك ما شاء الله " . الحديث .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 6 :

المستقبل للإسلام :
------------------

قال الله عز وجل : *( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين
كله و لو كره المشركون )* .

تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته و ظهوره و حكمه على
الأديان كلها , و قد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم
و عهد الخلفاء الراشدين و الملوك الصالحين , و ليس كذلك , فالذي تحقق إنما هو
جزء من هذا الوعد الصادق , كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :

" لا يذهب الليل و النهار حتى تعبد اللات و العزى , فقالت # عائشة # :
يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله *( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين
الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون )* أن ذلك تاما , قال : إنه سيكون
من ذلك ما شاء الله " . الحديث .

رواه مسلم و غيره , و قد خرجته في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " (
ص 122 ) .
و قد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام و مدى انتشاره , بحيث لا يدع
مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله و توفيقه .
و ها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم العاملين
للإسلام , و حجة على اليائسين المتواكلين


2 - " إن الله زوى ( أي جمع و ضم ) لي الأرض ، فرأيت مشارقها و مغاربها و إن أمتي
سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " . الحديث .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 7 :

رواه مسلم ( 8 / 171 ) و أبو داود ( 4252 ) و الترمذي ( 2 / 27 ) و صححه .
و ابن ماجه ( رقم 2952 ) و أحمد ( 5 / 278 و 284 ) من حديث ثوبان
و أحمد أيضا ( 4 / 123 ) من حديث شداد بن أوس إن كان محفوظا .
و أوضح منه و أعم الحديث :

" ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار ، و لا يترك الله بيت مدر و لا وبر
إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزا يعز الله به الإسلام
و ذلا يذل به الكفر " .


3 - " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار و لا يترك الله بيت مدر و لا وبر إلا
أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام
و ذلا يذل به الكفر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 7 :

رواه جماعة ذكرتهم في " تحذير الساجد " ( ص 121 ) . و رواه ابن حبان في
" صحيحه " ( 1631 و 1632 ) .
و أبو عروبة في " المنتقى من الطبقات " ( 2 / 10 / 1 ) .
و مما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء
في معنوياتهم و مادياتهم و سلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر
و الطغيان ، و هذا ما يبشرنا به الحديث :
" عن أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي و سئل أي المدينتين
تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق ، قال :
فأخرج منه كتابا قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى الله
عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي المدينتين تفتح
أولا أقسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" مدينة هرقل تفتح أولا . يعني قسطنطينية " .


4 - عن أبى قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي و سئل أي المدينتين تفتح
أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق ، قال : فأخرج منه
كتابا قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب
، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو
رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" مدينة هرقل تفتح أولا . يعني قسطنطينية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 8 :

( عن أبي قبيل ) .

رواه أحمد ( 2 / 176 ) و الدارمي ( 1 / 126 ) و ابن أبي شيبة في " المصنف "
( 47 / 153 / 2 ) و أبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " ( 116 / 2 )
و الحاكم ( 3 / 422 و 4 / 508 ) و عبد الغني المقدسي في " كتاب العلم "
( 2 / 30 / 1 ) ، و قال : " حديث حسن الإسناد " .
و صححه الحاكم و وافقه الذهبي و هو كما قالا .
و ( رومية ) هي روما كما في " معجم البلدان " و هي عاصمة إيطاليا اليوم .
و قد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف ، و ذلك بعد
أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، و سيتحقق
الفتح الثاني بإذن الله تعالى و لابد ، و لتعلمن نبأه بعد حين .

و لا شك أيضا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة
المسلمة ، و هذا مما يبشرنا به صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث :

" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم
تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء
أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء
الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها
إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ثم سكت " .


5 - " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا
شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا
شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم
يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة . ثم سكت " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 8 :

رواه أحمد ( 4 / 273 ) حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثنا داود بن إبراهيم
الواسطي حدثنا حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال :
كنا قعودا في المسجد ، و كان بشير رجلا يكف حديثه ، فجاء أبو ثعلبة الخشني
فقال :
يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء ؟
فقال حذيفة : أنا أحفظ خطبته ، فجلس أبو ثعلبة ، فقال حذيفة : فذكره
مرفوعا .
قال حبيب : فلما قام عمر بن عبد العزيز و كان يزيد بن النعمان بن بشير في
صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه ، فقلت له : إني أرجو أن يكون
أمير المؤمنين - يعني عمر - بعد الملك العاض و الجبرية ، فأدخل كتابي على
عمر بن عبد العزيز فسر به و أعجبه .
و من طريق أحمد رواه الحافظ العراقي في " محجة القرب إلى محبة العرب "
( 17 / 2 ) و قال : " هذا حديث صحيح ، و إبراهيم بن داود الواسطي وثقه أبو
داود الطيالسي و ابن حبان ، و باقي رجاله محتج بهم في الصحيح " .
يعني " صحيح مسلم " ، لكن حبيبا هذا قال البخاري : فيه نظر .
و قال ابن عدي : ليس في متون أحاديثه حديث منكر ، بل قد اضطرب في أسانيد ما
يروي عنه ، إلا أن أبا حاتم و أبا داود و ابن حبان وثقوه ، فحديثه حسن على
أقل الأحوال إن شاء الله تعالى ، و قد قال فيه الحافظ : " لا بأس به " .
و الحديث في " مسند الطيالسي " ( رقم 438 ) : حدثنا داود الواسطي - و كان
ثقة - قال : سمعت حبيب بن سالم به ، لكن وقع في متنه سقط فيستدرك من " مسند
أحمد " .
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 5 / 189 ) :
" رواه أحمد و البزار أتم منه و الطبراني ببعضه في ( الأوسط ) ، و رجاله
ثقات " .
و من البعيد عندي حمل الحديث على عمر بن عبد العزيز ، لأن خلافته كانت
قريبة العهد بالخلافة الراشدة و لم تكن بعد ملكين : ملك عاض و ملك جبرية ، و
الله أعلم .
هذا و إن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين و استثمارهم الأرض استثمارا
يساعدهم على تحقيق الغرض ، و تنبىء عن أن لهم مستقبلا باهرا حتى من الناحية
الاقتصادية و الزراعية قوله صلى الله عليه وسلم :
" لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا و أنهارا " .


6 - " لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا و أنهارا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 10 :

رواه مسلم ( 3 / 84 ) و أحمد ( 2 / 703 و 417 ) و الحاكم ( 4 / 477 ) من
حديث أبي هريرة .
و قد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض
الله عليها من خيرات و بركات و آلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض
الصحراء و هناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد
المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود ، و إن غدا لناظره قريب .
هذا و مما يجب أن يعلم بهذه المناسبة أن قوله صلى الله عليه وسلم :
" لا يأتي عليكم زمان إلا و الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم " .
رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعا .
فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة و غيرها مثل أحاديث
المهدي و نزول عيسى عليه السلام فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه
بل هو من العام المخصوص ، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في
اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون ) أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقا .


7 - عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان
له به صدقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 11 :

( عن أنس ) :

رواه البخاري ( 2 / 67 طبع أوربا ) و مسلم ( 5 / 28 ) و أحمد ( 3 / 147 ) .


8 - عن جابر مرفوعا :
" ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة و ما سرق منه له صدقة و ما
أكل السبع منه فهو له صدقة و ما أكلت الطير فهو له صدقة و لا يرزؤه ( أي ينقصه
و يأخذ منه ) أحد إلا كان له صدقة ( إلى يوم القيامة ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 11 :

( عن جابر ) :

رواه مسلم عنه . ثم رواه هو و أحمد ( 3 / 391 ) من طرق أخرى عنه بشيء من
الاختصار ، و له شاهد من حديث أم مبشر عند مسلم و أحمد ( 6 / 362 و 240 ) ،
و له شواهد أخرى ذكرها المنذري في " الترغيب " ( 3 / 224 و 245 ) .


9 - عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها
فليغرسها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 11 :

( عن أنس )

رواه الإمام أحمد ( 3 / 183 ، 184 ، 191 ) و كذا الطيالسي ( رقم 2068 )
و البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 479 ) و ابن الأعرابي في " معجمه "
( ق 21 / 1 ) عن هشام بن زيد عنه .
و هذا سند صحيح على شرط مسلم ، و تابعه يحيى بن سعيد عن أنس . أخرجه ابن عدي
في " الكامل " ( 316 / 1 ) .
و أورده الهيثمي في " المجمع " ( 63 / 4 ) مختصرا و قال :
" رواه البزار و رجاله أثبات ثقات " .
و فاته أنه في " مسند أحمد " بأتم منه كما ذكرناه .
( الفسيلة ) هي النخلة الصغيرة و هي ( الودية ) .
و لا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة ، لاسيما الحديث
الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع
ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره و تكتب له صدقته إلى يوم القيامة .
و قد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله " باب اصطناع المال " ثم روى عن
الحارث بن لقيط قال : كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول : أنا أعيش حتى
أركب هذه ؟
فجاءنا كتاب عمر : أن أصلحوا ما رزقكم الله ، فإن في الأمر تنفسا .
و سنده صحيح .
و روى أيضا بسند صحيح عن داود قال : قال لي عبد الله بن سلام : إن سمعت بالدجال
قد خرج و أنت على ودية تغرسها ، فلا تعجل أن تصلحه ، فإن للناس بعد ذلك عيشا .
و داود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه : " مقبول " .
و روى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول
لأبي : ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي : أنا شيخ كبير أموت غدا ، فقال له
عمر : أعزم عليك لتغرسنها ؟ فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي .
كذا في " الجامع الكبير " للسيوطي ( 3 / 337 / 2 ) .
و لذلك اعتبر بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله عز وجل
فروى البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 448 ) عن نافع بن عاصم أنه سمع
عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من ( الوهط ) : أيعمل عمالك ؟ قال : لا
أدري ، قال : أما لو كنت ثقفيا لعلمت ما يعمل عمالك ، ثم التفت إلينا فقال :
إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره ( و قال الراوي مرة : في ماله ) كان عاملا
من عمال الله عز و جل . و سنده حسن إن شاء الله تعالى .
و ( الوهط ) في اللغة هو البستان و هي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف
على ثلاثة أميال من ( وج ) يبدو أنه خلفها لأولاده ، و قد روى ابن عساكر في
" تاريخه " ( 13 / 264 / 2 ) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال : دخل عمرو بن
العاص في حائط له بالطائف يقال له : ( الوهط ) ( فيه ) ألف ألف خشبة ، اشترى كل
خشبة بدرهم ! يعني يقيم بها الأعناب .
هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح رضي الله عنهم .
و قد ترجم البخاري في " صحيحه " للحديثين الأولين بقوله :
" باب فضل الزرع إذا أكل منه " .
قال ابن المنير :
" أشار البخاري إلى إباحة الزرع ، و أن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا
شغل الحرث عن الحرب و نحوه من الأمور المطلوبة ، و على ذلك يحمل حديث أبي أمامة
المذكور في الباب الذي بعده " .
قلت : سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه في المقال الآتي إن شاء الله تعالى
.


10 - عن أبي أمامة الباهلي قال - و رأى سكة و شيئا من آلة الحرث فقال : سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 14 :

التكالب على الدنيا يورث الذل :
------------------------------
ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض ، مما
لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين و رغبهم فيه أيما ترغيب .
و اليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب
المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة ، و هي في الحقيقة غير منافية له ،
إذا ما أحسن فهمها ، و خلت النفس من اتباع هواها !
الأول : عن أبي أمامة الباهلي قال - و رأى سكة و شيئا من آلة الحرث فقال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل " .

أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 5 / 4 بشرح " الفتح " ) ، و رواه الطبراني في
" الكبير " من طريق أخرى عن أبي أمامة مرفوعا بلفظ :
" ما من أهل بيت يغدو عليهم فدان إلا ذلوا " .
ذكره في " المجمع " ( 4 / 120 ) .
و قد وفق العلماء بين هذا الحديث و الأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه
بوجهين اثنين :
أ - أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج
أو عشر ، فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرضها للذل .
قال المناوي في " الفيض " : " و ليس هذا ذما للزراعة فإنها محمودة مثاب عليها
لكثرة أكل العوافي منها ، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا و حرمان ثواب البعض " .
و لهذا قال ابن التين : " هذا من أخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات ، لأن
المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث " .
ب - أنه محمول على من شغله الحرث و الزرع عن القيام بالواجبات كالحرب و نحوه ،
و إلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله :
" باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع ، أو مجاوزة الحد الذي أمر به " .
فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب و يحمله على
التكالب على الدنيا و الإخلاد إلى الأرض و الإعراض عن الجهاد ، كما هو مشاهد من
الكثيرين من الأغنياء .
و يؤيد هذا الوجه قوله صلى الله عليه وسلم :
" إذا تبايعتم بالعينة ، و أخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد
سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " .


11 - " إذا تبايعتم بالعينة و أخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد
سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 15 :

و هو حديث صحيح لمجموع طرقه ، و قد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر
رضي الله عنه مرفوعا :
الأولى : عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن
ابن عمر قال : فذكره .
أخرجه أبو داود ( رقم 3462 ) و الدولابي في " الكنى " ( 2 / 65 ) و ابن عدي في
" الكامل " ( 256 / 2 ) و البيهقي في " السنن الكبرى " ( 5 / 316 ) .
و تابعه فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع به .
رواه ابن شاهين في جزء من " الأفراد " ( 1 / 1 ) و قال " تفرد به فضالة "
و قال البيهقي : " روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر " .
يشير بذلك إلى تقوية الحديث ، و قد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما و هو
الطريق :
الثانية : عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر .
أخرجه أحمد ( رقم 4825 ) و في " الزهد " ( 20 / 84 / 1 - 2 ) ، و الطبراني
في " الكبير " ( 3 / 207 / 1 ) و أبو أمية الطرسوسي في " مسند ابن عمر "
( 202 / 1 ) .
و الوجه الثاني أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 3 / 107 / 1 ) عن ليث عن
عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء .
و أخرجه ابن أبي الدنيا في " العقوبات " ( 79 / 1 ) . و الروياني في " مسنده "
( 247 / 2 ) من وجه آخر عن ليث عن عطاء ، أسقط من بينهما ابن أبي سليمان ،
و كذا رواه أبو نعيم في " الحلية " ( 1 / 313 - 314 ) .
الثالثة : عن شهر بن حوشب عن ابن عمر . رواه أحمد ( رقم 5007 ) .
ثم وجدت له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني : حدثنا ابن جريج عن عطاء
عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من " الكامل " و قال : " و هو غير معروف ،
في حديثه بعض النكرة " . و قال الذهبي : " و لم يترك " .
فتأمل كيف بين هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدمة قبله ، فذكر
أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع و الحرث بل لما اقترن به من الإخلاد إليه
و الانشغال به عن الجهاد في سبيل الله ، فهذا هو المراد بالحديث ، و أما الزرع
الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض
بينها و لا إشكال .


12 - قوله صلى الله عليه وسلم :
" لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 17 :

رواه الترمذي ( 4 / 264 ) و أبو الشيخ في " الطبقات " ( 298 ) و أبو يعلى في
" مسنده " ( 251 / 1 ) و الحاكم ( 4 / 222 ) و أحمد ( رقم 2589 ، 4047 )
و الخطيب ( 1 / 18 ) عن شمر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه عن
ابن مسعود مرفوعا .
و حسنه الترمذي ، و قال الحاكم " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي .
ثم رواه أحمد ( رقم 4181 ، 4174 ) من طريق أبي التياح عن ابن الأخرم رجل من طيء
عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ : " نهى عن التبقر في الأهل و المال " .
و تابعه أبو حمزة قال :
سمعت رجلا من طيىء يحدث عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به .
رواه البغوي في " حديث علي بن الجعد " ( ج 6 / 20 / 2 ) فزاد في السند عن أبيه
و هو الصواب لرواية شمر كذلك .
و له شاهد من رواية ليث عن نافع عن ابن عمر مرفوعا باللفظ الأول .
أخرجه المحاملي في " الأمالي " ( 69 / 2 ) ، و سنده حسن في الشواهد .
و أورده الحافظ باللفظ الأول مجزوما به في شرح حديث أنس المتقدم في المقال
السابق ثم قال :
" قال القرطبي : يجمع بينه و بين حديث الباب بحمله على الاستكثار و الاشتغال
به عن أمر الدين ، و حمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها
و تحصيل توابعها " .
قلت : و مما يؤيد هذا الجمع اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود ، فإن ( التبقر )
التكثر و التوسع . و الله أعلم .
و اعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها
الجهاد في سبيل الله هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى ( و لا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة ) و في ذلك نزلت الآية خلافا لما يظن كثير من الناس ! فقد
قال أسلم أبو عمران :

" غزونا من المدينة ، نريد القسطنطينية ، ( و على أهل مصر عقبة بن عامر ) و على
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، و الروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ،
فحمل رجل ( منا ) على العدو ، فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ! يلقي
بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : ( إنما تأولون هذه الآية هكذا
أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة ، أو يبلي من نفسه ! ) إنما نزلت هذه الآية
فينا معشر الأنصار ، لما نصر الله نبيه و أظهر الإسلام قلنا ( بيننا خفيا من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : هلم نقيم في أموالنا و نصلحها ، فأنزل الله
تعالى ( و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالإلقاء
بالأيدي إلى التهلكة : أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد .
قال أبو عمران :
" فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية " .


13 - " غزونا من المدينة نريد القسطنطينية ( و على أهل مصر عقبة بن عامر ) و على
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و الروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة
فحمل رجل ( منا ) على العدو ، فقال الناس : مه مه ! لا إله إلا الله ! يلقي
بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : ( إنما تأولون هذه الآية هكذا
أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه ! ) إنما نزلت هذه الآية فينا
معشر الأنصار لما نصر الله نبيه و أظهر الإسلام قلنا ( بيننا خفيا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ) : هلم نقيم في أموالنا و نصلحها ، فأنزل الله تعالى ( و
أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالإلقاء بالأيدي إلى
التهلكة : أن نقيم في أموالنا و نصلحها و ندع الجهاد .
قال أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 19 :
عن ( أسلم أبو عمران ) :

رواه أبو داود ( 1 / 393 ) و ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 1 / 10 / 2 )
و الحاكم ( 2 / 275 ) و قال : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي ،
و قد وهما ، فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم هذا ، فالحديث صحيح فقط .


14 - عن قزعة قال :
أرسلني ابن عمر في حاجة ، فقال : تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله
صلى الله عليه وسلم و أرسلني في حاجة له فقال :

" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 19 :

من أدبه صلى الله عليه وسلم عند التوديع :
--------------------------------------

فيه ثلاثة أحاديث : الأول عن ابن عمر ، و له عنه طرق :

أ - عن قزعة قال :
أرسلني ابن عمر في حاجة ، فقال : تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله
صلى الله عليه وسلم و أرسلني في حاجة له فقال :
" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

رواه أبو داود ( رقم 2600 ) و الحاكم ( 2 / 97 ) و أحمد ( 2 / 25 و 38 و 136 )
و ابن عساكر ( 14 / 290 / 2 و 15 / 469 / 1 ) عن عبد العزيز بن عمر ابن عبد
العزيز عنه .
و رجاله ثقات ، لكن اختلف فيه على عبد العزيز ، فرواه بعضهم هكذا ، و أدخل
بعضهم بينه و بين قزعة رجلا سماه بعضهم " إسماعيل بن جرير " و سماه آخرون
" يحيى بن إسماعيل بن جرير " ، و قد ساق الحافظ ابن عساكر الروايات المختلفة
في ذلك .
و قال الحافظ في " التقريب " إن الصواب قول من قال : " يحيى بن إسماعيل " .
قلت : و هو ضعيف ، لكن يتقوى الحديث بالطرق الأخرى ، و في رواية لابن عساكر :
" كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بيدي يصافحني ، ثم قال : "
فذكره .
ب - عن سالم أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرا : ادن مني أودعك كما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا فيقول : فذكره .
أخرجه الترمذي ( 2 / 255 طبع بولاق ) و أحمد ( 2 / 7 ) و عبد الغني المقدسي
في " الجزء الثالث و الستون ( 41 / 1 ) " عن سعيد بن خثيم عن حنظلة عنه .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم " .
قلت : و هو على شرط مسلم غير أن سعيدا قد خولف في سنده ، فرواه الحاكم
( 1 / 442 و 2 / 97 ) عن إسحاق بن سليمان و الوليد بن مسلم عن حنظلة بن
أبي سفيان عن القاسم بن محمد قال :
كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فقال : أردت سفرا ، فقال : انتظر حتى أودعك :
فذكره ، و قال :
" صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي و هو كما قالا .
و لعل الترمذي إنما استغربه من حديث سالم من أجل مخالفة هذين الثقتين : إسحاق
ابن سليمان و الوليد بن مسلم لابن خثيم حيث جعله من رواية حنظلة عن سالم ،
و جعلاه من رواية حنظلة عن القاسم بن محمد عنه . و لعله أصح .
و أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 270 / 2 ) من طريق الوليد بن مسلم وحده .
ج - عن مجاهد قال :
" خرجت إلى العراق أنا و رجل معي ، فشيعنا عبد الله بن عمر ، فلما أراد أن
يفارقنا قال : إنه ليس معي ما أعطيكما ( كذا الأصل ، و لعله : أعظكما ) ،
و لكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا استودع الله شيئا حفظه ،
و إني أستودع الله دينكما و أمانتكما ، و خواتيم عملكما " .
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 2376 ) بسند صحيح .
هـ - عن نافع عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودع رجلا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون
الرجل هو يدع يد النبي صلى الله عليه وسلم و يقول : فذكره .
رواه الترمذي ( 2 / 255 طبع بولاق ) و قال : " حديث غريب من هذا الوجه " .
قلت : يعني أنه ضعيف لخصوص هذه الطريق ، و ذلك لأنها من رواية إبراهيم
ابن عبد الرحمن بن زيد بن أمية عن نافع و هو أعني إبراهيم هذا مجهول .
لكنه لم ينفرد به ، فقد رواه ابن ماجه ( 2 / 943 رقم 2826 ) عن ابن أبي ليلى
عنه . و ابن أبي ليلى سيء الحفظ و اسمه محمد بن عبد الرحمن ، و لم يذكر قصة
الأخذ باليد .


15 - عن عبد الله الخطمي قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يستودع
الجيش ، قال :
" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 21 :

( عن عبد الله الخطمي ) قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يستودع الجيش ، قال : فذكره .

رواه أبو داود و ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( رقم 498 ) بإسناد صحيح
على شرط مسلم .


16 - عن أبى هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ودع أحدا قال :
" أستودع الله دينك و أمانتك و خواتيم عملك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 22 :

أخرجه أحمد ( 2 / 358 ) عن ابن لهيعة عن الحسن بن ثوبان عن موسى ابن وردان عنه
قلت : و رجاله موثقون ، غير أن ابن لهيعة سيء الحفظ و قد خالفه في متنه الليث
ابن سعد و سعيد بن أبي أيوب عن الحسن بن ثوبان به بلفظ :
" أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه " .
و هذا عن أبي هريرة أصح و سنده جيد ، رواه أحمد ( 1 / 403 ) .
ثم رأيت ابن لهيعة قد رواه بهذا اللفظ أيضا عند ابن السني رقم ( 501 ) .
و ابن ماجه ( 2 / 943 رقم 2825 ) فتأكدنا من خطئه في اللفظ الأول .
من فوائد الحديث :
-----------------
يستفاد من هذا الحديث الصحيح جملة فوائد :
الأولى : مشروعية التوديع بالقول الوارد فيه " أستودع الله دينك و أمانتك
و خواتيم عملك " أو يقول : " أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه " .
الثانية : الأخذ باليد الواحدة في المصافحة ، و قد جاء ذكرها في أحاديث كثيرة ،
و على ما دل عليه هذا الحديث يدل اشتقاق هذه اللفظة في اللغة .
ففي " لسان العرب " : " و المصافحة : الأخذ باليد ، و التصافح مثله ، و الرجل
يصافح الرجل : إذا وضع صفح كفه في صفح كفه ، و صفحا كفيهما : وجهاهما ، و منه
حديث المصافحة عند اللقاء ، و هي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف و إقبال الوجه
على الوجه " .
قلت : و في بعض الأحاديث المشار إليها ما يفيد هذا المعنى أيضا ، كحديث حذيفة
مرفوعا : " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه و أخذ بيده فصافحه تناثرت
خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر " .
قال المنذري ( 3 / 270 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و رواته لا أعلم فيهم مجروحا " .
قلت : و له شواهد يرقى بها إلى الصحة ، منها : عن أنس عند الضياء المقدسي
في " المختارة " ( ق 240 / 1 - 2 ) و عزاه المنذري لأحمد و غيره .
فهذه الأحاديث كلها تدل على أن السنة في المصافحة : الأخذ باليد الواحدة فما
يفعله بعض المشايخ من التصافح باليدين كلتيهما خلاف السنة ، فليعلم هذا .
الفائدة الثالثة : أن المصافحة تشرع عند المفارقة أيضا و يؤيده عموم قوله
صلى الله عليه وسلم " من تمام التحية المصافحة " و هو حديث جيد باعتبار طرقه
و لعلنا نفرد له فصلا خاصا إن شاء الله تعالى ، ثم تتبعت طرقه ، فتبين لي
أنها شديدة الضعف ، لا تلصح للاعتبار و تقوية الحديث بها ، و لذلك أوردته في
" السلسلة الأخرى " ( 1288 ) . و وجه الاستدلال بل الاستشهاد به إنما يظهر
باستحضار مشروعية السلام عند المفارقة أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم :
" إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم ، و إذا خرج فليسلم ، فليست الأولى بأحق من
الأخرى " . رواه أبو داود و الترمذي و غيرهما بسند حسن .
فقول بعضهم : إن المصافحة عند المفارقة بدعة مما لا وجه له ، نعم إن الواقف
على الأحاديث الواردة في المصافحة عند الملاقاة يجدها أكثر و أقوى من الأحاديث
الواردة في المصافحة عند المفارقة ، و من كان فقيه النفس يستنتج من ذلك أن
المصافحة الثانية ليست مشروعيتها كالأولى في الرتبة ، فالأولى سنة ، و الأخرى
مستحبة ، و أما أنها بدعة فلا ، للدليل الذي ذكرنا .
و أما المصافحة عقب الصلوات فبدعة لا شك فيها إلا أن تكون بين اثنين لم يكونا
قد تلاقيا قبل ذلك فهي سنة كما علمت .


17 - " إن نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة فرفضه
القريب و البعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه و يروحان ، فقال أحدهما
لصاحبه ذات يوم : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال
له صاحبه : و ما ذاك ؟ قال : منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما
راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب : لا أدري ما تقولان
غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان ، فيذكران الله فأرجع
إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق ، قال : و كان يخرج إلى
حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأ
عليها و أوحي إلى أيوب أن *( اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب )* فاستبطأته
فتلقته تنظر و قد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء و هو أحسن ما كان
فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ، والله على
ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحا ، فقال : فإني أنا هو ، و كان له أندران
( أي بيدران ) : أندر للقمح و أندر للشعير ، فبعث الله سحابتين ، فلما كانت
إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض و أفرغت الأخرى في أندر الشعير
الورق حتى فاض " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 25 :

رواه أبو يعلى في " مسنده " ( 176 / 1 - 177 / 1 ) و أبو نعيم في " الحلية "
( 3 / 374 - 375 ) من طريقين عن سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد أخبرني
عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك مرفوعا و قال :
" غريب من حديث الزهري لم يروه عنه إلا عقيل و رواته متفق على عدالتهم تفرد
به نافع " .
قلت : و هو ثقة كما قال ، أخرج له مسلم و بقية رجاله رجال الشيخين .
فالحديث صحيح . و قد صححه الضياء المقدسي فأخرجه في " المختارة "
( 220 / 2 - 221 / 2 ) من هذا الوجه . و رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 2091 )
عن ابن وهيب أنبأنا نافع بن يزيد .
و هذا الحديث مما يدل على بطلان الحديث الذي في " الجامع الصغير " بلفظ :
" أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانا على عبده المؤمن " .
و سيأتي تحقيق الكلام عليه في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى .


18 - " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 25 :

رواه الطبراني ( 1 / 19 / 1) حدثنا علي بن عبد العزيز أنبأنا محمد بن أبي نعيم
الواسطي أنبأنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال :
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي كان يصل الرحم و كان
و كان فأين هو ؟ قال : في النار ، فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال : يا رسول
الله فأين أبوك ؟ قال : فذكره .
قال : فأسلم الأعرابي بعد ذلك ، فقال : لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم
تعبا : ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون ، و طرح ابن معين لمحمد
ابن أبي نعيم لا يتلفت إليه بعد توثيق أحمد و أبي حاتم إياه ، لاسيما و قد
توبع في إسناده ، أخرجه الضياء في " المختارة " ( 1 / 333 ) من طريقين عن زيد
بن أخزم حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إبراهيم بن سعد به و قال :
" سئل الدارقطني عنه فقال : يرويه محمد بن أبي نعيم و الوليد بن عطاء بن الأغر
عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد ، و غيره يرويه عن إبراهيم بن سعد
عن الزهري مرسلا ، و هو الصواب .
قلت : و هذه الرواية التي رويناها تقوي المتصل " .
قلت : و زيد بن أخزم ثقة حافظ و كذلك شيخه يزيد بن هارون ، فهي متابعة قوية
لابن أبي نعيم الواسطي تشهد لصدقه و ضبطه ، لكن قد خولف زيد بن أخزم في إسناده
فقال ابن ماجه ( رقم 1573 ) : حدثنا محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي :
حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : جاء
أعرابي . الحديث بتمامه .
و هذا ظاهره الصحة ، و لذلك قال في " الزوائد " ( ق 97 / 2 ) : " إسناده صحيح
رجاله ثقات ، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان و الدارقطني و الذهبي ، و باقي
رجال الإسناد على شرط الشيخين " .

قلت : لكن قال الذهبي فيه : " لكنه غلط غلطة ضخمة " . ثم ساق له حديثا صحيحا
زاد فيه " الرمي عن النساء " و هي زيادة منكرة و قد رواه غيره من الثقات فلم
يذكر فيه هذه الزيادة . و أقره الحافظ ابن حجر على ذلك .
قلت : فالظاهر أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضا فقال فيه .. عن سالم عن أبيه
و الصواب عن عامر بن سعد عن أبيه كما في رواية ابن أخزم و غيره ، و قد قال
الهيثمي في " المجمع " ( 1 / 117 - 118 ) بعد أن ساقه من حديث سعد :
" رواه البزار و الطبراني في " الكبير " و رجاله رجال الصحيح " .
من فقه الحديث :
---------------
و في هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه ، ألا و هي مشروعية تبشير
الكافر بالنار إذا مر بقبره . و لا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن
و تذكيره بخطورة جرم هذا الكافر حيث ارتكب ذنبا عظيما تهون ذنوب الدنيا كلها
تجاهه و لو اجتمعت ، و هو الكفر بالله عز و جل و الإشراك به الذي أبان الله
تعالى عن شدة مقته إياه حين استثناه من المغفرة فقال : ( إن الله لا يغفر أن
يشرك به ، و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ، و لهذا قال صلى الله عليه وسلم :
" أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا و قد خلقك " متفق عليه .
و إن الجهل بهذه الفائدة مما أودى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد
الشارع الحكيم منها ، فإننا نعلم أن كثيرا من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء
بعض المصالح الخاصة أو العامة ، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من
يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار و يضعون على قبورهم الأزهار و الأكاليل
و يقفون أمامها خاشعين محزونين ، مما يشعر برضاهم عنهم و عدم مقتهم إياهم ،
مع أن الأسوة الحسنة بالأنبياء عليهم السلام تقضي خلاف ذلك كما في هذا الحديث
الصحيح و اسمع قول الله عز و جل : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين
معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم و بدا
بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا ) الآية ، هذا موقفهم منهم و هم أحياء
فكيف و هم أموات ) ؟!

و روى البخاري ( 1 / 120 طبع أوربا ) و مسلم ( 8 / 221 ) عن ابن عمر أنه
صلى الله عليه وسلم قال لهم لما مر بالحجر :
" لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا
باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم " .


19 - " لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا
باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم " .
( و تقنع بردائه و هو على الرحل ) .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 27 :
( عن ابن عمر ) :

و رواه أحمد ( 2 / 9 ، 58 ، 66 ، 72 ، 74 ، 91 ، 96 ، 113 ، 137 ) و الزيادة
له .
و قد ترجم لهذا الحديث صديق خان في " نزل الأبرار " ( ص 293 ) بـ " باب البكاء
و الخوف عند المرور بقبور الظالمين و بمصارعهم و إظهار الافتقار إلى الله تعالى
و التحذير من الغفلة عن ذلك " .
أسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا و أن يلهمنا العمل به إنه سميع مجيب .


20 - " أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها ؟! فإنه شكا إلي أنك
تجيعه و تدئبه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 28 :

رواه أبو داود ( 1 / 400 ) و الحاكم ( 2 / 99 - 100 ) و أحمد ( 1 / 204 - 205 )
و أبو يعلى في " مسنده " ( 318 / 1 ) و البيهقي في " دلائل النبوة " ( ج 2 باب
ذكر المعجزات الثلاث ) و ابن عساكر في " تاريخه " ( ج 9 / 28 / 1 ) .
و الضياء في " الأحاديث المختارة " ( 124 - 125 ) من طريق محمد بن عبد الله
ابن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر
قال : أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم ، فأسر إلي حديثا لا
أحدث به أحدا من الناس ، و كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
لحاجته هدف أو حائش النخل ، فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل ، ( فلما رأى
النبي صلى الله عليه وسلم حن و ذرفت عيناه ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم
فمسح سراته إلى سنامه و ذفراه فسكن ) فقال : من رب هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟
فجاء فتى من الأنصار فقال : لي يا رسول الله ، فقال : فذكر الحديث .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي و هو كما قالا ، بل إنهما قد
قصرا فإنه صحيح على شرط مسلم ، فقد أخرجه في " صحيحه " ( 1 / 184 - 185 ) بهذا
الإسناد دون قصة الجمل ، و ذكر النووي في " رياض الصالحين " ( ص 378 ) أن
البرقاني رواه بإسناد مسلم بتمامه و كأنه لهذا قال ابن عساكر عقبه :
" رواه مسلم " . يعني أصله لا بتمامه .
و الزيادة التي بين القوسين لابن عساكر و الضياء .


21 - " اركبوا هذه الدواب سالمة و ايتدعوها سالمة و لا تتخذوها كراسي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 29 :

أخرجه الحاكم ( 1 / 444 و 2 / 100 ) و البيهقي ( 5 / 225 ) و أحمد ( 3 / 440 ،
4 / 234 ) و ابن عساكر ( 3 / 91 / 1 ) عن الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن
سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه - و كانت له صحبة - مرفوعا .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي و هو كما قالا فإن رجاله كلهم
ثقات ، و سهل بن معاذ لا بأس به في غير رواية زبان عنه ، و هذه ليست منها .
و قد أخرجه أحمد ( 3 / 439 ، 340 ) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل به
و زاد " فرب مركوبة خير من راكبها ، و أكثر ذكرا لله منه " .
و هذه الزيادة ضعيفة لما عرفت من حال رواية زبان عن سهل ، لاسيما و فيه
ابن لهيعة و هو ضعيف أيضا ، و لا تغتر بقول الهيثمي ( 8 / 107 ) عقب هذه
الرواية بهذه الزيادة :
" رواه أحمد و الطبراني و أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سهل بن معاذ
ابن أنس وثقه ابن حبان و فيه ضعف " .
فإن السند الذي ينطبق عليه هذا الكلام إنما هو سند الرواية الأولى التي ليس
فيها هذه الزيادة ، فتنبه .


22 - " إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر ، فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم
إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، و جعل لكم الأرض فعليها فاقضوا
حاجاتكم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 30 :

رواه أبو داود ( رقم 2567 ) و عنه البيهقي ( 5 / 255 ) و أبو القاسم السمرقندي
في " المجلس 128 من الأمالي " و عنه ابن عساكر ( 19 / 85 / 1 ) من طريقين عن
يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح ، يحيى بن أبي عمرو السيباني - بفتح المهملة و سكون
التحتانية بعدها موحدة ، و هو ثقة ، و وقع في ترجمة أبي مريم من " التهذيب "
" الشيباني " بالشين المعجمة و هو تصحيف .
و أبو مريم قال العجلي في " الثقات " ( ص 94 من ترتيب السبكي ) : " أبو مريم
مولى أبي هريرة شامي تابعي ثقة " .
و اعتمده الحافظ فقال في " التقريب " : " ثقة " .
و منه تعلم أن قول ابن القطان المذكور في " فيض القدير " :
" ليس مثل هذا الحديث يصح لأن فيه أبا مريم مولى أبي هريرة و لا يعرف له حال ،
ثم قيل : هو رجل واحد ، و قيل : رجلان ، و كيفما كان فحاله أو حالهما مجهول
فمثله لا يصح " .
فمردود بتوثيق العجلي له ، و قد روى عنه جماعة كما في " التهذيب "
و بقول أحمد : " رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه " و في رواية عنه :
" هو صالح معروف عندنا ، قيل له : هذا الذي يروي عن أبي هريرة ؟ قال : نعم " .
ذكره ابن عساكر .
( تنبيه ) :
-------------
و قع في نسخة " سنن أبي داود " التي قام على تصحيحها الشيخ محمد محي الدين
عبد الحميد ( ابن أبي مريم ) و الصواب ( أبي مريم ) كما ذكرنا .


23 - " اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة ، فاركبوها صالحة و كلوها صالحة " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 31 :

رواه أبو داود ( رقم 2448 ) من طريق محمد بن مهاجر عن ربيعة بن زيد عن أبي كبشة
السلولي عن سهل بن الحنظلية قال :
" مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه ، فقال : " فذكره .
قلت : و سنده صحيح كما قال النووي في " الرياض " و أقره المناوي .
و قد تابعه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : حدثني ربيعة بن يزيد به أتم منه
و لفظه :
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد
من أول النهار ، ثم مر به آخر النهار و هو على حاله ، فقال : أين صاحب هذا
البعير ؟ ! فابتغي فلم يوجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا
الله في هذه البهائم ، ثم اركبوها صحاحا ، و اركبوها سمانا ) كالمتسخط آنفا " .
رواه ابن حبان ( 844 ) و أحمد ( 4 / 180 - 181 ) و سنده صحيح على شرط البخاري .
( تنبيه ) :
-------------
قوله ( كلوها ) قيدوها بضم الكاف من الأكل و عليه جرى المناوي في شرح هذه
الكلمة ، فإذا صحت الرواية بذلك فلا كلام ، و إلا فالأقرب عندي أنها ( كلوها )
بكسر الكاف من وكل يكل كل أي اتركووها ، هذا هو المتبادر من سياق الحديث .
و يؤيده الحديث المتقدم ( رقم 22 ) بلفظ " اركبوا هذه الدواب سالمة ،
و ايتدعوها سالمة ... " ، أي اتركوها سالمة و الله أعلم .
( المعجمة ) : أي التي لا تقدر على النطق فتشكو ما أصابها من جوع أو عطش ،
و أصل الأعجم : الذي لا يفصح بالعربية و لا يجيد التكلم بها عجميا كان أو عربيا
سمي به لعجمة لسانه ، و التباس كلامه .


24 - " أفلا قبل هذا ! أتريد أن تميتها موتتين ؟! " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 32 :

رواه الطبراني في " الكبير " ( 3 / 140 / 1 ) و " الأوسط " ( 1 / 31 / 1 من
زوائده ) و البيهقي ( 9 / 280 ) عن يوسف بن عدي حدثنا عبد الرحيم بن سليمان
الرازي عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال :
" مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة ، و هو يحد
شفرته و هي تلحظ إليه ببصرها ، فقال : " فذكره .
و قال الطبراني :
" لم يصله بهذا الإسناد إلا عبد الرحيم بن سليمان تفرد به يوسف " .
قلت : و هما ثقتان من رجال البخاري و كذلك سائر الرواة فالحديث صحيح الإسناد ،
و قال الهيثمي ( 5 / 33 ) :
" رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " و رجاله رجال الصحيح " .
و في نفي الطبراني المذكور نظر بين ، فقد أخرجه الحاكم ( 4 / 231 و 233 ) من
طريق عبد الرحمن بن المبارك حدثنا حماد بن زيد عن عاصم به و لفظه :
( أتريد أن تميتها موتات ؟ ! هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟ )

و قال الحاكم : " صحيح على شرط البخاري " و وافقه الذهبي .
و قال في الموضع الآخر " على شرط الشيخين " .


25 - " من فجع هذه بولدها ؟! ردوا ولدها إليها " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 33 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 382 ) و أبو داود ( رقم 2675 )
و الحاكم ( 4 / 239 ) عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال :
" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فانطلق لحاجة ، فرأينا حمرة
معها فرخان ، فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش ، فجاء النبي صلى الله
عليه وسلم فقال : " فذكره .
و السياق لأبي داود و زاد : " و رأى قرية نمل قد حرقناها ، فقال :
من حرق هذه ؟ قلنا : نحن ، قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " .
و سنده صحيح ، و قال الحاكم " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و سيأتي بزيادة في التخريج ، و شاهد لبعضه ( 481 - 482 ) .
( الحمرة ) : بضم الحاء و فتح الميم المشددة : طائر صغير كالعصفور أحمر اللون .
( تفرش ) : بحذف إحدى التاءين كـ ( تذكر ) أي ترفرف بجناحيها و تقترب من الأرض
.


26 - " و الشاة إن رحمتها رحمك الله " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 33 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 373 ) و الطبراني في " المعجم الصغير "
( ص 60 ) و في " الأوسط " ( ج 1 / 121 / 1 من زوائده ) و كذا أحمد ( 3 / 436 ،
5 / 34 ) و الحاكم ( 3 / 586 ) و ابن عدي في الكامل ( ق 259 / 2 ) و أبو نعيم
في " الحلية " ( 2 / 302 و 6 / 343 ) و ابن عساكر ( 6 / 257 / 1 ) من طرق عن
معاوية بن قرة عن أبيه قال :
" قال رجل : يا رسول الله إني لأذبح الشاة فأرحمها ، قال ... " فذكره و زاد
البخاري " مرتين " .
و سنده صحيح . و قال الهيثمي في " المجمع " ( 4 / 33 ) :
" رواه أحمد و البزار و الطبراني في " الكبير " و " الصغير " ، و له ألفاظ
كثيرة و رجاله ثقات " .


27 - " من رحم و لو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 34 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 371 ) و تمام في " الفوائد "
( ق 194 / 1 ) عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعا .
قلت : و سنده حسن ، و قال الهيثمي ( 4 / 33 ) : " رواه الطبراني في " الكبير "
و رجاله ثقات " .
و رواه الضياء المقدسي في " المختارة " كما في " الجامع الصغير " للسيوطي .


28 - " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ، لا هي أطعمتها
و سقتها إذ حبستها و لا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 34 :

رواه البخاري في " صحيحه " ( 2 / 78 طبع أوربا ) و في " الأدب المفرد "
( رقم 379 ) و مسلم ( 7 / 43 ) من حديث نافع عن عبد الله بن عمر مرفوعا .
و مسلم و أحمد ( 2 / 507 ) من طرق عن أبي هريرة مرفوعا نحوه .
( خشاش الأرض ) هي الحشرات و الهوام .


29 - " بينما رجل يمشي بطريق ، إذ اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب و خرج
فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش
مثل الذي بلغ مني ، فنزل البئر فملأ خفه ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب
فشكر الله له ، فغفر له ، فقالوا : يا رسول الله و إن لنا في البهائم لأجرا ؟
فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 35 :

رواه مالك في " الموطأ " ( ص 929 - 930 ) و عنه البخاري في " صحيحه " ( 2 / 77
- 78 ، 103 ، 4 / 117 طبع أوربا ) ، و في " الأدب المفرد " ( رقم 378 ) و مسلم
( 7 / 44 ) و أبو داود ( رقم 2550 ) و أحمد ( 2 / 375 ، 517 ) كلهم عن مالك عن
سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة مرفوعا .
و رواه أحمد ( 2 / 521 ) من طريق أخرى عن أبي صالح به مختصرا .


30 - " بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش ، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل
فنزعت موقها ، فاستقت له به فسقته إياه ، فغفر لها به " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 35 :

رواه البخاري ( 2 / 376 طبع أوربا ) و مسلم ( 7 / 45 ) و أحمد ( 2 / 507 )
من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا .
و تابعه أنس بن سيرين عن أبي هريرة نحوه .
و رواه أحمد ( 2 / 510 ) و سنده صحيح أيضا .
( الركية ) : بئر لم تطو أو طويت .
و من الآثار في الرفق بالحيوان :
---------------------------------

أ - عن المسيب بن دار قال :
رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمالا ، و قال : لم تحمل على بعيرك مالا يطيق ؟ !
رواه ابن سعد في " الطبقات " ( 7 / 127 ) و سنده صحيح إلى المسيب ابن دار ،
و لكني لم أعرف المسيب هذا .
ثم تبين لي أن الصواب في اسم أبيه ( دارم ) ، هكذا ورد في سند هذا الأثر عند
أبي الحسن الأخميمي في " حديثه " ( ق 62 / 2 ) ، و هكذا أورده ابن أبي حاتم
في " الجرح و التعديل " ( 4 / 1 / 294 ) و قال : " مات سنة ست و ثمانين " و لم
يذكر فيه جرحا و لا تعديلا ، و أما ابن حبان فذكره في " الثقات " ( 1 / 227 )
و كناه بأبي صالح .
ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب :
أن رجلا حد شفرة و أخذ شاة ليذبحها ، فضربه عمر بالدرة و قال أتعذب الروح ؟!ألا
فعلت هذا قبل أن تأخذها ؟ ! رواه البيهقي ( 9 / 280 - 281 ) .
ج - عن محمد بن سيرين :

أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدرة و قال : سقها - لا
أم لك - إلى الموت سوقا جميلا .
رواه البيهقي أيضا .
د - عن وهب بن كيسان :

أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح ، و قد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه ،
فقال ابن عمر : ويحك يا راعي حولها ، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
يقول : " كل راع مسؤول عن رعيته " .
رواه أحمد ( رقم 5869 ) و سنده حسن .
هـ - عن معاوية بن قرة قال :
كان لأبي الدرداء جمل يقال له : ( دمون ) ، فكان إذا استعاروه منه قال : لا
تحملوا عليه إلا كذا و كذا ، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك ، فلما حضرته الوفاة
قال : يا دمون لا تخاصمني غدا عند ربي ، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق .
رواه أبو الحسن الأخميمي في " حديثه " ( 63 / 1 ) .
و - عن أبي عثمان الثقفي قال :
كان لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم
فجاء يوما بدرهم و نصف ، فقال : أما بدا لك ؟ قال : نفقت السوق ، قال :
لا و لكنك أتعبت البغل ! أجمه ثلاثة أيام .
رواه أحمد في " الزهد " ( 19 / 59 / 1 ) بسند صحيح إلى أبي عثمان ، و أما هذا
فلم أجد له ترجمة .
تلك هي بعض الآثار التي وقفت عليها حتى الآن ، و هي تدل على مبلغ تأثر المسلمين
الأولين بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في الرفق بالحيوان ، و هي في
الحقيقة قل من جل و نقطة من بحر ، و في ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع
للناس مبدأ ( الرفق بالحيوان ) ، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من
وضع الكفار الأوربيين ، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين ، ثم
توسعوا فيها ، و نظموها تنظيما دقيقا ، و تبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان
من مزاياهم اليوم ، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم ! و غرهم في ذلك أنه لا
يكاد يرى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام ، و كانوا هم أحق بها
و أهلها !
و لقد بلغ الرفق بالحيوان في بعض البلاد الأوربية درجة لا تخلو من المغالاة ،
و من الأمثلة على ذلك ما قرأته في " مجلة الهلال " ( مجلد 27 ج 9 ص 126 ) تحت
عنوان : " الحيوان و الإنسان " :
" إن محطة السكك الحديدية في كوبنهاجن كان يتعشعش فيها الخفاش زهاء نصف قرن ،
فلما تقرر هدمها و إعادة بنائها أنشأت البلدية برجا كلفته عشرات الألوف من
الجنيهات ، منعا من تشرد الخفاش " .
و حدث منذ ثلاث سنوات أن سقط كلب صغير في شق صغير بين صخرتين في إحدى قرى
إنكلترا ، فجند له أولو الأمر مائة من رجال المطافئ لقطع الصخور و إنقاذ
الكلب ! و ثار الرأي العام في بعض البلاد أخيرا عندما اتخذ الحيوان وسيلة
لدراسة الظواهر الطبيعية ، حين أرسلت روسيا كلبا في صاروخها ، و أرسلت أمريكا
قردا .


31 - " أقيموا صفوفكم و تراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 39 :

رواه البخاري ( 2 / 176 بشرح " الفتح " طبع بولاق ) و أحمد ( 3 / 182 ، 263 )
و المخلص في " الفوائد " ( ج 1 / 10 / 2 ) من طرق عن حميد الطويل ، حدثنا
أنس بن مالك قال :
" أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال : " .
فذكره .

زاد البخاري في رواية : " قبل أن يكبر " و زاد أيضا فى آخره : " و كان أحدنا
يلزق منكبه بمنكب صاحبه . و قدمه بقدمه " .
و هي عند المخلص بلفظ :
قال أنس : " فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، و قدمه بقدمه " .
فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شموس .
و سنده صحيح أيضا على شرط الشيخين و عزاها الحافظ لسعيد بن منصور و الإسماعيلي
و ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله :
" باب إلزاق المنكب بالمنكب ، و القدم بالقدم في الصف " .
و أما حديث النعمان فهو :
" أقيموا صفوفكم ثلاثا ، و الله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم " .


32 - " أقيموا صفوفكم ثلاثا ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 39 :

أخرجه أبو داود ( رقم 662 ) ، و ابن حبان ( 396 ) ، و أحمد ( 4 / 276 ) ،
و الدولابي في " الكنى " ( 2 / 86 ) عن أبي القاسم الجدلي حسين بن الحارث ،
قال : سمعت النعمان بن بشير يقول :
" أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال : ... " فذكره ،
قال : " فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، و ركبته بركبة صاحبه ، و كعبه
بكعبه " .
قلت : و سنده صحيح ، و علقه البخاري مجزوما به ، و وصله ابن خزيمة أيضا في
" صحيحه " كما في " الترغيب " ( 1 / 176 ) و " الفتح " ( 2 / 176 ) .
ثم رواه الدولابي من طريق بقية بن الوليد ، حدثنا حريز قال : سمعت غيلان
المقرىء يحدث عن أبي قتيلة مرثد بن وداعة ( قال : سمعت ) النعمان بن بشير
يقول : فذكره .
و هذا سند لا بأس به في المتابعات ، و رجاله ثقات غير غيلان المقرىء ،
و لعله غيلان بن أنس الكلبي مولاهم الدمشقي ، فإن يكن هو ، فهو مجهول الحال ،
روى عنه جماعة ، و قال الحافظ : إنه مقبول .
فقه الحديث :
------------
و في هذين الحديثين فوائد هامة :
الأولى : وجوب إقامة الصفوف و تسويتها و التراص فيها ، للأمر بذلك ، و الأصل
فيه الوجوب إلا لقرينة ، كما هو مقرر في الأصول ، و القرينة هنا تؤكد الوجوب
و هو قوله صلى الله عليه وسلم : " أو ليخالفن الله بين قلوبكم " . فإن مثل هذا
التهديد لا يقال فيما ليس بواجب ، كما لا يخفى .
الثانية : أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب ، و حافة القدم
بالقدم ، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم حين أمروا بإقامة الصفوف
و لهذا قال الحافظ في " الفتح " بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث
الأول من قول أنس :
" و أفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ،
و بهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف و تسويته " .
و من المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون ، بل أضاعوها إلا
القليل منهم ، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث ، فإني رأيتهم في
مكة سنة ( 1368 ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة
و السلام بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة - لا أستثني منهم حتى الحنابلة
- فقد صارت هذه السنة عندهم نسيا منسيا ، بل إنهم تتابعوا على هجرها و الإعراض
عنها ، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين
بقدر أربع أصابع ، فإن زاد كره ، كما جاء مفصلا في " الفقه على المذاهب الأربعة
" ( 1 / 207 ) ، و التقدير المذكور لا أصل له في السنة ، و إنما هو مجرد رأي ،
و لو صح لوجب تقييده بالإمام و المنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة ،
كما تقتضيه القواعد الأصولية .
و خلاصة القول : إنني أهيب بالمسلمين - و خاصة أئمة المساجد - الحريصين على
اتباعه صلى الله عليه وسلم و اكتساب فضيلة إحياء سنته صلى الله عليه وسلم أن
يعملوا بهذه السنة و يحرصوا عليها ، و يدعوا الناس ، إليها حتى يجتمعوا عليها
جميعا . و بذلك ينجون من تهديد " أو ليخالفن الله بين قلوبكم " .
الثالثة : في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، و هي رؤيته
صلى الله عليه وسلم من ورائه ، و لكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى
الله عليه وسلم في الصلاة ، إذ لم يرد في شيء من السنة ، أنه كان يرى كذلك خارج
الصلاة أيضا . و الله أعلم .
الرابعة : في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس ، و إن كان
صار معروفا في علم النفس ، و هو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن ، و العكس
بالعكس ، و في هذا المعنى أحاديث كثيرة ، لعلنا نتعرض لجمعها و تخريجها في
مناسبة أخرى إن شاء الله تعالي .
الخامسة : أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن " قد قامت الصلاة "
بدعة ، لمخالفتها للسنة الصحيحة كما يدل على ذلك هذان الحديثان ، لاسيما الأول
منهما ، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجبا ينبغي عليه القيام
به ، و هو أمر الناس بالتسوية مذكرا لهم بها ، فإنه مسؤول عنهم : " كلكم راع
و كلكم مسؤول عن رعيته ... " .


33 - " يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ، و ينسى الجذع أو الجدل في عينه معترضا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 42 :

رواه ابن صاعد في " زوائد " الزهد " لابن المبارك " ( ق 165 / 1 من " الكواكب "
575 ) و ابن حبان في " صحيحه ( 1848 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 99 )
و القضاعي في " مسند الشهاب " ( ق 51 / 1 ) من طرق عن محمد ابن حمير قال :
حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعا .
و قال أبو نعيم :
" غريب من حديث يزيد تفرد به محمد بن حمير عن جعفر " .
قلت : و رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ، و لا علة فيه ، فهو حديث صحيح ، و لا
ينافيه قوله " غريب " لأن الغرابة قد تجامع الصحة كما هو مقرر في " مصطلح
الحديث " .
و الحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " لأبي نعيم فقط ! و قال المناوي :
" قال العامري : حسن " .
و رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 592 ) من طريق مسكين بن بكير الحذاء
الحراني عن جعفر بن برقان به موقوفا على أبي هريرة .
و مسكين هذا صدوق يخطىء ، فرواية ابن حمير المرفوعة أرجح ، لأنه لم يوصف بالخطأ
و كلاهما من رجال البخاري .


34 - " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، و إذا ذكر النجوم فأمسكوا ، و إذا ذكر القدر
فأمسكوا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 42 :

روي من حديث ابن مسعود ، و ثوبان ، و ابن عمر ، و طاووس مرسلا ، و كلها
ضعيفة الأسانيد ، و لكن بعضها يشد بعضا .
أما حديث ابن مسعود ، فأخرجه الطبراني في " الكبير " ( 2 / 78 / 2 ) و أبو نعيم
في " الحلية " ( 4 / 108 ) من طريق الحسن بن علي الفسوي أنبأنا سعيد ابن سليمان
أنبأنا مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله
مرفوعا .
و قال أبو نعيم : " غريب من حديث الأعمش ، تفرد به عنه مسهر " .
قلت : و هو ضعيف ، قال البخاري : " فيه بعض النظر " كذا رواه عنه ابن عدي
( 343 / 1 ) و كذلك هو في " التهذيب " و في " الميزان " :
" قال البخاري : فيه نظر " بإسقاط لفظة " بعض " و لعله سهو من الذهبي
أو الناسخ .
و قال النسائي " ليس بالقوي " . و أما ابن حبان فذكره في " الثقات " ! و قال
الحافظ في " التقريب " " لين الحديث " .
و بقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين غير الفسوي هذا ، ترجمه الخطيب
( 7 / 372 ) و روى عن الدارقطني أنه قال : " لا بأس به " .
و سعيد بن سليمان هو الضبي الواسطي ، ثقة حافظ من رجال الشيخين .
و من هذا البيان تعلم خطأ قول الهيثمي ( 7 / 202 ) .
" رواه الطبراني و فيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان و غيره ، و فيه خلاف ،
و بقية رجاله رجال الصحيح " .
فإن الفسوي هذا ليس من رجال الصحيح بل و لا من رجال سائر الستة !
و قال الحافظ العراقي في " تخريج الأحياء " ( 1 / 50 طبع الثقافة الإسلامية ) :
" رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن " .
و له عن ابن مسعود طريق آخر ، رواه اللالكائي في " شرح أصول السنة "
( 239 / 1 من " الكواكب " 576 ) و ابن عساكر ( 14 / 155 / 2 ) عن النضر
أبي قحذم عن أبي قلابة عن ابن مسعود مرفوعا .
و هذا سند ضعيف و فيه علتان :
الأولى : الانقطاع بين أبي قلابة - و اسمه عبد الله بن زيد الجرمي - و ابن
مسعود ، فإن بين وفاتيهما نحو ( 75 ) سنة ، و قد ذكروا أنه لم يسمع من جماعة
من الصحابة منهم علي بن أبي طالب ، و قد مات بعد ابن مسعود بثمان سنين .
الثانية : النضر أبو قحذم و هو ابن معبد ، ضعيف جدا ، قال ابن معين : " ليس
بشيء " ، و قال أبو حاتم : " يكتب حديثه " ، و قال النسائي : " ليس بثقة " .
و أما حديث ثوبان فأخرجه أبو طاهر الزيادي في " ثلاثة مجالس من الأمالي "
( 191 / 2 ) الطبراني في " الكبير " ( 1 / 71 / 2 ) عن يزيد بن ربيعة قال :
سمعت أبا الأشعث الصنعاني يحدث عن ثوبان به مرفوعا .
قلت . و هذا سند ضعيف جدا ، يزيد بن ربيعة هو الرحبي الدمشقي و هو متروك ،
كما قال النسائي و العقيلي و الدارقطني ، و قال أبو حاتم . " كان في بدء أمره
مستويا ، ثم اختلط قبل موته ، قيل له فما تقول فيه ؟ فقال : ليس بشيء ، و أنكر
أحاديثه عن أبي الأشعث " .
و قال الجوزجاني : " أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة " .و أما ابن عدي فقال : "
أرجو أنه لا بأس به " !
و أما حديث ابن عمر ، فأخرجه ابن عدي ( 295 / 1 ) و عنه السهمي في " تاريخ
جرجان " ( 315 ) من طريق محمد بن فضل عن كرز بن وبرة عن عطاء عنه مرفوعا به
دون ذكر النجوم .
و قال ابن عدي : " محمد بن فضل عامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه " .
قلت : و هو ابن عطية ، قال الفلاس : كذاب .
و ضعفه البخاري جدا فقال : " سكتوا عنه " .
و كرز بن وبرة ، ترجم له السهمي ترجمة طويلة ( 295 - 316 ) و ساق له أحاديث
كثيرة من روايته عن عبد الله بن عمر ، و الربيع بن خيثم ، و طاووس ، و نعيم
ابن أبي هند ، و عطاء بن أبي رباح ، و مجاهد ، و أبي أيوب ، و قال :
" إنه كان معروفا بالزهد و العبادة " . و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا .
طريق ثان عن ابن عمر : أخرجه السهمي ( 254 - 255 ) من طريق محمد بن عمر الرومي
حدثنا الفرات بن السائب حدثنا ميمون بن مهران عنه مرفوعا بتمامه .
و هذا سند ضعيف جدا ، الفرات هذا قال الدارقطني و غيره : " متروك " .
و قال البخاري : " منكر الحديث " . و قال أحمد : " قريب من محمد بن زياد الطحان
في ميمون ، يتهم بما يتهم به ذاك " .
و قال ابن عدي ( 314 / 2 ) : " و عامة أحاديثه خاصة عن ميمون بن مهران مناكير
" .
و محمد بن عمر الرومي لين الحديث . كما في " التقريب " .
و الحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية الطبراني عن ابن مسعود ،
و ابن عدي عنه و عن ثوبان ، و ابن عدي عن عمر . و قال المناوي في شرحه :
" قال الحافظ العراقي : سنده ضعيف ، و قال الهيثمي : فيه يزيد بن ربيعة ضعيف .
و قال ابن رجب ، روي من وجوه في أسانيدها كلها مقال . و به يعرف ما في رمز
المؤلف لحسنه تبعا لابن صرصري ، و لعله اعتضد " .
قلت : قد عرفت أن طرقه كلها ما عدا الأول ضعيفة جدا ، فلا يتقوى الحديث بها كما
تقرر في علم أصول الحديث . و الله أعلم .
ثم إن السيوطي عزاه لابن عدي عن عمر ، و لم أره عنده عن عمر ، بل عن ابنه
عبد الله بن عمر ، فلعله سقط من قلم السيوطي أو بعض النساخ كلمة ( ابن )
و الله أعلم .

ثم وجدت للحديث شاهدا مرسلا ، أخرجه عبد الرزاق في " الأمالي " ( 2 / 39 / 1 )
حدثنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه مرفوعا به .
قلت : و هذا سند صحيح لولا إرساله ، و لكنه مع ذلك شاهد قوي لما قبله من
الشواهد و الطرق ، و خاصة الطريق الأول ، فيقوى الحديث به . والله أعلم .


35 - " إن الله استقبل بي الشام ، و ولى ظهري اليمن ، ثم قال لي : يا محمد إني قد
جعلت لك ما تجاهك غنيمة و رزقا ، و ما خلف ظهرك مددا ، و لا يزال الله يزيد
أو قال يعز الإسلام و أهله ، و ينقص الشرك و أهله ، حتى يسير الراكب بين كذا
- يعني البحرين - لا يخشى إلا جورا ، و ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 46 :

رواه أبو نعيم ( 6 / 107 - 108 ) و ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 1 / 377 -
378 ط ) عن ضمرة عن السيباني عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عن أبي أمامة
مرفوعا . و قال :
" غريب من حديث السيباني تفرد به ضمرة بن ربيعة " .
قلت : و هو ثقة و كذا السيباني و هو بفتح المهملة و وقع في " الحلية "
و " التاريخ " في مواطن عدة ( الشيباني ) بالمعجمة و هو تصحيف ، و اسمه يحيى
ابن أبي عمرو .
و أما الحضرمي هذا فوثقه العجلي و ابن حبان ، لكن قال الذهبي :
" ما علمت روى عنه سوى يحيى " .
قلت : و لشطره الثاني شواهد تقدم أحدها في المقال الأول ( رقم 3 ) .
و قد تابعه عبد الله بن هانىء عند ابن عساكر ، و لم أعرفه .
و الحديث عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " ( 1 / 141 / 1 ) للطبراني في
" الكبير " أيضا و ابن عساكر .


36 - " الأذنان من الرأس " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 47 :

حديث صحيح له طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم أبو أمامة ، و أبو هريرة ،
و ابن عمرو ، و ابن عباس ، و عائشة ، و أبو موسى ، و أنس ، و سمرة بن جندب ،
و عبد الله بن زيد .
1 - أما حديث أبي أمامة ، فله عنه ثلاثة طرق :
الأول : عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة مرفوعا .
رواه أبو داود ، و الترمذي ، و ابن ماجه ، و الدارقطني ، و البيهقي ، و كذا
أحمد ( 5 / 285 / 268 ) و الطحاوي كلهم عن حماد بن زيد عن سنان به .
و هذا سند حسن لا بأس به في الشواهد ، و في سنان و شهر ضعف معروف لكنهما غير
متهمان ، و الحديث عندهم عن جماعة عن حماد به . و خالفهم سليمان ابن حرب ،
فرواه عنه به موقوفا .
و رواية الجماعة أولى كما بينته في " صحيح سنن أبي داود " ( رقم 123 ) .
و ذكرت هناك من قواه من الأئمة و العلماء كالترمذي ، فإنه حسنه في بعض نسخ
كتابه ، و كالمنذري و ابن دقيق العيد و ابن التركماني و الزيلعي ، و أشار
إلى تقويته الإمام أحمد ، فقال الأثرم في " سننه " ( ق 213 / 1 ) بعد أن ساق
الحديث :
" سمعت أبا عبد الله يسأل : الأذنان من الرأس ؟ قال : نعم " .
الثاني : عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة به .
أخرجه الدارقطني ( ص 38 - 39 ) و قال :
" جعفر بن الزبير متروك " .
قلت : قد تابعه أبو معاذ الألهاني .
أخرجه تمام الرازي في " الفوائد " ( 246 / 1 ) من طريق عثمان بن فائد حدثنا
أبو معاذ به .
و الألهاني هذا لم أجد من ذكره ، و عثمان بن فائد ضعيف .
الثالث : عن أبي بكر بن أبي مريم قال : سمعت راشد بن سعد عن أبي أمامة به .
أخرجه الدارقطني و قال " أبو بكر بن أبي مريم ضعيف " .
2 - و أما حديث أبي هريرة ، فله أربعة طرق :
الأول : أخرجه الدارقطني ( 37 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 298 / 1 ) عن
إسماعيل بن مسلم عن عطاء عنه مرفوعا . و قال : " لا يصح " .
قلت : و علته إسماعيل هذا و هو المكي ضعيف ، و قد اختلف عليه في إسناده كما
سيأتي في حديث ابن عباس .
الثاني : عن عمرو بن الحصين حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة عن عبد الكريم
الجزري عن سعيد بن المسيب عنه .
رواه ابن ماجه ( رقم 445 ) و الدارقطني ( ص 38 ) و قال :
" عمرو بن الحصين و ابن علاثة ضعيفان " .
قلت : و الأول أشد ضعفا .
الثالث : عن البختري بن عبيد عن أبيه عنه .
رواه الدارقطني و قال " البختري بن عبيد ضعيف و أبوه مجهول " .
الرابع : عن علي بن عاصم عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن أبي هريرة .
أخرجه الدارقطني ( 37 ) و عنه ابن الجوزي في " التحقيق " ( 1 / 29 / 1 )
و قال الدارقطني :
" وهم علي بن عاصم في قوله : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
و الذي قبله أصح عن ابن جريج " قلت : يعني عن سليمان بن موسى مرسلا و سيأتي
ص 51 .
و أجاب ابن الجوزي بما خلاصته :
أن زيادة الثقة مقبولة . يعني أن علي بن عاصم زاد في السند أبا هريرة فهي زيادة
مقبولة . لكن هذا لا يتمشى هنا ، فإن ابن عاصم هذا صدوق يخطىء و يصر .
3 - و أما ابن عمر ، فله عنه طرق أيضا :
الأول : قال المخلص في " الفوائد المنتقاة " في " الثاني من السادس منها "
( ق 190 / 1 ) : حدثنا يحيى ( يعني ابن صاعد ) قال : حدثنا الجراح بن مخلد
قال : حدثنا يحيى بن العريان الهروي قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة
بن زيد عن نافع عنه .
و بهذا السند رواه الدارقطني ( 36 ) و عنه ابن الجوزي ، و رواه الخطيب في
" الموضح " ( 1 / 111 ) عن ابن صاعد ، و في " التاريخ " ( 14 / 161 ) من طريقين
آخرين عن الجراح بن مخلد به .
و هذا سند حسن عندي ، فإن رجاله كلهم ثقات معروفون غير الهروي هذا فقد ترجمه
الخطيب و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا ، غير أنه وصفه بأنه كان محدثا .
و أما الدارقطني فقد أعله بقوله : " كذا قال ، و هو وهم ، و الصواب عن أسامة
بن زيد ، عن هلال بن أسامة الفهري ، عن ابن عمر موقوفا " .
و رده ابن الجوزي بقوله : " قلنا : الذي يرفعه يذكر زيادة ، و الزيادة من الثقة
مقبولة ، و الصحابي قد يروى الشيء مرفوعا ، و قد يقوله على سبيل الفتوى " .
قلت : هذا كلام صحيح لو كان رجال السند كلهم ثقات ، و قد علمت ما فيه ، على أن
أسامة بن زيد فيه ضعف يسير ، و قد اختلف عليه فيه ، فرواه حاتم ابن إسماعيل عنه
مرفوعا ، كما رأيت . و خالفه وكيع فقال عنه به موقوفا على ابن عمر .
أخرجه الخطيب في " الموضح " و قال : " و هو الصواب " .
و تابعه في رفعه عبيد الله عن نافع .
أخرجه الدارقطني و تمام في " الفوائد " ( 104 / 1 ) من طريق محمد بن أبي السري
حدثنا عبد الرزاق عن عبيد الله به .
و قال الدارقطني : " رفعه وهم " .
قلت : و علته ابن أبي السري و هو متهم .
و تابعه يحيى بن سعيد عن نافع به .
أخرجه الدارقطني و ابن عدي " في الكامل " ( 11 / 1 ) عن إسماعيل بن عياش عن
يحيى به .
و قال ابن عدي :
" لا يحدث به عن يحيى غير ابن عياش " .
قلت : و ابن عياش ضعيف في الحجازيين و هذا منها .
الطريق الثاني : عن محمد بن الفضل ، عن زيد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر مرفوعا .
رواه الدارقطني و قال : " محمد بن الفضل هو ابن عطية ، متروك الحديث " .
ثم رواه هو و الدولابي في " الكنى " ( 2 / 137 ) ، من طرق عن ابن عمر موقوفا .
4 - و أما حديث ابن عباس ، فله عنه طرق أيضا :
الأول : عن أبي كامل الجحدري ، أنبأنا غندر محمد بن جعفر ، عن ابن جريج عن عطاء
عنه مرفوعا .
أخرجه ابن عدي ( 218 / 1 - 2 ) و أبو عبد الله الفلاكي في " الفوائد "
( 91 / 1 ) ، و الدارقطني ( 36 ) و قال :
" تفرد به أبو كامل عن غندر ، و هو وهم ، تابعه الربيع بن بدر ، و هو متروك ،
عن ابن جريج ، و الصواب : عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم مرسلا " .
و تعقبه ابن الجوزي في " التحقيق " ( 1 / 29 / 1 ) بقوله :
" قلنا : أبو كامل لا نعلم أحدا طعن فيه ، و الرفع زيادة ، و الزيادة من الثقة
مقبولة ، كيف و وافقه غيره ، فإن لم يعتد برواية الموافق اعتبر بها . و من عادة
المحدثين أنهم إذا رأوا من أوقف الحديث ، و من رفعه ، وقفوا مع الواقف احتياطا
و ليس هذا مذهب الفقهاء ، و من الممكن أن يكون ابن جريج سمعه من عطاء مرفوعا
رواه له سليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مسند " .
قلت : و الحق أن هذا الإسناد صحيح ، لأن أبا كامل ثقة ، حافظ ، احتج به مسلم ،
فزيادته مقبولة ، إلا أن ابن جريج مدلس و قد عنعنه . فإن كان سمعه من سليمان
فلا محيد من القول بصحته ، و قد صرح بالتحديث في رواية له من الوجه المرسل عند
الدارقطني، لكن في الطريق إليه العباس بن يزيد و هو البحراني ، و هو ثقة ،
و لكن ضعفه بعضهم ، و وصف بأنه يخطىء ، فلا تطمئن النفس لزيادته لاسيما
و الطريق كلها عن ابن جريج معنعنة ، ثم رأيت الزيلعي نقل في " نصب الراية "
( 1 / 19 ) ، عن ابن القطان أنه قال : " إسناده صحيح لاتصاله و ثقة رواته " .
ثم رد على الدارقطني بنحو ما فعل ابن الجوزي ، و تبعه عبد الحق على ذلك كما في
" تنقيح التحقيق " لابن عبد الهادي ( 241 / 1 ) .
ثم رأيت في ترجمة ابن جريج من " التهذيب " أنه قال : " إذا قلت : قال عطاء :
فأنا سمعته منه ، و إن لم أقل : سمعت " ، فهذه فائدة هامة ، و لكن ابن جريج لم
يقل هنا : " قال عطاء " ، و إنما قال : " عن عطاء " . فهل حكمهما واحد ، أم
يختلف ؟ الظاهر عندي الأول . و الله أعلم .
و له طريق آخر عن عطاء رواه القاسم بن غصن عن إسماعيل بن مسلم عنه .
رواه الخطيب في " التاريخ " ( 6 / 384 ) ، و الدارقطني و قال : " إسماعيل
بن مسلم ضعيف ، و القاسم بن غصن مثله ، خالفه علي بن هاشم فرواه عن إسماعيل
بن مسلم المكي ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، و لا يصح أيضا " .
و تابعه جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس .
أخرجه المخلص في " الثاني من السادس من الفوائد المنتقاة " ( 190 / 1 ) ،
و الدارقطني ، و قال :
" جابر ضعيف و قد اختلف عنه ، فأرسله الحكم بن عبد الله أبو مطيع عن إبراهيم
بن طهمان ، عن جابر عن عطاء ، و هو أشبه بالصواب " .
الثاني : عن محمد بن زياد اليشكري حدثنا ميمون بن مهران عنه .
رواه العقيلي في " الضعفاء " ( ص 379 ) ، و الدارقطني ، و قال :
" محمد بن زياد متروك الحديث " ، و رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس موقوفا .
ثم ساقه من طريق علي بن زيد عنه . و ابن زيد فيه ضعف .
الثالث : عن قارظ بن شيبة ، عن أبي غطفان عنه .
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 98 / 1 ) : حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل ، حدثني أبي أنبأنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن قارظ بن شيبة به .
قلت : و هذا سند صحيح و رجاله كلهم ثقات ، و لا أعلم له علة ، و من الغرائب
أن هذه الطريق مع صحتها أغفلها كل من خرج الحديث من المتأخرين كالزيلعي ،
و ابن حجر ، و غيرهما ممن ليس مختصا في التخريج ، بل أغفله أيضا الحافظ الهيثمي
فلم يورده في " مجمع الزوائد " مع أنه على شرطه ! و هذا كله مصداق قول القائل :
" كم ترك الأول للآخر " . و هو دليل واضح على أهمية الرجوع إلى الأمهات عند
إرادة التحقيق في حديث ما ، فإنه سيجد فيها ما يجعل بحثه أقرب ما يكون نضجا
و صوابا . و الله تعالى هو الموفق .
و إذا عرفت هذا فلا تغتر بقول الحافظ ابن حجر في " الدراية " ( ص 7 ) في حديث
ابن عباس هذا :
" أخرجه الدارقطني و اختلف في وصله و إرساله و الراجح إرساله " .
فإنه يعني الطريق الأولى ، و قد عرفت أن الصواب وصله ، و أنه صحيح لولا عنعنة
ابن جريج ، على أنه قد عرفت الجواب عنها .
5 - و أما حديث عائشة ، فأخرجه الدارقطني ( ص 37 ) عن محمد بن الأزهر الجوزجاني
أنبأنا الفضل بن موسى السيناني ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري
عن عروة عنها . و قال : " كذا قال ، و المرسل أصح " .
يعني ابن جريج عن سليمان مرسلا كما تقدم في الطريق الأولى عن ابن عباس ، و محمد
بن الأزهر قال الحافظ في " التلخيص " ( 33 ) : " كذبه أحمد " .
6 - و أما حديث أبي موسى ، فأخرجه الطبراني في " الأوسط "
( 1 / 4 / 1 من زوائده ) ، و ابن عدي ( 23 / 1 ) ، و الدارقطني ( 38 ) من طرق
عن أشعث عن الحسن عنه . و قال الطبراني :
" لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد " .
و كذا رواه العقيلي في " الضعفاء " ( ص 9 ) عن أشعث به و قال :
" لا يتابع عليه ، و الأسانيد في هذا الباب لينة " .
و قال الدارقطني : " الصواب موقوف ، و الحسن لم يسمع من أبي موسى " .

7 - و أما حديث أنس ، فأخرجه ابن عدي ( 24 / 1 ) و أبو الحسن الحمامي في
" الفوائد المنتقاة " ( 9 / 1 / 2 ) ، و الدارقطني ( 39 ) من طرق عن عبد الحكم
عنه .
و قال الدارقطني : " عبد الحكم لا يحتج به " .
8 - و أما حديث سمرة بن جندب ، فرواه تمام الرازي في " مسند المقلين من
الأمراء و السلاطين " ( رقم 3 - نسختي ) ، و عنه ابن عساكر في " تاريخه "
( 14 / 387 / 1 ) : حدثني أبو علي محمد بن هارون بن شعيب ، حدثنا محمد بن عثمان
ابن أبي سويد البصري ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا همام عن سعيد بن أبي عروبة
قال : كنت عند منبر الحجاج بن يوسف فسمعته يقول : حدثني سمرة بن جندب أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و أبو علي هذا هو الأنصاري و هو ضعيف جدا ، و لكنه لم يتفرد به ، فقد أخرجه
تمام ( رقم 4 ) من طريق أخرى عن أحمد بن سعيد الطبري ، حدثنا هدبة ابن خالد به
و هدبة و من فوقه ثقات غير الحجاج و هو الأمير المشهور بالظلم .
9 - و أما حديث عبد الله بن زيد ، فأخرجه بن ماجة ( رقم 443 ) : حدثنا سويد
ابن سعيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن شعبة عن حبيب ابن زيد ،
عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد مرفوعا .
قال الزيلعي ( 1 / 19 ) : " و هذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رجاله ،
فابن أبي زائدة و شعبة و عباد احتج بهم الشيخان ، و حبيب ذكره ابن حبان في
" الثقات " في أتباع التابعين ، و سويد بن سعيد احتج به مسلم " .
و تعقبه الحافظ في " الدراية " ( ص 7 ) بأن سويدا هذا قد اختلط .
و قال في " التقريب " : " صدوق في نفسه إلا أنه عمي ، فصار يتلقن ما ليس من
حديثه ، و أفحش فيه ابن معين القول " .
و لهذا قال البوصيري في " الزوائد " ( ق 33 / 2 ) :
" هذا إسناد حسن إذا كان سويد بن سعيد حفظه " .
أقول : و لكن ذلك لا يمنع أن يكون حسنا لغيره ما دام أن الرجال كلهم ثقات
ليس فيهم متهم . و إذا ضم إليه طريق ابن عباس الصحيح و طريقه الآخر الذي صححه
ابن القطان ، و ابن الجوزي ، و الزيلعي و غيرهم ، فلا شك حينئذ في ثبوت الحديث
و صحته ، و إذا ضم إلى ذلك الطريق الأخرى عن الصحابة الآخرين ، ازداد قوة ،
بل إنه ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء .
فقه الحديث :
------------
و إذ قد صح الحديث ، فهو يدل على مسألتين من مسائل الفقه ، اختلفت أنظار
العلماء فيها .
أما المسألة الأولى فهي : أن مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة ؟ ذهب إلي الأول
الحنابلة . و حجتهم هذا الحديث ، فإنه صريح في إلحاقهما بالرأس ، و ما ذلك إلا
لبيان أن حكمهما في المسح كحكم الرأس فيه . و ذهب الجمهور إلي أن مسحهما سنة
فقط ، كما في الفقه على المذاهب الأربعة ( 1 / 56 ) . و لم نجد لهم حجة يجوز
التمسك بها في مخالفة هذا الحديث إلا قول النووي في " المجموع " ( 1 / 415 )
إنه ضعيف من جميع طرقه ! و إذا علمت أن الأمر ليس كذلك ، و أن بعض طرقه صحيح لم
يطلع عليه النووي . و البعض الآخر صحيح لغيره ، استطعت أن تعرف ضعف هذه الحجة
و وجوب التمسك بما دل عليه الحديث من وجوب مسح الأذنين و أنهما في ذلك كالرأس ،
و حسبك قدوة في هذا المذهب إمام السنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، و سلفه في
ذلك جماعة من الصحابة ، تقدم تسمية بعضهم في أثناء تخريج الحديث ، و قد عزاه
النووي ( 1 / 413 ) إلى الأكثرين من السلف .
و أما المسألة الأخرى فهي : هل يكفي في مسح الأذنين ماء الرأس ، أم لابد لذلك
من جديد ؟ ذهب إلى الأول الأئمة الثلاثة كما في " فيض القدير " للمناوي فقال في
شرح الحديث :
" ( الأذنان من الرأس ) لا من الوجه و لا مستقلتان ، يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء
جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء ، بل يجزىء مسحهما ببلل ماء الرأس ،
و إلا لكان بيانا للخلقة فقط ، و المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يبعث لذلك ،
و به قال الأئمة الثلاثة " .
و خالف في ذلك الشافعية ، فذهبوا إلى أنه يسن تجديد الماء للأذنين و مسحهما على
الانفراد ، و لا يجب ، و احتج النووي لهم بحديث عبد الله بن زيد أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه .
قال النووي في " المجموع " ( 1 / 412 ) :
" حديث حسن ، رواه البيهقي ، و قال : إسناده صحيح " .
و قال في مكان آخر ( 1 / 414 ) :
" و هو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، فهذا صريح في أنهما ليستا من الرأس ،
إذ لو كانتا منه لما أخذ لهما ماء جديدا كسائر أجزاء الرأس ، و هو صريح في أخذ
ماء جديد " .
قلت : و لا حجة فيه على ما قالوا ، إذ غاية ما فيه مشروعية أخذ الماء لهما ،
و هذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرأس ، كما دل عليه هذا الحديث ، فاتفقا
و لم يتعارضا ، و يؤيد ما ذكرت أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم :
" أنه مسح برأسه من فضل ماء كان في يده " .
رواه أبو داود في " سننه " بسند حسن كما بينته في " صحيح سننه " ( رقم 121 )
و له شاهد من حديث ابن عباس في " المستدرك " ( 1 / 147 ) بسند حسن أيضا ،
و رواه غيره . فانظر " تلخيص الحبير " ( ص 33 ) .
و هذا كله يقال على فرض التسليم بصحة حديث عبد الله بن زيد ، و لكنه غير ثابت ،
بل هو شاذ كما ذكرت في " صحيح سنن أبي داود " ( رقم 111 ) و بينته في " سلسلة
الأحاديث الضعيفة " تحت رقم ( 997 ) .
و جملة القول ، فإن أسعد الناس بهذا الحديث من بين الأئمة الأربعة أحمد بن حنبل
رضي الله عنهم أجمعين ، فقد أخذ بما دل عليه الحديث في المسألتين ، و لم يأخذ
به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره .


37 - " غطوا الإناء و أوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء
ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 57 :

رواه مسلم ( 6 / 105 ) و أحمد ( 3 / 355 ) من طريق القعقاع بن حكيم عن
جابر بن عبد الله مرفوعا .
( أوكوا ) أي شدوا رءوسها بالوكاء و هو الخيط الذي تشد به القربة و نحوها .
و في رواية لمسلم و غيره :
( غطوا الإناء ، و أوكوا السقاء ، و أغلقوا الباب ، و أطفئوا السراج ، فإن
الشيطان لا يحل سقاء ، و لا يفتح بابا ، و لا يكشف إناء ، فإن لم يجد أحدكم إلا
أن يعرض على إنائه عودا و يذكر اسم الله فليفعل ، فإن الفويسقة ( يعني الفأرة )
تضرم على أهل البيت بيتهم ) .
و للحديث طرق و ألفاظ أخرى ، و قد سقتها في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث
منار السبيل " رقم ( 38 ) و سيطبع قريبا إن شاء الله تعالى .


38 - " إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ( كله ) ثم لينتزعه ، فإن في إحدى
جناحيه داء و في الأخرى شفاء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 58 :

ورد من حديث أبي هريرة ، و أبي سعيد الخدري ، و أنس بن مالك .

1 - أما حديث أبي هريرة فله عنه طرق :
الأول : عن عبيد بن حنين قال : سمعت أبا هريرة يقول ، فذكره .
أخرجه البخاري ( 2 / 329 و 4 / 71 - 72 ) ، و الدارمي ( 2 / 99 ) ، و ابن ماجه
( 3505 ) ، و أحمد ( 2 / 398 ) ، و ما بين المربعين زيادة له ، و هي للبخاري
في رواية له .
الثاني : عن سعيد بن أبي سعيد عنه .
رواه أبو داود ( 3844 ) من طريق أحمد ، و هذا في " المسند " ( 3 / 229 ، 246 )
و الحسن بن عرفة في " جزئه " ( ق 91 / 1 ) من طريق محمد بن عجلان عنه به
و زاد : " و إنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ، فليغمسه كله " . و إسناده حسن .
و قد تابعه إبراهيم بن الفضل عن سعيد به .
أخرجه أحمد ( 2 / 443 ) ، و إبراهيم هذا هو المخزومي المدني و هو ضعيف .
الثالث : عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عنه به .
أخرجه الدارمي و أحمد ( 2 / 263 ، 355 ، 388 ) ، و سنده صحيح على شرط مسلم .
الرابع : عن محمد بن سيرين عنه به .
رواه أحمد ( 2 / 355 ، 388 ) ، و سنده صحيح أيضا .
الخامس : عن أبي صالح عنه .
رواه أحمد ( 2 / 340 ) ، و الفاكهي في " حديثه " ( 2 / 50 / 2 ) ، بسند حسن .
2 - و أما حديث أبي سعيد الخدري فلفظه :
" إن أحد جناحي الذباب سم و الآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام ، فاملقوه ، فإنه
يقدم السم ، و يؤخر الشفاء " .


39 - " إن أحد جناحي الذباب سم و الآخر شفاء ، فإذا وقع في الطعام فامقلوه ، فإنه
يقدم السم و يؤخر الشفاء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 59 :

رواه أحمد ( 3 / 67 ) : حدثنا يزيد قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد
قال : دخلت على أبي سلمة فأتانا بزبد و كتلة ، فأسقط ذباب في الطعام ، فجعل
أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه ، فقلت : يا خال ! ما تصنع ؟ فقال :
إن أبا سعيد الخدري حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و رواه ابن ماجه ( 3504 ) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون به مرفوعا دون القصة .
و رواه الطيالسي في " مسنده " ( 2188 ) :
حدثنا ابن أبي ذئب به ، و عنه رواه النسائي ( 2 / 193 ) ، و أبو يعلى في
" مسنده " ( ق 65 / 2 ) و ابن حبان في " الثقات " ( 2 / 102 ) .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن خالد و هو القارظي
و هو صدوق كما قال الذهبي و العسقلاني .
3 - و أما حديث أنس :
فرواه البزار و رجاله رجال الصحيح .
رواه الطبراني في " الأوسط " كما في " مجمع الزوائد " ( 5 / 38 ) ،
و ابن أبي خيثمة في " تاريخه الكبير " .
قال الحافظ : و إسناده صحيح ، كما في " نيل الأوطار " ( 1 / 55 ) .
أما بعد ، فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة ، عن هؤلاء الصحابة الثلاثة
أبي هريرة و أبي سعيد و أنس ، ثبوتا لا مجال لرده و لا للتشكيك فيه ، كما ثبت
صدق أبي هريرة رضي الله عنه في روايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
خلافا لبعض غلاة الشيعة من المعاصرين ، و من تبعه من الزائغين ، حيث طعنوا فيه
رضي الله عنه لروايته إياه ، و اتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، و حاشاه من ذلك ، فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك
و أن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه ، لأنهم رموا صحابيا بالبهت ، و ردوا
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة !
و قد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت ، و ليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد
أبي هريرة بالحديث ، و هو حجة و لو تفرد ، أم جهلوا ذلك ، فإن كان الأول فلماذا
يتعللون برواية أبي هريرة إياه ، و يوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الأصحاب
الكرام ؟ ! و إن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص و العلم بالحديث الشريف ؟
و ما أحسن ما قيل :
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثم إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء و هو أن
الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم ، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك
الجراثيم ، و الحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك ، بل هو يؤيدهم إذ
يخبر أن في أحد جناحيه داء ، و لكنه يزيد عليهم فيقول : " و في الآخر شفاء "
فهذا مما لم يحيطوا بعلمه ، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين ، و إلا
فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء ! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد
أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه .
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة ، و قد اختلفت
آراء الأطباء حوله ، و قرأت مقالات كثيرة في مجلات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه
تأييدا أو ردا ، و نحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث و أن النبي صلى الله عليه
وسلم ( ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) ، لا يهمنا كثيرا ثبوت الحديث
من وجهة نظر الطب ، لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي
و مع ذلك فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح ،
و لذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء
في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث قال :
" يقع الذباب على المواد القذرة المملؤة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض
المختلفة ، فينقل بعضها بأطرافه ، و يأكل بعضا ، فيتكون في جسمه من ذلك مادة
سامة يسميها علماء الطب بـ " مبعد البيكتريا " ، و هي تقتل كثيرا من جراثيم
الأمراض ، و لا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم
الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا . و أن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب ،
هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته ، و على هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام
و ألقي الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب ، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم
و أول واق منها هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد
جناحيه ، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه ، و غمس الذباب كله و طرحه كاف
لقتل الجراثيم التي كانت عالقة ، و كاف في إبطال عملها " .
و قد قرأت قديما في هذه المجلة بحثا ضافيا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد
السيوطي ( مجلد العام الأول ) و قرأت كلمة في مجلد العام الفائت ( ص 503 ) كلمة
للطبيبين محمود كمال و محمد عبد المنعم حسين نقلا عن مجلة الأزهر .
ثم وقفت على العدد ( 82 ) من " مجلة العربي " الكويتية ص 144 تحت عنوان :
" أنت تسأل ، و نحن نجيب " بقلم المدعو عبد الوارث كبير ، جوابا له على سؤال
عما لهذا الحديث من الصحة و الضعف ؟ فقال :
" أما حديث الذباب ، و ما في جناحيه من داء و شفاء ، فحديث ضعيف ، بل هو عقلا
حديث مفترى ، فمن المسلم به أن الذباب يحمل من الجراثيم و الأقذار ...
و لم يقل أحد قط أن في جناحي الذبابة داء و في الآخر شفاء ، إلا من وضع هذا
الحديث أو افتراه ، و لو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب
و يحض على مكافحته " .
و في الكلام على اختصاره من الدس و الجهل ما لابد من الكشف عنه دفاعا عن حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و صيانة له أن يكفر به من قد يغتر بزخرف
القول ! فأقول :
أولا : لقد زعم أن الحديث ضعيف ، يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل
قوله : " بل هو عقلا حديث مفترى " .
و هذا الزعم واضح البطلان ، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و كلها صحيحة . و حسبك دليلا على ذلك أن أحدا
من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء !
ثانيا : لقد زعم أنه حديث مفترى عقلا .
و هذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه ، لأنه مجرد دعوى لم يسق دليلا
يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به ، ألست تراه يقول :
" و لم يقل أحد ... ، و لو صح لكشف عنه العلم الحديث ... " .
فهل العلم الحديث - أيها المسكين - قد أحاط بكل شيء علما ، أم أن أهله الذين لم
يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلدهم منا - يقولون : إننا كلما ازددنا علما بما
في الكون و أسراره ، ازددنا معرفة بجهلنا ! و أن الأمر بحق كما قال الله تبارك
و تعالى : ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .
و أما قوله : " إن العلم يقطع بمضار الذباب و يحض على مكافحته " !
فمغالطة مكشوفة ، لأننا نقول : إن الحديث لم يقل نقيض هذا ، و إنما تحدث عن
قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها ، فإذا قال الحديث :
" إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يفهم ، لا من العرب و لا من العجم ، اللهم إلا
العجم في عقولهم و إفهامهم أن الشرع يبارك في الذباب و لا يكافحه ؟
ثالثا : قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم ، من أن الذباب يحمل في جوفه
ما سموه بـ " مبعد البكتريا " القاتل للجراثيم . و هذا و إن لم يكن موافقا لما
في الحديث على وجه التفصيل ، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار
إليه و أمثاله من اجتماع الداء و الدواء في الذباب ، و لا يبعد أن يأتي يوم
تنجلي فيه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثبوت التفاصيل المشار إليها
علميا ، ( و لتعلمن نبأه ، بعد حين ) .
و إن من عجيب أمر هذا الكاتب و تناقضه ، أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف
هذا الحديث ، ذهب إلى تصحيح حديث " طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع
مرات : إحداهن بالتراب " فقال :
" حديث صحيح متفق عليه " فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين
على صحته ، فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم ، فكيف جاز له
تضعيف هذا و تصحيح ذاك ؟ ! ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح
عنده في معناه ، لأنه ذكر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة ، و أن المقصود من
التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر !
و هذا تأويل باطل ، بين البطلان و إن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه
.
فلا أدري أي خطأيه أعظم ، أهو تضعيفه للحديث الأول و هو صحيح ، أم تأويله
للحديث الآخر و هو تأويل باطل ! .
و بهذه المناسبة ، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يثقوا بكل ما يكتب اليوم في
بعض المجلات السائرة ، أو الكتب الذائعة ، من البحوث الإسلامية ، و خصوصا ما
كان منها في علم الحديث ، إلا إذا كانت بقلم من يوثق بدينه أولا ، ثم بعلمه
و اختصاصه فيه ثانيا ، فقد غلب الغرور على كثير من كتاب العصر الحاضر ، و خصوصا
من يحمل منهم لقب " الدكتور " ! . فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم ، و ما لا
علم لهم به ، و إني لأعرف واحدا من هؤلاء ، أخرج حديثا إلى الناس كتابا جله في
الحديث و السيرة ، و زعم فيه أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث و الأخبار في
كتب السنة و السيرة ! ثم هو أورد فيه من الروايات و الأحاديث ما تفرد به
الضعفاء و المتروكون و المتهمون بالكذب من الرواة كالواقدي و غيره ، بل أورد
فيه حديث : " نحن نحكم بالظاهر ، و الله يتولى السرائر " ، و جزم بنسبته إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ ، كما نبه
عليه حفاظ الحديث كالسخاوي و غيره ، فاحذروا أيها القراء أمثال هؤلاء .
و الله المستع


40 - " إذا كان جنح الليل ، فكفوا صبيانكم ، فإن الشياطين تنتشر حينئذ ، فإذا ذهبت
ساعة من العشاء فخلوهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 65 :

أخرجه البخاري ( 2 / 322 ، 4 / 36 - 37 ) ، و مسلم ( 6 / 106 ) ، و أبو داود
( 3733 ) من طريق عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله مرفوعا .
و رواه أحمد ( 3 / 388 ) بنحوه و زاد :
" فإن للجن انتشارا و خطفة " و سنده صحيح .
( جنح الليل ) أي : إذا أقبل ظلامه ، قال الطيبي : " جنح الليل " : طائفة منه ،
و أراد به هنا الطائفة الأولى منه ، عند امتداد فحمة العشاء .


41 - " يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل يؤذن بالصلاة و يصلي فيقول الله
عز و جل : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن و يقيم الصلاة يخاف مني ، فقد غفرت لعبدي
و أدخلته الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 65 :

رواه أبو داود في " صلاة السفر " رقم ( 1203 ) ، و النسائي في " الأذان "
( 1 / 108 ) و ابن حبان ( 260 ) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن
أبا عشانة حدثه عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : فذكره .
قلت : و هذا إسناد مصري صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و أبو عشانة اسمه حي بن يؤمن
و هو ثقة .
( الشظية ) : قطعة من رأس الجبل مرتفعة .
و في الحديث من الفقه استحباب الأذان لمن يصلي وحده ، و بذلك ترجم له النسائي ،
و قد جاء الأمر به و بالإقامة أيضا في بعض طرق حديث المسيء صلاته ، فلا ينبغي
التساهل بهما .


42 - " من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة و كتب له بتأذينه في كل مرة ستون حسنة
و بإقامته ثلاثون حسنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 66 :

رواه ابن ماجه ( رقم 728 ) ، و الحاكم ( 1 / 205 ) ، و عنه البيهقي ( 1 / 433 )
و ابن عدي ( 220 / 1 ) ، و البغوي في " شرح السنة " ( 1 / 58 / 1 - 2 )
و الضياء في " المنتقى من مسموعاته بمرو " ( 32 / 1 ) ، كلهم عن عبد الله
بن صالح حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر مرفوعا .

و قال الحاكم :
" صحيح على شرط البخاري " و وافقه الذهبي !
و قال المنذري ( 1 / 111 ) :
" و هو كما قال ، فإن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، و إن كان فيه كلام فقد روى
عنه البخاري في ( الصحيح ) . و هذا من المنذري أولى من موافقة الذهبي المطلقة
على تصحيح الحديث لاسيما و هو قد أورده في ترجمة عبد الله بن صالح هذا في جملة
ما أنكر عليه من الأحاديث .
و قال ابن عدي عقب الحديث :
" لا أعلم من روى بهذا الإسناد عن ابن وهب ( كذا و لعله ابن أيوب ) غير أن
أبي صالح ، و هو عندي مستقيم الحديث ، إلا أنه يقع في حديثه في أسانيده و متونه
غلط ، و لا يتعمد الكذب " .
و قال البغوي :
" عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق ، غير أنه وقع في حديثه مناكير " .
و لذلك قال البوصيري في " الزوائد " ( ق 48 / 2 ) :
" إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح " .
و للحديث علة أخرى و هي : عنعنة ابن جريج .

و قد قال البيهقي عقبه :
" و قد رواه يحيى بن المتوكل ، عن ابن جريج عمن حدثه ، عن نافع . قال البخاري :
و هذا أشبه " .
قلت : فتبين أن هذا الإسناد لا تقوم به حجة ، لكن ذكر له الحاكم شاهدا من طريق
ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن نافع به .
و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و ابن لهيعة و إن كان فيه كلام من قبل حفظه
فذلك خاص بما إذا كان من غير رواية العبادلة عنه ، و ابن وهب أحدهم .

قال عبد الغني بن سعيد الأزدي و الساجي و غيرهما :
" إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح : ابن المبارك و ابن وهب و المقريء "
.
و بذلك يصير الحديث صحيحا . و الحمد لله على توفيقه .
و في هذا الحديث فضل ظاهر للمؤذن المثابر على أذانه هذه المدة المذكورة فيه
و لا يخفى أن ذلك مشروط بمن أذن خالصا لوجه الله تعالى ، لا يبتغي من ورائه
رزقا ، و لا رياء ، و لا سمعة ، للأدلة الكثيرة الثابتة في الكتاب و السنة ،
التي تفيد أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له .
( راجع كتاب الرياء في أول " الترغيب و الترهيب " للمنذري ) .
و قد ثبت أن رجلا جاء إلى ابن عمر فقال : إني أحبك في الله ، قال : فاشهد علي
أني أبغضك في الله ! قال : و لم ؟ قال : لأنك تلحن في أذانك ، و تأخذ عليه
أجرا !
و إن مما يؤسف له حقا أن هذه العبادة العظيمة ، و الشعيرة الإسلامية ، قد انصرف
أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا ، فلا تكاد ترى أحدا منهم يؤذن في مسجد ما
إلا ما شاء الله ، بل ربما خجلوا من القيام بها ، بينما تراهم يتهافتون على
الإمامة ، بل و يتخاصمون ! فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان .


43 - " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك و ليس عندي من النفقة ما يقوي على
بنائه لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله و لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ثم
لبنيتها على أساس إبراهيم و جعلت لها بابين بابا شرقيا يدخل الناس منه و بابا
غربيا يخرجون منه و ألزقتها بالأرض و زدت فيها ستة أذرع من الحجر .
( و في رواية : و لأدخلت فيها الحجر ) فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ، فإن
بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوه منه ، فأراها قريبا من سبعة
أذرع " .

و في رواية عنها قالت :
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر ( أي الحجر ) ، أمن البيت هو ؟
قال : نعم ، قلت : فلم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : إن قومك قصرت بهم النفقة ،
قلت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا و يمنعوا من
شاءوا ، ( و في رواية : تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا
أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط ) و لولا أن قومك
حديث عهدهم في الجاهلية ، فأخاف أن تنكر قلوبهم ، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت
و أن ألزق بابه بالأرض .
فلما ملك ابن الزبير هدمها و جعل لها بابين .
( و في رواية فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه ، قال يزيد بن رومان : و قد
شهدت ابن الزبير حين هدمه و بناه و أدخل فيه الحجر ، و قد رأيت أساس إبراهيم
عليه السلام حجارة متلاحمة كأسنمة الإبل متلاحكة ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 69 :

( عن عائشة ) :

رواه البخاري ( 1 / 44 ، 491 ، 3 / 197 ، 4 / 412 ) ، و مسلم ( 4 / 99 - 100 )
و أبو نعيم في " المستخرج " ( ق 174 / 2 ) ، و النسائي ( 2 / 34 - 35 ) ،
و الترمذي ( 1 / 166 ) و صححه ، و الدارمي ( 1 / 53 - 54 ) و ابن ماجه ( 2955 )
و مالك ( 1 / 363 ) ، و الأزرقي في " أخبار مكة " ( ص 114 - 115 ، 218 - 219 )
و أحمد ( 6 / 57 ، 67 ، 92 ، 102 ، 113 ، 136 ، 176 ، 179 ، 239 ، 247 ، 253 ،
262 ) من طرق عنها .
من فقه الحديث :
--------------

يدل هذا الحديث على أمرين :
الأول : أن القيام بالإصلاح إذا ترتب عليه مفسدة أكبر منه وجب تأجيله ، و منه
أخذ الفقهاء قاعدتهم المشهورة " دفع المفسدة ، قبل جلب المصلحة " .
الثاني : أن الكعبة المشرفة بحاجة الآن إلى الإصلاحات التي تضمنها الحديث لزوال
السبب الذي من أجله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، و هو أن تنفر قلوب
من كان حديث عهد بشرك في عهده صلى الله عليه وسلم ، و قد نقل ابن بطال عن بعض
العلماء " أن النفرة التي خشيها صلى الله عليه وسلم ، أن ينسبوه إلى الانفراد
بالفخر دونهم " .
و يمكن حصر تلك الإصلاحات فيما يلي :
1 - توسيع الكعبة و بناؤها على أساس إبراهيم عليه عليه الصلاة و السلام ، و ذلك
بضم نحو ستة أذرع من الحجر .
2 - تسوية أرضها بأرض الحرم .
3 - فتح باب آخر لها من الجهة الغربية .
4 - جعل البابين منخفضين مع الأرض لتنظيم و تيسير الدخول إليها و الخروج منها
لكل من شاء .
و لقد كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قد قام بتحقيق هذا الإصلاح
بكامله إبان حكمه في مكة ، و لكن السياسة الجائرة أعادت الكعبة بعده إلى وضعها
السابق ! و هاك تفصيل ذلك كما رواه مسلم ، و أبو نعيم ، بسندهما الصحيح عن عطاء
قال :
" لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام ، فكان من أمره ما
كان ، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم ، يريد أن يجرئهم أو يحربهم على
أهل الشام ، فلما صدر الناس قال : يا أيها الناس ، أشيروا على في الكعبة أنقضها
ثم أبني بناءها ، أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس : فإني قد فرق لي رأي
فيها : أرى أن تصلح ما وهي منها ، و تدع بيتا أسلم الناس عليه ، و أحجارا أسلم
الناس عليها ، و بعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن الزبير : لو
كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده ، فكيف بيت ربكم ؟! إني مستخير ربي ثلاثا
ثم عازم على أمري ، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها ، فتحاماه الناس ،
أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء ! حتى صعده رجل فألقى منه حجارة ،
فلما لم يره الناس أصابه شيء ، تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض ، فجعل ابن
الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه .

و قال ابن الزبير : إني سمعت عائشة تقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( فذكر الحديث بالزيادة الأولى ثم قال ) : فأنا اليوم أجد ما أنفق و لست أخاف
الناس ، فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه ، فبنى عليه
البناء و كان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا ، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله
عشر أذرع ، و جعل له بابين أحدهما يدخل منه ، و الآخر يخرج منه ، فلما قتل
ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ، و يخبره أن ابن
الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة ، فكتب إليه
عبد الملك : إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء ، أما ما زاد في طوله فأقره
و أما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه ، و سد الباب الذي فتحه ، فنقضه ،
و أعاده إلى بنائه " .
ذلك ما فعله الحجاج الظالم بأمر عبد الملك الخاطئ ، و ما أظن أنه يبرر له خطأه
ندمه فيما بعد .

فقد روى مسلم و أبو نعيم أيضا عن عبد الله بن عبيد قال :
" وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته ، فقال عبد الملك :
ما أظن أبا حبيب ( يعني : ابن الزبير ) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها
قال الحارث : بلى أنا سمعته منها ، قال : سمعتها تقول ماذا ؟ قال : قالت : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قلت : فذكر الحديث ) قال عبد الملك للحارث :
أنت سمعتها تقول هذا ؟ قال : نعم ، قال : فنكث ساعة بعصاه ثم قال : وددت أني
تركته و ما تحمل " .
و في رواية لهما عن أبي قزعة :
" أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال : قاتل الله ابن الزبير
حيث يكذب على أم المؤمنين يقول : سمعتها تقول : ( فذكر الحديث ) .
فقال الحارث بن عبد الله بن ربيعة : لا تقل هذا يا أمير المؤمنين ، فأنا سمعت
أم المؤمنين تحدث هذا ، قال : لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى
ابن الزبير " .
أقول : كان عليه أن يتثبت قبل الهدم فيسأل عن ذلك أهل العلم ، إن كان يجوز له
الطعن في عبد الله بن الزبير ، و اتهامه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
و قد تبين لعبد الملك صدقه رضي الله عنه بمتابعة الحارث إياه ، كما تابعه جماعة
كثيرة عن عائشة رضي الله عنها ، و قد جمعت رواياتهم بعضها إلى بعض في هذا
الحديث ، فالحديث مستفيض عن عائشة ، و لذلك فإني أخشى أن يكون عبد الملك على
علم سابق بالحديث قبل أن يهدم البيت ، و لكنه تظاهر بأنه لم يسمع به إلا من
طريق ابن الزبير ، فلما جابهه الحارث بن عبد الله بأنه سمعه من عائشة أيضا أظهر
الندم على ما فعل ، ولات حين مندم .
هذا ، و قد بلغنا أن هناك فكرة أو مشروعا لتوسيع المطاف حول الكعبة و نقل مقام
إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلى مكان آخر ، فأقترح بهذه المناسبة على
المسؤولين أن يبادروا إلى توسيع الكعبة قبل كل شيء و إعادة بنائها على أساس
إبراهيم عليه السلام تحقيقا للرغبة النبوية الكريمة المتجلية في هذا الحديث ،
و إنقاذا للناس من مشاكل الزحام على باب الكعبة الذي يشاهد في كل عام ، و من
سيطرة الحارس على الباب الذي يمنع من الدخول من شاء و يسمح لمن شاء ، من أجل
دريهمات معدودات !


44 - " خياركم من أطعم الطعام " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 73 :

رواه لوين في " أحاديثه " ( 25 / 2 ) : حدثنا عبيد الله بن عمر عن عبد الله
بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال :
قال عمر لصهيب : أي رجل أنت ، لولا خصال ثلاث فيك ! قال : و ما هن ؟ قال :
اكتنيت و ليس لك ولد ، و انتميت إلى العرب و أنت من الروم ، و فيك سرف في
الطعام . قال : أما قولك : اكتنيت و لم يولد لك ، فإن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كناني أبا يحيى ، و أما قولك : انتميت إلى العرب و لست منهم ، و أنت رجل
من الروم . فإني رجل من النمر بن قاسط فسبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام
عرفت نسبي ، و أما قولك : فيك سرف في الطعام ، فإني سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : فذكره .
و هكذا أخرجه ابن عساكر ( 8 / 194 - 195 ) و الضياء المقدسي في " الأحاديث
المختارة " ( 16 / 1 ) و الحافظ ابن حجر في " الأحاديث العاليات " ( رقم 25 )
و قال :
" حديث حسن رواه ابن ماجه و أبو يعلى و الطبراني " .
قلت : و له شواهد من حديث جابر و غيره ، عند ابن عساكر ، يرتقي بها الحديث إلى
درجة الصحة . أما ابن ماجه فروى ( 3737 ) قصة الكنية فقط .
و قال البوصيري في " الزوائد " : " إسناده حسن " .
و رواه أحمد ( 6 / 16 ) بتمامه و زاد : " و رد السلام " .
و إسناده حسن ، و هو و إن كان فيه زهير و هو ابن محمد التميمي الخراساني فإنه
من رواية غير الشاميين عنه و هي مستقيمة .
ثم رواه أحمد ( 6 / 333 ) من طريق زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال لصهيب :
فذكره نحوه . و رجاله ثقات لكنه منقطع بين زيد و عمر .
و له شاهد عند لوين من حديث أبي هريرة مرفوعا .
و رجاله ثقات غير أبي عبيد مولى عبد الرحمن الراوي له عن أبي هريرة فلم أجد له
ترجمة .
من فوائد الحديث
---------------
و في هذا الحديث فوائد :
الأولى : مشروعية الاكتناء ، لمن لم يكن له ولد ، بل قد صح في البخاري و غيره
أن النبي صلى الله عليه وسلم كنى طفلة صغيرة حينما كساها ثوبا جميلا فقال لها :
هذا سنا يا أم خالد ، هذا سنا يا أم خالد " . و قد هجر المسلمون لاسيما الأعاجم
منهم هذه السنة العربية الإسلامية ، فقلما تجد من يكتني منهم و لو كان له طائفة
من الأولاد ، فكيف من لا ولد له ؟ و أقاموا مقام هذه السنة ألقابا مبتدعة ،
مثل : الأفندي ، و البيك ، و الباشا ، ثم السيد ، أو الأستاذ ، و نحو ذلك مما
يدخل بعضه أو كله في باب التزكية المنهي عنها في أحاديث كثيرة . فليتنبه لهذا .
الثانية : فضل إطعام الطعام ، و هو من العادات الجميلة التي امتاز بها العرب
على غيرهم من الأمم ، ثم جاء الإسلام و أكد ذلك أيما توكيد كما في هذا الحديث
الشريف ، بينما لا تعرف ذلك أوربا ، و لا تستذوقه ، اللهم إلا من دان بالإسلام
منها كالألبان و نحوهم ، و إن مما يؤسف له أن قومنا بدؤوا يتأثرون بأوربا في
طريقة حياتها ، ما وافق الإسلام منها و ما خالف ، فأخذوا لا يهتمون بالضيافة
و لا يلقون لها بالا ، اللهم إلا ما كان منها في المناسبات الرسمية ، و لسنا
نريد هذا بل إذا جاءنا أي صديق مسلم وجب علينا أن نفتح له دورنا ، و أن نعرض
عليه ضيافتنا ، فذلك حق له علينا ثلاثة أيام ، كما جاء في الأحاديث الصحيحة ،
و إن من العجائب التي يسمعها المسلم في هذا العصر الاعتزاز بالعربية ، ممن لا
يقدرها قدرها الصحيح ، إذ لا نجد في كثير من دعاتها اللفظيين من تتمثل فيه
الأخلاق العربية ، كالكرم ، و الغيرة ، و العزة ، و غيرها من الأخلاق الكريمة
التي هي من مقومات الأمم ، و رحم الله من قال :
و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا و أحسن منه قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إنما بعثت لأتمم مكارم ( و في رواية صالح ) الأخلاق " .


45 - " إنما بعثت لأتمم مكارم ( و في رواية صالح ) الأخلاق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 75 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 273 ) ، و ابن سعد في " الطبقات "
( 1 / 192 ) ، و الحاكم ( 2 / 613 ) ، و أحمد ( 2 / 318 ) ، و ابن عساكر في
" تاريخ دمشق " ( 6 / 267 / 1 ) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن
أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا .
و هذا إسناد حسن ، و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " ، و وافقه الذهبي !
و ابن عجلان ، إنما أخرج له مسلم مقرونا بغيره .
و له شاهد ، أخرجه ابن وهب في " الجامع " ( ص 75 ) :
أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعا به .
و هذا مرسل حسن الإسناد ، فالحديث صحيح . و قد رواه مالك في " الموطأ "
( 2 / 904 / 8 ) بلاغا .
و قال ابن عبد البر :
" هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة و غيره " .


46 - " هؤلاء لهذه و هؤلاء لهذه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 76 :
رواه المخلص في " الفوائد المنتقاة " ( ج 1 / 34 / 2 ) ، و الطبراني في
" المعجم الصغير " ( ص 73 ) من حديث ابن عمر مرفوعا بزيادة :
" فتفرق الناس ، و هم لا يختلفون في القدر " .
و إسناده صحيح .


47 - " إن الله عز و جل قبض قبضة فقال : في الجنة برحمتي ، و قبض قبضة فقال : في
النار و لا أبالي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 76 :

رواه أبو يعلى في " مسنده " ( 171 / 2 ) و العقيلي في " الضعفاء " ( ص 93 )
و ابن عدي في " الكامل " ( 66 / 2 ) ، و الدولابي في " الأسماء و الكنى "
( 2 / 48 ) من حديث الحكم بن سنان ، عن ثابت ، عن أنس مرفوعا .
و قال ابن عدي :
" الحكم بن سنان بعض ما يرويه مما لا يتابع عليه " .
و نحوه قال العقيلي .
قلت : قد توبع عليه فالحديث صحيح ، و قد أشار إلي ذلك العقيلي بقوله :
" و قد روي في القبضتين أحاديث بأسانيد صالحة " .
قلت : و ها نحن موردوها إن شاء الله تعالى .


48 - " إن الله عز وجل خلق آدم ، ثم أخذ الخلق من ظهره و قال : هؤلاء إلى الجنة
و لا أبالي و هؤلاء إلى النار و لا أبالي ، فقال قائل : يا رسول الله فعلى ماذا
نعمل ؟ قال : على مواقع القدر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 77 :

رواه أحمد ( 4 / 186 ) و ابن سعد في " الطبقات " ( 1 / 30 ، 7 / 417 ) ،
و ابن حبان في " صحيحه " ( 1806 ) ، و الحاكم ( 1 / 31 ) و الحافظ عبد الغني
المقدسي في ( الثالث و التسعين من " تخريجه " 41 / 2 ) من طريق أحمد عن
عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، و كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
مرفوعا .
و قال الحاكم : " صحيح " .
و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .


49 - " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى ، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ،
و ضرب كتفه اليسرى ، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذي في يمينه :
إلى الجنة و لا أبالي و قال للذي في كتفه اليسرى : إلى النار و لا أبالي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 77 :

رواه أحمد و ابنه في زوائد " المسند " ( 6 / 441 ) و ابن عساكر في
" تاريخ دمشق " ( ج 15 / 136 / 1 ) .
قلت : و إسناده صحيح .


50 - " إن الله تبارك و تعالى قبض قبضة بيمينه فقال : هذه لهذه و لا أبالي و قبض
قبضة أخرى ، يعني : بيده الأخرى ، فقال : هذه لهذه و لا أبالي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 78 :

رواه أحمد ( 55 / 68 ) عن أبي نضرة قال :
" مرض رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه أصحابه يعودونه ،
فبكى ، فقيل له : ما يبكيك يا عبد الله ! ألم يقل لك رسول الله صلى الله عليه
وسلم : خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني ؟ قال : بلى ، و لكني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : ( فذكره ، و قال في آخره : ) فلا أدري في أي
القبضتين أنا " .
و إسناده صحيح .
و في الباب عن أبي موسى و أبي سعيد و غيرهما فليراجعها من شاء في " مجمع
الزوائد " ( 6 / 186 - 187 ) .
و حديث أبي موسى في " حديث لوين " ( 26 / 1 ) و فيه روح بن المسيب و هو صويلح
كما قال ابن معين .
و اعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث و ذكر طرقه أمران :
الأول : أن أحد أهل العلم و هو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي أورده في كتابه
" تذكرة الموضوعات " ( ص 12 ) و قال فيه : " مضطرب الإسناد " ! و لا أدري ما
وجه ذلك فالحديث صحيح من طرق كما رأيت ، و لا اضطراب فيه ، إلا أن يكون اشتبه
عليه بحديث آخر مضطرب أو عنى طريقا أخرى من طرقه ، ثم لم يتتبع هذه الطرق
الصحيحة له . و الله أعلم .
و الثاني : أن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث - و نحوها أحاديث كثيرة
- تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية ، ما دام أنه حكم عليه منذ
القديم و قبل أن يخلق بالجنة أو النار ، و قد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ
فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة ، و من كان من القبضة الأخرى كان
من أهل الشقاوة ، فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله ( ليس كمثله شيء ) لا في
ذاته و لا في صفاته ، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه و عدله و حكمته ، فهو تعالى قبض
باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته ، و قبض بالأخرى على من سبق في
علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته ، و يستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض
باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى ، و العكس بالعكس ، كيف
و الله عز و جل يقول : ( أفنجعل المسلمين . كالمجرمين . ما لكم كيف تحكمون ) .
ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من
أهل النار ، بل هو حكم من الله تبارك و تعالى عليهم بما سيصدر منهم من إيمان
يستلزم الجنة ، أو كفر يقتضي النار و العياذ بالله تعالى منها ، و كل من
الإيمان أو الكفر أمران اختياريان ، لا يكره الله تبارك و تعالى أحدا من خلقه
على واحد منهما ( فمن شاء فليؤمن ، و من شاء فليكفر ) ، و هذا مشاهد معلوم
بالضرورة ، و لولا ذلك لكان الثواب و العقاب عبثا ، و الله منزه عن ذلك .
و من المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس حتى من بعض المشايخ التصريح بأن
الإنسان مجبور لا إرادة له ! و بذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن
يظلم الناس ! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة ، و إعلانه بأنه قادر
على الظلم و لكنه نزه نفسه عنه كما في الحديث القدسي المشهور :
" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... " و إذا جوبهوا بهذه الحقيقة ، بادروا
إلى الاحتجاج بقوله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل ) ، مصرين بذلك على أن الله
تعالى قد يظلم و لكنه لا يسأل عن ذلك ! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا
كبيرا ، و فاتهم أن الآية حجة عليهم لأن المراد بها - كما حققه العلامة
ابن القيم و غيره - أن الله تعالى لحكمته و عدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما
يفعل ، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح فلا داعي للسؤال .
و للشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية لعله أخذ مادتها من
ابن القيم فلتراجع .
هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها
فإن وفقت لذلك فبها و نعمت ، و إلا فإني أحيل القارىء إلي المطولات في هذا
البحث الخطير ، مثل كتاب ابن القيم السابق ، و كتب شيخه ابن تيمية الشاملة
لمواضيع هامة هذه أحدها .


51 - " أيما أهل بيت من العرب و العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام ، ثم
تقع الفتن كأنها الظلل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 80 :

رواه أحمد ( 3 / 477 ) ، و الحاكم ( 1 / 34 ) ، و البيهقي أيضا في " الأسماء "
( ص 117 ) ، و ابن الأعرابي في " حديث سعدان بن نصر " ( 1 / 4 / 1 ) .

و قال الحاكم : " صحيح و ليس له علة " .
و أقره الذهبي و هو كما قالا .
و روى الحاكم ( 1 / 61 - 62 ) من طريق ابن شهاب قال :
" خرج عمر بن الخطاب إلى الشام و معنا أبو عبيدة بن الجراح ، فأتوا على مخاضة
و عمر على ناقة ، فنزل عنها و خلع خفيه فوضعهما على عاتقه ، و أخذ بزمام ناقته
فخاض بها المخاضة ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ، أأنت تفعل هذا ؟! تخلع
خفيك و تضعهما على عاتقك ، و تأخذ بزمام ناقتك و تخوض بها المخاضة ؟!
ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ! فقال عمر : أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة
جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله
بالإسلام ، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله " .
و قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و في رواية له :
" يا أمير المؤمنين ، تلقاك الجنود و بطارقة الشام و أنت على حالك هذه ؟
فقال عمر : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام ، فلن نبتغي العز بغيره " .
( الظلل ) : هي كل ما أظلك ، واحدتها ظلة ، أراد كأنها الجبال و السحب .


52 - " إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا و ابتغي به وجهه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 81 :

و سببه كما رواه أبو أمامة رضي الله عنه قال :
" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر
و الذكر ماله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، فأعادها ثلاث
مرات ، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له . ثم قال .... "
فذكره .

رواه النسائي في " الجهاد " ( 2 / 59 ) و إسناده حسن كما قال الحافظ العراقي
في " تخريج الإحياء " ( 4 / 328 ) .
و الأحاديث بمعناه كثيرة تجدها في أول كتاب " الترغيب " للحافظ المنذري .
فهذا الحديث و غيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به
وجه الله عز و جل ، و في ذلك يقول تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا
صالحا ، و لا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال
الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله ؟ الجواب في قول الله تبارك و تعالى :
( و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) .
و على افتراض أن بعض الكفار يقصدون بعملهم الصالح وجه الله على كفرهم ، فإن
الله تعالى لا يضيع ذلك عليهم ، بل يجازيهم عليها في الدنيا ، و بذلك جاء النص
الصحيح الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو :
" إن الله لا يظلم مؤمنا حسنته ، يعطى بها ( و في رواية : يثاب عليها الرزق في
الدنيا ) و يجزى بها في الآخرة ، و أما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في
الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها " .


53 - " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنته يعطى بها ( و في رواية : يثاب عليها الرزق في
الدينا ) و يجزى بها في الآخرة و أما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في
الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 82 :

أخرجه مسلم ( 8 / 135 ) ، و أحمد ( 3 / 125 ) ، و لتمام في " الفوائد "
( 879 ) الشطر الأول .
تلك هي القاعدة في هذه المسألة : أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعا في
الدنيا ، فلا تنفعه حسناته في الآخرة ، و لا يخفف عنه العذاب بسببها فضلا عن
أن ينجو منه .
و قد يظن بعض الناس أن في السنة ما ينافي القاعدة المذكورة من مثل الحديث
الآتى :
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب ،
فقال : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار ، يبلغ كعبيه ،
يغلي منه دماغه " .


54 - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب ،
فقال : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي
منه دماغه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 83 :

عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب
فقال :

رواه مسلم ( 1 / 135 ) ، و أحمد ( 3 / 50 - 55 ) ، و ابن عساكر ( 19 / 51 / 1 )
و أبو يعلى في " مسنده " ( ق 86 / 2 ) .
و جوابنا على ذلك من وجهين أيضا :
الأول : أننا لا نجد في الحديث ما يعارض القاعدة المشار إليها ، إذ ليس فيه أن
عمل أبي طالب هو السبب في تخفيف العذاب عنه ، بل السبب شفاعته صلى الله عليه
وسلم ، فهي التي تنفعه . و يؤيد هذا ، الحديث التالي :
عن العباس بن عبد المطلب أنه قال : يا رسول الله ، هل نفعت أبا طالب بشيء ،
فإنه كان يحوطك و يغضب لك ؟ قال : " نعم ، هو في ضحضاح من نار ، و لولا أنا
( أي شفاعته ) لكان في الدرك الأسفل من النار " .


55 - عن العباس بن عبد المطلب أنه قال : يا رسول الله ، هل نفعت أبا طالب بشيء
فإنه كان يحوطك و يغضب لك ؟ قال : " نعم هو في ضحضاح من نار و لولا أنا ( أي
شفاعته ) لكان في الدرك الأسفل من النار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 83 :
( عن العباس بن عبد المطلب ) :

رواه مسلم ( 1 / 134 - 135 ) ، و أحمد ( 1 / 206 ، 207 ، 210 ) . و أبو يعلى
( 213 / 2 و 313 / 2 ) ، و ابن عساكر ( 19 / 51 / 1 ) و استقصى طرقه و ألفاظه .
فهذا الحديث نص في أن السبب في التخفيف إنما هو النبي عليه السلام ، أي شفاعته
- كما في الحديث قبله - و ليس هو عمل أبي طالب ، فلا تعارض حينئذ بين الحديث
و بين القاعدة السابقة ، و يعود أمر الحديث أخيرا إلى أنه خصوصية للرسول صلى
الله عليه وسلم ، و كرامة أكرمه الله تبارك و تعالى بها حيث قبل شفاعته في عمه
و قد مات على الشرك ، مع أن القاعدة في المشركين أنهم كما قال عز و جل :
( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ، و لكن الله تبارك و تعالى يخص بتفضله من شاء ،
و من أحق بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء ؟ عليهم جميعا
صلوات الله .
و الجواب الثاني : أننا لو سلمنا جدلا أن سبب تخفيف العذاب عن أبي طالب هو
انتصاره للنبي صلى الله عليه وسلم مع كفره به ، فذلك مستثنى من القاعدة و لا
يجوز ضربها بهذا الحديث كما هو مقرر في علم أصول الفقه ، و لكن الذي نعتمده في
الجواب إنما هو الأول لوضوحه . و الله أعلم .


56 - " كان يأكل القثاء بالرطب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 84 :

رواه البخاري ( 2 / 506 ) ، و مسلم ( 6 / 122 ) ، و أبو داود ( رقم 3835 )
و الترمذي ( 1 / 339 ) ، و الدارمي ( 2 / 103 ) ، و ابن ماجه ( 3325 ) و أحمد (
1 / 203 ) ، و أبو الحسن أحمد بن محمد المعروف بابن الجندي في " الفوائد الحسان
" ( ق 2 / 1 ) ، من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعا ،
و اللفظ لأبي داود ، و الترمذي ، و قال الآخرون : " رأيت " ، بدل : " كان " .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و في رواية لأحمد ( 1 / 204 ) بلفظ :
" إن آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى يديه رطبات ، و في
الأخرى قثاء ، و هو يأكل من هذه ، و بعض من هذه " .
و في إسناده نصر بن باب و هو واه . و عزاه الهيثمي في " مجمع الزوائد "
( 5 / 38 ) للطبراني في " الأوسط " في حديث طويل ، و قال :
" و فيه أصرم بن حوشب و هو متروك " .
و كذلك عزاه إليه فقط الحافظ في " الفتح " ( 9 / 496 ) و قال :
" في سنده ضعف " .
و فاتهما أنه في " المسند " أيضا كما ذكرنا ، و في عبارة الحافظ تهوين ضعف
إسناده مع أنه شديد كما يشير إلى ذلك قول الهيثمي في رواية : " و هو متروك " .
و لذلك أقول : إن الحديث بهذه الزيادة ضعيف ، و لا يتقوى أحد الإسنادين بالآخر
لشدة ضعفهما ، نعم له شاهد من حديث أنس بن مالك بلفظ :
" كان يأخذ الرطب بيمينه و البطيخ بيساره ، فيأكل الرطب بالبطيخ ، و كان أحب
الفاكهة إليه " .
و لكنه ضعيف أيضا شديد الضعف ، فقال الهيثمي :
" رواه الطبراني في " الأوسط " ، و فيه يوسف بن عطية الصفار ، و هو متروك " .
و من طريقه أخرجه الحاكم ( 4 / 121 ) ، و ذكر أنه تفرد به يوسف هذا .
قال الذهبي : " و هو واه " .
و قول الحافظ فيه : " و سنده ضعيف ، فيه ما قلناه آنفا في قوله المتقدم في حديث
ابن جعفر .
و هو مع الضعف المذكور فقد ذكر " البطيخ " بدل القثاء . لكن لهذا أصل عن جماعة
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أنس رضي الله عنه و يأتي بعد هذا .
و أخرج أبو داود ( 3903 ) و ابن ماجه ( 3324 ) عن عائشة قالت :
" كانت أمي تعالجني للسمنة ، تريد أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب ، فسمنت كأحسن سمنة " .
و إسناده صحيح . و عزاه الحافظ لابن ماجه و النسائي ، و كأنه يعني في " السنن
الكبرى " . قال :
" و عند أبي نعيم في " الطب " من وجه آخر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم
أمر أبويها بذلك " .
قلت : و ينظر في إسناده .


57 - كان يأكل البطيخ بالرطب فيقول : " نكسر حر هذا ببرد هذا و برد هذا بحر هذا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 86 :
رواه الحميدي في " مسنده " ( 42 / 1 ) ، و أبو داود ( 3835 ) ، و الترمذي
( 1 / 338 ) و أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري في " الفوائد " ( ق 144 / 1 )
و أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ( 1 / 103 ) ، و كذا أبو جعفر البحتري في
" الفوائد " ( 4 / 77 / 2 ) ، و أبو بكر بن أبي داود في " مسند عائشة "
( 54 / 2 ) من حديث عائشة رضي الله عنها .

و قال الترمذي : " حديث حسن غريب " .
قلت : و إسناد الحميدي صحيح على شرط الشيخين ، و إسناد أبي داود حسن ،
و الزيادة له ، و عزاه الحافظ ( 9 / 496 ) للنسائي بدونها و قال :
" سنده صحيح " .
و له شاهد من حديث أنس مثل رواية النسائي أخرجه ابن الضريسي في " أحاديث مسلم
بن إبراهيم الأزدي " ( 5 / 1 ) بسند رجاله ثقات .
و رواه ابن ماجه ( 3326 ) من حديث سهل بن سعد ، لكن إسناده واه جدا ، فيه يعقوب
بن الوليد كذبه أحمد و غيره . ففي حديث عائشة غنية .
قال ابن القيم في " زاد المعاد " ( 3 / 175 ) بعد أن ذكره بالزيادة :
" و في البطيخ عدة أحاديث ، لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد ، و المراد
به الأخضر و هو بارد رطب ، و فيه جلاء ، و هو أسرع انحدارا عن المعدة من القثاء
و الخيار ، و هو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة ، و إذا كان
آكله محرورا انتفع به جدا ، و إن كان مبرودا دفع ضرره بيسير من الزنجبيل و نحوه
و ينبغي أكله قبل الطعام ، و يتبع به ، و إلا غثى و قيأ .
و قال بعض الأطباء :
إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلا ، و يذهب الداء أصلا " .
و هذا الذي عزاه لبعض الأطباء قد روي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
و لكنه لا يصح ، و قد سبق الكلام عليه في " الأحاديث الضعيفة " ( رقم 144 ) ،
فليراجعه من شاء .
و قوله : " المراد به الأخضر " ، هو الظاهر من الحديث . و لكن الحافظ رده في
" الفتح " و ذكر أن المراد به الأصفر ، و احتج بالحديث الآتي ، و يأتي الجواب
عنه فيه . و هو :
" كان يأكل الرطب مع الخربز يعني البطيخ " .


58 - " كان يأكل الرطب مع الخربز . يعني البطيخ " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 87 :
رواه أحمد ( 3 / 142 ، 143 ) و أبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( 105 / 2 )
و الضياء في " المختارة " ( 86 / 2 ) عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس
مرفوعا .
ثم رواه الضياء من طريق أحمد حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي به نحوه ثم قال :
" و روي عن مهنا صاحب أحمد بن حنبل عنه أنه قال : ليس هو صحيحا ، ليس يعرف من
حديث حميد و لا من غير حديث حميد ، و لا يعرف إلا من قبل عبد الله بن جعفر .
قلت : - و الله أعلم - رواية أحمد له في " المسند " يوهن هذا القول أو ( يؤيد )
رجوعه عنه بروايته له و تركه في كتابه و حديث عبد الله بن جعفر في " الصحيحين "
.
قال : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب " .
قلت : و إسناده صحيح ، و لا علة قادحة فيه ، و جرير بن حازم و إن كان اختلط
فإنه لم يحدث في اختلاطه كما قال الحافظ في " التقريب " ، و لذلك صحح إسناده
في " الفتح " ( 9 / 496 ) بعد أن عزاه للنسائي . يعني في الكبرى . ثم قال :
" و ( الخربز ) و هو بكسر الخاء المعجمة و سكون الراء و كسر الموحدة بعدها زاي
نوع من البطيخ الأصفر ، و قد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز كما
شاهدته كذلك بالحجاز ، و في هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث
الأخضر و اعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب ، و قد ورد التعليل بأن أحدهما
يطفئ حرارة الآخر .
و الجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة ، و إن كان فيه لحلاوته طرف
حرارة . و الله أعلم " .
أقول : و في هذا التعقب نظر عندي ، ذلك لأن الحديثين مختلفا المخرج ، فالأول
من حديث عائشة ، و هذا من حديث أنس فلا يلزم تفسير أحدهما بالآخر ، لاحتمال
التعدد و المغايرة " لاسيما و في الأول تلك الزيادة " نكسر حر هذا ببرد هذا ...
" و لا يظهر هذا المعنى تمام الظهور بالنسبة إلى الخربز ، ما دام أنه يشابه
الرطب في الحرارة . والله أعلم .

من فوائد الحديث
---------------
قال الخطيب في " الفقيه و المتفقه " ( 79 / 1 - 2 ) بعد أن ساق إسناده إلى
عبد الله بن جعفر :
" في هذا الحديث من الفوائد أن قوما ممن سلك طريق الصلاح و التزهد قالوا : لا
يحل الأكل تلذذا ، و لا على سبيل التشهي و الإعجاب ، و لا يأكل إلا ما لابد منه
لإقامة الرمق ، فلما جاء هذا الحديث سقط قول هذه الطائفة ، و صلح أن يأكل الأكل
تشهيا و تفكها و تلذذا . و قالت طائفة من هؤلاء : إنه ليس لأحد أن يجمع بين
شيئين من الطعام ، و لا بين أدمين على خوان . فهذا الحديث أيضا يرد على صاحب
هذا القول و يبيح أن يجمع الإنسان بين لونين و بين أدمين فأكثر " .
قلت : و لا يعدم هؤلاء بعض أحاديث يستدلون بها لقولهم ، و لكنها أحاديث واهية ،
و قد ذكرت طائفة منها في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ، فانظر( رقم 241 ، 257 )
.


59 - " يا علي أصب من هذا فهو أنفع لك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 89 :
رواه أبو داود ( 3856 ) و الترمذي ( 2 / 2 ، 3 ) و ابن ماجه ( 2442 ) و أحمد
( 6 / 364 ) و الخطيب في " الفقيه و المتفقه " ( 225 / 2 ) من طريق فليح
ابن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة الأنصاري عن يعقوب بن أبي يعقوب
عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت :
" دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم و معه علي عليه السلام ، و علي ناقه
و لنا دوالي معلقة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها ، و قام علي
ليأكل ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : مه إنك ناقه ، حتى كف
علي عليه السلام ، قالت : و صنعت شعيرا و سلقا ، فجئت به ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : فذكره " .
و قال الترمذي :
" حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فليح " .
قلت : و هو مختلف فيه و قد ضعفه جماعة ، و مشاه بعضهم و احتج به الشيخان في
" صحيحيهما " ، و الراجح عندنا أنه صدوق في نفسه و أنه يخطىء أحيانا فمثله حسن
الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يتبين خطؤه . و قد أخرج حديثه هذا الحاكم في
" المستدرك " ( 4 / 407 ) و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي . و إنما هو حسن فقط كما قال الترمذي .
و الله أعلم .
قال ابن القيم رحمه الله في " زاد المعاد " ( 3 / 97 ) بعد أن ساق الحديث :
" و اعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي و هو
ناقه أحسن التدبير ، فإن الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة
عناقيد العنب ، و الفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها و ضعف الطبيعة
عن دفعها ، فإنها بعد لم تتمكن قوتها ، و هي مشغولة بدفع آثار العلة و إزالتها
من البدن ، و في الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة ، فتشتغل بمعالجته و إصلاحه عما
هي بصدده من إزالة بقية المرض و آثاره ، فإما أن تقف تلك البقية ، و إما أن
تتزايد . فلما وضع بين يديه السلق و الشعير أمره أن يصيب منه ، فإنه من أنفع
الأغذية للناقه ، و لاسيما إذا طبخ بأصول السلق ، فهذا من أوفق الغذاء لمن في
معدته ضعف ، و لا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه " .


60 - " نهى عن الوحدة : أن يبيت الرجل وحده ، أو يسافر وحده " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 90 :
رواه أحمد ( 2 / 91 ) عن عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا .
قلت : و هذا إسناد صحيح ، و هو على شرط البخاري ، رجاله كلهم من رجال الشيخين ،
غير أبي عبيدة الحداد و اسمه عبد الواحد بن واصل فمن رجال البخاري وحده و هو
ثقة . و عاصم بن محمد هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري و قد روى
عن العبادلة الأربعة و منهم جده عبد الله بن عمر .
و الحديث أورده في " المجمع " ( 8 / 104 ) و قال : " رواه أحمد و رجاله رجال
الصحيح " .
و قد رواه جماعة عن عاصم بلفظ آخر ، و هو :
" لو يعلم الناس في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ( أبدا ) " .


61 - " لو يعلم الناس في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ( أبدا ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 91 :
رواه البخاري ( 2 / 247 ) و الترمذي ( 1 / 314 ) و الدارمي ( 2 / 289 )
و ابن ماجه ( 3768 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 1970 - موارد ) و الحاكم
( 2 / 101 ) و أحمد ( 2 / 23 و 24 ، 86 ، 120 ) و البيهقي ( 5 / 257 )
و ابن عساكر ( 18 / 89 / 2 ) من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله
بن عمر عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا .

و قال الحاكم :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عاصم " .
قلت : قد تابعه أخوه عمر بن محمد فقال أحمد ( 2 / 111 - 112 ) : حدثنا مؤمل
حدثنا عمر بن محمد به ، و حدثنا مؤمل مرة أخرى و لم يقل : " عن ابن عمر " .
و للحديث شاهد من حديث جابر بزيادة :
" و لا نام رجل في بيت وحده " .
قال الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 104 ) :
" رواه الطبراني في الأوسط " و فيه محمد بن القاسم الأسدي وثقه ابن معين ،
و ضعفه أحمد و غيره ، و بقية رجاله ثقات " .
قلت : الأسدي هذا قال الحافظ في " التقريب " : " كذبوه " فلا يستشهد به .
و هذه الزيادة و ردت في بعض طرق حديث ابن عمر و هو قبل هذا الحديث ، فعليه
الاعتماد فيها .


62 - " الراكب شيطان و الراكبان شيطانان و الثلاثة ركب ".

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 92 :
مالك ( 2 / 978 / 35 ) ، و عنه أبو داود ( 2607 ) ، و كذا الترمذي ( 1 / 314 )
و الحاكم ( 2 / 102 ) ، و البيهقي ( 5 / 267 ) ، و أحمد ( 2 / 186 ، 214 ) من
طريق عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا .
و سببه كما في " المستدرك " و البيهقي :
" أن رجلا قدم من سفر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صحبت ؟ فقال :
ما صحبت أحدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فذكره .

و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و قال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : و إسناده حسن ، للخلاف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . و المتقرر فيه
أنه حسن كما فصلت القول فيه في " صحيح أبي داود " ( رقم 124 ) .
و في هذه الأحاديث تحريم سفر المسلم وحده و كذا لو كان معه آخر ، لظاهر النهي
في الحديث الذي قبل هذا ، و لقوله فيه : " شيطان " أي عاص ، كقوله تعالى
( شياطين الإنس و الجن ) فإن معناه : عصاتهم كما قال المنذري .
و قال الطبري : " هذا زجر أدب و إرشاد لما يخاف على الواحد من الوحشة ، و ليس
بحرام ، فالسائر وحده بفلاة ، و البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش ،
لاسيما إن كان ذا فكرة رديئة أو قلب ضعيف . و الحق أن الناس يتفاوتون في ذلك ،
فوقع الزجر لحسم المادة فيكره الانفراد سدا للباب ، و الكراهة في الاثنين أخف
منها في الواحد " .
ذكره المناوي في " الفيض " .
قلت : و لعل الحديث أراد السفر في الصحارى و الفلوات التي قلما يرى المسافر
فيها أحدا من الناس ، فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المعبدة الكثيرة
المواصلات . و الله أعلم .
ثم إن فيه ردا صريحا على خروج بعض الصوفية إلى الفلاة وحده للسياحة و تهذيب
النفس ، زعموا ! و كثيرا ما تعرضوا في أثناء ذلك للموت عطشا و جوعا ، أو لتكفف
أيدي الناس ، كما ذكروا ذلك في الحكايات عنهم . و خير الهدي هدي محمد صلى الله
عليه و آله وسلم .


63 - " تبايعوني على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل و النفقة في العسر و اليسر و
على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أن تقولوا في الله لا تخافون في الله
لومة لائم و على أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم و
أزواجكم و أبناءكم و لكم الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 93 :
رواه أحمد ( 3 / 322 ، 323 - 339 ) من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن
أبي الزبير محمد بن مسلم أنه حدثه عن جابر قال :
" مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ، يتبع الناس في منازلهم
بعكاظ و مجنة ، و في المواسم بمنى يقول : من يؤويني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة
ربي و له الجنة ؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال - فيأتيه
قومه فيقولون : احذر غلام قريش لا يفتنك ، و يمشي بين رحالهم و هم يشيرون إليه
بالأصابع ، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه و صدقناه ، فيخرج الرجل منا
فيؤمن به ، و يقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم يبق دار
من دور الأنصار إلا و فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ، ثم ائتمروا جميعا
فقلنا : حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة و يخاف ؟
فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم ، فواعدناه شعب العقبة
فاجتمعنا عليه من رجل و رجلين حتى توافينا ، فقلنا : يا رسول الله نبايعك ؟
قال : ( فذكر الحديث ) ، قال : فقمنا إليه فبايعناه ، و أخذ بيده ابن زرارة
و هو من أصغرهم - فقال : رويدا يا أهل يثرب ، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا
و نحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم و أن إخراجه اليوم مفارقة العرب
كافة ، و قتل خياركم ، و أن تعضكم السيوف ، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك
و أجركم على الله ، و إما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك ، فهو
عذر لكم عند الله . قالوا : أمط عنا يا سعد ! فو الله لا ندع هذه البيعة أبدا
و لا نسلبها أبدا . قال : فقمنا إليه فبايعناه ، فأخذ علينا و شرط : و يعطينا
على ذلك الجنة " .
قلت : و هذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، و قد صرح أبو الزبير بالتحديث في بعض
الطرق عنه ، و قال الحافظ ابن كثير في تاريخه " البداية و النهاية "
( 3 / 159 - 160 ) :
" رواه أحمد و البيهقي ، و هذا إسناد جيد على شرط مسلم ، و لم يخرجوه " .
ثم رأيته في " المستدرك " ( 2 / 624 - 625 ) من الوجه المذكور ، و قال :
" صحيح الإسناد ، جامع لبيعة العقبة " . و وافقه الذهبي . ثم روى قطعة يسيرة
و أقره الذهبي . من آخره من طريق أخرى عن جابر به . و قال :
" صحيح على شرط مسلم " .


64 - " من قال : سبحان الله العظيم و بحمده غرست له نخلة في الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 95 :

رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 12 / 125 / 2 ) و الترمذي ( 2 / 258 / 259 )
و ابن حبان ( ) ، و الحاكم ( 1 / 501 - 502 ) من طريق أبي الزبير عن
جابر مرفوعا .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
لكن وقع في النسخة المطبوعة من " التلخيص " أنه قال : على شرط ( خ ) . و هو
تحريف ، فإن أبا الزبير إنما احتج به مسلم فقط . و لكنه مدلس و قد عنعنه فإن
كان سمعه من جابر فالحديث صحيح .
ثم وجدت ما يشهد له . و هو ما أخرجه ابن أبي شيبة ( 12 / 127 / 1 ) ، عن عمرو
ابن شعيب عن عبد الله بن عمرو قال :
" من قال : سبحان الله العظيم و بحمده ، غرس له بها نخلة في الجنة " .
و رجاله ثقات ، إلا أنه منقطع بين عمرو و جده ابن عمرو ، و هو و إن كان موقوفا
فله حكم المرفوع إذ أنه لا يقال بمجرد الرأي .
و له شاهد مرفوع من حديث معاذ بن سهل بلفظ :
" من قال : سبحان الله العظيم نبت له غرس في الجنة " .
رواه أحمد ( 3 / 440 ) ، و إسناده ضعيف ، لكن يستشهد به لأنه ليس شديد الضعف .


65 - " لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ، و لأن يسرق
الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من يسرق من جاره " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 96 :

رواه أحمد ( 6 / 8 ) ، و البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 103 ) ،
و الطبراني في " الكبير " ( مجموع 6 / 80 / 2 ) عن محمد بن سعد الأنصاري
قال : سمعت أبا ظبية الكلاعي يقول : سمعت المقداد بن الأسود قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :
" ما تقولون في الزنا ؟ قالوا : حرمه الله و رسوله ، فهو حرام إلى يوم القيامة
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فذكر الشطر الأول من الحديث ثم
سألهم عن السرقة ، فأجابوا بنحو ما أجابوا عن الزنا ، ثم ذكر صلى الله عليه
وسلم الشطر الثاني منه .
قلت : و هذا إسناد جيد ، و رجاله كلهم ثقات ، و قول الحافظ في الكلاعي هذا
" مقبول " ، يعني عند المتابعة فقط ، ليس بمقبول ، فقد وثقه ابن معين .
و قال الدارقطني : " ليس به بأس " . و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 1 / 270 )
فهو حجة .
و قال المنذري ( 3 / 195 ) ، و الهيثمي ( 8 / 168 ) :
" رواه أحمد و الطبراني في " الكبير " و " الأوسط و رجاله ثقات " .


66 - " إذا أدرك أحدكم ( أول ) سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته
و إذا أدرك ( أول ) سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 97 :
أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 1 / 148 ) : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا شيبان
عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به ، دون الزيادتين ، و هما عند
النسائي و البيهقي و غيرهما ، فقال النسائي ( 1 / 90 ) : أخبرنا عمرو بن منصور
قال حدثنا الفضل بن دكين به .
و هذا سند صحيح ، فإن عمرا هذا ثقة ثبت كما في " التقريب " و باقي الرجال
معروفون ، و الفضل بن دكين هو أبو نعيم شيخ البخاري فيه و قد توبع هو و الراوي
عنه على الزيادتين .
أما عمرو فتابعه محمد بن الحسين بن أبي الحنين عند البيهقي ( 1 / 368 ) و قال :
" رواه البخاري في " الصحيح " عن أبي نعيم الفضل بن دكين " .
و يعني أصل الحديث كما هي عادته ، و إلا فالزيادتان ليستا عند البخاري كما عرفت
و أما أبو نعيم فتابعه حسين بن محمد أبو أحمد المروذي : حدثنا شيبان به .
أخرجه السراج في " مسنده " ( ق 95 / 1 ) . و حسين هذا هو ابن بهرام التميمي ،
و هو ثقة محتج به في " الصحيحين " .
و للحديث عن أبي هريرة ستة طرق و قد خرجتها في كتابي : " إرواء الغليل في تخريج
أحاديث منار السبيل " الذي أنا في صدد تأليفه ، يسر الله إتمامه ثم طبعه .
انظر ( رقم 250 منه ) .
و إنما آثرت الكلام على هذه الطريق لورود الزيادتين المذكورتين فيها ، فإنهما
تحددان بدقة المعنى المراد من لفظ " الركعة " الوارد في طرق الحديث و هو إدراك
الركوع و السجدة الأولى معا ، فمن لم يدرك السجدة لم يدرك الركعة ، و من لم
يدرك الركعة لم يدرك الصلاة .
من فوائد الحديث :
------------------
و من ذلك يتبين أن الحديث يعطينا فوائد هامة :
الأولى : إبطال قول بعض المذاهب أن من طلعت عليه الشمس و هو في الركعة الثانية
من صلاة الفجر بطلت صلاته ! و كذلك قالوا فيمن غربت عليه الشمس و هو في آخر
ركعة من صلاة العصر ! و هذا مذهب ظاهر البطلان لمعارضته لنص الحديث كما صرح
بذلك الإمام النووي و غيره . و لا يجوز معارضة الحديث بأحاديث النهي عن الصلاة
في وقت الشروق و الغروب لأنها عامة و هذا خاص ، و الخاص يقضي على العام كما هو
مقرر في علم الأصول .
و إن من عجائب التعصب للمذهب ضد الحديث أن يستدل البعض به لمذهبه في مسألة ،
و يخالفه في هذه المسألة التي نتكلم فيها ! و أن يستشكله آخر من أجلها !
فإلى الله المشتكى مما جره التعصب على أهله من المخالفات للسنة الصحيحة !
قال الزيلعي في " نصب الراية " ( 1 / 229 ) بعد أن ساق حديث أبي هريرة هذا و
غيره مما في معناه :
" و هذه الأحاديث أيضا مشكلة عند مذهبنا في القول ببطلان صلاة الصبح إذا طلعت
عليها الشمس ، و المصنف استدل به على أن آخر وقت العصر ما لم تغرب الشمس " . !
فيا أيها المتعصبون ! هل المشكلة مخالفة الحديث الصحيح لمذهبكم ، أم العكس هو
الصواب ! .
الفائدة الثانية : الرد على من يقول : إن الإدراك يحصل بمجرد إدراك أي جزء من
أجزاء الصلاة و لو بتكبيرة الإحرام و هذا خلاف ظاهر للحديث ، و قد حكاه في
" منار السبيل " قولا للشافعي ، و إنما هو وجه في مذهبه كما في " المجموع "
للنووي ( 3 / 63 ) و هو مذهب الحنابلة مع أنهم نقلوا عن الإمام أحمد أنه قال :
لا تدرك الصلاة إلا بركعة . فهو أسعد الناس بالحديث . و الله أعلم .
قال عبد الله بن أحمد في مسائله ( ص 46 ) :
" سألت أبي عن رجل يصلي الغداة ، فلما صلى ركعة قام في الثانية طلعت الشمس
قال : يتم الصلاة ، هي جائزة . قلت لأبي : فمن زعم أن ذلك لا يجزئه ؟ فقال :
قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس
فقد أدرك " .
ثم رأيت ابن نجيح البزاز روى في " حديثه " ( ق 111 / 1 ) بسند صحيح عن سعيد
ابن المسيب أنه قال : " إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته " .
و لعله يعني آخر سجدة من الركعة الأولى ، فيكون قولا آخر في المسألة .
و الله أعلم .
الفائدة الثالثة : و اعلم أن الحديث إنما هو في المتعمد تأخير الصلاة إلى هذا
الوقت الضيق ، فهو على هذا آثم بالتأخير ، و إن أدرك الصلاة ، لقوله صلى الله
عليه وسلم " تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس ، حتى إذا كانت بين قرني
الشيطان ، قام فنقرها أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا " . رواه مسلم
( 2 / 110 ) و غيره من حديث أنس رضي الله عنه . و أما غير المتعمد ، و ليس هو
إلا النائم و الساهي ، فله حكم آخر ، و هو أنه يصليها متى تذكرها و لو عند طلوع
الشمس و غروبها ، لقوله صلى الله عليه وسلم " من نسي صلاة ( أو نام عنها )
فليصلها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك ، فإن الله تعالى يقول : ( أقم
الصلاة لذكري ) " .
أخرجه مسلم أيضا ( 2 / 142 ) عنه ، و كذا البخاري .
فإذن هنا أمران : الادراك و الإثم :

و الأول : هو الذي سيق الحديث لبيانه ، فلا يتوهمن أحد من سكوته عن الأمر الآخر
أنه لا إثم عليه بالتأخير كلا ، بل هو آثم على كل حال ، أدرك الصلاة ، أو لم
يدرك ، غاية ما فيه أنه اعتبره مدركا للصلاة بإدراك الركعة ، و غير مدرك لها
إذا لم يدركها ، ففي الصورة الأولى صلاته صحيحة مع الإثم ، و في الصورة الأخرى
صلاته غير صحيحة مع الإثم أيضا ، بل هو به أولى و أحرى ، كما لا يخفى على أولي
النهى .
الفائدة الرابعة : و معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " فليتم صلاته " ، أي لأنه
أدركها في وقتها ، و صلاها صحيحة ، و بذلك برئت ذمته . و أنه إذا لم يدرك
الركعة فلا يتمها . لأنها ليست صحيحة ، بسبب خروج وقتها ، فليست مبرئة للذمة .
و لا يخفى أن مثله و أولى منه من لم يدرك من صلاته شيئا قبل خروج الوقت ، أنه
لا صلاة له ، و لا هي مبرئة لذمته . أي أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا
يؤمر بإتمام الصلاة ، فالذي لم يدركها إطلاقا أولى أن لا يؤمر بها ، و ليس ذلك
إلا من باب الزجر و الردع له عن إضاعة الصلاة ، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله
كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى ، متعللا بأنه يمكنه أن يقضيها بعد
وقتها ، كلا ، فلا قضاء للمتعمد كما أفاده هذا الحديث الشريف و حديث أنس
السابق : " لا كفارة لها إلا ذلك " .
و من ذلك يتبين لكل من أوتي شيئا من العلم و الفقه في الدين أن قول بعض
المتأخرين " و إذا كان النائم و الناسى للصلاة - و هما معذوران - يقضيانها بعد
خروج وقتها ، كان المتعمد لتركها أولى " ، أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس
على وجه الأرض ، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه ، و هو فاسد بداهة ، إذ كيف
يصح قياس غير المعذور على المعذور و المتعمد على الساهي .

و من لم يجعل الله له كفارة ، على من جعل الله له كفارة ! ! و ما سبب ذلك إلا
من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف ، و قد وفقنا الله تعالى
لبيانه ، و الحمد لله تعالى على توفيقه .
و للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة ، أظن أنه لم
يسبق إلى مثله في الإفادة و التحقيق ، و أرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه
فصلين أحدهما في إبطال هذا القياس . و الآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث
على نقيض ما بينا .
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر القول المتقدم :
" فجوابه من وجوه : أحدها المعارضة بما هو أصح منه أو مثله ، و هو أن يقال :
لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور - المطيع لله و رسوله الذي لم يكن
منه تفريط في فعل ما أمر به و قبوله منه - صحته و قبوله من متعد لحدود الله ،
مضيع لأمره ، تارك لحقه عمدا و عدوانا . فقياس هذا على هذا في صحة العبادة ،
و قبولها منه ، و براءة الذمة بها من أفسد القياس " .
الوجه الثاني : أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها ، بل في
نفس وقتها الذي وقته الله له ، فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ و يذكر ، كما
قال صلى الله عليه وسلم : " من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها " رواه البيهقي
و الدارقطني .
فالوقت وقتان : وقت اختيار ، و وقت عذر ، فوقت المعذور بنوم أو سهو ، هو وقت
ذكره و استيقاظه ، فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها ، فكيف يقاس عليه من صلاها
في غير وقتها عمدا و عدوانا ؟ !
الثالث : أن الشريعة قد فرقت في مواردها و مصادرها بين العامد و الناسي ، و بين
المعذور و غيره ، و هذا مما لا خفاء به . فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز .
الرابع : أنا لم نسقطها عن العامد المفرط و نأمر بها المعذور ، حتى يكون ما
ذكرتم حجة علينا ، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى
استدراكها تغليظا عليه ، و جوزنا للمعذور غير المفرط .
( فصل ) :
-------

و أما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وسلم : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس فقد أدرك " فما أصحه من حديث . و ما أراه على مقتضى قولكم ! فإنكم
تقولون : هو مدرك للعصر ، و لو لم يدرك من وقتها شيئا البتة .
بمعنى أنه مدرك لفعلها صحيحة منه ، مبرئة لذمته ، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها
و تقبل منه ، لم يتعلق إدراكها بركعة ، و معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم
يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقا .

فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها ، فعلم أن هذا الادراك لا يرفع الإثم ، بل هو
مدرك آثم ، فلو كانت تصح بعد الغروب ، لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت ،
أو لا يدرك منها شيئا .
فإن قلتم : إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثما .
قيل لكم : النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين إدراك الركعة و عدمها في كثرة
الإثم و خفته ، و إنما فرق بينهما في الإدراك و عدمه . و لا ريب أن المفوت
لمجموعها في الوقت أعظم من المفوت لأكثرها ، و المفوت لأكثرها فيه ، أعظم من
المفوت لركعة منها .
فنحن نسألكم و نقول : ما هذا الإدراك الحاصل بركعة ؟ أهذا إدراك يرفع الإثم ؟
فهذا لا يقوله أحد ! أو إدراك يقتضي الصحة ، فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية
أو يفوتها إلا ركعة منها " .


67 - " قوموا إلى سيدكم فأنزلوه ، فقال عمر : سيدنا الله عز وجل ، قال : أنزلوه ،
فأنزلوه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 103 :

أخرجه الإمام أحمد ( 6 / 141 - 142 ) عن محمد بن عمرو عن أبيه عن علقمة
ابن وقاص ، قال : أخبرتني عائشة قالت :
" خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، قالت : فسمعت وئيد الأرض ورائي ، يعني حس
الأرض ، قالت : فالتفت ، فإذا أنا بسعد بن معاذ و معه ابن أخيه الحارث بن أوس
يحمل مجنه ، قالت : فجلست إلى الأرض ، فمر سعد و عليه درع من حديد قد خرجت منها
أطرافه ، فأنا أتخوف على أطراف سعد ، قالت : فمر و هو يرتجز و يقول :
ليت قليلا يدرك الهيجا جمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت : فقمت فاقتحمت
حديقة ، فإذا فيها نفر من المسلمين ، و إذا فيهم عمر ابن الخطاب ، و فيهم رجل
عليه سبغة له ، يعني : مغفرا ، فقال عمر : ما جاء بك ؟ لعمري و الله إنك لجريئة
! و ما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز ؟ قالت : فمازال يلومني حتى تمنيت أن
الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها ! قالت : فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا
طلحة بن عبيد الله ، فقال : يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم ، و أين التحوز
أو الفرار إلا إلى الله عز و جل ؟ قالت : و يرمي سعدا رجل من المشركين من قريش
يقال له : ابن العرقة بسهم له ، فقال له : خذها و أنا ابن العرقة ، فأصاب أكحله
فقطعه ، فدعا الله عز و جل سعد فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة ،
قالت : و كانوا حلفاء مواليه في الجاهلية ، قالت : فرقى كلمه ، ( أي جرحه )
و بعث الله عز و جل الريح على المشركين ، فكفى الله المؤمنين القتال و كان الله
قويا عزيزا ، فلحق أبو سفيان و من معه بتهامة ، و لحق عيينة بن بدر و من معه
بنجد ، و رجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ، و رجع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة ، فوضع السلاح و أمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد ،
قالت : فجاء جبريل عليه السلام و إن على ثناياه لنقع الغبار فقال : أو قد وضعت
السلاح ؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح ، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم .
قالت : فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته و أذن في الناس بالرحيل أن
يخرجوا . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر على بني غنم ، و هم جيران
المسجد حوله ، فقال : من مر بكم ؟ قالوا : مر بنا دحية الكلبي ، و كان دحية
الكلبي تشبه لحيته و سنه و وجهه جبريل عليه السلام ، فقالت : فأتاهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا و عشرين ليلة ، فلما اشتد حصرهم ، و اشتد
البلاء قيل لهم : انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستشاروا
أبا لبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح ، قالوا : ننزل على حكم سعد
بن معاذ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انزلوا على حكم سعد بن معاذ ،
فنزلوا ، و بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ ، فأتي به على
حمار عليه أكاف من ليف ، و قد حمل عليه ، و حف به قومه فقالوا : يا أبا عمرو
حلفاؤك و مواليك و أهل النكاية و من قد علمت ، فلم يرجع إليهم شيئا و لا يلتفت
إليهم ، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال : قد آن أن لا أبالي في الله
لومة لائم ، قال : قال أبو سعيد : فلما طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
قوموا إلى سيدكم ... الحديث ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احكم فيهم ،
قال سعد : فإني أحكم أن تقتل مقاتلهم ، و تسبى ذراريهم ، و تقسم أموالهم . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت بحكم الله عز وجل و حكم رسوله ، قالت
: ثم دعا سعد ، قال : اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب
قريش شيئا فأبقني لها ، و إن كنت قطعت الحرب بينه و بينهم فاقبضني إليك ، قالت
: فانفجر كلمه ، و كان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص و رجع إلى قبته
التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : فحضره رسول الله
صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر ، قالت :
فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر و أنا في حجرتى ،
و كانوا كما قال الله عز و جل : ( رحماء بينهم ) قال علقمة : قلت : أي أمه فكيف
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ؟ قالت : كانت عينه لا تدمع على أحد
و لكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته " .
قلت : و هذا إسناد حسن . و قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 6 / 128 ) :
" رواه أحمد و فيه محمد بن عمرو بن علقمة و هو حسن الحديث ، و بقية رجاله
ثقات " .
و قال الحافظ في " الفتح " ( 11 / 43 ) : " و سنده حسن " .
قلت : و أخرجه البخاري ( 4 / 175 ) ، و أبو داود ( 5215 ) ، و أحمد ( 2 / 22 ،
71 ) ، و أبو يعلى في " مسنده " ( ق 77 / 2 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري :
" أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه ،
فجاء ، فقال : قوموا إلى سيدكم ، أو قال : خيركم ، فقعد عند النبي صلى الله
عليه وسلم ، فقال : هؤلاء نزلوا على حكمك ، قال : فإني أحكم أن تقتل مقاتلهم ،
و تسبى ذراريهم ، فقال : لقد حكمت بما حكم به الملك " .
فائدتان
-------
1ـ اشتهر رواية هذا الحديث بلفظ : " لسيدكم " ، و الرواية في الحديثين كما
رأيت : " إلى سيدكم " ، و لا أعلم للفظ الأول أصلا ، و قد نتج منه خطأ فقهي
و هو الاستدلال به على استحباب القيام للقادم كما فعل ابن بطال و غيره ، قال
الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل في " التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها
و ضبطها تصحيف و خطأ في تفسيرها و معانيها و تحريف في كتاب الغريبين عن أبي
عبيد الهروي " ( ق 17 / 2 ) :
و من ذلك ما ذكره في هذا الباب من ذكر السيد ، و قال كقوله لسعد حين قال :
" قوموا لسيدكم " . أراد أفضلكم رجلا .
قلت : و المعروف أنه قال : " قوموا إلى سيدكم " . قاله صلى الله عليه وسلم
لجماعة من الأنصار لما جاء سعد بن معاذ محمولا على حمار و هو جريح ... أي
أنزلوه و حملوه ، لا قوموا له ، من القيام له فإنه أراد بالسيد : الرئيس و
المتقدم عليهم ، و إن كان غيره أفضل منه " .
2 - اشتهر الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية القيام للداخل ، و أنت إذا تأملت
في سياق القصة يتبين لك أنه استدلال ساقط من وجوه كثيرة أقواها قوله صلى الله
عليه وسلم " فأنزلوه " فهو نص قاطع على أن الأمر بالقيام إلى سعد إنما كان
لإنزاله من أجل كونه مريضا ، و لذلك قال الحافظ : " و هذه الزيادة تخدش في
الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه . و قد احتج به النووي
في ( كتاب القيام ) ... " .


68 - " لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها و لم يتفكر فيها : ( إن في خلق
السموات و الأرض ) الآية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 106 :
رواه أبو الشيخ ابن حبان في " أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم " ( 200 - 201 )
و ابن حبان في " صحيحه " ( 523 - الموارد ) عن يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن
سويد النخعي أنبأنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال :
" دخلت أنا و عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها ، فقال عبد الله
ابن عمير : حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فبكت ، و قالت :
" قام ليلة من الليالي فقال : يا عائشة ذريني أتعبد لربي ، قالت : قلت : والله
إني لأحب قربك ، و أحب ما يسرك ، قالت : فقام فتطهر ، ثم قام يصلي ، فلم يزل
يبكي حتى بل حجره ، ثم بكى . فلم يزل يبكي حتى بل الأرض ، و جاء بلال يؤذن
بالصلاة ، فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله تبكي و قد غفر الله لك ما تقدم من
ذنبك و ما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ لقد نزل " الحديث .
قلت : و هذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات غير يحيى بن زكريا قال ابن أبي حاتم
( 4 / 2 / 145 ) . " سألت أبي عنه ؟ قال : ليس به بأس ، هو صالح الحديث " ؟
و الحديث عزاه المنذري في " الترغيب " ( 2 / 220 ) لابن حبان في " صحيحه " .
و له طريق أخرى عن عطاء .
أخرجها أبو الشيخ أيضا ( 190 - 191 ) و رجالها ثقات أيضا ، غير أبي جناب الكلبي
و اسمه يحيى بن أبي حية ، قال الحافظ في " التقريب " :
" ضعفوه لكثرة تدليسه " .
قلت : و قد صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه .
فقه الحديث :
------------

فيه فضل النبي صلى الله عليه وسلم ، و كثرة خشيته ، و خوفه من ربه ، و إكثاره
من عبادته ، مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر ، فهو المنتهى
في الكمال البشري . و لا جرم في ذلك فهو سيد البشر صلى الله عليه وسلم .
لكن ليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قام الليل كله ، لأنه لم يقع
فيه بيان أن النبي صلى الله عليه و سلم ، ابتدأ القيام من بعد العشاء أو قريبا
من ذلك ، بل إن قوله : " قام ليلة من الليالي فقال ... " الظاهر أن معناه " قام
من نومه .... " " أي نام أوله ثم قام ، فهو على هذا بمعنى حديثها الآخر " كان
ينام أول الليل ، و يحي آخره ... " .
أخرجه مسلم ( 2 / 167 ) .
و إذا تبين هذا فلا يصح حينئذ الاستدلال بالحديث على مشروعية إحياء الليل كله ،
كما فعل الشيخ عبد الحي اللكنوي في " إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس
بدعة " ، قال ( ص 13 ) : فدل ذلك على أن نفي عائشة قيام الليل كله محمول على
غالب أوقاته صلى الله عليه وسلم " .
قلت : يشير بـ " نفي عائشة " إلى حديثها الآخر :
" و لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يتمها إلى الصباح ، و لم يقرأ
القرآن في ليلة قط " .
أخرجه مسلم ( 2 / 169 - 170 ) و أبو داود ( 1342 ) و اللفظ له .
قلت : فهذا نص في النفي المذكور لا يقبل التأويل ، و حمله على غالب الأوقات
إنما يستقيم لو كان حديث الباب صريح الدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم قام
تلك الليله بتمامها ، أما و هو ليس كذلك كما بينا ، فالحمل المذكور مردود ،
و يبقى النفي المذكور سالما من التقييد . و بالتالي تبقى دلالته على عدم
مشروعية قيام الليل كله قائمة ، خلافا لما ذهب إليه الشيخ عبد الحي في كتابه
المذكور . و فيه كثير من المؤاخذات التي لا مجال لذكرها الآن .
و إنما أقول : إن طابعه تساهل في سرد الروايات المؤيدة لوجهة نظره ، من أحاديث
مرفوعة ، و آثار موقوفة ، و حسبك مثالا على هذا أنه ذهب إلى تحسين حديث "
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " تقليدا منه لبعض المتأخرين .
دون أن ينظر في دعواهم ، هل هي تطابق الحقيقة ، و توافق القواعد العلمية ؟
مع ما في التحسين المذكور من المخالفة لنصوص الأئمة المتقدمين كما بينته في
" الأحاديث الضعيفة " ( 52 ) فراجعه لتزداد بصيرة بما ذكرنا .


69 - " مثل القائم على حدود الله و الواقع ( و في رواية : و الراتع ) فيها
و المدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها
و أصاب بعضهم أسفلها ( و أوعرها ) فكان الذي ( و في رواية : الذين ) في أسفلها
إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم فتأذوا به ( و في رواية : فكان الذين
في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاه فقال الذين في
أعلاها : لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا ) ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا
فاستقينا منه و لم نؤذ من فوقنا ( و في رواية : و لم نمر على أصحابنا فنؤذيهم )
فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : مالك ؟ قال : تأذيتم بي و
لابد لي من الماء . فإن تركوهم و ما أرادوا هلكوا جميعا و إن أخذوا على أيديهم
نجوا و أنجوا جميعا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 109 :
رواه البخاري ( 2 / 111 ، 164 ) و الترمذي ( 2 / 26 ) و البيهقي ( 10 / 288 )
و أحمد ( 4 / 268 ، 270 ، 273 ) من طريق زكريا بن أبي زائدة و الأعمش عن الشعبي
عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قد تابعهما مجالد بن سعيد عند أحمد ( 4 / 273 ) و هو ضعيف و في سياقه زيادة
" ... مثل ثلاثة ركبوا في سفينة فصار لأحدهم أسفلها و أوعرها ... " .
و تابعهما غيره فقال ابن المبارك في " الزاهد " ( ق 219 / 2 ) : أنا الأجلح عن
الشعبي به و لفظه :
" إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموها ، فأصاب كل رجل منهم مكانا ، فأخذ رجل منهم
الفأس فنقر مكانه ، قالوا : ما تصنع ؟ فقال مكاني أصنع به ما شئت ! فإن أخذوا
على يديه نجوا و نجا ، و إن تركوه غرق و غرقوا ، فخذوا على أيدي سفهائكم قبل
أن تهلكوا " .
و أخرجه ابن المبارك في " حديثه " أيضا ( ج 2 / 107 / 2 ) و من طريقه ابن أبي
الدنيا في " الأمر بالمعروف " ( ق 27 / 2 ) .
لكن الأجلح هذا - و هو ابن عبد الله أبو حجية الكندي - فيه ضعف ، لاسيما عن
الشعبي ، قال العقيلي : " روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها " .
قلت : و هذا اللفظ هو الذي شاع في هذا الزمان عند بعض الكتاب و المؤلفين فأحببت
أن أنبه على ضعفه ، و أن أرشد إلى أن اللفظ الأول هو الصحيح المعتمد ، و قد
ضممت إليه ما وقفت عليه من الزيادات الصحيحة . و الله الموفق .


70 - " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدلع لسانه للحسن بن علي فيرى الصبي حمرة
لسانه فيبهش إليه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 110 :

رواه أبو الشيخ ابن حبان في " كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم و آدابه "
( ص 90 ) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به .
قلت : و هذا إسناد حسن .
( قوله ) فيبهش . أي يسرع . في " النهاية " :
" يقال للإنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه و اشتهاه و أسرع إليه : قد بهش إليه "
.


71 - " كان إذا قرب إليه الطعام يقول : بسم الله ، فإذا فرغ قال : اللهم أطعمت
و أسقيت و أقنيت و هديت و أحييت ، فلله الحمد على ما أعطيت " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 111 :

رواه أحمد ( 4 / 62 ، 5 / 375 ) و أبو الشيخ في " أخلاق النبي صلى الله عليه
وسلم ( ص 238 ) عن بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن
ابن جبير أنه حدثه رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين أنه كان
يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرب " . الحديث .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم .
( أقنيت ) أي ملكت المال و غيره .

و في هذا الحديث أن التسمية في أول الطعام بلفظ " بسم الله " لا زيادة فيها ،
و كل الأحاديث الصحيحة التي وردت في الباب كهذا الحديث ليس فيها الزيادة ، و لا
أعلمها وردت في حديث ، فهي بدعة عند الفقهاء بمعنى البدعة ، و أما المقلدون
فجوابهم معروف : " شو فيها ؟ ! " .

فنقول : فيها كل شيء و هو الاستدراك على الشارع الحكيم الذي ما ترك شيئا يقربنا
إلى الله إلا أمرنا به و شرعه لنا ، فلو كان ذلك مشروعا ليس فيه شيء لفعله و لو
مرة واحدة ، و هل هذه الزيادة إلا كزيادة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
من العاطس بعد الحمد .
و قد أنكرها عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما في " مستدرك الحاكم " ، و جزم
السيوطي في " الحاوي للفتاوي " ( 1 / 338 ) بأنها بدعة مذمومة ، فهل يستطيع
المقلدون الإجابة عن السبب الذي حمل السيوطي على الجزم بذلك !! قد يبادر بعض
المغفلين منهم فيتهمه - كما هي عادتهم - بأنه وهابي ! مع أن وفاته كانت قبل
وفاة محمد بن عبد الوهاب بنحو ثلاثمائة سنة ! ! و يذكرني هذا بقصة طريفة في بعض
المدارس في دمشق ، فقد كان أحد الأساتذة المشهورين من النصارى يتكلم عن حركة
محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ، و محاربتها للشرك و البدع و الخرافات
و يظهر أنه أطرى في ذلك فقال بعض تلامذته : يظهر أن الأستاذ وهابي ! !
و قد يسارع آخرون إلى تخطئة السيوطي ، و لكن أين الدليل ؟ ! و الدليل معه و هو
قوله صلى الله عليه وسلم :
" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " . متفق عليه .
و في الباب غيره مما سنجمعه في كتابنا الخاص بالبدعة ، نسأل الله تعالى أن ييسر
لنا إتمامه بمنه و فضله .


72 - " أحب للناس ما تحب لنفسك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 112 :

رواه البخاري في " التاريخ الكبير " ( 2 / 4 / 317 / 3155 ) و عبد بن حميد
في " المنتخب من المسند " ( 53 / 2 ) و ابن سعد ( 7 / 428 ) و القطيعي في
" الجزء المعروف بالألف دينار " ( 29 / 2 ) عن سيار عن خالد بن عبد الله
القسري عن أبيه :

" أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لجده يزيد بن أسيد .... " فذكره .

و رواه عن روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، قال ، حدثنا سيار به إلا أنه قال :
حدثني أبي عن جدي قال : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أتحب الجنة ؟ و قال فأحب .. " الحديث .

رواه بن عساكر ( 5 / 242 ) عن القطيعي من الوجه الثاني و الحاكم ( 4 / 168 )
و قال : " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي .
قلت : و خالد بن عبد الله القسري هو الدمشقي الأمير قال الذهبي في " الميزان "
" صدوق ، لكنه ناصبي بغيض ظلوم ، قال بن معين : رجل سوء يقع في علي رضى الله
عنه " . و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 2 / 72 ) .
و أبوه عبد الله بن يزيد أورده ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 197 ) و لم يذكر فيه
جرحا و لا تعديلا . و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 1 / 123 ) .
و الحديث قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 8 / 186 ) !
" رواه عبد الله و الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " بنحوه و رجاله ثقات " .

و للحديث شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ :
" و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا " . الحديث .
أخرجه الترمذي ( 2 / 50 ) و أحمد ( 2 / 310 ) .

و قال الترمذي : " حديث غريب ، و الحسن لم يسمع من أبي هريرة " .

قلت : و راويه عن الحسن - و هو البصري - أبو طارق و هو مجهول كما في " التقريب
"
و مما يشهد له أيضا :
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( من الخير ) " .


73 - " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( من الخير ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 113 :

أخرجه البخاري ( 1 / 11 ) ، و مسلم ( 1 / 49 ) ، و أبو عوانة في " صحيحه "
( 1 / 33 ) ، و النسائي ( 2 / 271 ، 274 ) ، و الترمذي ( 2 / 84 ) ، و الدارمي
( 2 / 307 ) ، و ابن ماجه ( رقم 66 ) ، و الطيالسي ( رقم 2004 ) ، و أحمد
( 3 / 177 ، 207 ، 275 ، 278 ) من حديث أنس بن مالك مرفوعا .
و قال الترمذي : " حديث صحيح " .
و الزيادة لأبي عوانة و النسائي و أحمد في رواية لهم و إسنادها صحيح .
و للحديث شاهد من حديث علي مرفوعا بلفظ :
" للمسلم على المسلم ست .... و يحب له ما يحب لنفسه ، و ينصح له بالغيب " .
أخرجه الدارمي ( 2 / 275 - 276 ) ، و ابن ماجه ( 1433 ) ، و أحمد ( 1 / 89 )
بسند ضعيف .
و اعلم أن هذه الزيادة " من الخير " زيادة هامة تحدد المعنى المراد من الحديث
بدقة ، إذ أن كلمة ( الخير ) كلمة جامعة تعم الطاعات و المباحات الدنيوية
و الأخروية و تخرج المنهيات ، لأن اسم الخير لا يتناولها ، كما هو واضح . فمن
كمال خلق المسلم أن يحب لأخيه المسلم من الخير مثلما يحب لنفسه . و كذلك أن
يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر ، و هذا و إن لم يذكره في الحديث ، فهو من
مضمونه ، لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه ، فترك التنصيص عليه اكتفاء كما قال
الكرماني و نقله الحافظ في " فتح الباري " ( 1 / 54 ) و أقره .


74 - " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه و لم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة
فإن شاء عذبهم و إن شاء غفر لهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 114 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 242 ) ، و الحاكم ( 1 / 496 ) ، و إسماعيل القاضي في
" فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ( رقم 54 طبع المكتب الإسلامي ) ،
و ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( رقم 443 ) ، و أحمد ( 2 / 446 ، 453 ،
481 ، 484 ، 495 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 130 ) عن سفيان الثوري عن
صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا .
و قال الترمذي :
" حديث حسن صحيح ، و قد روي من غير وجه عن أبي هريرة مرفوعا " .
ثم رواه من طريق أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة و أبي سعيد معا
مرفوعا قال : " مثله " ، و لم يسق لفظه .
كذا قال : " مثله " ، و عندي وقفة في كون حديث الأغر مثله ، فقد أخرجه مسلم
( 8 / 72 ) و ابن ماجه ( 2 / 418 ) بلفظ :
" ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه ، إلا حفتهم الملائكة ، و تغشتهم الرحمة ،
و نزلت عليهم السكينة ، و ذكرهم الله فيمن عنده " .


75 - " ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة و تغشتهم الرحمة و نزلت
عليهم السكينة و ذكرهم الله فيمن عنده " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 115 :
و السياق لابن ماجه ، و رواه الترمذي قبل حديث الباب بحديثين و قال :
" حسن صحيح " . ، و قوله : " مثله " . فالله أعلم .
فإني في شك من ثبوت ذلك عن الترمذي و إن كان ورد ذلك في بعض نسخ كتابه .
فقد أورد السيوطي في " الجامع الصغير " هذا الحديث من رواية الترمذي ،
و ابن ماجه عن أبي هريرة و أبي سعيد معا .
و في عزوه لابن ماجه نظر أيضا ، فإني لم أجد عنده إلا اللفظ الثاني الذي رواه
مسلم . و العلم عند الله تعالى .
و لم يقع في نسخة " السنن " التي عليها شرح " تحفة الأحوذي " سوق هذا الإسناد
الثاني عقب حديث الباب .
و لهذا اللفظ عنده طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ :
" .... و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، و يتدارسونه
بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ... " و الباقي مثله .
و صالح مولى التوأمة الذي في اللفظ الأول ضعيف لاختلاطه ، و لكنه لم يتفرد به
بل تابعه جماعة منهم : أبو صالح السمان ذكوان بلفظ :
" ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا فيه الله عز و جل ، و يصلوا على النبي صلى الله
عليه وسلم ، إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة ، و إن دخلوا الجنة للثواب " .


76 - " ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا فيه الله عز وجل و يصلوا على النبي صلى الله
عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة و إن دخلوا الجنة للثواب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 116 :
رواه أحمد ( 2 / 463 ) ، و ابن حبان في " صحيحه " ( 2322 - موارد ) ، و الحاكم
( 1 / 492 ) ، و الخطيب في " الفقيه و المتفقه " ( 237 / 1 ) ، من طريق الأعمش
عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا .
و إسناده صحيح . و قال الهيثمي ( 10 / 79 ) :
" رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح " .
و أخرجه ابن الجوزي في " منهاج القاصدين " ( 1 / 72 / 2 ) لكن وقع عنده عن أبي
سعيد الخدري ، بدل " أبي هريرة " ، فلعله وهم من بعض رواته .
قلت : و رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ :
" ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه ، إلا قاموا على مثل جيفة حمار
و كان عليهم حسرة يوم القيامة " .


77 - " ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار
و كان عليهم حسرة يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1/116:
( عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه ) :

رواه أبو داود ( 4855 ) ، و الطحاوي ( 2 / 367 ) ، و أبو الشيخ في " طبقات
الأصبهانيين " ( 229 ) ، و ابن بشران في " الأمالي " ( 30 / 6 / 1 عام 3927 ) ،
و ابن السني ( 439 ) ، و الحاكم ( 1 / 492 ) ، و أبو نعيم ( 7 / 207 ) و أحمد
( 2 / 389 ، 515 ، 527 ) .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و منهم سعيد بن أبي سعيد المقبري و لفظه :
" من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه ، كانت عليه من الله ترة ، و من اضطجع مضجعا
لا يذكر الله فيه ، كانت عليه من الله ترة " .


78 - " من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة و من اضطجع مضجعا
لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 117 :

رواه أبو داود ( 4856 ، 5059 ) . و الحميدي في " مسنده " ( 1158 ) الشطر الأول
و ابن السني ( 743 ) الشطر الثاني فقط من طريق محمد بن عجلان عنه .
قلت : و هذا إسناد حسن .
و عزاه المنذري في " الترغيب " ( 2 / 235 ) لأبي داود بهذا اللفظ و بزيادة :
" و ما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه ، إلا كان عليه من الله ترة " ،

ثم قال : " و رواه أحمد و ابن أبي الدنيا و النسائي و ابن حبان في " صحيحه "
كلهم بنحو أبي داود " .
و لي عليه ملاحظتان :
الأولى : أن الزيادة المذكورة ليست عند أبي داود في الموضعين المشار إليهما من
كتابه و إنما هي عند ابن حبان ( 2321 ) : و عنده بدل قضية الاضطجاع :
" و ما أوى أحد إلى فراشه و لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة " .
( ترة ) أي نقصا ، و الهاء فيه عوض من الواو المحذوفة .
الثانية : أن أحمد لم يروه من هذا الطريق باللفظ المذكور ، و إنما رواه من طريق
أخرى باللفظ الآتي :
و منهم أبو إسحاق مولى الحارث و لفظه :
" ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه ، إلا كان عليهم ترة ، و ما من رجل مشى
طريقا فلم يذكر الله عز و جل ، إلا كان عليه ترة ، و ما من رجل أوى إلى فراشه
فلم يذكر الله ، إلا كان عليه ترة " .


79 - " ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة و ما من رجل مشى
طريقا فلم يذكر الله عز و جل إلا كان عليه ترة و ما من رجل أوى إلى فراشه
فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 118 :

رواه أحمد ( 2 / 432 ) ، و ابن السني ( 375 ) ، و الحاكم ( 1 / 550 ) عن سعيد
بن أبي سعيد عن أبي إسحاق به .
و قال أحمد : " عن إسحاق " و قال الحاكم : " عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث "
و قال : " صحيح على شرط البخاري " . و قال الذهبي : " على شرط مسلم " .
قلت : و في كل ذلك نظر ، فإن إسحاق هذا إن كان ابن عبد الله بن الحارث كما
وقع لدى الحاكم فليس من رجال البخاري و لا مسلم و لكنه ثقة روى عنه جماعة .
و إن كان أبا إسحاق مولى الحارث فلا يعرف كما قال الذهبي ، و إن كان إسحاق
غير منسوب فلم أعرفه .
و في " المجمع " ( 10 / 80 ) : " رواه أحمد و أبو إسحاق مولى عبد الله بن
الحارث بن نوفل لم يوثقه أحد ، و لم يجرحه أحد و بقية رجال أحد إسنادي أحمد
رجال الصحيح " .
و له شاهد من حديث ابن عمرو بلفظ :
" ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه ، إلا رأوه حسرة يوم القيامة " .


80 - " ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 118 :
( عن ابن عمرو ) :

أخرجه أحمد ( 2 / 124 ) بإسناد حسن .
و قال الهيثمي : " رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح " .
شاهد ثان : أخرجه الطيالسي ( 1756 ) عن جابر بسند على شرط مسلم .
و له شاهد آخر عن عبد الله بن مغفل مثله .

أخرجه ابن الضريسي في " أحاديث مسلم بن إبراهيم الفراهيدي " ( 8 / 1 - 2 ) بسند
لا بأس به في المتابعات و الشواهد ، رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط "
و رجالهما رجال الصحيح و البيهقي كما في " الترغيب " ( 2 / 236 ) .
فقه الحديث :
------------
لقد دل هذا الحديث الشريف و ما في معناه على وجوب ذكر الله سبحانه و كذا الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم في كل مجلس ، و دلالة الحديث على ذلك من وجوه :
أولا - قوله : " فإن شاء عذبهم ، و إن شاء غفر لهم " فإن هذا لا يقال إلا فيما
كان فعله واجبا و تركه معصية .
ثانيا - قوله : " و إن دخلوا الجنة للثواب " .
فإنه ظاهر في كون تارك الذكر و الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، يستحق دخول
النار ، و إن كان مصيره إلى الجنة ثوابا على إيمانه .
ثالثا : قوله : " و إلا قاموا على مثل جيفة حمار " .
فإن هذا التشبيه يقتضي تقبيح عملهم كل التقبيح ، و ما يكون ذلك - إن شاء الله
تعالى - إلا فيما هو حرام ظاهر التحريم . و الله أعلم .
فعلى كل مسلم أن يتنبه لذلك ، و لا يغفل عن ذكر الله عز و جل ، و الصلاة على
نبيه صلى الله عليه وسلم ، في كل مجلس يقعده ، و إلا كان عليه ترة و حسرة يوم
القيامة .
قال المناوي في " فيض القدير " :
" فيتأكد ذكر الله ، و الصلاة على رسوله عند إرادة القيام من المجلس ، و تحصل
السنة في الذكر و الصلاة بأي لفظ كان ، لكن الأكمل في الذكر " سبحانك اللهم
و بحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك ، و في الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم ما في آخر التشهد " .
قلت : و الذكر المشار إليه هو المعروف بكفارة المجلس ، و قد جاء فيه عدة أحاديث
أذكر واحدا منها هو أتمها : و هو كفارة المجلس :
" من قال : سبحان الله و بحمده ، سبحانك اللهم و بحمدك ، أشهد أن لا إله إلا
أنت ، أستغفرك و أتوب إليك ، فقالها في مجلس ذكر ، كانت كالطابع يطبع عليه ،
و من قالها في مجلس لغو كانت كفارة له " .


81 - " من قال : سبحان الله و بحمده سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك و أتوب إليك ، فقالها في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه و من قالها
في مجلس لغو كانت كفارة له " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 120 :
أخرجه الطبراني ( 1 / 79 / 2 ) و الحاكم ( 1 / 537 ) من طريق نافع بن جبير
ابن مطعم عن أبيه مرفوعا .

و قال : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي و هو كما قالا .
و عزاه المنذري ( 2 / 236 ) للنسائي و الطبراني ، قال :
" و رجالهما رجال الصحيح " .
و قال الهيثمي ( 10 / 142 و 423 ) : " رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح " .
قلت : و في رواية للطبراني زيادة : " يقولها ثلاث مرات " و قد سكت عليها
الهيثمي ، و ليس بجيد ، فإن في سندها خالد بن يزيد العمري و قد كذبه أبو حاتم
و يحيى ، و قال ابن حبان : " يروي الموضوعات عن الأثبات " .
فهذه الزيادة واهية لا يلتفت إليها .


82 - " لا أشبع الله بطنه . يعني معاوية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 121 :

رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " ( 2746 ) : حدثنا هشام و أبو عوانة عن أبي
حمزة القصاب عن ابن عباس :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له : فقال : إنه يأكل
ثم بعث إليه ، فقال : إنه يأكل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، و في أبي حمزة القصاب
و اسمه عمران بن أبي عطاء كلام من بعضهم لا يضره ، فقد وثقه جماعة من الأئمة
منهم أحمد و ابن معين و غيرهما ، و من ضعفه لم يبين السبب ، فهو جرح مبهم غير
مقبول ، و كأنه لذلك احتج به مسلم ، و أخرج له هذا الحديث في " صحيحه " ( 8 /
27 ) من طريق شعبة عن أبي حمزة القصاب به .
و أخرجه أحمد ( 1 / 240 ، 291 ، 335 ، 338 ) عن شعبة و أبي عوانة عنه به ، دون
قوله : " لا أشبع الله بطنه " و كأنه من اختصار أحمد أو بعض شيوخه ، و زاد في
رواية : " و كان كاتبه " و سندها صحيح .
و قد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنا في معاوية رضي الله عنه ،
و ليس فيه ما يساعدهم على ذلك ، كيف و فيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه
وسلم ؟ ! و لذلك قال الحافظ ابن عساكر ( 16 / 349 / 2 ) " إنه أصح ما ورد في
فضل معاوية " فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود ، بل هو
ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض
نسائه " عقرى حلقى " و " تربت يمينك " . و يمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه
وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة
متواترة .
منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت :
" دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان ، فكلماه بشيء لا أدري ما هو
فأغضباه ، فلعنهما و سبهما ، فلما خرجا قلت : يا رسول الله من أصاب من الخير
شيئا ما أصابه هذان ؟ قال : و ما ذاك ؟ قالت : قلت : لعنتهما و سببتهما ،
قال : " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم إنما أنا بشر ، فأي
المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة و أجرا " .


83 - " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته
أو سببته فاجعله له زكاة و أجرا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 122 :
رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو " باب من لعنه النبي صلى الله
عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه و ليس هو أهلا لذلك كان له زكاة و أجرا و رحمة "
.
ثم ساق فيه من حديث أنس بن مالك قال :
" كانت عند أم سليم يتيمة و هي أم أنس ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
اليتيمة ، فقال : آنت هي ؟ لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي
فقالت أم سليم : ما لك يا بنية ؟ فقالت الجارية : دعا علي نبي الله صلى الله
عليه وسلم أن لا يكبر سني أبدا ، أو قالت : قرني ، فخرجت أم سليم مستعجله تلوث
خمارها حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ما لك يا أم سليم ؟ فقالت يا نبي الله ، أدعوت على يتيمتي ؟ قال :
و ما ذاك يا أم سليم ؟ قالت : زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ، و لا يكبر قرنها
قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال :
" يا أم سليم ! أما تعلمين أن شرطي على ربي ؟ أني اشترطت على ربي فقلت : إنما
أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، و أغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه
من أمتي بدعوة ليس لها بأهل ، أن يجعلها له طهورا و زكاة و قربة يقربه بها منه
يوم القيامة " .


84 - " يا أم سليم ! أما تعلمين أن شرطي على ربي ؟ أني اشترطت على ربي فقلت : إنما
أنا بشر أرضى كما يرضى البشر و أغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من
أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا و زكاة و قربة يقربه بها منه يوم
القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 123 :

( عن أم سليم ) :

ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية و به ختم الباب ، إشارة منه
رحمه الله إلى أنها من باب واحد ، و في معنى واحد ، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه
صلى الله عليه وسلم عليه بل هو لها زكاة و قربة ، فكذلك دعاؤه صلى الله عليه
وسلم على معاوية .
و قد قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " ( 2 / 325 طبع الهند ) :
" و أما دعاؤه صلى الله عليه وسلم على معاوية ففيه جوابان :
أحدهما : أنه جرى على اللسان بلا قصد .
و الثانى : أنه عقوبة له لتأخره ، و قد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن
معاوية لم يكن مستحقا الدعاء عليه ، فلهذا أدخله في هذا الباب ، و جعله غيره من
مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له " .
و قد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني فقال في " سير أعلام النبلاء "
( 9 / 171 / 2 ) :
" قلت : لعل أن ، يقال : هذه منقبة لمعاوية لقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم
من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة و رحمة " .
و اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث : " إنما أنا بشر أرضى كما
يرضى البشر .. " إنما هو تفصيل لقول الله تبارك و تعالى : ( قل إنما أنا بشر
مثلكم ، يوحى إلي .... ) الآية .
و قد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء ، إلى إنكار مثل هذا الحديث
بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم و تنزيهه عن النطق به ! و لا مجال إلى مثل
هذا الإنكار فإن الحديث صحيح ، بل هو عندنا متواتر ، فقد رواه مسلم من حديث
عائشة و أم سلمة كما ذكرنا ، و من حديث أبي هريرة و جابر رضي الله عنهما ،
و ورد من حديث سلمان و أنس و سمرة و أبي الطفيل و أبي سعيد و غيرهم .
انظر " كنز العمال " ( 2 / 124 ) .
و تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما مشروعا ، إنما يكون بالإيمان بكل ما
جاء عنه صلى الله عليه وسلم صحيحا ثابتا ، و بذلك يجتمع الإيمان به صلى الله
عليه وسلم عبدا و رسولا ، دون إفراط و لا تفريط ، فهو صلى الله عليه وسلم بشر ،
بشهادة الكتاب و السنة ، و لكنه سيد البشر و أفضلهم إطلاقا بنص الأحاديث
الصحيحة . و كما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم و سيرته ، و ما حباه
الله تعالى به من الأخلاق الكريمة ، و الخصال الحميدة ، التي لم تكتمل في بشر
اكتمالها فيه صلى الله عليه وسلم ، و صدق الله العظيم ، إذ خاطبه بقوله
الكريم : ( و إنك لعلى خلق عظيم ) .


85 - " ارحلوا لصاحبيكم و اعملوا لصاحبيكم ! ادنوا فكلا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 124 :

رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في " المصنف " ( ج 2 / 149 / 2 ) ، و الفريابي في
" الصيام " ( 4 / 64 / 1 ) عنه و عن أخيه عثمان بن أبي شيبة ، قالا : حدثنا عمر
بن سعد أبو داود عن سفيان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن
أبي هريرة قال :
" أتي النبي صلى الله عليه وسلم بطعام و هو بـ ( مر الظهران ) ، فقال لأبي بكر
و عمر : ادنوا فكلا ، فقالا : إنا صائمان ، فقال : ارحلوا لصاحبيكم " الحديث .
و كذا أخرجه النسائي ( 1 / 315 ) و ابن دحيم في " الأمالي " ( 2 / 1 ) من طرق
أخرى عن عمر بن سعد به .
ثم أخرجه النسائي من طريق محمد بن شعيب : أخبرني الأوزاعي به مرسلا لم يذكر أبا
هريرة ، و كذلك أخرجه من طريق علي - و هو ابن المبارك - عن يحيى به .
و لعل الموصول أرجح ، لأن الذي وصله و هو سفيان عن الأوزاعي ثقة ، و زيادة
الثقة مقبولة ما لم تكن منافية لمن هو أوثق منه .
قلت : و إسناده صحيح على شرط مسلم ، و رواه ابن خزيمة في " صحيحه "
و قال : " فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار " .
كما في " فتح الباري " ( 4 / 158 ) .
و أخرجه الحاكم ( 1 / 433 ) و قال :
" صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي ! و إنما هو على شرط مسلم وحده ،
فإن عمر بن سعد لم يخرج له البخاري شيئا .
و الغرض من قوله صلى الله عليه و آله وسلم : " ارحلوا لصاحبيكم ... " الإنكار
و بيان أن الأفضل أن يفطرا و لا يحوجا الناس إلى خدمتهما ، و يبين ذلك ما روى
الفريابي ( 67 / 1 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " لا تصم فى السفر فإنهم
إذا أكلوا طعاما قالوا : ارفعوا للصائم ! و إذا عملوا عملا قالوا : اكفلوا
للصائم ! فيذهبوا بأجرك " . و رجاله ثقات .

قلت : ففي الحديث توجيه كريم ، إلى خلق قويم ، و هو الاعتماد على النفس ، و ترك
التواكل على الغير ، أو حملهم على خدمته ، و لو لسبب مشروع كالصيام ، أفليس في
الحديث إذن رد واضح على أولئك الذين يستغلون عملهم ، فيحملون الناس على التسارع
في خدمتهم ، حتى في حمل نعالهم ؟ !
و لئن قال بعضهم : لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخدمون رسول الله صلى الله
عليه وسلم أحسن خدمة ، حتى كان فيهم من يحمل نعليه صلى الله عليه وسلم و هو
عبد الله بن مسعود .
فجوابنا نعم ، و لكن هل احتجاجهم بهذا لأنفسهم إلا تزكية منهم لها ، و اعتراف
بأنهم ينظرون إليها على أنهم و رثته صلى الله عليه وسلم في العلم حتى يصح لهم
هذا القياس ؟ ! وايم الله لو كان لديهم نص على أنهم الورثة لم يجز لهم هذا
القياس ، فهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم المشهود لهم بالخيرية ، و خاصة منهم
العشرة المبشرين بالجنة ، فقد كانوا خدام أنفسهم ، و لم يكن واحد منهم يخدم من
غيره ، عشر معشار ما يخدم أولئك المعنيين من تلامذتهم و مريديهم ! فكيف و هم لا
نص عندهم بذلك ، و لذلك فإني أقول : إن هذا القياس فاسد الاعتبار من أصله ،
هدانا الله تعالى جميعا سبيل التواضع و الرشاد .


86 - " من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين ، فإذا حل الدين فأنظره فله
بكل يوم مثليه صدقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 126 :

رواه أحمد ( 5 / 360 ) عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول :
" من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة ، قال : ثم سمعته يقول : من أنظر معسرا
فله بكل يوم مثله صدقة ، قلت : سمعتك يا رسول الله تقول : من أنظر معسرا فله
بكل يوم مثله صدقة ، ثم سمعتك تقول : من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة ،
قال : له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم
مثليه صدقة " .
قلت : و إسناده صحيح رجاله ثقات محتج بهم في " صحيح مسلم " .

ثم رأيته في " المستدرك " ( 2 / 29 ) و قال : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه
الذهبي فأخطأ لأن سليمان هذا لم يخرج له البخاري ، و إنما الذي أخرج له الشيخان
هو أخوه عبد الله بن بريدة .


87 - " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام و لا صلاة و لا نسك و
لا صدقة و ليسرى على كتاب الله عز و جل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية و
تبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير و العجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه
الكلمة : " لا إله إلا الله " فنحن نقولها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1/127:
أخرجه ابن ماجه ( 4049 ) و الحاكم ( 4 / 473 ) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك
الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعا به ، و زاد :
" قال صلة بن زفر لحذيفة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله و هم لا يدرون ما صلاة
و لا صيام و لا نسك و لا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة ، ثم ردها عليه ثلاثا ، كل ذلك
يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ! تنجيهم من النار .
ثلاثا " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا .
و قال البوصيري في " الزوائد " ( ق 247 / 1 ) : " إسناده صحيح ، رجاله ثقات " .
( يدرس ) من درس الرسم دروسا : إذا عفا و هلك .
( وشي الثوب ) نقشه .
من فوائد الحديث :
----------------
و في هذا الحديث نبأ خطير ، و هو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره ،
و على القرآن فيرفع فلا يبقى منه و لا آية واحدة ، و ذلك لا يكون قطعا إلا بعد
أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها ، و تكون كلمته فيها هي العليا .
كما هو نص قول الله تبارك و تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق
ليظهره على الدين كله ) ، و كما شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في
أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات ( الأحاديث
الصحيحة ) .
و ما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق
الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة ، حتى و لا توحيده !
و في الحديث إشارة إلى عظمة القرآن ، و أن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء
دينهم و رسوخ بنيانه و ما ذلك إلا بتدارسه و تدبره و تفهمه و لذلك تعهد الله
تبارك و تعالى بحفظه ، إلى أن يأذن الله برفعه . فما أبعد ضلال بعض المقلدة
الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة ، و أنه لا ضير على المسلمين
من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك ! ! هذا ما كان صرح لي به أحد كبار المفتين من
الأعاجم و هو يتكلم العربية الفصحى بطلاقة و ذلك لما جرى الحديث بيني و بينه
حول الاجتهاد و التقليد .
قال - ما يردده كثير من الناس - : إن الاجتهاد أغلق بابه منذ القرن الرابع !
فقلت له : و ماذا نفعل بهذه الحوادث الكثيرة التي تتطلب معرفة حكم الله فيها
اليوم ؟
قال : إن هذه الحوادث مهما كثرت فستجد الجواب عنها في كتب علمائنا إما عن عينها
أو مثلها .
قلت : فقد اعترفت ببقاء باب الاجتهاد مفتوحا و لا بد !
قال : و كيف ذلك ؟
قلت : لأنك اعترفت أن الجواب قد يكون عن مثلها ، لا عن عينها و إذ الأمر كذلك ،
فلابد من النظر في كون الحادثه في هذا العصر ، هي مثل التي أجابوا عنها ، و حين
ذلك فلا مناص من استعمال النظر و القياس و هو الدليل الرابع من أدلة الشرع ،
و هذا معناه الاجتهاد بعينه لمن هو له أهل ! فكيف تقولون بسد بابه ؟ ! و يذكرني
هذا بحديث آخر جرى بيني و بين أحد المفتين شمال سورية ، سألته : هل تصح الصلاة
في الطائرة ؟ قال : نعم . قلت : هل تقول ذلك تقليدا أم اجتهادا ؟ قال : ماذا
تعني ؟ قلت : لا يخفى أن من أصولكم في الإفتاء ، أنه لا يجوز الإفتاء باجتهاد ،
بل اعتمادا على نص من إمام ، فهل هناك نص بصحة الصلاة في الطائرة ؟ قال : لا ،
قلت : فكيف إذن خالفتم أصلكم هذا فأفتيتم دون نص ؟ قال : قياسا .
قلت : ما هو المقيس عليه ؟ قال : الصلاة في السفينة .
قلت : هذا حسن ، و لكنك خالفت بذلك أصلا و فرعا ، أما الأصل فما سبق ذكره ،
و أما الفرع فقد ذكر الرافعي في شرحه أن المصلي لو صلى في أرجوحة غير معلقة
بالسقف و لا مدعمة بالأرض فصلاته باطلة . قال : لا علم لي بهذا .
قلت : فراجع الرافعي إذن لتعلم أن ( فوق كل ذي علم عليم ) ، فلو أنك تعترف أنك
من أهل القياس و الاجتهاد و أنه يجوز لك ذلك و لو في حدود المذهب فقط ، لكانت
النتيجة أن الصلاة في الطائرة باطلة لأنها هي التي يتحقق فيها ما ذكره الرافعي
من الفرضية الخيالية يومئذ . أما نحن فنرى أن الصلاة في الطائرة صحيحة لا شك في
ذلك ، و لئن كان السبب في صحة الصلاة في السفينة أنها مدعمة بالماء بينها و بين
الأرض ، فالطائرة أيضا مدعمة بالهواء بينها و بين الأرض . و هذا هو الذي بدا
لكم في أول الأمر حين بحثتم استقلالا ، و لكنكم لما علمتم بذلك الفرع المذهبي
صدكم عن القول بما أداكم إليه بحثكم ! ؟

أعود إلى إتمام الحديث مع المفتي الأعجمي ، قلت له : و إذا كان الأمر كما
تقولون : إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مجتهدين لأن المفتي يجد الجواب عن عين
المسألة أو مثلها ، فهل يترتب ضرر ما لو فرض ذهاب القرآن ؟ قال : هذا لا يقع ،
قلت : إنما أقول : لو فرض ، قال : لا يترتب أي ضرر لو فرض وقوع ذلك !
قلت : فما قيمة امتنان الله عز و جل إذن على عباده بحفظ القرآن حين قال : ( إنا
نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ) ، إذا كان هذا الحفظ غير ضروري بعد الأئمة
؟ !
و الحقيقة أن هذا الجواب الذي حصلنا عليه من المفتي بطريق المحاورة ، هو جواب
كل مقلد على وجه الأرض ، و إنما الفرق أن بعضهم لا يجرؤ على التصريح به ، و إن
كان قلبه قد انطوى عليه . نعوذ بالله من الخذلان .
فتأمل أيها القارىء اللبيب مبلغ ضرر ما نشكو منه ، لقد جعلوا القرآن في حكم
المرفوع ، و هو لا يزال بين ظهرانينا و الحمد لله ، فكيف يكون حالهم حين يسرى
عليه في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية ؟ ! فاللهم هداك .
حكم تارك الصلاة :
----------------
هذا و في الحديث فائدة فقهية هامة ، و هي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي
قائلها من الخلود في النار يوم القيامة و لو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام
الخمسة الأخرى كالصلاة و غيرها ، و من المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك
الصلاة خاصة ، مع إيمانه بمشروعيتها ، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك ، بل يفسق
و ذهب أحمد إلى أنه يكفر و أنه يقتل ردة ، لا حدا ، و قد صح عن الصحابة أنهم
كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة . رواه الترمذي و الحاكم ،
و أنا أرى أن الصواب رأي الجمهور ، و أن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم
كانوا يريدون بـ ( الكفر ) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار و لا يحتمل أن
يغفره الله له ، كيف ذلك و هذا حذيفة بن اليمان - و هو من كبار أولئك الصحابة -
يرد على صلة بن زفر و هو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له ، فيقول : ما
تغني عنهم لا إله إلا الله ، و هم لا يدرون ما صلاة .... " فيجيبه حذيفة بعد
إعراضه عنه :
" يا صلة تنجيهم من النار . ثلاثا " .
فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة ، و مثلها بقية الأركان ليس
بكافر ، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة . فاحفظ هذا فإنه قد لا
تجده في غير هذا المكان .
و في الحديث المرفوع ما يشهد له ، و لعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى .
ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " ( 84 / 2 ) للحافظ السخاوي ، فرأيته يقول بعد
أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة و هي مشهورة معروفة :
" و لكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجودها مع كونه ممن
نشأ بين المسلمين ، لأنه يكون حينئذ كافرا مرتدا بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى
الإسلام قبل منه ، و إلا قتل . و أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلا مع اعتقاد
وجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، و أنه - على
الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري ، كأن يترك الظهر
مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد ،
ثم يقتل إن لم يتب ، و يغسل و يصلى عليه و يدفن في مقابر المسلمين ، مع إجراء
سائر أحكام المسلمين عليه . و يؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض
أحكامه . و هو وجوب العمل ، جمعا بين هذه النصوص و بين ما صح أيضا عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال : خمس صلوات كتبهن الله - فذكر الحديث . و فيه :
" إن شاء عذبه ، و إن شاء غفر له " و قال أيضا : " من مات و هو يعلم أن لا إله
إلا الله دخل الجنة " إلى غير ذلك . و لهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة
و يورثونه و لو كان كافرا لم يغفر له ، و لم يرث و لم يورث " .
و قد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في " حاشيته على المقنع " ،
( 1 / 95 - 96 ) و ختم البحث بقوله :
" و لأن ذلك إجماع المسلمين ، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي
الصلاة ، ترك تغسيله و الصلاة عليه ، و لا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي
الصلاة ، و لو كفر لثبتت هذه الأحكام . و أما الأحاديث المتقدمة ، فهي على وجه
التغليظ و التشبيه بالكفار لا على الحقيقة ، كقوله عليه الصلاة و السلام :
" سباب المسلم فسوق ، و قتاله كفر " ، و قوله " من حلف بغير الله فقد أشرك "
و غير ذلك . قال الموفق : و هذا أصوب القولين " .
أقول : نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة ، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة ،
أن الذي ذهبت إليه ، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم ، بل هو مذهب
جمهورهم ، و المحققين من علماء الحنابلة أنفسهم ، كالموفق هذا ، و هو ابن قدامة
المقدسي ، و غيره ، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة ، تحملهم إن شاء الله
تعالى ، على ترك غلوائهم ، و الاعتدال في حكمهم .
بيد أن هنا دقيقة ، قل من رأيته تنبه لها ، أو نبه عليها ، فوجب الكشف عنها
و بيانها .
فأقول : إن التارك للصلاة كسلا إنما يصح الحكم بإسلامه ، ما دام لا يوجد هناك
ما يكشف عن مكنون قلبه ، أو يدل عليه ، و مات على ذلك ، قبل أن يستتاب كما هو
الواقع في هذا الزمان ، أما لو خير بين القتل و التوبة بالرجوع إلى المحافظة
على الصلاة ، فاختار القتل عليها ، فقتل ، فهو في هذه الحالة يموت كافرا ،
و لا يدفن في مقابر المسلمين ، و لا تجري عليه أحكامهم ، خلافا لما سبق عن
السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها ،
هذا أمر مستحيل ، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان ، لا يحتاج إثباته إلى برهان
.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " ( 2 / 48 ) :
" و متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل ، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها و لا
ملتزما بفعلها ، و هذا كافر باتفاق المسلمين ، كما استفاضت الآثار عن الصحابة
بكفر هذا ، و دلت عليه النصوص الصحيحة .... فمن كان مصرا على تركها حتى يموت ،
لا يسجد لله سجدة قط ، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها ، فإن اعتقاد الوجوب
و اعتقاد أن تاركها يستحق القتل ، هذا داع تام إلى فعلها ، و الداعي مع القدرة
يوجب وجود المقدور ، فإذا كان قادرا و لم يفعل قط ، علم أن الداعي في حقه لم
يوجد " .


88 - " ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 133 :
رواه مسلم في " صحيحه " ( 7 / 100 ) و البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 515 )
و ابن عساكر في " تاريخه " ( ج 9 / 288 / 1 ) من طريق مروان بن معاوية قال :
حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
" من أصبح منكم اليوم صائما ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : من عاد منكم اليوم
مريضا ؟ قال أبو بكر أنا ، قال : من شهد منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر :
أنا ، قال : من أطعم اليوم مسكينا ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال مروان : بلغني أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و السياق للبخارى . و ليس عند مسلم و ابن عساكر " قال مروان : بلغني " بل هذا
البلاغ عندهما متصل بأصل الحديث من طريقين عن مروان . و هو الأصح إن شاء الله
تعالى .
و الحديث عزاه المنذري في " الترغيب " ( 4 / 162 ) لابن خزيمة فقط في " صحيحه "
! و له طريق أخرى عند ابن عساكر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة نحوه .
و لبعضه شاهد من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بلفظ :
" هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه :
دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل ، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها
منه ، فدفعتها إليه " .
أخرجه أبو داود و غيره و إسناده ضعيف كما بينته في الأحاديث " الضعيفة "
( 1400 ) .

و فيه فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه و البشارة له بالجنة ، و الأحاديث في
ذلك كثيرة طيبة .
و فيه فضيلة الجمع بين هذه الخصال في يوم واحد ، و أن اجتماعها في شخص بشير له
بالجنة ، جعلنا الله من أهلها .


89 - " إن أول ما يكفئ - يعني الإسلام - كما يكفأ الإناء - يعني الخمر - ، فقيل :
كيف يا رسول الله ، و قد بين الله فيها ما بين ؟ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : يسمونها بغير اسمها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 134 :
رواه الدارمي ( 2 / 114 ) : حدثنا زيد بن يحيى حدثنا محمد بن راشد عن أبي وهب
الكلاعي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : فذكره .
قلت : و هذا سند حسن ، القاسم بن محمد هو ابن أبي بكر الصديق - ثقة أحد الفقهاء
في المدينة ، احتج به الجماعة .
و أبو وهب الكلاعي اسمه عبيد الله بن عبيد وثقه دحيم .

و قال ابن معين : لا بأس به .
و محمد بن راشد هو المكحولي الخزاعي الدمشقي ، وثقه جماعة من كبار الأئمة كأحمد
و ابن معين و غيرهما ، و ضعفه آخرون .
و توسط فيه أبو حاتم فقال : " كان صدوقا حسن الحديث " .
قلت : و هذا هو الراجح لدينا ، و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق يهم " .
و زيد بن يحيى ، هو إما زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي ،
و إما زيد بن أبي الزرقاء يزيد الموصلي أبو محمد نزيل الرملة ، و لم يترجح لدي
الآن أيهما المراد هنا ، فكلاهما روى عن محمد بن راشد ، و لكن أيهما كان فهو
ثقة .
و قد وجدت للحديث طريقا أخرى ، أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 225 / 1 )
و ابن عدي ( ق 264 / 2 ) عن الفرات بن سلمان عن القاسم به ، و لفظه :
" أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء في شراب يقال له : الطلاء " .
ثم رواه ابن عدي عن الفرات قال : حدثنا أصحاب لنا عن القاسم به .
و قال : " الفرات هذا لم أر المتقدمين صرحوا بضعفه ، و أرجو أنه لا بأس به ،
لأني لم أر في رواياته حديثا منكرا " .
قلت : و قال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 80 ) :
" سألت أبي عنه ؟ فقال : لا بأس به ، محله الصدق ، صالح الحديث " .
و قال أحمد : " ثقة " . كما في " الميزان " و " اللسان " .
قلت : فالإسناد صحيح ، و لا يضره جهالة أصحاب الفرات ، لأنهم جمع ينجبر به
جهالتهم ، و لعل منهم أبا وهب الكلاعي فإنه قد رواه عن القاسم كما في الطريق
الأولى ، فالحديث صحيح . و قول الذهبي في ترجمة الفرات : " حديث منكر " منكر من
القول ، و لعله لم يقف على الطريق الأولى ، بل هذا هو الظاهر .
و الله أعلم .
و الحديث مما فات السيوطي فلم يورده في " الجامع الكبير " ، لا في بابا " إن "
و لا في " أول " و إنما أورد فيه ما قد يصلح أن يكون شاهدا لهذا فقال
( 1 / 274 / 2 ) :
" أول ما يكفأ أمتي عن الإسلام كما يكفأ الإناء ، في الخمر . ابن عساكر عن ابن
عمرو " .
ثم رأيته في " تاريخه " ( 18 / 76 / 1 ) عن زيد بن يحيى بن عبيد حدثني ابن ثابت
ابن ثوبان عن إسماعيل بن عبد الله قال : سمعت ابن محيريز يقول : سمعت عبد الله
بن عمرو يقول فذكره و زاد في آخره " قال : و قلت ( لعله . و قطب ) رسول الله
صلى الله عليه وسلم " . و هذا إسناد لا بأس به في الشواهد .
و للحديث طريق أخرى بلفظ آخر عن عائشة ، يأتي في الذي بعده .
( الطلاء ) قال في " النهاية " :
" بالكسر و المد : الشراب المطبوخ من عصير العنب ، و هو الرب " .
ثم ذكر الحديث ثم قال :
" هذا نحو الحديث الآخر : سيشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها .
يريد : أنهم يشربون النبيذ المسكر ، المطبوخ ، و يسمونه طلاء ، تحرجا من أن
يسموه خمرا " .
و للحديث شاهد صحيح بلفظ :
" ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه ، ( و في رواية ) : يسمونها
بغير اسمها " .


90 - " ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه ، ( و في رواية ) : يسمونها
بغير اسمها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 136 :
أخرجه ابن ماجه ( 3385 ) و أحمد ( 5 / 318 ) و ابن أبي الدنيا في " ذم المسكر "
( ق 4 / 2 ) عن سعيد بن أوس الكاتب عن بلال بن يحيى العبسي عن أبي بكر ابن حفص
عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
قلت : و هذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات ، و ابن محيريز اسمه عبد الله .
و هو ثقة من رجال الشيخين .
و أبو بكر بن حفص ، هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص و هو ثقة
محتج به في " الصحيحين " أيضا .
و بلال بن يحيى العبسي ، قال ابن معين : " ليس به بأس " . و وثقه ابن حبان .
و قد تابعه شعبة ، لكنه أسقط من الإسناد " ثابت بن السمط " و قال :
" عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " بالرواية الثانية .
أخرجه النسائي ( 2 / 330 ) ، و أحمد ( 4 / 237 ) ، و إسناده صحيح ، و هو أصح
من الأول .
و روي عن أبي بكر بن حفص على وجه آخر ، من طريق محمد بن عبد الوهاب أبي شهاب
عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " ( 6 / 205 ) .
قلت : و رجاله ثقات غير أبي شهاب هذا فلم أعرفه .
و للحديث شاهد يرويه سعيد بن أبي هلال عن محمد بن عبد الله بن مسلم أن أبا مسلم
الخولاني حج ، فدخل على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت تسأله عن
الشام و عن بردها ، فجعل يخبرها ، فقالت : كيف تصبرون على بردها ؟ فقال : يا أم
المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم ، يقال له : الطلاء ، فقالت : صدق الله و بلغ
حبي ، سمعت حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إن ناسا من أمتي يشربون الخمر ، يسمونها بغير اسمها " .
أخرجه الحاكم ( 2 / 147 ) و البيهقي ( 7 / 294 - 295 ) .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " .
و تعقبه الذهبي بقوله :
" قلت : كذا قال : " محمد " ، فمحمد مجهول ، و إن كان ابن أخي الزهري فالسند
منقطع " .
قلت : و سعيد بن أبي هلال كان اختلط ، و قد تقدم الحديث عن عائشة بلفظ آخر قبل
هذا الحديث .
و له شاهد ثان ، من حديث أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :
" لا تذهب الليالي و الأيام ، حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ، يسمونها بغير
اسمها " .
أخرجه ابن ماجه ( 3384 ) ، و أبو نعيم في " الحلية " ( 6 / 97 ) عن عبد السلام
بن عبد القدوس ، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عنه .
و قال أبو نعيم :
" كذا حدثناه عن أبي أمامة ، و روي عن ثور عن خالد عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه مثله " .
قلت : و رجاله ثقات غير عبد السلام هذا و هو ضعيف كما في " التقريب " .
و له شاهد ثالث يرويه أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن أمتي يشربون الخمر في آخر الزمان ، يسمونها بغير اسمها " .
أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 3 / 114 / 3 ) . و أبو عامر اسمه صالح بن رستم
المزني ، و هو صدوق كثير الخطأ كما في " التقريب " ، فمثله يستشهد به .
و الله أعلم .
و له شاهد رابع يرويه حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال :
دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء ، فقال : حدثني أبو مالك الأشعري
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" ليشربن ناس من أمتي الخمر ، يسمونها بغير اسمها " .
أخرجه أبو داود ( 3688 ) ، و البخاري في " التاريخ الكبير " ( 1 / 1 / 305 و
4 / 1 / 222 ) ، و ابن ماجه ( 4020 ) ، و ابن حبان ( 1384 ) ، و البيهقي
( 8 / 295 و 10 / 231 ) ، و أحمد ( 5 / 342 ) و الطبراني في " المعجم الكبير "
( 1 / 167 / 2 ) ، و ابن عساكر ( 16 / 115 / 2 ) ، كلهم عن معاوية بن صالح عن
حاتم به .
قلت : و رجاله ثقات غير مالك بن أبي مريم ، قال الذهبي :
" لا يعرف " . و وثقه ابن حبان على قاعدته !
هذا هو علة هذا الإسناد ، و أما المنذري فأعله في " مختصره " ( 5 / 271 )
بقوله : " في إسناده حاتم بن حريث الطائي الحمصي ، سئل عنه أبو حاتم الرازي ،
فقال : شيخ . و قال ابن معين : لا أعرفه " .
قلت : قد عرفه غيره ، فقال عثمان بن سعيد الدارمي : " ثقة " . و ذكره ابن حبان
في " الثقات " ، و قال ابن عدي :
" لعزة حديثه لم يعرفه ابن معين ، و أرجو أنه لا بأس به " .
قلت : فإعلاله بشيخه مالك بن أبي مريم - كما فعلنا - أولى ، لأنه لم يوثقه غير
ابن حبان كما ذكرنا .
هذا و في الحديث زيادة عن ابن ماجه و البيهقي و ابن عساكر بلفظ :
" يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات ، يخسف الله بهم الأرض ، و يجعل منهم
القردة و الخنازير " .
و الحديث صحيح بكامله ، أما أصله فقد تقدمت له شواهد .
و أما الزيادة فقد جاءت من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن غنم نحوه ، و لفظه يأتي
بعده ، و قال البيهقي عقبه :
" و لهذا شواهد من حديث علي ، و عمران بن حصين ، و عبد الله بن بسر ، و سهل بن
سعد ، و أنس بن مالك ، و عائشة ، رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم "
.


91 - " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، و لينزلن
أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم ، يأتيهم لحاجة ، فيقولون : ارجع
إلينا غدا ، فيبيتهم الله ، و يضع العلم ، و يمسخ آخرين قردة و خنازير إلى يوم
القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 139 :
رواه البخاري في " صحيحه " تعليقا فقال ( 4 / 30 ) :
" باب ما جاء فيمن يستحل الخمر و يسميه بغير اسمه . و قال هشام بن عمار :
حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس
الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك
الأشعري - و الله ما كذبني - سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ... " فذكره .
و قد وصله الطبراني ( 1 / 167 / 1 ) و البيهقي ( 10 / 221 ) و ابن عساكر
( 19 / 79 / 2 ) و غيرهم من طرق عن هشام بن عمار به .
و له طريق أخرى عن عبد الرحمن بن يزيد ، فقال أبو داود ( 4039 ) :

حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به .
و رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن بشر به .
قلت : و هذا إسناد صحيح و متابعة قوية لهشام بن عمار و صدقة بن خالد ، و لم يقف
على ذلك ابن حزم في " المحلى " ، و لا في رسالته في إباحة الملاهي ، فأعل إسناد
البخاري بالانقطاع بينه و بين هشام ، و بغير ذلك من العلل الواهية ، التي بينها
العلماء من بعده و ردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ، مثل المحقق ابن القيم في
" تهذيب السنن " ( 5 / 270 - 272 ) و الحافظ ابن حجر في " الفتح " و غيرهما ،
و قد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ،
يسر الله تبيضه و نشره .
و ابن حزم رحمه الله مع علمه و فضله و عقله ، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع
على الأحاديث و طرقها و رواتها . و من الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث .
و قوله في الإمام الترمذي صاحب السنن : " مجهول " و ذلك مما حمل العلامة محمد
بن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - على أن يقول في ترجمته في " مختصر طبقات
علماء الحديث " ( ص 401 ) :
" و هو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث و تضعيفه ، و على أحوال الرواة "
.
قلت : فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبيت من صحته و عدم
شذوذه ، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرد به ، و علم الكلام الذي يخالف
السلف فيه ، فقد قال ابن عبد الهادي بعد أن وصفه " بقوة الذكاء و كثرة
الاطلاع " :
" و لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد ، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا
القليل ، كالخالق ، و الحق ، و سائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا ،
كالرحيم و العليم و القدير ، و نحوها ، بل العلم عنده هو القدرة ، و القدرة هي
العلم ، و هما عين الذات ، و لا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجردة أصلا
و هذا عين السفسطة و المكابرة . و قد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق و الفلسفة
، و أمعن في ذلك ، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة " .
غريب الحديث :
------------
( الحر ) الفرج ، و المراد : الزنا .
( المعازف ) جمع معزفة و هي آلات الملاهي كما في " الفتح " .
( علم ) هو الجبل العالي .
( يروح عليهم ) بحذف الفاعل و هو الراعي بقرينة المقام ، إذ السارحة لابد لها
من حافظ .
( بسارحة ) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها ، و تروح أي ترجع بالعشي
إلى مألفها .
( يأتيهم لحاجة ) بيانه في رواية الإسماعيلي في " مستخرجه على الصحيح " :
" يأتيهم طالب حاجة " .
( فيبيتهم الله ) أي يهلكهم ليلا .
( و يضع العلم ) أي يوقعه عليهم .
فقه الأحاديث :
-------------

يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها :
أولا : تحريم الخمر ، و هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين و الحمد لله ، غير أن
طائفة منهم - و فيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة
! و أما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة ، مثل ( السكر ) و هو نقيع التمر إذا
غلى بغير طبخ ، و ( الجعة ) و هو نبيذ الشعير ، و ( السكركة ) و هو خمر الحبشة
من الذرة ، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه ، و أما القليل منه
فحلال ! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم .
و هذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر ، كقول عمر رضي الله
عنه : " نزل تحريم الخمر يوم نزل و هي من خمسة أشياء من العنب و التمر و العسل
و الحنطة و الشعير . و الخمر ما خامر العقل " و كقوله صلى الله عليه وسلم :
" كل مسكر خمر ، و كل خمر حرام " و قوله : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .
أقول : هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص و غيرها ، فهو مخالف للقياس الصحيح
و النظر الرجيح ، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر
كثيره ، و بين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر ؟ ! و هل حرم
القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر ، فكيف يحلل هذا و يحرم ذاك و العلة
واحدة ؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل
العلم لولا صحة ذلك عنهم ، و أعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه
من أهل القياس و الرأي ! ! قال ابن القيم في " تهذيب السنن " ( 5 / 263 ) بعد
أن ساق بعض النصوص المذكورة :
" فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في
اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن و خوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في
إثبات تسميتها خمرا بالقياس ، مع كثرة النزاع فيه . فإذ قد ثبت تسميتها خمرا
نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا . فهذه طريقة
منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم ، و القياس في الحكم . ثم إن محض
القياس الجلي يقتضي التسوية بينها ، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه ،
و إن لم يسكر ، و هذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه ، و قليله
يدعو إلى كثيره . و هذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة ، فالتفريق بينها
في ذلك تفريق بين المتماثلات و هو باطل ، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس
لكان كافيا في التحريم ، فكيف و فيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في
سندها ، و لا اشتباه في معناها ، بل هي صحيحة . و بالله التوفيق " .
و أيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي ، لأنه لا
يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة ( الكحول ) في
الشراب ، فرب شراب قليل ، كمية الكحول فيه كثيرة و هو يسكر ، و رب شراب أكثر
منه كمية ، الكحول فيه أقل لا يسكر و كما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين
و صحتهم ، كما هو ظاهر بين ، و حكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب
و هي التي تقول : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ، " و من حام حول الحمى يوشك
أن يقع فيه " .
و اعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة و القياس الصحيح معا في بعض
المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه ، الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة
عقله و تفكيره و عقيدته لغير معصوم ، مهما كان شأنه في العلم و التقوى و الصلاح
بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب و السنة إن كان أهلا لذلك ، و إلا سأل
المتأهلين لذلك ، و الله تعالى يقول : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )
.
و بالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم
فهو مأجور على خطئه ، للحديث المعروف ، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه ، و أما من
وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا ، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم ،
و أعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - و لا شك - على ضلال مبين ، و هو داخل
في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها و لا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه
مثل الطلاء ، و النبيذ ، أو ( الويسكى ) أو ( الكونياك ) و غير ذلك من الأسماء
التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة .
و صدق الله العظيم إذ يقول : ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آبائكم ما أنزل
الله بها من سلطان ) .
ثانيا : تحريم آلات العزف و الطرب ، و دلالة الحديث على ذلك من وجوه :
أ - قوله : " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات و منها المعازف هي في الشرع
محرمة ، فيستحلها أولئك القوم .
ب - قرن ( المعازف ) مع المقطوع حرمته : الزنا و الخمر ، و لو لم تكن محرمة ما
قرنها معها إن شاء الله تعالى .
و قد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت
معروفة يومئذ ، كالطبل و القنين و هو العود و غيرها ، و لم يأت ما يخالف ذلك
أو يخصه ، اللهم إلا الدف في النكاح و العيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في
الفقه ، و قد ذكرته في ردي على ابن حزم . و لذلك اتفقت المذاهب الأربعة على
تحريم آلات الطرب كلها ، و استثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في
الحرب ، و ألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية ، و لا وجه لذلك ألبتة
لأمور :
الأول : أنه تخصيص لأحاديث التحريم ، بدون مخصص ، سوى مجرد الرأي و الاستحسان ،
و هو باطل .
الثاني : أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم ،
و أن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم ، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم ، و أربط لقلوبهم
فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم ، و يصرفهم عن ذكر ربهم ، قال تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، و اذكروا الله كثيرا لعلكم
تفلحون ) .
الثالث : أن استعمالها من عادة الكفار ( الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم
الآخر ، و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله ، و لا يدينون دين الحق ) فلا يجوز
لنا أن نتشبه بهم ، لا سيما فيما حرمه الله تبارك و تعالى علينا تحريما عاما
كالموسيقى .
و لا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة
من القول بإباحة آلات الطرب و الموسيقى ، فإنهم - و الله - عن تقليد يفتون ،
و لهوى الناس اليوم ينصرون ، و من يقلدون ؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ
فأباح آلات الطرب و الملاهي ، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده ، و قد
عرفت أنه صحيح قطعا ، و أن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق
بيانه ، و ليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة ، مع أنهم
أفقه منه و أعلم و أكثر عددا و أقوى حجة ؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو
التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل ، و معنى التحقيق العلمي كما لا يخفى
أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب و يدرسوا طرقها و رجالها ، ثم
يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف ، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من
ناحية دلالتها و فقهها و عامها و خاصها ، و ذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم
أصول الحديث و أصول الفقه ، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم و لكانوا
مأجورين ، و لكنهم - و الله - لا يصنعون شيئا من ذلك ، و لكنهم إذا عرضت لهم
مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها ، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى
تحقيق المصلحة زعموا . دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب و السنة ،
و كم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية ، يبرأ
الإسلام منها . فإلى الله المشتكى .
فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك ، و سنة نبيك ، و لا تقل :
قال فلان ، فإن الحق لا يعرف بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف الرجال ، و رحمة الله
على من قال :
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول و بين رأي فقيه
كلا و لا جحد الصفات و نفيها حذرا من التمثيل و التشبيه

ثالثا : أن الله عز و جل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية ، فيمسخهم
فيقلب صورهم ، و بالتالي عقولهم إلى بهيمة ..
قال الحافظ في " الفتح " ( 10 / 49 ) في صدد كلامه على المسخ المذكور في
الحديث :
" قال ابن العربي : يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة ، و يحتمل أن يكون
كناية عن تبدل أخلاقهم . قلت : و الأول أليق بالسياق " .
أقول : و لا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين .
و الله أعلم .
و قد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة و خنازير لم
يكن مسخا حقيقيا بدنيا ، و إنما كان مسخا خلقيا ! و هذا خلاف ظاهر الآيات
و الأحاديث الواردة فيهم ، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا
الاستبعاد العقلي ، المشعر بضعف الإيمان بالغيب . نسأل الله السلامة .
رابعا : ثم قال الحافظ :
" و في هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه ، و أن
الحكم يدور مع العلة ، و العلة في تحريم الخمر الإسكار ، فمهما وجد الإسكار ،
وجد التحريم ، و لو لم يستمر الاسم ، قال ابن العربي : هو أصل في أن الأحكام
إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها ، ردا على من حمله على اللفظ " !


92 - " ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة . يعني الشمس "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 147 :
رواه أبو جعفر البختري في " حديث أبي الفضل أحمد بن ملاعب " ( 47 / 1 - 2 )
و ابن عساكر ( 11 / 363 / 1 ، 19 / 44 / 201 ) من طريق أبي يعلى و غيره
كلاهما عن يونس بن بكير أنبأنا طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة حدثني
عقيل بن أبي طالب قال :
" جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : أرأيت أحمد ؟ يؤذينا في نادينا ، و في
مسجدنا ، فانهه عن أذانا ، فقال : يا عقيل ، ائتني بمحمد ، فذهبت فأتيته به ،
فقال : يا ابن أخي إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ، و في مسجدهم ،
فانته عن ذلك ، قال : فلحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره ( و في رواية :
فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره ) إلى السماء فقال : فذكره .
قال : فقال أبو طالب : ما كذب ابن أخي . فارجعوا " .
قلت : و هذا إسناد حسن رجاله كلهم رجال مسلم و في يونس به بكير و طلحة ابن يحيى
كلام لا يضر .
و أما حديث : " يا عم و الله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على
أن أترك هذا الأمر حتى يظهره أو أهلك فيه ما تركته " .
فليس له إسناد ثابت و لذلك أوردته في " الأحاديث الضعيفة " ( 913 ) .


93 - " تكون إبل للشياطين و بيوت للشياطين ، فأما إبل الشياطين ، فقد رأيتها يخرج
أحدكم بجنيبات معه قد أسمنها فلا يعلو بعيرا منها و يمر بأخيه قد انقطع به فلا
يحمله . و أما بيوت الشياطين فلم أرها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 148 :
رواه أبو داود في " الجهاد " رقم ( 2568 ) من طريق ابن أبي فديك :
حدثني عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال : قال أبو هريرة
.. فذكره مرفوعا به و زاد .
" و كان سعيد يقول : " لا أراها إلا هذه الأقفاص التي تستر الناس بالديباج " .
قلت : و هذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، غير عبد الله ابن أبي
يحيى و هو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي الملقب بـ " سحبل " و هو ثقة ،
و ابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل ، و فيه كلام يسير .
و الظاهر أنه عليه الصلاة و السلام عني بـ " بيوت الشياطين " هذه السيارات
الفخمة التي يركبها بعض الناس مفاخرة و مباهاة ، و إذا مروا ببعض المحتاجين إلى
الركوب لم يركبوهم ، و يرون أن إركابهم يتنافى مع كبريائهم و غطرستهم ؟
فالحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم .


94 - " من حلف بالأمانة فليس منا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 149 :
رواه أبو داود ( 3253 ) : حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة
الطائي عن ابن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قلت : و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات . و ابن بريدة اثنان : عبد الله
و سليمان ، و الأول أوثق و قد احتج به الشيخان .
و زهير هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي و هو ثقة احتج به الشيخان أيضا .
و مثله أحمد بن يونس و اسم أبيه عبد الله بن يونس .
و الوليد بن ثعلبة وثقه ابن معين و ابن حبان ، و قد أخرج حديثه هذا في
" صحيحه " ( 1318 ) .
قال الخطابي في " معالم السنن " ( 4 / 358 ) تعليقا على الحديث :
" هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله و صفاته ،
و ليست الأمانة من صفاته ، و إنما هي أمر من أمره ، و فرض من فروضه ، فنهوا عنه
لما في ذلك من التسوية بينها و بين أسماء الله عز و جل و صفاته " .


95 - " انظر إليها ، فإن في أعين الأنصار شيئا . يعني الصغر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 149 :
أخرجه مسلم في " صحيحه " ( 4 / 142 ) و سعيد بن منصور في " سننه " ( 523 )
و كذا النسائي ( 2 / 73 ) و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 8 ) و الدارقطني
( 396 ) و البيهقي ( 7 / 84 ) عن أبي حازم عن أبي هريرة :
" أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من نساء الأنصار ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " .
قلت : فذكره . و السياق للطحاوي ، و لفظ مسلم و البيهقي :
" كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل ، فأخبره أنه تزوج امرأة من
الأنصار ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنظرت إليها ؟ قال : لا ،
قال : فانظر ... " الحديث .
و قد جاء تعليل هذا الأمر في حديث صحيح و هو :
" انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " .


96 - " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 150 :
أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " ( 515 - 518 ) و كذا النسائي ( 2 / 73 )
و الترمذي ( 1 / 202 ) و الدارمي ( 2 / 134 ) و ابن ماجه ( 1866 ) و الطحاوي
( 2 / 8 ) و ابن الجارود في " المنتقى " ( ص 313 ) و الدارقطني ( ص 395 )
و البيهقي ( 7 / 84 ) و أحمد ( 4 / 144 - 245 / 246 ) و ابن عساكر ( 17 / 44
/ 2 ) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة .
أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و زاد أحمد و البيهقي . " فأتيتها و عندها أبواها و هي في خدرها ، قال : فقلت :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر إليها ، قال : فسكتا ، قال :
فرفعت الجارية جانب الخدر فقالت : أحرج عليك إن كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمرك أن تنظر ، لما نظرت ، و إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يأمرك أن تنظر ، فلا تنظر . قال : فنظرت إليها ، ثم تزوجتها ، فما وقعت عندي
امرأة بمنزلتها ، و لقد تزوجت سبعين ، أو بضعا و سبعين امرأة " .
و قال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : و رجاله كلهم ثقات إلا أن يحيى بن معين قال : " لم يسمع بكر من المغيرة "
.
قلت : لكن قال الحافظ في " التلخيص ( ص 291 ) بعد أن عزاه إلى ابن حبان و بعض
من ذكرنا : " و ذكره الدارقطني في " العلل " و ذكر الخلاف فيه ، و أثبت سماع
بكر بن عبد الله المزني من المغيرة " .
قلت : و لعله لذلك قال البوصيري في " الزوائد " ( ص 118 ) :
" إسناد صحيح رجاله ثقات " .
قلت : و على فرض أنه لم يسمع منه ، فلعل الواسطة بينهما أنس بن مالك رضي الله
عنه ، فقد سمع منه بكر المزني و أكثر عنه ، و هو قد رواه عن المغيرة رضي الله
عنهما .
أخرجه عبد الرزاق في " الأمالي " ( 2 / 46 / 1 - 2 ) و ابن ماجه ( 1865 )
و أبو يعلى في " مسنده " ( ق 170 / 1 ) و ابن حبان ( 1236 ) و ابن الجارود
و الدارقطني و الحاكم ( 2 / 165 ) و الضياء في " المختارة " ( ق 88 / 2 )
و البيهقي كلهم من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن أنس قال :
" أراد المغيرة أن يتزوج ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ... " فذكره
و زاد قال : ففعل ذلك ، فتزوجها ، فذكر من موافقتها " .
و قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي ، و قال البوصيري في " الزوائد "
( 118 / 1 ) .
" هذا إسناد صحيح و رجاله ثقات و رواه ابن حبان في " صحيحه " و عبد بن حميد في
" مسنده " عن عبد الرزاق به " .
قلت : لكن أعله الدارقطني بقوله : " الصواب عن ثابت عن بكر المزني " .
ثم ساق من طريق ابن مخلد الجرجاني أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن
بكر المزني أن المغيرة بن شعبة قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم نحوه " .
قلت : و كذا رواه ابن ماجه : حدثنا الحسن بن أبي الربيع أنبأنا عبد الرزاق به .
و لكن الرواة الذين رووه عن عبد الرزاق بإسناده عن ثابت عن أنس ، أكثر ، فهو
أرجح ، إلا أن يكون الخطأ من عبد الرزاق أو شيخه معمر ، و الله أعلم .
( يؤدم ) أي تدوم المودة .
قلت : و يجوز النظر إليها و لو لم تعلم أو تشعر به ، لقوله صلى الله عليه
وسلم : " إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر
إليها لخطبته ، و إن كانت لا تعلم " .


97 - " إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها
لخطبته ، و إن كانت لا تعلم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 152 :
أخرجه الطحاوي و أحمد ( 5 / 424 ) عن زهير بن معاوية قال : حدثنا عبد الله
ابن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبي حميد - و كان قد رأى النبي
صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .

قلت : و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم .
و قد رواه الطبراني أيضا في " الأوسط " و " الكبير " كما في " المجمع "
( 4 / 276 ) و قال : " و رجال أحمد رجال الصحيح " .
و سكت عليه الحافظ في " التلخيص " .
و قد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة و هو محمد بن مسلمة الأنصاري ، فقال سهل
ابن أبي حثمة :
" رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردا شديدا ،
فقلت : أتفعل هذا و أنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال : إني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إذا ألقي في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها " .


98 - " إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 153 :
رواه سعيد بن منصور في " سننه " ( 519 ) و كذا ابن ماجه ( 1864 ) و الطحاوي
( 2 / 8 ) و البيهقي و الطيالسي ( 1186 ) و أحمد ( 4 / 225 ) عن حجاج ابن أرطاة
عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة عن عمه سليمان ابن أبي حثمة .
قلت : و هذا إسناد ضعيف من أجل الحجاج فإنه مدلس و قد عنعنه .

و قال البيهقي :
" إسناده مختلف ، و مداره على الحجاج بن أرطاة ، و فيما مضى كفاية " .
و تعقبه الحافظ البوصيري فقال في " الزوائد " ( 117 / 2 ) :
" قلت : لم ينفرد به الحجاج بن أرطاة ، فقد رواه ابن حبان في " صحيحه "
عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي حازم ، عن سهل بن أبي حثمة عن عمه سليمان
ابن أبي حثمة قال : رأيت محمد بن سلمة فذكره " .
قلت : كذا وجدته بخطي نقلا عن " الزوائد " ، فلعله سقط مني أو من ناسخ الأصل
شيء من سنده - و ذاك ما استبعده - فإنه منقطع بين أبي خيثمة و أبي حازم ، فإن
أبا خيثمة و اسمه زهير بن حرب توفي سنة ( 274 ) ، و أما أبو حازم فهو إما سلمان
الأشجعي و إما سلمة بن دينار الأعرج و هو الأرجح و كلاهما تابعي ، و الثاني
متأخر الوفاة ، مات سنة ( 140 ) .
ثم رأيت الحديث في " زوائد ابن حبان " ( 1225 ) مثلما نقلته عن البوصيري :
إلا أنه وقع فيه " أبو خازم " بالخاء المعجمة - عن " سهل بن محمد ابن أبي
حثمة " مكان " سهيل بن أبي حثمة " و سهل بن محمد بن أبي حثمة لم أجد له ترجمة
و لعله في " ثقات ابن حبان " فليراجع .
لكن للحديث طريقان آخران :
الأولى : عن إبراهيم بن صرمة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن سليمان بن
أبي حثمة به .
أخرجه الحاكم ( 3 / 434 ) و قال :
" حديث غريب ، و إبراهيم بن صرمة ليس من شرط هذا الكتاب " .
قال الذهبي في " تلخيصه " :
" قلت : ضعفه الدارقطني ، و قال أبو حاتم : شيخ " .
الثانية : عن رجل من أهل البصرة عن محمد بن سلمة مرفوعا به .
أخرجه أحمد ( 4 / 226 ) : حدثنا وكيع عن ثور عنه .
قلت : و رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم .
و بالجملة فالحديث قوي بهذه الطرق ، و الله أعلم .
و قد ورد عن جابر مثل ما ذكرنا عن بن مسلمة كما يأتي .
و ما ترجمنا به للحديث قال به أكثر العلماء ، ففي " فتح الباري " ( 9 / 157 ) :
" و قال الجمهور : يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها ، و عن مالك
رواية : يشترط إذنها ، و نقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة
قبل العقد بحال ، لأنها حينئذ أجنبية ، و رد عليهم بالأحاديث المذكورة " .
فائدة :
------
روى عبد الرزاق في " الأمالي " ( 2 / 46 / 1 ) بسند صحيح عن ابن طاووس قال :
أردت أن أتزوج امرأة ، فقال لي أبي : اذهب فانظر إليها ، فذهبت فغسلت رأسي
و ترجلت و لبست من صالح ثيابي ، فلما رآني في تلك الهيئة قال : لا تذهب !

قلت : و يجوز له أن ينظر منها إلى أكثر من الوجه و الكفين لإطلاق الأحاديث
المتقدمة و لقوله صلي الله عليه وسلم :
" إذا خطب أحدكم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل "
.


99 - " إذا خطب أحدكم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 155 :
أخرجه أبو داود ( 2082 ) و الطحاوي و الحاكم و البيهقي و أحمد ( 3 / 334 ،
360 ) ، عن محمد بن إسحاق عن داود بن حصين عن واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن
معاذ عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قال :
" فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها و تزوجها " .
و السياق لأبي داود ، و قال الحاكم :
" هذا حديث صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة ، ثم هو مدلس و قد عنعنه ، لكن قد
صرح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد ، فإسناده حسن ، و كذا قال الحافظ في
" الفتح " ( 9 / 156 ) ، و قال في " التلخيص " :
" و أعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن ، و قال : المعروف واقد بن عمرو " .
قلت : رواية الحاكم فيها عن واقد بن عمرو و كذا هو عند الشافعي و عبد الرزاق "
.
أقول : و كذلك هو عند جميع من ذكرنا غير أبي داود و أحمد في روايته الأخرى
فقالا : " واقد بن عبد الرحمن " ، و قد تفرد به عبد الواحد بن زياد خلافا لمن
قال : " واقد بن عمرو " و هم أكثر ، و روايتهم أولى ، و واقد بن عمرو ثقة من
رجال مسلم ، أما واقد بن عبد الرحمن فمجهول . و الله أعلم .

فقه الحديث :
-----------
و الحديث ظاهر الدلالة لما ترجمنا له ، و أيده عمل راويه به ، و هو الصحابي
الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، و قد صنع مثله محمد بن مسلمة كما
ذكرناه في الحديث الذي قبله ، و كفى بهما حجة ، و لا يضرنا بعد ذلك ، مذهب من
قيد الحديث بالنظر إلى الوجه و الكفين فقط ، لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيد ،
و تعطيل لفهم الصحابة بدون حجة ، لاسيما و قد تأيد بفعل الخليفة الراشد عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ، فقال الحافظ في " التلخيص " ( ص 291 - 292 ) :
( فائدة ) :
----------
روى عبد الرزاق و سعيد بن منصور في " سننه " ( 520 - 521 ) و ابن أبي عمر
و سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحنفية :
أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم ، فذكر له صغرها ، ( فقيل له : إن ردك ،
فعاوده ) ، فقال ( له علي ) : أبعث بها إليك ، فإن رضيت فهي امرأتك ، فأرسل بها
إليه ، فكشف عن ساقيها ، فقالت : لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك . و هذا
يشكل على من قال : إنه لا ينظر غير الوجه و الكفين " .
و هذا القول الذي أشار الحافظ إلى استشكاله هو مذهب الحنفية و الشافعية .
قال ابن القيم في " تهذيب السنن " ( 3 / 25 - 26 ) :
" و قال داود : ينظر إلى سائر جسدها . و عن أحمد ثلاث روايات :
إحداهن : ينظر إلى وجهها و يديها .
و الثانية : ينظر ما يظهر غالبا كالرقبة و الساقين و نحوهما .
و الثالثة : ينظر إليها كلها عورة و غيرها ، فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر
إليها متجردة ! "
قلت : و الرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث ، و تطبيق الصحابة له
و الله أعلم .
و قال ابن قدامة في " المغني " ( 7 / 454 ) :
" و وجه جواز النظر ( إلى ) ما يظهر غالبا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن
في النظر إليها من غير علمها ، علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة ،
إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ، و لأنه يظهر
غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه ، و لأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر
الشارع ، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم " .
ثم وقفت على كتاب " ردود على أباطيل " لفضيلة الشيخ محمد الحامد ، فإذا به يقول
( ص 43 ) :
" فالقول بجواز النظر إلى غير الوجه و الكفين من المخطوبة باطل لا يقبل " .
و هذه جرأة بالغة من مثله ما كنت أترقب صدورها منه ، إذ أن المسألة خلافية كما
سبق بيانه ، و لا يجوز الجزم ببطلان القول المخالف لمذهبه إلا بالإجابة عن حجته
و دليله كهذه الأحاديث ، و هو لم يصنع شيئا من ذلك ، بل إنه لم يشر إلى
الأحاديث أدنى إشارة ، فأوهم القراء أن لا دليل لهذا القول أصلا ، و الواقع
خلافه كما ترى ، فإن هذه الأحاديث بإطلاقها تدل على خلاف ما قال فضيلته ، كيف
لا و هو مخالف لخصوص قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( 99 ) : " ما يدعوه
إلى نكاحها " ، فإن كل ذي فقه يعلم أنه ليس المراد منه الوجه و الكفان فقط ،
و مثله في الدلالة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ( 97 ) : " و إن كانت لا
تعلم " .
و تأيد ذلك بعمل الصحابة رضي الله عنهم ، عمله مع سنته صلى الله عليه وسلم ،
و منهم محمد ابن مسلمة و جابر بن عبد الله ، فإن كلا منهما تخبأ لخطيبته ليرى
منها ما يدعوه إلى نكاحها ، أفيظن بهما عاقل أنهما تخبآ للنظر إلى الوجه
و الكفين فقط ! و مثل عمر بن الخطاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت علي رضي
الله عنهم . فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر
إلى أكثر من الوجه و الكفين ، و لا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم ، فلا أدري
كيف استجاز مخالفتهم مع هذه الأحاديث الصحيحة ؟ ! و عهدى بأمثال الشيخ أن
يقيموا القيامة على من خالف أحدا من الصحابة اتباعا للسنة الصحيحة ، و لو كانت
الرواية عنه لا تثبت كما فعلوا في عدد ركعات التراويح ! و من عجيب أمر الشيخ
عفا الله عنا و عنه أنه قال في آخر البحث : " قال الله تعالى : فإن تنازعتم في
شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير
و أحسن تأويلا " . ! فندعو أنفسنا و إياه إلى تحقيق هذه الآية و رد هذه المسألة
إلى السنة بعد ما تبينت . و الله المستعان و لا حول و لا قوة إلا بالله .
هذا و مع صحة الأحاديث في هذه المسألة ، و قول جماهير العلماء بها - على خلاف
السابق - فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها ، فإنهم
لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - و لو في حدود القول الضيق .
تورعا منهم ، زعموا ، و من عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج
إلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي ! ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها ، و بين
أهلها بثياب الشارع !
و في مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم . تقليدا
منهم لأسيادهم الأوربيين ، فيسمحون للمصور أن يصورهن و هن سافرات سفورا غير
مشروع ، و المصور رجل أجنبي عنهن ، و قد يكون كافرا ، ثم يقدمن صورهن إلى بعض
الشبان ، بزعم أنهم يريدون خطبتهن ، ثم ينتهي الأمر على غير خطبة ، و تظل صور
بناتهم معهم ، ليتغزلوا بها ، و ليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها ! .
ألا فتعسا للآباء الذين لا يغارون . و إنا لله و إنا إليه راجعون .


100 - " يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك و لا يلحقك من خلفك إلا من أخذ
بمثل عملك ؟ تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين ، و تحمده ثلاثا و ثلاثين
و تسبحه ثلاثا و ثلاثين و تختمها بـ ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له
الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 159 :
رواه أبو داود ( 1504 ) : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا الوليد بن مسلم
حدثنا الأوزاعي ، حدثني حسان بن عطية قال : حدثني محمد بن أبي عائشة قال :
حدثني أبو هريرة قال :
" قال أبو ذر : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالأجور ، يصلون كما نصلي ،
و يصومون كما نصوم ، و لهم فضول أموال يتصدقون بها ، و ليس لنا مال نتصدق به ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره ، و زاد في آخره :
" غفرت له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر " .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ، و لكني في شك من صحة هذه
الزيادة في الحديث بهذا الإسناد ، فقد أخرجه أحمد ( 2 / 238 ) بهذا الإسناد :
حدثنا الوليد به ، دونها . و كذلك أخرجه الدارمي من طريق أخرى فقال ( 1 / 312 )
: " أخبرنا الحكم بن موسى ، حدثنا هقل عن الأوزاعي به ، دونها " .
و من الظاهر أنها غير منسجمة مع سياق الحديث ، و قد جاءت هذه الزيادة في حديث
آخر لأبي هريرة ، فأخشى أن يكون اختلط على بعض الرواة أحد الحديثين بالآخر
فدمجهما في سياق واحد ! و لفظ الحديث المشار إليه يأتي في أول الجزء التالي إن
شاء الله .
و سبحانك اللهم و بحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك .


101 - " من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر
الله ثلاثا و ثلاثين ، فتلك تسع و تسعون ، ثم قال تمام المائة : لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير ، غفرت له
خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 161 :
أخرجه مسلم ( 2 / 98 ) و أبو عوانة ( 2 / 247 ) و البيهقي ( 2 / 187 ) و أحمد
( 2 / 373 ، 383 ) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي عبيد المذحجي عن عطاء
ابن يزيد الليثي عن أبي هريرة مرفوعا .
و قد جاء هذا العدد في حديث آخر ، لكنه جعل بدل التهليلة تكبيرة أخرى مع الثلاث
و الثلاثين ، و يأتي عقب هذا إن شاء الله تعالى .
( فائدة ) أخرج النسائي ( 1 / 198 ) و الحاكم ( 1 / 253 ) عن زيد ابن ثابت
قال :
" أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين ، و يحمدوا ثلاثا و ثلاثين ،
و يكبروا أربعا و ثلاثين ، فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له : أمركم رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين ، و تحمدوا
ثلاثا و ثلاثين ، و تكبروا أربعا و ثلاثين ؟ قال : نعم ، قال : فاجعلوها خمسا
و عشرين ، و اجعلوا فيها التهليل ( يعني خمسا و عشرين ) ، فلما أصبح أتى النبي
صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، قال : اجعلوها كذلك " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و له شاهد من حديث ابن عمر نحوه . أخرجه النسائي بسند صحيح .


102 - " معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة : ثلاث و ثلاثون تسبيحة
و ثلاث و ثلاثون تحميدة و أربع و ثلاثون تكبيرة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 162 :
رواه مسلم ( 2 / 98 ) و أبو عوانة ( 2 / 247 ، 248 ) و النسائي ( 1 / 198 )
و الترمذي ( 2 / 249 ) و البيهقي ( 2 / 187 ) و الطيالسي ( 1060 ) من طرق عن
الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة مرفوعا .
( معقبات ) أي كلمات تقال عقب الصلاة ، و المعقب ما جاء عقب قبله .
قلت : و الحديث نص على أن هذا الذكر إنما يقال عقب الفريضة مباشرة ، و مثله ما
قبله من الأوراد و غيرها ، سواء كانت الفريضة لها سنة بعدية أو لا ، و من قال
من المذاهب بجعل ذلك عقب السنة فهو مع كونه لا نص لديه بذلك ، فإنه مخالف لهذا
الحديث و أمثاله مما هو نص في المسألة .
و الله ولي التوفيق .


103 - " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصحابه ، و خير الجيران عند الله خيرهم لجاره " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 162 :
رواه الترمذي ( 1 / 353 ) و الدارمي ( 2 / 215 ) و الحاكم ( 4 / 164 )
و أحمد ( 2 / 168 ) و ابن بشران في " الأمالي " ( 143 / 1 ) عن حيوة
و ابن لهيعة قالا : حدثنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي
يحدث عن عبد الله بن عمرو به مرفوعا .
هكذا أخرجوه جميعا عنهما إلا أن الترمذي لم يذكر ابن لهيعة ، و كذا الحاكم إلا
أنه خالف في إسناده فقال :
" ... حيوة بن شريح حدثني شرحبيل بن مسلم عن عبد الله بن عمرو " .
فجعل شرحبيل بن مسلم بدل شرحبيل بن شريك ، و أسقط من السند أبا عبد الرحمن
الحبلي ، و ذلك من أوهامه رحمه الله ، ثم وهم وهما آخر فقال :
" حديث صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي !

قلت : و ابن مسلم لم يخرج له الشيخان ، و أما ابن شريك فاحتج به مسلم وحده ،
و كلاهما ثقة . و قال ابن بشران عقب الحديث :
" حديث صحيح ، و إسناده كلهم ثقات " .
و هو كما قال ، و قال الترمذي : " حديث حسن غريب " .


104 - " إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم
فقال الرب تبارك و تعالى : وعزتي وجلالي : لا أزال أغفر لهم ما استغفروني "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 163 :
رواه الحاكم ( 4 / 261 ) و البيهقي في " الأسماء " ( ص 134 ) من طريق عمرو
ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : فذكره ، و قال :
" صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي و ذلك من أوهامه ، فإن دراجا عنده واه كما
يأتي .
و رواه ابن لهيعة عن دراج به و زاد : " و ارتفاع مكاني " .
أخرجه البغوي في " شرح السنة " ( 1 / 146 ) ، و أحمد ( 3 / 29 ) بدونها
و أوردها الذهبي في " العلو " ( ص 116 ) من هذا الوجه و لم يعزه لأحد و قال :
" دراج واه " .
قلت : و علة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة و هي من تخاليطه لا من دراج ، فقد
رواه عنه عمرو بن الحارث بدونها كما رأيت .
و قد توبع على الحديث ، فأخرجه الإمام أحمد ( 3 / 29 / 41 ) من طريق ليث عن
يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ :
" إن إبليس قال لربه : بعزتك و جلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح
فيهم فقال الله : فبعزتي و جلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني " .
قلت : هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين عمرو - و هو ابن
أبي عمر مولى المطلب - و بين أبي سعيد الخدري ، فإنهم ، لم يذكروا لعمرو رواية
عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك ، و هو متأخر الوفاة جدا عن أبي سعيد ، فإن
هذا كانت وفاته سنة ( 75 ) على أكثر ما قيل ، و هو توفي سنة ( 92 ) و قيل
( 93 ) .
و الحديث أورده الهيثمي في " المجمع " ( 10 / 207 ) بلفظ أحمد و قال :
" رواه أحمد و أبو يعلى بسنده ، و قال : لا أبرح أغوي عبادك ، و الطبراني في
الأوسط ، و أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح ، و كذلك أحد إسنادي أبي يعلى "
.
و كأنه قد خفي عليه الانقطاع الذي ذكرت ، أقول هذا مع العلم أن قول المحدث في
حديث ما " رجاله رجال الصحيح " أو " رجاله ثقات " و نحو ذلك لا يفيد تصحيح
إسناده ، خلافا لما يظن البعض ، و قد نص على ما ذكرنا الحافظ ابن حجر فقال في
" التلخيص " ( ص 239 ) بعد أن ساق حديثا آخر :
" و لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا ، لأن الأعمش مدلس و لم يذكر
سماعه " .


105 - " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقال : يا محمد أقرئ أمتك مني السلام و أخبرهم
أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء و أنها قيعان ، غراسها سبحان الله و الحمد لله
و لا إله إلا الله و الله أكبر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 165 :
أخرجه الترمذي ( 2 / 258 - بولاق ) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم
ابن عبد الرحمن عن ابن مسعود مرفوعا ، و قال :
" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود " .
قلت : و عبد الرحمن بن إسحاق هذا ضعيف اتفاقا ، لكن يقويه أن له شاهدين من حديث
أبي أيوب الأنصاري ، و من حديث عبد الله بن عمر .
أما حديث أبي أيوب ، فهو من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن
سالم بن عبد الله : أخبرني أبو أيوب الأنصاري :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على إبراهيم فقال : من معك
يا جبريل ؟ قال : هذا محمد ، فقال له إبراهيم : مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة
فإن تربتها طهور ، و أرضها واسعة قال : و ما غراس الجنة ؟ قال : لا حول و لا
قوة إلا بالله " .
أخرجه أحمد ( 5 / 418 ) و أبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( 6 / 65 / 1 )
و الطبراني كما في " المجمع " ( 10 / 97 ) و قال : " و رجال أحمد رجال الصحيح
غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب و هو ثقة لم يتكلم
فيه أحد ، و وثقه ابن حبان " .
قلت : و بناء على توثيق ابن حبان إياه أخرج حديثه هذا في " صحيحه " كما في
" الترغيب " ( 2 / 265 ) و عزاه لابن أبي الدنيا أيضا مع أحمد و قال :
" إسناده حسن " .
قلت : و في ذلك نظر عندي لما قررناه مرارا أن توثيق ابن حبان فيه لين ، لكن
الحديث لا بأس به بما قبله .
و أما حديث ابن عمر ، فأخرجه ابن أبي الدنيا في الذكر و الطبراني بلفظ :
" أكثروا من غراس الجنة ، فإنه عذب ماؤها طيب ترابها ، فأكثروا من غراسها ،
قالوا : يا رسول الله و ما غراسها ؟ قال ما شاء الله ، لا حول و لا قوة إلا
بالله " .
هكذا أورده في " الترغيب " و سكت عليه ، و أورده الهيثمي من رواية الطبراني
وحده دون قوله " ما شاء الله " و قال ( 10 / 98 ) :
" و فيه عقبة بن علي و هو ضعيف " .
( قيعان ) جمع " قاع " و هو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء
السماء ، فيمسكه ، و يستوي نباته . نهاية .


106 - " يا معشر المهاجرين ! خمس إذا ابتليتم بهن و أعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر
الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن
مضت في أسلافهم الذين مضوا و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين
و شدة المؤنة و جور السلطان عليهم و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر
من السماء و لولا البهائم لم يمطروا و لم ينقضوا عهد الله و عهد رسوله إلا سلط
الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم و ما لم تحكم أئمتهم بكتاب
الله و يتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 167 :
رواه ابن ماجه ( 4019 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 333 - 334 ) عن
ابن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ابن عمر قال :
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : فذكره .
قلت : و هذا سند ضعيف من أجل ابن أبي مالك و اسمه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن
ابن أبي مالك و هو ضعيف مع كونه فقيها و قد اتهمه ابن معين كما في " التقريب "
.
و قال البوصيري في " الزوائد " .
" هذا حديث صالح للعمل به ، و قد اختلفوا في ابن أبي مالك و أبيه " .
قلت الأب لا بأس به ، و إنما العلة من ابنه ، و لذلك أشار الحافظ ابن حجر في
" بذل الماعون " لضعف الحديث بقوله ( ق 55 / 2 ) :
" إن ثبت الخبر " .
قلت : قد ثبت حتما فإنه جاء من طرق أخرى عن عطاء و غيره ، فرواه ابن أبي الدنيا
في " العقوبات " ( ق 62 / 2 ) من طريق نافع بن عبد الله عن فروة بن قيس المكي
عن عطاء بن أبي رباح به .
قلت : و هذا سند ضعيف ، نافع و فروة لا يعرفان كما في " الميزان " .
و رواه الحاكم ( 4 / 540 ) من طريق أبي معبد حفص بن غيلان عن عطاء بن أبي رباح
به و قال : " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي .
قلت : بل هو حسن الإسناد فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم ، لكن وثقه الجمهور ،
و قال الحافظ في " التقريب " :
" صدوق فقيه ، رمي بالقدر " .
و رواه الروياني في " مسنده " ( ق 247 / 1 ) عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن
عبد الله بن عمر مرفوعا .
و هذا سند ضعيف ، عطاء هذا هو ابن أبي مسلم الخراساني و هو صدوق لكنه مدلس
و قد عنعنه .
و ابنه عثمان ضعيف كما في " التقريب " .
فهذه الطرق كلها ضعيفة إلا طريق الحاكم فهو العمدة ، و هي إن لم تزده قوة فلا
توهنه .
( السنين ) جمع سنة أي جدب و قحط .
( يتخيروا ) أي يطلبوا الخير ، أي و ما لم يطلبوا الخير و السعادة مما
أنزل الله .
و لبعض الحديث شاهد من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعا بلفظ :
" ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم ، و ما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا
سلط الله عز و جل عليهم الموت ، و لا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر "
.


107 - " ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم ، و ما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا
سلط الله عز و جل عليهم الموت ، و لا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 169 :
رواه الحاكم ( 2 / 126 ) و البيهقي ( 3 / 346 ) من طريق بشير بن مهاجر عن
عبد الله بن بريدة عن أبيه .

و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " ، و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا ، غير أن بشيرا هذا قد تكلم فيه من قبل حفظه ، و في
" التقريب " أنه صدوق لين الحديث . و قد خولف في إسناده ، فقال البيهقي عقبه :
" كذا رواه بشير بن المهاجر " .
ثم ساق بإسناده من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريده عن ابن عباس قال :
" ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، و لا فشت الفاحشة في قوم إلا
أخذهم الله بالموت ، و ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين ، و ما منع
قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء ، و ما جار قوم في حكم إلا كان
البأس بينهم - أظنه قال - و القتل " .
قلت : و إسناده صحيح و هو موقوف في حكم المرفوع ، لأنه لا يقال من قبل الرأي
و قد أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " مرفوعا من طريق أخرى : عن إسحاق
ابن عبد الله بن كيسان المروزي : حدثنا أبي عن الضحاك بن مزاحم عن مجاهد
و طاووس عن ابن عباس .
قلت : و هذا إسناد ضعيف يستشهد به و قال المنذري في " الترغيب " ( 1 / 271 ) :
" و سنده قريب من الحسن ، و له شواهد " .
قلت : و يبدو لي أن للحديث أصلا عن بريدة فقد وجدت لبعضه طريقا أخرى رواه
الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 85 / 1 من الجمع بينه و بين الصغير ) و تمام في
" الفوائد " ( ق 148 - 149 ) عن مروان ابن محمد الطاطرى حدثنا سليمان بن موسى
أبو داود الكوفي عن فضيل بن مرزوق ( و في الفوائد فضيل بن غزوان ) عن عبد الله
بن بريدة عن أبيه مرفوعا بلفظ :
" ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين " .
و قال الطبراني :
" لم يروه إلا سليمان تفرد به مروان " .
قلت : مروان ثقة ، و سليمان بن موسى أبو داود الكوفي صويلح كما قال الذهبي ،
و فضيل إن كان ابن مرزوق ففيه ضعف ، و إن كان ابن غزوان فهو ثقة احتج به
الشيخان ، فإن كان هو راوي الحديث فهو حسن إن شاء الله تعالى .
و قد قال المنذري ( 1 / 270 ) بعد ما عزاه للطبراني :
" و رواته ثقات " .
و بالجملة فالحديث بهذه الطرق و الشواهد صحيح بلا ريب ، و توقف الحافظ ابن حجر
في ثبوته إنما هو باعتبار الطريق الأولى . و الله أعلم .


108 - " إن الله زادكم صلاة و هي الوتر ، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 171 :
رواه الإمام أحمد ( 6 / 7 ) و الطبراني في " المعجم الكبير ( 1 / 100 / 1 )
من طريقين عن ابن المبارك : أنبأنا سعيد بن يزيد حدثني ابن هبيرة عن أبي تميم
الجيشاني أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة ، فقال : إن أبا بصرة
حدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
قال أبو تميم : فأخذ بيدي أبو ذر فسار في المسجد إلى أبي بصرة فقال له :
أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قال عمرو ؟ قال أبو بصرة :
أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم .
و سعيد بن يزيد هو أبو شجاع الإسكندراني .
و قد تابعه عبد الله بن لهيعة : أنبأنا عبد الله بن هبيرة به .
أخرجه أحمد ( 6 / 379 ) و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 1 / 250 ) و الطبراني
في " الكبير " ( 1 / 104 / 2 ) و الدولابي في " الكنى " ( 1 / 13 ) من طرق ثلاث
عن ابن لهيعة به .
و إسناده عند الطحاوي صحيح كما بينته في " إرواء الغليل " رقم ( 416 ) .
و له طرق أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجت بعضها هناك ، و هذه الطريق هي
العمدة و لذلك اقتصرت عليها هنا .
و ذكر الشيخ الكتاني و صاحبه الأستاذ الزحيلي في تخريج " تحفة الفقهاء "
( 1 / 1 / 355 ) جملة كبيرة منها عن عشرة من الصحابة منها طريق واحدة عن عمرو
ابن العاص ، و لكنها واهية ، و فاتهما هذه الطريق الصحيحة !

فقه الحديث
------------
يدل ظاهر الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم : " فصلوها " على وجوب صلاة الوتر ،
و بذلك قال الحنفية ، خلافا للجماهير ، و لولا أنه ثبت بالأدلة القاطعة حصر
الصلوات المفروضات في كل يوم و ليلة بخمس صلوات لكان قول الحنفية أقرب إلى
الصواب ، و لذلك فلابد من القول بأن الأمر هنا ليس للوجوب ، بل لتأكيد
الاستحباب .
و كم من أوامر كريمة صرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة ، و قد انفك
الأحناف عنها بقولهم إنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس ، بل
هو واسطة بينها و بين السنن ، أضعف من هذه ثبوتا ، و أقوى من تلك تأكيدا !
فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث ، لا تعرفه الصحابة
و لا السلف الصالح ، و هو تفريقهم بين الفرض و الواجب ثبوتا و جزاء كما هو مفصل
في كتبهم .
و إن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذابا دون عذاب
تارك الفرض كما هو مذهبهم في اجتهادهم ، و حينئذ يقال لهم : و كيف يصح ذلك مع
قوله صلى الله عليه وسلم لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس : " أفلح
الرجل " ؟ ! و كيف يلتقي الفلاح مع العذاب ؟ ! فلا شك أن قوله صلى الله عليه
وسلم هذا وحده كاف لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة و لهذا اتفق جماهير العلماء
عى سنيته و عدم وجوبه ، و هو الحق ، نقول هذا مع التذكير و النصح بالاهتمام
بالوتر ، و عدم التهاون عنه لهذا الحديث و غيره . و الله أعلم .


109 - " ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على
الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 174 :
رواه محمد بن أبي شيبة في " كتاب العرش " ( 114 / 1 ) :
حدثنا الحسن بن أبي ليلى أنبأنا أحمد بن علي الأسدي عن المختار بن غسان العبدي
عن إسماعيل بن سلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال :
" دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فجلست إليه ،
فقلت : يا رسول الله أيما آية نزلت عليك أفضل ؟ قال : آية الكرسي : ما السموات
السبع " . الحديث .
قلت : و هذا سند ضعيف ، إسماعيل بن سلم لم أعرفه ، و غالب الظن أنه إسماعيل
بن مسلم فقد ذكروه في شيوخ المختار بن عبيد ، و هو المكي البصري و هو ضعيف .
و المختار روى عنه ثلاثة و لم يوثقه أحد و في " التقريب " : أنه مقبول .
قلت : و لم ينفرد به إسماعيل بن مسلم ، بل تابعه يحيى بن يحيى الغساني رواه
حفيده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني قال : حدثنا أبي عن جدي عن
أبي إدريس الخولاني به .
أخرجه البيهقي في " الأسماء و الصفات " ( ص 290 ) .
قلت : و هذا سند واه جدا إبراهيم هذا متروك كما قال الذهبي ، و قد كذبه
أبو حاتم .
و تابعه القاسم بن محمد الثقفي و لكنه مجهول كما في " التقريب " .
أخرجه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير ( 2 / 13 - طبع المنار ) من طريق محمد
بن أبي السري ( الأصل : اليسري ) العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي عن
القاسم به . و العسقلاني و التميمي كلاهما ضعيف .
و للحديث طريقان آخران عن أبي ذر :
الأول عن يحيى بن سعيد السعدي البصري قال : حدثنا عبد الملك ابن جريج عن عطاء
عن عبيد بن عمر الليثي عنه به .
أخرجه البيهقي و قال .
" تفرد به يحيى بن سعيد السعدي ، و له شاهد بإسناد أصح " .
قلت : ثم ساقه من طريق الغساني المتقدم ، و ما أراه بأصح من هذا ، بل هو أوهى ،
لأن إبراهيم متهم كما سبق ، و أما هذا فليس فيه من اتهم صراحة ، و رجاله ثقات
غير السعدي هذا ، قال العقيلي : " لا يتابع على حديثه " . يعني هذا .
و قال ابن حبان : يروى المقلوبات و الملزقات ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد .
الثاني : عن ابن زيد قال : حدثني أبي قال : قال أبو ذر فذكره .
أخرجه ابن جرير في " تفسيره " ( 5 / 399 ) " حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب
قال : قال ابن زيد به .
قلت و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات . لكني أظن أنه منقطع ، فإن ابن زيد هو عمر
ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب و هو ثقة من رجال الشيخين يروي
عنه ابن وهب و غيره . و أبوه محمد بن زيد ثقة مثله ، روى عن العبادلة الأربعة
جده عبد الله و ابن عمرو و ابن عباس و ابن الزبير و سعيد بن زيد بن عمرو ، فإن
هؤلاء ماتوا بعد الخمسين ، و أما أبو ذر ففي سنة اثنتين و ثلاثين فما أظنه سمع
منه .
و جملة القول : أن الحديث بهذه الطرق صحيح و خيرها الطريق الأخير و الله أعلم .
و الحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى : ( وسع كرسيه السماوات و الأرض ) و هو
صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش ، و أنه جرم قائم بنفسه و ليس
شيئا معنويا . ففيه رد على من يتأوله بمعنى الملك و سعة السلطان ، كما جاء في
بعض التفاسير . و ما روي عن ابن عباس أنه العلم ، فلا يصح إسناده إليه لأنه من
رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه . رواه ابن جرير .
قال ابن منده : ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير .
و اعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث ، كما في بعض الروايات أنه
موضع القدمين . و أن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد ، و أنه يحمله أربعة أملاك ،
لكل ملك أربعة وجوه ، و أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ فهذا
كله لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم و بعضه أشد ضعفا من بعض ، و قد
خرجت بعضها فيما علقناه على كتاب " ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة
القويمة البرهان " ملحقا بآخره طبع المكتب الإسلامي .


110 - " سيحان و جيحان و الفرات و النيل كل من أنهار الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 177 :
رواه مسلم ( 8 / 149 ) و أحمد ( 2 / 289 و 440 ) و أبو بكر الأبهري في
" الفوائد المنتقاة " ( 143 / 1 ) و الخطيب ( 1 / 54 - 55 ) من طريق حفص
بن عاصم عن أبي هريرة مرفوعا .
و له طريق أخرى بلفظ :
" فجرت أربعة أنهار من الجنة : الفرات و النيل و السيحان و جيحان " .


111 - " فجرت أربعة أنهار من الجنة : الفرات و النيل و السيحان و جيحان " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 177 :
رواه أحمد ( 2 / 261 ) و أبو يعلى في مسنده ( 4 / 1416 مصورة المكتب الإسلامي )
و الخطيب في " تاريخه " ( 1 / 44 ، 8 / 185 ) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
عنه مرفوعا . و هذا إسناد حسن .
و له طريق ثالث ، أخرجه الخطيب ( 1 / 54 ) من طريق إدريس الأودي عن أبيه مرفوعا
مختصرا بلفظ :
( نهران من الجنة النيل و الفرات ) .
و إدريس هذا مجهول كما في " التقريب " .
و له شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ :
" رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة ، نبقها مثل قلال هجر ، و ورقها مثل
آذان الفيلة ، يخرج من ساقها نهران ظاهران ، و نهران باطنان ، فقلت : يا جبريل
ما هذان ؟ قال : أما الباطنان ففي الجنة ، و أما الظاهران فالنيل و الفرات " .


112 - " رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر و ورقها مثل آذان
الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران و نهران باطنان ، فقلت : يا جبريل ما هذان ؟
قال : أما الباطنان ففي الجنة و أما الظاهران فالنيل و الفرات " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 178 :
رواه أحمد ( 3 / 164 ) : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن
مالك مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين ، و قد أخرجه البخاري ( 334 ) معلقا ،
فقال : و قال : إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة به .
و قد و صله هو ( 3 / 30 - 33 ) و مسلم ( 1 / 103 - 105 ) و أبو عوانة ( 1 / 120
- 124 ) و النسائي ( 1 / 76 - 77 ) و أحمد أيضا ( 4 / 207 - 208 و 208 - 210 )
من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك ابن صعصعة مرفوعا بحديث الإسراء بطوله و فيه
هذا . فجعلوه من مسند مالك بن صعصعة و هو الصواب .
ثم وجدت الحاكم أخرجه ( 1 / 81 ) من طريق أحمد و قال :
" صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي .
ثم رواه من طريق حفص بن عبد الله حدثني إبراهيم بن طهمان به .
هذا و لعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل
الإنسان من الجنة ، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار
تنبع من منابعها المعروفة في الأرض ، فإن لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه ،
فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها ، و التسليم للمخبر عنها
( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا
مما قضيت و يسلموا تسليما ) .


113 - " من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل
شيء قدير بعدما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله عز و جل له عشر حسنات و محى عنه
عشر سيئات و رفع له عشر درجات و كن له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل ، فإن
قالها حين يمسي كان له مثل ذلك و كن له حجابا من الشيطان حتى يصبح " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 179 :
رواه الحسن بن عرفة في جزئه ( 5 / 1 ) : حدثنا قران بن تمام الأسدي عن سهيل
بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا .
و من طريق ابن عرفة رواه الخطيب في " تاريخه " ( 12 / 389 ، 472 ) .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير قران هذا و هو ثقة .
و له شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ :
" من قال : إذا صلى الصبح ... " فذكره بتمامه إلا أنه قال :
" أربع رقاب " و قال : " و إذا قالها بعد المغرب مثل ذلك " .
رواه أحمد ( 5 / 415 ) من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن يزيد ابن جابر عن
القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن يعيش عنه .
قلت : و رجاله ثقات غير ابن يعيش هذا فلم يوثقه غير ابن حبان و لم يرو عنه غير
القاسم هذا ، و لذلك قال الحسيني : " مجهول " .

لكن الحديث عزاه المنذري في " الترغيب " ( 1 / 167 ) لأحمد و النسائي و ابن
حبان في " صحيحه " ، فهذا يقتضي أنه عند النسائي من غير طريق ابن يعيش ، لأنه
ليس من رجال النسائي .
و قد تابعه أبو رهم السمعي عن أبي أيوب بلفظ :
" من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد ،
يحيى و يميت ، و هو على كل شيء قدير عشر مرات ، كتب الله له بكل واحدة قالها
عشر حسنات ، و حط الله عنه عشر سيئات ، و رفعه الله بها عشر درجات ، و كن له
كعشر رقاب ، و كن له مسلحة من أول النهار إلى آخره ، و لم يعمل يومئذ عملا
يقهرهن ، فإن قال حين يمسي فمثل ذلك " .


114 - " من قال حين يصبح : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي
و يميت و هو على كل شيء قدير عشر مرات كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات
و حط الله عنه عشر سيئات و رفعه الله بها عشر درجات و كن له كعشر رقاب و كن له
مسلحة من أول النهار إلى آخره و لم يعمل يومئذ عملا يقهرهن ، فإن قال حين يمسي
فمثل ذلك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 180 :
أخرجه أحمد ( 5 / 420 ) حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان
بن عمرو عن خالد بن معدان عن أبي رهم به .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و ابن عياش إنما ضعف في روايته عن
غير الشاميين ، و أما في روايته عنهم فهو صحيح الحديث كما قال البخاري و غيره
و هذه منها ، فإن صفوانا من ثقاتهم .
و في هذه الرواية فائدة عزيزة و هي زيادة " يحيي و يميت " فإنها قلما تثبت في
حديث آخر ، و قد رويت من حديث أبي ذر و عمارة بن شبيب و حسنهما الترمذي ،
و إسنادهما ضعيف كما بينته في " التعليق الرغيب على الترغيب و الترهيب " و في
حديث الأول منهما : " من قال في دبر صلاة الفجر و هو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا
إله إلا الله .. " فهذا القيد : " و هو ثان ..... " لا يصح في الحديث لأنه تفرد
به شهر بن حوشب ، و قد اضطرب في إسناد الحديث و في متنه اضطرابا كثيرا كما
أوضحته في المصدر المذكور .


115 - " سددوا و قاربوا و اعملوا و خيروا و اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة و لا يحافظ
على الوضوء إلا مؤمن " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 181 :
رواه الإمام أحمد ( 5 / 282 ) : " حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن ثوبان حدثني
حسان بن عطية أن أبا كبشة السلولي حدثه أنه سمع ثوبان يقول :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و كذا رواه الدارمي ( 1 / 168 ) و ابن حبان ( 164 ) و الطبراني في " المعجم
الكبير " ( 1 / 72 / 2 ) عن الوليد به .
قلت : و هذا إسناد حسن ، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير ابن ثوبان و اسمه
عبد الرحمن بن ثابت و هو مختلف فيه ، و المتقرر أنه حسن الحديث إذا لم يخالف .
و للحديث طرق أخرى و شواهد خرجتها في " إرواء الغليل " ( 405 ) .


116 - " إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول : من خلقك ؟ فيقول : الله ، فيقول : فمن خلق
الله ؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ : آمنت بالله و رسله ، فإن ذلك يذهب عنه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 182 :
رواه أحمد ( 6 / 258 ) : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الضحاك عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
قلت : و هذا سند حسن ، و هو على شرط مسلم ، رجاله كلهم من رجاله الذين احتج بهم
في " صحيحه " ، لكن الضحاك و هو ابن عثمان الأسدي الحزامي قد تكلم فيه بعض
الأئمة من قبل حفظه ، لكن ذلك لا ينزل حديثه من رتبة الحسن إن شاء الله تعالى .
و قد تابعه سفيان الثوري و ليث بن سالم عند ابن السني ( 201 ) فالحديث صحيح .
و قال المنذري في " الترغيب " ( 2 / 266 ) :
" رواه أحمد بإسناد جيد ، و أبو يعلى و البزار ، و رواه الطبراني في الكبير
و الأوسط من حديث عبد الله بن عمرو ، و رواه أحمد أيضا من حديث خزيمة بن ثابت
رضي الله عنه " .
و هذه شواهد يرقى بها الحديث إلى درجة الصحيح جدا .
و حديث ابن خزيمة عند أحمد ( 5 / 214 ) و رجاله ثقات إلا أن فيهم ابن لهيعة
و هو سيء الحفظ .
و حديث ابن عمرو قال الهيثمي ( 341 ) :
" و رجاله رجال الصحيح خلا أحمد بن نافع الطحان شيخ الطبراني " .
كذا قال ، و لم يذكر من حاله شيئا ، كأنه لم يقف له على ترجمة ، و كذلك أنا فلم
أعرفه و هو مصري كما في " معجم الطبراني الصغير " ( ص 10 ) .
ثم إن الحديث رواه هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة أيضا مرفوعا مثله .
أخرجه مسلم ( 1 / 84 ) و أحمد ( 2 / 331 ) من طرق عن هشام به ، دون قوله :
" فإن ذلك يذهب عنه " .
و أخرجه أبو داود ( 4121 ) إلى قوله : " آمنت بالله " ، و هو رواية لمسلم .


117 - " يأتي شيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول :
من خلق ربك ؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله و لينته " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 183 :

أخرجه البخاري ( 2 / 321 ) و مسلم و ابن السني .
و للحديث طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ :
" يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم : هذا الله خلق الخلق فمن
خلق الله عز و جل ؟ فإذا قالوا ذلك ، فقولوا : ( الله أحد ، الله الصمد ،
لم يلد ، و لم يولد ، و لم يكن له كفوا أحد ) ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا ،
و ليستعذ من الشيطان " .


118 - " يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم : هذا الله خلق الخلق فمن خلق
الله عز وجل ؟ فإذا قالوا ذلك ، فقولوا : *( الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ،
و لم يولد ، و لم يكن له كفوا أحد )* ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا ، و ليستعذ
من الشيطان " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 184 :

( عن أبي هريرة ) :

أخرجه أبو داود ( 4732 ) و ابن السني ( 621 ) عن محمد بن إسحاق قال : حدثني
عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
قلت : و هذا سند حسن رجاله ثقات ، و ابن إسحاق قد صرح بالتحديث فأمنا بذلك
تدليسه .
و رواه عمر بن أبي سلمة عن أبيه به إلى قوله : " فمن خلق الله عز و جل ؟ "
قال : فقال أبو هريرة : فو الله إني لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق :
هذا الله خالقنا فمن خلق الله عز و جل ؟ قال أبو هريرة : فجعلت أصبعي في أذني
ثم صحت فقلت : صدق الله و رسوله ( الله الواحد الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن
له كفوا أحد ) .
أخرجه أحمد ( 2 / 387 ) و رجاله ثقات غير عمر هذا فإنه ضعيف .
و له عنده ( 2 / 539 ) طريق أخرى عن جعفر حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة به
مرفوعا مثل الذي قبله ، قال يزيد : فحدثني نجمة بن صبيغ السلمي أنه رأى ركبا
أتوا أبا هريرة ، فسألوه عن ذلك ، فقال : الله أكبر ، ما حدثني خليلي بشيء إلا
و قد رأيته و أنا أنتظره . قال جعفر بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا : الله قبل كل شيء ، و الله خلق كل شيء ، و الله
كائن بعد كل شيء .
و إسناد المرفوع صحيح ، و أما بلاغ جعفر و هو ابن برقان فمعضل .
و ما بينهما موقوف ، لكن نجمة هذا لم أعرفه ، و هكذا وقع في المسند " نجمة "
بالميم ، و في " الجرح و التعديل " ( 4 / 1 / 509 ) : " نجبة " بالباء الموحدة
و قال :
" روى عن أبي هريرة ، روى عنه يزيد بن الأصم ، سمعت أبي يقول ذلك " و لم يزد !
و لم يورده الحافظ في " التعجيل " و هو على شرطه !
فقه الحديث :
-----------

دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله : من
خلق الله ؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة ،
و خلاصتها أن يقول :
" آمنت بالله و رسله ، الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد و لم يولد ، و لم يكن له
كفوا أحد . ثم يتفل عن يساره ثلاثا ، و يستعيذ بالله من الشيطان ، ثم ينتهي عن
الانسياق مع الوسوسة .
و أعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله و رسوله ، مخلصا في ذلك أنه لابد أن تذهب
الوسوسة عنه ، و يندحر شيطانه لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن ذلك يذهب عنه "
.
و هذا التعليم النبوي الكريم أنفع و أقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه
القضية ، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها . و من المؤسف أن أكثر الناس في غفلة
عن هذا التعليم النبوي الكريم ، فتنبهوا أيها المسلمون ، و تعرفوا إلى سنة
نبيكم ، و اعملوا بها ، فإن فيها شفاءكم و عزكم .


119 - " لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 186 :
أخرجه الترمذي ( 2 / 45 ) و الدارمي ( 2 / 126 ) عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد
عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
يقول : فذكره .

و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قلت : و إسناده صحيح على شرط الشيخين .
و تابعه هشام بن حسان عن ابن سيرين به .
أخرجه الطبراني في " الصغير " ( ص 187 ) و أبو الشيخ في " الطبقات " ( 281 )
عن إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا مبارك بن فضالة عن هشام بن حسان .
قلت : و هذا سند لا بأس به في المتابعات ، فإن هشاما ثقة محتج به في الصحيحين
و من دونه فيهما ضعف .
و قد جاء الحديث من طريق أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم و فيه زيادة توضح
سبب هذا النهي و هو :
" إن الرؤيا تقع على ما تعبر ، و مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها
فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما " .


120 - " إن الرؤيا تقع على ما تعبر و مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها
فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 186 :
أخرجه الحاكم ( 4 / 391 ) من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة
عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .

و قال : " صحيح الإسناد " .
و وافقه الذهبي و حقهما أن يضيفا إلى ذلك " على شرط البخاري " ، فإن رجاله كلهم
من رجال الشيخين سوى الراوي له عن عبد الرزاق و هو يحيى بن جعفر البخاري فمن
شيوخ البخاري وحده . على أن في النفس وقفة في تصحيحه ، لأن أبا قلابة قد وصف
بالتدليس و قد عنعنه ، فإن كان سمعه من أنس فهو صحيح الإسناد ، و إلا فلا .
نعم الحديث صحيح ، فقد تقدم له آنفا شاهد لشطره الأخير ، و أما شطره الأول ،
فله شاهد بلفظ :
" و الرؤيا على رجل طائر ، ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت ، ( قال الراوي :
و أحسبه قال ) و لا يقصها إلا على واد أو ذي رأي " .
أخرجه البخاري في " التاريخ " ( 4 / 2 / 178 ) و أبو داود ( 5020 ) و الترمذي
( 2 / 45 ) و الدارمي ( 2 / 126 ) و ابن ماجه ( 3914 ) و الحاكم ( 4 / 390 )
و الطيالسي ( 1088 ) و أحمد ( 4 / 10 - 13 ) و ابن أبي شيبة ( 12 / 189 / 1 )
و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 1 / 295 ) و ابن عساكر ( 11 / 219 / 2 ) عن
يعلى بن عطاء سمعت وكيع بن عدس يحدث عن عمه أبي رزين العقيلي قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .

و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي .
و نقل المناوي في " الفيض " عن صاحب " الاقتراح " أنه قال :
" إسناده على شرط مسلم " ! و كل ذلك وهم لاسيما القول الأخير منها فإن وكيع
ابن عدس لم يخرج له مسلم شيئا ، ثم هو لم يوثقه أحد غير ابن حبان و لم يرو عنه
غير يعلى بن عطاء و لذلك قال ابن القطان : مجهول الحال .
و قال الذهبي : لا يعرف . و مع ذلك فحديثه كشاهد لا بأس به ، و قد حسن سنده
الحافظ ( 12 / 377 ) .
و روى ابن أبي شيبة ( 12 / 193 / 1 ) و الواحدي في " الوسيط " ( 2 / 96 / 2 )
عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا بلفظ : " الرؤيا لأول عابر " .
قلت : و يزيد ضعيف .
( على رجل طائر ) أي أنها لا تستقر ما لم تعبر . كما قال الطحاوي و الخطابي
و غيرهما .
و الحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر ، و لذلك أرشدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى أن لا نقصها إلا على ناصح أو عالم ، لأن المفروض فيهما
أن يختارا أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك ، لكن مما لا ريب فيه أن
ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا و لو على وجه ، و ليس خطأ محضا
و إلا فلا تأثير له حينئذ و الله أعلم .
و قد أشار إلى هذا المعنى الإمام البخاري في " كتاب التعبير " من " صحيحه "
بقوله ( 4 / 362 ) :
" باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب " .
ثم ساق حديث الرجل الذي رأى في المنام ظلة و عبرها أبو بكر الصديق ثم قال :
فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت ، قال النبي صلى الله عليه
وسلم : " أصبت بعضا ، و أخطأت بعضا " .


121 - " أصبت بعضا و أخطأت بعضا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 189 :

و هو من حديث ابن عباس و لفظه :
" أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت الليلة في المنام
ظلة تنطف بالسمن و العسل ، فأرى الناس يتكففون منها ، فالمستكثر و المستقل ،
و إذا سبب واصل من الأرض إلى السماء ، فأراك أخذت به فعلوت ، ثم أخذ به رجل آخر
فعلا به ، ثم أخذه رجل آخر فعلا به ، ثم أخذه رجل فانقطع ، ثم وصل ، فقال
أبو بكر : يا رسول الله بأبي أنت و الله لتدعني فأعبرها ، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم له : أعبرها ، قال : أما الظلة فالإسلام ، و أما الذي ينطف من العسل
و السمن فالقرآن حلاوته تنطف ، فالمستكثر من القرآن و المستقل ، و أما السبب
الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به ، فيعليك الله ، ثم
يأخذ به رجل ، فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل فينقطع
به ، ثم يوصل له فيعلو به ، فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضا ، و أخطأت بعضا ، قال فوالله لتحدثني
بالذي أخطأت ، قال : لا تقسم " .
و أخرجه مسلم أيضا ( 7 / 55 - 56 ) و أبو داود ( 3268 ، 4632 ) و الترمذي
( 2 / 47 ) و الدارمي ( 2 / 128 ) و ابن ماجه ( 3918 ) و ابن أبي شيبة في
" المصنف " ( 12 / 190 / 2 ) و أحمد ( 1 / 236 ) كلهم عن ابن عباس ، إلا أن
بعضهم جعله من روايته عن أبي هريرة ، و رجح الإمام البخاري الأول ، و هو أنه
عن ابن عباس ، ليس لأبي هريرة فيه ذكر .
و تبعه على ذلك الحافظ ابن حجر في " الفتح " و الله أعلم .

غريب الحديث :
------------

( ظلة ) أي سحابة لها ظل ، و كل ما أظل من سقيفة و نحوها يسمى ظلة .
( تنطف ) أي تقطر ، و النطف القطر .
( يتكففون ) أي يأخذون بأكفهم .
( سبب ) أي حبل .


122 - " والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس و يكلم الرجل عذبة
سوطه و شراك نعله و يخبره فخذه بما حدث أهله بعده " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 190 :

رواه الإمام أحمد ( 3 / 83 - 84 ) : حدثنا يزيد أنبأنا القاسم بن الفضل الحدائي
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال :
" عدا الذئب على شاة ، فأخذها ، فطلبه الراعي ، فانتزعها منه ، فأقعى الذئب على
ذنبه ، قال : ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي ، فقال : يا عجبي ذئب
مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس ! فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد
صلى الله عليه وسلم بيثرب ، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق ! قال : فأقبل الراعي
يسوق غنمه حتى دخل المدينة ، فزواها إلى زاوية من زواياها ، ثم أتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي بالصلاة
جامعة ، ثم خرج ، فقال للراعي : أخبرهم ، فأخبرهم ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : صدق ، و الذي نفسي بيده " . الحديث .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم هذا و هو ثقة اتفاقا ،
و أخرج له مسلم في المقدمة .
و الحديث أخرجه ابن حبان ( 2109 ) و الحاكم مفرقا ( 4 / 467 ، 467 - 468 )
و قال : " صحيح على شرط مسلم " ! و وافقه الذهبي !

و أخرج الترمذي منه قوله : " و الذي نفسي بيده ... " و قال :
" حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل و هو ثقة مأمون " .


123 - " ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض من أمتي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 191 :

أخرجه أبو داود ( 5746 ) و الحاكم ( 1 / 76 ) و صححه و أحمد ( 4 / 367 ،
369 ، 371 ، 372 ) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا حمزة أنه سمع
زيد بن أرقم قال :

" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلنا منزلا فسمعته يقول :
( فذكره ) ، قال : كم كنتم يومئذ ؟ قال : سبعمائة أو ثمانمائة " .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي حمزة و اسمه طلحة بن يزيد
الأنصاري فمن رجال البخاري ، و وثقه ابن حبان و النسائي .


124 - " الشمس و القمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 192 :

أخرجه الإمام الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 1 / 66 - 67 ) حدثنا محمد بن خزيمة
: حدثنا معلى بن أسد العمي حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج
قال :
" شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد الله بن خالد
ابن أسيد ، قال : فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثنا ، فقال أبو سلمة : حدثنا
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . ( فذكره ) .
فقال الحسن : ما ذنبهما ؟ ! فقال : إنما أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسكت الحسن .
و رواه البيهقي في كتاب " البعث و النشور " ، و كذا البزار و الإسماعيلي
و الخطابي كلهم من طريق يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار به .
قلت : و هذا إسناد صحيح على شرط البخاري ، و قد أخرجه في صحيحه مختصرا فقال
( 2 / 304 - 305 ) : حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد العزيز بن المختار به بلفظ :
" الشمس و القمر مكوران يوم القيامة " .
و ليس عنده قصة أبي سلمة مع الحسن ، و هي صحيحة ، و قد وقع للخطيب التبريزي وهم
في إسناد هذا الحديث و القصة ، حيث جعل الحديث من تحديث الحسن عن أبي هريرة ،
و المناقشة بينهما ، و قد نبهت عليه في تعليقي على كتابه " مشكاة المصابيح "
رقم ( 5692 ) .
و للحديث شاهد ، فقال الطيالسي في " مسنده " ( 2103 ) : حدثنا درست عن يزيد
ابن أبان الرقاشي عن أنس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ :
" إن الشمس و القمر ثوران عقيران في النار " .
و هذا إسناد ضعيف من أجل الرقاشي فإنه ضعيف ، و مثله درست و لكنه قد توبع و من
هذه الطريق أخرجه الطحاوي و أبو يعلى ( 3 / 17 / 10 ) و ابن عدي ( 129 / 2 )
و أبو الشيخ في " العظمة " كما في " اللآلي المصنوعة " ( 1 / 82 ) و ابن مردويه
كما في " الجامع الصغير " و زاد :
" و إن شاء أخرجهما . و إن شاء تركهما " .
و أما المتابعة المشار إليها ، فقال أبو الشيخ :
حدثنا أبو معشر الدارمي حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي به .
قال السيوطي : و هذه متابعة جليلة . و هو كما قال ، و السند رجاله ثقات كما
قال ابن عراق في " تنزيه الشريعة " ( 1 / 190 الطبعة الأولى ) ، يعني من دون
الرقاشي و إلا فهو ضعيف كما عرفت ، و لكنه ليس شديد الضعف ، فيصلح للاستشهاد
به و لذلك فقد أساء ابن الجوزي بإيراده لحديثه في " الموضوعات " ! على أنه قد
تناقض ، فقد أورده أيضا في " الواهيات " يعني الأحاديث الواهية غير الموضوعة ،
و كل ذلك سهو منه عن حديث أبي هريرة هذا الصحيح . و الله الموفق .
معنى الحديث :
------------

و ليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن الحسن البصري أن الشمس و القمر في
النار يعذبان فيها عقوبة لهما ، كلا فإن الله عز و جل لا يعذب من أطاعه من
خلقه و من ذلك الشمس و القمر كما يشير إليه قول الله تبارك و تعالى ( ألم تر
أن الله يسجد له من في السموات و من في الأرض ، و الشمس و القمر ، و النجوم
و الجبال و الشجر و الدواب ، و كثير من الناس ، و كثير حق عليه العذاب ) .
فأخبر تعالى أن عذابه إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا ، كما
قال الطحاوي ، و عليه فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين :
الأول : أنهما من وقود النار .
قال الإسماعيلي :
" لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما ، فإن لله في النار ملائكة و حجارة
و غيرها لتكون لأهل النار عذابا و آلة من آلات العذاب ، و ما شاء الله من ذلك
فلا تكون هي معذبة " .
و الثاني : أنهما يلقيان فيها تبكيتا لعبادهما .
قال الخطابي :
" ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك ، و لكنه تبكيت لمن كان يعبدهما
في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا " .
قلت : و هذا هو الأقرب إلى لفظ الحديث و يؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى -
كما في " الفتح " ( 6 / 214 ) :
" ليراهما من عبدهما " . و لم أرها في " مسنده " و الله تعالى أعلم .


125 - " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض و قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 195 :

أخرجه ابن سعد في " الطبقات " ( 3 / 1 / 155 ) أخبرنا سعيد بن منصور قال :
أنبأنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت :
" إني لفي بيتي ، و رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه بالفناء ، و بيني
و بينهم الستر ، أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "
فذكره .
و كذا رواه أبو يعلى في " مسنده " ( ق 232 / 1 ) و أبو نعيم في " الحلية "
( 1 / 88 ) من طريق أخرى عن صالح بن موسى به . و رواه أيضا الطبراني في
" الأوسط " كما في " المجمع " ( 9 / 148 ) و قال :
" و فيه صالح بن موسى و هو متروك " .
قلت : و لم ينفرد به ، فقد رواه إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة
قال : " بينما عائشة بنت طلحة تقول لأمها أم كلثوم بنت أبي بكر : أبي خير من
أبيك ، فقالت عائشة أم المؤمنين : ألا أقضي بينكما ؟ إن أبا بكر دخل على النبي
صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار ، قالت : فمن
يومئذ سمي عتيقا ، و دخل طلحة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
" أنت يا طلحة ممن قضى نحبه " .
أخرجه الحاكم ( 2 / 415 / 416 ) و قال : " صحيح الإسناد " .
و تعقبه الذهبي بقوله : " قلت : بل إسحاق متروك ، قاله أحمد " .
قلت : و مع ضعفه الشديد ، فقد اضطرب في إسناده ، فرواه مرة هكذا ، و مرة قال :
عن موسى بن طلحة قال : " دخلت على معاوية ، فقال : ألا أبشرك ؟ قلت : بلى قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة ممن قضى نحبه " .
أخرجه ابن سعد ( 3 / 1 / 155 - 156 ) و الترمذي ( 2 / 219 ، 302 ) و قال :
" حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، و إنما روي عن موسى بن طلحة عن
أبيه " .
قلت : ثم ساقه هو و أبو يعلى ( ق 45 / 1 ) و الضياء في " المختارة "
( 1 / 278 ) من طريق طلحة بن يحيى عن موسى و عيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة
أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه
من هو ؟ و كانوا لا يجترؤون على مسألته ، يوقرونه و يهابونه ، فسأله الأعرابي ،
فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم إني اطلعت من باب المسجد و علي ثياب خضر ،
فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال :
أنا يا رسول الله ، قال : هذا ممن قضى نحبه .
و قال : " هذا حديث حسن غريب " .
قلت : و إسناده حسن رجاله ثقات رجال مسلم ، غير أن طلحة بن يحيى ، تكلم فيه
بعضهم من أجل حفظه ، و هو مع ذلك لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن .
و لم ينفرد بالحديث ، فقد أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 1 / 13 / 2 )
عن سليمان بن أيوب حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : كان النبي
صلى الله عليه وسلم إذا رآني قال :
" من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله "
.
قلت : و هذا سند ضعيف سليمان هذا صاحب مناكير ، و قال ابن مهدي : " عامة
أحاديثه لا يتابع عليها " .
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 9 / 149 ) :
" رواه الطبراني ، و فيه سليمان بن أيوب الطلحي ، و قد وثق ، و ضعفه جماعة ،
و فيه جماعة لم أعرفهم " .
و للحديث شاهد جيد مرسل بلفظ :
" من أراد أن ينظر إلى رجل قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله " .
أخرجه ابن سعد ( 3 / 1 / 156 ) : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال :
حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره .
قلت : و هذا مرسل صحيح الإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين .
ثم إن صالح بن موسى الذي في الطريق الأول قد رواه بإسناد آخر و لفظ آخر و هو :
" من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله "
.


126 - " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 198 :
أخرجه الترمذي ( 2 / 302 - بولاق ) عن صالح بن موسى الطلحي - من ولد طلحة
ابن عبيد الله - عن الصلت بن دينار عن أبي نضرة قال : قال جابر بن عبد الله
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره و قال :
" حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت ، و قد تكلم بعض أهل العلم في الصلت
ابن دينار و في صالح بن موسى من قبل حفظهما " .
قلت : هما بعد التحقيق ضعيفان جدا ، غير أن صالح بن موسى لم ينفرد به ، و هو ما
أشعر به كلام الترمذي نفسه ، فقال الطيالسي في " مسنده " ( 1793 ) : حدثنا
الصلت بن دينار ( حدثنا ) أبو نضرة به بلفظ :
" مر طلحة بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال : شهيد يمشي على وجه الأرض " .
و هكذا رواه ابن ماجه ( 125 ) عن وكيع : حدثنا الصلت الأزدي به .
و رواه الواحدي في " الوسيط " ( 3 / 7 / 121 ) عن الصلت به مثل رواية الترمذي ،
و رواه البغوي في " تفسيره " ( 7 / 528 ) من هذا الوجه بلفظ :
" نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبد الله فقال : من أحب أن
ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى هذا " .
و قد عزاه صاحب " مشكاة المصابيح " للترمذي في رواية له ، و هو وهم منه
رحمه الله .
و بالجملة فالحديث بهذه الطرق و الشواهد يرتقي إلى درجة الصحة ، و هي و إن
اختلفت ألفاظها فالمؤدى واحد كما هو ظاهر و قد ثبته الحافظ في " الفتح "
( 8 / 398 - بولاق ) . و الله أعلم .
و في الحديث إشارة إلى قول الله تبارك و تعالى ( من المؤمنين رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، و منهم من ينتظر ، و ما بدلوا تبديلا )
.
و فيه منقبة عظيمة لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ، حيث أخبر صلى الله عليه
وسلم أنه ممن قضى نحبه مع أنه لا يزال حيا ينتظر الوفاء بما عاهد الله عليه ،
قال ابن الأثير في " النهاية " :
" النحب النذر ، كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب ، فوفى به ،
و قيل : النحب الموت ، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت " .
و قد قتل رضي الله عنه يوم الجمل . فويل لمن قتله .


127 - " قال الله تعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان فيك
و لا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك
و لا أبالي ، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك
بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 200 :
رواه الترمذي ( 2 / 270 ) من طريق كثير بن فائد : حدثنا سعيد ابن عبيد قال :
سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول : حدثنا أنس ابن مالك قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره و قال :
" حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه " .
قلت : و رجاله موثقون غير كثير بن فائد ، فلم يوثقه غير ابن حبان ، و في
" التقريب " أنه مقبول .
قلت : لكن الحديث حسن كما قال الترمذي ، فإن له شاهدا من حديث أبي ذر ، يرويه
شهر بن حوشب عن عمر بن معد يكرب عنه مرفوعا به مع تقديم و تأخير .
أخرجه الدارمي ( 2 / 322 ) و أحمد ( 5 / 172 ) من طريق غيلان ابن جرير عن شهر
به .
و خالفه عبد الحميد - و هو ابن بهرام - فقال : حدثنا شهر حدثني ابن غنم أن أبا
ذر حدثه به .
أخرجه أحمد ( 5 / 154 ) و شهر فيه ضعف من قبل حفظه ، و إن لم يكن هذا الاختلاف
عليه من تردده و سوء حفظه ، فالوجه الأول أصح لأن غيلان أوثق من ابن بهرام .
و له شاهد آخر عند الطبراني في " معاجمه " عن ابن عباس ، و هو مخرج في
" الروض النضير " ( 432 ) .
و له عن أبي ذر طريق أخرى مختصرا بلفظ :
" قال الله تبارك و تعالى : الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد ، و السيئة واحدة
أو أغفرها و لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة "
.


128 - " قال الله تبارك و تعالى : الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد و السيئة واحدة
أو أغفرها و لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 201 :
رواه الحاكم ( 4 / 241 ) و أحمد ( 5 / 108 ) عن عاصم عن المعرور بن سويد أن
أبا ذر رضي الله عنه قال :
" حدثنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك و تعالى
أنه قال : الحسنة ... " .

و قال : " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي .
قلت : عاصم هو ابن بهدلة و هو حسن الحديث ، و بقية الرجال ثقات رجال الشيخين ،
فالإسناد حسن .


129 - " قد أفلح من أسلم و رزق كفافا و قنعه الله بما آتاه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 201 :
رواه مسلم ( 3 / 102 ) و الترمذي ( 2 / 56 ) و أحمد ( 2 / 168 ) و البيهقي
( 4 / 196 ) من طريق عبد الله بن يزيد المقرىء حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني
شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله ابن عمرو بن العاصي
مرفوعا .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و رواه ابن ماجه ( 4138 ) عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر ، و حميد
ابن هانىء الخولاني أنهما سمعا أبا عبد الرحمن الحبلي يخبر عن عبد الله
ابن عمرو به نحوه .
و ابن لهيعة سيء الحفظ ، لكن لا بأس به في المتابعات .
( تنبيه ) :
---------

عزاه السيوطي في " الصغير " و " الكبير " ( 2 / 95 / 1 ) لمسلم و من ذكرنا معه
غير البيهقي فتعقبه المناوي بقوله : " تبع في العزو لما ذكر عبد الحق .
قال في " المنار " : و هذا لم يذكره مسلم و إنما هو عند الترمذي .. " .
قلت : و هذا وهم من صاحب " المنار " ثم المناوي ، فالحديث في المكان الذي أشرنا
إليه من مسلم : في " كتاب الزكاة " .
و في الحديث فضل الكفاف و القناعة به ، و مثله الحديث الآتي :
" اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .


130 - " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 202 :

أخرجه البخاري ( 4 / 222 ) و مسلم ( 3 / 103 ، 8 / 217 ) و أحمد ( 2 / 232 )
من طرق عن محمد بن فضيل عن أبيه عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و اللفظ لمسلم ، و كذا أحمد إلا أنه قال : " بيتي " بدل " محمد " .

و لفظ البخاري : " اللهم ارزق آل محمد قوتا " .
و يؤيد اللفظ الأول أن الأعمش رواه عن عمارة بن القعقاع به .
أخرجه مسلم و الترمذي ( 2 / 57 - بولاق ) و ابن ماجه ( 4139 ) و البيهقي
( 7 / 46 ) من طرق عن وكيع : حدثنا الأعمش به .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة قال : سمعت الأعمش به إلا أنه قال : " كفافا "
بدل " قوتا " .
و كذلك رواه القاسم السرقسطي في " غريب الحديث " ( ج 2 / 5 / 2 ) عن حماد
ابن أسامة قال : حدثنا الأعمش به إلا أنه قال :
" رزقي و رزق آل محمد كفافا " .
فقد اختلف في متنه على الأعمش ، و الرواية الأولى التي رواها مسلم أرجح عندي
لموافقتها لرواية بعض الرواة عن الأعمش . و الله أعلم .
( تنبيه ) :
----------

أورد السيوطي الحديث في " الجامع الصغير " بلفظ مسلم و بزيادة :
" في الدنيا " و عزاه لمسلم و الترمذي و ابن ماجه ، و كذلك أورده في
" الجامع الكبير " ( 1 / 309 ) من رواية هؤلاء الثلاثة و كذا أحمد و أبي يعلى
و البيهقي . و لا أصل لها عند أحد منهم إلا أن تكون عند أبي يعلى ، و ذلك مما
أستبعده ، فإن ثبتت عنده فهي زيادة شاذة بلا شك لمخالفتها لرويات الثقات الحفاظ
. و الله أعلم .
فائدة الحديث
--------------

فيه و في الذي قبله دليل على فضل الكفاف ، و أخذ البلغة من الدنيا و الزهد فيما
فوق ذلك ، رغبة في توفر نعيم الآخرة ، و إيثارا لما يبقى على ما يفنى ، فينبغي
للأمة أن تقتدي به صلى الله عليه وسلم في ذلك .
و قال القرطبي :
معنى الحديث أنه طلب الكفاف ، فإن القوت ما يقوت البدن و يكف عن الحاجة ، و في
هذه الحالة سلامة من آفات الغنى و الفقر جميعا . كذا في " فتح الباري "
( 11 / 251 - 252 ) .
قلت : و مما لا ريب فيه أن الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان و الأحوال ،
فينبغي للعاقل أن يحرص على تحقيق الوضع الوسط المناسب له ، بحيث لا ترهقه
الفاقة ، و لا يسعى وراء الفضول الذي يوصله إلي التبسط و الترفه ، فإنه في هذه
الحال قلما يسلم من عواقب جمع المال ، لاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه
مفاتنه ، و تيسرت على الأغنياء سبله .
أعاذنا الله تعالى من ذلك ، و رزقنا الكفاف من العيش .


131 - " هذه بتلك السبقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 204 :
أخرجه الحميدي في مسنده ( ق 42 / 2 ) و أبو داود ( 2578 ) و النسائي في
" عشرة النساء " ( ق 74 / 1 ) و السياق له و ابن ماجه ( 1979 ) مختصرا
و أحمد ( 6 / 39 / 264 ) مختصرا و مطولا من طريق جماعة عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها :
" أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في سفر ، و هي جارية ( قالت :
لم أحمل اللحم و لم أبدن ) ، فقال لأصاحبه : تقدموا ، ( فتقدموا ) ثم قال :
تعالي أسابقك ، فسابقته ، فسبقته على رجلي ، فلما كان بعد ( و في رواية : فسكت
عني حتى إذا حملت اللحم و بدنت و نسيت ) خرجت معه في سفر ، فقال لأصحابه :
تقدموا ، ( فتقدموا ) ، ثم قال : تعالي أسابقك .
و نسيت الذي كان ، و قد حملت اللحم ، فقلت كيف أسابقك يا رسول الله و أنا
على هذا الحال ؟ فقال لتفعلن ، فسابقته فسبقني ، فـ ( جعل يضحك ، و ) قال :
" فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين و قد صححه العراقي في " تخريج الأحياء "
( 2 / 40 ) .
و خالف الجماعة حماد بن سلمة فقال :
" عن هشام بن عروة عن أبي سلمة عنها مختصرا بلفظ :
" قالت : سابقت النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته " .
أخرجه أحمد ( 6 / 261 ) و حماد ثقة حافظ فيحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظ
الجماعة و أن هشاما يرويه عن أبيه و عن أبي سلمة . و يؤيده أن حمادا رواه أيضا
عن علي بن زيد عن أبي سلمة به .
أخرجه أحمد ( 6 / 129 ، 182 ، 280 ) .


132 - " اكتني بابنك عبد الله ـ يعني ابن الزبير ـ أنت أم عبد الله " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 205 :
أخرجه الإمام أحمد ( 6 / 151 ) : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن هشام عن أبيه
أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله كل نسائك لها كنية
غيري ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فذكره بدون الزيادة ) .
قال : فكان يقال لها أم عبد الله حتى ماتت و لم تلد قط .
قلت : و هذا سند صحيح ، و إن كان ظاهره الإرسال ، فإن عروة هو ابن الزبير و هو
ابن أخت عائشة أسماء ، فعائشة خالته ، فهو محمول على الاتصال ، و قد جاء كذلك
فقال أحمد ( 6 / 186 ) و عنه الدولابي في " الكنى و الأسماء " ( 1 / 152 ) :
" حدثنا عمر بن حفص أبو حفص المعيطي قال : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
به نحوه و فيه الزيادة .
و هذا إسناد صحيح أيضا ، فإن عمر هذا قال فيه أبو حاتم : لا بأس به ، و ذكره
ابن حبان في " الثقات " .
و قد تابعه حماد بن زيد قال : حدثنا هشام بن عروة به .
أخرجه أبو داود ( 490 ) و أحمد ( 6 / 107 ، 260 ) و أبو يعلى ( ق 214 / 2 ) .
و رواه وكيع فقال : عن هشام عن رجل من ولد الزبير عنها .
أخرجه أحمد ( 6 / 186 ، 213 ) .
و هذا الرجل هو عروة بن الزبير كما في رواية حماد بن زيد و عمر بن حفص و معمر
كما تقدم . و كذلك رواه قران بن تمام كما قال أبو داود .
و رواه أبو أسامة و حماد بن سلمة و مسلمة بن قعنب عن هشام فسموا الرجل :
" عباد بن حمزة " و هو ابن عبد الله بن الزبير . و هو ثقة ، فهو من ولد الزبير
فيحتمل أن يكون هو الذي عناه هشام في رواية وكيع ، و سواء كان هذا أو ذاك
فالحديث صحيح لأنه إما عن عروة أو عن عباد و كلاهما ثقة ، و الأقرب أنه عنهما
معا ، كما يقتضيه صحة الروايتين عن كل منهما .
و في الحديث مشروعية التكني و لو لم يكن له ولد . و هذا أدب إسلامي ليس له نظير
عند الأمم الأخرى فيما أعلم فعلى المسلمين أن يتمسكوا به رجالا و نساء و يدعوا
ما تسرب إليهم من عادات الأعاجم كـ ( البيك ) و ( الأفندي ) و ( الباشا ) و نحو
ذلك كـ ( المسيو ) أو ( السيد ) و ( السيدة ) و ( الآنسة ) إذ كل ذلك دخيل في
الإسلام ، و قد نص فقهاء الحنفية على كراهة ( الأفندي ) لما فيه من التزكية كما
في حاشية ابن عابدين . و السيد إنما يطلق على من كان له نوع ولاية و رياسة و في
ذلك جاء حديث " قوموا إلى سيدكم " و قد تقدم برقم ( 66 ) ، و لا يطلق على كل
أحد ، لأنه من باب التزكية أيضا .


133 - " إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم و أمره أن يكتب كل شيء يكون " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 207 :
رواه أبو يعلى ( 126 / 1 ) و البيهقي في " الأسماء و الصفات " ( ص 271 )
من طريق أحمد : حدثنا عبد الله بن المبارك قال : حدثنا رباح ابن زيد عن عمر
بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا .
من فوائد الحديث
-----------------

و في الحديث إشارة إلى ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثيرة
منهم و هو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله تبارك و تعالى . و ليس لذلك
أساس من الصحة ، و حديث عبد الرزاق غير معروف إسناده . و لعلنا نفرده بالكلام
في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى .
و فيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق ، و لا نص في ذلك عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، و إنما يقول به من قاله كابن تيمية و غيره - استنباطا
و اجتهادا فالأخذ بهذا الحديث - و في معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في
المسألة ، و لا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم .
و تأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل ، لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان
هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها و منها القلم ، أما و مثل هذا
النص مفقود ، فلا يجوز هذا التأويل .
و فيه رد أيضا على من يقول بحوادث لا أول لها ، و أنه ما من مخلوق ، إلا
و مسبوق بمخلوق قبله ، و هكذا إلى مالا بداية له ، بحيث لا يمكن أن يقال :
هذا أول مخلوق .
فالحديث يبطل هذا القول و يعين أن القلم هو أول مخلوق ، فليس قبله قطعا أي
مخلوق . و لقد أطال ابن تيمية رحمه الله الكلام في رده على الفلاسفة محاولا
إثبات حوادث لا أول لها ، و جاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول ،
و لا تقبله أكثر القلوب ، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا
أول لها ، مع أنه يقول و يصرح بأن ما من مخلوق إلا و هو مسبوق بالعدم ، و لكنه
مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له . كما يقول هو و غيره بتسلسل
الحوادث إلى ما لا نهاية ، فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث
و كم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج ، لأن الكلام فيه شبيه
بالفلسفة و علم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير و التنفير منه ، و لكن صدق
الإمام مالك رحمه الله حين قال : " ما منا من أحد إلا رد و رد عليه إلا صاحب
هذا القبر صلى الله عليه وسلم " .


134 - " إن نبي الله نوحا صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة قال لابنه : إني قاص
عليك الوصية آمرك باثنتين و أنهاك عن اثنتين آمرك بـ ( لا إله إلا الله ) فإن
السموات السبع و الأرضين السبع لو وضعت في كفة و وضعت لا إله إلا الله في كفة
رجحت بهن لا إله إلا الله و لو أن السموات السبع و الأرضين السبع كن حلقة مبهمة
قصمتهن لا إله إلا الله . و سبحان الله و بحمده فإنها صلاة كل شيء و بها يرزق
الخلق . و أنهاك عن الشرك و الكبر . قال : قلت : أو قيل : يا رسول الله هذا
الشرك قد عرفناه فما الكبر ؟ - قال - : أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما
شراكان حسنان ؟ قال : لا . قال : هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال :
لا . قيل : يا رسول الله فما الكبر ؟ قال : سفه الحق و غمص الناس " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 209 :
رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 548 ) و أحمد ( 2 / 169 - 170 ، 225 )
و البيهقي في " الأسماء " ( 79 هندية ) من طريق الصقعب ابن زهير عن زيد بن أسلم
قال : حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال :
كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان
مزرورة بالديباج فقال : ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس قال يريد أن
يضع كل فارس ابن فارس و يرفع كل راع ابن راع . قال : فأخذ رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمجامع جبته و قال : ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ، ثم قال :
فذكره .
و قلت : و هذا سند صحيح . و قال الهيثمي ( 4 / 220 ) :
" رواه أحمد و الطبراني بنحوه ، و زاد في رواية : و أوصيك بالتسبيح فإنها عبادة
الخلق ، و بالتكبير . و رواه البزار من حديث ابن عمر ، و رجال أحمد ثقات " .
غريب الحديث :
------------

( مبهمة ) أي محرمة مغلقة كما يدل عليه السياق . و لم يورد هذه اللفظة من
الحديث ابن الأثير في " النهاية " و لا الشيخ محمد طاهر الهندي في " مجمع بحار
الأنوار " و هي من شرطهما .
( قصمتهن ) . و في رواية ( فصمتهن ) بالفاء . قال ابن الأثير :
" القصم : كسر الشيء و إبانته ، و بالفاء كسره من غير إبانة " .
قلت : فهو بالفاء أليق بالمعنى . و الله أعلم .
( سفه الحق ) أي جهله ، و الاستحفاف به ، و أن لا يراه على ما هو عليه من
الرجحان و الرزانة . و في حديث لمسلم : " بطر الحق " . و المعنى واحد .
( غمص الناس ) أي احتقارهم و الطعن فيهم و الاستخفاف بهم .
و في الحديث الآخر : " غمط الناس " و المعنى واحد أيضا .
فوائد الحديث :
-------------

قلت : و فيه فوائد كثيرة ، اكتفي بالإشارة إلى بعضها :
1 - مشروعية الوصية عند الوفاة .
2 - فضيلة التهليل و التسبيح ، و أنها سبب رزق الخلق .
3 - و أن الميزان يوم القيامة حق ثابت و له كفتان ، و هو من عقائد أهل السنة
خلافا للمعتزلة و أتباعهم في العصر الحاضر ممن لا يعتقد ما ثبت من العقائد في
الأحاديث الصحيحة ، بزعم أنها أخبار آحاد لا تفيد اليقين ، و قد بينت بطلان هذا
الزعم في كتابي " مع الأستاذ الطنطاوي " يسر الله إتمامه .
4 - و أن الأرضين سبع كالسماوات . و فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين و غيرهما ،
و لعلنا نتفرغ لنتبعها و تخريجها . و يشهد لها قول الله تبارك و تعالى :
( خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن ) أي في الخلق و العدد . فلا تلتفت إلى من
يفسرها بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد أيضا اغترارا بما وصل إليه علم
الأوربيين من الرقي و أنهم لا يعلمون سبع أرضين ! مع أنهم لا يعلمون سبع سماوات
أيضا ! أفننكر كلام الله و كلام رسوله بجهل الأوربيين و غيرهم مع اعترافهم
أنهم كلما ازدادوا علما بالكون ازدادوا علما بجهلهم به ، و صدق الله العظيم
إذ يقول : ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .
5 - أن التجمل باللباس الحسن ليس من الكبر في شيء . بل هو أمر مشروع ، لأن الله
جميل يحب الجمال كما قال عليه السلام بمثل هذه المناسبة ، على ما رواه مسلم في
" صحيحه " .
6 - أن الكبر الذي قرن مع الشرك و الذي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال
ذرة منه إنما هو الكبر على الحق و رفضه بعد تبينه ، و الطعن في الناس الأبرياء
بغير حق .
فليحذر المسلم أن يتصف بشيء من مثل هذا الكبر كما يحذر أن يتصف بشيء من الشرك
الذي يخلد صاحبه في النار .


135 - " إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة
و تسعين سجلا ، كل سجل مثل مد البصر ثم يقول : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي
الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول أفلك عذر ؟ فيقول : لا يا رب . فيقول :
بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم . فتخرج بطاقة فيها : أشهد أن لا
إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله . فيقول :هاحضر وزنك ، فيقول : ما
هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟! فقال : إنك لا تظلم ، قال : فتوضع السجلات في
كفة و البطاقة في كفة ، فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة ، فلا يثقل مع اسم الله
شيء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1/ 212 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 106 - 107 ) و حسنه و ابن ماجه ( 4300 ) و الحاكم
( 1 / 6 و 529 ) و أحمد ( 2 / 213 ) من طريق الليث بن سعد عن عامر بن يحيى
عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال : سمعت عبد الله ابن عمرو قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا و أبو عبد الرحمن الحبلي - بضم المهملة و الموحدة - اسمه
عبد الله بن يزيد .
ثم رواه أحمد ( 2 / 221 - 222 ) من طريق ابن لهيعة عن عمرو ابن يحيى عن أبي
عبد الرحمن الحبلي به .
قلت : و ابن لهيعة سيىء الحفظ ، فأخشى أن يكون قوله " عمرو ابن يحيى " و هما
منه ، أراد أن يقول " عامر " فقال " عمرو " و يحتمل أن يكون الوهم من بعض
النساخ أو الطابع . و الله أعلم .
و في الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان و أن الأعمال و إن
كانت أعراضا فإنها توزن ، و الله على كل شيء قدير ، و ذلك من عقائد أهل السنة ،
و الأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة انظر " شرح العقيدة الطحاوية "
( 351 - 352 طبع المكتب الإسلامي ) .


136 - " قولوا : ما شاء الله ثم شئت ، و قولوا : ورب الكعبة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 213 :

أخرجه الطحاوي في " المشكل " ( 1 / 357 ) و الحاكم ( 4 / 297 ) و البيهقي
( 3 / 216 ) و أحمد ( 6 / 371 - 372 ) من طريق المسعودي عن سعيد بن خالد عن
عبد الله بن يسار عن قتيلة بنت صيفي امرأة من جهينة قالت :
" إن حبرا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تشركون ! تقولون ما
شاء الله و شئت ، و تقولون : و الكعبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "
فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : المسعودي كان اختلط ، لكن تابعه مسعر عن معبد بن خالد به .
أخرجه النسائي ( 2 / 140 ) بإسناد صحيح .
و لعبد الله بن يسار حديث آخر نحو هذا . و هو :
" لا تقولوا : ما شاء الله و شاء فلان ، و لكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان "
.


137 - " لا تقولوا : ما شاء الله و شاء فلان ، و لكن قولوا : ما شاء الله ثم شاء فلان
" .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 214 :

رواه أبو داود ( 4980 ) و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 1 / 90 ) و البيهقي
( 3 / 216 ) و أحمد ( 5 / 384 و 394 و 398 ) من طرق عن شعبة عن منصور بن
المعتمر سمعت عبد الله بن يسار عن حذيفة به .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار
و هو الجهني الكوفي و هو ثقة ، وثقه النسائي و ابن حبان و قال الذهبي في
" مختصر البيهقي " ( 1 / 140 / 2 ) : " و إسناده صالح " .
و قد تابعه ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال :
" أتي رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت في المنام أني لقيت بعض
أهل الكتاب ، فقال : نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله و شاء محمد ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد كنت أكرهها منكم ، فقولوا : ما شاء الله ثم
شاء محمد " .
رواه ابن ماجه ( 2118 ) و أحمد ( 5 / 393 ) و السياق له من طريق سفيان بن عيينة
عن عبد الملك بن عمير عنه .
و هذا سند صحيح في الظاهر ، فإن رجاله كلهم ثقات ، غير أنه قد اختلف فيه على
ابن عمير ، فرواه سفيان عنه هكذا .
و قال معمر عنه عن جابر بن سمرة قال :
" رأى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ... " الحديث نحوه .
أخرجه الطحاوي .
و قال شعبة عنه عن ربعي عن الطفيل أخي عائشة قال :
" قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين : نعم القوم .... " الحديث .
أخرجه الدارمي ( 2 / 295 ) . و تابعه أبو عوانة عن عبد الملك به .
أخرجه ابن ماجه ( 2118 / 2 ) .
و تابعه حماد بن سلمة عنه به عن الطفيل ابن سخبرة أخي عائشة لأمها :
" أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود ، فقال : من أنتم ؟ قالوا :
نحن اليهود ؟ قال : إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله ،
فقالت اليهود : و أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله و شاء محمد ! ثم مر
برهط من النصارى فقال : من أنتم ؟ قالوا نحن النصارى ، فقال : إنكم أنتم القوم
لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله ، قالوا : و إنكم أنتم القوم لولا أنكم
تقولون ما شاء الله و ما شاء محمد ! فلما أصبح أخبر بها من أخبر ، ثم أتى النبي
صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : هل أخبرت بها أحدا ؟ قال : نعم ، فلما صلوا
خطبهم فحمد الله و أثنى عليه ثم قال " ، فذكر الحديث بلفظ :
" إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم ، و إنكم كنتم تقولون كلمة كان
يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها ، قال : لا تقولوا ما شاء الله ، و ما شاء
محمد " .


138 - " إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم و إنكم كنتم تقولون كلمة كان
يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها ، قال : لا تقولوا : ما شاء الله و ما شاء
محمد " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 216 :
أخرجه أحمد ( 5 / 72 ) . و هذا هو الصواب عن ربعي عن الطفيل ليس عن حذيفة ،
لاتفاق هؤلاء الثلاثة حماد بن سلمة و أبو عوانة و شعبة عليه .
فهو شاهد صحيح لحديث حذيفة .
و روى البخاري في " الأدب المفرد " ( 782 ) عن ابن عمر :
" أنه سمع مولى له يقول : الله و فلان ، فقال : لا تقل كذلك ، لا تجعل مع الله
أحدا ، و لكن قل : فلان بعد الله " .
و رجاله ثقات غير مغيث مولى ابن عمرو و هو مجهول .
و قال الحافظ : " لا استبعد أن يكون ابن سمي " .
قلت : فإن كان هو فهو ثقة .
و للحديث شاهد آخر من حديث ابن عباس قال :
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فراجعه في بعض الكلام ، فقال :
ما شاء الله و شئت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أجعلتني مع الله عدلا ( و في لفظ : ندا ؟ ! ) ، لا بل ما شاء الله وحده " .


139 - " أجعلتني مع الله عدلا ( و في لفظ : ندا ؟! ) ، لا ، بل ما شاء الله وحده " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 216 :

( عن ابن عباس ) :

أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 787 ) و ابن ماجه ( 2117 ) و الطحاوي في
" المشكل " ( 1 / 90 ) و البيهقي ( 3 / 217 ) و أحمد ( 1 / 214 ، 224 ، 283 ،
347 ) و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 186 / 1 ) و أبو نعيم في " الحلية "
( 4 / 99 ) و الخطيب في " التاريخ " ( 8 / 105 ) و ابن عساكر ( 12 / 7 / 2 )
من طرق عن الأجلح عن يزيد ابن الأصم عن ابن عباس . إلا أن ابن عساكر قال :
" الأعمش " بدل " الأجلح " .
قلت : و الأجلح هذا هو ابن عبد الله أبو حجية الكندي و هو صدوق شيعي كما في
" التقريب " و بقية رجاله ثقات رجال الشيخين ، فالإسناد حسن .
فقه الحديث :
-----------

قلت : و في هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره : " ما شاء الله و شئت " يعتبر
شركا في نظر الشارع ، و هو من شرك الألفاظ ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة
مشيئة الرب سبحانه و تعالى ، و سببه القرن بين المشيئتين ، و مثل ذلك قول بعض
العامة و أشباههم ممن يدعى العلم ما لي غير الله و أنت . و توكلنا على الله
و عليك . و مثله قول بعض المحاضرين " باسم الله و الوطن " . أو " باسم الله
و الشعب " و نحو ذلك من الألفاظ الشركية ، التي يجب الانتهاء عنها و التوبة
منها . أدبا مع الله تبارك و تعالى .
و لقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة ، و غير قليل من الخاصة الذين
يبررون النطق بمثل هذه الشركيات كمناداتهم غير الله في الشدائد ، و الاستنجاد
بالأموات من الصالحين ، و الحلف بهم من دون الله تعالى ، و الإقسام بهم
على الله عز و جل ، فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب و السنة ، فإنهم بدل
أن يكونوا معه عونا على إنكار المنكر عادوا بالإنكار عليه ، و قالوا : إن نية
أولئك المنادين غير الله طيبة ! و إنما الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث !
فيجهلون أو يتجاهلون - إرضاء للعامة - أن النية الطيبة إن وجدت عند المذكورين ،
فهي لا تجعل العمل السيئ صالحا ، و أن معنى الحديث المذكور إنما الأعمال
الصالحة بالنيات الخالصة ، لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى أعمال
صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها ، ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أو
مغرض ! ألا ترى أن رجلا لو صلى تجاه القبر لكان ذلك منكرا من العمل لمخالفته
للأحاديث و الآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة ، فهل يقول عاقل
أن الذي يعود إلى الاستقبال بعد علمه بنهي الشرع عنه أن نيته طيبة و عمله
مشروع ؟ كلا ثم كلا ، فكذلك هؤلاء الذين يستغيثون بغير الله تعالى ، و ينسونه
تعالى في حالة هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه و مدده ، لا يعقل أن تكون
نياتهم طيبة ، فضلا عن أن يكون عملهم صالحا ، و هم يصرون على هذا المنكر و هم
يعلمون .


140 - " اللهم أكثر ماله و ولده و بارك له فيما رزقته " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 218 :

أخرجه الطيالسي في " مسنده " ( 1987 ) : حدثنا شعبة عن قتادة قال ، سمعت أنسا
يقول :
" قالت أم سليم : يا رسول الله ! ادع الله له ، تعني أنسا ، فقال ... "
فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين ، و قد أخرجه البخاري ( 4 / 195 ، 202 )
و الترمذي ( 2 / 314 ) من طرق عن شعبة به .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و لم يقع عنده و كذا البخاري تصريح قتادة بسماعه من أنس و لذلك خرجته .
طريق أخرى .
قال أحمد ( 3 / 248 ) : حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أنس بن مالك :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى أم حرام ، فأتيناه بتمر و سمن فقال :
" ردوا هذا في وعائه ، و هذا في سقائه فإني صائم " .


141 - عن أنس بن مالك :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى أم حرام ، فأتيناه بتمر و سمن فقال :

" ردوا هذا في وعائه و هذا في سقائه فإني صائم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 219 :

( عن أنس بن مالك ) :

قال : ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعا ، فأقام أم حرام و أم سليم خلفنا ،
و أقامني عن يمينه ، - فيما يحسب ثابت - قال : فصلى بنا تطوعا على بساط ، فلما
قضى صلاته ، قالت أم سليم : إن لي خويصة : خويدمك أنس ، ادع الله له ، فما ترك
يومئذ خيرا من خير الدنيا و الآخرة إلا دعا لي به ثم قال : اللهم أكثر ماله و
ولده و بارك له فيه ، قال أنس : فأخبرتني ابنتي أني قد رزقت من صلبي بضعا
و تسعين ، و ما أصبح في الأنصار رجل أكثر مني مالا ، ثم قال أنس : يا ثابت ، ما
أملك صفراء و لا بيضاء إلا خاتمي ! " .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط مسلم ، و قد أخرجه أبو داود ( 608 ) حدثنا موسى
ابن إسماعيل حدثنا حماد به ، دون قوله " فلما قضى صلاته .... " ثم أخرجه أحمد
( 3 / 193 - 194 ) و مسلم ( 2 / 128 ) و أبو عوانة ( 2 / 77 ) و الطيالسي
( 2027 ) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت به . دون قوله " فأخبرتني ابنتي
... " و زاد : " قال : فقال : قوموا فلأصل بكم في غير وقت صلاة " .
طريق ثالثة : قال أحمد ( 3 / 108 ) : حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس به
بتمامه ، إلا أنه لم يذكر الإقامة عن يمينه و زاد .
" ثم دعا لأم سليم و لأهلها " . و قال : قال : " و ذكر أن ابنته الكبرى أمينة
أخبرته أنه دفن من صلبه إلى مقدم الحجاج نيفا على عشرين و مائة " .
قلت : و هذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين ، و شرحه السفاريني في " نفثات
صدر المكمد " ( 2 / 34 طبع المكتب الإسلامي ) . و قد أخرجه البخاري
( 1 / 494 ) من طريقين آخرين عن حميد به ، صرح في أحدهما بسماع حميد من أنس .
من فوائد الحديث و فقهه :
-----------------------

في هذا الحديث فوائد جمة أذكر بعضها باختصار إلا ما لا بد فيه من الإطالة
للبيان :
1 - أن الدعاء بكثرة المال و الولد مشروع . و قد ترجم البخاري للحديث " باب
الدعاء بكثرة المال و الولد مع البركة " .
2 - و أن المال و الولد نعمة و خير إذا أطيع الله تبارك و تعالي فيهما .
3 - تحقق استجابة الله لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم في أنس ، حتى صار أكثر
الأنصار مالا و ولدا .
4 - أن للصائم المتطوع إذا زار قوما ، و قدموا له طعاما أن لا يفطر ، و لكن
يدعو لهم بخير ، و من أبواب البخاري في الحديث :
" باب من زار قوما و لم يفطر عندهم " .
5 - أن الرجل إذا أئتم بالرجل وقف عن يمين الإمام ، و الظاهر أنه يقف محاذيا له
لا يتقدم عليه و لا يتأخر ، لأنه لو كان وقع شيء من ذلك لنقله الراوي ، لاسيما
و أن الاقتداء به صلى الله عليه وسلم من أفراد الصحابة قد تكرر ، فإن في الباب
عن ابن عباس في الصحيحين و عن جابر في مسلم و قد خرجت حديثيهما في " إرواء
الغليل " ( 533 ) ، و قد ترجم البخاري لحديث ابن عباس بقوله :
" باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء ، إذا كانا اثنين " .
قال الحافظ في " الفتح " ( 2 / 160 ) :
" قوله : سواء " أي لا يتقدم و لا يتأخر ، و كأن المصنف أشار بذلك إلى ما وقع
في بعض طرقه عن ابن عباس فلفظ : " فقمت إلى جنبه " و ظاهرة المساواة . و روى
عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه ؟
قال : إلى شقه الأيمن ، قلت : أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر ؟
قال : نعم قلت : أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة ؟ قال : نعم .
و في " الموطأ " عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال : دخلت على عمر ابن الخطاب
بالهاجرة فوجدته يسبح ، فقمت وراءه ، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه " .
قلت : و هذا الأثر في " الموطأ " ( 1 / 154 / 32 ) بإسناد صحيح عن عمر رضي الله
عنه ، فهو مع الأحاديث المذكورة حجة قوية على المساواة المذكورة ، فالقول
باستحباب أن يقف المأموم دون الإمام قليلا ، كما جاء في بعض المذاهب على تفصيل
في ذلك لبعضها - مع أنه مما لا دليل عليه في السنة ، فهو مخالف لظواهر هذه
الأحاديث ، و أثر عمر هذا ، و قول عطاء المذكور ، و هو الإمام التابعي الجليل
ابن أبي رباح ، و ما كان من الأقوال كذلك فالأحرى بالمؤمن أن يدعها لأصحابها ،
معتقدا أنهم مأجورون عليها ، لأنهم اجتهدوا قاصدين إلى الحق ، و عليه هو أن
يتبع ما ثبت في السنة ، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .


142 - " على المؤمنين في صدقة الثمار - أو مال العقار - عشر ما سقت العين و ما سقت
السماء ، و على ما يسقى بالغرب نصف العشر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 222 :

أخرجه ابن أبي شيبة ( 4 / 22 ) و الدارقطني ( 215 ) و البيهقي ( 4 / 130 ) من
طريق ابن جريج : أخبرني نافع عن ابن عمر قال :
" كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن إلى الحارث بن عبد كلال و من معه
من معافر و همدان ... " فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين ، و قد أخرجه البخاري و أصحاب السنن
الأربعة و غيرهم من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعا نحوه .
و ورد من حديث جماعة آخرين من الصحابة كجابر و أبي هريرة و معاذ بن جبل ،
و عبد الله بن عمرو ، و عمرو بن حزم ، و قد أخرجت أحاديثهم في " إرواء الغليل "
( 790 ) .
( الغرب ) بسكون الراء الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور .
فقه الحديث :
-----------

و إنما أوردت هذه الرواية بصورة خاصة لقوله في صدرها :
" على المؤمنين " ففيه فائدة هامة لا توجد في سائر الروايت .

قال البيهقي :
" و فيه كالدلالة على أنها لا تؤخذ من أهل الذمة " .
قلت : و كيف تؤخذ منهم و هم على شركهم و ضلالهم ، فالزكاة لا تزكيهم و إنما
تزكي المؤمن المزكي من درن الشرك كما قال تعالى :
( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها ، و صل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) .
فهذه الآية تدل دلالة ظاهرة على أن الزكاة إنما تؤخذ من المؤمنين ، لكن الحديث
أصرح منها دلالة على ذلك ...
و إن من يدرس السيرة النبوية ، و تاريخ الخلفاء الراشدين و غيرهم من خلفاء
المسلمين و ملوكهم يعلم يقينا أنهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين من
المواطنين ، و إنما كانوا يأخذون منهم الجزية كما ينص عليها الكتاب و السنة .
فمن المؤسف أن ينحرف بعض المتفقهة عن سبيل المؤمنين باسم الإصلاح تارة .
و العدالة الاجتماعية تارة ، فينكروا ما ثبت في الكتاب و السنة و جرى عليه عمل
المسلمين بطرق من التأويل أشبه ما تكون بتأويلات الباطنيين من جهة ، و من جهة
أخرى يثبتون ، ما لم يكونوا يعرفون ، بل ما جاء النص بنفيه . و الأمثلة على ذلك
كثيرة ، و حسبنا الآن هذه المسألة التي دل عليها هذا الحديث و كذا الآية
الكريمة ، فقد قرأنا و سمعنا أن بعض الشيوخ اليوم يقولون : بجواز أن تأخذ
الدولة الزكاة من أغنياء جميع المواطنين على اختلاف أديانهم مؤمنهم و كافرهم ،
ثم توزع على فقرائهم دون أي تفريق ، و لقد سمعت منذ أسابيع معنى هذا من أحد
كبار مشايخ الأزهر في ندوة تلفزيونية كان يتكلم فيها عن الضمان الاجتماعي في
الإسلام ، و مما ذكره أن الاتحاد القومي في القاهرة سيقوم بجمع الزكاة من جميع
أغنياء المواطنين . و توزيعها على فقرائهم ! فقام أحد الحاضرين أمامه في الندوة
و سأله عن المستند في جواز ذلك فقال : لما عقدنا جلسات الحلقات الاجتماعية
اتخذنا في بعض جلساتها قرارا بجواز ذلك اعتمادا على مذهب من المذاهب الإسلامية
و هو المذهب الشيعي . و أنا أظن أنه يعني المذهب الزيدي .
و هنا موضع العبرة ، لقد أعرض هذا الشيخ و من رافقه في تلك الجلسة عن دلالة
الكتاب و السنة و اتفاق السلف على أن الزكاة خاصة بالمؤمنين ، و اعتمد في
خلافهم على المذهب الزيدي ! و هل يدري القارىء الكريم ما هو السبب في ذلك ؟
ليس هو إلا موافقة بعض الحكام على سياستهم الاجتماعية و الاقتصادية ، و ليتها
كانت على منهج إسلامي إذن لهان الأمر بعض الشيء في هذا الخطأ الجزئي و لكنه
منهج غير إسلامي ، بل هو قائم على تقليد بعض الأوربيين الذين لا دين لهم !
و الإعراض عن الاستفادة من شريعة الله تعالى التي أنزلها على قلب محمد صلى الله
عليه وسلم لتكون نورا و هداية للناس في كل زمان و مكان ، فإلى الله المشتكى من
علماء السوء و الرسوم الذين يؤيدون الحكام الجائرين بفتاويهم المنحرفة عن جادة
الإسلام ، و سبيل المسلمين ، و الله عز و جل يقول : ( و من يشاقق الرسول من بعد
ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت
مصيرا ) .
هذا ، و في الحديث قاعدة فقهية معروفة و هي أن زكاة الزرع تختلف باختلاف المؤنة
و الكلفة عليه ، فإن كان يسقى بماء السماء و العيون و الأنهار فزكاته العشر ،
و إن كان يسقى بالدلاء و النواضح ( الاترتوازية ) و نحوها فزكاته نصف العشر .
و لا تجب هذه الزكاة في كل ما تنتجه الأرض و لو كان قليلا ، بل ذلك مقيد بنصاب
معروف في السنة ، و في ذلك أحاديث معروفة .


143 - " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب ( و في
رواية : قدر ) دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي
على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة
" .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 225 :

رواه الترمذي ( 2 / 64 ) و ابن ماجه ( 4023 ) و الدارمي ( 2 /320 ) و الطحاوي
( 3 / 61 ) و ابن حبان ( 699 ) و الحاكم ( 1 / 40 ، 41 ) و أحمد ( 1 / 172 ،
174 ، 180 ، 185 ) و الضياء في " المختارة " ( 1 / 349 ) من طريق عاصم بن بهدلة
حدثني مصعب بن سعد عن أبيه قال :
" قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أشد بلاء ؟ قال : فقال :
الأنبياء ثم ... ؟ " الحديث .

و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قلت : و هذا سند جيد رجاله كلهم رجال الشيخين ، غير أن عاصما إنما أخرجا
له مقرونا بغيره ، و لم يتفرد به ، فقد أخرجه ابن حبان ( 698 ) و المحاملي
( 3 / 92 / 2 ) و الحاكم أيضا من طريق العلاء بن المسيب عن أبيه عن سعد به ،
بالرواية الثانية .
و العلاء بن المسيب و أبوه ثقتان من رجال البخاري . فالحديث صحيح . و الحمد لله
و له شاهد بلفظ :
" أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر ، حتى
ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها ، و إن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح
أحدكم بالرخاء " .


144 - " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر ، حتى
ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها ، و إن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح
أحدكم بالرخاء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 226 :

أخرجه ابن ماجه ( 4024 ) و ابن سعد ( 2 / 208 ) و الحاكم ( 4 / 307 ) من طريق
هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال :
" دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم و هو يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حره
بين يدي فوق اللحاف ، فقلت : يا رسول الله ! ما أشدها عليك ! قال : إنا كذلك ،
يضعف لنا البلاء ، و يضعف لنا الأجر . قلت : يا رسول الله ! أي الناس أشد
بلاء ؟ قال : الأنبياء ، قلت : يا رسول الله ! ثم من قال : ثم الصالحون ،
إن كان ... " . الحديث .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و له شاهد آخر مختصر و هو :
" إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم " .


145 - " إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 226 :

رواه أحمد ( 6 / 369 ) و المحاملي في " الأمالي " ( 3 / 44 / 2 ) عن أبي عبيدة
بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت :
" أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نعوده في نسائه ، فإذا سقاء معلق نحوه
يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى ، قلنا : يا رسول الله لو دعوت الله
فشفاك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
و إسناده حسن رجاله كلهم ثقات غير أبي عبيدة هذا فلم يوثقه غير ابن حبان
( 1 / 275 ) ، لكن روى عنه جماعة من الثقات .
و في هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيمانا ، ازداد
ابتلاء و امتحانا ، و العكس بالعكس ، ففيها رد على ضعفاء العقول و الأحلام
الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء كالحبس أو الطرد أو الإقالة من الوظيفة
و نحوها أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى ! و هو ظن باطل ،
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو أفضل البشر ، كان أشد الناس حتى
الأنبياء بلاء ، فالبلاء غالبا دليل خير ، و ليس نذير شر ، كما يدل على ذلك
أيضا الحديث الآتي :
" إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله
الرضا ، و من سخط فله السخط " .


146 - " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله
الرضا ، و من سخط فله السخط " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 227 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 64 ) و ابن ماجه ( 4031 ) و أبو بكر البزاز بن نجيح في
" الثاني من حديثه " ( 227 / 2 ) عن سعد بن سنان عن أنس عن النبي صلى الله
عليه وسلم .
و قال الترمذي : " حديث حسن غريب " .
قلت : و سنده حسن ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن سنان هذا و هو صدوق
له أفراد كما في " التقريب " .
و هذا الحديث يدل على أمر زائد على ما سبق و هو أن البلاء إنما يكون خيرا ،
و أن صاحبه يكون محبوبا عند الله تعالى ، إذا صبر على بلاء الله تعالى ، و رضي
بقضاء الله عز و جل . و يشهد لذلك الحديث الآتي :
" عجبت لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ما يحب حمد الله و كان له خير
و إن أصابه ما يكره فصبر كان له خير ، و ليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن "
.


147 - " عجبت لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ما يحب حمد الله و كان له خير
، و إن أصابه ما يكره فصبر كان له خير ، و ليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن
" .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 228 :

أخرجه الدارمي ( 2 / 318 ) و أحمد ( 6 / 16 ) عن حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال :
" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد مع أصحابه إذ ضحك ، فقال : ألا
تسألوني مم أضحك ؟ قالوا : يا رسول الله ! و مم تضحك ؟ قال : " فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط مسلم ، و قد أخرج في " صحيحه " ( 8 / 227 ) من
طريق سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت به المرفوع فقط نحوه . و هو رواية لأحمد
( 4 / 332 ، 333 ، 6 / 15 ) .
و له شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا نحوه . أخرجه الطيالسي ( 211 )
بإسناد صحيح . و له شاهد آخر مختصر بلفظ :
" عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له " .


148 - " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 228 :

رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ( 5 / 24 ) و أبو الفضل التميمي في " نسخة
أبي مسهر ... " ( 61 / 1 ) و أبو يعلى ( 200 / 2 ) عن أنس بن مالك قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره .
قلت : سنده صحيح رجاله كلهم ثقات غير ثعلبة هذا و قد ذكره ابن حبان في
" الثقات " ( 1 / 8 ) و كناه أبا بحر مولى أنس بن مالك و قال ابن أبي حاتم
( 1 / 1 / 464 ) عن أبيه " صالح الحديث " .
و له طريق أخرى عند أبي يعلى ( 205 / 2 ) و الضياء في " المختارة " ( 1 / 518 )
.


149 - " ليس المؤمن الذي يشبع و جاره جائع إلى جنبه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 229 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 112 ) و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 175
/ 1 ) و الحاكم ( 4 / 167 ) و كذا ابن أبي شيبة في " كتاب الإيمان " ( 189 / 2
) و الخطيب في " تاريخ بغداد " ( 10 / 392 ) و ابن عساكر ( 9 / 136 / 2 )
و الضياء في " المختارة " ( 62 / 292 / 1 ) عن عبد الملك بن أبي بشير عن عبد
الله بن مساور قال : سمعت ابن عباس ذكر ابن الزبير فبخله ، ثم قال سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .
قلت : و رجاله ثقات غير ابن المساور فهو مجهول كما قال الذهبي في " الميزان "
و لم يرو عنه غير عبد الملك هذا كما قال ابن المديني ، و أما ابن حبان فذكره في
" الثقات " ( 1 / 110 ) ، و كأنه هو عمدة المنذري في " الترغيب " ( 3 / 237 )
ثم الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 167 ) في قولهما :
" رواه الطبراني و أبو يعلى و رجاله ثقات " .
و قال الحاكم " صحيح الإسناد " و وافقه الذهبي .
كذا قالا ! نعم هو صحيح بما له من الشواهد ، فقد روي من حديث أنس و ابن عباس
و عائشة .
أما حديث أنس ، فيرويه محمد بن سعيد الأثرم : حدثنا همام حدثنا ثابت عنه مرفوعا
بلفظ :
" ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع بجنبه و هو يعلم به " .
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 1 / 66 / 1 ) ، و قال الذهبي في كتابه
" حقوق الجار " ( ق 17 / 1 ) :
" الأثرم ضعفه أبو زرعة ، و هذا حديث منكر " .
قلت : و ضعفه أبو حاتم أيضا ، لكن قال الهيثمي :
" رواه الطبراني و البزار ، و إسناد البزار حسن " .
و كذا في " الترغيب " ( 3 / 236 ) إلا أنه قال : " و إسناده حسن " فهذا يحتمل
أن الضمير يعود إلى الحديث ، و يحتمل أنه يعود إلى البزار ، و لعله مراد
المنذري بدليل عبارة الهيثمي فإنها صريحة في ذلك .
قلت : فهذا يشعر أنه لم يتفرد به الأثرم هذا . و الله أعلم .
و أما حديث ابن عباس ، فيرويه حكيم بن جبير عنه مرفوعا به .
أخرجه ابن عدي ( ق 89 / 1 ) .
و حكيم بن جبير ضعيف كما في " التقريب " .
و أما حديث عائشة ، فعزاه المنذري ( 3 / 237 ) للحاكم نحو حديث ابن " عباس "
و لم أره في مستدرك الحاكم الآن بعد مراجعته في مظانه .
قلت : و في الحديث دليل واضح على أنه يحرم على الجار الغني أن يدع جيرانه
جائعين ، فيجب عليه أن يقدم إليهم ما يدفعون به الجوع ، و كذلك ما يكتسون به إن
كانوا عراة ، و نحو ذلك من الضروريات .
ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقا سوى الزكاة ، فلا يظنن الأغنياء أنهم قد
برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنويا ، بل عليهم حقوق أخرى لظروف و حالات
طارئة ، من الواجب عليهم القيام بها ، و إلا دخلوا في وعيد قوله تعالى :
( و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
يوم يحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم ، هذا ما
كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) .


150 - " إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض ، و عنقه منثن تحت العرش
و هو يقول : سبحانك ما أعظمك ربنا ، فيرد عليه : ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 231 :

رواه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 156 / 1 ) : حدثنا محمد بن العباس بن الأخرم
حدثنا الفضل بن سهل الأعرج حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن معاوية بن
إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعا . و قال :
" لم يروه عن معاوية إلا إسرائيل تفرد به إسحاق " .
قلت : و هو ثقة من رجال الشيخين و كذا سائر الرواة ثقات أيضا من رجال البخاري
غير ابن الأخرم و هو من الفقهاء الحفاظ المتقنين كما في " لسان الميزان "
فالحديث صحيح الإسناد . و قال الهيثمي في " المجمع " ( 4 / 180 - 181 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و رجاله رجال الصحيح " .
و في هذا الاطلاق نظر لا يخفى ، لاسيما و قد قال في مكان آخر ( 8 / 134 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و رجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد
بن العباس عن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه " .
قلت : و قد عرفناه و الحمد لله ، و أنه ثقة متقن ، فصح الحديث ، و الموفق الله
تعالى . على أنه لم يتفرد به ، فقد أخرجه أبو يعلى ( 309 / 1 ) من طريق أخرى عن
معاوية بن إسحاق به نحوه بلفظ :
" و العرش على منكبيه و هو يقول : سبحانك أين كنت ، و أين تكون " .
ثم إن في قول الطبراني : " تفرد به إسحاق " نظرا ، فقد تابعه عبيد الله بن موسى
أنبأ إسرائيل به . أخرجه الحاكم ( 4 / 297 ) و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و وقع في " المستدرك " " عبد الله " مكبرا و هو خطأ مطبعي .
و الحديث قال المنذري ( 3 / 47 ) :
" رواه الطبراني بإسناد صحيح ، و الحاكم و قال : صحيح الإسناد " .


151 - " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ، ما بين شحمة
أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 232 :

رواه أبو داود ( 4727 ) و الطبراني في " الأوسط " كما في " المنتقى منه "
للذهبي ( 6 / 2 ) و في " حديثه عن النسائي " ( 317 / 2 ) و ابن شاهين في
" الفوائد " ( 113 / 2 ) و ابن عساكر في المجلس ( 139 ) من " الأمالي "
( 50 / 1 ) و في " التاريخ " ( 12 / 232 / 1 ) عن إبراهيم ابن طهمان عن موسى
ابن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا .
و هو في " مشيخة ابن طهمان " ( 238 / 2 ) .
و قال الطبراني :
" لم يروه عن موسى بن عقبة إلا إبراهيم بن طهمان " .
قلت : و هو ثقة كما في " التقريب " و لهذا قال الذهبي في " العلو " ( ص 58 طبعة
الأنصار ) :
" إسناده صحيح " . ثم ساق له شاهدا من حديث محمد بن إسحاق عن الفضل بن عيسى عن
يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا . و قال :
" إسناده واه " .
و قال الهيثمي في الطريق الأولى ( 1 / 80 ) :
" رواه الطبراني في الأوسط و رجاله رجال الصحيح " .
و قد تابعه صدقة بن عبد الله القرشي بلفظ :
" إن لله ملائكة و هم الأكروبيون ، من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة سبعمائة
عام للطائر السريع في انحطاطه " .
و قد سقت إسناده و تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " ( 927 ) .
و له شاهد من حديث جابر و ابن عباس مرفوعا به نحوه .
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 3 / 158 ) ، و فيه من لم أعرفه .


152 - " لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا ، و استهلاله أن يصيح أو يعطس أو يبكي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 233 :

رواه ابن ماجه ( 2751 ) و الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 153 / 2 ) عن العباس
بن الوليد الخلال الدمشقي حدثنا مروان بن محمد الطاطري حدثنا سليمان بن بلال
عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله و المسور بن مخرمة
مرفوعا .

و قال الطبراني :
" لم يروه عن يحيى إلا سليمان تفرد به مروان " .
قلت : و هو ثقة و كذلك سائر الرواة فالحديث صحيح .
و أما قول الهيثمي ( 4 / 225 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و " الكبير " و فيه العباس بن الوليد الخلال
وثقه أبو مسهر و مروان بن محمد و قال أبو داود ، لا أحدث عنه، و بقية رجاله
رجال الصحيح " .
ففيه نظر من وجهين :
الأول : أن مروان ليس من رجال الصحيح .
الثاني : أن قول أبي داود فيه لم يذكره عنه الحافظ في " التهذيب " و إنما نقل
عنه من رواية الآجري أنه قال : " كتبت عنه و كان عالما بالرجال و الأخبار "
و لذلك قال فيه في " تقريب التهذيب " " صدوق " ، فلا أدري أذلك وهم من الهيثمي
أم قصور من الحافظ حيث لم يذكره .
ثم إن إيراد الهيثمي لهذا الحديث في كتابه هو على خلاف شرطه ، لإخراج ابن ماجه
إياه ، فلعله لم يستحضر ذلك عندما أورده .
و للحديث شاهد بلفظ : " إذا استهل المولود ورث " .


153 - " إذا استهل المولود ورث " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 234 :

رواه أبو داود ( 2920 ) عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن
أبي هريرة مرفوعا .
و عن أبي داود رواه البيهقي ( 6 / 257 ) و ذكر أن ابن خزيمة أخرجه من هذا
الوجه .
قلت : و رجاله ثقات ، إلا أن ابن إسحاق مدلس ، و قد عنعنه .
و لكن له شاهد من حديث جابر مرفوعا .
رواه ابن ماجه ( 2750 ) عن الربيع بن بدر حدثنا أبو الزبير عنه .
قلت : و الربيع بن بدر متروك ، لكن تابعه المغيرة بن مسلم و سفيان عن
أبي الزبير به .
أخرجه الحاكم ( 4 / 348 ، 349 ) و قال :
" صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي .
قلت : بل على شرط مسلم فقط ، على أن أبا الزبير مدلس و قد عنعن .
و له شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا .
أخرجه ابن عدي ( ق 193 / 1 ) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عنه .
قلت : و هذا سند لا بأس به في الشواهد ، فإن شريكا هو ابن عبد الله القاضي ثقة
إلا أنه سيء الحفظ ، و مثله أبو إسحاق و هو السبيعي فإنه كان اختلط .
( فائدة ) في حديث جابر و المسور المتقدم تفسير استهلال الصبي بقوله :
" أن يصيح أو يعطس أو يبكي " . و هو حديث صحيح كما تقدم ، فلا يغتر بقول
الصنعاني في " سبل السلام " ( 3 / 133 ) :
" و الاستهلال روي في تفسيره حديث مرفوع ضعيف : " الاستهلال العطاس " . أخرجه
البزار " .
فإن الذي أخرجه البزار . إنما هو من حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره الصنعاني ،
و فيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلمان و هو ضعيف .
كما في " المجمع " ، فهذا غير حديث جابر و المسور فتنبه .


154 - " لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد في العمر إلا البر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 236 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 20 ) و الطحاوي في " المشكل " ( 4 / 169 ) و ابن حيويه في
" حديثه " ( 3 / 4 / 2 ) و عبد الغني المقدسي في " الدعاء " ( 142 - 143 ) كلهم
من طريق أبي مودود عن سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان به .
و قال الترمذي :
" حديث حسن غريب من حديث سلمان ، و أبو مودود اثنان : أحدهما يقال له : فضة ،
و هو الذي روى هذا الحديث ، بصري ، و الآخر عبد العزيز بن أبي سليمان بصري أيضا
و كانا في مصر واحد " .
قلت : و هو ضعيف كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه ( 3 / 2 / 93 ) ، فلعل تحسين
الترمذي لحديثه باعتبار أن له شاهدا من حديث ثوبان مرفوعا بزيادة :
" و إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " .
رواه ابن ماجه ( 4022 ) و أحمد ( 5 / 277 ، 280 ، 282 ) و ابن أبي شيبة في
" المصنف " ( 12 / 157 / 2 ) و محمد بن يوسف الفريابي في " ما أسند سفيان "
( 1 / 43 / 2 ) و الطحاوي في " المشكل " ( 4 / 169 ) و الطبراني في " المعجم
الكبير " ( 1 / 147 / 2 ) و أبو محمد العدل المخلدي في " الفوائد " ( 2 / 223 /
2 ، 246 / 2 ، 268 / 2 ) و الروياني في " مسنده " ( 25 / 133 / 1 ) و الحاكم
( 1 / 493 ) و أبو نعيم في أخبار أصبهان " ( 2 / 60 ) و البغوي في " شرح السنة
" ( 4 / 81 / 2 ) و القضاعي ( 71 / 1 ) و عبد الغني المقدسي في " الدعاء "
( 142 - 143 ) من طرق عن سفيان الثوري عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبي الجعد عن
ثوبان مرفوعا به .
كذا قال بعض المخرجين : " ابن أبي الجعد " لم يسمه ، و سماه بعضهم سالم بن أبي
الجعد ، و بعضهم : عبد الله بن أبي الجعد . فإن كان الأول فهو منقطع لأن سالما
لم يسمع من ثوبان ، و إن كان الآخر ، فهو مجهول كما قال ابن القطان و إن وثقه
ابن حبان ، و قد أشار إلى ذلك الذهبي في " الميزان " فقال :
" و عبد الله هذا و إن كان قد وثق ، ففيه جهالة " .
ثم أخرجه الروياني ( 162 / 1 ) من طريق عمر بن شبيب حدثنا عبد الله بن عيسى
عن حفص و عبيد الله بن أخي سالم عن سالم عن ثوبان به . و زاد :
" إن في التوراة لمكتوب : يا ابن آدم اتق ربك ، و بر والديك ، و صل رحمك أمدد
لك في عمرك ، و أيسر لك يسرك ، و أصرف عنك عسرك " .
قلت : فهذا قد يرجح أن الحديث من رواية سالم بن أبي الجعد لكن عمر بن شبيب ضعيف
كما قال الحافظ في " التقريب " .
و أما حفص و عبيد الله بن أخي سالم فلم أعرفهما .
فإن ثبت هذا الترجيح فهو منقطع ، و إلا فمتصل ، لكن فيه جهالة كما سبق ، فقول
الحاكم عقبه :
" صحيح الإسناد " . مردود و إن وافقه الذهبي ، لجهالة المذكور ، و قد صرح بها
الذهبي كما تقدم ، و هذا من تناقضه الكثير !
و للحديث طريق أخرى عن ثوبان . يرويه أبو علي الدارسي : حدثنا طلحة بن زيد عن
ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان .
أخرجه ابن عدي ( ق 34 / 1 ) و قال :
" أبو علي الدارسي بشر بن عبيد منكر الحديث ، بين الضعف جدا " .
قلت : و كذبه الأزدي ، و ساق له في " الميزان " أحاديث و قال :
" و هذه أحاديث غير صحيحه ، فالله المستعان " .
ثم ساق له آخر و قال فيه : " و هذا موضوع " .
و الخلاصة : أن الحديث حسن كما قال الترمذي بالشاهد من حديث ثوبان ، دون
الزيادة فيه ، فإني لم أجد لها شاهدا ، بل روي ما يعارضها بلفظ :
" إن الرزق لا تنقصه المعصية ، و لا تزيده الحسنة .. "
قلت : و لكنه موضوع كما حققته في " الأحاديث الضعيفة " ( رقم 179 ) فلا يصلح
لمعارضة الزيادة المشار إليها .
قوله ( القضاء ) ، أراد به هنا الأمر المقدر لولا دعاؤه .
و قوله ( و لا يزيد في العمر ) ، يعني العمر الذي كان يقصر لولا بره .


155 - " أسلم الناس و آمن عمرو بن العاص " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 238 :

رواه الروياني في " مسنده " ( 9 / 50 / 1 - 2 ) من طريق ابن أبي مريم
و عبد الله بن وهب أنبأنا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة مرفوعا .
و رواه أحمد ( 4 / 155 ) حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة حدثني مشرح
بن هاعان قال ، سمعت عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : فذكره .
و رواه الترمذي ( 2 / 316 ) حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة به . و قال :
" حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان ، و ليس إسناده
بالقوي " .
قلت : مشرح بن هاعان وثقه ابن معين و غيره ، و ضعفه بعضهم ، و هو حسن الحديث
عندي ، و ابن لهيعة و إن كان ضعيفا لسوء حفظه فإن رواية العبادلة عنه يصحح
حديثه كما جاء في ترجمته ، و هذا من رواية اثنين منهم ، و هما : أبو عبد الرحمن
و اسمه عبد الله بن يزيد المقري ، و عبد الله بن وهب .
و في الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه ، إذ شهد له النبي
صلى الله عليه وسلم بأنه مؤمن ، فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة ، لقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور : " لا يدخل الجنة إلا نفس
مؤمنة " متفق عليه . و قال تعالى ( وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات
جنات تجري من تحتها الأنهار ) .
و على هذا فلا يجوز الطعن في عمرو رضي الله عنه - كما يفعل بعض الكتاب
المعاصرين ، و غيرهم من المخالفين - بسبب ما وقع له من الخلاف بل القتال
مع علي رضي الله عنه . لأن ذلك لا ينافي الإيمان ، فإنه لا يستلزم العصمة
كما لا يخفى ، لاسيما إذا قيل : إن ذلك وقع منه بنوع من الاجتهاد ، و ليس
اتباعا للهوى .
و في الحديث أيضا إشارة إلى أن مسمى الإسلام غير الإيمان ، و قد اختلف العلماء
في ذلك اختلافا كثيرا ، و الحق ما ذهب إليه جمهور السلف من التفريق بينهما
لدلالة الكتاب و السنة على ذلك فقال تعالى : ( قالت الأعراب آمنا ، قل : لم
تؤمنوا ، و لكن قولوا أسلمنا ، و لما يدخل الإيمان في قلوبكم ) و حديث جبريل
في التفريق بين الإسلام و الإيمان معروف مشهور ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله تعالى في كتاب " الإيمان " ( ص 305 طبع المكتب الإسلامي ) .
" و الرد إلى الله و رسوله في مسألة الإسلام و الإيمان يوجب أن كلا من الاسمين
و إن كان مسماه واجبا ، و لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا مسلما ، فالحق
في ذلك ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ، فجعل الدين
و أهله ثلاث طبقات : أولها الإسلام ، و أوسطها الإيمان ، و أعلاها الإحسان ،
و من وصل إلى العليا ، فقد وصل إلى التي تليها ، فالمحسن مؤمن ، و المؤمن مسلم
و أما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا " .
و من شاء بسط الكلام على هذه المسألة مع التحقيق الدقيق فليرجع إلى الكتاب
المذكور ، فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع .
و يشهد للحديث ما يأتي :
" ابنا العاص مؤمنان : هشام و عمرو " .


156 - " ابنا العاص مؤمنان : هشام و عمرو " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 240 :

أخرجه عفان بن مسلم في " حديثه " ( ق 238 / 2 ) حدثنا حماد بن سلمة حدثنا محمد
بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه .
و أخرجه أحمد ( 2 / 354 ) و ابن سعد ( 4 / 191 ) من طريق عفان به ، و كذلك
أخرجه الحاكم ( 3 / 452 ) . ثم أخرجه أحمد ( 2 / 304 ، 327 ، 353 ) و ابن سعد
و أبو علي الصواف في " حديثه ( 3 / 2 / 2 ) و ابن عساكر ( 13 / 52 / 1 ) من طرق
أخرى عن حماد به .
قلت : و هذا سند حسن ، و سكت عليه الحاكم و الذهبي ، و من عادتهما أن يصححا هذا
الإسناد على شرط مسلم .
و له شاهد ، خرجه ابن عساكر من طريق ابن سعد حدثنا عمر بن حكام بن أبي الوضاح
حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن عمر مرفوعا
.
قلت : و رجاله ثقات غير ابن حكام هذا فلم أعرفه . ثم استدركت فقلت : هو عمرو
بالواو سقط من قلمي أو من ناسخ ابن عساكر ، و عمرو ابن حكام معروف بالرواية
عن شعبة و هو ضعيف ، إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه كما قال ابن عدي ، فهو صالح
للاستشهاد به .


157 - " والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ، و لا يهودي و لا نصراني ثم
لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 241 :

رواه ابن منده في " التوحيد " ( 44 / 1 ) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام
بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة فذكره مرفوعا .
ثم رواه من طريق أبي يونس عن أبي هريرة به .
قلت : و هذان إسنادان صحيحان ، الأول على شرط الشيخين ، و الآخر على شرط مسلم .
و قد أخرجه في صحيحه ( 1 / 93 ) نحوه .
و الحديث صريح في أن من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم و ما أرسل به ، بلغه ذلك
على الوجه الذي أنزله الله عليه ، ثم لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم أن مصيره
إلى النار ، لا فرق في ذلك بين يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني .
و اعتقادي أن كثيرا من الكفار لو أتيح لهم الاطلاع على الأصول و العقائد
و العبادات التي جاء بها الإسلام ، لسارعوا إلى الدخول فيه أفواجا ، كما وقع
ذلك في أول الأمر ، فليت أن بعض الدول الإسلامية ترسل إلى بلاد الغرب من يدعو
إلى الإسلام ، ممن هو على علم به على حقيقته و على معرفة بما ألصق به من
الخرافات و البدع و الافتراءات ، ليحسن عرضه على المدعوين إليه ، و ذلك يستدعي
أن يكون على علم بالكتاب و السنة الصحيحة ، و معرفة ببعض اللغات الأجنبية
الرائجة ، و هذا شيء عزيز يكاد يكون مفقودا ، فالقضية تتطلب استعدادات هامة ،
فلعلهم يفعلون .


158 - " لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله عز و جل أن يسمعكم ( من ) عذاب القبر
( ما أسمعني ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 242 :

قال الإمام أحمد ( 3 / 201 ) : حدثنا يزيد أنبأنا حميد عن أنس " أن النبي
صلى الله عليه وسلم مر بنخل لبني النجار ، فسمع صوتا فقال : ما هذا ؟ قالوا :
قبر رجل دفن في الجاهلية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكره .
قلت : و هذا سند ثلاثي صحيح على شرط الشيخين و قد أخرجه أحمد أيضا ( 3 / 103 )
عن ابن أبي عدي ، و ( 3 / 114 ) عن يحيى ابن سعيد ، و ابن حبان ( 786 ) عن
إسماعيل ، ثلاثتهم عن حميد به .
و هاذان إسنادان صحيحان ثلاثيان أيضا ، و زاد ابن أبي عدي بعد قولهم : " في
الجاهلية " : " فأعجبه ذلك " و هي عند النسائي ( 1 / 290 ) من طريق عبد الله
- و هو ابن المبارك - عن حميد بلفظ : " فسر بذلك " .
و صرح يحيى بن سعيد بتحديث حميد به عن أنس .
و قد تابعه ثابت ، عند أحمد أيضا ( 3 / 153 ، 175 ، 284 ) من طريق حماد قال :
أنبأنا ثابت و حميد عن أنس به و زاد :
" و هو على بغلة شهباء ، فإذا هو بقبر يعذب ( و في رواية : فسمع أصوات قوم
يعذبون في قبورهم ) فحاصت البغلة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا
.... " الحديث .
و إسناده صحيح على شرط مسلم .
و تابعه قاسم بن مرثد الرحال فقال أحمد ( 3 / 111 ) : حدثنا سفيان قال : سمع
قاسم الرحال أنسا يقول :
" دخل النبي صلى الله عليه و سلم خربا لبني النجار ، و كان يقضي فيها حاجة ،
فخرج إلينا مذعورا أو فزعا و قال : لولا ... " الحديث و فيه الزيادتان .
و هذا سند ثلاثي أيضا صحيح ، فسفيان هو ابن عيينة من رجال الستة ، و قاسم وثقه
ابن معين و غيره .
و تابعه أيضا قتادة عن أنس المرفوع منه فقط دون القصة أخرجه مسلم ( 8 / 161 )
و أحمد ( 3 / 176 و 273 ) .
و له شاهد من حديث جابر قال :
" دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما نخلا لبني النجار ، فسمع أصوات رجال من
بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم فزعا ، فأمر أصحابه أن تعوذوا من عذاب القبر " .
أخرجه أحمد ( 3 / 295 - 296 ) بسند صحيح متصل على شرط مسلم .
و له شاهد آخر من حديث زيد بن ثابت مرفوعا و هو :
" إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من
عذاب القبر الذي أسمع منه . قال زيد : ثم أقبل علينا بوجهه فقال : تعوذوا بالله
من عذاب النار ، قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار ، فقال : تعوذوا بالله من
عذاب القبر ، قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر ، قال : تعوذوا بالله من
الفتن ما ظهر منها و ما بطن ، قالوا : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها و ما
بطن ، قال : تعوذوا بالله من فتنة الدجال ، قالوا : نعوذ بالله من فتنة الدجال
" .


159 - " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من
عذاب القبر الذي أسمع منه . قال زيد : ثم أقبل علينا بوجهه فقال : تعوذوا بالله
من عذاب النار ، قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار ، فقال : تعوذوا بالله من
عذاب القبر ، قالوا : نعوذا بالله من عذاب القبر ، قال : تعوذوا بالله من الفتن
ما ظهر منها و ما بطن ، قالوا : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها و ما بطن ،
قال : تعوذوا بالله من فتنة الدجال ، قالوا : نعوذ بالله من فتنة الدجال " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 244 :

أخرجه مسلم ( 8 / 160 - 161 ) من طريق ابن علية قال : و أخبرنا سعيد الجريري
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت قال أبو سعيد : و لم أشهده من
النبي صلى الله عليه وسلم و لكن حدثنيه زيد بن ثابت قال :
" بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ، و نحن معه
إذ حادت به ، فكادت تلقيه ، و إذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة - شك الجريري -
فقال : من يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ فقال رجل : أنا قال : فمتى مات هؤلاء ؟
قال : ماتوا في الإشراك فقال ... " فذكره .
و أخرجه أحمد ( 5 / 190 ) : حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أبو مسعود الجريري به
إلا أنه قال : " تعوذوا من فتنة المحيا و الممات " ، بدل " تعوذوا من الفتن ما
ظهر منها و ما بطن " .
و أخرجه ابن حبان ( 785 ) بنحو رواية مسلم ، لكن لم يذكر فيه زيد بن ثابت .
غريب الحديث
-------------
( تدافنوا ) أصله تتدافنوا فحذف إحدى التاءين . أي : لولا خشية أن يفضي سماعكم
إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضا .
( شهباء ) : بيضاء .
( حاصت ) أي حامت كما في رواية لأحمد أي اضطربت .
( خربا ) بكسر الخاء و فتح الراء جمع خربة ، كنقمة و نقم .
( تبتلى ) أي تمتحن . و المراد امتحان الملكين للميت بقولهما : " من ربك ؟ " :
" من نبيك " .
من فوائد الحديث
-----------------
و في هذه الأحاديث فوائد كثيرة أذكر بعضها أو أهمها :
1 - إثبات عذاب القبر ، و الأحاديث في ذلك متواترة ، فلا مجال للشك فيه بزعم
أنها آحاد ! و لو سلمنا أنها آحاد فيجب الأخذ بها لأن القرآن يشهد لها ، قال
تعالى : ( و حاق بآل فرعون سوء العذاب . النار يعرضون عليها غدوا و عشيا .
و يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) .
و لو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها ، فهي وحدها كافية لإثبات هذه
العقيدة ، و الزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل
في الإسلام ، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام كالأربعة و غيرهم ، بل هو مما
جاء به بعض علماء الكلام ، بدون برهان من الله و لا سلطان ، و قد كتبنا فصلا
خاصا في هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا ، أرجو أن أوفق لتبييضه و نشره على
الناس .
2 - أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما لا يسمع الناس ، و هذا من خصوصياته
عليه الصلاة و السلام ، كما أنه كان يرى جبريل و يكلمه و الناس لا يرونه و لا
يسمعون كلامه ، فقد ثبت في البخاري و غيره أنه صلى الله عليه وسلم قال يوما
لعائشة رضي الله عنها : هذا جبريل يقرئك السلام ، فقالت : و عليه السلام
يا رسول الله ، ترى ما لا نرى . و لكن خصوصياته عليه السلام إنما تثبت بالنص
الصحيح ، فلا تثبت بالنص الضعيف و لا بالقياس و الأهواء ، و الناس في هذه
المسألة على طرفي نقيض ، فمنهم من ينكر كثيرا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد
الصحيحة ، إما لأنها غير متواترة بزعمه ، و إما لأنها غير معقولة لديه ! و منهم
من يثبت له عليه السلام ما لم يثبت مثل قولهم : إنه أول المخلوقات ، و إنه لا
ظل له في الأرض و إنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه ، بينما إذا داس على
الصخر علم عليه ، و غير ذلك من الأباطيل .
و القول الوسط في ذلك أن يقال : إن النبي صلى الله عليه و آله وسلم بشر بنص
القرآن و السنة و إجماع الأمة ، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات و الخصوصيات إلا
ما صح به النص في الكتاب و السنة ، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له ، و لم يجز رده
بفلسفة خاصة علمية أو عقلية ، زعموا ، و من المؤسف ، أنه قد انتشر في العصر
الحاضر انتشارا مخيفا رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس ، حتى
ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه عليه السلام معاملة أحاديث غيره من
البشر الذين ليسوا معصومين ، فهم يأخذون منها ما شاؤوا ، و يدعون ما شاؤوا ،
و من أولئك طائفة ينتمون إلى العلم ، و بعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة ! فإنا
لله و إنا إليه راجعون ، و نسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين
و الغالين .
3 - إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت ، فيجب اعتقاده أيضا ، و الأحاديث فيه
أيضا متواترة .
4 - إن فتنة الدجال فتنة عظيمة و لذلك أمر بالاستعاذة من شرها في هذا الحديث
و في أحاديث أخرى ، حتى أمر بذلك في الصلاة قبل السلام كما ثبت في البخاري
و غيره . و أحاديث الدجال كثيرة جدا ، بل هي متواترة عند أهل العلم بالسنة .
و لذلك جاء في كتب العقائد وجوب الإيمان بخروجه في آخر الزمان ، كما جاء فيها
وجوب الإيمان بعذاب القبر و سؤال الملكين .
5 - إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته عليه الصلاة و السلام معذبون بشركهم
و كفرهم ، و ذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي ،
خلافا لما يظنه بعض المتأخرين . إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب لقوله
تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) . و قد قال النووي في شرح حديث
مسلم : " أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار ... " الحديث .
قال النووي ( 1 / 114 طبع الهند ) :
" فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ، و لا تنفعه قرابة المقربين ، و فيه
أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل
النار ، و ليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة
إبراهيم و غيره من الأنبياء صلوات الله تعالى و سلامه عليهم " .


160 - " لا ، و لكن تصافحوا . يعني لا ينحني لصديقه و لا يلتزمه ، و لا يقبله حين
يلقاه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 248 :

رواه الترمذي ( 2 / 121 ) و ابن ماجه ( 3702 ) و البيهقي ( 7 / 100 ) و أحمد
( 3 / 198 ) من طرق عن حنظلة بن عبد الله السدوسي قال : حدثنا أنس بن مالك
قال : " قال رجل : يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له ؟ قال : فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، قال : فيلتزمه و يقبله ؟ قال : لا ،
قال : فيصافحه ؟ قال : نعم إن شاء " .
و السياق لأحمد و كذا الترمذي ، لكن ليس عنده : " إن شاء " و لفظ ابن ماجه
نحوه و فيه : " لا ، و لكن تصافحوا " .
و الحديث رواه أيضا محمد بن يوسف الفريابي في " ما أسند الثوري "
( 1 / 46 / 2 ) و أبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( 97 / 1 ) و في
" الرباعيات " ( 1 / 93 / 2 ) و الباغندي في " حديث شيبان و غيره "
( 191 / 1 ) و أبو محمد المخلدي في " الفوائد " ( 236 / 2 ) و الضياء
المقدسي في " المصافحة " ( 32 / 2 ) و في " المنتقى من مسموعاته بمرو "
( 28 / 2 ) كلهم عن حنظلة به .
و قال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : و هو كما قال أو أعلا ، فإن رجاله كلهم ثقات غير حنظلة هذا فإنهم ضعفوه ،
و لكنهم لم يتهموه ، بل ذكر يحيى القطان و غيره أنه اختلط ، فمثله يستشهد به ،
و يقوى حديثه عند المتابعة ، و قد وجدت له متابعين ثلاثة :
الأول : شعيب بن الحبحاب .
أخرجه الضياء في " المنتقى " ( 87 / 2 ) من طريق أبي بلال الأشعري حدثنا قيس
بن الربيع عن هشام بن حسان عن شعيب به إلا أنه ذكر السجود بدل الالتزام .
و هذا إسناد حسن في المتابعات فإن قيس بن الربيع صدوق ، و لكنه كان تغير لما
كبر ، و أبو بلال الأشعري اسمه مرداس ضعفه الدارقطني و ذكره ابن حبان في الثقات
و من فوقهما ثقتان من رجال الشيخين .
و هذه المتابعة أخرجها أيضا أبو الحسن المزكي كما أفاده ابن المحب في تعليقه
على " كتاب المصافحة " و من خطه نقلت .
الثاني : كثير بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك به دون ذكر الانحناء
و الالتزام .
أخرجه ابن شاهين في " رباعياته " ( 172 / 2 ) : حدثنا محمد بن زهير قال : حدثنا
مخلد بن محمد قال : حدثنا كثير بن عبد الله .
و كثير هذا ضعيف كما قال الدارقطني ، و قال الذهبي : " و ما أرى رواياته
بالمنكرة جدا ، و قد روى له ابن عدي عشرة أحاديث ثم قال :
" و في بعض روايته ما ليس بمحفوظ " .
قلت : فمثله يستشهد به أيضا إن شاء الله تعالى ، لكن من دونه لم أجد من ترجمهما
الثالث : المهلب بن أبي صفرة عن أنس مرفوعا بلفظ :
( لا ينحني الرجل للرجل ، و لا يقبل الرجل الرجل ، قالوا : يصافح الرجل الرجل ؟
قال : نعم ) .
رواه الضياء في " المنتقى " ( 23 / 1 ) من طريق عبد العزيز بن أبان حدثنا
إبراهيم بن طهمان عن المهلب به .
قلت : المهلب من ثقات الأمراء كما في " التقريب " ، لكن السند إليه واه ، فإن
عبد العزيز بن أبان هذا متروك و كذبه ابن معين و غيره كما قال الحافظ ، فلا
يستشهد بهذه المتابعة . و لكن ما قبلها من المتابعات يكفي في تقوية الحديث ،
و كأنه لذلك أقر الحافظ في " التلخيص " ( 367 ) تحسين الترمذي إياه .
و منه تعلم أن قول البيهقي :
" تفرد به حنظلة " فليس بصواب و الله أعلم .
إذا عرفت ذلك ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث ، فقد ألف جزءا
صغيرا أسماه " إعلام النبيل بجواز التقبيل " حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث
التقبيل ما صح منها و ما لم يصح ، ثم أورد هذا الحديث و ضعفه بحنظلة و لعله لم
يقف على هذه المتابعات التي تشهد له ، ثم تأوله بحمله على ما إذا كان الباعث
على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلا ! و هذا تأويل باطل ، لأن
الصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التقبيل ، لا يعنون به قطعا
التقبيل المزعوم ، بل تقبيل تحية كما سألوه عن الانحناء و الالتزام و المصافحة
فكل ذلك إنما عنوا به التحية فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة ، فهل هي
المصافحة لمصلحة دنيوية ؟ ! اللهم لا .
فالحق أن الحديث نص صريح في عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء ، و لا يدخل في ذلك
تقبيل الأولاد و الزوجات ، كما هو ظاهر ، و أما الأحاديث التي فيها أن النبي
صلى الله عليه وسلم قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة ، مثل تقبيله و اعتناقه
لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة ، و تقبيله و اعتناقه لأبي الهيثم ابن التيهان
و غيرهما ، فالجواب عنها من وجوه :
الأول : أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة . و لعلنا نتفرغ للكلام عليها ،
و بيان عللها إن شاء الله تعالى .
الثاني : أنه لو صح شيء منها ، لم يجز أن يعارض بها هذا الحديث الصحيح ، لأنها
فعل من النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل الخصوصية ، أو غيرها من الاحتمالات التي
توهن الاحتجاج بها على خلاف هذا الحديث ، لأنه حديث قولي و خطاب عام موجه إلى
الأمة فهو حجة عليها ، لما تقرر في علم الأصول أن القول مقدم على الفعل عند
التعارض ، و الحاظر مقدم على المبيح ، و هذا الحديث قول و حاظر ، فهو المقدم
على الأحاديث المذكورة لو صحت .
و كذلك نقول بالنسبة للالتزام و المعانقة ، أنها لا تشرع لنهي الحديث عنها ،
لكن قال أنس رضي الله عنه :
" كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، و إذا قدموا من سفر
تعانقوا " .
رواه الطبراني في الأوسط ، و رجاله رجال الصحيح كما قال المنذري ( 3 / 270 )
و الهيثمي ( 8 / 36 ) و روى البيهقي ( 7 / 100 ) بسند صحيح عن الشعبي قال :
" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا صافحوا ، فإذا قدموا من سفر
عانق بعضهم بعضا " .
و روى البخاري في " الأدب المفرد " ( 970 ) و أحمد ( 3 / 495 ) عن جابر بن
عبد الله قال :
" بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ، ثم
شددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس ،
فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب ، فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم ،
فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني و اعتنقته " الحديث ، و إسناده حسن كما قال الحافظ
( 1 / 195 ) و علقه البخاري .
فيمكن أن يقال : إن المعانقة في السفر مستثنى من النهي لفعل الصحابة ذلك ،
و عليه يحمل بعض الأحاديث المتقدمة إن صحت . و الله أعلم .
و أما تقبيل اليد ، ففي الباب أحاديث و آثار كثيرة ، يدل مجموعها على ثبوت ذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط
الآتية :

1 - أن لا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته ، و يتطبع هؤلاء
على التبرك بذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم و إن قبلت يده فإنما كان ذلك
على الندرة ، و ما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة ، كما هو معلوم من
القواعد الفقهية .
2 - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره ، و رؤيته لنفسه ، كما هو الواقع
مع بعض المشايخ اليوم .
3 - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة ، كسنة المصافحة ، فإنها مشروعة بفعله
صلى الله عليه وسلم و قوله ، و هي سبب تساقط ذنوب المتصافحين كما روي في غير ما
حديث واحد ، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر ، أحسن أحواله أنه جائز .


161 - " إذهب فوار أباك ( الخطاب لعلي بن أبي طالب ) قال ( لا أواريه ) ، ( إنه مات
مشركا ) ، ( فقال : اذهب فواره ) ثم لا تحدثن حتى تأتيني ، فذهبت فواريته ،
و جئته ( و علي أثر التراب و الغبار ) فأمرني فاغتسلت ، و دعا لي ( بدعوات ما
يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 253 :

أبو داود ( 3124 ) و النسائي ( 1 / 282 - 283 ) و ابن سعد في " الطبقات "
( 1 / 123 ) و ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 4 / 95 و 142 - طبع الهند ) و ابن
الجارود في " المنتقى " ( ص 269 ) و الطيالسي ( 120 ) و البيهقي ( 3 / 398 )
و أحمد ( 1 / 97 و 131 ) و أبو محمد الخلدي في جزء من " فوائده " ( ق 47 / 1 )
من طرق عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال :
" قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن عمك الشيخ الضال قد مات " فمن يواريه ؟ "
قال : " فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ناجية ابن كعب و هو ثقة
كما في " التقريب " ، و قد قواه الرافعي و تبعه الحافظ في " التلخيص " كما
بينته في " إرواء الغليل " ( 707 ) .
و له في مسند أحمد ( 1 / 103 ) و " زوائد ابنه عليه " ( 1 / 129 - 130 ) طريق
أخرى عن الحسن بن يزيد الأصم قال : سمعت السدي إسماعيل يذكره عن أبي عبد الرحمن
السلمي عن علي به ، و زاد في آخره :
" قال : و كان علي رضي الله عنه إذا غسل الميت اغتسل " .
قلت : و هذا سند حسن ، رجاله رجال مسلم غير الحسن هذا و هو صدوق يهم كما في
" التقريب " .
من فوائد الحديث
-----------------
1 - أنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك و أن ذلك لا ينافي بغضه إياه
لشركه ، ألا ترى أن عليا رضي الله عنه امتنع أول الأمر من مواراة أبيه معللا
ذلك بقوله : " إنه مات مشركا " ظنا منه أن دفنه مع هذه الحالة قد يدخله في
التولي الممنوع في مثل قوله تعالى : " لا تتولوا قوما غضب الله عليهم " فلما
أعاد صلى الله عليه وسلم الأمر بمواراته بادر لامتثاله ، و ترك ما بدا له أول
الأمر . و كذلك تكون الطاعة : أن يترك المرء رأيه لأمر نبيه صلى الله عليه وسلم
و يبدو لي أن دفن الولد لأبيه المشرك أو أمه هو آخر ما يملكه الولد من حسن صحبة
الوالد المشرك في الدنيا ، و أما بعد الدفن فليس له أن يدعو له أو يستغفر له
لصريح قوله تعالى ( ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو
كانوا أولي قربى ) ، و إذا كان الأمر كذلك ، فما حال من يدعو بالرحمة و المغفرة
على صفحات الجرائد و المجلات لبعض الكفار في إعلانات الوفيات من أجل دريهمات
معدودات ! فليتق الله من كان يهمه أمر آخرته .
2 - أنه لا يشرع له غسل الكافر و لا تكفينه و لا الصلاة عليه و لو كان قريبه
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك عليا ، و لو كان ذلك جائزا لبينه
صلى الله عليه وسلم ، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . و هذا
مذهب الحنابلة و غيرهم .
3 - أنه لا يشرع لأقارب المشرك أن يتبعوا جنازته لأن النبي صلى الله عليه وسلم
لم يفعل ذلك مع عمه و قد كان أبر الناس به و أشفقهم عليه حتى إنه دعى الله له
حتى جعل عذابه أخف عذاب في النار ، كما سبق بيانه في الحديث ( رقم 53 ) ، و في
ذلك كله عبرة لمن يغترون بأنسابهم ، و لا يعملون لآخرتهم عند ربهم ، و صدق الله
العظيم إذ يقول : ( فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون ) .


162 - " لا يا بنت الصديق ، و لكنهم الذين يصومون و يصلون و يتصدقون و هم يخافون أن
لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 255
أخرجه الترمذي ( 2 / 201 ) و ابن جرير ( 18 / 26 ) و الحاكم ( 2 / 393 - 394 )
و البغوي في تفسيره ( 6 / 25 ) و أحمد ( 6 / 159 و 205 ) من طريق مالك بن مغول
عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسلم قالت :
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن هذه الآية ( و الذين يؤتون ما آتوا
و قلوبهم وجلة ) . قالت عائشة : هم الذين يشربون الخمر و يسرفون ؟ قال " فذكره
.
و قال الترمذي :
" و قد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا " .
قلت : و إسناد حديث عائشة رجاله كلهم ثقات ، و لذلك قال الحاكم : " صحيح
الإسناد " و وافقه الذهبي .
قلت : و فيه علة ، و هي الانقطاع بين عبد الرحمن و عائشة فإنه لم يدركها كما في
" التهذيب " ، لكن يقويه حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي فإنه موصول
و قد وصله ابن جرير : حدثنا ابن حميد قال : حدثنا الحكم بن بشير قال : حدثنا
عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن أبي حازم عن أبي هريرة
قال : قالت عائشة : الحديث نحوه .
و هذا سند رجاله ثقات غير ابن حميد ، و هو محمد بن حميد بن حيان الرازي و هو
ضعيف مع حفظه ، لكن لعله توبع ، فقد أخرج الحديث ابن أبي الدنيا و ابن الأنباري
في المصاحف و ابن مردويه كما في " الدر المنثور " ( 5 / 11 ) و ابن أبي الدنيا
من طبقة شيوخ ابن جرير ، فاستبعد أن يكون رواه عن شيخه هذا . و الله أعلم .
قلت : و السر في خوف المؤمنين أن لا تقبل منهم عبادتهم ، ليس هو خشيتهم أن لا
يوفيهم الله أجورهم ، فإن هذا خلاف وعد الله إياهم في مثل قوله تعالى ( فأما
الذين آمنوا و عملوا الصالحات ، فيوفيهم أجورهم ) ، بل إنه ليزيدهم عليها كما
قال ( ليوفيهم أجورهم و يزيدهم من فضله ) ، و الله تعالى ( لا يخلف وعده ) كما
قال في كتابه ، و إنما السر أن القبول متعلق بالقيام بالعبادة كما أمر الله
عز و جل ، و هم لا يستطيعون الجزم بأنهم قاموا بها على مراد الله ، بل يظنون
أنهم قصروا في ذلك ، و لهذا فهم يخافون أن لا تقبل منهم . فليتأمل المؤمن هذا
عسى أن يزداد حرصا على إحسان العبادة و الإتيان بها كما أمر الله ، و ذلك
بالإخلاص فيها له ، و اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم في هديه فيها . و ذلك معنى
قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ، و لا يشرك بعبادة ربه
أحدا ) .


163 - " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال ، أو ثلاثة
فراسخ ( شك شعبة ) قصر الصلاة . ( و في رواية ) : صلى ركعتين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 257 :

أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 129 ) و البيهقي 3 / 146 و السياق له عن محمد بن جعفر
حدثنا شعبة عن يحيي بن يزيد الهنائي قال :
" سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة ، و كنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى
أرجع ؟ فقال أنس ... " فذكره .
قلت : و هذا سند جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الهنائي فمن رجال مسلم
وحده ، و قد روى عنه جماعة من الثقات ، و قال ابن أبي حاتم ( 4 / 2 / 198 ) عن
أبيه : " هو شيخ " و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 1 / 257 ) و سمى جده مرة ،
و قال :
" و من قال : يزيد بن يحيى أو ابن أبي يحيى فقد وهم " .
و الحديث أخرجه مسلم ( 2 / 145 ) و أبو داود ( 1201 ) و ابن أبي شيبة
( 2 / 108 / 1 / 2 ) و عنه أبو يعلى في " مسنده " ( ق 99 / 2 ) من طرق عن محمد
بن جعفر به دون قول الهنائي : " و كنت أخرج إلى الكوفة ... حتى أرجع " . و هي
زيادة صحيحة و من أجلها أوردت الحديث . و كذلك أخرجه أبو عوانة ( 2 / 346 ) من
طريق أبي داود ( و هو الطيالسي ) قال : حدثنا شعبة به . و لم يروه الطيالسي في
" مسنده " .
( الفرسخ ) ثلاثة أميال ، و الميل من الأرض منتهى مد البصر لأن البصر يميل عنه
على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه ، و بذلك جزم الجوهري ، و قيل : حده أن ينظر إلى
الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة ، و هو ذاهب أو آت ، كما في
" الفتح " ( 2 / 467 ) و هو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي 1680 مترا .
فقه الحديث
------------
يدل هذا الحديث على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ ( و الفرسخ نحو ثمان
كيلو مترات ) جاز له القصر ، و قد قال الخطابي في " معالم السنن " ( 2 / 49 ) :
" إن ثبت الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدا فيما يقصر إليه الصلاة ، إلا أني لا
أعرف أحدا من الفقهاء يقول به " .
و في هذا الكلام نظر من وجوه :
الأول : أن الحديث ثابت كما تقدم ، و حسبك أن مسلما أخرجه و لم يضعفه غيره .
الثاني : أنه لا يضر الحديث و لا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من
الفقهاء ، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود .
الثالث : أنه قد قال به راويه أنس بن مالك رضي الله عنه و أفتى به يحيى بن يزيد
الهنائي راويه عنه كما تقدم ، بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه
المسافة ، فروى ابن أبي شيبة ( 2 / 108 / 1 ) عن محمد بن زيد بن خليدة عن
ابن عمر قال :
" تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال " .
و إسناده صحيح كما بينته في " إرواء الغليل " ( رقم 561 ) .
ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال :
" إني لأسافر الساعة من النهار و أقصر " .
و إسناده صحيح ، و صححه الحافظ في " الفتح " ( 2 / 467 ) .
ثم روى عنه ( 2 / 111 / 1 ) عنه :
" أنه كان يقيم بمكة ، فإذا خرج إلى منى قصر " .
و إسناده صحيح أيضا . و يؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه
وسلم إلى منى في حجة الوداع قصروا أيضا كما هو معروف مشهور في كتب الحديث
و السيرة و بين مكة و منى فرسخ كما في " معجم البلدان " .
و قال جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول :
" لو خرجت ميلا قصرت الصلاة " .
ذكره الحافظ و صححه .
و لا ينافي هذا ما في الموطأ و غيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في
مسافة أكثر مما تقدم ، لأن ذلك فعل منه ، لا ينفي القصر في أقل منها لو سافر
إليها ، فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها ، فلا يجوز
ردها ، مع دلالة الحديث على الأقل منها . و قد قال الحافظ في " الفتح "
( 2 / 467 - 468 ) :
" و هو أصح حديث ورد في بيان ذلك و أصرحه ، و قد حمله من خالفه على أن المراد
به المسافة التي يبتدأ منها القصر ، لا غاية السفر ! و لا يخفى بعد هذا الحمل ،
مع أن البيهقي ذكره في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال : سألت أنسا عن
قصر الصلاة ، و كنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة أصلى ركعتين ركعتين حتى
أرجع فقال أنس : فذكر الحديث ، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن
الموضع الذي يبتدئ القصر منه ، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل
بمجاوزة البلد الذي يخرج منها . و رده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به .
فإن كان المراد به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم ، لكن لا
يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها
فيؤخذ بالأكثر احتياطا . و قد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن
عبد الرحمن بن حرملة قال : قلت لسعيد ابن المسيب : أأقصر الصلاة و أفطر في بريد
من المدينة ؟ قال : نعم . و الله أعلم " .
قلت : و إسناد هذا الأثر عند بن أبي شيبة ( 2 / 15 / 1 ) صحيح .
و روي عن اللجلاج قال :
" كنا نسافر مع عمر رضي الله عنه ثلاثة أميال فنتجوز في الصلاة و نفطر " .
و إسناده محتمل للتحسين رجاله كلهم ثقات غير أبي الورد بن ثمامة روى عنه ثلاثة
و قال ابن سعد : " كان معروفا قليل الحديث " .
و قد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث ،
و ذلك من فقه الصحابة رضي الله عنهم ، فإن السفر مطلق في الكتاب و السنة ، لم
يقيد بمسافة محدودة كقوله تعالى ( و إذا ضربتم في الأرض فلا جناح عليكم أن
تقصروا من الصلاة ) الآية .
و حينئذ فلا تعارض بين الحديث و هذه الآثار ، لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من
المسافة المذكورة فيه ، و لذلك قال العلامة ابن القيم في " زاد المعاد في هدي
خير العباد " ( 1 / 189 ) :
" و لم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر و الفطر ، بل أطلق لهم
ذلك في مطلق السفر و الضرب في الأرض ، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر ، و أما
ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة ، فلم يصح عنه منها شيء
البتة ، و الله أعلم " .
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
" كل اسم ليس له حد في اللغة و لا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان سفرا
في عرف الناس ، فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم " .
و قد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافا كثيرا جدا ، على
نحو عشرين قولا ، و ما ذكرناه عن ابن تيمية و ابن القيم أقربها إلى الصواب ،
و أليق بيسر الإسلام ، فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة
أيام و غيرها من التحديدات ، يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد
يطرقونها ، و هذا مما لا يستطيع أكثر الناس ، لاسيما إذا كانت مما لم تطرق
من قبل !
و في الحديث فائدة أخرى ، و هي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة و هو
مذهب الجمهور من العلماء ، كما في " نيل الأوطار " ( 3 / 83 ) ، قال :
" و ذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين و لو كان في منزله .
و منهم من قال : إذا ركب قصر إن شاء . و رجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على
أنه يقصر إذا فارق البيوت ، و اختلفوا فيما قبل ذلك ، فعليه الإتمام على أصل ما
كان عليه حتى يثبت أن له القصر . قال : و لا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم قصر
في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة " .
قلت : و الأحاديث في هذا المعني كثيرة ، و قد خرجت طائفة منها في " الإرواء "
من حديث أنس و أبي هريرة و ابن عباس و غيرهم فانظر رقم ( 562 ) .


164 - " كان صلى الله عليه وسلم في غزو تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى
أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا ، و إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى
الظهر ، و صلى الظهر و العصر جميعا ، ثم سار و كان إذا ارتحل قبل المغرب أخر
المغرب حتى يصليها مع العشاء ، و إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع
المغرب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 263 :

أخرجه أبو داود ( 1220 ) و الترمذي ( 2 / 438 ) و الدارقطني ( 151 ) و البيهقي
( 3 / 163 ) و أحمد ( 5 / 241 - 242 ) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد حدثنا الليث
بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل
مرفوعا . و قال أبو داود :
" لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده " .
قلت : و هو ثقة ثبت فلا يضر تفرده لو صح ، و لذلك قال الترمذي :
" حديث حسن غريب تفرد به قتيبة ، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره " .
و قال في مكان آخر : " حديث حسن صحيح " .
قلت : و هذا هو الصواب . فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين و قد صححه ابن القيم
و غيره ، و أعله الحاكم و غيره بما لا يقدح كما بينته في " إرواء الغليل "
( 571 ) ، و ذكرت هناك متابعا لقتيبة و شواهد لحديثه يقطع الواقف عليها بصحته .
و رواه مالك ( 1 / 143 / 2 ) من طريق أخرى عن أبي الطفيل به بلفظ :
" أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك ، فكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر و العصر ، و المغرب و العشاء ، قال : فأخر
الصلاة يوما ، ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا ، ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب
و العشاء جميعا " .
و من طريق مالك أخرجه مسلم ( 7 / 60 ) و أبو داود ( 1206 ) و النسائي
( 1 / 98 ) و الدارمي ( 1 / 356 ) و الطحاوي ( 1 / 95 ) و البيهقي ( 3 / 162 )
و أحمد ( 5 / 237 ) ، و في رواية لمسلم ( 2 / 152 ) و غيره من طريق أخرى :
" فقلت : ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد ألا يحرج أمته " .
فقه الحديث
------------
فيه مسائل :
1 - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر و لو في غير عرفة و مزدلفة ، و هو مذهب
جمهور العلماء . خلافا للحنفية ، و قد تأولوه بالجمع الصوري أي بتأخير الظهر
إلى قرب وقت العصر ، و كذا المغرب مع العشاء ، و قد رد عليهم الجمهور من وجوه :
أولا : أنه خلاف الظاهر من الجمع .
ثانيا : أن الغرض من مشروعيته التيسير و رفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم ،
و مراعاة الجمع الصوري فيه الحرج كما لا يخفى .
ثالثا : أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم كحديث أنس ابن مالك بلفظ :
" أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما " . رواه مسلم ( 2 / 151 )
و غيره .
رابعا : و يبطله أيضا جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا " و إذا ارتحل بعد
زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر " . و الأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت
الإشارة إلى ذلك .
2 - و أن الجمع كما يجوز تأخيرا ، يجوز تقديما ، و به قال الإمام الشافعي في
" الأم " ( 1 / 67 ) و كذا أحمد و إسحاق كما قال الترمذي ( 2 / 441 ) .
3 - و أنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جد به السير ، قال الإمام
الشافعي في " الأم " بعد أن روى الحديث من طريق مالك :
" و هذا و هو نازل غير سائر ، لأن قوله " دخل " ثم خرج " لا يكون إلا و هو نازل
فللمسافر أن يجمع نازلا و سائرا " .
قلت : فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم رحمه الله في " الزاد "
( 1 / 189 ) :
" و لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من
الناس ، و لا الجمع حال نزوله أيضا " .
و قد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار ، فلذلك وجب التنبيه
عليه .
و من الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم رحمه الله مع وروده في الموطأ
و صحيح مسلم و غيرهما من الأصول التي ذكرنا ، و لكن لعل الغرابة تزول إذا
تذكرنا أنه ألف هذا الكتاب " الزاد " في حالة بعده عن الكتب و هو مسافر ، و هذا
هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه ، و قد بينت ما ظهر لي منها في
" التعليقات الجياد على زاد المعاد " .
و مما يحمل على الاستغراب أيضا أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صرح
في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم رحمه الله ، فكيف خفي عليه ذلك و هو أعرف
الناس به و بأقواله ؟ قال شيخ الإسلام في " مجموعة الرسائل و المسائل "
( 2 / 26 - 27 ) بعد أن ساق الحديث :
" الجمع على ثلاث درجات ، أما إذا كان سائرا في وقت الأولى ، فإنما ينزل في وقت
الثانية ، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس و ابن عمر ، و هو
نظير جمع مزدلفة ، و أما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت
الأولى ، فهذا نظير الجمع بعرفة و قد روي ذلك في السنن ( يعني حديث معاذ هذا )
و أما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا ، فهذا ما علمت روي ما يستدل
به عليه إلا حديث معاذ هذا ، فإن ظاهره أنه كان نازلا في خيمته في السفر ،
و أنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا ثم دخل إلى بيته ، ثم خرج
فصلى المغرب و العشاء جميعا ، فإن الدخول و الخروج إنما يكون في المنزل ، و أما
السائر فلا يقال : دخل و خرج ، بل نزل و ركب .
و تبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ، و لم يسافر بعدها إلا حجة
الوداع ، و ما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة و مزدلفة . و أما بمنى فلم ينقل أحد
أنه جمع هناك ، بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك ، و هذا دليل على أنه كان
يجمع أحيانا في السفر ، و أحيانا لا يجمع ، و هو الأغلب على أسفاره أنه لم يكن
يجمع بينهما . و هذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر ، بل يفعل للحاجة
سواء أكان في السفر أو في الحضر ، فإنه قد جمع أيضا في الحضر لئلا يحرج أمته .
فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع ، سواء أكان ذلك لسيره وقت الثانية أو الأولى
و شق النزول عليه ، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم
و الاستراحة وقت الظهر و وقت العشاء ، فينزل وقت الظهر و هو تعبان سهران جائع
يحتاج إلى راحة و أكل و نوم ، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم
العشاء مع المغرب و ينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره ، فهذا و نحوه يباح
له الجمع . و أما النازل أياما في قرية أو مصر و هو في ذلك المصر ، فهذا و إن
كان يقصر لأنه مسافر فلا يجمع ، كما أنه لا يصلي على الراحلة و لا يصلي بالتيمم
و لا يأكل الميتة . فهذه الأمور أبيحت للحاجة ، و لا حاجة به إلى ذلك بخلاف
القصر فإنه سنة صلاة السفر " .


165 - " الوزن وزن أهل مكة ، و المكيال مكيال أهل المدينة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 267 :

رواه ابن الأعرابي في " معجمه " ( 167 / 2 ) و أبو داود ( 2340 ) و النسائي
( 7 / 281 المطبعة المصرية ) و ابن حبان ( 1105 ) و الطبراني ( 3 / 202 / 1 )
و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 99 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 20 )
و البيهقي ( 6 / 31 ) من طريقين عن سفيان عن حنظلة عن طاووس عن ابن عمر
مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح كما قال ابن الملقن في " الخلاصة " ( 64 - 65 )
و صححه ابن حبان و الدارقطني و النووي و ابن دقيق العيد و العلائي كما
في " فيض القدير " و رواه بعضهم عن سفيان به فقال " عن ابن عباس " بدل
" ابن عمر " و هو خطأ كما بينته في تخريج أحاديث بيوع الموسوعة الفقهية ،
ثم في " الإرواء " ( 1331 ) .
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله :
" تأملنا هذا الحديث ، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة و لا زرع حينئذ ، و كذلك
كانت قبل ذلك الزمان ، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام : ( ربنا إني أسكنت
من ذريتي بواد غير ذي زرع ) ، و إنما كانت بلد متجر ، يوافي الحاج إليها
بتجارات فيبيعونها هناك ، و كانت المدينة بخلاف ذلك ، لأنها دار النخل ، و من
ثمارها حياتهم ، و كانت الصدقات تدخلها فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلا ،
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمصار كلها لهذين المصريين أتباعا ، و كان
الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون ، و فيما سواها مما يتصرفون فيه
من العروض و من أداء الزكوات و ما سوى ذلك مما يستعملونه ، فيما يسلمونه فيه من
غيره من الأشياء التي يكيلونها ، و كانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون
و من إسلام مكيل في مكيل ، و أجازت إسلام المكيل في موزون ، و الموزون في مكيل
و منعت من بيع الموزون بالموزون ، إلا مثلا بمثل ، و من بيع المكيل بالمكيل إلا
مثلا بمثل ، و كان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة ، و المكيال مكيال أهل
المدينة ، لا يتغير عن ذلك ، و إن غيره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضده
فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه
أهل المكاييل فيها يومئذ ، و في الأشياء الموزونات إلى ما كان عليه أهل الميزان
يومئذ ، و أن أحكامها لا تتغير عن ذلك و لا تنقلب عنها إلى أضدادها " .
قلت : و من ذلك يتبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من وضع أصل توحيد
الموازين و المكاييل ، و وجه المسلمين إلى الرجوع في ذلك إلى أهل هذين البلدين
المفضلين : مكة المكرمة و المدينة المنورة . فليتأمل العاقل هذا و لينظر حال
المسلمين اليوم و اختلافهم في مكاييلهم و موازينهم ، على أنواع شتى بسبب هجرهم
لهذا التوجيه النبوي الكريم . و لما شعر بعض المسؤولين في بعض الدول العربية
المسلمة بسوء هذا الاختلاف اقترح البعض عليهم توحيد ذلك و غيره كالمقاييس ،
بالرجوع إلى عرف الكفار فيها ! فوا أسفاه ، لقد كنا سادة و قادة لغيرنا بعلمنا
و تمسكنا بشريعتنا ، و إذا بنا اليوم أتباع و مقلدون ! و لمن ! لمن كانوا في
الأمس القريب يقلدوننا ، و يأخذون العلوم عنا ! و لكن لابد لهذا الليل من أن
ينجلي ، و لابد للشمس أن تشرق مرة أخرى ، و ها قد لاحت تباشير الصبح ، و أخذت
الدول الإسلامية تعتمد على نفسها في كل شؤون حياتها ، بعد أن كانت فيها عالة
على غيرها ، و لعلها تسير في ذلك على هدي كتاب ربها و سنة نبيها .
و لله في خلقه شؤون .


166 - " هي لك على أن تحسن صحبتها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 269 :

رواه الطبراني ( 1 / 176 / 1 ) : حدثنا أحمد بن عمرو البزار أنبأنا زيد ابن
أخزم أنبأنا عبد الله بن داود عن موسى بن قيس عن حجر بن قيس - و كان قد أدرك
الجاهلية - قال : : خطب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاطمة رضي الله عنها فقال : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات و عبد الله بن داود هو أبو عبد الرحمن
الخريبي ، و البزار هو الحافظ صاحب المسند المعروف به .


167 - " والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم ، قالوا : كلنا يرحم ،
قال : ليس برحمة أحدكم صاحبه ، يرحم الناس كافة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 270 :

رواه الحافظ العراقي في " المجلس 86 من الأمالي " ( 77 / 2 ) من طريق محمد بن
إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك مرفوعا و قال :
" هذا حديث حسن غريب ، و سنان بن سعد قيل فيه : سعد بن سنان و قيل سعيد بن سنان
وثقه ابن معين و ابن حبان و قال : حدث عنه المصريون و هم يختلفون فيه ، و أرجو
أن يكون الصحيح سنان بن سعد .
قال : و قد اعتبرت حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات ،
و ما روي عن سعد بن سنان و سعيد بن سنان فيه المناكير ، كأنهما اثنان ، و لم
يكتب أحد حديثه لاضطرابهم في اسمه . و قال النسائي منكر الحديث . قلت : و لم
ينفرد به سنان بل تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس رويناه في " كتاب الأدب "
للبيهقي بلفظ : " لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم ، قالوا : يا رسول الله كلنا
رحيم ، قال : ليس رحمة أحدكم نفسه و أهل بيته حتى يرحم الناس " . و أخشن هذا
ذكره ابن حبان في الثقات ، و قد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا :
" إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمة للعامة ، فلم أستحسن إيراده في الإملاء
لأن فيه خمسة رجال على الولاء ، ما بين ضعيف و كذاب و مجهول ، فإنه من رواية
خالد بن الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر
و هو ابن شفي عن أبي أسماء عن ثوبان .
و الحسن بن دينار و الخصيب متهمان بالكذب ، فذكرت بدله حديث أنس المتقدم " .
قلت : و قد وجدت له شاهدا مرسلا جيدا أخرجه ابن المبارك في " الزهد "
( 203 / 1 ) أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يونس عن الحسن مرفوعا به .


168 - " لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه ( أو شهده أو سمعه ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 271 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 30 ) و ابن ماجه ( 4007 ) و الحاكم ( 4 / 506 ) و الطيالسي
( 2156 ) و أحمد ( 3 / 19 ، 50 ، 61 ) و أبو يعلى ( ق 72 / 1 ) و القضاعي في
" مسند الشهاب " ( ق 79 / 2 ) من طريق علي بن زيد ابن جدعان القرشي عن أبي نضرة
عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " علي بن زيد لم يحتج به الشيخان " .
قال الذهبي : " قلت : هو صالح الحديث " .
و أقول : الصواب فيه أن العلماء اختلفوا ، و الأرجح أنه ضعيف ، و به جزم الحافظ
في " التقريب " ، و لكنه ضعف بسبب سوء الحفظ ، لا لتهمه في نفسه ، فمثله يحسن
حديثه أو يصحح إذا توبع . و هذا الحديث لم يتفرد به عن أبي نضرة ، بل قد تابعه
عليه جماعة :
الأول : أبو سلمة أنه سمع أبا نضرة به .
أخرجه أحمد ( 3 / 44 ) و ابن عساكر ( 7 / 91 / 2 ) و سمى أبا سلمة سعيد بن زيد
و لم أعرفه ، و الظاهر أن هذه التسمية وهم من بعض رواته ، فإني لم أجد فيمن
يكنى بأبي سلمة أحدا بهذا الاسم و لا في " الكنى " للدولابي ، فالأقرب أنه عباد
بن منصور الناجي البصري القاضي فإنه من هذه الطبقة ، و من الرواة عنه شعبة بن
الحجاج ، و هو الذي روى عنه هذا الحديث ، فإذا صح هذا فالسند حسن بما قبله ،
فإن عبادا هذا فيه ضعف من قبل حفظه أيضا .
الثاني : المستمر بن الريان الإيادي حدثنا أبو نضرة به .
أخرجه الطيالسي ( 2158 ) و أحمد ( 3 / 46 - 47 ) ، و أبو يعلى في " مسنده "
( 78 / 2 ، 83 / 1 ) .
و المستمر هذا ثقة من رجال مسلم ، و كذلك سائر الرواة ، فهو سند صحيح على شرط
مسلم .
الثالث : التيمي حدثنا أبو نضرة به إلا أنه قال :
" إذا رآه أو شهده أو سمعه . فقال أبو سعيد : وددت أني لم أكن سمعته ، و قال
أبو نضرة : وددت أني لم أكن سمعته " .
أخرجه أحمد ( 3 / 53 ) : حدثنا يحيى عن التيمي به .
قلت : و هذا سند صحيح أيضا على شرط مسلم ، و التيمي اسمه سليمان بن طرخان و هو
ثقة احتج به الشيخان .
الرابع : قتادة : سمعت أبا نضرة به . و زاد :
" فقال أبو سعيد الخدري : فما زال بنا البلاء حتى قصرنا ، و إنا لنبلغ في الشر
" .
أخرجه الطيالسي ( 2151 ) حدثنا شعبة عن قتادة به ، و أحمد ( 3 / 92 ) و البيهقي
( 10 / 90 ) من طريقين آخرين عن شعبة و في رواية عنده ( 3 / 84 ) :
حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل عن أبي
سعيد الخدري مرفوعا به ، قال شعبة : فحدثت هذا الحديث قتادة فقال : ما هذا ؟
عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل عن أبي سعيد ! حدثني أبو نضرة به إلا أنه
قال :
" إذا شهده أو علمه . قال أبو سعيد : فحملني على ذلك أني ركبت إلى معاوية فملأت
أذنيه ، ثم رجعت . قال شعبة : حدثني هذا الحديث أربعة نفر عن أبي نضرة : قتادة
و أبو سلمة ( و ) الجريري و رجل آخر " .
قلت : و هذا سند صحيح أيضا .
و للحديث طريق أخرى يرويه المعلى بن زياد القردوسي عن الحسن عن أبي سعيد به
بلفظ :
" إذا رآه أو شهد ، فإنه لا يقرب من أجل ، و لا يباعد من رزق ، أو يقول بحق ،
أو يذكر بعظيم " .
أخرجه أحمد ( 3 / 50 ، 87 ) و أبو يعلى ( 88 / 1 - 2 ) و صرح الحسن بالتحديث
عنده ، فهو صحيح الإسناد .
ثم رواه أحمد ( 3 / 71 ) من طريق على بن زيد عن الحسن عنه به . دون الزيادة .
و رجال هذه الطريق ثقات لولا أن الحسن مدلس و قد عنعنه ، و مع ذلك فلا بأس بها
في الشواهد .
و الحديث أورده السيوطي في " الجامع الكبير " من رواية أحمد و عبد بن حميد
و أبي يعلى و الطبراني في الكبير و ابن حبان و البيهقي عن أبي سعيد ، و ابن
النجار عن بن عباس ، و أورده ( 1 / 293 / 1 ) عن أبي يعلى عن أبي سعيد بالزيادة
:
" فإنه لا يقرب من أجل ، و لا يبعد من رزق " .
ففاته أنها في مسند أحمد كما ذكرنا ، كما فاته كون الحديث في الترمذي و ابن
ماجه و المستدرك !
و في الحديث : النهي المؤكد عن كتمان الحق خوفا من الناس ، أو طمعا في المعاش .
فكل من كتمه مخافة إيذائهم إياه بنوع من أنواع الإيذاء كالضرب و الشتم ،
و قطع الرزق ، أو مخافة عدم احترامهم إياه ، و نحو ذلك ، فهو داخل في النهي
و مخالف للنبي صلى الله عليه وسلم ، و إذا كان هذا حال من يكتم الحق و هو يعلمه
فكيف يكون حال من لا يكتفى بذلك بل يشهد بالباطل على المسلمين الأبرياء
و يتهمهم في دينهم و عقيدتهم مسايرة منه للرعاع ، أو مخافة أن يتهموه هو أيضا
بالباطل إذا لم يسايرهم على ضلالهم و اتهامهم ؟ ! فاللهم ثبتنا على الحق ،
و إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين .


169 - " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 275 :

أخرجه أبو داود ( 4841 ) و ابن حبان ( 1994 ) و البيهقي ( 3 / 209 ) و أحمد
( 2 / 302 ، 343 ) و الحربي في " غريب الحديث " ( 5 / 82 / 1 ) من طرق عن
عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا .
ثم روى البيهقي عن أبي الفضل أحمد بن سلمة : سمعت مسلم بن الحجاج يقول :
لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد ابن زياد ، فقلت له :
حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا ابن فضيل عن عاصم به . فقال مسلم : " إنما
تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل " .
قال البيهقي :
" عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " .
قلت : و هو ثقة ، في حديثه عن الأعمش وحده مقال ، و قد احتج به الشيخان ، فليس
هذا من روايته عن الأعمش فهو حجة ، و بقية رجال الإسناد ثقات ، فالسند صحيح .
على أن متابعة أبي هشام الرفاعي - و اسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي - لا بأس
بها . فإن أبا هشام ، و إن ضعفه بعض الأئمة فليس من أجل تهمة فيه ، و قد أخرجه
عنه الترمذي ( 1 / 206 ) و قال :
" حديث حسن صحيح غريب " .
( فائدة ) :
-----------
قال المناوي في " فيض القدير " :
" و أراد بالتشهد هنا الشهادتين ، من إطلاق الجزء على الكل ، كما في التحيات .
قال القاضي : أصل التشهد الإتيان بكلمة الشهادة ، و سمي التشهد تشهدا لتضمنه
إياهما ، ثم اتسع فيه ، فاستعمل في الثناء على الله تعالى و الحمد له " .
قلت : و أنا أظن أن المراد بالتشهد في هذا الحديث إنما هو خطبة الحاجة التي كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه : " إن الحمد لله نحمده و نستعينه
و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله
فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله " .
و دليلي على ذلك حديث جابر بلفظ :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيخطب فيحمد الله و يثني عليه بما هو
أهله و يقول : من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، إن خير
الحديث كتاب الله .... " الحديث .
و في رواية عنه بلفظ :
" كان يقول في خطبته بعد التشهد : إن أحسن الحديث كتاب الله .. " الحديث رواه
أحمد و غيره .
فقد أشار في هذا اللفظ إلى أن ما في اللفظ الأول قبيل " إن خير الحديث ... " هو
التشهد ، و هو و إن لم يذكر فيه صراحة فقد أشار إليه بقوله فيه : " فيحمد الله
و يثني عليه " و قد تبين في أحاديث أخرى في خطبة الحاجة أن الثناء عليه تعالى
كان يتضمن الشهادتين ، و لذلك قلنا : إن التشهد في هذا الحديث إشارة إلى التشهد
المذكور في خطبة الحاجة ، فهو يتفق مع اللفظ الثاني في حديث جابر في الإشارة
إلى ذلك . و قد تكلمت عليه في " خطبة الحاجة " ( ص 32 طبع المكتب الإسلامي ) ،
فليراجعه من شاء .
و قوله : " كاليد الجذماء " أي المقطوعة ، و الجذم سرعة القطع ، يعني أن كل
خطبة لم يؤت فيها بالحمد و الثناء على الله فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة
بها " مناوي .
قلت : و لعل هذا هو السبب أو على الأقل من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من
الدروس و المحاضرات التي تلقى على الطلاب أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور ، مع
حرص النبي صلى الله عليه وسلم البالغ على تعليمه أصحابه إياه ، كما شرحته في
الرسالة المشار إليها . فلعل هذا الحديث يذكر الخطباء بتدارك ما فاتهم من
إهمالهم لهذه السنة التي طالما نبهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة و غيرها .
( تنبيه ) :
---------
عزى السيوطي في " الجامع الصغير " الحديث إلى أبي داود فقط و زاد عليه في
" الكبير " العسكري و الحلية و البيهقي في السنن ، ففاته الترمذي و أحمد
و الحربي ! و لم أره في فهرست " الحلية " للغماري و الله أعلم .


170 - " إذا قلت للناس أنصتوا و هم يتكلمون ، فقد ألغيت على نفسك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 278 :

رواه الإمام أحمد ( 2 / 318 ) : حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قلت : فذكر أحاديث
كثيرة هذا أحدها .
و هذا سند صحيح على شرط الشيخين .
و قد أخرجاه في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ :
" إذا قلت لصحابك أنصت يوم الجمعة و الإمام يخطب فقد لغوت " .
و كذلك أخرجه مسلم و غيره من طرق أخرى عن أبي هريرة كما بينته في " إرواء
الغليل " ( رقم 612 ) .
و الظاهر أن هذا حديث آخر يرويه همام - و هو ابن منبه أخو وهب - عن أبي هريرة ،
غير الذي رواه سعيد و من أشرنا إليه عن أبي هريرة . و الله أعلم .
و الحديث مما فات السيوطي في " الجامع الكبير " ، فخذه فائدة عزيزة قد لا تجدها
في مكان آخر . و الله الموفق .
( ألغيت ) أي قلت اللغو و ما لا يحسن من الكلام ، قال الراغب الأصبهاني في
" المفردات " :
" اللغو من الكلام ما لا يعتد به ، و هو الذي يورد لا عن روية فكر ، فيجري مجرى
اللغا ، و هو صوت العصافير ، و نحوها من الطيور ، قال أبو عبيدة : لغو و لغا ،
نحو عيب و عاب . و أنشدهم : عن اللغا و رفث الكلم ، يقال : لغيت تلغى ، نحو
لقيت تلقى ، و قد يسمى كل كلام قبيح لغوا " .
قلت : و في الحديث التحذير من الإخلال بأدب رفيع من آداب الحديث و المجالسة ،
و هو أن لا يقطع على الناس كلامهم ، بل ينصت هو حتى ينتهي كلامهم ، و إن كان
كبير القوم ، ثم يتكلم هو بدوره إن شاء ، فذلك أدعى إلى حصول الفائدة من الكلام
المتبادل بين الطرفين ، لاسيما إذا كان في بحث علمي شرعي ، و قد أخل - مع الأسف
- بهذا الأدب أكثر المتباحثين ، فإليه نلفت أنظارهم ، أدبنا الله تعالى جميعا
بأدب نبيه صلى الله عليه وسلم .


171 - " كان صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المصلى ، و حتى يقضي
الصلاة ، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 279 :

أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 2 / 1 / 2 ) : حدثنا يزيد بن هارون عن
ابن أبي ذئب عن الزهري :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان .. " الحديث .
و من هذا الوجه أخرجه المحاملي في " كتاب صلاة العيدين " ( 2 / 142 / 2 ) .
قلت : و هذا إسناد صحيح لولا أنه مرسل لكن له شاهد موصول يتقوى به ، أخرجه
البيهقي ( 3 / 279 ) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس
و عبد الله و العباس ، و علي ، و جعفر ، و الحسن ، و الحسين ، و أسامة بن زيد
و زيد بن حارثة ، و أيمن بن أم أيمن رضي الله عنهم ، رافعا صوته بالتهليل
و التكبير ، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلى ، و إذا فرغ رجع على الحذائين
حتى يأتي منزله " .
قلت : و رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، غير أن عبد الله بن عمر و هو العمري
المكبر ، قال الذهبي : " صدوق في حفظه شيء " .
قلت : فمثله مما يصلح للاستشهاد به ، لأن ضعفه لم يأت من تهمة في نفسه ، بل من
حفظه ، فضعفه يسير ، فهو شاهد قوي لمرسل الزهري ، و بذلك يصير الحديث صحيحا كما
تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف .
و للحديث طريق أخرى عن ابن عمر ، روي من طريق الزهري أخبرني سالم بن عبد الله
أن عبد الله بن عمر أخبره به . مثل المرسل .
غير أن إسناده إلى الزهري واه جدا كما بينته في " إرواء الغليل " ( 643 ) فمثله
لا يستشهد به ، فلذلك أعرضت عن إيراده هنا .
و قد صح من طريق نافع عن ابن عمر موقوفا مثله . و لا منافاة بينه و بين المرفوع
لاختلاف المخرج ، كما هو ظاهر ، فالحديث صحيح عندي مرفوعا و موقوفا .
و لفظ الموقوف :
" كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام ، فيكبر
بتكبيره " .
أخرجه الفريابي في " كتاب أحكام العيدين " ( ق 129 / 1 ) بسند صحيح ، و رواه
الدارقطني ( 180 ) و غيره بزيادة : " و يوم الأضحى " . و سنده جيد .

و في الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرا في
الطريق إلى المصلى ، و إن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت
أن تصبح في خبر كان ، و ذلك لضعف الوازع الديني منهم ، و خجلهم من الصدع بالسنة
و الجهر بها ، و من المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس و تعليمهم ، فكأن
الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون ! ، و أما ما هم بأمس الحاجة إلى
معرفته ، فذلك مما لا يلتفتون إليه ، بل يعتبرون البحث فيه و التذكير به قولا
و عملا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملا و تعليما ، فإنا لله
و إنا إليه راجعون .
و مما يحسن التذكير به بهذه المناسبة ، أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه
الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض و كذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت
أو لا يشرع ، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور ، و مثله الأذان من الجماعة
المعروف في دمشق بـ " أذان الجوق " ، و كثيرا ما يكون هذا الاجتماع سببا لقطع
الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده ، مثل " لا إله " في تهليل فرض
الصبح و المغرب ، كما سمعنا ذلك مرارا .
فنكن في حذر من ذلك و لنذكر دائما قوله صلى الله عليه وسلم :
" و خير الهدي هدي محمد " .


172 - " يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة : يا ابن آدم ! كيف وجدت
مضجعك ؟ فيقول : شر مضجع ، فيقال له : لو كانت لك الدنيا و ما فيها أكنت مفتديا
بها ؟ فيقول : نعم ، فيقول : كذبت قد أردت منك أهون من هذا ، و أنت في صلب " و
في رواية : ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئا و لا أدخلك النار ، فأبيت إلا الشرك
، فيؤمر به إلى النار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 282 :

رواه البخاري ( 2 / 333 و 4 / 239 ، 242 ) و مسلم ( 8 / 134 ، 135 ) و أحمد
( 3 / 127 ، 129 ) و كذا أبو عوانة و ابن حبان في صحيحيهما كما في " الجامع
الكبير " ( 3 / 95 / 1 ) من طريق أبي عمران الجوني - و السياق له عند مسلم
و قتادة ، كلاهما عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
و له طريق ثالث : عن ثابت عن أنس به نحوه .
عزاه الحافظ في " الفتح " ( 6 / 349 ) لمسلم و النسائي ، و لم أره عند مسلم ،
و أما النسائي ، فالظاهر أنه يعني " السنن الكبرى " له و الله أعلم .
قوله : ( فيقول : كذبت ) قال النووي :
" معناه لو رددناك إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك ، فأبيت فيكون
من معنى قوله تعالى : ( و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، و إنهم لكاذبون ) ،
و بهذا يجتمع معنى هذا الحديث مع قوله تعالى : ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا
و مثله معه لافتدوا به ) .
قوله : ( قد أردت منك ) أي أحببت منك ، و الإرادة في الشرع تطلق و يراد بها ما
يعم الخير و الشر و الهدى و الضلال كما في قوله تعالى ( و من يرد الله أن يهديه
يشرح صدره للإسلام ، و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في
السماء ) . و هذه الإرادة لا تتخلف . و تطلق أحيانا و يراد بها ما يرادف الحب
و الرضا ، كما في قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ، و لا يريد بكم العسر ) ،
و هذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث ( أردت منك ) أي أحببت
و الإرادة بهذا المعنى قد تتخلف ، لأن الله تبارك و تعالى لا يجبر أحدا على
طاعته و إن كان خلقهم من أجلها ( فمن شاء فليؤمن ، و من شاء فليكفر ) ، و عليه
فقد يريد الله تبارك و تعالى من عبده ما لا يحبه منه . و يحب منه ما لا يريده ،
و هذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإرادة الكونية أخذا من قوله
تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون ) ، و يسمى الإرادة
الأخرى المرادفة للرضا بالإرادة الشرعية ، و هذا التقسيم ، من فهمه انحلت له
كثير من مشكلات مسألة القضاء و القدر ، و نجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال
و تفصيل ذلك في الكتاب الجليل " شفاء العليل في القضاء و القدر و الحكمة
و التعليل " لابن القيم رحمه الله تعالى .
قوله ( و أنت في صلب آدم ) .
قال القاضي عياض :
" يشير بذلك إلى قوله تعالى ( و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم )
الآية ، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم ، فمن وفى به بعد وجوده في
الدنيا فهو مؤمن ، و من لم يوف به فهو كافر ، فمراد الحديث : اردت منك حين أخذت
الميثاق ، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك " . ذكره في " الفتح " .


173 - " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين : لا تؤذيه
قاتلك الله ، فإنما هو عندك دخيل ، يوشك أن يفارقك إلينا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 284 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 208 بشرح التحفة ) و ابن ماجه ( 6 / 641 ) و أحمد
( 5 / 242 ) و أبو عبد الله القطان في " حديثه عن الحسن بن عرفة "
( ق 145 / 1 ) و الهيثم بن كليب في " مسنده " ( 167 / 1 ) و أبو العباس الأصم
في " مجلسين من الأمالي " ( ق 3 / 1 ) و أبو نعيم في " صفة الجنة " ( 14 / 2 )
من طرق عن إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة
الحضرمي عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
و قال الترمذي :
" حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، و رواية إسماعيل بن عياش عن
الشاميين أصلح ، و له عن أهل الحجاز و العراق مناكير " .
قلت : و قد وثقه أحمد و ابن معين و البخاري و غيرهم في روايته عن الشاميين
و هذه منها ، فإن بحير بن سعد شامي ثقة و كذلك سائر الرواة فالسند صحيح ،
و لا أدري لماذا اقتصر الترمذي على استغرابه ، و لم يحسنه على الأقل .
ثم رأيت المنذري في " الترغيب " ( 3 / 78 ) نقل عن الترمذي أنه قال فيه :
" حديث حسن " .
قلت : و كذا في نسخة بولاق من " الترمذي " ( 1 / 220 ) ، و هذا أقل ما يمكن أن
يقال فيه .
( دخيل ) أي ضيف و نزيل . يعني هو كالضيف عليك ، و أنت لست بأهل له حقيقة ،
و إنما نحن أهله ، فيفارقك قريبا ، و يلحق بنا .
( يوشك ) أي يقرب ، و يسرع ، و يكاد .
في الحديث - كما ترى - إنذار للزوجات المؤذيات .


174 - " لا بأس بالغنى لمن اتقى ، و الصحة لمن اتقى خير من الغنى ، و طيب النفس من
النعيم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 285 :

أخرجه ابن ماجه ( 2141 ) و الحاكم ( 2 / 3 ) و أحمد ( 5 / 272 و 381 ) من طريق
عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة أنه سمع معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن
عمه قال :
" كنا في مجلس ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم و على رأسه أثر ماء ، فقال له
بعضنا : نراك اليوم طيب النفس ، فقال : أجل ، و الحمد لله ، ثم أفاض القوم في
ذكر الغنى ، فقال : " فذكره .
و قال الحاكم :
" صحيح الإسناد ، و الصحابى الذي لم يسم هو يسار بن عبد الله الجهني " .
و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا ، فإن رجاله ثقات كلهم ، و قال البوصيري في الزوائد " :
" إسناده صحيح ، و رجاله ثقات " .


175 - " لا يشربن أحد منكم قائما " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 286 :

رواه مسلم ( 6 / 110 - 111 ) عن عمر بن حمزة أخبرني أبو غطفان المري أنه سمع
أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره . و زاد :
" فمن نسي فليستقىء " .
قلت : و عمر هذا و إن احتج به مسلم فقد ضعفه أحمد و ابن معين و النسائي و غيرهم
و لذلك قال الحافظ في " التقريب " : " ضعيف " ، فالحديث بهذه الزيادة ضعيف .لكن
صح بلفظ آخر ، و لذلك أوردته هنا بدونها ، فقد رواه أبو زياد الطحان قال : سمعت
أبا هريرة يقول ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال
له : قه ، قال ، لمه ؟ قال ، أيسرك أن يشرب معك الهر ؟ قال : لا ، قال :
فإنه قد شرب معك من هو شر منه ! الشيطان !!

أخرجه أحمد ( 7990 ) و الدارمي ( 2 / 121 ) و الطحاوي في " مشكل الآثار "
( 3 / 19 ) عن شعبة عن أبي زياد به .
و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي زياد هذا ، قال ابن معين ثقة .
و قال أبو حاتم : " شيخ صالح الحديث " . كما في " الجرح و التعديل " ( 4 / 2 /
373 ) ، فقول الذهبي فيه " لا يعرف " ، مما لا يعرج عليه ، بعد توثيق هذين
الإمامين له .
و قد ورد الحديث بلفظ آخر و هو :
" لو يعلم الذي يشرب و هو قائم ما في بطنه لاستقاء " .


176 - " لو يعلم الذي يشرب و هو قائم ما في بطنه لاستقاء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 287 :

أخرجه أحمد ( 7795 و 7796 ) عن الزهري عن رجل ، و عن الأعمش عن أبي صالح كلاهما
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
و رواه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 3 / 18 ) عن الأعمش به و زاد :
" فبلغ علي بن أبي طالب ، فقام فشرب قائما " .
قلت : و الإسناد الثاني صحيح رجاله الشيخين ، و في السند الأول الرجل الذي لم
يسم ، فإن كان غير الأعمش ، فهو تقوية للحديث ، و إن كان هو هو ، فلا يعله ،
كما هو ظاهر . و في " مجمع الزوائد " ( 5 / 79 ) :
" رواه أحمد بإسنادين ، و البزار ، و أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح " .
و في الحديث تلميح لطيف إلى النهي عن الشرب قائما ، و قد جاء التصريح بذلك من
حديث أنس رضي الله عنه و هو :
" نهى " و في لفظ : زجر " عن الشرب قائما " .


177 - " نهى " و في لفظ : زجر " عن الشرب قائما " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 288 :

رواه مسلم ( 6 / 110 ) و أبو داود ( رقم 3717 ) و الترمذي ( 3 / 111 ) و
الدارمي ( 2 / 120 - 121 ) و ابن ماجه ( 2 / 338 ) و الطحاوي في " شرح المعاني
"
( 2 / 357 ) و " المشكل " ( 3 / 18 ) و الطيالسي ( 2 / 332 ) و أحمد
( 3 / 118 ، 131 ، 147 ، 199 ، 214 ، 250 ، 277 ، 291 ) و أبو يعلى
( 156 / 2 ، 158 / 2 ، 159 / 2 ) و " الضياء " في " المختارة " ( 205 / 2 )
من طريق قتادة عن أنس مرفوعا ، و زاد الأخيران : " و الأكل قائما " .
و في إسنادهما مطر الوراق ، ضعيف ، و قد خولف ، ففي رواية مسلم و غيره :
" قال قتادة : فقلنا : فالأكل ؟ فقال : ذاك أشر و أخبث " .
قلت : فروايتهما مدرجة . و لقتادة فيه إسنادان آخران :
فرواه عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد الخدري ، باللفظ الثاني .
أخرجه مسلم و الطحاوي .
ثم رواه عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود بن العلاء رضي الله عنه .
أخرجه الطحاوي و الترمذي و قال :
" حديث حسن غريب " . و له شاهد من حديث أبي هريرة مثله .
أخرجه أحمد ( 2 / 327 ) و الطحاوي و سنده صحيح .
و له شاهد آخر من حديث جابر نحوه . أخرجه أبو عروبة الحراني في
" حديث الجزريين " ( 51 / 1 ) بسند صحيح .
و ظاهر النهي في هذه الأحاديث يفيد تحريم الشرب قائما بلا عذر ، و قد جاءت
أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائما ، فاختلف العلماء في
التوفيق بينها ، و الجمهور على أن النهي للتنزيه ، و الأمر بالاستقاء للاستحباب
.
و خالفهم ابن حزم فذهب إلى التحريم ، و لعل هذا هو الأقرب للصواب ، فإن القول
بالتنزيه لا يساعد عليه لفظ " زجر " ، و لا الأمر بالاستقاء ، لأنه أعني
الاستقاء فيه مشقة شديدة على الإنسان ، و ما أعلم أن في الشريعة مثل هذا
التكليف كجزاء لمن تساهل بأمر مستحب ! و كذلك قوله " قد شرب معك الشيطان " فيه
تنفير شديد عن الشرب قائما ، و ما إخال ذلك يقال في ترك مستحب .
و أحاديث الشرب قائما يمكن أن تحمل على العذر كضيق المكان ، أو كون القربة
معلقة و في بعض الأحاديث الإشارة إلى ذلك . و الله أعلم .


178 - " ارقيه ، و علميها حفصة ، كما علمتيها الكتاب ، و في رواية الكتابة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 289 :

أخرجه الحاكم ( 4 / 56 - 57 ) من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان حدثنا
إسماعيل بن محمد بن سعد أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة القرشي حدثه أن رجلا
من الأنصار خرجت به نملة ، فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة ،
فجاءها فسألها أن ترقيه ، فقالت : و الله ما رقيت منذ أسلمت ، فذهب الأنصاري
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالت الشفاء ، فدعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم الشفاء ، فقال اعرضي علي ، فعرضتها عليه فقال : فذكر الحديث
و قال : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي .
قلت : و قد تابع إبراهيم بن سعد عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، و لكنه
خالفه في السند و المتن .
أما السند فقال : عن صالح بن كيسان عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن سليمان بن أبي
حثمة عن الشفاء بنت عبد الله . فأسقط منه إسماعيل بن محمد بن سعد .
و أما المتن فرواه بلفظ :
" دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم و أنا عند حفصة ، فقال لي : ألا تعلمين
هذه رقية النملة ، كما علمتها الكتابة ؟ " .
فلم يذكر فيه عرضها الرقية عليه صلى الله عليه وسلم و أمره إياها بالرقية ،
و ستعلم أهمية ذلك في فهم الحديث على الوجه الصحيح قريبا إن شاء الله تعالى .
أخرجه أحمد ( 6 / 372 ) و أبو داود ( 2 / 154 ) و الطحاوي في " شرح معاني
الآثار " ( 2 / 388 ) و النسائي أيضا كما في " الفتاوي الحديثية " للسخاوي
( 81 / 2 ) و " نيل الأوطار " للشوكاني ( 8 / 176 ) .
و الرواية الأولى أصح لوجهين :
الأول : أن إبراهيم بن سعد أحفظ من مخالفه عبد العزيز بن عمر .
فإنهما و إن كان الشيخان قد احتجا بهما كليهما ، فإن الأول قال فيه الحافظ في
" التقريب " : " ثقة حجة : تكلم فيه بلا قادح " . و أما الآخر ، فقال فيه :
" صدوق يخطىء " ، و لهذا أورده الذهبي في " الميزان " و في " الضعفاء " ، و لم
يورد الأول .
الثاني : أن إبراهيم معه زيادة في السند و المتن ، و زيادة الثقة مقبولة كما هو
معروف .
و قد تابعه في الجملة محمد بن المنكدر عن أبي بكر بن سليمان به مختصرا لكنه
خالفه في إسناده فقال :
" عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، و عندها امرأة يقال لها
شفاء ترقي من النملة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : علميها حفصة " .
فجعل الحديث من مسند حفصة لا الشفاء .
أخرجه أحمد ( 6 / 286 ) و الطحاوي و الحاكم ( 4 / 414 ) و أبو نعيم في " الطب "
( 2 / 28 / 2 ) عن سفيان عن ابن المنكدر .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا أيضا ، و الخلاف المذكور لا يضر إن شاء الله تعالى ، لأن
من الممكن أن تكون حفصة حدثت به كما حدثت به الشفاء ، فإن القصة وقعت بحضورهما
ثم رواه أبو بكر بن سليمان تارة عن هذه ، و تارة عن هذه ، لكن ذكر السخاوي أنه
اختلف على سفيان في وصله ، و إرساله .
قلت : و هذا لا يضر أيضا ، فقد رواه عنه موصولا كما أوردناه جماعة من الثقات
عند الحاكم ، و غيرهم عند غيره فلا عبرة بمخالفة من خالفهم .
و تابعه أيضا كريب بن سليمان الكندي قال :
" أخذ بيدي علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم حتى انطلق بي إلى رجل من قريش
أحد بني زهرة يقال له : ابن أبي حثمة ، و هو يصلي قريبا منه ، حتى فرغ ابن أبي
حثمة من صلاته ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال له علي بن الحسين : الحديث الذي
ذكرت عن أمك في شأن الرقية ؟ فقال : نعم : حدثتني أمي أنها كانت ترقي برقية في
الجاهلية فلما أن جاء الإسلام قالت : لا أرقي حتى أستأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال النبي " أرقي ما لم يكن شرك بالله عز و جل " .
أخرجه ابن حبان ( 1414 ) و الحاكم ( 4 / 57 ) من طريق الجراح بن الضحاك الكندي
عن كريب به . و علقه ابن منده من هذا الوجه .
و كريب هذا أورده ابن أبي حاتم في " الجرح و التعديل " ( 3 / 2 / 169 ) لكنه
سمى أباه سليما ، و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا .
ثم رواه الحاكم و ابن منده في " المعرفة " ( 2 / 332 / 1 ) من طريق عثمان
ابن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة القرشي العدوي حدثني أبي عن جدي عثمان
بن سليمان عن أبيه عن أمه الشفاء بنت عبد الله أنها كانت ترقي برقى الجاهلية ،
و أنها لما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه فقالت : يا رسول الله
إني كنت أرقي برقى في الجاهلية ، فقد رأيت أن أعرضها عليك ، فقال : اعرضيها
فعرضتها عليه ، و كانت منها رقية النملة ، فقال ارقي بها و علميها حفصة : بسم
الله ، صلوب ، حين يعود من أفواهها ، و لا تضر أحدا ، اللهم اكشف البأس ، رب
الناس ، قال : ترقي بها على عود كركم سبع مرات ، و تضعه مكانا نظيفا ، ثم تدلكه
على حجر ، و تطليه على النملة .
سكت عليه الحاكم . و قال الذهبي : " سئل ابن معين عن عثمان فلم يعرفه " .
يعني عثمان بن عمر ، و قال ابن عدي : " مجهول " .
قلت : و هذه الطريق مع ضعفها و كذا التي قبلها ، فلا بأس بهما في المتابعات .
غريب الحديث
------------
( نملة ) هي هنا قروح تخرج في الجنب .
( رقية النملة ) قال الشوكاني في تفسيرها :
" هي كلام كانت نساء العرب تستعمله ، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر و لا
ينفع ، و رقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال للعروس تحتفل و تختضب ،
و تكتحل ، و كل شيء يفتعل ، غير أن لا تعصي الرجل " .
كذا قال ، و لا أدري ما مستنده في ذلك ، و لاسيما و قد بني عليه قوله الآتي
تعليقا على قوله صلى الله عليه وسلم : " ألا تعلمين هذه ... " :
" فأراد صلى الله عليه وسلم بهذا المقال تأنيب حفصة و التأديب لها تعريضا ،
لأنه ألقى إليها سرا فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى ( و إذ أسر
النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) الآية " .
و ليت شعري ما علاقة الحديث بالتأنيب لإفشاء السر، و هو يقول :
" كما علمتها الكتاب ، فهل يصح تشبيه تعليم رقية لا فائدة منها بتعليم
الكتابة ؟ ! و أيضا فالحديث صريح في أمره صلى الله عليه وسلم للشفاء بترقية
الرجل الأنصاري من النملة و أمره إياها بأن تعلمها لحفصة ، فهل يعقل بأن يأمر
صلى الله عليه وسلم بهذه الترقية لو كان باللفظ الذي ذكره الشوكاني بدون أي سند
و هو بلا شك كما قال كلام لا يضر و لا ينفع ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسمى
من أن يأمر بمثل هذه الترقية ، و لئن كان لفظ رواية أبي داود يحتمل تأويل
الحديث على التأنيب المزعوم ، فإن لفظ الحاكم هذا الذي صدرنا به هذا البحث لا
يحتمله إطلاقا ، بل هو دليل صريح على بطلان ذلك التأويل بطلانا بينا كما هو
ظاهر لا يخفى ، و كأنه لذلك صدر ابن الأثير في " النهاية " تفسير الشوكاني
المذكور لـ ( رقية النملة ) و عنه نقله الشوكاني ، صدره بقوله " قيل " مشيرا
بذلك إلى ضعف ذلك التفسير و ما بناه عليه من تأويل قوله " ألا تعلمين ... " !
( كركم ) هو الزعفران ، و قيل العصفر ، و قيل شجر كالورس ، و هو فارسي معرب .
( صلوب ) كذا و لم أعرف له معنى ، و لعله - إن سلم من التحريف - لفظ عبري .
و الله أعلم .
من فوائد الحديث
------------------
و في الحديث فوائد كثيرة أهمها اثنتان :
الأولى : مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى ، بخلاف طلب
الرقية من غيره فهو مكروه لحديث " سبقك بها عكاشة " و هو معروف مشهور .
و الأخرى : مشروعية تعليم المرأة الكتابة . و من أبواب البخاري في
" الأدب المفرد " ( رقم 1118 ) : " باب الكتابة إلى النساء و جوابهن " .
ثم روى بسنده الصحيح عن موسى بن عبد الله قال :
" حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت : قلت لعائشة - و أنا في حجرها ، و كان الناس
يأتونها من كل مصر ، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها ، و كان الشباب يتأخوني
فيهدون إلي ، و يكتبون إلي من الأمصار ، فأقول لعائشة - يا خالة هذا كتاب فلان
و هديته . فتقول لي عائشة أي بنية ! فأجيبيه و أثيبيه ، فإن لم يكن عندك ثواب
أعطيتك ، قالت : فتعطيني " .
قلت : و موسى هذا هو ابن عبد الله بن إسحاق به طلحة القرشي ، روى عن جماعة من
التابعين ، و عنه ثقتان ، ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح و التعديل " ( 4 / 1 /
150 ) و من قبله البخاري في " التاريخ الكبير " ( 4 / 287 ) و لم يذكرا فيه
جرحا و لا تعديلا ، و قد ذكره ابن حبان في " الثقات " ، و قال الحافظ في
" التقريب " : " مقبول " . يعني عند المتابعة ، و إلا فهو لين الحديث .
و قال المجد ابن تيمية في " منتقى الأخبار " عقب الحديث :
" و هو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة " .
و تبعه على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن محمود البعلبكي الحنبلي في " المطلع "
( ق 107 / 1 ) ، ثم الشوكاني في " شرحه " ( 8 / 177 ) و قال :
" و أما حديث " لا تعلموهن الكتابة ، و لا تسكنوهن الغرف ، و علموهن سورة
النور " ، فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من
تعليمها الفساد " .
قلت : و هذا الكلام مردود من وجهين :
الأول : أن الجمع الذي ذكره يشعر أن حديث النهي صحيح ، و إلا لما تكلف التوفيق
بينه و بين هذا الحديث الصحيح . و ليس كذلك ، فإن حديث النهي موضوع كما قال
الذهبي . و طرقه كلها واهية جدا ، و بيان ذلك في " سلسلة الأحاديث الضعيفة "
رقم ( 2017 ) ، فإذا كان كذلك فلا حاجة للجمع المذكور ، و نحو صنيع الشوكاني
هذا قول السخاوي في هذا الحديث الصحيح " أنه أصح من حديث النهي " ! فإنه يوهم
أن حديث النهي صحيح أيضا .
و الآخر : لو كان المراد من حديث النهي من يخشى عليها الفساد من التعليم لم يكن
هناك فائدة من تخصيص النساء بالنهي ، لأن الخشية لا تختص بهن ، فكم من رجل كانت
الكتابة عليه ضررا في دينه و خلقه ، أفينهى أيضا الرجال أن يعلموا الكتابة ؟ !
بل و عن تعلم القراءة أيضا لأنها مثل الكتابة من حيث الخشية !
و الحق أن الكتابة و القراءة ، نعمة من نعم الله تبارك و تعالى على البشر كما
يشير إلى ذلك قوله عز و جل ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق . اقرأ
و ربك الأكرم . الذي علم بالقلم ) ، و هي كسائر النعم التي امتن الله بها عليهم
و أراد منهم استعمالها في طاعته ، فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته ،
فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه ، كنعمة البصر و السمع و الكلام
و غيرها ، فكذلك الكتابة و القراءة ، فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من
تعلمها شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإسلامية ، كما هو الواجب عليهم
بالنسبة لأولادهم الذكور أيضا ، فلا فرق في هذا بين الذكور و الإناث .
و الأصل في ذلك أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث ، و ما يجوز لهم جاز لهن
و لا فرق ، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما النساء شقائق
الرجال " ، رواه الدارمي و غيره ، فلا يجوز التفريق إلا بنص يدل عليه ، و هو
مفقود فيما نحن فيه ، بل النص على خلافه ، و على وفق الأصل ، و هو هذا الحديث
الصحيح ، فتشبث به و لا ترض به بديلا ، و لا تصغ إلى من قال :
ما للنساء و للكتابة و العمالة و الخطابة
هذا لنا و لهن منا أن يبتن على جنابة !
فإن فيه هضما لحق النساء و تحقيرا لهن ، و هن كما عرفت شقائق الرجال .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف و الاعتدال في الأمور كلها .


179 - " لا طاعة لأحد في معصية الله تبارك و تعالى " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 297 :

رواه أحمد ( 5 / 66 ) عن عبد الله بن الصامت قال :
" أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين على خراسان ، فأبى عليهم ، فقال له أصحابه :
أتركت خراسان أن تكون عليها ؟ قال : فقال إني و الله ما يسرني أن أصلى بحرها
و تصلون ببردها و إني أخاف إذا كنت في نحور العدو أن يأتيني كتاب من زياد ، فإن
أنا مضيت هلكت ، و إن رجعت ضربت عنقي ، قال : فأراد الحكم بن عمرو الغفاري
عليها ، قال : فانقاد لأمره ، قال : فقال عمران : ألا أحد يدعو لي الحكم ؟
قال : فانطلق الرسول ، قال : فأقبل الحكم إليه ، قال : فدخل عليه ، قال : فقال
عمران للحكم : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( فذكره ) قال : نعم
قال عمران : لله الحمد أو الله أكبر " .
قلت : و إسناده صحيح على شرط مسلم ، و قواه الحافظ في " الفتح " ( 13 / 109 )
و روى الطبراني في " الكبير " ( 1 / 154 / 2 ) المرفوع منه فقط بهذا اللفظ .
و له طريق أخرى عند الطيالسي ( 856 ) و أحمد ( 4 / 432 ، 5 / 66 ) و الطبراني
( 155 / 1 ) من طرق عن محمد قال :
" جاء رجل إلى عمران بن حصين و نحن عنده ، فقال : استعمل الحكم بن عمرو الغفاري
على خراسان ، فتمناه عمران حتى قال له رجل من القوم ألا ندعو لك ؟ فقال له : لا
ثم قام عمران ، فلقيه بين الناس فقال عمران : إنك قد وليت أمرا من أمر المسلمين
عظيما ، ثم أمره و نهاه و وعظه ، ثم قال : هل تذكر يوم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم " لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك و تعالى " ؟ قال الحكم : نعم ،
قال عمران : الله أكبر " .
و في رواية لأحمد عن محمد :
" أنبئت أن عمران بن حصين قال للحكم الغفاري - و كلاهما من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم : هل تعلم يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة
في معصية الله تبارك و تعالى ؟ قال : نعم ، قال : الله أكبر ، الله أكبر " .
و رجاله ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين محمد و هو ابن سيرين و بين عمران كما
هو صريح الرواية الثانية .
ثم أخرجه أحمد و الطبراني و الحاكم ( 3 / 443 ) من طريقين عن الحسن :
" أن زيادا استعمل الحكم الغفاري على جيش فأتاه عمران بن حصين فلقيه بين الناس
فقال : أتدري لم جئتك ؟ فقال له " لم ؟ قال : هل تذكر قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم للرجل الذي قال أميره قع في النار ! " فقام الرجل ليقع فيها " فأدرك
فاحتبس ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو وقع فيها لدخلا النار
جميعا ، لا طاعة في معصية الله تبارك و تعالى ؟ قال : قال : إنما أردت أن أذكرك
هذا الحديث " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا إن كان الحسن - و هو البصري - سمعه من عمران فقد كان
مدلسا و قال الهيثمي في " المجمع " ( 5 / 226 ) بعد أن ساقه من طريق عبد الله
بن الصامت ، و طريق الحسن هذه :
" رواه أحمد بألفاظ ، و الطبراني باختصار ، و في بعض طرقه لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق ، و رجال أحمد رجال الصحيح " .
و للمرفوع منه طريق أخرى مختصرا بلفظ :
" لا طاعة في معصية الله تبارك و تعالى " .


180 - " لا طاعة في معصية الله تبارك و تعالى " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 300 :

أخرجه أحمد ( 4 / 426 ، 427 ، 436 ) و كذا الطيالسي ( 850 ) عن قتادة قال :
سمعت أبا مراية العجيلي قال سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال : فذكره .
قلت : و رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي مراية هذا ذكره ابن حبان في
" الثقات " .
و أورده الهيثمي ( 5 / 226 ) بهذا اللفظ من حديث عمران و الحكم ابن عمرو
معا و قال :
" رواه البزار و الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " و رجال البزار رجال
الصحيح " .
و أورده السيوطي في " الجامع الكبير " ( 3 / 13 / 1 ) بلفظ الطبراني من رواية
أحمد و ابن جرير و ابن خزيمة و الطبراني في الكبير و ابن قانع عن عمران بن حصين
و الحكم بن عمرو الغفاري معا و أبي نعيم في " معجمه " و الخطيب عن أنس ،
و الشيرازي في " الألقاب " عن جابر ، و الطبراني في " الكبير " عن النواس
بن سمعان .
قلت : و في هذا التخريج ما لا يخفى من التساهل ، فقد علمت أن اللفظ ليس عند
أحمد و الحاكم ، و إنما هو عند الطبراني فقط كما أفاده الهيثمي ، و لا أدري هل
هو عند سائر من عزاه إليهم بهذا اللفظ أم بنحوه .
و أكثر من ذلك تسامحا ما فعله في الجامع الصغير ، فقد أورده فيه باللفظ المذكور
من رواية أحمد و الحاكم فقط ! و هذا خطأ واضح ، و كأن منشأه أنه لما وجد الحديث
في " الجامع الكبير " بهذا اللفظ معزوا للجماعة الذين سبق ذكرهم نسي أنه كان
تسامح في عزوه إليهم جميعا و أن اللفظ إنما هو لأحدهم و هو الطبراني ، فلما
اختصر التخريج في " الجامع الصغير " اقتصر فيه على أحمد و الحاكم في العزو فنتج
من ذلك هذا الخطأ . و العصمة لله وحده .
و للحديث شاهد من حديث علي و فيه تفصيل قصة الأمير الذي أمر جنده بدخول النار ،
و هو :
" لا طاعة " لبشر " في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف " .


181 - " لا طاعة " لبشر " في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 301 :

أخرجه البخاري ( 13 / 203 - فتح ) و مسلم ( 6 / 15 ) و أبو داود ( 2625 )
و النسائي ( 2 / 187 ) و الطيالسي ( 109 ) و أحمد ( 1 / 94 ) عن علي .
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا ، و أمر عليهم رجلا فأوقد نارا ،
و قال : ادخلوها ، فأراد ناس أن يدخلوها ، و قال الآخرون : إنا قد فررنا منها ،
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذين أرادوا أن يدخلوها : لو
دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة ، و قال للآخرين قولا حسنا ، و قال "
فذكره . و الزيادة للطيالسي و السياق لمسلم .
و في رواية عنه قال :
" بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية و استعمل عليهم رجلا من الأنصار
و أمرهم أن يسمعوا له و يطيعوا ، فأغضبوه إلى شيء ، فقال : اجمعوا لي حطبا
فجمعوا له ، ثم قال . أوقدوا نارا ، فأوقدوا ، ثم قال : ألم يأمركم رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي و تطيعوا ؟ قالوا : بلى ، قال : فادخلوها !
قال : فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا ( و في رواية : فقال لهم شاب ) إنما فررنا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار ( فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله
عليه وسلم ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها ) فكانوا كذلك ،
و سكن غضبه و طفئت النار ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في المعروف " .
أخرجه البخاري ( 8 / 47 ، 13 / 109 ) و مسلم ( 6 / 16 ) و أحمد ( 1 / 82 ، 134
) و الرواية الأخرى مع الزيادة هي له في رواية .
و في الحديث فوائد كثيرة أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله تبارك
و تعالى ، سواء في ذلك الأمراء و العلماء و المشايخ . و منه يعلم ضلال طوائف من
الناس :
الأولى : بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم و لو أمرهم بمعصية ظاهرة بحجة أنها
في الحقيقة ليست بمعصية ، و أن الشيخ يرى ما لا يرى المريد ، و أعرف شيخا من
هؤلاء نصب نفسه مرشدا قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد
مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب
زوجته ، فلما قتله ، عاد إلى شيخه مسرورا لتنفيذ أمر الشيخ ! فنظر إليه الشيخ
و قال : أتظن أنك قتلت أباك حقيقة ؟ إنما هو صاحب أمك ! و أما أبوك فهو غائب !
ثم بنى على هذه القصة حكما شرعيا بزعمه فقال لهم : إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم
مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك ، قال : ألا ترون إلى هذا
الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده ، و لكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل
الزاني بوالدة الولد ، و هو يستحق القتل شرعا ! و لا يخفى بطلان هذه القصة شرعا
من وجوه كثيرة .
أولا : أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه ، و إنما هو من الأمير
أو الوالي .
ثانيا : أنه لو كان له ذلك فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة و هما في ذلك
سواء ؟ .
ثالثا : إن الزاني المحصن حكمه شرعا القتل رجما ، و ليس القتل بغير الرجم .
و من ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه ، و كذلك شأن ذلك المرشد
الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ و لو خالف الشرع ظاهرا ، حتى
لقد قال لهم : إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه !
و مع وضوح بطلان مثل هذا الكلام ، و مخالفته للشرع و العقل معا نجد في الناس من
ينطلي عليه كلامه و فيهم بعض الشباب المثقف . و لقد جرت بيني و بين أحدهم
مناقشة حول تلك القصة و كان قد سمعها من ذلك المرشد و ما بنى عليها من حكم ،
و لكن لم تجد المناقشة معه شيئا و ظل مؤمنا بالقصة لأنها من باب الكرامات في
زعمه ، قال : و أنتم تنكرون الكرامة و لما قلت له : لو أمرك شيخك بقتل والدك
فهل تفعل ؟ فقال : إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة ! ! فتبا لإرشاد يؤدي إلى
تعطيل العقول و الاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة ، فهل من عتب بعد ذلك على من
يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب ؟
الطائفة الثانية : و هم المقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي
صلى الله عليه وسلم ، مع وضوح ما يؤخذ منه ، فإذا قيل لأحدهم مثلا : لا تصل سنة
الفجر بعد أن أقيمت الصلاة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك صراحة لم يطع
و قال المذهب : يجيز ذلك ، و إذا قيل له : إن نكاح التحليل باطل لأن النبي صلى
الله عليه وسلم لعن فاعله ، أجابك بقوله : لا بل هو جائز في المذهب الفلاني ! و
هكذا إلى مئات المسائل ، و لهذا ذهب كثير من المحققين إلى أن أمثال هؤلاء
المقلدين ينطبق عليهم قول الله تبارك و تعالى في النصارى ( اتخذوا أحبارهم
و رهبانهم أربابا من دون الله ) كما بين ذلك الفخر الرازي في " تفسيره " .
الطائفة الثالثة : و هم الذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم
و قرارات مخالفة للشرع كالشيوعية و ما شابهها و شرهم من يحاول أن يظهر أن ذلك
موافق للشرع غير مخالف له . و هذه مصيبة شملت كثيرا ممن يدعي العلم و الإصلاح
في هذا الزمان ، حتى اغتر بذلك كثير من العوام ، فصح فيهم و في متبوعيهم الآية
السابقة " اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله " نسأل الله الحماية
و السلامة .


182 - " إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده ، فلا يقومن حتى يستأذنه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 304 :

رواه أبو الشيخ في " تاريخ أصبهان " ( 113 ) : حدثنا إسحق بن محمد ابن حكيم
قال : حدثنا يحيى بن واقد قال : حدثنا ابن أبي غنية قال : حدثنا أبي قال :
حدثنا جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات معرفون .
أما جبلة بن سحيم فهو ثقة أخرج له البخاري في " الأدب المفرد " .
و ابن أبي غنية فهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، فهو ثقة من رجال
الشيخين ، و كذا أبوه عبد الملك .
و أما يحيى بن واقد ، فترجمه أبو الشيخ فقال :
" كان رأسا في النحو و العربية ، كثير الحديث . و قال إبراهيم بن أرومة : يحيى
من الثقات ، و ذكر أن مولده سنة خمس و ستين ، خلافة المهدي . و من حسان حديثه
.. " .
قلت : ثم ساق له ثلاثة أحاديث هذا أولها .
و أما إسحاق بن محمد بن حكيم ، فهو إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن حكيم قال
أبو الشيخ ( 267 ) :
" شيخ صدوق من أهل الأدب و المعرفة بالحديث ، عنده كتب أبي عبيدة و عبد الرزاق
.. كثير الحديث . و كان صدوقا ثقة ، لا يحدث إلا من كتابه . توفي سنة اثنتي
عشرة و ثلاثمائة " .
قلت : و من العجائب أن هذا الحديث مما فات السيوطي في " الجامع الكبير " فلم
يورده فيه ، بينما هو ذكره في " الجامع الصغير " من رواية الديلمي عن ابن عمر ،
فكأنه استدركه فيه ، و لكنه فاته هذا المصدر العالي و هو " تاريخ أصبهان " كما
فات ذلك شارحه المناوي أيضا و قال معللا سند الديلمي :
" و فيه من لا يعرف " .
قلت : فإما أن يكون إسناد الديلمي غير إسناد أبي الشيخ ، و أما أن يكون هو هذا
و لكن خفي عليه بعض رواته لأنهم لم يترجموا في غير هذا " التاريخ " ، و هو الذي
أرجحه . و الله أعلم .
و بالجملة فهذا الحديث من الفوائد العزيزة التي لا تراها في كتاب بهذا الإسناد
و التحقيق . فلله الحمد ، و هو ولي التوفيق .
و في الحديث تنبيه على أدب رفيع و هو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن
يستأذن المزور ، و قد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض
البلاد العربية ، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان ، و ليس هذا فقط ، بل
و بدون سلام أيضا ! و هذه مخالفة أخرى لأدب إسلامي آخر ، أفاده الحديث الآتى :
" إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم ، فإذا أراد أن يقوم فيسلم ، فليست الأولى
بأحق من الآخرة " .


183 - " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم ، فإذا أراد أن يقوم فيسلم ، فليست الأولى
بأحق من الآخرة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 306 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 1007 و 1008 ) و أبو داود ( 5208 )
و الترمذي ( 2 / 118 ) و الطحاوي في " المشكل " ( 2 / 139 ) و أحمد ( 2 / 230 ،
287 ، 429 ) و الحميدي ( 1162 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( ق 306 / 1 )
و الفاكهي في " حديثه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة " ( 1 / 5 / 2 ) عن ابن عجلان
عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا به و قال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : و إسناده جيد ، رجاله كلهم ثقات ، و في ابن عجلان و اسمه محمد ، كلام
يسير لا يضر في الاحتجاج بحديثه ، لاسيما و قد تابعه يعقوب ابن زيد التيمي عن
المقبري به . و التيمي هذا ثقة : فصح الحديث ، و الحمد لله . و له شواهد تقويه
كما يأتي .
و الحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " و " الكبير " ( 1 / 45 / 1 ) لابن
حبان و الحاكم في " المستدرك " أيضا ، ثم عزاه في مكان آخر من " الكبير "
( 1 / 21 / 1 ) لابن السني في " عمل اليوم و الليلة " و الطبراني في " الكبير "
و لم أره في " المستدرك " بعد أن راجعته فيه في " البر " و " الصلة " و " الأدب
" . و الله أعلم .
و من شواهد الحديث ما أخرجه أحمد ( 3 / 438 ) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن
سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" حق على من قام على مجلس أن يسلم عليهم ، و حق على من قام من مجلس أن يسلم .
فقام رجل و رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم ، و لم يسلم ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ما أسرع ما نسي ؟ !
قلت : و هذا سند ضعيف ، و لكن لا بأس به في الشواهد . و يقويه أن البخاري أخرجه
في " الأدب المفرد " ( 1009 ) من طريق أخرى عن بسطام قال : سمعت معاوية بن قرة
قال : قال لي أبي :
" يا بني إن كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل : سلام عليكم ، فإنك
تشركهم فيما أصابوا في ذلك المجلس ، و ما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم
يذكروا الله ، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار " .
و إسناده صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و هو و إن كان موقوفا ، فهو في حكم المرفوع
لأنه لا يقال من قبل الرأي ، لاسيما و غالبه قد صح مرفوعا ، فطرفه الأول ورد
في حديث أبي هريرة هذا ، و الآخر ورد من حديثه أيضا ، و قد سبق برقم ( 77 )
و انظر ما قبله و ما بعده .
و السلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد ، و أحق من يقوم
بإحيائه هم أهل العلم و طلابه ، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس
مثلا أن يسلموا ، و كذلك إذا خرجوا ، فليست الأولى بأحق من الأخرى ، و ذلك من
إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتى :
" إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض ، فأفشوا السلام بينكم " .


184 - " إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض ، فأفشوا السلام بينكم " .
قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 308 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 989 ) حدثنا شهاب قال : حدثنا حماد بن سلمة
عن حميد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن
رجال مسلم وحده .
و له شاهد من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا به .
أخرجه أبو الشيخ في " الطبقات " ( 147 ، 295 ) من طريق عبد الله بن عمر قال :
حدثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله به . و قال :
" تفرد به عبد الله بن عمر " .
قلت : و هو عبد الله بن عمر بن يزيد الزهري قال أبو الشيخ :
" يكنى أبا محمد ، ولي القضاء بالكرخ ، و خرج إليها ، مات سنة اثنتين و خمسين
و مائتين ، و كان راوية عن يحيى ، و عبد الرحمن و روح و حماد بن مسعدة و محمد
بن بكر و أبو قتيبة و غيرهم ، و له مصنفات كثيرة ، و قد حدث بغير حديث يتفرد به
" .
ثم ساق له أحاديث هذا أولها .
و قد أورده ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 111 ) و لم يذكر فيه جرحا .
قلت : فالرجل يستشهد به إن لم يحتج به ، فإنه ليس فيما ساق له أبو الشيخ من
الأحاديث ما ينكر عليه ، و الله أعلم .
و الحديث أورده المنذري في " الترغيب " ( 3 / 267 - 268 ) بزيادة :
" فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة
بتذكيره إياهم السلام ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم " .
و قال :
" رواه البزار و الطبراني و أحد إسنادي البزار جيد قوي " .
و في الباب عن أبي هريرة مثل حديث أنس .
أخرجه العقيلي كما في " الجامع الكبير " ( 1 / 159 / 1 ) .
و بالجملة فالحديث صحيح لا شك فيه ، و الأحاديث في الأمر بإفشاء السلام كثيرة
صحيحة ، بعضها في الصحيح ، و قد اخترت منها هذا الحديث للكلام عليه ، لأنه ليس
في " الصحيح " مع أن إسناده صحيح ، و له تلك الشواهد فأحببت أن أبين ذلك .
إذا عرفت هذا فينبغي أن تعلم أن إفشاء السلام المأمور به دائرته واسعة جدا ،
ضيقها بعض الناس جهلا بالسنة ، أو تهاملا في العمل بها . فمن ذلك السلام على
المصلي ، فإن كثيرا من الناس يظنون أنه غير مشروع ، بل صرح النووي في الأذكار
بكراهته ، مع أنه صرح في " شرح مسلم " : " أنه يستحب رد السلام بالإشارة "
و هو السنة . فقد جاءت أحاديث كثيرة في سلام الصحابة على النبي صلى الله عليه
وسلم و هو يصلي فأقرهم على ذلك ، و رد عليهم السلام ، فأنا أذكر هنا حديثا
واحدا منها و هو حديث ابن عمر قال :
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصل فيه . فجاءته الأنصار فسلموا
عليه و هو يصلي ، قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه و هو يصلي ؟ قال : يقول هكذا ، و بسط كفه
و بسط جعفر بن عون كفه ، و جعل بطنه أسفل ، و جعل ظهره إلى فوق " .


185 - " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه . فجاءته الأنصار فسلموا
عليه و هو يصلي ، قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه و هو يصلي ؟ قال : يقول هكذا ، و بسط كفه
و بسط جعفر بن عون كفه ، و جعل بطنه أسفل ، و جعل ظهره إلى فوق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 310 :

أخرجه أبو داود ( 927 ) بسند جيد و بقية أصحاب السنن .
و قال الترمذي ( 2 / 204 ) : " حديث حسن صحيح " .
و له طريق أخرى في المسند ( 2 / 30 ) و غيره عن ابن عمر .
و سنده صحيح على شرط الشيخين .
و قد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه فقال المروزي في
" المسائل " ( ص 22 ) :
" قلت ( يعني لأحمد ) : يسلم على القوم و هم في الصلاة ؟ قال : نعم ، فذكر قصة
بلال حين سأله ابن عمر ، كيف كان يرد ؟ قال : كان يشير ، قال إسحاق : كما قال "
:
و اختار هذا بعض محققي المالكية فقال القاضي أبو بكر بن العربي في " العارضة "
( 2 / 162 ) :
" قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة ، و قد تكون في
الحاجة تعرض للمصلي . فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي
صلى الله عليه وسلم في قباء و غيره . و قد كنت في مجلس الطرطوشي ، و تذاكرنا
المسألة ، و قلنا الحديث و احتججنا به ، و عامي في آخر الحلقة ، فقام و قال :
و لعله كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه ! فعجبنا من فقهه ! ثم رأيت بعد ذلك أن
فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب ، على حسب ما بيناه في أصول الفقه
" .
و من العجيب أن النووي بعد أن صرح في الأذكار بكراهة السلام على المصلي قال ما
نصه :
" و المستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة ، و لا يتلفظ بشيء " .
أقول : و وجه التعجب أن استحباب الرد فيه أن يستلزم استحباب السلام عليه
و العكس بالعكس ، لأن دليل الأمرين واحد ، و هو هذا الحديث و ما في معناه ،
فإذا كان يدل على استحباب الرد ، فهو في الوقت نفسه يدل على استحباب الإلقاء ،
فلو كان هذا مكروها لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم و لو بعدم الإشارة
بالرد ، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . و هذا بين ظاهر
و الحمد لله .
و من ذلك أيضا السلام على المؤذن و قارىء القرآن ، فإنه مشروع ، و الحجة ما
تقدم فإنه إذا ما ثبت استحباب السلام على المصلي ، فالسلام على المؤذن
و القارىء أولى و أحرى . و أذكر أنني كنت قرأت في المسند حديثا فيه سلام النبي
صلى الله عليه وسلم على جماعة يتلون القرآن ، و كنت أود أن أذكره بهذه المناسبة
و أتكلم على إسناده ، و لكنه لم يتيسر لي الآن .
و هل يردان السلام باللفظ أم بالإشارة ؟ الظاهر الأول ، قال النووي : " و أما
المؤذن فلا يكره له رد الجواب بلفظه المعتاد لأن ذلك يسير ، لا يبطل الأذان
و لا يخل به " .
و من ذلك تكرار السلام بعد حصول المفارقة و لو بعد مدة يسيرة ، لقوله صلى الله
عليه وسلم :
" إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم
لقيه فليسلم عليه أيضا " .


186 - " إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم
لقيه فليسلم عليه أيضا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 312 :

رواه أبو داود ( 5200 ) من طريق ابن وهب قال . أخبرني معاوية ابن صالح عن أبي
موسى عن أبي مريم عن أبي هريرة قال : إذا لقي ... قال معاوية : و حدثني
عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم مثله سواء .
قلت : و إسناد المرفوع صحيح رجاله كلهم ثقات ، و أما إسناد الموقوف ففيه
أبو موسى هذا و هو مجهول . و قد أسقطه بعضهم من السند ، فرواه عبد الله
بن صالح قال : حدثني معاوية عن أبي مريم عن أبي هريرة به موقوفا .
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 1010 ) . و عبد الله ابن صالح فيه ضعف فلا
يحتج به ، و خصوصا عند مخالفته ، لكن قد أخرجه أبو يعلى ( 297 / 1 ) عنه هكذا ،
و عنه عن معاوية ابن صالح عن عبد الوهاب بن بخت مثل رواية ابن وهب المرفوعة ،
فهذا أصح .
و قد ثبت أن الصحابة كانوا يفعلون بمقتضى هذا الحديث الصحيح .
فروى البخاري في " الأدب " ( 1011 ) عن الضحاك بن نبراس أبي الحسن عن ثابت عن
أنس بن مالك .
" إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يكونون ، فتستقبلهم الشجرة ، فتنطلق
طائفة منهم عن يمينها و طائفة عن شمالها ، فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض " .
قلت : و الضحاك هذا لين الحديث ، لكن عزاه المنذري ( 3 / 268 ) و الهيثمي
( 8 / 34 ) للطبراني في الأوسط و قالا : " و إسناده حسن " .
فلا أدري أهو من طريق أخرى ، أم من هذه الطريق ؟ ثم إنه بلفظ :
" كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتفرق بيننا شجرة ، فإذا
التقينا يسلم بعضنا على بعض " . ثم رأيته في " عمل اليوم و الليلة " لابن السني
رقم ( 241 ) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة حدثنا ثابت و حميد عن أنس به .
و هذا سند صحيح .
و يشهد له حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة .
" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، ثم جاء فسلم
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام ،
قال : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ، ثم جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فسلم عليه . ( فعل ذلك ثلاث مرات ) " .
أخرجه الشيخان و غيرهما . و به استدل صديق حسن خان في " نزل الأبرار "
( ص 350 - 351 ) على أنه :
" إذا سلم عليه إنسان ثم لقيه على قرب يسن له أن يسلم عليه ثانيا و ثالثا " .
و فيه دليل أيضا على مشروعية السلام على من في المسجد ، و قد دل على ذلك حديث
سلام الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء كما تقدم و مع هذا كله
نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنة ، فيدخل أحدهم المسجد و لا يسلم على من
فيه ، زاعمين أنه مكروه . فلعل فيما كتبناه ذكرى لهم و لغيرهم ، و الذكرى تنفع
المؤمنين .


187 - " تعلم كتاب اليهود ، فإني لا آمنهم على كتابنا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 314 :

رواه أبو داود ( 3645 ) و الترمذي ( 2 / 119 ) و الحاكم ( 1 / 75 ) و صححه
و أحمد ( 5 / 186 ) و الفاكهي في " حديثه " ( 1 / 14 / 2 ) و اللفظ له ، كلهم
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجه بن زيد عن أبيه قال :
" لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، أتي بي إليه ، فقرأت عليه ،
فقال لي .. " فذكره ، قال : فما مر بي خمس عشرة حتى تعلمته ، فكنت أكتب للنبي
صلى الله عليه وسلم ، و أقرأ كتبهم إليه " .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قلت : و إسناده حسن ، و إنما صححه الترمذي لأن له طريقا أخرى ، و قد قال
الترمذي عقب ذلك :
" و قد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت ، رواه الأعمش ، عن ثابت بن عبيد
الأنصاري عن زيد بن ثابت قال :
( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية ) " .
قلت : وصله أحمد ( 5 / 182 ) و الحاكم ( 3 / 422 ) عن جرير عن الأعمش به بلفظ :
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أتحسن السريانية ؟ فقلت : لا ، قال : فتعلمها فإنه يأتينا كتب ، فتعلمها في
سبعة عشر يوما " .
زاد الحاكم :
" قال الأعمش : كانت تأتيه كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به " .
و قال : " صحيح إن كان ثابت بن عبيد سمعه من زيد بن ثابت " .
قلت : لا أدري الذي حمل الحاكم على التردد في سماع ثابت إياه من زيد و هو مولاه
و لم يتهم بتدليس ! قال ابن حبان في " الثقات " ( 1 / 6 ) :
" ثابت بن عبيد الأنصاري ، كوفي يروي عن عمر و زيد بن ثابت ، روى عن ابن سيرين
و الأعمش ، و هو مولى زيد بن ثابت " :
و قد قيل إن ثابت بن عبيد الأنصاري هو غير ثابت بن عبيد مولى زيد ، فرق بينهما
أبو حاتم في " الجرح و التعديل " ( 1 / 1 / 454 ) ، و عزى الحافظ في " التهذيب
" هذا التفريق إلى ابن حبان أيضا و هو وهم ، بل ما نقلته عن ابن حبان آنفا يدل
عن عدم التفريق و هو الذي اعتمده الحافظ في " التقريب " و سواء كان هذا أو ذاك
فكلاهما ثقة ، فالسند صحيح .
و الحديث علقه البخاري في صحيحه فقال : " و قال خارجة بن زيد ابن ثابت عن زيد
بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود " .
قال الحافظ ابن حجر في شرحه ( 13 / 161 ) :
" و قد وصله مطولا في ( كتاب التاريخ ) " .
ثم ذكر ابن حجر الطريق الأخرى التي علقها الترمذي ثم قال :
" و هذا الطريق وقعت لي بعلو في " فوائد هلال الحفار " .
و أخرجه أحمد و إسحاق في " مسنديهما " ، و أبو بكر بن أبي داود في
" كتاب المصاحف " و أبو يعلى ، و عنده : إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي
و ينقصوا فتعلم السريانية . فذكره .
و له طريق أخرى أخرجها ابن سعد . و في كل ذلك رد على من زعم أن عبد الرحمن
بن أبي الزناد تفرد به . نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا عبد الرحمن .
فهو تفرد نسبي . و قصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة ، فإن من لازم تعلم
كتابة اليهود تعلم لسانهم ، و لسانهم السريانية ، لكن المعروف أن لسانهم
العبرانية ، فيحتمل أن زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك " .
قلت : و هذا الحديث في معنى الحديث المتداول على الألسنة : " من تعلم لسان قوم
أمن من مكرهم " لكن لا أعلم له أصلا بهذا اللفظ ، و لا ذكره أحد ممن ألف في
الأحاديث المشتهرة على الألسنة ، فكأنه إنما اشتهر في الأزمنة المتأخرة .


188 - " انقضي شعرك و اغتسلي . أي في الحيض " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 317 :

رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 26 / 1 ) : أنبأنا وكيع عن هشام عن أبيه
عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في الحيض : فذكره .
و أخرجه ابن ماجه ( 641 ) من طريق ابن أبي شيبة و علي بن محمد قالا : حدثنا
وكيع به .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين . و هو عندهما في أثناء حديث عائشة في
قصة حيضها في حجة الوداع و أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها :
" انقضي رأسك و امتشطي و أمسكي عن عمرتك .. الحديث و ليس فيه " و اغتسلي " و هي
زيادة صحيحة بهذا السند الصحيح ، و سياق الشيخين ، يقتضيها ضمنا ، و إن لم يصرح
بها لفظا . و لعل هذا هو وجه استدراك السندي على البوصيري قوله في " الزوائد "
: " و هذا إسناد رجاله ثقات " فقال السندي " قلت : ليس الحديث من الزوائد ،
بل هو في الصحيحين و غيرهما " .
و أقول : و لكل وجهة ، فالسندي راعى المعنى الذي يقتضيه السياق كما أشرت إليه .
و البوصيري راعى اللفظ ، و لا شك أنه بهذه الزيادة " و اغتسلي " إنما هو من
الزوائد على الشيخين ، و لذلك أورده البوصيري ، و تكلم في إسناده و وثقه .
و كان عليه أن يصرح بصحته كما فعل المجد ابن تيمية في " المنتقى " و الله
الموفق .
و لا تعارض بين الحديث و بين ما رواه أبو الزبير عن عبيد بن عمير قال :
" بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ،
فقالت : يا عجبا لابن عمرو هذا ، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن !
أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ؟ ! لقد كنت أغتسل أنا و رسول الله صلى الله عليه
وسلم من إناء واحد ، و لا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات " .
أخرجه مسلم ( 1 / 179 ) و ابن أبي شيبة ( 1 / 24 / 1 - 2 ) و البيهقي
( 1 / 181 ) و أحمد ( 6 / 43 ) .
أقول : لا تعارض بينه و بين هذا لأمرين :
الأول : أنه أصح من هذا . فإن هذا و إن أخرجه مسلم فإن أبا الزبير مدلس
و قد عنعنه .
الثاني : أنه وارد في الحيض ، و هذا في الجنابة ، كما هو ظاهر ، فيجمع
بينهما بذلك ، فيقال يجب النقض في الحيض دون الجنابة . و بهذا قال الإمام
أحمد و غيره من السلف .
و هذا الجمع أولى ، فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث ، عن أم سلمة قالت :
" قلت : يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي ، فأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال :
" لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين " .


189 - " لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 319 :

رواه مسلم ( رقم 178 ) و أصحاب السنن الأربعة و أبو علي الحسين ابن محمد
اللحياني في " حديثه " ( ق 123 / 1 ) و ابن أبي شيبة و البيهقي ( 1 / 181 )
و أحمد ( 6 / 289 و 314 - 315 ) من طريق سفيان الثوري و ابن عيينة و اللفظ له
و روح بن القاسم و أيوب ( و هو السختياني ) عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي
سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : فذكره
و قد رواه عن الثوري ثقتان يزيد بن هارون ، و عبد الرزاق بن همام ، و قد اختلفا
عليه ، فالأول رواه كرواية ابن عيينة ، و الآخر قال في حديثه ،
" أفأنقضه للحيضة و الجنابة " ؟ .
فزاد فيه ( و الجنابة ) ، فأرى أنها زيادة شاذة لتفرد عبد الرزاق بها عن سفيان
الثوري دون يزيد بن هارون ، و رواية هذا أرجح لموافقتها للفظ ابن عيينة و روح
بن القاسم و السختياني . و الله أعلم .
و قد أفاض ابن القيم في " التهذيب " في بيان شذوذ هذه الزيادة فمن أراد التحقق
من ذلك فليرجع إليه ( 1 / 167 ) .


190 - " لا خير فيها ، هي من أهل النار . يعني امرأة تؤذي جيرانها بلسانها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 320 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 119 ) و ابن حبان ( 2054 ) و الحاكم
( 4 / 166 ) و أحمد ( 2 / 440 ) و أبو بكر محمد ابن أحمد المعدل في " الأمالي "
( 6 / 1 - 2 ) من طريق الأعمش قال :
حدثنا أبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة قال سمعت أبا هريرة يقول :
" قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل و تصوم
النهار ، و تفعل و تصدق ، و تؤذي جيرانها بلسانها فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : لا خير فيها ، هي من أهل النار ، قال : و فلانه تصلي المكتوبة و تصدق
بأتوار ( من الأقط ) و لا تؤذي أحدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي
من أهل الجنة " .
قلت : و إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير أبي يحيى هذا و قد بيض
له الحافظ في " التهذيب " فلم يذكر توثيقه عن أحد ، و بناء عليه قال في
" التقريب " : مقبول . أي لين الحديث . و هذا منه عجيب ، فقد روى ابن أبي حاتم
( 4 / 2 / 457 ) عن ابن معين أنه قال فيه " ثقة " . و اعتمده الذهبي في
" الميزان " فقال أيضا : " ثقة " . و يقوي ذلك أن مسلما أخرج له حديثا واحدا ،
كما في " تهذيب الكمال " .
و الحديث أخرجه البزار و ابن أبي شيبة كما في " الترغيب " ( 4 / 235 ) و صحح
إسناده .
( أتوار ) جمع ( تور ) بالمثناة الفوقية إناء من صفر .


191 - " كان يصوم في السفر و يفطر ، و يصلي ركعتين لا يدعهما ، يقول : لا يزيد عليهما
. يعني الفريضة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 321 :

أخرجه الطحاوي ( 1 / 333 ) و أحمد ( 1 / 402 و 407 ) من طريق حماد عن إبراهيم
عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعا .
قلت : و هذا سند جيد ، و هو على شرط مسلم و حماد هو ابن أبي سليمان الفقيه
و فيه كلام لا يضر ، و الحديث صحيح قطعا بشقيه ، أما قصر الصلاة ففيه أحاديث
كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة فلا نطيل الكلام بذكرها . و أما الصوم في
السفر ، فقد بدرت من الصنعاني في " سبل السلام " كلمة نفى فيها أن يكون النبي
صلى الله عليه وسلم صام في السفر فرضا فقال ( 2 / 34 ) :
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يتم رباعية في سفر ، و لا صام فيه فرضا " !
و لهذا توجهت الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي المذكور ،
فأقول :
ورد صومه صلى الله عليه وسلم في السفر عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله
بن مسعود . و عبد الله بن عباس و أنس بن مالك ، و أبو الدرداء .
1 - أما حديث ابن مسعود ، فهو هذا .
2 - و أما حديث ابن عباس ، فقال أبو داود الطيالسي ( 1 / 190 ) :
حدثنا سليمان ( و هو ابن معاذ الضبي ) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا
بالشطر الأول منه .
و هذا سند حسن رجاله رجال مسلم ، و قد أخرجه في صحيحه ( 3 / 141 ) و كذا أحمد
( 1 / 232 ) من طريق طاووس عن ابن عباس قال :
" لا تعب على من صام ، و لا على من أفطر ، فقد صام رسول الله صلى الله عليه
وسلم في السفر و أفطر " .
و أخرجه البخاري ( 3 / 146 ) و مسلم و غيرهما من طريق عبيد الله بن عتبة عن
ابن عباس :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصامه حتى بلغ الكديد
أفطر ، فأفطر الناس " .
( الكديد ) بفتح الكاف مكان معروف بين عسفان و قديد ، و بين الكديد و مكة
مرحلتان ، و بينه و بين المدينة عدة أيام كما في " الفتح " ( 3 / 147 ) .
و في رواية للبخاري ( 3 / 151 ) و مسلم ( 3 / 141 ) من طريق مجاهد عن طاووس
عن ابن عباس قال :
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ،
ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة ، و ذلك في رمضان ،
فكان ابن عباس يقول : قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم و أفطر ، فمن شاء
صام ، و من شاء أفطر " .
و أخرجه ابن جرير في تفسيره ( 3 / 468 / 2883 ) عن العوام بن حوشب قال :
" قلت لمجاهد : الصوم في السفر ؟ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم
فيه و يفطر ، قلت : فأيهما أحب إليك ؟ قال : إنما هي رخصة ، و أن تصوم رمضان
أحب إلي " .
و سنده مرسل صحيح .
3 - و أما حديث أنس ، فرواه عنه زياد النميري : حدثني أنس ابن مالك قال :
" وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان في سفر فصامه ، و وافقه رمضان في
سفر فأفطره " .
رواه البيهقي ( 4 / 244 ) ، و زياد هذا هو ابن عبد الله النميري البصري ضعيف ،
يكتب حديثه للشواهد .
4 - و أما حديث أبي الدرداء ، فيرويه الوليد بن مسلم عن سعيد ابن عبد العزيز
عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال :
" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ، في حر شديد ، حتى إن
كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ، و ما فينا صائم إلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم و عبد الله بن رواحة " .
أخرجه مسلم ( 3 / 145 ) : حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم به .
و الوليد بن مسلم و إن كان ثقة فإنه يدلس تدليس التسوية ، و قد عنعن الإسناد
كله ، لكن أخرجه أبو داود في " سننه " ( 1 / 378 ) :
حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز ... فساقه مسلسلا
بالتحديث في جميع الرواة إلا في أم الدرداء فقال : عن أبي الدرداء به . إلا أنه
قال :
" في بعض غزواته " و لم يقل " في شهر رمضان " .
و هذا هو الصواب عندي أن حديث أبي الدرداء ليس فيه " في شهر رمضان " ، و ذلك
لأمور :
الأول : أن سعيد بن عبد العزيز و إن كان ثقة ، فقد كان اختلط قبول موته كما قال
أبو مسهر ، و قد اختلف عليه في قوله " في شهر رمضان " فأثبته عنه الوليد بن
مسلم في رواية داود بن رشيد عنه ، و لم يثبتها عنه في رواية مؤمل بن الفضل ،
و هو ثقة . و تترجح هذه الرواية عن الوليد بمتابعة بعض الثقات له عليه ، منهم
عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز به بلفظ :
" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ... " .
أخرجه الشافعي في " السنن " ( 1 / 269 ) .
و منهم أبو المغيرة و اسمه عبد القدوس بن الحجاج الحمصي .
أخرجه أحمد ( 5 / 194 ) عنه .
فهؤلاء ثلاثة من الثقات لم يذكروا ذلك الحرف " شهر رمضان " ، فروايتهم مقدمة
على رواية الوليد الأخرى كما هو ظاهر لا يخفى ، و يؤيده الأمر التالي ، و هو :
الثاني : أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قد تابع سعيدا على رواية الحديث عن
إسماعيل بن عبيد الله بتمامه ، و لكنه خالفه في هذا الحرف فقال :
" خرجنا مع رسول الله في بعض أسفارنا ... "
أخرجه البخاري ( 3 / 147 ) ، و عبد الرحمن هذا أثبت من سعيد ، فروايته عند
المخالفة أرجح ، لاسيما إذا وافقه عليها سعيد نفسه في أكثر الروايات عنه كما
تقدم .
الثالث : أن هشام بن سعد قد تابعه أيضا و لكنه لم يذكر فيه الحرف المشار إليه .
أخرجه أحمد ( 6 / 444 ) عن حماد بن خالد قال : حدثنا هشام بن سعد عن عثمان
بن حيان و إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به .
و هشام بن سعد ثقة حسن الحديث ، و قد احتج به مسلم كما يأتي .
الرابع : أن الحديث جاء من طريق أخرى عن أم الدرداء لم يرد فيه الحرف المذكور .
أخرجه مسلم ( 3 / 145 ) و ابن ماجه ( 1 / 510 ) و البيهقي ( 4 / 245 ) و أحمد
( 5 / 194 ) من طرق عن هشام بن سعد عن عثمان بن حيان الدمشقي عن أم الدرداء به
بلفظ :
" لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره .. " .
و قرن أحمد في رواية له كما تقدم إسماعيل بن عبيد الله مع عثمان بن حيان ، فقد
روى هشام بن سعد الحديث من الطريقين عن أم الدرداء .
قلت : فهذه الوجوه الأربعة ترجح أن قوله في رواية مسلم " في شهر رمضان " شاذ لا
يثبت في الحديث ، و قد أوهم الحافظ عبد الغني المقدسي في " عمدة الأحكام " حيث
أورد الحديث ( رقم 183 ) بلفظ مسلم بهذه الزيادة أنها من المتفق عليها بين
الشيخين . لأنه لم يقل على الأقل " و اللفظ لمسلم " كما هو الواجب في مثله ،
و لم أجد من نبه على شذوذ هذه الزيادة ، حتى و لا الحافظ ابن حجر ، بل إنه
ذكرها من رواية مسلم ثم بنى عليه قوله :
" و بهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال ( يعني على جواز إفطار المسافر في
رمضان ) و يتوجه الرد بها على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة
فيه ، لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا " .
فأقول : إن الرد المذكور غير متجه بعد أن حققنا شذوذ رواية مسلم ، شذوذا لا يدع
مجالا للشك فيه ، و لو أن الحافظ رحمه الله تيسر له تتبع طرق هذا الحديث و
ألفاظه لما قال ما ذكر .
و قد وهم في الحديث الصنعاني في " العدة " و هما آخر فقال ( 3 / 368 ) :
" و هذا الحديث في مسلم لأبي الدرداء و في البخاري نسبة لأم الدرداء " .
و الصواب أن الحديث عند البخاري كما هو عند مسلم من مسند أبي الدرداء ، لكنهما
أخرجاه من طريق أم الدرداء عنه .
هذا ، و إنما يتجه الرد على ابن حزم بالأحاديث الأخرى التي سقناها عن جماعة من
الصحابة ، و كذلك يرد عليه بالحديث الآتي :
" هي رخصة " يعني الفطر في السفر " من الله ، فمن أخذ بها فحسن ، و من أحب أن
يصوم ، فلا جناح عليه " .


192 - " هي رخصة ـ يعني الفطر في السفر ـ من الله ، فمن أخذ بها فحسن ، و من أحب أن
يصوم ، فلا جناح عليه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 327 :

رواه مسلم ( 3 / 145 ) و النسائي ( 1 / 317 ) و البيهقي ( 4 / 243 ) من طريق
أبي مراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال :
" يا رسول الله ! أجد بي قوة على الصيام في السفر ، فهل علي جناح ؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
قال مجد الدين بن تيمية في " المنتقى " :
" و هو قوي الدلالة على فضيلة الفطر " .
قلت : و وجه الدلالة قوله في الصائم " فلا جناح عليه " ، أي : لا إثم عليه ،
فإنه يشعر بمرجوحية الصيام كما هو ظاهر ، لاسيما مع مقابلته بقوله في الفطر
" فحسن " ، لكن هذا الظاهر غير مراد عندي ، و الله أعلم ، و ذلك لأن رفع الجناح
في نص ما عن أمر ما ، لا يدل إلا على أنه يجوز فعله و أنه لا حرج على فاعله ،
و أما هل هذا الفعل مما يثاب عليه فاعله أو لا ، فشيء آخر لا يمكن أخذه من النص
ذاته بل من نصوص أخرى خارجة عنه ، و هذا شيء معروف عند من تتبع الأمور التي ورد
رفع الجناح عن فاعلها و هي على قسمين :
أ - قسم منها يراد بها رفع الحرج فقط مع استواء الفعل و الترك ، و هذا هو
الغالب ، و من أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم :
" خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب ، و الحدأة ، و الفأرة
و العقرب ، و الكلب العقور " .


193 - " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب ، و الحدأة ، و الفأرة
و العقرب ، و الكلب العقور " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 328 :

أخرجه الشيخان و مالك و أصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي و الدارمي ( 2 / 36 )
و البيهقي و أحمد ( 2 / 8 ، 32 ، 37 ، 48 ، 52 ، 54 ، 65 ، 82 ، 138 ) من طرق
عن ابن عمر مرفوعا به .
و من الواضح أن المراد من رفع الجناح في هذا الحديث هو تجويز القتل ، و لا يفهم
منه أن القتل مستحب أو واجب أو تركه أولى .
ب - و قسم يراد به رفع الحرج عن الفعل ، مع كونه في نفسه مشروعا له فضيلة ، بل
قد يكون واجبا ، و إنما يأتي النص برفع الحرج في هذا القسم دفعا لوهم أو زعم من
قد يظن الحرج في فعله ، و من أمثلة هذا ما روى الزهري عن عروة قال :
" سألت عائشة رضي الله عنها ؟ فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى ( إن الصفا
و المروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما )
فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا و المروة ! قالت : بئس ما قلت يا ابن
أختي ، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت " لا جناح عليه أن لا يطوف بهما "
! و لكنها أنزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي
كانوا يعبدونها عند المشلل ، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا و المروة ، فلما
أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، قالوا : يا رسول الله إنا
كنا نتحرج أن نطوف بالصفا و المروة ، فأنزل الله : ( إن الصفا و المروة من
شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ، قالت عائشة
رضي الله عنها : و قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس
لأحد أن يترك الطواف بينهما " .
أخرجه البخاري ( 1 / 414 ) و أحمد ( 6 / 144 ، 227 ) .
إذا تبين هذا فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " و من أحب أن يصوم فلا جناح
عليه " ، لا يدل إلا على رفع الإثم عن الصائم ، و ليس فيه ما يدل على ترجيح
الإفطار على الصيام ، و لكن إذا كان من المعلوم أن صوم رمضان في السفر عبادة
بدليل صيامه صلى الله عليه وسلم فيه ، فمن البدهي حينئذ أنه أمر مشروع حسن ،
و إذا كان كذلك فإن وصف الإفطار في الحديث بأنه حسن ، لا يدل على أنه أحسن من
الصيام ، لأن الصيام أيضا حسن كما عرفت ، و حينئذ فالحديث لا يدل على أفضلية
الفطر المدعاة ، بل على أنه و الصيام متماثلان .
و يؤكد ذلك حديث حمزة بن عمرو من رواية عائشة رضي الله عنها : أن حمزة بن عمرو
الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني رجل أسرد
الصوم ، فأصوم في السفر ؟ قال :
" صم إن شئت ، و أفطر إن شئت " .


194 - " صم إن شئت ، و أفطر إن شئت " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 330 :

أخرجه الشيخان و غيرهما من أصحاب الستة و ابن أبي شيبة ( 2 / 150 / 1 ) و عنه
أبو حفص الكناني في " الأمالي " ( 17 / 1 ) .
قلت : فخيره صلى الله عليه وسلم بين الأمرين ، و لم يفضل له أحدهما على الآخر ،
و القصة واحدة ، فدل على أن الحديث ليس فيه الأفضلية المذكورة .
و يقابل هذه الدعوى قول الشيخ علي القاري في " المرقاة " أن الحديث دليل على
أفضلية الصوم . ثم تكلف في توجيه ذلك .
و الحق أن الحديث يفيد التخيير لا التفضيل ، على ما ذكرناه من التفصيل .
نعم يمكن الاستدلال لتفضيل الإفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول :
" إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته . ( و في رواية ) : كما
يحب أن تؤتى عزائمه " .
و هذا لا مناص من القول به ، لكن يمكن أن يقيد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء ،
و ليس عليه حرج في الأداء ، و إلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود . فتأمل .
و أما حديث " من أفطر ( يعني في السفر ) فرخصة ، و من صام فالصوم أفضل " .
فهو حديث شاذ لا يصح . و الصواب أنه موقوف على أنس كما بينته في " الأحاديث
الضعيفة " ( رقم 936 ) ، و لو صح لكان نصا في محل النزاع ، لا يقبل الخلاف ،
و هيهات ، فلابد حينئذ من الاجتهاد و الاستنباط ، و هو يقتضى خلاف ما أطلقه
هذا الحديث الموقوف ، و هو التفصيل الذي ذكرته . و الله الموفق .


195 - " إن الله يبغض كل جعظرى جواظ ، سخاب في الأسواق ، جيفة بالليل ، حمار بالنهار
عالم بأمر الدنيا ، جاهل بأمر الآخرة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 331 :

رواه بن حبان في " صحيحه " ( 1957 - موارد ) : أخبرنا أحمد ابن محمد بن الحسن :
حدثنا أحمد بن يوسف السلمي : أنبأنا عبد الرزاق : أنبأنا عبد الله بن سعيد بن
أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فذكره .

قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم ، غير شيخ ابن
حبان أحمد بن الحسن و هو أبو حامد النيسابوري المعروف بابن الشرقي قال الخطيب
( 4 / 426 - 427 ) :
" و كان ثقة ، ثبتا متقنا حافظا " .
و تابعه أبو بكر القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي به .
أخرجه البيهقي ( 10 / 194 ) .
( الجعظري ) الفظ الغليظ المتكبر .
( الجواظ ) الجموع المنوع .
( السخاب ) كالصخاب : كثير الضجيج و الخصام . و في رواية ذكرها ابن الأثير
( خشب بالليل ، سخب بالنهار . أي إذا جن عليهم الليل سقطوا نياما كأنهم خشب
فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا شحا و حرصا " .
( جيفة ) أي كالجيفة ، لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه ، و ينام طول ليله
كالجيفة التي لا تتحرك .
قلت : و ما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم ،
مع علمهم بأمور دنياهم ، كما قال تعالى فيهم ( يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا ،
و هم عن الآخرة هم غافلون ) و لبعض المسلمين نصيب كبير من هذا الوصف ، الذين
يقضون نهارهم في التجول في الأسواق و الصياح فيها ، و يضيعون عليهم الفرائض
و الصلوات ، ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراؤن .
و يمنعون الماعون ) .


196 - " كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة " حين يسلم " : لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، له الملك و له الحمد " يحيي و يميت ، و هو حي لا يموت بيده الخير " ، و هو
على كل شيء قدير " ثلاث مرات " ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، و لا معطي لما منعت
و لا ينفع ذا الجد منك الجد " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 333
رواه البخاري ( 2 / 264 - 265 ) و مسلم ( 2 / 95 ) و أبو داود ( 1 / 236 )
و النسائي ( 1 / 197 ) و ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( رقم 112 )
و أحمد ( 4 / 245 ، 247 ، 250 ، 251 ، 254 ، 255 ) من طريق وراد كاتب المغيرة
بن شعبة قال :
" أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه
وسلم " فذكره .
و هذا إسناد صحيح ، و حديث معروف بالصحة ، و إنما ذكرته لهذه الزيادات فإنها
غير مشهورة عند أكثر الناس ، و الزيادة الأولى لأحمد و أبي داود ، و الثانية
للطبراني من طريق أخرى عن المغيرة و رواته موثقون كما قال الحافظ ، و عند ابن
السني من الطريق الأولى قوله " بيده الخير " و سنده صحيح . و الزيادة الثالثة
للنسائي و أحمد في رواية ، و سندها صحيح .
و رواها ابن خزيمة أيضا كما في " الفتح " .
و في الحديث مشروعية هذا الذكر بعد السلام من الفريضة ، و قد حرم فضله من ذهب
إلى عدم مشروعية الزيادة على قوله " اللهم أنت السلام .. " الخ عقب الفرض ،
و أن ما سواه من الأوراد إنما تقال عقب السنة البعدية ! و في هذا الحديث رد
صريح عليهم لا يقبل الرد ، و مثله الحديث المتقدم برقم ( 102 ) .


197 - " إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي ، فإنك إذا فعلت ذلك لم أرد
عليك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 334 :

رواه بن ماجه ( 1 / 145 / 146 ) و ابن أبي حاتم في " العلل " ( 1 / 34 ) عن
عيسى بن يونس عن هاشم بن البريد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد
الله " أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم و هو يبول فسلم عليه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " الحديث . و قال ابن أبي حاتم عن أبيه :
" لا أعلم روى هذا الحديث أحد غير هاشم بن البريد " .
قلت : و هو ثقة ، و لا يضره أنه رمي بالتشيع ، و لهذا قال البوصيري في
" الزوائد " ( ق 27 / 2 ) :
" هذا إسناد حسن " .
قلت : و ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك و هو يبول ، ففيه دليل على
جواز الكلام على الخلاء ، و الحديث الوارد في أن الله يمقت على ذلك مع أنه لا
يصح من قبل إسناده ، فهو غير صريح فيه فإنه بلفظ :
" لا يتناجى اثنان على غائطهما ، ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه ، فإن الله يمقت
على ذلك " .
فهذا النص إنما يدل على تحريم هذه الحالة و هي التحدث مع النظر إلى العورة ،
و ليس فيه أن التحدث وحده - و إن كان في نفسه مستهجنا - مما يمقته الله تبارك
و تعالى ، بل هذا لابد له من دليل يقتضي تحريمه و هو شيء لم نجده ، بخلاف
تحريم النظر إلى العورة ، فإن تحريمه ثابت في غير ما حديث .
ثم رأيت للحديث شاهدا من حديث ابن عمر بهذا اللفظ نحوه .
أخرجه ابن الجارود في " المنتقى " ( 27 - 28 ) و سنده حسن أيضا .
ثم رأيته في " فوائد عبد الباقي بن قانع " ( 160 / 1 - 2 ) أخرجه من طريقين
عن نافع عن ابن عمر ، و رجالهما ثقات معروفون إلا أن شيخه في الأول منهما محمد
بن عثمان بن أبي شيبة ، و فيه كلام ، و شيخه في الطريق الأخرى محمد بن عنبسة
بن لقيط الضبي ، أورده الخطيب ( 3 / 139 ) و ساق له هذا الحديث من طريق ابن
قانع عنه ، و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا ، لكنه متابع عند ابن الجارود ،
فالحديث صحيح .


198 - " من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليقل حين يذكر : بسم الله في أوله و آخره
فإنه يستقبل طعاما جديدا ، و يمنع الخبيث ما كان يصيب منه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 335

رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 1340 - موارد ) و ابن السني في " عمل اليوم
و الليلة " ( 453 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 74 / 1 ) عن خليفة
بن خياط حدثنا عمر بن علي المقدمي قال : سمعت موسى الجهني يقول :
أخبرني القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و موسى الجهني هو ابن عبد الله ،
و يقال : ابن عبد الرحمن أبو سلمة و يقال أبو عبد الله الكوفي .
و الحديث قال الهيثمي ( 5 / 235 ) :
" رواه الطبراني في الأوسط و الكبير و رجاله ثقات " .
قلت و لأبي سلمة الجهني هذا حديث آخر بهذا الإسناد ، إلا أنه جاء فيه مكنيا غير
مسمى ، فخفي حاله على أئمة الحديث و جهلوه و صرح بذلك الحافظ الذهبي و غيره ،
فاغتررت بذلك برهة من الزمن ، فتوقفت عن تصحيح الحديث المشار إليه ، إلى أن
وقفت على حديث الطعام هذا و أنه من رواية موسى الجهني ففتح لي طريق معرفة أبي
سلمة و أنه هو نفسه ، فرجعت عن التوقف المشار إليه ، و وقفت لتصحيح الحديث و
الحمد لله الموفق و الحديث هو :
" ما أصاب أحدا قط هم و لا حزن ، فقال : اللهم إني عبدك ، و ابن عبدك ، و ابن
أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت
به نفسك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم
الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، و نور صدري ، و جلاء حزني ، و ذهاب
همي ، إلا أذهب الله همه و حزنه ، و أبدله مكانه فرجا . قال : فقيل : يا رسول
الله ألا نتعلمها ؟ فقال بلى ، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " .


199 - " ما أصاب أحدا قط هم و لا حزن ، فقال : اللهم إني عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك
ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ،
أو علمته أحدا من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك
أن تجعل القرآن ربيع قلبي و نور صدري و جلاء حزني و ذهاب همي . إلا أذهب الله
همه و حزنه و أبدله مكانه فرجا . قال : فقيل : يا رسول الله ألا نتعلمها ؟ فقال
بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 337 :

رواه أحمد ( 3712 ) و الحارث بن أبي أسامة في مسنده ( ص 251 من زوائده )
و أبو يعلى ( ق 156 / 1 ) و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 74 / 1 ) و ابن حبان
في " صحيحه " ( 2372 ) و الحاكم ( 1 / 509 ) من طريق فضيل بن مرزوق حدثنا
أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال الحاكم :
" حديث صحيح على شرط مسلم ، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ،
فإنه مختلف في سماعه من أبيه " .
و تعقبه الذهبي بقوله :
" قلت : و أبو سلمة لا يدري من هو و لا رواية له في الكتب الستة " .
قلت : و أبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في " التعجيل " و قال :
" مجهول . قاله الحسيني . و قال مرة : لا يدري من هو . و هو كلام الذهبي في
" الميزان " ، و قد ذكره ابن حبان في " الثقات " ، و أخرج حديثه في " صحيحه " ،
و قرأت بخط الحافظ بن عبد الهادي : يحتمل أن يكون خالد بن سلمة .
قلت : و هو بعيد لأن خالدا مخزومي و هذا جهني " .
قلت : و ما استبعده الحافظ هو الصواب ، لما سيأتي ، و وافقه على ذلك الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند ( 5 / 267 ) و أضاف إلى ذلك قوله :
" و أقرب منه عندي أن يكون هو " موسى بن عبد الله أو ابن عبد الجهني و يكنى أبا
سلمة ، فإنه من هذه الطبقة " .
قلت : و ما استقر به الشيخ هو الذي أجزم به بدليل ما ذكره ، مع ضميمة شيء آخر
و هو أن موسى الجهني قد روى حديثا آخر عن القاسم بن عبد الرحمن به ، و هو
الحديث الذي قبله فإذا ضمت إحدى الروايتين إلى الأخرى ينتج أن الراوي عن القاسم
هو موسى أبو سلمة الجهني ، و ليس في الرواة من اسمه موسى الجهني إلا موسى بن
عبد الله الجهني و هو الذي يكنى بأبي سلمة و هو ثقة من رجال مسلم ، و كأن
الحاكم رحمه الله أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث " صحيح على شرط مسلم
... " فإن معنى ذلك أن رجاله رجال مسلم و منهم أبو سلمة الجهني و لا يمكن أن
يكون كذلك إلا إذا كان هو موسى بن عبد الله الجهني . فاغتنم هذا التحقيق فإنك
لا تراه في غير هذا الموضع . و الحمد لله على توفيقه .
بقي الكلام على الانقطاع الذي أشار إليه الحاكم ، و أقره الذهبي عليه ، و هو
قوله :
" إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ... " .
قلت : هو سالم منه ، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة ، منهم سفيان
الثوري و شريك القاضي و ابن معين و البخاري و أبو حاتم ، و روى البخاري في
" التاريخ الصغير " بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله
بن مسعود عن أبيه قال :
" لما حضر عبد الله الوفاة ، قال له ابنه عبد الرحمن : يا أبت أوصني ، قال :
ابك من خطيئتك " .
فلا عبرة بعد ذلك بقول من نفى سماعه منه ، لأنه لا حجة لديه على ذلك إلا عدم
العلم بالسماع ، و من علم حجة على من يعلم .
و الحديث قال الهيثمي في " المجمع " ( 10 / 136 ) :
" رواه أحمد و أبو يعلى و البزار و الطبراني و رجال أحمد رجال الصحيح غير
أبي سلمة الجهني و قد وثقه ابن حبان " !

قلت : و قد عرفت مما سبق من التحقيق أنه ثقة من رجال مسلم و أن اسمه موسى
بن عبد الله . و لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم
بن عبد الله بن مسعود به ، لم يذكر عن أبيه .
أخرجه محمد بن الفضل بن غزوان الضبي في " كتاب الدعاء " ( ق 2 / 1 - 2 )
و ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( 335 ) ، و عبد الرحمن ابن إسحاق
و هو أبو شيبة الواسطي متفق على تضعيفه .
ثم رأيت الحديث قد رواه محمد بن عبد الباقي الأنصاري في " ستة مجالس "
( ق 8 / 1 ) من طريق الإمام أحمد ، و قال مخرجه الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل
البغدادي :
" هذا حديث حسن عالي الإسناد ، و رجاله ثقات " .
و للحديث شاهد من حديث فياض عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره نحوه .
أخرجه ابن السني ( 343 ) بسند صحيح إلى فياض و هو ابن غزوان الضبي الكوفي قال
أحمد : ثقة . و شيخه عبد الله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي .
قال ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 62 ) عن أبيه :
" روى عنه الكوفيون " . و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا .
قلت : فهو مستور ، و مثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى .
و الحديث قال الهيثمي :
" رواه الطبراني و فيه من لم أعرفه " .
قلت : و كأنه يعني عبد الله بن زبيد ، و عليه فكأنه لم يقف على ترجمته في
" الجرح و التعديل " ، و لو أنه لم يذكر فيه تعديلا أو تجريحا ، فإن العادة أن
لا يقال في مثله " لم أعرفه " ، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف
.
( تنبيه ) وقع في هامش المجمع تعليقا على الحديث خطأ فاحش ، حيث جاء فيه :
" قلت ( القائل هو ابن حجر ) : هذا الحديث أخرجه أبو داود و الترمذي و النسائي
من رواية عبد الجليل بهذا الإسناد ، فلا وجه لاستدراكه . ابن حجر " .
و وجه الخطأ أن هذا التعليق ليس محله هذا الحديث ، بل هو الحديث الذي في
" المجمع " بعد هذا ، فإن هذا لم يروه أحد من أصحاب السنن المذكورين ، و ليس في
إسناده عبد الجليل ، بل هو في إسناده الحديث الآخر ، و هو عن أبي بكرة رضي الله
عنه ، فأخطأ الناسخ أو الطابع فربط التعليق بالحديث الأول ، و هو للآخر ، و خفي
ذلك على الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ، فإنه بعد أن أشار لهذا الحديث و نقل قول
الهيثمي السابق في تخريج الحديث قال :
" و علق عليه الحافظ ابن حجر بخطه بهامش أصله ... " .
ثم ذكر كلام الحافظ المتقدم !
و جملة القول أن الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده ، فكيف إذا انضم إليه
حديث أبي موسى رضي الله عنهما . و قد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه
ابن القيم ، هذا و قد صرح بذلك في أكثر من كتاب من كتبه منها " شفاء العليل "
( ص 274 ) ، و أما ابن تيمية فلست أذكر الآن في أي كتاب أو رسالة ذكر ذلك .


200 - " نهى عن الصلاة بعد العصر إلا و الشمس مرتفعة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 341

رواه أبو داود ( 1 / 200 ) و النسائي ( 1 / 97 ) و عنه ابن حزم في " المحلى "
( 3 / 31 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 1 / 119 ) و ابن حبان في " صحيحه "
( 621 ، 622 ) و ابن الجارود في " المنتقى " ( 281 ) و البيهقي ( 2 / 458 )
و الطيالسي ( 1 / 75 - من ترتيبه ) و أحمد ( 1 / 129 ، 141 ) و المحاملي في
" الأمالي " ( 3 / 95 / 1 ) و الضياء في " الأحاديث المختارة ، ( 1 / 258 ،
259 ) عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي رضي الله عنه مرفوعا .
و قال ابن حزم :
" وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور ، و سائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم ، و هذه
زيادة عدل لا يجوز تركها " .
و صرح ابن حزم في مكان آخر ( 2 / 271 ) بصحة هذا عن علي رضي الله عنه و لا شك
في ذلك ، و لهذا قال الحافظ العراقي في " طرح التثريب " ( 2 / 187 ) و تبعه
الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 2 / 50 ) : " و إسناده صحيح " .
و أما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال :
" و وهب بن الأجدع ليس من شرطهما " .
قلت : و هل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين ؟ أو ليس قد صححا أحاديث
كثيرة خارج كتابيهما و ليست على شرطهما ؟ ! ثم قال :
" و هذا حديث واحد ، و ما مضى في النهي عنهما ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد ،
فهو أولي أن يكون محفوظا " .
قلت : كلاهما محفوظ ، و إن كان ما رواه العدد أقوى ، و لكن ليس من أصول أهل
العلم ، رد الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع
بينهما ! و هو كذلك هنا ، فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها
البيهقي كقوله صلى الله عليه وسلم :
" و لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " متفق عليه .
فهذا مطلق ، يقيده حديث علي رضي الله عنه ، و إلى هذا أشار ابن حزم رحمه الله
بقوله المتقدم :
" و هذه زيادة عدل لا يجوز تركها " .
ثم قال البيهقي :
" و قد روي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا . و روي ما يوافقه " .
ثم ساق هو و الضياء في " المختارة " ( 1 / 185 ) من طريق سفيان قال : أخبرني
أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة ،
إلا الفجر و العصر " .
قلت : و هذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقا ، لأنه إنما ينفي أن يكون النبي
صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد صلاة العصر ، و الحديث الأول لا يثبت ذلك
حتى يعارض بهذا ، و غاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل
اصفرار الشمس ، و ليس يلزم أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أثبت جوازه
بالدليل الشرعي كما هو ظاهر .
نعم قد ثبت عن أم سلمة و عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى
ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر ، و قالت عائشة : إنه صلى الله عليه
وسلم داوم عليها بعد ذلك ، فهذا يعارض حديث علي الثاني ، و الجمع بينهما سهل ،
فكل حدث بما علم ، و من علم حجة على من لم يعلم ، و يظهر أن عليا رضي الله عنه
علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث ، فقد ثبت عنه صلاته صلى
الله عليه وسلم بعد العصر و ذلك قول البيهقي :
" و أما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... " ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق
عن عاصم بن ضمرة قال :
" كنا مع علي رضي الله عنه في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه و أنا
أنظر ، فصلى ركعتين " .
ففي هذا أن عليا رضي الله عنه عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز .
و روى ابن حزم ( 3 / 4 ) عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس " .
قلت : و إسناده صحيح ، و هو شاهد قوي لحديث علي رضي الله عنهم .
و أما الركعتان بعد العصر ، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من
الصحابة ، فمن شاء فليرجع إليه .
و ما دل عليه الحديث من جواز الصلاة و لو نفلا بعد صلاة العصر و قبل اصفرار
الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها ،
و هو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعا لابن عمر رضي الله عنه كما ذكره الحافظ
العراقي و غيره ، فلا تكن ممن تغره الكثرة ، إذا كانت على خلاف السنة .
ثم وجدت للحديث طريقا أخرى عن علي رضي الله عنه بلفظ :
( لا تصلوا بعد العصر ، إلا أن تصلوا و الشمس مرتفعة ) .
أخرجه الإمام أحمد ( 1 / 130 ) : حدثنا إسحاق بن يوسف : أخبرنا سفيان عن أبي
إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
فذكره :
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم و هو ابن ضمرة
السلولي و هو صدوق . كما في " التقريب " .
قلت : فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة ، لاسيما و هي من طريق عاصم
الذي روى عن علي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد العصر ،
فادعى البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث ، و أجبنا عن ذلك بما تقدم ، ثم
تأكدنا من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضا . فالحمد لله على
توفيقه .
ثم وجدت له شاهدا حسنا من حديث أنس ، سيأتي برقم ( 308 ) .


201 - " من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ، ما كان
يبول إلا قاعدا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 345 :

أخرجه النسائي ( 1 / 11 ) و الترمذي ( 1 / 17 ) و ابن ماجه ( 1 / 130 )
و الطيالسي ( 1 / 45 من ترتيبه ) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن
عائشة قالت ... فذكره .
و قال الترمذي :
" حديث عائشة أحسن شيء في الباب و أصح " .
قلت ... و هذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح
و كأن ذلك لضعف شريك القاضي ، و لكنه لم ينفرد به . بل تابعه سفيان الثوري عن
المقدام بن شريح به .
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " ( 1 / 198 ) و الحاكم ( 1 / 181 ) و البيهقي
( 1 / 101 ) و أحمد ( 1 / 136 ، 192 ، 213 ) من طرق عن سفيان به .
و قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " ، و وافقه الذهبي ، و فيه نظر ، فإن المقدام ابن شريح
و أبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده .
و قال الذهبي في " المهذب " ( 1 / 22 / 2 ) : " سنده صحيح " .
فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة ، و قد خفيت على الترمذي فلم يصحح
الحديث ، و ليس ذلك غريبا ، و لكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحفاظ
المتأخرين ، أمثال العراقي و السيوطي و غيرهما ، فأعلا الحديث بشريك ، و ردا
على الحاكم تصحيحه إياه متوهمين أنه عنده من طريقه ، و ليس كذلك كما عرفت ،
و كنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على " مشكاة المصابيح " ، و كان
تعليقا سريعا اقتضته ظروف خاصة ، لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي
عادتنا ، فقلت في التعليق على هذا الحديث من " المشكاة " ( 365 ) .
" و إسناده ضعيف فيه شريك ، و هو ابن عبد الله القاضي و هو سيء الحفظ " .
و الآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة . و نسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا
بتقصيرنا .
قلت آنفا : اغتررنا بكلام العراقي و السيوطي ، و ذلك أن الأخير قال في " حاشيته
على النسائي " ( 1 / 12 ) .
" قال الشيخ ولي الدين ( هو العراقي ) : هذا الحديث فيه لين ، لأن فيه شريكا
القاضي و هو متكلم فيه بسوء الحفظ ، و ما قال الترمذي : إنه أصح شيء في هذا
الباب لا يدل على صحته ، و لذلك قال ابن القطان : إنه لا يقال فيه : صحيح ،
و تساهل الحاكم في التصحيح معروف ، و كيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري
لم يخرج لشريك بالكلية ، و مسلم خرج له استشهادا ، لا احتجاجا " .
نقله السيوطي و أقره ! ثم تتابع العلماء على تقليدهما كالسندي في حاشيته على
النسائي ، ثم الشيخ عبد الله الرحماني المباركفوري في " مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح " ( 1 / 253 ) ، و غيرهم ، و لم أجد حتى الآن من نبه على أوهام
هؤلاء العلماء ، و لا على هذه المتابعة ، إلا أن الحافظ رحمه الله كأنه أشار
إليها في " الفتح " ( 1 / 382 ) حين ذكر الحديث : و قال :
" رواه أبو عوانة في " صحيحه " و " الحاكم " .
فاقتصر في العزو عليهما لأنه ليس في طريقهما شريك ، بخلاف أصحاب " السنن "
و لذلك لم يعزه إليهم ، و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن
هدانا الله .
و اعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها ، و إلا فقد ثبت في " الصحيحين "
و غيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال :
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما " .
و لذلك فالصواب جواز البول قاعدا و قائما ، و المهم أمن الرشاش ، فبأيهما حصل
وجب .
و أما النهي عن البول قائما فلم يصح فيه حديث ، مثل حديث " لا تبل قائما " و قد
تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " رقم ( 938 ) .


202 - " إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " و في رواية "
غزا نبي من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، و هو
يريد أن يبني بها ، و لما يبن " بها " ، و لا آخر قد بنى بنيانا ، و لما يرفع
سقفها ، و لا آخر قد اشترى غنما أو خلفات ، و هو منتظر ولادها ، قال : فغزا ،
فأدنى للقرية حين صلاة العصر ، أو قريبا من ذلك ، " و في رواية : فلقي العدو
عند غيبوبة الشمس " ، فقال للشمس : أنت مأمورة ، و أنا مأمور ، اللهم احبسها
علي شيئا ، فحبست عليه ، حتى فتح الله عليه ، " فغنموا الغنائم " ، قال :
فجمعوا ما غنموا ، فأقبلت النار لتأكله ، فأبت أن تطعمه " و كانوا إذا غنموا
الغنمية بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها " فقال : فيكم غلول ، فليبايعني من
كل قبيلة رجل ، فبايعوه ، فلصقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فلتبايعني
قبيلتك ، فبايعته ، قال : فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة " يده " ، فقال : فيكم
الغلول ، أنتم غللتم ، " قال : أجل قد غللنا صورة وجه بقرة من ذهب " ، قال :
فأخرجوه له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه في المال ، و هو بالصعيد ،
فأقبلت النار فأكلته ، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ، ذلك بأن الله تبارك
و تعالى رأى ضعفنا و عجزنا فطيبها لنا ، " و في رواية " فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم عند ذلك : إن الله أطعمنا الغنائم رحمة بنا و تخفيفا ، لما علم
من ضعفنا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 348 :

هذا حديث صحيح جليل ، مما حفظه لنا أبو هريرة رضي الله عنه و له عنه أربع طرق :

الأولى : قال الإمام أحمد ( 2 / 325 ) . حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر عن
هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
.... فذكر الرواية الأولى .
و هكذا أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 10 ) من طريقين آخرين عن الأسود
بن عامر به .
قلت : و هذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين عدا أبا بكر و هو
ابن عياش ، فإنه من رجال البخاري وحده ، و فيه كلام ، لا ينزل به حديثه عن
رتبة الحسن ، و أحسن ما قرأت فيه قول ابن حبان في ترجمته من " الثقات "
( 2 / 324 ) :
" كان أبو بكر من الحفاظ المتقنين ، و كان يحيى القطان ، و ابن المديني يسيئان
الرأي فيه ، و ذلك أنه لما كبر سنه ، ساء حفظه ، فكان يهم إذا روى ، و الخطأ
و الوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر ، فلو كثر الخطأ حتى كان غالبا على صوابه
لاستحق مجانبة رواياته ، فأما عند الوهم يهم ، أو الخطأ يخطىء ، لا يستحق ترك
حديثه بعد تقدم عدالته و صحة سماعه " . ثم قال :
" و الصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه ، و الاحتجاج بما يرويه ، سواء
وافق الثقات " أولا " ، لأنه داخل في جملة أهل العدالة ، و من صحت عدالته لم
يستحق القدح و لا الجرح ، إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح .
و هذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته ، و تيقن خطؤه " .
قلت : و لهذا صرح الحافظ ابن حجر في " الفتح " بصحة هذا السند ، ثم قال
( 6 / 154 ) :
" فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح " .
و سبقه إلى نحوه الحافظ ابن كثير كما سيأتي ، و كذا الذهبي كما في " تنزيه
الشريعة " ( 1 / 379 ) .
الطريق الثانية : قال الإمام أحمد أيضا ( 2 / 318 ) :
" حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... فذكر أحاديث كثيرة فوق المائة بهذا
الإسناد ، هذا الحديث أحدها ، و هي جميعها في " صحيفة همام بن منبه " التي
رواها أبو الحسن أحمد ابن يوسف السلمي عن عبد الرزاق به ، و هذا الحديث فيها
برقم ( 123 ) .
و قد أخرجه مسلم في " صحيحه " ( 5 / 145 ) من طريق محمد بن رافع :
حدثنا عبد الرزاق به بالرواية الثانية ، و اللفظ لمسلم .
ثم أخرجه هو و البخاري في " صحيحه " ( 6 / 154 - 156 ، 9 / 193 بشرح
" الفتح " ) عن عبد الله بن المبارك عن معمر به .
الطريق الثالثة : قال الطحاوي ( 2 / 10 - 11 ) :
" حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ، حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة
يعني القواريري ، حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة به مثل الرواية الثانية ، و فيها أكثر الزيادات التي جعلناها بين
القوسين ( ) .
و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسماعيل هذا .
قال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 190 ) :
" سمعت منه بمكة ، و هو صدوق " .
و هذه الطريق عزاها الحافظ ( 6 / 155 ) للنسائي و أبي عوانة و ابن حبان .
الطريق الرابعة : أخرجها الحاكم ( 2 / 129 ) عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله
ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثل الرواية الثانية ، و زاد في آخره :
" فقال كعب : صدق الله و رسوله ، هكذا و الله في كتاب الله ، يعني في التوراة ،
ثم قال : يا أبا هريرة أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان ؟ قال : لا
قال كعب : هو يوشع بن نون ، قال : فحدثكم أي قرية هي ؟ قال : لا ، قال : هي
مدينة أريحا " .
و قال الحاكم :
" حديث غريب صحيح " . و وافقه الذهبي !
كذا قالا ، و مبارك بن فضالة مدلس و قد عنعنه ، فليس إسناده صحيحا ، بل و لا
حسنا ، و من هذه الطريق رواه البزار أيضا ، كما في " البداية و النهاية " لابن
كثير ( 1 / 324 ) .
ثم إن في هذه الطريق نكارة واضحة ، و هي في هذه الزيادة ، فإن فيها تسميته
النبي بـ ( يوشع ) موقوفا على كعب ، و هي في الرواية الأولى مرفوعة إلى النبي
صلى الله عليه وسلم .
و فيها تسمية المدينة بـ ( أريحا ) ، و في الرواية الأولى أنها بيت المقدس
و هذا هو الصواب ، و من الغريب أن يغفل عن هذا الحافظ ابن حجر ، فيقول في تفسير
( القرية ) المذكورة في رواية " الصحيحين " :
" هي أريحا ، بفتح الهمزة و كسر الراء ، بعدها تحتانية ساكنة و مهملة مع القصر
سماها الحاكم في روايته عن كعب " .
فغفل عما ذكرنا من تسميتها بـ " بيت المقدس " في الحديث المرفوع مع أنه قد ذكره
قبيل ذلك في كتابه و صححه كما نقلته عنه آنفا .
و قد تنبه لذلك الحافظ ابن كثير ، فإنه بعد أن نقل عن أهل الكتاب أن حبس الشمس
ليوشع وقع في فتح ( أريحا ) قال ( 1 / 323 ) :
" فيه نظر ، و الأشبه - و الله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو
المقصود الأعظم ، و فتح ( أريحا ) كان وسيلة إليه " .
ثم استدل على ذلك بالرواية الأولى للحديث ، ثم قال بعد أن ساقه من طريق أحمد
وحده :
" انفرد به أحمد من هذا الوجه ، و هو على شرط البخاري . و فيه دلالة على أن
الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى ، و أن حبس الشمس كان
في فتح بيت المقدس لا أريحا لما قلنا " .
غريب الحديث
------------
( بضع امرأة ) . قال الحافظ :
" بضم الموحدة و سكون المعجمة ، البضع يطلق على الفرج و التزويج و الجماع
و المعاني الثلاثة لائقة هنا ، و يطلق أيضا على المهر و على الطلاق " .
( و لما يبن بها ) أي لم يدخل عليها ، لكن التعبير بـ ( لما ) يشعر بتوقع ذلك .
( خلفات ) بفتح المعجمة و كسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع ( خلفة ) و هي الحامل
من النوق ، و قد يطلق على غير النوق .
( احبسها على شيئا ) هو منصوب نصب المصدر ، أي قدر ما تقتضي حاجتنا من فتح
البلد . قال عياض ، اختلف في حبس الشمس هنا ، فقيل : ردت على أدراجها ، و قيل :
وقفت ، و قيل : بطئت حركتها . و كل ذلك محتمل ، و الثالث أرجح عند ابن بطال
و غيره .
قلت : و أيها كان الأرجح ، فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي
يوشع و قومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس ، و ليس هذا هو المراد ، بل الغرض ،
أن يتمكن من الفتح قبل الليل ، لأن الفتح كان يوم الجمعة ، فإذا دخل الليل دخل
يوم السبت الذي حرم الله عليهم العمل ، و هذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل
الكتاب :
" و ذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس
أو كادت تغرب ، و يدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم و شرع لهم ذلك الزمان ...
و الله أعلم .
من فوائد الحديث
-----------------
1 - قال المهلب : فيه أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع و محبة البقاء .
لأن من ملك بضع امرأة ، و لم يدخل بها ، أو دخل بها ، و كان على قرب من ذلك ،
فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها ، و يجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه
و كذلك غير المرأة من أحوال الدنيا .
2 - قال ابن المنير : يستفاد منه الرد على العامة في تقديمهم الحج على الزواج ،
ظنا منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج ، بل الأولى أن يتعفف ثم يحج .
قلت : و قد روي في موضوع الحج قبل الزواج أو بعده حديثان كلاهما عن أبي هريرة
مرفوعا ، و لكنهما موضوعان ، كما بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة "
( رقم 221 - 222 ) .
3 - و فيه أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع عليه السلام ، ففيه إشارة إلى ضعف
ما يروى أنه وقع ذلك لغيره ، و من تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك :
1 - ما ذكره ابن إسحاق في " المبتدأ " من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه
أن الشمس حبست لموسى عليه السلام لما حمل تابوت يوسف صلى الله عليه وسلم .
قلت : و هذا موقوف ، و الظاهر أنه من الإسرائيليات . و قصة نقل موسى لعظام يوسف
عليهما السلام من قبره في مصر في " المستدرك " ( 2 / 571 - 572 ) بسند صحيح عنه
صلى الله عليه وسلم و ليس فيها ذكر لحبس الشمس .
2 - أنها حبست لداود عليه السلام .
أخرجه الخطيب في " ذم النجوم " له من طريق أبي حذيفة ، و ابن إسحاق في
" المبتدأ " بإسناد له عن علي موقوفا مطولا .
قال الحافظ :
و إسناده ضعيف جدا ، و حديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى ، فإن رجال
إسناده محتج بهم في الصحيح ، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع " .
3 - أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام ، في قصة عرضه للخيل ، و قوله
الذي حكاه الله عنه في القرآن : " ردوها علي " .
رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس . قال الحافظ :
" و هذا لا يثبت عن ابن عباس و لا عن غيره ، و الثابت عن جمهور أهل العلم
بالتفسير من الصحابة و من بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله : ( ردوها علي )
للخيل . و الله أعلم " .
4 - ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا
عن صلاة العصر حتى غربت الشمس ، فردها الله عليه حتى صلى العصر .
قال الحافظ :
" كذا قال ! و عزاه للطحاوي ، و الذي رأيته في " مشكل الآثار " للطحاوي ما قدمت
ذكره من حديث أسماء " .
قلت : و يأتي حديث أسماء قريبا إن شاء الله تعالى . و قصة انشغاله صلى الله
عليه وسلم عن صلاة العصر في " الصحيحين " و غيرهما و ليس فيها ذكر لرد الشمس
عليه صلى الله عليه وسلم ، انظر " نصب الراية " ( 2 / 164 ) .

5 - و من هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في " مغازي ابن إسحاق "
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي
لهم و أنها تقدم مع شروق الشمس ، فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير .
قلت : و هذا معضل ، و أما الحافظ فقال :
" و هذا منقطع ، لكن وقع في " الأوسط " للطبراني من حديث جابر أن النبي
صلى الله عليه وسلم أم ط
SB Univers


203 - " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة ، و تفرقت النصارى على إحدى
أو اثنتين و سبعين فرقة ، و تفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 356 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 503 - طبع الحلبي ) و الترمذي ( 3 / 367 ) و ابن ماجه
( 2 / 479 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 1834 ) و الآجري في " الشريعة "
( ص 25 ) و الحاكم ( 1 / 128 ) و أحمد ( 2 / 332 ) و أبو يعلى في " مسنده "
( ق 280 / 2 ) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به
.
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و فيه نظر فإن محمد بن عمرو ، فيه كلام و لذلك لم يحتج به مسلم ، و إنما
روى له متابعة ، و هو حسن الحديث ، و أما قول الكوثري في مقدمة " التبصير في
الدين " ( ص 5 ) أنه لا يحتج به إذا لم يتابع ، فمن مغالطاته ، أو مخالفاته
المعروفة ، فإن الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال
الأئمة المتقدمين فيه أنه حسن الحديث يحتج به ، من هؤلاء النووي و الذهبي
و العسقلاني و غيره . على أن الكوثري إنما حاول الطعن في هذا الحديث لظنه أن
فيه الزيادة المعروفة بلفظ : " كلها في النار إلا واحدة " ، و هو ظن باطل ،
فإنها لم ترد في شيء من المصادر التي وقفت عليها من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه من هذا الوجه عنه .
و قد ذكره السيوطي في " الجامع الصغير " كما أوردته بدون الزيادة ، و لكنه عزاه
لأصحاب " السنن " الأربعة ، و هذا وهم آخر ، فإن النسائي منهم و لم يخرجه ،
و قد نص على ذلك كله الحافظ في " تخريج الكشاف " ( 4 / 63 ) بقوله :
" رواه أصحاب " السنن " إلا النسائي من رواية أبي هريرة دون قوله :
( كلها الخ ) " .
و الكوثري إنما اغتر في ذلك بكلام السخاوي على الحديث في " المقاصد الحسنة "
( ص 158 ) فإنه ذكره من حديثه بهذه الزيادة ، و عزاه للثلاثة و ابن حبان
و الحاكم ! و أما العجلوني في " الكشف " فقد قلد أصله " المقاصد " فيها ،
و لكنه اقتصر في العزو على ابن ماجه و ابن حبان و الحاكم . و كل ذلك وهم نشأ
من التقليد و عدم الرجوع إلى الأصول ، و ممن وقع في هذا التقليد مع أنه كثير
التنديد به العلامة الشوكاني فإنه أورده في " الفوائد المجموعة " بهذه الزيادة
و قال ( 502 ) :
" قال في " المقاصد " : حسن صحيح ، و روي عن أبي هريرة و سعد و ابن عمر و أنس
و جابر و غيرهم " .
و هذا منه تلخيص لكلام " المقاصد " ، و إلا فليس هذا لفظه ، و لا قال : حسن
صحيح ، و إنما هو قول الترمذي كما تقدم ، و قد نقله السخاوي عنه و أقره ،
و لذلك استساغ الشوكاني جعله من كلامه ، و هو جائز لا غبار عليه . و إذا كان
كذلك فالشوكاني قد قلد أيضا الحافظ السخاوي في كلامه على هذا الحديث مع ما فيه
من الخطأ . و العصمة لله وحده .
على أن للشوكاني في هذا المقام خطأ آخر أفحش من هذا . و هو تضعيفه في
" تفسيره " لهذه الزيادة مقلدا أيضا في ذلك غيره ، مع أنها زيادة صحيحة ،
و ردت عن غير واحد من الصحابة بأسانيد جيدة كما قال بعض الأئمة ، و إن تجاهل
ذلك كله الكوثري اتباعا منه للهوى ، و إلا فمثله لا يخفى عليه ذلك ، و الله
المستعان .
و قد وردت الزيادة المشار إليها من حديث معاوية رضي الله عنه ، و هذا لفظه :
" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة ، و إن هذه
الملة ستفترق على ثلاث و سبعين ، ثنتان و سبعون في النار ، و واحدة في الجنة ،
و هي الجماعة " .


204 - " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة ، و إن هذه
الملة ستفترق على ثلاث و سبعين ، ثنتان و سبعون في النار ، و واحدة في الجنة ،
و هي الجماعة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 358 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 503 - 504 ) ، و الدارمي ( 2 / 241 ) و أحمد ( 4 / 102 )
و كذا الحاكم ( 1 / 128 ) و الآجري في " الشريعة " ( 18 ) و ابن بطة في
" الإبانة " ( 2 / 108 / 2 ، 119 / 1 ) و اللالكائي في " شرح السنة "
( 1 / 23 / 1 ) من طريق صفوان قال : حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني عن
أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال : ألا
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال .... فذكره .
و قال الحاكم و قد ساقه عقب أبي هريرة المتقدم :
" هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث " . و وافقه الذهبي .
و قال الحافظ في " تخريج الكشاف " ( ص 63 ) : " و إسناده حسن " .

قلت : و إنما لم يصححه ، لأن أزهر بن عبد الله هذا لم يوثقه غير العجلي
و ابن حبان و لما ذكر الحافظ في " التهذيب " قول الأزدي : " يتكلمون فيه " ،
تعقبه بقوله :
" لم يتكلموا إلا في مذهبه " . و لهذا قال في " التقريب " .
" صدوق ، تكلموا فيه للنصب " .
و الحديث أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ( 1 / 390 ) من رواية أحمد ، و لم
يتكلم على سنده بشيء ، و لكنه أشار إلى تقويته بقوله :
" و قد ورد هذا الحديث من طرق " .
و لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " المسائل " ( 83 / 2 ) .
" هو حديث صحيح مشهور " . و صححه أيضا الشاطبي في " الاعتصام " ( 3 / 38 ) .
و من طرق الحديث التي أشار إليها ابن كثير ، و فيها الزيادة ، ما ذكره الحافظ
العراقي في " تخريج الإحياء " ( 3 / 199 ) قال :
" رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو و حسنه ، و أبو داود من حديث معاوية ،
و ابن ماجه من حديث أنس و عوف بن مالك ، و أسانيدها جياد " .
قلت : و لحديث أنس طرق كثيرة جدا تجمع عندي منها سبعة ، و فيها كلها الزيادة
المشار إليها ، مع زيادة أخرى يأتي التنبيه عليها ، و هذه هي :
الطريق الأولى : عن قتادة عنه .
أخرجه ابن ماجة ( 2 / 480 ) ، و قال البوصيري في " الزوائد " :
" إسناده صحيح ، رجاله ثقات " .
قلت : و في تصحيحه نظر عندي لا ضرورة لذكره الآن ، فإنه لا بأس به في الشواهد .
الثانية : عن العميري عنه .
أخرجه أحمد ( 3 / 120 ) ، و العميري هذا لم أعرفه ، و غالب الظن أنه محرف من
( النميري ) و اسمه زياد بن عبد الله فقد روى عن أنس ، و عنه صدقة بن يسار ،
و هو الذي روى هذا الحديث عنه ، و النميري ضعيف ، و بقية رجاله ثقات .
الثالثة : عن ابن لهيعة حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عنه . و زاد :
" قالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة ؟ قال : الجماعة الجماعة " .
أخرجه أحمد أيضا ( 3 / 145 ) و سنده حسن في الشواهد .
الرابعة : عن سلمان أو سليمان بن طريف عنه .
أخرجه الآجري في " الشريعة " ( 17 ) و ابن بطة في " الإبانة " ( 2 / 118 / 2 )
و ابن طريف هذا لم أجد له ترجمة .
الخامسة : عن سويد بن سعيد قال : حدثنا مبارك بن سحيم عن عبد العزيز ابن صهيب
عن أنس .
أخرجه الآجري ، و سويد ضعيف ، و أخرجه ابن بطة أيضا ، و لكني لا أدري إذا كان
من هذا الوجه أو من طريق آخر عن عبد العزيز فإن كتابه بعيد عني الآن .
السادسة : عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس به .
و فيه الزيادة .
أخرجه الآجري ( 16 ) . و أبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي و هو ضعيف .
و من طريقه رواه ابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير " ( 2 / 76 - 77 ) .
السابعة : عن عبد الله بن سفيان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه .
و فيه الزيادة بلفظ : " قال : ما أنا عليه و أصحابي " .
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " ( ص 207 - 208 ) و الطبراني في " الصغير "
( 150 ) و قال :
" لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان " .
و قال العقيلي : " لا يتابع على حديثه " .
قلت : و هو على كل حال خير من الأبرد بن أشرس فإنه روى هذا الحديث أيضا عن يحيى
بن سعيد به ، فإنه قلب متنه ، و جعله بلفظ :
" تفترق أمتي على سبعين أو إحدى و سبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة ،
قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : الزنادقة و هم القدرية " .
أورده العقيلي أيضا و قال :
" ليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد " و قال الذهبي في " الميزان " :
" أبرد بن أشرس قال ابن خزيمة : كذاب و ضاع " .
قلت : و قد حاول بعض ذوي الأهواء من المعاصرين تمشية حال هذا الحديث بهذا اللفظ
الباطل ، و تضعيف هذا الحديث الصحيح ، و قد بينت وضع ذاك في " سلسلة الأحاديث
الضعيفة " رقم ( 1035 ) ، و الغرض الآن إتمام الكلام على هذا اللفظ الصحيح ،
فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه ، و لذلك تتابع العلماء خلفا عن سلف
على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك " : " إنه حديث كبير
في الأصول " و لا أعلم أحدا قد طعن فيه ، إلا بعض من لا يعتد بتفرده و شذوذه ،
أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه و تحامله على الطريق الأولى
لهذا الحديث ، التي ليس فيها الزيادة المتقدمة : " كلها في النار " ، جاهلا بل
متجاهلا حديث معاوية و أنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت . و ليته لم يقتصر
على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيرا ، و لكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل ،
ألا و هو العلامة ابن الوزير اليمني ، و ذكر أنه قال في كتابه : " العواصم
و القواصم " ما نصه :
" إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة ، و لا
يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة . و قد قال ابن حزم : إن هذا الحديث لا يصح " .
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات . ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية
" على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " ( 2 / 56 ) :
" قال ابن كثير في تفسيره : و حديث افتراق الأمم إلى بضع و سبعين ، مروي من طرق
عديدة ، قد ذكرناها في موضع آخر . انتهى . قلت : أما زيادة كونها في النار إلا
واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين ( ! ) ، بل قال ابن حزم : إنها موضوعة " .
و لا أدري من الذين أشار إليهم بقوله : " جماعة ... " فإني لا أعلم أحدا من
المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة ، بل إن الجماعة قد صححوها و قد سبق ذكر
أسمائهم ، و أما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك ، و أول ما يتبادر للذهن أنه في
كتابه " الفصل في الملل و النحل " و قد رجعت إليه ، و قلبت مظانه فلم أعثر عليه
ثم إن النقل عنه مختلف ، فابن الوزير قال عنه : " لا يصح " ، و الشوكاني قال
عنه : " إنها موضوعة " ، و شتان بين النقلين كما لا يخفى ، فإن صح ذلك عن ابن
حزم ، فهو مردود من وجهين :
الأول : أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة ، فلا عبرة بقول من
ضعفها .
و الآخر : أن الذين صححوها أكثر و أعلم بالحديث من ابن حزم ، لاسيما و هو معروف
عند أهل العلم بتشدده في النقد ، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم
المخالفة فكيف إذا خالف ؟ !
و أما ابن الوزير ، فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من
جهة إسنادها ، بل من حيث معناها ، و ما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى
لامكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه . و كيف يستطاع الجزم
بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة و العلماء من مختلف الطبقات بالقبول و صرحوا
بصحته ، هذا يكاد يكون مستحيلا !
و إن مما يؤيد ما ذكرته أمرين :
الأول : أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا ، ألا و هو كتابه
القيم : " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلا خاصا في
الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة و ردوا أحاديثهم ، و منهم معاوية رضي الله عنه ،
فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من
الصحابة لم تطعن فيه الشيعة ، فكان هذا الحديث منها !
الأمر الآخر : أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب
ابن الوزير ، ألا و هو الشيخ صالح المقبلي ، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد
من جهة ثبوته و معناه ، و قد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك
إلى ابن الوزير . و أنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من
جهة السند ، و إنما من قبل استشكال معناه ، و أرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار
إليه لما فيه من الفوائد . قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار
الحق على الآباء و المشايخ " ( ص 414 ) :
" حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة ، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا
بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها . ( ثم ذكر حديث معاوية هذا ، و حديث ابن
عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي و حسنه الترمذي ثم قال : )
و الإشكال في قوله : " كلها في النار إلا ملة " ، فمن المعلوم أنهم خير الأمم ،
و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة ، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء
في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث ، فكيف يتمشى هذا ؟ فبعض الناس تكلم في
ضعف هذه الجملة ، و قال : هي زيادة غير ثابتة . و بعضهم تأول الكلام . قال :
و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف ،
فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة . إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة
مستقلة ابتدعها . و إذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل ، و فيما
يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر ، و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق
التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة .
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته :
" إن الناس عامة و خاصة ، فالعامة آخرهم كأولهم ، كالنساء و العبيد و الفلاحين
و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء ، فلا شك في براءة آخرهم من
الابتداع كأولهم .
و أما الخاصة ، فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه ، و بلغ في تقويتها
كل مبلغ ، و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة ، ثم تبعه أقوام من
نمطه في الفقه و التعصب ، و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم
يتحمله ، و لكنه إمامهم المقدم و هؤلاء هم المبتدعة حقا ، و هو شيء كبير ( تكاد
السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا ) ، كنفي حكمة الله تعالى ،
و نفي إقداره المكلف ، و ككونه يكلف ما لا يطاق ، و يفعل سائر القبائح و لا
تقبح منه ، و أخواتهن ! و منها ما هو دون ذلك ، و حقائقها جميعها عند الله
تعالى ، و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة .
و من الناس من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف ، و لكنه
عند نفسه راجع إلى الحق ، و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه
خفي ، و لعله تخيل مصلحة دنيئة ، أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه
و ربما بلغت الأذية إلى نفسه . و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل ، و
تخبط في تصرفاته ، و حسابه على الله سبحانه ، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر
حاله ، أو يقبل عذره ، و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك ،
لكن شرهم و الله كثير ، فلربما لم يقع خبرهم بمكان ، و ذلك لأنه لا يفطن لتلك
اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث ، و قد أغناهم الله
بعلمهم عن تلك اللمحة ، و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق
و يخفيه . و الله المستعان .
و من الناس من ليس من أهل التحقيق ، و لا هيء للهجوم على الحقائق ، و قد تدرب
في كلام الناس ، و عرف أوائل الأبحاث ، و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه و لكن
أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل . و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء
و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس . و هؤلاء هم الأكثرون عددا ، و الأرذلون
قدرا ، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة ، و لا أدركوا سلامة العامة . فالقسم
الأول من الخاصة مبتدعة قطعا . و الثاني ظاهره الابتداع ، و الثالث له حكم
الابتداع .
و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين ، و قليل من الآخرين ، أقبلوا على الكتاب
و السنة و ساروا بسيرها ، و سكتوا عما سكتا عنه ، و أقدموا و أحجموا بهما
و تركوا تكلف مالا يعنيهم ، و كان تهمهم السلامة ، و حياة السنة آثر عندهم من
حياة نفوسهم ، و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى ، و فهم معانيه على
السليقة العربية و التفسيرات المروية ، و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما .
فهؤلاء هم السنية حقا ، و هم الفرقة الناجية ، و إليهم العامة بأسرهم ، و من
شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين ، بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم .
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك ، لم يلزمك السؤال المحذور و هو الهلاك على معظم
الأمة ، لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا ، و كذلك الخاصة في الأعصار
المتقدمة ، و لعل القسمين الأوسطين ، و كذا من خفت بدعته من الأول ، تنقذهم
رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية ، و رحمة ربك أوسع
لكل مسلم ، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقة ، و أن أفراد الفرق المبتدعة
و إن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين
: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة " .
قلت : و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله ، و هو كلام متين يدل على علم
الرجل و فضله و دقة نظره ، و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه
عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه . و الحمد لله على أن وفقنا للإبانة
عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده ، و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه .
و هو الموفق لا إله إلا هو .
ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ "
( ص 90 ) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ ! فهو يقول : " و لو صح هذا
الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية . إذ يسجل على أغلبيتها
الخلود في الجحيم و لو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة
معتبرا إياهم في حالة ردة ... " إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد
عليه ، لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم .
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث ، و إنما أورده الكاتب
المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث . و هو سالم من ذلك
كله كما بينا و الحمد لله على توفيقه .


205 - " إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ، و خفت أماناتهم و كانوا هكذا : و شبك بين
أصابعه ، قال ( الراوي ) : فقمت إليه فقلت له : كيف أفعل عند ذلك جعلني الله
فداك ؟ قال : الزم بيتك ، و املك عليك لسانك ، و خذ ما تعرف ، و دع ما تنكر ،
و عليك بأمر خاصة نفسك ، و دع عنك أمر العامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 368 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 438 ) و الحاكم ( 4 / 525 ) و أحمد ( 2 / 212 ) و اللفظ
له عن هلال بن خباب أبي العلاء قال : حدثني عبد الله بن عمرو قال :
" بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ ذكروا الفتنة ، أو ذكرت
عنده ، قال " فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و قال المنذري و العراقي : " سنده حسن " .
نقله المناوي في " الفيض " و أقرهما و هو كما قالا ، فإن هلالا هذا فيه كلام
يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف ، و قد توبع على أصل الحديث كما
يأتي .
و الحديث عزاه السيوطي للحاكم وحده بهذا اللفظ . و فيه مؤاخذتان :
الأولى : إيهامه أنه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن و لا من هو أعلى طبقة من
الحاكم ، و ليس كذلك كما هو بين .
الثانية : إيهامه أيضا أن اللفظ للحاكم و هو لأحمد :
و للحديث عن ابن عمرو ثلاث طرق أخر :
الأول : عن أبي حازم عن عمارة بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو بلفظ :
" كيف بكم و بزمان ، أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة ، تبقى حثالة
من الناس قد مرجت عهودهم و أماناتهم و اختلفوا فكانوا هكذا : و شبك بين أصابعه
.... " الحديث مثله دون قوله " الزم بيتك و املك عليك لسانك " .
أخرجه أبو داود ( 2 / 437 - 438 ) و ابن ماجه ( 2 / 467 - 468 ) و الحاكم
( 4 / 435 ) و أحمد ( 2 / 221 ) .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي . و هو كما قالا ، فإن رجاله
ثقات معروفون غير عمارة هذا فقد وثقه العجلي و ابن حبان و روى عنه جماعة من
الثقات .
الطريق الثاني : عن أبي حازم أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا .
" يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة يبقى منهم حثالة قد مرجت عهودهم ... "
الحديث مثل الذي قبله .
أخرجه أحمد ( 2 / 220 ) و سنده حسن .
الطريق الثالث : عن الحسن عن عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
" كيف أنت إذا بقيت فى حثالة من الناس ، قال : قلت : يا رسول الله كيف ذلك ؟
قال إذا مرجت عهودهم و أماناتهم ... " الحديث مثله .
أخرجه أحمد ( 2 / 162 ) و رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن الحسن البصري في
سماعه من ابن عمرو خلاف ، و أيهما كان ، فهو مدلس و قد عنعنه .
و مما يلاحظ أن هذه الطرق الثلاث ، ليس فيها الزيادة التي فى الطريق التي قبل
هذه " الزم بيتك و املك عليك لسانك " . فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة لأن
الذي تفرد بها و هو هلال بن خباب فيه كلام كما سبق ، فلا يحتج به إذا خالف
الثقات .
نعم قد جاءت هذه الزيادة فى حديث أبي ثعلبة الخشني نحو هذا ، لكن لا يصح إسناده
كما بينته فى المائة التي بعد الألف من " الأحاديث الضعيفة " .
و إن مما يؤيد شذوذها أنني وجدت لحديث ابن عمرو هذا شاهدا من حديث أبي هريرة
مثله ليس فيه الزيادة ، و لفظه :
" كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم
و أماناتهم ، و اختلفوا فصاروا هكذا : و شبك بين أصابعه قال : قلت : يا رسول
الله ما تأمرني ؟ قال : عليك بخاصتك ، و دع عنك عوامهم " .


206 - " كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم
و أماناتهم ، و اختلفوا فصاروا هكذا : و شبك بين أصابعه قال : قلت :
يا رسول الله ما تأمرني ؟ قال : عليك بخاصتك ، و دع عنك عوامهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 370 :

أخرجه الدولابي في " الكنى " ( 2 / 35 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 1849 )
و أبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " ( ق 16 / 2 ) و ابن السماك
في " الأول من الرابع من حديثه " ( 108 ) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط مسلم .
و علقه البخاري في صحيحه ( 1 / 548 ) من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد و هو
ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال :
سمعت أبي و هو يقول : و قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس " .
و وصله إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " ، و حنبل بن إسحاق فى " كتاب الفتن "
و أبو يعلى ( ق 267 / 2 ) من هذا الوجه عن ابن عمر به ، مثل حديث أبي هريرة
سواء كما في " الفتح " ( 13 / 32 ) . فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة .
و له شاهد آخر من حديث سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوما لعبد الله بن عمرو بن العاص : فذكره .

أخرجه ابن أبي الدنيا في " الأمر بالمعروف " ( ق 55 / 1 ) و ابن شاهين في
" جزء من حديثه " ( ق 210 / 1 - محمودية ) و ابن عدى ( 36 / 1 ) و كذا الطبراني
كما في " الفتح " عن أبي حازم عنه .
و أحد الإسنادين عن أبي حازم عند ابن شاهين حسن .


207 - " كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 370 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 137 ) و ابن عدي ( 245 / 2 ) عن أبي بكر بن نافع البصري
حدثنا عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال مرة : عن عائشة
ثم أوقفه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .... الحديث .
سكت عليه الترمذي ، و قال ابن عدي :
" و هذا قد اختلفوا على هشام بن عروة ، فمنهم من أوقفه ، و منهم من أرسله ،
و منهم من قال " عائشة " . و منهم من قال : " عن أبي هريرة " ، و لعمر بن علي
هذا أحاديث حسان ، و أرجو أنه لا بأس به " .
قلت : هو في نفسه ثقة ، لكنه كان يدلس تدليسا سيئا جدا بحيث يبدو أنه لا يعتد
بحديثه حتى لو صرح بالتحديث كما هو مذكور في ترجمته من " التهذيب " ، و لكنه لم
يتفرد به كما يأتي ، و بقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين غير أبي بكر بن
نافع و اسمه محمد بن أحمد ، فمن أفراد مسلم .
و ممن تابع المقدمي محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة به .
أخرجه ابن عدي ( 300 / 2 ) و قال :
" هذا الحديث ضعيف " .
قلت : بل هو صحيح لما له من المتابعات و الشاهد كما يأتي . و الطفاوي هذا قد
احتج به البخاري و في حفظه ضعف يسير فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى .
و قد تابعه شريك بن عبد الله القاضي أيضا بلفظ :
" كان إذا سمع اسما قبيحا غيره ، فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها
خضرة " .


208 - " كان إذا سمع اسما قبيحا غيره ، فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها خضرة
" .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 371 :

أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " ( ص 70 ) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق
حدثنا شريك به . و قال :
" لم يروه عن شريك إلا إسحاق " .
قلت : و هو ثقة . و كذلك سائر الرواة ، غير أن شريكا في حفظه ضعف ، لكن قد توبع
في بعضه ، أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 344 ) من طريق عبدة بن
سليمان عن هشام بن عروة به بلفظ :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأرض تسمى عزرة فسماها خضرة " .
قلت : و هذا سند صحيح ، و هو يدل على أن من أرسله و لم يذكر فيه عائشة أنه قصر
.
و عزاه الهيثمي ( 8 / 51 ) لأبي يعلى و الطبراني في الأوسط و قال :
" و رجال أبي يعلى رجال الصحيح " ، و قال في طريق " المعجم الصغير " :
" و رجاله رجال الصحيح " .
كذا قال ، و شريك إنما أخرج له مسلم مقرونا بغيره .
( تنبيه ) : " عزرة " كذا في الطحاوي بالزاي ، و في " المجمع " :
" عذرة " بالذال و لعله الصواب .
و للحديث شاهد صحيح بلفظ :
" كان إذا أتاه الرجل و له اسم لا يحبه حوله " .


209 - " كان إذا أتاه الرجل و له اسم لا يحبه حوله " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 372 :

أخرجه الخلال في " أصحاب ابن منده " ( ق 153 / 2 ) قال : أخبرنا سعيد بن يزيد
الحمصي حدثنا محمد بن عوف بن سفيان : حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش
عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال : قال عتبة بن عبد السلمي : فذكره
مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات معرفون ، غير سعيد بن يزيد الحمصي ،
و الظاهر أنه ابن معيوف الحجوي و هو ثقة كما في " مختصر تاريخ ابن عساكر "
( 6 / 179 ) ، و إسماعيل بن عياش صحيح الحديث عن الشاميين كما قال البخاري
و غيره ، و هذا عنهم .
و الحديث قال الهيثمي ( 8 / 52 ) :
" رواه الطبراني ، و رجاله ثقات ، و في بعضهم خلاف " .
قلت : و كأنه يشير إلى ابن عياش ، و قد عرفت الجواب .
و هذه بعض الأسماء التي غيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في
الأحاديث الصحيحة برة . عاصية . حزن . شهاب . جثامة .
و إليك بعض الأحاديث في ذلك :
" لا تزكوا أنفسكم ، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن و الفاجرة ، سميها زينب " .


210 - " لا تزكوا أنفسكم ، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن و الفاجرة ، سميها زينب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 373 :

أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 821 ) و أبو داود ( 4953 ) عن محمد بن
إسحاق قال : حدثني محمد بن عمرو بن عطاء أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة
فسألته عن اسم أخت له عنده ؟ قال : فقلت : اسمها برة ، قالت : غير اسمها ، فإن
النبي صلى الله عليه وسلم نكح زينب بنت جحش و اسمها برة ، فغير اسمها إلى زينب
فدخل على أم سلمة حين تزوجها و اسمي برة ، فسمعها تدعوني برة ، فقال : فذكره
.فقالت ( أم سلمة ) : فهي زينب ، فقلت لها : اسمي ؟ فقالت : غير إلى ما غير
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمها زينب .
قلت : و هذا سند حسن . و في ابن إسحاق كلام لا يضر و قد صرح بالتحديث .
و قد تابعه الوليد بن كثير حدثني محمد بن عمرو به مختصرا و يزيد بن أبي حبيب
عن محمد بن عمرو به ، و فيه " لا تزكوا أنفسكم ... " . أخرجه مسلم ( 6 / 173 -
174 ) .
و للحديث شاهد صحيح بلفظ :
" كان اسم زينب برة ( فقيل : تزكي نفسها ) فسماها النبي صلى الله عليه وسلم :
زينب " .


211 - " كان اسم زينب برة ( فقيل : تزكي نفسها ) فسماها النبي صلى الله عليه وسلم :
زينب " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 374 :

أخرجه البخاري ( 4 / 157 ) و مسلم ( 6 / 173 ) و الدارمي ( 2 / 295 )
و ابن ماجه ( 3732 ) و أحمد ( 2 / 430 - 459 ) من طرق عن شعبة عن عطاء
ابن أبي ميمونة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال : فذكره .

و اللفظ لأحمد و الزيادة له . و لمسلم فى رواية و ابن ماجه .
و رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 832 ) : حدثنا عمرو بن مرزوق قال : حدثنا
شعبة به ، بلفظ :
" كان اسم ميمونة برة ، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة " .
قلت : و هو بهذا الفظ شاذ لمخالفة ابن مرزوق لرواية الجماعة لاسيما و هو ذو
أوهام كما في " التقريب " ، و قد تابعه أبو داود الطيالسي لكن على الشك فقال
( 2445 ) : حدثنا شعبة به بلفظ : " ميمونة أو زينب " .
و قد أشار الحافظ في " الفتح " ( 10 / 475 ) إلى شذوذ رواية ابن مرزوق هذه .
و ترجم البخاري للحديث بقوله " باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه " .
و في الباب عن ابن عباس قال :
" كانت جويرية اسمها برة ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية ،
و كان يكره أن يقال : خرج من عند برة " .


212 - " كانت جويرية اسمها برة ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية ،
و كان يكره أن يقال : خرج من عند برة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 374 :

أخرجه مسلم ( 6 / 173 ) و البخاري في الأدب ( 831 ) و أحمد ( 1 / 258 - 326 -
353 ) و ابن سعد في " الطبقات " ( 8 / 84 / 85 ) .


213 - " أنت جميلة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 375 :

رواه مسلم ( 6 / 173 ) و البخاري في " الأدب المفرد " ( 820 ) و أبو داود
( 4952 ) و الترمذي ( 2 / 137 ) و أحمد ( 2 / 18 ) عن يحيى بن سعيد عن عبيد
الله : أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم
عاصية و قال : فذكره .
و قال الترمذي : " هذا حديث حسن غريب ، و إنما أسنده يحيى بن سعيد القطان " .

قلت : بل هو صحيح ، فإن القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة كما في " التقريب "
للحافظ ، و قد تابعه حماد بن سلمة عن عبيد الله به ، و زاد أنها ابنة لعمر
رضي الله عنه .
رواه مسلم و كذا الدارمي ( 2 / 295 ) و لكنه لم يذكر هذه الزيادة .
و أثبتها ابن ماجه ( 3733 ) .


214 - " أنت سهل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 375 :

رواه البخاري ( 10 / 474 - فتح ) و في " الأدب المفرد " ( 841 ) و أبو داود
( رقم 4956 ) و أحمد ( 5 / 433 ) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن
جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ما اسمك ؟ قال ! حزن ، قال :
فذكره . قال : لا ، السهل يوطأ و يمتهن . قال سعيد : فظننت أنه سيصيبنا بعده
حزونة ، لفظ أبي داود ، و لفظ البخاري مثله إلا أنه قال : قال : لا أغير اسما
سمانيه أبي .
قال ابن المسيب : فما زالت الحزونة فينا بعد .
و رواه علي بن زيد عن سعيد بن المسيب به نحوه ، إلا أنه جعله من مسند المسيب
بن حزن ، و ليس من رواية حزن نفسه ، و هو رواية أحمد عن الزهري ، و رواية
للبخاري ، و الراجح الأول كما قرره الحافظ ، و في رواية علي :
" قال : يا رسول الله اسم سمانيه أبواي عرفت به فى الناس . قال : فسكت عنه
النبي صلى الله عليه وسلم " .
قلت : و من المعلوم أن سكوته صلى الله عليه وسلم إقرار ، لكن علي بن زيد و هو
ابن جدعان ضعيف لاسيما و قد زاد على الإمام الزهري ، فلا تقبل زيادته .


215 - " بل أنت هشام " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 376 :

أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 825 ) عن عمران القطان عن قتادة عن زرارة
بن أبي أوفي عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها :
" ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له : شهاب ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
قلت : و هذا إسناد حسن ، رجاله ثقات رجال البخاري غير عمران و هو ابن داور ،
و هو صدوق يهم كما في " التقريب " .
و الحديث مما علقه أبو داود في هذا الباب .


216 - " بل أنت حسانة المزنية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 376 :

أخرجه ابن الأعرابي في " معجمه " ( ق 75 / 2 ) و عنه القضاعي في " مسند الشهاب
" ( ق 82 / 1 ) و الحاكم في " المستدرك " ( 1 / 15 - 16 ) من طريق صالح بن رستم
عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت :
" جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، و هو عندي ، فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قالت : أنا جثامة المزنية ، فقال : بل أنت حسانة
المزنية ، كيف أنتم ؟ كيف حالكم ، كيف كنتم بعدنا ؟ قالت : بخير بأبي أنت
و أمي يا رسول الله . فلما خرجت ، قلت : يا رسول الله ، تقبل على هذه العجوز
هذا الإقبال ؟ فقال : " إنها كانت تأتينا زمن خديجة ، و إن حسن العهد من
الإيمان " .
و قال الحاكم :
" حديث صحيح على شرط الشيخين ، فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة
و ليس له علة " .
كذا قال ! و وافقه الذهبي ! و صالح بن رستم و هو أبو عامر الخزاز البصري لم
يخرج له البخاري في " صحيحه " إلا تعليقا ، و أخرج له في " الأدب المفرد " أيضا
ثم هو مختلف فيه ، فقال الذهبي نفسه في " الضعفاء " :
" وثقه أبو داود ، و قال ابن معين : ضعيف الحديث . و قال أحمد : صالح الحديث "
.
و هذا هو الذي اعتمده في " الميزان " فقال :
" و أبو عامر الخزاز حديثه لعله يبلغ خمسين حديثا ، و هو كما قال أحمد : صالح
الحديث " .
قلت : فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى ، فقد قال ابن عدى :
" و هو عندي لا بأس به ، و لم أر له حديثا منكرا جدا " .
و أما الحافظ فقال في " التقريب " :
" صدوق ، كثير الخطأ " .
و هذا ميل منه إلى تضعيفه . و الله أعلم .
و لكنه على كل حال ، فالحديث صحيح ، لأنه لم يتفرد به ، كما يدل عليه كلام
الحافظ في " الفتح " ( 10 / 365 ) فإنه قال بعد أن ذكره من هذا الوجه من رواية
الحاكم و البيهقي في " الشعب " :
" و أخرجه البيهقي أيضا من طريق مسلم بن جنادة عن حفص بن غياث عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة مثله ، بمعنى القصة ، و قال : " غريب " .
و من طريق أبي سلمة عن عائشة نحوه ، و إسناده ضعيف " .
قلت : و طريق أبي سلمة ، أخرجها أبو عبد الرحمن السلمي في " آداب الصحبة "
( 24 ) عن محمد بن ثمال الصنعاني حدثنا عبد المؤمن بن يحيى بن أبي كثير عن
أبي سلمة به .
و محمد بن ثمال و شيخه عبد المؤمن لم أجد لهما ترجمة .
و قد وجدت له طريقا أخرى مختصرا ، أخرجه القاسم السرقسطي في " غريب الحديث "
( 2 / 20 / 1 ) عن الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عبد الواحد ابن أيمن
و غيره عن ابن أبي نجيح عن عائشة :
" أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرب إليه لحم ، فجعل يناولها ،
قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله لا تغمر يدك ! فقال صلى الله عليه وسلم :
( يا عائشة إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة ، و إن حسن العهد من الإيمان ) ،
فلما ذكر خديجة قلت : قد أبدلك الله من كبيرة السن حديثة السن ، فشدقني ،
و قال : ما علي - أو نحو هذا - إن كان الله رزقها مني الولد ، و لم يرزقكيه ،
فقلت : و الذى بعثك بالحق لا أذكرها إلا بخير أبدا .
قال الحميدي : ثم قال سفيان : عبد الواحد و غيره يزيد أحدهما على الآخر في
الحديث " .

قلت : و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين ابن أبي نجيح
- و اسمه عبد الله - و عائشة ، فإنه لم يسمع منها كما قال أبو حاتم ، خلافا
لابن المديني ، و وقع التصريح بسماعه منها في " صحيح البخاري " فالله أعلم .
و قصة غيرة عائشة من خديجة رضي الله عنهما ثابتة في " صحيح البخاري "
" و مسلم " و الترمذي ( 2 / 363 ) و أحمد ( 6 / 118 ، 150 ، 154 ) من طرق عنها
.
هذا و لقد كان الباعث على تحرير القول في هذا الحديث خاصة أن الله تبارك
و تعالى رزقني بعد ظهر الثلاثاء في عشرين ربيع الآخر سنة 1385 طفلة جميلة ،
فلما عزمت على أن أختار لها اسما من أسماء الصحابيات الكريمات ، و قع بصري على
هذا الاسم " حسانة " ، فمال إليه قلبي ، لتحقيق الاقتداء به ( صلى الله عليه
وسلم ) في تسميته " جثامة " به ، و لكن لم أبادر إلى ذلك حتى درست إسناد الحديث
على نحو ما سبق ، و تحققت من صحته . و الحمد لله على توفيقه ، و أسأله تعالى أن
يجعلها من المؤمنات الصالحات ، و العابدات العالمات ، السعيدات فى الدنيا
و الآخرة .
فقه الأحاديث
--------------
قال الطبري :
" لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى و لا باسم يقتضي التزكية له ، و لا باسم
معناه السب ، و لو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص لا يقصد بها حقيقة الصفة
لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم فيظن أنه صفة للمسمى ، فلذلك كان ( صلى
الله عليه وسلم ) يحول الاسم إلى ما إذا دعي به صاحبه كان صدقا . قال : و قد
غير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عدة أسماء " .
ذكره في " الفتح " ( 10 / 476 ) .
قلت : و على ذلك فلا يجوز التسمية بعز الدين و محي الدين و ناصر الدين ، و نحو
ذلك .
و من أقبح الأسماء التي راجت فى هذا العصر و يجب المبادرة إلى تغييرها لقبح
معانيها هذه الأسماء التي أخذ الآباء يطلقونها على بناتهم مثل ( وصال )
و ( سهام ) و ( نهاد ) و ( غادة ) و ( فتنة ) و نحو ذلك . و الله المستعان .


217 - " إنما المدينة كالكير تنفي خبثها ، و ينصع طيبها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 379 :

أخرجه البخاري ( 4 / 77 ، 13 / 174 ، 258 ) و مسلم ( 9 / 155 ) و مالك
( 3 / 84 ) و النسائي ( 2 / 184 ) و الترمذي ( 4 / 373 ) و الطيالسي في
" مسنده " ( 2 / 204 ) و أحمد ( 3 / 292 ، 306 ، 307 ، 365 ، 385 ، 392 ، 393 )
عن جابر بن عبد الله .
" أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأصاب الأعرابي
وعك بالمدينة ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أقلني
بيعتي ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه فقال : أقلني بيعتي ، فأبى
ثم جاءه فقال : أقلني بيعتي ، فأبى ، فخرج الأعرابي ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ... " . فذكره .

و قال الترمذي : " حديث حسن " .
و له شاهد من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية ( فما لكم في
المنافقين فئتين ) قال :
" رجع ناس من أصحاب النبي يوم أحد ( و في رواية : من أحد ) ، فكان الناس فيهم
فريقين ، فريق منهم يقول : اقتلهم ، و فريق يقول : لا ، فنزلت هذه الآية ( فما
لكم في المنافقين فئتين ) ، فقال :
" إنها طيبة ، و إنها تنفي الخبث ، كما تنفي النار خبث الحديد " .


218 - " إنها طيبة ، و إنها تنفي الخبث ، كما تنفي النار خبث الحديد " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 380 :

أخرجه البخاري ( 4 / 77 - 78 ، 8 / 206 ) و مسلم ( 9 / 155 - 156 ) و الترمذي
( 4 / 89 - 90 ) و أحمد ( 6 / 184 / 187 ، 188 ) من طريق عبد الله ابن يزيد
و هو الخطمي عن زيد بن ثابت .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قال العلماء : خبث الحديد : وسخه و قذره الذي تخرجه النار منها .
قال القاضي : الأظهر أن هذا مختص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يكن
يصبر على الهجرة و المقام معه إلا من ثبت إيمانه ، و أما المنافقون و جهلة
الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة و لا يحتسبون الأجر في ذلك كما قال ذلك
الأعرابي الذي أصابه الوعك :
" أقلني بيعتي " . هذا كلام القاضي . و هذا الذي ادعى أنه الأظهر ليس بالأظهر ،
لحديث أبي هريرة المتقدم بلفظ : " لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها .. "
فهذا و الله أعلم في زمن الدجال كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في
أواخر الكتاب في " أحاديث الدجال " : أنه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث
رجفات يخرج الله بها منها كل كافر منافق . فيحتمل أنه مختص بزمن الدجال ،
و يحتمل أنه في أزمان متفرقة . كذا في " شرح مسلم " للنووي ( 9 / 154 ) .
و أقول : بل الأظهر أن ذلك كان خاصا بزمنه صلى الله عليه وسلم لحديث الأعرابي
المتقدم ، و في بعض الأوقات لا دائما لقول الله عز و جل ( و من أهل المدينة
مردوا على النفاق ) ، و المنافق خبيث بلا شك كما قال الحافظ ، بل هو المراد
صراحة في حديث زيد بن ثابت ، فعلى هذا فقوله في هذه الأحاديث " تنفي " ليست
للاستمرار ، بل للتكرار ، فقد وقع ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم ما شاء الله
و سيقع أيضا مرة أخرى زمن الدجال كما في حديث أنس المشار إليه ، و إلى هذا مال
الحافظ في " الفتح " ( 4 / 70 ) و ختم كلامه بقوله :
" و أما ما بين ذلك فلا " .
فهذا هو الراجح بل الصواب ، و الواقع يشهد بذلك . و الله أعلم .


219 - " كان يقبلني و هو صائم و أنا صائمة . يعني عائشة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 381 :

أخرجه أبو داود ( 1 / 374 ) و أحمد ( 6 / 179 ) من طريقين عن سفيان عن سعد
بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله يعني ابن عثمان القرشي عن عائشة رضي الله
عنها مرفوعا .

قلت : و هذا سند صحيح على شرط البخاري .
ثم أخرجه أحمد ( 6 / 134 ، 175 - 176 ، 269 - 270 ، 270 ) و كذا النسائي في
" الكبرى " ( ق 83 / 2 ) و الطيالسي ( 1 / 187 ) و الشافعي في " سننه "
( 1 / 260 ) و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 1 / 346 ) و البيهقي ( 4 / 223 )
و أبو يعلى في " مسنده " ( 215 / 2 ) من طرق أخرى عن سعد بن إبراهيم به بلفظ :
" أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلني ، فقلت : إني صائمة ! فقال :
و أنا صائم ! ثم قبلني " .
و في هذا الحديث رد للحديث الذي رواه محمد بن الأشعث عن عائشة قالت :
" كان لا يمس من وجهي شيئا و أنا صائمة " .
و إسناده ضعيف كما بينته في " الأحاديث الضعيفة " رقم ( 962 ) .
و الحديث عزاه الحافظ في " الفتح " ( 4 / 123 ) باللفظ الثاني للنسائي .
و للشطر الثاني منه طريق آخر عن عائشة رضي الله عنها ، يرويه إسرائيل عن زياد
عن عمرو بن ميمون عنها قالت :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني و أنا صائمة " .
أخرجه الطحاوي بسند صحيح ، و إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ،
و أما زياد فهو ابن علاقة . و قد أخرجه أحمد ( 6 / 258 ) من طريق شيبان عن
زياد بن علاقة عن عمرو بن ميمون قال :
سألت عائشة عن الرجل يقبل و هو صائم ؟ قالت :
" و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل و هو صائم " .
قلت : و سنده صحيح ، و شيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي البصري ، و هو على شرط
مسلم ، و قد أخرجه في " صحيحه " ( 3 / 136 ) من طرق أخرى عن زياد دون السؤال
و زاد " في رمضان " و هو رواية لأحمد ( 6 / 130 ) .
و في أخرى له ( 6 / 292 ) من طريق عكرمة عنها :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل و هو صائم ، و لكم في رسول الله أسوة
حسنة " .
و سنده صحيح ، و عكرمة هو البربري مولى ابن عباس و قد سمع من عائشة و قد روى
أحمد ( 6 / 291 ) عن أم سلمة مثل حديث عائشة الأول . و سنده حسن في " الشواهد "
.
و الحديث دليل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان ، و قد اختلف العلماء في
ذلك على أكثر من أربعة أقوال أرجحها الجواز ، على أن يراعى حال المقبل ، بحيث
أنه إذا كان شابا يخشى على نفسه أن يقع في الجماع الذي يفسد عليه صومه ، امتنع
من ذلك ، و إلى هذا أشارت السيدة عائشة رضي الله عنها في الرواية الآتية عنها
" .. و أيكم يملك إربه " بل قد روى ذلك عنها صريحا ، فقد أخرج الطحاوي
( 1 / 346 ) من طريق حريث بن عمرو عن الشعبي عن مسروق عنها قالت : ربما قبلني
رسول الله صلى الله عليه وسلم و باشرني و هو صائم ! أما أنتم فلا بأس به للشيخ
الكبير الضعيف . و حريث هذا أورده ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 263 ) و لم يذكر فيه
جرحا و لا تعديلا ، بل جاء هذا مرفوعا من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم يقوي
بعضها بعضا ، بعضها عن عائشة نفسها ، و يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :
" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " و لكن ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيخ ، ليس على
سبيل التحديد بل التمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة ، و إلا
فالضابط في ذلك قوة الشهوة و ضعفها ، أو ضعف الإرادة و قوتها ، و على هذا
التفصيل نحمل الروايات المختلفة عن عائشة رضي الله عنها ، فإن بعضها صريح عنها
في الجواز مطلقا كحديثها هذا ، لاسيما و قد خرج جوابا على سؤال عمرو بن ميمون
لها في بعض الروايات . و قال : ( و لكم في رسول الله أسوة حسنة ) و بعضها يدل
على الجواز حتى للشاب ، لقولها " و أنا صائمة " فقد توفي عنها رسول الله صلى
الله عليه وسلم و عمرها ( 18 ) سنة ، و مثله ما حدثت به عائشة بنت طلحة أنها
كانت عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليها زوجها عبد الله
بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق و هو صائم ، فقالت له عائشة ما منعك أن تدنو
من أهلك فتقبلها و تلاعبها ؟ فقال : أقبلها و أنا صائم ؟ ! قالت : نعم .
أخرجه مالك ( 1 / 274 ) و عنه الطحاوي ( 1 / 327 ) بسند صحيح .
قال ابن حزم ( 6 / 211 ) :
" عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها ، و كانت أيام عائشة هي و زوجها
فتيين في عنفوان الحداثة " .
و هذا و مثله محمول على أنها كانت تأمن عليهما ، و لهذا قال الحافظ في
" الفتح " ( 4 / 123 ) بعد أن ذكر هذا الحديث من طريق النسائي : " .. فقال :
و أنا صائم ، فقبلني " :
" و هذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك لمن لا يتأثر بالمباشرة و التقبيل لا
للتفرقة بين الشاب و الشيخ ، لأن عائشة كانت شابة ، نعم لما كان الشاب مظنة
لهيجان الشهوة فرق من فرق " .


220 - " كان يقبل و هو صائم ، و يباشر و هو صائم ، و كان أملككم لإربه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 384 :

أخرجه البخاري ( 4 / 120 - 121 فتح ) و مسلم ( 3 / 135 ) و الشافعي في " سننه "
( 1 / 261 ) و أبو داود ( 2 / 284 - عون ) و الترمذي ( 2 / 48 - تحفة ) و ابن
ماجه ( 1 / 516 و 517 ) و الطحاوي ( 1 / 345 ) و البيهقي ( 4 / 230 ) و أحمد
( 6 / 42 - 126 ) من طرق عن عائشة به .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و في الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبله ، و هي جواز المباشرة من الصائم ،
و هي شيء زائد على القبلة ، و قد اختلفوا في المراد منها هنا ، فقال القري :
" قيل : هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج و قيل هي القبلة و اللمس باليد " .
قلت : و لا شك أن القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا لأن الواو تفيد المغايرة ،
فلم يبق إلا أن يكون المراد بها إما القول الأول أو اللمس باليد ، و الأول ، هو
الأرجح لأمرين :
الأول : حديث عائشة الآخر قالت : " كانت إحدانا إذا كانت حائضا ، فأراد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم
يباشرها قالت : و أيكم يملك إربه " .
رواه البخاري ( 1 / 320 ) و مسلم ( 1 / 166 ، 167 ) و غيرهما .
فإن المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام فإن اللفظ واحد ، و الدلالة واحدة
و الرواية واحدة أيضا ، و كما أنه ليس هنا ما يدل على تخصيص المباشرة بمعنى دون
المعنى الأول ، فكذلك الأمر في حديث الصيام ، بل إن هناك ما يؤيد المعنى
المذكور ، و هو الأمر الآخر ، و هو أن السيدة عائشة رضي الله عنها قد فسرت
المباشرة بما يدل على هذا المعنى و هو قولها في رواية عنها :
" كان يباشر و هو صائم ، ثم يجعل بينه و بينها ثوبا يعني الفرج " .


221 - " كان يباشر و هو صائم ، ثم يجعل بينه و بينها ثوبا . يعني الفرج " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 385 :

أخرجه الإمام أحمد ( 6 / 59 ) : حدثنا ابن نمير عن طلحة بن يحيى قال : حدثتني
عائشة بنت طلحة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ... و أخرجه
ابن خزيمة في " صحيحه " ( 1 / 201 / 2 ) .
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، و لولا أن طلحة هذا فيه
كلام يسير من قبل حفظه ، لقلت : إنه صحيح الإسناد ، و لكن تكلم فيه بعضهم ،
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق يخطىء " .
قلت : و في هذا الحديث فائدة هامة و هو تفسير المباشرة بأنه مس المرأة فيما
دون الفرج ، فهو يؤيد التفسير الذي سبق نقله عن القاري ، و إن كان حكاه بصيغة
التمريض ( قيل ) : فهذا الحديث يدل على أنه قول معتمد ، و ليس في أدلة الشريعة
ما ينافيه ، بل قد وجدنا في أقوال السلف ما يزيده قوة ، فمنهم راوية الحديث
عائشة نفسها رضي الله عنها ، فروى الطحاوي ( 1 / 347 ) بسند صحيح عن حكيم
بن عقال أنه قال : سألت عائشة : ما يحرم علي من امرأتي و أنا صائم ؟ قالت :
فرجها و حكيم هذا وثقه ابن حبان و قال العجيلي : " بصري تابعي ثقة " .
و قد علقه البخاري ( 4 / 120 بصيغة الجزم : " باب المباشرة للصائم ، و قالت
عائشة رضي الله عنها : يحرم عليه فرجها " .
و قال الحافظ :
" وصله الطحاوي من طريق أبي مرة مولى عقيل عن حكيم بن عقال .... و إسناده إلى
حكيم صحيح ، و يؤدي معناه أيضا ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن مسروق : سألت
عائشة : ما يحل للرجل من امرأته صائما ؟ قالت . كل شيء إلا الجماع " .
قلت : و ذكره ابن حزم ( 6 / 211 ) محتجا به على من كره المباشرة للصائم ، ثم
تيسر لي الرجوع إلى نسخة " الثقات " في المكتبة الظاهرية ، فرأيته يقول فيه
( 1 / 25 ) :
" يروي عن ابن عمر ، روى عنه قتادة ، و قد سمع حكيم من عثمان بن عفان " .
و وجدت بعض المحدثين قد كتب على هامشه :
" العجلي : هو بصري تابعي ثقة " .
ثم ذكر ابن حزم عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس : إني تزوجت ابنة عم لي
جميلة ، فبني بي في رمضان ، فهل لي - بأبي أنت و أمي - إلى قبلتها من سبيل ؟
فقال له ابن عباس : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم ، قال : قبل ، قال : فبأبي أنت
و أمي هل إلى مباشرتها من سبيل ؟ ! قال : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم ، قال :
فباشرها ، قال : فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها من سبيل ؟ قال : و هل تملك نفسك
؟ قال : نعم ، قال : اضرب .
قال ابن حزم : " و هذه أصح طريق عن ابن عباس " .
قال : " و من طريق صحاح عن سعد بن أبي وقاص أنه سئل أتقبل و أنت صائم ؟
قال : نعم ، و أقبض على متاعها ، و عن عمرو بن شرحبيل أن ابن مسعود كان يباشر
امرأته نصف النهار و هو صائم . و هذه أصح طريق عن ابن مسعود " .
قلت : أثر ابن مسعود هذا أخرجه ابن أبي شيبة ( 2 / 167 / 2 ) بسند صحيح على
شرطهما ، و أثر سعد هو عنده بلفظ " قال : نعم و آخذ بجهازها " و سنده صحيح على
شرط مسلم ، و أثر ابن عباس عنده أيضا و لكنه مختصر بلفظ :
" فرخص له في القبلة و المباشرة و وضع اليد ما لم يعده إلى غيره " .
و سنده صحيح على شرط البخاري .
و روى ابن أبي شيبة ( 2 / 170 / 1 ) عن عمرو بن هرم قال :
سئل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر ؟
قال : لا ، و يتم صومه " .
و ترجم ابن خزيمة للحديث بقوله :
" باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم ، و الدليل على أن اسم
الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح ، و الآخر محظور " .


222 - " من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة و تفلته بين عينيه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 388 :

أخرجه أبو داود ( 3 / 425 - عون ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 332 ) من طريق
ابن خزيمة عن جرير عن أبي إسحاق الشيباني عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن
حذيفة بن اليمان مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، غير زر فمن رجال مسلم
وحده . و جرير هو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي ، و أبو إسحاق هو سليمان بن
أبي سليمان الكوفي .
و للحديث شاهد بلفظ :
" يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة و هي في وجهه " .


223 - " يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة و هي في وجهه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 388 :

أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 333 ) : أخبرنا عبد الرحمن بن زياد الكناني
- بالأبلة - حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح : حدثنا شبابة حدثنا عاصم ابن محمد
عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر مرفوعا .
قلت : و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال البخاري غير الكناني هذا ،
فلم أجد له الآن ترجمة ، لكنه لم يتفرد به ، فقد عزاه المنذري في " الترغيب "
( 1 / 122 ) للبزار و ابن خزيمة و ابن حبان في " صحيحيهما ، و ابن خزيمة من
طبقة الكناني المذكور فالغالب أنه رواه من غير طريقه ، إما عن ابن الصباح
مباشرة أو عن غيره ، و أما البزار فطريقه غير طريق الكناني قطعا ، فإن في
إسناده عاصم بن عمر كما ذكر الهيثمي ( 2 / 19 ) ، و قال : " ضعفه البخاري
و جماعة ، و ذكره ابن حبان في " الثقات " .
قلت : و في " التقريب " : ضعيف .
قلت : و لكنه إن لم يفد في تقوية الحديث كشاهد أو متابع ، فهو على الأقل لا يضر
و الحديث صحيح على كل حال .
و في الحديث دلالة على تحريم البصاق إلى القبلة مطلقا ، سواء ذلك في المسجد
أو في غيره ، و على المصلي و غيره ، كما قال الصنعاني في " سبل السلام "
( 1 / 230 ) . قال :
" و قد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة و خارجها و في المسجد
أو غيره " .
قلت : و هو الصواب ، و الأحاديث الواردة في النهي عن البصق في الصلاة تجاه
القبلة كثيرة مشهورة في الصحيحين و غيرها ، و إنما آثرت هذا دون غيره ، لعزته
و قلة من أحاط علمه به . و لأن فيه أدبا رفيعا مع الكعبة المشرفة ، طالما غفل
عنه كثير من الخاصة ، فضلا عن العامة ، فكم رأيت في أئمة المساجد من يبصق إلى
القبلة من نافذة المسجد !
و في الحديث أيضا فائدة هامة و هي الإشارة إلى أن النهي عن استقبال القبلة ببول
أو غائط إنما هو مطلق يشمل الصحراء و البنيان ، لأنه إذا أفاد الحديث أن البصق
تجاه القبلة لا يجوز مطلقا ، فالبول و الغائط مستقبلا لها لا يجوز بالأولى ،
فمن العجائب إطلاق النووي النهي في البصق ، و تخصيصه في البول و الغائط !
( إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ) .


224 - " الصوم يوم تصومون ، و الفطر يوم تفطرون ، و الأضحى يوم تضحون " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 389 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 37 - تحفة ) عن إسحاق بن جعفر بن محمد قال :
حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : فذكره .
و قال الترمذي : " هذا حديث غريب حسن " .
قلت : و إسناده جيد ، رجاله كلهم ثقات ، و في عثمان بن محمد و هو ابن المغيرة
ابن الأخنس كلام يسير .
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق له أوهام " .
و عبد الله بن جعفر هو ابن عبد الرحمن بن المسور المخرمي المدني و هو ثقة روى
له مسلم .
و إسحاق بن جعفر بن محمد هو الهاشمي الجعفري ، و هو صدوق كما في " التقريب "
و قد تابعه أبو سعيد مولى بني هاشم و هو ثقة من رجال البخاري قال : حدثنا
عبد الله بن جعفر المخرمي به ، دون الجملة الوسطى : " و الفطر يوم تفطرون " .
أخرجه البيهقي في " سننه " ( 4 / 252 ) .
و للحديث طريق أخرى عن أبي هريرة ، فقال ابن ماجه ( 1 / 509 ) :
" حدثنا محمد بن عمر المقرىء حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن
محمد بن سيرين عن أبي هريرة به دون الجملة الأولى .
و هذا سند رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عمر المقرىء و لا يعرف كما في
" التقريب " و أرى أنه وهم في قوله " محمد بن سيرين " و إنما هو " محمد بن
المنكدر " هكذا رواه العباس بن محمد بن هارون و علي بن سهل قالا : أنبأنا إسحاق
بن عيسى الطباع عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به .
أخرجه الدارقطني في " سننه " ( 257 - 258 ) .
و هكذا رواه محمد بن عبيد و هو ابن حساب ثقة من رجال مسلم عن حماد ابن زيد به .
أخرجه أبو داود ( 1 / 366 ) : حدثنا محمد بن عبيد به .
و هكذا رواه روح بن القاسم و عبد الوارث و معمر عن محمد بن المنكدر به .
أخرجه الدارقطني و أبو علي الهروي في " الأول من الثاني من الفوائد "
( ق 20 / 1 ) عن روح .
و أخرجه البيهقي عن عبد الوارث .
و أخرجه الهروي عن معمر قرنه مع روح ، رواه عنهما يزيد بن زريع ، و قد خالفه في
روايته عن معمر يحيى بن اليمان فقال : عن معمر عن محمد بن المنكدر عن عائشة
قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره دون الجملة الأولى أيضا .
أخرجه الترمذي ( 2 / 71 ) و الدارقطني ( 258 ) .
و قال الترمذي :
" سألت محمدا - يعني البخاري - قلت له : محمد بن المنكدر سمع من عائشة ؟ قال :
نعم ، يقول في حديثه سمعت عائشة . قال الترمذي : و هذا حديث حسن غريب من هذا
الوجه " .
قلت : كذا قال الترمذي ، و هو عندي ضعيف من هذا الوجه ، لأن يحيى ابن اليمان
ضعيف من قبل حفظه ، و في " التقريب " : " صدوق عابد ، يخطىء كثيرا و قد تغير "
قلت : و مع ذلك فقد خالفه يزيد بن زريع و هو ثقة ثبت فقال عن معمر عن محمد
بن المنكدر عن أبي هريرة ، و هذا هو الصواب بلا ريب ، أنه من مسند أبي هريرة ،
ليس من مسند عائشة ، و إذا كان كذلك فهو منقطع لأن ابن المنكدر لم يسمع من
أبي هريرة كما قال البزار و غيره ، و إذا كان كذلك فلم يسمع من عائشة أيضا
لأنها ماتت قبل أبي هريرة و بذلك جزم الحافظ في " التهذيب " ، فهو منقطع على كل
حال . و قد روى حديث عائشة موقوفا عليها ، أخرجه البيهقي من طريق أبي حنيفة
قال . حدثني علي بن الأقمر عن مسروق قال :
" دخلت على عائشة يوم عرفة فقالت : اسقوا مسروقا سويقا ، و أكثروا حلواه ،
قال : فقلت : إني لم يمنعني أن أصوم اليوم إلا أني خفت أن يكون يوم النحر ،
فقالت عائشة : النحر يوم ينحر الناس ، و الفطر يوم يفطر الناس " .
قلت : و هذا سند جيد بما قبله .
فقه الحديث
-----------
قال الترمذي عقب الحديث :
" و فسر بعض أهل العلم هذا الحديث ، فقال : إنما معنى هذا الصوم و الفطر مع
الجماعة و عظم الناس " . و قال الصنعاني في " سبل السلام " ( 2 / 72 ) :
" فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس ، و أن المتفرد بمعرفة
يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ، و يلزمه حكمهم في الصلاة و الإفطار
و الأضحية " .
و ذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في " تهذيب السنن " ( 3 / 214 ) ، و قال :
" و قيل : فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز
له أن يصوم و يفطر ، دون من لم يعلم ، و قيل : إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال
و لم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما ، كما لم يكن للناس " .
و قال أبو الحسن السندي في " حاشيته على ابن ماجه " بعد أن ذكر حديث أبي هريرة
عند الترمذي :
" و الظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل ، و ليس لهم التفرد
فيها ، بل الأمر فيها إلى الإمام و الجماعة ، و يجب على الآحاد اتباعهم للإمام
و الجماعة ، و على هذا ، فإذا رأى أحد الهلال ، و رد الإمام شهادته ينبغي أن لا
يثبت في حقه شيء من هذه الأمور ، و يجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك " .
قلت : و هذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، و يؤيده احتجاج عائشة به على مسروق
حين امتنع من صيام يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر ، فبينت له أنه لا عبرة
برأيه و أن عليه اتباع الجماعة فقالت :
" النحر يوم ينحر الناس ، و الفطر يوم يفطر الناس " .
قلت : و هذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس و توحيد
صفوفهم ، و إبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية ، فلا تعتبر الشريعة
رأي الفرد - و لو كان صوابا في وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم و التعبيد
و صلاة الجماعة ، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض
و فيهم من يرى أن مس المرأة و العضو و خروج الدم من نواقض الوضوء ، و منهم من
لا يرى ذلك ، و منهم من يتم في السفر ، و منهم من يقصر ، فلم يكن اختلافهم هذا
و غيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد ، و الاعتداد بها ،
و ذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء ، و لقد بلغ
الأمر ببعضهم في عدم الإعتداد بالرأي المخالف لرأى الإمام الأعظم في المجتمع
الأكبر كمنى ، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقا في ذلك المجتمع فرارا مما قد ينتج
من الشر بسبب العمل برأيه ، فروى أبو داود ( 1 / 307 ) أن عثمان رضي الله عنه
صلى بمنى أربعا ، فقال عبد الله بن مسعود منكرا عليه : صليت مع النبي صلى الله
عليه وسلم ركعتين ، و مع أبي بكر ركعتين ، و مع عمر ركعتين ، و مع عثمان صدرا
من إمارته ثم أتمها ، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين
متقبلتين ، ثم إن ابن مسعود صلى أربعا ! فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت
أربعا ؟ ! قال : الخلاف شر . و سنده صحيح . و روى أحمد ( 5 / 155 ) نحو هذا عن
أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين .
فليتأمل في هذا الحديث و في الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في
صلواتهم ، و لا يقتدون ببعض أئمة المساجد ، و خاصة في صلاة الوتر في رمضان ،
بحجة كونهم على خلاف مذهبهم ! و بعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك ، ممن يصوم
و يفطر وحده متقدما أو متأخرا عن جماعة المسلمين ، معتدا برأيه و علمه ، غير
مبال بالخروج عنهم ، فليتأمل هؤلاء جميعا فيما ذكرناه من العلم ، لعلهم يجدون
شفاء لما في نفوسهم من جهل و غرور ، فيكونوا صفا واحدا مع إخوانهم المسلمين فإن
يد الله مع الجماعة .


225 - " إذا ولج الرجل في بيته فليقل : اللهم إني أسألك خير المولج ، و خير المخرج ،
بسم الله ولجنا ، و بسم الله خرجنا ، و على الله ربنا توكلنا ، ثم ليسلم على
أهله " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 394 :

أخرجه أبو داود في " سننه " ( رقم 5096 ) عن إسماعيل : حدثني ضمضم عن شريح عن
أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قلت : و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، و إسماعيل هو ابن عياش ، و هو صحيح
الحديث عن الشاميين ، و هذا منها ، فإن ضمضم و هو ابن زرعة بن ثوب شامي حمصي .
و شريح هو ابن عبيد الحضرمي الحمصي ثقة ، فالسند كله شامي حمصي .
( تنبيه ) الحديث كما ترى من أوراد دخول البيت ، و بذلك ترجم له أبو داود ،
فأورده في " باب ما جاء فيمن دخل بيت ما يقول " و في مثله أورده النووي و صديق
خان و غيرهما . و قد وهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث جعل الحديث من
أوراد الدخول إلى المسجد ، فإنه قال في " الرد على الأخنائي " ( ص 95 ) :
" و عن محمد بن سيرين : كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد : صلى الله و
ملائكته على محمد ، السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته ، بسم الله
دخلنا ، و بسم الله خرجنا ، و على الله توكلنا ، و كانوا يقولون إذا خرجوا مثل
ذلك " .
قلت : فقال ابن تيمية بعد أن ذكر هذا :
" قلت : هذا فيه حديث مرفوع في " سنن أبي داود " و غيره أنه يقال عند دخول
المسجد : اللهم إني أسألك خير المولج ... " .
و عزاه مخرجه فضيلة الشيخ اليماني لسنن أبي داود و لم يتنبه لهذا الذي نبهنا
عليه .


226 - " لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 395 :

رواه الروياني في " مسنده " ( 227 / 2 ) : أنبأنا نصر بن علي : أنبأنا ، أبي ،
أنبأنا شداد ابن سعيد عن أبي العلاء قال : حدثنى معقل بن يسار مرفوعا .
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد ، فمن
رجال مسلم وحده ، و فيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن ، و لذلك فإن
مسلما إنما أخرج له في الشواهد و قال الذهبي في " الميزان " : " صالح الحديث "
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق يخطىء " .
و أبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير .
و الحديث قال المنذري في " الترغيب " ( 3 / 66 ) :
" رواه الطبراني ، و البيهقي ، و رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح " .
و قد روي مرسلا من حديث عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي . قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
" لأن يقرع الرجل قرعا يخلص إلى عظم رأسه خير له من أن تضع امرأة يدها على رأسه
لا تحل له ، و لأن يبرص الرجل برصا حتى يخلص البرص إلى عظم ساعده خير له من أن
تضع امرأة يدها على ساعده لا تحل له " .
أخرجه أبو نعيم في " الطب " ( 2 / 33 - 34 ) عن هشيم عن داود بن عمرو أنبأ
عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي .
قلت : و هذا مع إرساله أو إعضاله ، فإن هشيما كان مدلسا و قد عنعنه .
( المخيط ) بكسر الميم و فتح الياء : هو ما يخاط به كالإبرة و المسلة و نحوهما
.
و في الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له ، ففيه دليل على تحريم مصافحة
النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك ، و قد بلي بها كثير من المسلمين في هذا
العصر و فيهم بعض أهل العلم ، و لو أنهم استنكروا ذلك بقلوبهم ، لهان الخطب بعض
الشيء ، و لكنهم يستحلون ذلك ، بشتى الطرق و التأويلات ، و قد بلغنا أن شخصية
كبيرة جدا في الأزهر قد رآه بعضهم يصافح النساء ، فإلى الله المشتكى من غربة
الإسلام .
بل إن بعض الأحزاب الإسلامية ، قد ذهبت إلى القول بجواز المصافحة المذكورة ،
و فرضت على كل حزبي تبنيه ، و احتجت لذلك بما لا يصلح ، معرضة عن الاعتبار بهذا
الحديث ، و الأحاديث الأخرى الصريحة في عدم مشروعية المصافحة ، و سيأتي ذكرها
إن شاء الله تعالى برقم ( 526 و 527 ) .


227 - " ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك ( به ) ؟ ( أن ) تقولي إذا أصبحت و إذا أمسيت :
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ، و أصلح لي شأني كله ، و لا تكلني إلى نفسي طرفة
عين أبدا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 397 :

رواه ابن السني في " عمل اليوم و الليلة " ( رقم 46 ) و البيهقي في " الأسماء "
( 112 ) من طريق زيد بن الحباب : حدثنا عثمان بن موهب ( في الأصل : وهب و هو
تصحيف ) مولى بني هاشم قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : فذكره .
قلت : و هذا سند حسن ، رجاله كلهم ثقات غير عثمان بن موهب و هو غير عثمان
بن عبد الله بن موهب قال ابن أبي حاتم ( 3 / 169 ) عن أبيه : " صالح الحديث " .
و قال الحافظ في " التقريب " : " مقبول " .
و الحديث رواه النسائي أيضا في " الكبرى " له و البزار كما في " الترغيب "
( 1 / 232 ) و قال : " بإسناد صحيح " .
و رواه الحاكم أيضا و صححه على شرط الشيخين و وافقه الذهبي لوهم وقع لهما بينته
في " التعليق الرغيب " .
و قال الهيثمي ( 10 / 117 ) :
" رواه البزار و رجاله رجال الصحيح غير عثمان بن موهب و هو ثقة " .


228 - " لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه ، و لكن افسحوا يفسح الله لكم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 398 :

أخرجه الإمام أحمد في " مسنده " ( 2 / 483 ) : حدثنا سريج حدثنا فليح عن أيوب
بن عبد الرحمن بن صعصعة الأنصاري عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة
مرفوعا .
قلت : و هذا سند حسن ، رجاله موثقون .
أما يعقوب بن أبي يعقوب ، فقال في " التهذيب " :
" قال أبو حاتم : صدوق ، و ذكره ابن حبان في الثقات " .
قلت : و قد ترجمه ابن أبي حاتم في " الجرح و التعديل " ، لكن لم يذكر قول أبيه
" صدوق " .
و أما ابن صعصعة ، فقد ذكره ابن حبان في " الثقات " و روى عنه جماعة ، و قال
الخزرجي في " الخلاصة " و الحافظ في " التقريب " : " صدوق " .
و أما بقية الرجال فمن رجال الشيخين .
و للحديث شاهدان ذكرهما الحافظ في " الفتح " ( 11 / 53 ) و فاته هذا الحديث
المشهود له ! فقال تعليقا على قول البخاري :
" و كان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ، ثم يجلس مكانه " قال :
" أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " بلفظ : و كان ابن عمر إذا قام له رجل من
مجلسه لم يجلس فيه . و كذا أخرجه مسلم . و قد ورد ذلك عن ابن عمر مرفوعا .
أخرجه أبو داود من طريق أبي الخصيب و اسمه زياد بن عبد الرحمن عن ابن عمر : جاء
رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجل من مجلسه فذهب ليجلس ، فنهاه
رسول الله صلى الله عليه وسلم . و له أيضا من طريق سعيد بن أبي الحسن : جاءنا
أبو بكرة فقام له رجل من مجلسه ، فأبى أن يجلس فيه و قال : إن النبي صلى الله
عليه وسلم نهى عن ذا . و أخرجه الحاكم و صححه من هذا الوجه " .
قلت : ما عزاه للأدب المفرد هو عنده ( رقم 1153 ) بسند صحيح على شرط الشيخين
و هو عقب حديثه المرفوع بلفظ :
( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل من المجلس ثم يجلس فيه ) .
و هو عند مسلم أيضا .
و ما عزاه لأبي داود من حديث ابن عمر هو عنده ( 4 / 406 ) بإسناد رجاله كلهم
ثقات غير أبي الخصيب قال أبو داود عقبه كما قال الحافظ :
" اسمه زياد بن عبد الرحمن " .
قلت : و قد أورده ابن أبي حاتم ( 1 / 2 / 538 ) و لم يذكر جرحا و لا تعديلا ،
و ذكره ابن حبان في " الثقات " و في " التقريب " : " مقبول " .
و الحديث سكت عليه المنذري في " مختصر السنن " ( 7 / 184 ) ، فهو في الشواهد لا
بأس به إن شاء الله تعالى . و صححه أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " !
و أما حديث أبي بكرة ، فرجاله ثقات أيضا من رجال الشيخين غير أبي عبد الله مولى
لآل أبي بردة فحاله كحال أبي الخصيب ، أورده ابن أبي حاتم أيضا ( 4 / 2 / 401 )
و لم يذكر فيه جرحا ، و قال الحافظ : " مقبول " . و في " الفتح " ( 11 / 53 ) :
" بصري لا يعرف " .
و من هذا الوجه أخرجه الحاكم ( 4 / 272 ) لكن لفظه مثل لفظ ابن عمر الذي في
الصحيح : " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يقعد فيه " .
و قال : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و مداره على شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أبي عبد الله مولى آل أبي بردة
عن سعيد بن أبي الحسن .
و قد اختلف عليه مسلم بن إبراهيم عند أبي داود ، و عمرو بن مرزوق عند الحاكم ،
فقال الأول عنه بلفظ نحو لفظ ابن عمر عند أبي داود كما تقدم ، و قال عمرو
بن مرزوق مثل لفظ ابن عمر في " الصحيح " ، و إذا اختلف هذا مع مسلم بن إبراهيم
فمسلم أرجح رواية من عمرو ، لأن مسلما ثقة مأمون ، و أما عمرو فثقة له أوهام
كما في التقريب ، فروايته مرجوحة . و الله أعلم .
و جملة القول : إن حديث أبي هريرة صحيح بشاهديه المذكورين .
و هو ظاهر الدلالة على أنه ليس من الآداب الإسلامية أن يقوم الرجل عن مجلسه
ليجلس فيه غيره ، يفعل ذلك احتراما له ، بل عليه أن يفسح له في المجلس و أن
يتزحزح له إذا كان الجلوس على الأرض بخلاف ما إذا كان على الكرسي ، فذلك غير
ممكن ، فالقيام و الحالة هذه مخالف لهذا التوجيه النبوي الكريم . و لذلك كان
ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ، ثم يجلس هو فيه كما تقدم عن البخاري ،
و الكراهة هو أقل ما يدل عليه قوله " لا يقوم الرجل للرجل ... " فإنه نفي بمعنى
النهي ، و الأصل فيه التحريم لا الكراهة . و الله أعلم .
ثم إنه لا منافاة بين هذا الحديث و بين حديث ابن عمر المتقدم في " الصحيح " ،
لأن فيه زيادة حكم عليه ، و الأصل أنه يؤخذ بالزائد فالزائد من الأحكام ،
و حديث ابن عمر إنما فيه النهي عن الإقامة ، و ليس فيه نهي الرجل عن القيام ،
بخلاف هذا الحديث ففيه هذا النهي و ليس فيه النهي الأول إلا ضمنا ، فإنه إذا
كان قد نهي عن القيام فلأن ينهى عن الإقامة من باب أولى . و هذا بين لا يخفى إن
شاء الله تعالى ، و عليه يدل حديث ابن عمر فإنه مع أنه روى النهي عن الإقامة
كان يكره الجلوس في مجلس من قام عنه له ، و إن كان هو لم يقمه ، و لعل ذلك سدا
للذريعة و خشية أن يوحي إلى الجالس بالقيام و لو لم يقمه مباشرة و الله أعلم .


229 - " إذا دخل أحدكم المسجد و الناس ركوع ، فليركع ، حين يدخل ثم يدب راكعا حتى
يدخل في الصف ، فإن ذلك السنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 401 :

رواه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 33 / 1 من " زوائد المعجمين " : الأوسط
و الصغير ) :
حدثنا محمد بن نصر حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرني ابن جريج عن عطاء
أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول : فذكره موقوفا .
قال عطاء : و قد رأيته يصنع ذلك ، قال ابن جريج و قد رأيت عطاء يصنع ذلك .
قال الطبراني :
" لا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد تفرد به حرملة " .
قلت : و هو ثقة من رجال مسلم ، و من فوقه ثقات من رجال الشيخين ، و محمد بن نصر
هو ابن حميد الوازع البزار ، و سماه غير الطبراني أحمد كما ذكر الخطيب
( ج 3 ترجمته 1411 ، و ج 5 ترجمته 2625 ) و قال : و كان ثقة .
و الحديث قال الهيثمي ( 2 / 96 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و رجاله رجال الصحيح " .
قلت : فالسند صحيح إن كان ابن جريج سمعه من عطاء فقد كان مدلسا و قد عنعنه ،
و لكن قوله في آخر الحديث : " و قد رأيت عطاء يصنع ذلك " مما يشعر أنه تلقى ذلك
عنه مباشرة ، لأنه يبعد جدا أن يكون سمعه عنه بالواسطة ثم يراه يعمل بما حدث به
عنه ، ثم لا يسأله عن الحديث و لا يعلو به . هذا بعيد جدا ، فالصواب أن الإسناد
صحيح .
و الحديث أخرجه الحاكم ( 1 / 214 ) و عنه البيهقي ( 3 / 106 ) من طريق سعيد
بن الحكم بن أبي مريم أخبرني عبد الله بن وهب به .
و قال الحاكم :
" صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و مما يشهد لصحته عمل الصحابة به من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم
أبو بكر الصديق ، و زيد بن ثابت ، و عبد الله بن مسعود .
1 - روى البيهقي ( 2 / 90 ) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن
أبا بكر الصديق و زيد بن ثابت دخلا المسجد و الإمام راكع ، فركعا ، ثم دنيا
و هما راكعان حتى لحقا بالصف .
قلت : و رجاله ثقات ، و لولا أن مكحولا قد عنعنه عن أبي بكر بن الحارث لحسنته ،
و لكنه عن زيد بن ثابت صحيح كما يأتي .
2 - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد و الإمام راكع
فمشى حتى أمكنه أن يصل الصف و هو راكع كبر فركع ثم دب و هو راكع حتى وصل الصف .
رواه البيهقي ( 2 / 90 ، 3 / 106 ) و سنده صحيح .
3 - عن زيد بن وهب قال :
" خرجت مع عبد الله ، يعني ابن مسعود - من داره إلى المسجد ، فلما توسطنا
المسجد ركع الإمام ، فكبر عبد الله و ركع ، و ركعت معه ، ثم مشينا راكعين حتى
انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم ، فلما قضى الإمام الصلاة قمت و أنا أرى
أني لم أدرك ، فأخذ عبد الله بيدي و أجلسني ثم قال : إنك قد أدركت " .
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 99 / 1 - 2 ) و الطحاوي في
" شرح المعانى " ( 1 / 231 - 232 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 32 /
1 ) و البيهقي في " سننه " ( 2 / 90 - 91 ) بسند صحيح . و له عند الطبراني طرق
أخرى . و هذه الآثار تدل على شيء آخر غير ما دل الحديث عليه . و هو أن من أدرك
الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، و قد ثبت ذلك من قول ابن مسعود و ابن عمر
بإسنادين صحيحين عنهما ، و قد خرجتهما في " إرواء الغليل " ( رقم 119 ) و فيه
حديث حسن مرفوع عن أبي هريرة خرجته هناك .
و أما ما رواه البخاري في " جزء القراءة " ( ص 24 ) عن معقل بن مالك قال :
حدثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال :
" إذا أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة " .
فإنه مع مخالفته لتلك الآثار ضعيف الإسناد ، من أجل معقل هذا ، فإنه لم يوثقه
غير ابن حبان : و قال الأزدي : متروك ، ثم إن فيه عنعنة ابن إسحاق و هو مدلس :
فسكوت الحافظ عليه في " التلخيص " ( 127 ) غير جيد .
نعم رواه البخاري من طريق أخرى عن ابن إسحاق قال : حدثني الأعرج به لكنه بلفظ :
" لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائما " .
و هذا إسناد حسن ، و هذا لا يخالف الآثار المتقدمة بل يوافقها في الظاهر إلا
أنه يشترط إدراك الإمام قائما ، و هذا من عند أبي هريرة ، و لا نرى له وجها ،
و الذين خالفوه أفقه منه و أكثر ، و رضي الله عنهم جميعا .
فإن قيل : هناك حديث آخر صحيح يخالف بظاهره هذا الحديث و هو :
" زادك الله حرصا ، و لا تعد " .


230 - " زادك الله حرصا ، و لا تعد " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 404 :

رواه أبو داود و الطحاوي و أحمد و البيهقي و ابن حزم من حديث أبي بكرة أنه
جاء و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، فركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ،
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم
مشى إلى الصف ؟ فقال أبو بكرة : أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و إسناده صحيح على شرط مسلم ، و أصله في " صحيح البخاري " و قد خرجته في
" إرواء الغليل " ( رقم 684 ، 685 ) .
و القصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي
إليه ، على خلاف ما دل عليه الحديث السابق ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فأقول :
إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر ، إلا بطريق الاستنباط لا النص ، فإن قوله صلى
الله عليه وسلم : " لا تعد " يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة ،
و قد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور :
الأول : اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط .
الثاني : إسراعه في المشي ، كما في رواية لأحمد ( 5 / 42 ) من طريق أخرى عن
أبي بكرة أنه جاء و النبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي صلى الله عليه
وسلم صوت نعل أبي بكرة و هو يحضر ( أي يعدو ) يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف
النبي صلى الله عليه وسلم قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا . قال : فذكره
و إسناده حسن في المتابعات ، و قد رواه ابن السكن في " صحيحه " نحوه و فيه
قوله : " انطلقت أسعى ... " و أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الساعي
... " و يشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ .
" جئت و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، و قد حفزني النفس فركعت دون الصف
.. " الحديث . و إسناده صحيح ، فإن قوله " حفزني النفس " معناه اشتد ، من الحفز
و هو الحث و الإعجال ، و ذلك كناية عن العدو .
الثالث : ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه .
و إذا تبين لنا ما سبق ، فهل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " نهي عن هذه
الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها . ذلك ما أريد البحث فيه و تحقيق الكلام
عليه فأقول :
أما الأمر الأول ، فالظاهر أنه لا يدخل في النهي ، لأنه لو كان نهاه عنه لأمره
بإعادة الصلاة لكونها خداجا ناقصة الركعة ، فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها ،
و على عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها ، و قول الصنعاني في
" سبل السلام " ( 2 / 23 ) :
" لعله صلى الله عليه وسلم لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم ، و الجهل عذر " .
فبعيد جدا ، إذ قد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة أمره صلى الله عليه
وسلم للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلا أيضا فكيف يأمره
بالإعادة و هو لم يفوت ركعة من صلاته و إنما الاطمئنان فيها ، و لا يأمر
أبا بكرة بإعادة الصلاة و قد فوت على نفسه ركعة ، لو كانت لا تدرك بالركوع ،
ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيا و قد فعله كبار الصحابة ، كما تقدم في الحديث
الذي قبله ؟ ! فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله
عليه وسلم " لا تعد " .
و أما الأمر الثاني ، فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات
و لأنه لا معارض له ، بل هناك ما يشهد له ، و هو حديث أبي هريرة مرفوعا :
" إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون ، و أتوها و عليكم السكينة
و الوقار " الحديث متفق عليه .
و أما الأمر الثالث ، فهو موضع نظر و تأمل ، و ذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه
: " أيكم الذي ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، مع قوله له :
" لا تعد " ، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر ، و إن كان ليس نصا في ذلك
لاحتمال أنه يعني شيئا آخر غير هذا مما فعل ، و ليس يعني نهيه عن كل ما فعل ،
بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره . فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا
الأمر الثالث أيضا . و هذا و إن كان خلاف الظاهر ، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون
لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع ، مثل ترك
مفهوم النص لمنطوق نص آخر ، و ترك العام للخاص ، و نحو ذلك ، و أنا أرى أن ما
نحن فيه الآن من هذا القبيل ، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون
الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة ،
و إذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر ، و لا يشك
عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما ، لأن هذا دلالته
على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله ، و قد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث
أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به و ما تضمنه الحديث الآخر يكون
محتملا . و مما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة
بل محتملة ، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة ،
فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث .
و ثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور :
أولا : خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد
الحرام و إعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد .
ثانيا : عمل كبار الصحابة به كأبي بكر و ابن مسعود و زيد بن ثابت كما تقدم
و غيرهم . فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول . بخلاف هذا الحديث فإننا
لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة ، فكان ذلك
كله دليلا قويا على أن دلالته فيها مرجوحة ، و أن حديث ابن الزبير هو الراجح في
الدلالة عليها . و الله أعلم .
و قد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث :
" و قد رأيت عطاء يصنع ذلك " . قال الصنعاني ( 2 / 24 ) :
" قلت . و كأنه مبني على أن لفظ " و لا تعد " بضم المثناة الفوقية ، من الإعادة
أي زادك الله حرصا على طلب الخير و لا تعد صلاتك فإنها صحيحة و روي بسكون العين
المهملة من العدو ، و تؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة ( ثم ساقها ،
و قد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه ، ثم قال )
و الأقرب أن رواية ( لا تعد ) من العود أي لا تعد ساعيا إلى الدخول قبل وصولك
الصف ، فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صلى الله عليه وسلم
بأن لا يعيدها ، بل قوله " زادك الله حرصا " يشعر بأجزائها ، أو " لا تعد " من
( العدو ) " .

قلت : لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع
و لما دخل فيه الركوع خارج الصف ، و لم يوجد بالتالي أي تعارض بينه و بين حديث
ابن الزبير ، و لكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت ، فقد وقع في " صحيح البخاري "
و غيره باللفظ المشهور : " لا تعد " . قال الحافظ في " الفتح " ( 2 / 214 ) :
" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله و ضم العين من العود " .
ثم ذكر هذا اللفظ ، و لكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت .
و يتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة و لا الركوع دون الصف
و إنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة و الوقار كما تقدم التصريح بذلك من
حديث أبي هريرة ، و بهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :
" قوله : لا تعد . يشبه قوله : لا تأتوا الصلاة تسعون " . ذكره البيهقي في
" سننه " ( 2 / 90 ) .
فإن قيل : قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع و يخالف حديث ابن الزبير صراحة
و هو حديث أبي هريرة مرفوعا .
" إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " .
قلنا : لكنه حديث معلول بعلة خفية ، و ليس هذا مكان بيانها ، فراجع " سلسلة
الأحاديث الضعيفة " ( رقم 981 ) .


231 - " حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 409

أخرجه ابن ماجه ( 2 / 111 ) : حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عبد الله بن المبارك
أنبأنا عيسى بن يزيد أظنه عن جرير بن يزيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .
و أخرجه النسائي ( 2 / 257 ) و أحمد ( 2 / 402 ) و كذا ابن الجارود في
" المنتقى " ( 801 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 287 / 1 ) من طرق عن ابن
المبارك به . إلا أنهم قالوا : " ثلاثين " بدل " أربعين " . و جمع بينهما على
الشك الإمام أحمد ( 2 / 362 ) في رواية من طريق زكريا بن عدي أنبأنا ابن مبارك
به فقال : " ثلاثين أو أربعين صباحا " .
و الظاهر أن الشك من ابن المبارك و أن الصواب رواية عمرو بن رافع عنه بلفظ
" أربعين " بدون شك لمجيئه كذلك من طريق أخرى كما يأتي .
و هذا الإسناد رجاله ثقات غير جرير بن يزيد و هو البجلي و هو ضعيف كما في
" التقريب " ، لكنه لم يتفرد به ، فقد أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 1507 )
من طريق يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة به و لفظه :
" إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحا " .
و سنده صحيح رجاله كلهم ثقات .
ثم استدركت فقلت : إنه معلول ، فإن إسناده عند ابن حبان هكذا :
أخبرنا ابن قتيبة حدثنا محمد بن قدامة حدثنا ابن علية عن يونس بن عبيد به .
و كذا رواه أبو إسحاق المزكي في " الفوائد المنتخبة " ( 1 / 114 / 1 ) من طريق
أخرى عن ابن قدامة به و قال : " تفرد به محمد بن قدامة " .
و هذا الإسناد و إن كان ظاهر الصحة ، و رجاله كلهم ثقات ، و منهم محمد بن قدامة
و هو ابن أيمن المصيصي قال النسائي : لا بأس به ، و قال مرة : صالح .
و قال الدارقطني : ثقة ، و قال مسلمة بن قاسم : ثقة صدوق .
أقول : فهو و إن كان ثقة كما رأيت ، فقد خالفه في إسناده من هو أوثق منه و أحفظ
، فقال النسائي عقب روايته السابقة :
" أخبرنا عمرو بن زرارة قال : أنبأنا إسماعيل ، قال : حدثنا يونس بن عبيد
عن جرير بن يزيد عن أبي زرعة قال : قال أبو هريرة : إقامة حد ... " .
فعمرو بن زرارة هذا هو ابن واقد النيسابوري المقرىء الحافظ ، و قد اتفقوا على
وصفه بأنه ثقة ، بل قال فيه محمد بن عبد الوهاب ( و هو ابن حبيب النيسابوري
الثقة العارف ) : ثقة ثقة . فهو بلا شك أوثق من ابن قدامة الذي قيل فيه :
" لا بأس به " ، " صدوق " ، و لذلك احتج به الشيخان بخلاف المذكور ، و قد خالفه
فى موضعين :
الأول : أنه أوقفه على أبي هريرة ، و ذاك رفعه .
و الآخر : أنه سمى شيخ يونس بن عبيد جرير بن زيد . و ذاك سماه عمرو ابن سعيد
و هذا ثقة ، و الذي قبله ضعيف كما سبق ، و إذا اختلفا في تسميته فالراجح رواية
ابن زرارة لأنه أوثق من مخالفه ، و إذا كان كذلك فقد رجعت هذه الرواية إلى أنها
من الوجه الأول ، و هو ضعيف كما عرفت .
ثم رأيت لابن زرارة متابعا و هو الحسن بن محمد الزعفراني ، رواه عنه المحاملي
في " الأمالي " ( 1 / 72 / 1 ) .
نعم الحديث حسن لغيره فإن له شاهدا من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ :
" حد يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين يوما " .
أخرجه سمويه في " الفوائد " و الطبراني في " الكبير " و الأوسط بإسناد .
قال المنذري و العراقي : " حسن " و فيه نظر بينته في " الأحاديث الضعيفة "
و لكنه لا بأس به في الشواهد .
و له شاهد آخر من حديث ابن عمر ، رواه ابن ماجه ، و الضياء في " المختارة "
( ق 90 / 1 ) ، لكن إسناده ضعيف جدا فيه سعيد بن سنان و هو الحمصي قال في
" التقريب " : " متروك ، رماه الدارقطني و غيره بالوضع " .
فمثله لا يستشهد به .


232 - " ما من صلاة مفروضة إلا و بين يديها ركعتان " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 411 :

أخرجه عباس الترقفي في " حديثه " ( ق 41 / 1 ) و ابن نصر في " قيام الليل "
( ص 26 ) و الروياني في " مسنده " ( ق 238 / 1 ) و ابن حبان في " صحيحه "
( رقم 615 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( ج 69 / 210 / 2 ) و ابن عدي في
" الكامل " ( ق 46 / 2 ) و الدارقطني في " سننه " ( ص 99 ) من طريقين عن ثابت
بن عجلان عن سليم بن عامر عن عبد الله بن الزبير مرفوعا .
و قال ابن عدي : " ثابت بن عجلان ليس حديثه بالكثير " .
قلت : هو ثقة كما قال الإمام أحمد و ابن معين . و قال دحيم و النسائي : " ليس
به بأس " و لذلك أشار الذهبي في ترجمته إلى أنه صحيح الحديث .
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق " و أشار في " التهذيب " إلى أنه ثقة
و قال : " مثل هذا لا يضره إلا مخالفته الثقات لا غير ، فيكون حديثه حينئذ شاذا
" .
قلت : فحديثه هذا صحيح ، لأنه لم يخالف فيه الثقات ، بل وافق فيه حديث عبد الله
بن مغفل مرفوعا بلفظ :
( بين كل أذانين صلاة . قال في الثالثة : لمن شاء ) .
أخرجه الستة و ابن نصر .
و قد استدل بالحديث بعض المتأخرين على مشروعية صلاة سنة الجمعة القبلية ،
و هو استدلال باطل ، لأنه قد ثبت في البخاري و غيره أنه لم يكن في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة سوى الأذان الأول و الإقامة ، و بينهما الخطبة
كما فصلته في رسالتي " الأجوبة النافعة " . و لذلك قال البوصيري في " الزوائد "
و قد ذكر حديث عبد الله هذا ( ق 72 / 1 ) و أنه أحسن ما يستدل به لسنة الجمعة
المزعومة ! قال :
" و هذا متعذر في صلاته صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان بين الأذان و الإقامة
الخطبة ، فلا صلاة حينئذ بينهما " .
و كل ما ورد من الأحاديث في صلاته صلى الله عليه وسلم سنة الجمعة القبلية ،
لا يصح منها شيء البتة ، و بعضها أشد ضعفا من بعض كما بينه الزيلعي في
" نصب الراية " " 2 / 206 - 207 ) و ابن حجر في " الفتح " ( 2 / 341 ) و غيرهما
و تكلمت على بعضها في الرسالة المشار إليها ( ص 23 - 26 ) و في سلسلة الأحاديث
الضعيفة " .
و الحق أن الحديث إنما يدل على مشروعية الصلاة بين يدي كل صلاة مكتوبة ثبت أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أو أمر به ، أو أقره ، كصلاة المغرب ،
فقد صح في ذلك الفعل و الأمر و الإقرار .
أما الفعل و الأمر ، فقد ثبت فيه حديث صريح من رواية عبد الله المزني :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين ثم قال :
" صلوا قبل المغرب ركعتين . ثم قال في الثالثة : لمن شاء ، خاف أن يحسبها الناس
سنة " .


233 - " صلوا قبل المغرب ركعتين . ثم قال في الثالثة : لمن شاء ، خاف أن يحسبها الناس
سنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 413 :

أخرجه ابن نصر في " قيام الليل " ( 28 ) :
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد حدثني أبي حدثنا حسين عن
ابن بريدة أن عبد الله المزني رضي الله عنه حدثه به ، و قال مختصره العلامة
المقريزي أحمد بن علي :
" هذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتج به مسلم ،
و الباقون احتج بهم الجماعة ، و قد صح في " ابن حبان " حديث آخر أن النبي
صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل المغرب " .
قلت : و هو صحيح كما قال ، إلا أن جعله ما في ابن حبان حديثا آخر ، فيه نظر ،
ظاهر ذلك لأنه عنده من هذا الوجه بهذا المتن تماما ، فكيف يكون حديثا آخر ،
و الأعجب من ذلك أن المقريزي قد ساقه من طريق ابن حبان هكذا :
" قال ابن حبان : أخبرني محمد بن خزيمة حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد
الوارث حدثني أبي حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة أن عبد الله المزني
رضي الله عنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين " !
و الحديث في " موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " برقم ( 617 ) ، و قال عقبه :
" قلت : فذكر الحديث " .
فهذا يشير إلى أن الحديث عند ابن حبان ليس بهذا القدر الذي نقله المقريزي ،
بل له تتمة ، و من الظاهر أنها قوله " ثم قال : صلوا ... " و عليه فالحديث يمكن
أن يقال في تخريجه . " رواه ابن نصر و ابن حبان في صحيحه " .
و هو عند البخاري و غيره من " الستة " من طرق أخره عن عبد الوارث بن سعيد جد
عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم به دون قوله في
أوله : " صلى قبل المغرب ركعتين " .
( فائدة ) : و في الحديث دليل على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب
حتى يقوم دليل الإباحة ، و كذلك نهيه على التحريم إلا ما يعرف إباحته . كذا في
" شرح السنة " ( 1 / 706 - 707 ) للبغوي .
و أما تقريره صلى الله عليه وسلم لهاتين الركعتين فهو الحديث الآتى :
" كان المؤذن يؤذن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة المغرب ، فيبتدر
لباب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السواري ، يصلون الركعتين قبل المغرب
حتى يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم و هم يصلون ، فيجيء الغريب فيحسب أن
الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما و كان بين الأذان و الإقامة يسير " .


234 - " كان المؤذن يؤذن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة المغرب ، فيبتدر
لباب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السواري ، يصلون الركعتين قبل المغرب
حتى يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم و هم يصلون ، فيجيء الغريب فيحسب أن
الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما و كان بين الأذان و الإقامة يسير " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 414 :

أخرجه البخاري ( 2 / 85 ) و ابن نصر ( ص 26 ) و أحمد ( 3 / 280 ) من طرق عن
شعبة عن عمرو بن عامر قال : سمعت أنس بن مالك يقول : فذكره .
و السياق لابن نصر ، و الزيادة الثانية للبخاري و أحمد ، و رواية لابن نصر
و اللفظ له .
و أخرجه مسلم ( 2 / 212 ) و أبو عوانة في " صحيحه " ( 2 / 265 ) و البيهقي
( 2 / 475 ) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه ، و فيه الزيادة الأولى
و له عند ابن نصر " و المسند " ( 3 / 129 ، 199 ، 282 ) طرق أخرى عن أنس نحوه .
و في هذا الحديث نص صريح على مشروعية الركعتين قبل صلاة المغرب ، لتسابق كبار
الصحابة عليهما ، و إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك . و يؤيده عموم
الحديثين قبله . و إلى استحبابهما ذهب الإمام أحمد و إسحاق و أصحاب الحديث .
و من خالفهم كالحنفية و غيرهم لا حجة لديهم تستحق النظر فيها سوى ما روى شعبة
عن أبي شعيب عن طاووس قال :
" سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب ؟ فقال : ما رأيت أحدا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصليهما " .
أخرجه أبو داود ( 1 / 202 ) و عنه البيهقي ( 2 / 476 - 477 ) و الدولابي في
" الكنى " ( 2 / 5 ) ، و قال أبو داود :
" سمعت يحيى بن معين يقول : هو شعيب . يعني وهم شعبة في اسمه " .
قلت : و لم أدر ما هو حجته في التوهيم المذكور ، إلا أن يكون مخالفة شعبة ليحيى
بن عبد الملك ابن أبي غنية ، فإنه سماه شعيبا كما يستفاد من " التهذيب " ، فإن
كان هو هذا ، فلا أراه يسلم له ، فإن شعبة أحفظ من ابن أبي غنية كما يتبين
للناظر في ترجمتيهما ، فالقول قول شعبة عند اختلافهما ، و قد روى ابن أبي حاتم
( 4 / 389 / 2 ) عن ابن معين أنه قال :
" أبو شعيب الذي روى عن طاووس عن ابن عمر مشهور بصري " .
فلم يذكر عنه ما ذكر أبو داود عنه ، مما يشعر أن ابن معين لم يكن جازما بذلك ،
و يؤيده أن أحدا من الأئمة لم ينقل عنه ما ذكر أبو داود ، بل قال الدولابي :
" سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يقول : أبو شعيب سمع طاووسا
يروي عنه شعبة " .
قلت : و هو عندي مستور ، و إن قال الحافظ في " التقريب " : " لا بأس به " فإن
هذا إنما قاله أبو زرعة في " شعيب السمان " كما ذكره الحافظ نفسه في
" التهذيب " ، و ذهب أنه غير صاحب الترجمة ، و بذلك يشعر صنيع ابن أبي حاتم
فإنه فرق بينهما ، و لم أر أحدا ممن يوثق به قد عدله . و الله أعلم .
و جملة القول أن القلب لا يطمئن لصحة هذا الأثر عن ابن عمر ، و قد أشار الحافظ
في " الفتح " ( 2 / 86 ) لتضعيفه ، فإن صح فرواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه ،
كما قال البيهقي ثم الحافظ و غيرهما ، و يؤيده أن ابن نصر روى ( 27 ) أن رجلا
سأل ابن عمر فقال : ممن أنت ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال : من الذين يحافظون
على ركعتي الضحى ؟ ! فقال : و أنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب ؟ فقال
ابن عمر : كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان " .
قلت : فهذا نص من ابن عمر على مشروعية الركعتين على خلاف ما أفاده ذلك الحديث
الضعيف عنه ، و لكن هذا النص قد حذف المقريزي إسناده كما هو الغالب عليه في
كتاب " قيام الليل " فلم يتسن لي الحكم عليه بشيء من الصحة أو الضعف .
و من الطرائف أن يرد بعض المقلدين لهذه الدلالات الصريحة على مشروعية الركعتين
قبل المغرب ، فلا يقول بذلك . ثم يذهب إلى سنية صلاة السنة القبلية يوم الجمعة
و يستدل عليه بحديث ابن الزبير و عبد الله بن مغفل ، يستدل بعمومها ، مع أن هذا
الدليل نفسه يدل أيضا على ما نفاه من مشروعية الركعتين ، مع وجود الفارق الكبير
بين المسألتين ، فالأولى قد تأيدت بجريان العمل بها في عهده صلى الله عليه وسلم
و إقراره ، و بأمره الخاص بها ، بخلاف الأخرى فإنها لم تتأيد بشيء من ذلك ، بل
ثبت أنه لم يكن هناك مكان لها يومئذ ، فهل من معتبر ؟ !


235 - " مرت بي فلانة ، فوقع في قلبي شهوة النساء ، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها ، فكذلك
فافعلوا ، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 417

رواه أحمد ( 4 / 231 ) و الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 168 / 1 - 2 ) و أبو بكر
محمد بن أحمد المعدل في " الأمالي " ( 8 / 1 ) عن أزهر بن سعيد الحرازي قال :
سمعت أبا كبشة الأنماري قال :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه ، فدخل ثم خرج و قد اغتسل
فقلنا ، يا رسول الله ! قد كان شيء ! قال : أجل ، مرت بي فلانة ... " .
قلت : و هذا سند حسن إن شاء الله تعالى ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير
الحرازي و يقال فيه عبد الله بن سعيد الحرازي .
قال الحافظ في " التهذيب " :
" لم يتكلموا إلا في مذهبه ( يعني النصب ) و قد وثقه العجلي و ابن حبان " .
و قال في " التقريب " : " صدوق " .
و الحديث أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 6 / 292 ) و قال :
" رواه أحمد و الطبراني ، و رجال أحمد ثقات " .
قلت : و للحديث شاهد من حديث أبي الزبير عن جابر .
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأعجبته ، فأتي زينب و هي تمعس
منيئة فقضى حاجته ، و قال :
إن المرأة تقبل في صورة شيطان ، و تدبر في صورة شيطان ، فإذا رأى أحدكم امرأة
فأعجبته ، فليأت أهله ، فإن ذاك يرد ما في نفسه " .
أخرجه مسلم ( 6 / 129 - 130 ) و أبو داود ( 2151 ) و البيهقي ( 7 / 90 )
و أحمد ( 3 / 330 ، 341 ، 348 ، 395 ) و اللفظ له من طرق عن أبي الزبير به .
قلت : و أبو الزبير مدلس و قد عنعنه ، لكن حديثه في الشواهد لا بأس به ،
لاسيما و قد صرح بالتحديث في رواية ابن لهيعة عنه ، و أما مسلم فقد احتج به !
و له شاهد آخر عن عبد الله بن مسعود قال :
" رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فأعجبته ، فأتى سودة ، و هي تصنع
طيبا و عندها نساء ، فأخلينه ، فقضى حاجته ثم قال :
أيما رجل رأى امرأة تعجبه ، فليقم إلى أهله ، فإن معها مثل الذي معها " .
أخرجه الدارمي ( 2 / 146 ) و السري بن يحيى في " حديث الثوري " ( ق 205 / 1 )
عن أبي إسحاق عن ابن مسعود .


236 - " طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تطهر أفنيتها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 418 :

رواه الطبراني في " الأوسط " ( 11 / 2 من " الجمع بين زوائد المعجمين " ) :
حدثنا علي بن سعيد حدثنا زيد بن أخزم حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا إبراهيم
بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعا ، و قال :
" لم يروه عن الزهري إلا إبراهيم و لا عنه إلا الطيالسي تفرد به زيد " .
قلت : و هو ثقة حافظ و بقية رجاله ثقات رجال مسلم غير علي بن سعيد و هو الرازي
قال الذهبي : " حافظ رحال جوال " .
قال الدارقطني ليس بذاك ، تفرد بأشياء . قال ابن يونس : كان يفهم و يحفظ " و
زاد الحافظ في " اللسان " :
" و قال مسلمة بن قاسم : و كان ثقة عالما بالحديث " .
و قال المناوي : " قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني " .
قلت : كأن الهيثمي توقف فيه فسكت عنه ، و هو مختلف فيه . و مثله حسن الحديث إذا
لم يخالف ، لاسيما إذا لم يتفرد بما روى ، و هذا الحديث كذلك .
فقد أخرجه الترمذي ( 2 / 131 ) من طريق خالد بن إلياس - و يقال ابن إياس - عن
صالح بن أبي حسان قال : سمعت سعيد بن المسيب عن صالح بن أبي حسان قال : سمعت
سعيد بن المسيب يقول : إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب
الكرم ، جواد يحب الجود ، فنظفوا - أراه قال - أفنيتكم ، و لا تشبهوا باليهود ،
قال . فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار فقال : حدثنيه عامر ابن سعد عن أبيه عن النبي
صلى الله عليه وسلم مثله ، إلا أنه قال : نظفوا أفنيتكم " .
و قال الترمذي : " هذا حديث غريب ، و خالد بن إلياس يضعف " .
قلت : و في التقريب : " متروك الحديث " .
و الحديث أورده ابن القيم في " زاد المعاد " ( 3 / 208 ) فقال :
" و في مسند البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله طيب ...
الحديث فنظفوا أفناءكم و ساحاتكم ، و لا تشبهوا باليهود ، يجمعون الأكباء في
دورهم " .
فلا أدري إذا كان عند البزار من طريق خالد هذا أم من طريق أخرى .
فقد وجدت له طريقا آخر ، و لكنه مما لا يفرح به ، أخرجه الدولابي في " الكنى "
( 2 / 16 ) عن أبي الطيب هارون بن محمد قال : حدثنا بكير بن مسمار عن عامر ابن
سعد به . و رجاله كلهم ثقات غير أبي الطيب هذا فليس بطيب ! قال ابن معين : كان
كذابا .
و وجدت للحديث شاهدا بلفظ " نظفوا أفنيتكم فإن اليهود أنتن الناس " .
رواه وكيع في " الزهد " ( 2 / 65 / 1 ) : حدثنا إبراهيم المكي عن عمرو ابن
دينار عن أبي جعفر مرفوعا .
و هذا سند ضعيف ، إبراهيم المكي هو ابن يزيد الخوزي متروك الحديث كما في
" التقريب " . و أبو جعفر لم أعرفه . و الظاهر أنه تابعي فهو مرسل .
و بالجملة ، فطرق هذا الحديث واهية ، إلا الأولى ، فهي حسنة ، فعليها العمدة ،
و يستثنى من ذلك طريق البزار لما سبق . و الله أعلم .
( الأفنية ) جمع ( فناء ) و هو الساحة أمام البيت .


237 - " كان إذا صلى الفجر أمهل ، حتى إذا كانت الشمس من ههنا - يعني من قبل المشرق -
مقدارها من صلاة العصر من ههنا - من قبل المغرب - قام فصلى ركعتين ثم يمهل ،
حتى إذا كانت الشمس من ههنا يعني من قبل المشرق ، مقدارها من صلاة الظهر من
ههنا - يعني من قبل المغرب - قام فصلى أربعا ، و أربعا قبل الظهر إذا زالت
الشمس ، و ركعتين بعدها ، و أربعا قبل العصر ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على
الملائكة المقربين ، و النبيين ، و من تبعهم من المسلمين ، " يجعل التسليم في
آخره " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 421 :

أخرجه أحمد ( رقم 650 / 1375 ) و ابنه ( 1202 ) و الترمذي ( 2 / 294 ، 493 -
494 ) و النسائي ( 1 / 139 - 140 ) و ابن ماجه ( 1 / 354 ) و الطيالسي
( 1 / 113 - 114 ) و عنه البيهقي ( 2 / 273 ) و الترمذي أيضا في " الشمائل "
( 2 / 103 - 104 ) من طرق عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال :
" سألنا عليا عن تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار ، فقال : إنكم لا
تطيقونه ، قال : قلنا : أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا ، قال : " فذكره .
و قال الترمذي :
" حديث حسن ، و قال إسحاق بن إبراهيم : أحسن شيء روي في تطوع النبي صلى الله
عليه وسلم ، في النهار هذا . و روي عن عبد الله بن المبارك أنه كان يضعف هذا
الحديث .
و إنما ضعفه عندنا - و الله أعلم - لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي صلى الله
عليه وسلم إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة عن علي ، و هو ثقة عند بعض أهل
العلم " .
قلت : و هو صدوق كما قال الحافظ في " التقريب " . و قد وثقه ابن المديني و غيره
و قال النسائي : " ليس به بأس " ، فهو حسن الحديث .
و الزيادة التي في آخره للنسائي .
و روى منه أبو داود ( 1 / 200 ) و عنه الضياء في " المختارة " ( 1 / 187 ) من
طريق شعبة عن أبي إسحاق به الصلاة قبل العصر فقط لكنه قال : " ركعتين " و هو
بهذا اللفظ شاذ عندي لأنه في المسند و غيره من هذا الوجه باللفظ المتقدم
" أربعا " . و كذلك في الطرق الأخرى عن أبي إسحاق كما تقدم .
و مثل هذا في الشذوذ أن بعض الرواة عن أبي إسحاق قال : " قبل الجمعة " بدل
" قبل الظهر " كما أخرجه الخلعي في " فوائده " بإسناد جيد كما قال العراقي
و البوصيري في زوائده ( 72 / 1 ) ، و لم يتنبها لشذوذه ، كما نبهت عليه في
" سلسلة الأحاديث الضعيفة " . و الله أعلم .
فقه الحديث
-----------
دل قوله " يجعل التسليم في آخره " . على أن السنة في السنن الرباعية النهارية
أن تصلى بتسليمة واحدة ، و لا يسلم فيها بين الركعتين ، و قد فهم بعضهم من قوله
" يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين - و من تبعهم من المؤمنين
" أنه يعني تسليم التحلل من الصلاة . و رده الشيخ على القاري في " شرح الشمائل
" بقوله :
" و لا يخفى أن سلام التحليل إنما يكون مخصوصا بمن حضر المصلى من الملائكة
و المؤمنين . و لفظ الحديث أعم منه حيث ذكر الملائكة و المقربين و النبيين و من
تبعهم من المؤمنين و المسلمين إلى يوم الدين " .
و لهذا جزم المناوي في شرحه على " الشمائل " أن المراد به التشهد قال :
" لاشتماله على التسليم على الكل في قولنا : " السلام علينا و على عباد الله
الصالحين " .
قلت : و يؤيده حديث ابن مسعود المتفق عليه قال :
" كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا السلام على الله قبل عباده ،
السلام على جبريل ، السلام على ميكائيل ، السلام على فلان ، فلما انصرف النبي
صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال : إن الله هو السلام ، فإذا جلس
أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله ... السلام علينا و على عباد الله
الصالحين ، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء و الأرض .... "

قلت : و هذه الزيادة التي في آخر الحديث ، تقطع بذلك ، فلا مجال للاختلاف بعدها
فهي صريحة في الدلالة على ما ذكرنا من أن الرباعية النهارية من السنن لا يسلم
في التشهد الأول منها . و على هذا فالحديث مخالف لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم
:
" صلاة الليل و النهار مثنى مثنى " .
و هو حديث صحيح كما بينته في " الحوض المورود في زوائد منتقى ابن الجارود " رقم
( 123 ) يسر الله لنا إتمامه ، و لعل التوفيق بينهما بأن يحمل حديث الباب على
الجواز . و حديث ابن عمر على الأفضلية كما هو الشأن في الرباعية الليلية أيضا .
و الله أعلم .


238 - " قضى أن على أهل الحوائط حفظها في النهار ، و أن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن
على أهلها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 423 :

أخرجه مالك في " الموطأ " ( 3 / 220 ) عن ابن شهاب عن حرام بن سعد ابن محيصة
أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ... فذكره .
قلت : و هذا سند مرسل صحيح ، و قد أخرجه الطحاوي ( 2 / 116 ) و البيهقي
( 8 / 341 ) و أحمد ( 5 / 435 ) من طريق مالك به .
و تابعه الليث بن سعد عن ابن شهاب به مرسلا .
أخرجه ابن ماجه ( 2 / 54 - 55 ) .
و تابعهما سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب و حرام بن سعد بن محيصة
أن ناقة للبراء ...
أخرجه أحمد ( 5 / 436 ) و البيهقي ( 8 / 342 ) .
و تابعهم الأوزاعي ، لكن اختلفوا عليه في سنده ، فقال أبو المغيرة :
حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري به مرسلا .
أخرجه البيهقي ( 8 / 341 ) .
و قال الفريابي عن الأوزاعي به إلا أنه قال : " عن البراء بن عازب " فوصله .
أخرجه أبو داود ( 2 / 267 ) و عنه البيهقي و الحاكم ( 2 / 48 ) .
و كذا قال محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي به موصولا .
أخرجه أحمد ( 4 / 295 ) و البيهقي .
و كذا قال أيوب بن سويد حدثنا الأوزاعي به .
أخرجه الطحاوي ( 2 / 116 ) و البيهقي ، فقد اتفق هؤلاء الثلاثة الفريابي و محمد
ابن مصعب و أيوب بن سويد على وصله عن الأوزاعي ، فهو أولى من رواية أبي المغيرة
عنه مرسلا لأنهم جماعة ، و هو فرد .
و تابعهم معمر ، و اختلفوا عليه أيضا ، فقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري
عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء ... الحديث ، فزاد في السند
" عن أبيه " .
أخرجه أبو داود و ابن حبان ( 1168 ) و أحمد ( 5 / 436 ) و البيهقي و قال :
" و خالفه وهيب و أبو مسعود الزجاج عن معمر ، فلم يقولا : " عن أبيه " .
قال ابن التركماني :
" و ذكر ابن عبد البر بسنده عن أبي داود قال : لم يتابع أحد عبد الرزاق على
قوله : " عن أبيه . و قال أبو عمر : أنكروا عليه قوله فيه : " عن أبيه " ،
و قال ابن حزم هو مرسل " .
قلت : لكن قد وصله الأوزاعي بذكر البراء فيه ، في أرجح الروايتين عنه و قد
تابعه عبد الله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء به .
أخرجه ابن ماجه و البيهقي ( 8 / 341 - 342 ) .
و عبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى و هو ثقة محتج به في
الصحيحين فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله ، فصح بذلك الحديث ، و لا يضره
إرسال من أرسله ، لأن زيادة الثقة مقبولة ، فكيف إذا كانا ثقتين ؟ و قد قال
الحاكم عقب رواية الأوزاعي :
" صحيح الإسناد ، على خلاف فيه بين معمر و الأوزاعي " . و وافقه الذهبي .
كذا قالا ، و خلاف معمر مما لا يلتفت إليه لمخالفته لروايات جميع الثقات في
قوله " عن أبيه " على أنه لم يتفقوا عليه في ذلك كما سبق ، فلو أنهما أشارا إلى
خلاف مالك و الليث و ابن عيينة في وصله لكان أقرب إلى الصواب ، و لو أن هذا لا
يعل به الحديث لثبوته موصولا من طريق الثقتين كما تقدم .


239 - " إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 425 :

أخرجه أحمد ( 1 / 234 ) : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سلمة عن الحسن العرني
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره ، ثم قال
( 1 / 344 ) : حدثنا وكيع و عبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان به . إلا أنه لم
يقل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و زاد في آخره في الموضعين :
" فقال رجل : و الطيب ( يا أبا العباس ) ، فقال ابن عباس : أما أنا فقد رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك ، أفطيب ذاك أم لا ؟ " .
ثم أخرجه ( 1 / 369 ) : حدثنا يزيد أنبأنا سفيان به موقوفا أيضا قال :
" سئل ابن عباس عن الرجل إذا رمى الجمرة أيتطيب ؟ فقال : أما أنا .... " الحديث
و أخرجه النسائي ( 2 / 52 ) و ابن ماجه ( 2 / 245 ) من طريق يحيى بن سعيد
و ابن ماجه أيضا عن وكيع و هو و أبو يعلى في " مسنده " ( ق 143 / 1 ) عن
عبد الرحمن ، و البيهقي ( 5 / 133 ) عن ابن وهب و ( 5 / 204 ) عن أبي داود
الحفري كلهم عن سفيان به مثل رواية عبد الرحمن عند أحمد الموقوفة مع الزيادة
و قد رواه الطحاوي ( 1 / 419 ) من طريق أبي عاصم عن سفيان به .
قلت : و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، لكنه منقطع بين الحسن العرني
و هو ابن عبد الله و بين ابن عباس فإنه لم يسمع منه كما قال أحمد ، بل قال
أبو حاتم : لم يدركه . ثم إن أكثر الرواة عن سفيان أوقفوه على ابن عباس ، و لم
يرفعه إلا وكيع في الرواية الأولى ، و أما في روايته المقرونة مع عبد الرحمن
فهي موقوفة أيضا ، و كذلك هي عند ابن ماجه . فالصواب أن الحديث مع انقطاعه
موقوف .
لكن له شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :
" طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة لحجة الوداع للحل و الإحرام ،
حين أحرم ، و حين رمى جمرة العقبة يوم النحر ، قبل أن يطوف بالبيت " .
أخرجه أحمد ( 6 / 244 ) عن عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة و القاسم
يخبران عن عائشة به .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين ، و أصله عندهما .
و قد تابعه الزهري عن عروة وحده به نحوه .
أخرجه النسائي ( 2 / 10 - 11 ) عن سفيان عنه ، و سنده صحيح أيضا ، و رجاله رجال
الشيخين غير سعيد بن عبد الرحمن أبي عبيد المخزومي شيخ النسائي و هو ثقة ، خاصة
في سفيان بن عيينة و هذا من روايته عنه .
و قد خالفه عن الزهري الحجاج بن أرطاة ، فقال : عن الزهري عن عمرة بنت
عبد الرحمن عن عائشة مرفوعا بلفظ :
" إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء " .
و الحجاج مدلس و قد عنعنه في جميع الروايات عنه ، و اختلفوا عليه في متنه ، كما
بينته في " الأحاديث الضعيفة " في رقم ( 1013 ) .
و قد روي الحديث من طريق عمرة عن عائشة مرفوعا ، مثل حديث ابن عباس هذا ، لكن
بزيادة " و ذبحتم و حلقتم " . و هي زيادة منكرة لا تثبت ، و لذلك أوردته في
" الأحاديث الضعيفة " ، و بينت هناك علته ، فليراجع و ذكرت بعده شاهدا آخر من
حديث أم سلمة فيه زيادة أخرى منكرة أيضا .
ثم وجدت لحديث عائشة الشاهد طريقا أخرى عند البيهقي ( 5 / 135 ) عن عبد الرزاق
أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : سمعت عمر رضي الله عنه يقول :
" إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات ، و ذبحتم و حلقتم ، فقد حل كل شيء إلا النساء
و الطيب . قال سالم : و قالت عائشة رضي الله عنها : حل له كل شيء إلا النساء .
قال : و قالت عائشة رضي الله عنها : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعني لحله " .
قلت : و هذا سند صحيح على شرطهما ، ثم روى البيهقي من طريق عمرو بن دينار عن
سالم قال : قالت عائشة رضي الله عنها :
" أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله و إحرامه ، قال سالم : و سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع " .
قلت : و سنده صحيح أيضا ، و أخرجه الطحاوي أيضا ( 1 / 421 ) و كذا سعيد
بن منصور كما في " المحلى " ( 7 / 139 ) .
و في الحديث دلالة ظاهرة على أن الحاج يحل له بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من
محظورات الإحرام إلا الوطئ للنساء ، فإنه لا يحل به بالإجماع ، و ما دل عليه
الحديث عزاه الشوكاني ( 5 / 60 ) للحنفية و الشافعية و العترة ، و المعروف عن
الحنفية أن ذلك لا يحل إلا بعد الرمي و الحلق ، و احتج لهم الطحاوي بحديث عمرة
عن عائشة المتقدم و قد عرفت ضعفه ، فلا حجة فيه لاسيما مع مخالفته لحديثها
الصحيح الذي احتجت به على قول عمر الموافق لمذهبهم . نعم ذكر ابن عابدين في
" حاشيته " على " البحر الرائق " ( 2 / 373 ) عن أبي يوسف ما يوافق ما حكاه
الشوكاني عن الحنفية ، فالظاهر أن في مذهبهم خلافا ، و قول أبي يوسف هو الصواب
لموافقته للحديث ، و من الغرائب قول الصنعاني في شرح حديث عائشة الضعيف :
" و الظاهر أنه مجمع على حل الطيب و غيره إلا الوطء بعد الرمي ، و إن لم يحلق "
فإن هذا و إن كان هو الصواب ، فقد خالف فيه عمر و غيره من السلف و حكى الخلاف
فيه غير واحد من أهل العلم منهم ابن رشد في " البداية " ( 1 / 295 ) فأين
الإجماع ؟ ! لكن الصحيح ما أفاده الحديث ، و هو مذهب ابن حزم في " المحلى " ،
( 7 / 139 ) و قال :
" و هو قول عائشة و ابن الزبير و طاووس و علقمة و خارجة بن زيد بن ثابت " .


240 - " أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله عز وجل أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع
أرضين ، ثم يطوقه إلى يوم القيامة حتى يقضى بين الناس " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 429 :

أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 1167 ) و أحمد ( 4 / 173 ) و كذا ابنه عن زائدة
عن الربيع بن عبد الله عن أيمن بن نابل - قال ابن حبان : ابن ثابت - عن
يعلى بن مرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله ثقات معروفون غير أيمن ، فإن كان هو ابن نابل كما
في " المسند " فإنه مشهور وثقه جماعة و روى له البخاري متابعة . و إن كان هو
ابن ثابت كما في ابن حبان فقال أبو داود : لا بأس به ، و ذكره ابن حبان في
" الثقات " . و يرجح هذا عندي شيئان :
الأول : أن ابن أبي حاتم قد قال في ترجمته ( 1 / 1 / 319 ) :
" روى عن ابن عباس و يعلى بن مرة ، و عنه أبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن
نسطاس و الربيع بن عبد الله " .
ثم ترجم لأيمن بن نابل و ذكر أنه روى عن قدامة بن عبد الله الكلابي و طاووس
و غيره من التابعين . فلم يذكر هو و لا غيره أنه روى عن يعلى بن مرة ، و لا ذكر
في الرواة عنه الربيع بن عبد الله .
الثاني : أن رواية أبي يعفور عنه في " المسند " ( 4 / 172 / 173 ) ، لكنه وقع
فيه " أبو يعقوب " و هو تصحيف ، و كذلك تصحف في نسختين من " الجرح و التعديل "
كما نبه عليه محققه العلامة عبد الرحمن المعلمي في ترجمة ابن ثابت هذا .
و قد يعكر على هذا الترجيح ، أن الطبراني أخرجه في " المعجم الصغير " ( ص 219 )
من طريق أخرى عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أيمن ابن نابل عن يعلى
بن مرة به نحوه ، فهذا يرجح أنه ابن نابل . لكني أظن أنه محرف أيضا عن
" ابن ثابت " ، فإن الشعبي إنما ذكروه في الرواة عن هذا لا عن ابن نابل .
و الله أعلم .
و الحديث قال الهيثمي في " المجمع " ( 4 / 175 ) :
" رواه أحمد و الطبراني في الكبير و الصغير بنحوه بأسانيد ، و رجال بعضها رجال
الصحيح " .


241 - " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ،
و ينذرهم شر ما يعلمه لهم ، و إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، و سيصيب
آخرها بلاء و أمور تنكرونها ، و تجيء فتنة ، فيرقق بعضها بعضا ، و تجيء الفتنة
فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف ، و تجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه هذه
، فمن أحب أن يزحزح عن النار و يدخل الجنة ، فلتأته منيته و هو يؤمن بالله
و اليوم الأخر ، و ليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ، و من بايع إماما
فأعطاه صفقة يده ، و ثمرة قلبه ، فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه
فاضربوا عنق الآخر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 430 :

أخرجه مسلم ( 6 / 18 ) و السياق له و النسائي ( 2 / 185 ) و ابن ماجه ( 2 / 466
- 467 ) و أحمد ( 2 / 191 ) من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن
بن عبد رب الكعبة قال :
دخلت المسجد ، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة ، و الناس
مجتمعون عليه ، فأتيتهم فجلست إليه ، فقال :
" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلنا منزلا ، فمنا من يصلح
خباءه ، و منا من ينتضل ، و منا من هو في جشره ، إذ نادى منادي رسول الله صلى
الله عليه وسلم : الصلاة جامعة ، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : " فذكره . و زاد في آخره : " فدنوت منه ، فقلت له : أنشدك الله آنت سمعت
هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأهوى إلى أذنيه و قلبه بيديه ، و قال :
سمعته أذناي ، و وعاه قلبي ، فقلت له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل
أموالنا بيننا بالباطل ، و نقتل أنفسنا ، و الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا
لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ، و لا تقتلوا
أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) قال : فسكت ساعة ثم قال : أطعه في طاعة الله ،
و اعصه في معصية الله " .
و ليس عند غير مسلم قوله : " فقلت له هذا ابن عمك ... " الخ .
ثم أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة به ، و كذا رواه
مسلم في رواية و لم يسوقا لفظ الحديث ، و إنما أحالا فيه على حديث الأعمش .
غريب الحديث
------------
1 - ( فيرقق بعضها بعضا ) . أي يجعل بعضها بعضا رقيقا ، أي : خفيفا لعظم ما
بعده ، فالثاني يجعل الأول رقيقا .
2 - ( صفقة يده ) أي : معاهدته له و التزام طاعته ، و هي المرة من التصفيق
باليدين ، و ذلك عند البيعة بالخلافة .
3 - ( ثمرة قلبه ) أي خالص عهده أو محبته بقلبه .
4 - ( فاضربوا عنق الآخر ) . قال النووي :
" معناه : ادفعوا الثاني فإنه خارج على الإمام ، فإن لم يندفع إلا بحرب ،
و قاتل ، فقاتلوه . فإن دعت المقاتلة إلى قتله ، جاز قتله ، و لا ضمان فيه لأنه
ظالم متعد في قتاله " .
و في الحديث فوائد كثيرة ، من أهمها أن النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير
و يدلهم عليه ، و ينذرهم شر ما يعلمه لهم ، ففيه رد صريح على ما ذكر في بعض كتب
الكلام أن النبي من أوحي إليه ، و لم يؤمر بالتبليغ !


242 - " من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 432 :

أخرجه أحمد ( 4 / 173 ) : حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو يعقوب
عبد الله جدي حدثنا أبو ثابت قال : سمعت يعلى بن مرة الثقفي يقول : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره . ثم قال أحمد ( 4 / 172 ) : حدثنا
إسماعيل بن محمد و هو أبو إبراهيم المعقب حدثنا مروان الفزاري حدثنا أبو يعقوب
عن أبي ثابت به .
قلت : و هذا سند رجاله ثقات معروفون غير أبي يعقوب هذا ، و قد سماه عبد الواحد
بن زياد " عبد الله " ، و ذكر أنه جده كما ترى ، و لم أعرفه ، و قد أغفلوه فلم
يذكروه ، لا في الكنى و لا في الأسماء ، و يحتمل عندي أن يكون هو عبد الله بن
عبد الله بن الأصم ، فقد ذكروا في الرواة عنه عبد الواحد بن زياد و مروان
الفزاري و هما اللذان رويا هذا الحديث عنه كما ترى ، لكن يشكل عليه أنهم لم
يذكروا أنه يكنى بأبي يعقوب ، و إنما ذكروا له كنيتين أخريين : " أبو سليمان "
و " أبو العنبس " .
و يحتمل أن تكون هذه الكنية : " أبو يعقوب " محرفة عن أبي يعفور ، و اسمه عبد
الرحمن بن عبيد بن نسطاس الكوفي ، فقد روى هذا عن أبي ثابت أيمن بن ثابت و عنه
مروان الفزاري كما في " التهذيب " ، فإن كان هو هذا فهو ثقة من رجال الشيخين
فالسند صحيح ، لكن يرد عليه ، أن عبد الواحد بن زياد قد سماه عبد الله جده ،
إلا أن يقال : إن هذه الزيادة في رواية عبد الواحد مقحمة من بعض النساخ للمسند
و جملة القول أن هذا الإسناد من المشكلات عندي ، فلعلنا نقف فيما بعد على ما
يكشف الصواب فيه . و الله المستعان .
و لعله من أجل ما ذكرنا سكت عن هذا الإسناد المنذري في " الترغيب " ( 3 / 54 )
و تبعه الهيثمي ( 4 / 175 ) و عزياه للطبراني أيضا .
و قد ثبت الحديث من طريق أخرى عن أبي ثابت به بلفظ آخر فراجع " أيما رجل ظلم
شبرا من الأرض ... " .


243 - " صدق الله ، و كذب بطن أخيك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 433 :

أخرجه مسلم ( 7 / 26 ) عن أبي سعيد الخدري قال :
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقه عسلا . فسقاه ، ثم جاءه فقال : إني سقيته
عسلا فلم يزده إلا استطلاقا فقال له ثلاث مرات ، ثم جاءه الرابعة فقال : اسقه
عسلا ، فقال : لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( فذكره ) فسقاه فبرأ " .
و أخرجه البخاري ( 10 / 115 / 137 - 138 ) بشيء من الاختصار و استدركه الحاكم
( 4 / 402 ) على الشيخين و أقره الذهبي ! !
قال ابن القيم في " الزاد " ( 3 / 97 - 98 ) بعد أن ذكر كثيرا من فوائد العسل :
" فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل كان استطلاق بطنه عن تخمة
أصابته عن امتلاء فأمر بشرب العسل ، لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة
و الأمعاء ، فإن العسل فيه جلاء و دفع للفضول ، و كان قد أصاب المعدة أخلاط
لزجة تمنع استقرار الغذاء فيه للزوجتها ، فإن المعدة لها خمل كخمل المنشفة ،
فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها و أفسدت الغذاء ، فدواؤها بما يجلوها من
تلك الاخلاط ، و العسل من أحسن ما عولج به هذا الداء ، لاسيما إن مزج بالماء
الحار . و في تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع ، و هو أن الدواء يجب أن يكون له
مقدار و كمية بحسب حال الداء ، إن قصر عنه لم يزله بالكلية ، و إن جاوزه أوهن
القوى فأحدث ضررا آخر ، فلما أمره أن يسقيه العسل ، سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة
الداء ، و لا يبلغ الغرض ، فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة ،
فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى
المقدار المقاوم للداء ، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برىء بإذن الله .
و اعتبار مقادير الأدوية و كيفياتها ، و مقدار قوة المرض و المريض من أكبر
قواعد الطب . و قوله صلى الله عليه وسلم : " صدق الله و كذب بطن أخيك " إشارة
إلى تحقيق نفع هذا الدواء ، و أن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ، و لكن
لكذب البطن و كثرة المادة الفاسدة فيه ، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة .
و ليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء ، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم
متيقن قطعي إلهي ، صادر عن الوحي و مشكاة النبوة و كمال العقل ، و طب غيره
أكثره حدس و ظنون و تجارب . و لا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة ،
فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول و اعتقاد الشفاء به ، و كمال التلقي له
بالإيمان و الإذعان . فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور ، إن لم يتلق هذا
التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائه ، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى
رجسهم و مرضا إلى مرضهم ، و أين يقع طب الأبدان منه ، فطب النبوة لا يناسب إلا
الأبدان الطيبة كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة و القلوب الحية
فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء
النافع و ليس ذلك لقصور في الدواء ، و لكن لخبث الطبيعة ، و فساد المحل ، و عدم
قبوله ، و بالله التوفيق " .


244 - " من اكتوى أو استرقى ، فقد برئ من التوكل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 435 :

رواه الترمذي ( 3 / 164 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( رقم 1408 ) و ابن ماجه
( 2 / 1154 / 3489 ) و الحاكم ( 4 / 415 ) و أحمد ( 4 / 249 ، 253 ) من طريق
عقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه مرفوعا .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي ، و هو كما قالوا .
قلت : و فيه كراهة الاكتواء ، و الاسترقاء . أما الأول فلما فيه من التعذيب
بالنار ، و أما الآخر ، فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه
مظنونة غير راجحة ، و لذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم
لا يسترقون ، و لا يكتوون ، و لا يتطيرون ، و على ربهم يتوكلون . كما في حديث
ابن عباس عند الشيخين . و زاد مسلم في روايته فقال : " لا يرقون و لا يسترقون "
و هي زيادة شاذة كما بينته فيما علقته على كتابي " مختصر صحيح مسلم "
( رقم 254 ) .


245 - " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم ، أو شربة من عسل أو لذعة بنار ،
و ما أحب أن أكتوي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 436 :

أخرجه البخاري ( 10 / 114 - 115 و 125 ، 126 ) و مسلم ( 7 / 21 - 22 ) و أحمد
( 3 / 343 ) عن جابر بن عبد الله مرفوعا .
و هو من رواية عاصم بن عمر ابن قتادة عنه .
و في رواية لمسلم عن عاصم أن جابر بن عبد الله عاد المقنع ثم قال :
لا أبرح حتى تحتجم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إن فيه شفاء " .
و هو رواية لأحمد ( 3 / 335 ) و كذا البخاري ( 10 / 124 ) و استدركه الحاكم
( 4 / 409 ) على الشيخين و أقره الذهبي ! !
و للحديث شاهد من حديث ابن عمر مرفوعا باللفظ الأول .
أخرجه الحاكم ( 4 / 209 ) و قال :
" صحيح على شرط الشيخين " و رده الذهبي بقوله :
" أسيد بن زيد الحمال متروك " .


246 - " أحصوا لي كل من تلفظ بالإسلام " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 436 :

أخرجه مسلم ( 1 / 91 ) و أبو عوانة ( 1 / 102 ) و ابن ماجه ( 2 / 492 ) و أحمد
( 5 / 384 ) و المحاملي في " الأمالي " ( 1 / 71 / 2 ) من طرق كثيرة عن أبي
معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره . و زاد :
" قال : قلنا : يا رسول الله أتخاف علينا ؟ و نحن ما بين الستمائة إلى
السبعمائة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تدرون لعلكم أن
تبتلوا ، قال : فابتلينا حتى جعل الرجل منا ما يصلي إلا سرا " .
و اللفظ لابن ماجه . و تابعه سفيان ، فقال أبو بكر الشافعي في " الفوائد "
( 8 / 91 / 2 ) حدثني إسحاق ( يعني الحربي ) أنبأنا أبو حذيفة أنبأنا سفيان
عن الأعمش به . إلا أنه قال : " و نحن ألف و خمسمائة ؟ " .
و هو وهم من أبي حذيفة و اسمه موسى بن مسعود النهدي و هو صدوق سيىء الحفظ ،
و سائر رواته ثقات .


247 - " إذا أسلم العبد ، فحسن إسلامه ، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ، و محيت عنه
كل سيئة كان أزلفها ، ثم كان بعد ذلك القصاص ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع
مائة ضعف ، و السيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 437 :

أخرجه النسائي ( 2 / 267 - 268 ) من طريق صفوان بن صالح قال : حدثنا الوليد قال
: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح ، و قد علقه البخاري في " صحيحه " فقال : قال مالك :
أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات . و قد وصله الحسن بن سفيان و البزار
و الإسماعيلي و الدارقطني في " غرائب مالك " و البيهقي في " الشعب " من طرق
أخرى عن مالك به .
قال حافظ في " الفتح " ( 1 / 82 ) :
" و قد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري و هو كتابة الحسنات
المتقدمة قبل الإسلام . و قوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب ، و للدارقطني من
طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ " يقول الله لملائكته اكتبوا " ، فقيل : إن
المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا ، لأنه مشكل على القواعد .
و قال المازري :
الكافر ليس كذلك ، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه ، لأن من شرط
المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه ، و الكافر ليس كذلك .
و تابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال . و استضعف ذلك النووي فقال :
" و الصواب الذي عليه المحققون ، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل
أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ، ثم أسلم ، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك
يكتب له . و أما دعوى أنه مخالف للقواعد ، فغير مسلم ، لأنه قد يعتد ببعض أفعال
الكفار في الدنيا ككفارة الظهار ، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم و تجزئه "
انتهى .
ثم قال الحافظ :
و الحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله
و إحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا . و الحديث إنما
تضمن كتابة الثواب ، و لم يتعرض للقبول . و يحتمل أن يكون القبول يصير معلقا
على إسلامه ، فيقبل و يثاب إن أسلم ، و إلا فلا . و هذا قوي . و قد جزم بما
جزم به النووي : إبراهيم الحربي و ابن بطال و غيرهما من القدماء ، و القرطبي
و ابن المنير من المتأخرين .
قال ابن المنير :
المخالف للقواعد ، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره ، و أما أن الله يضيف إلى
حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا ، فلا مانع منه كما
لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل ، و كما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل
و هو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما
عمله غير موفى الشروط . و استدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين
كما دل عليه القرآن و الحديث الصحيح ، و هو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه
شيء من عمله الصالح ، بل يكون هباء منثورا ، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب
له مضافا إلى عمله الثاني ، و بقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن
ابن جدعان و ما كان يصنعه من الخير :
هل ينفعه ؟ فقال : إنه لم يقل يوما ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ، فدل على
أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر " .
قلت : و هذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك ،
و لهذا قال السندي في حاشيته على النسائي :
" و هذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة ، إن أسلم تقبل ، و إلا ترد .
و على هذا فنحو قوله تعالى : ( و الذين كفروا أعمالهم كسراب ) محمول على من مات
على الكفر ، و الظاهر أنه لا دليل على خلافه ، و فضل الله أوسع من هذا و أكثر
فلا استبعاد فيه ، و حديث " الإيمان يجب ما قبله " من الخطايا في السيئات لا في
الحسنات " .
قلت : و مثل الآية التي ذكرها السندي رحمه الله سائر الآيات الواردة في إحباط
العمل بالشرك كقوله تعالى : ( و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت
ليحبطن عملك ، و لتكونن من الخاسرين ) ، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا ،
و من الدليل على ذلك قوله عز و جل : ( و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر
فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
و يترتب على ذلك مسألة فقهية و هي أن المسلم إذا حج ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى
الإسلام ، لم يحبط ، حجه و لم يجب عليه إعادته ، و هو مذهب الإمام الشافعي
و أحد قولي الليث بن سعد ، و اختاره ابن حزم و انتصر له بكلام جيد متين ، أرى
أنه لابد من ذكره ، قال رحمه الله تعالى ( 7 / 277 ) :
" مسألة - من حج و اعتمر ، ثم ارتد ، ثم هداه الله تعالى و استنقذه من النار
فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج و لا العمرة ، و هو قول الشافعي و أحد قولي الليث
و قال أبو حنيفة و مالك و أبو سليمان : يعيد الحج و العمرة ، و احتجوا بقول
الله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين ) ، ما نعلم لهم
حجة غيرها ، و لا حجة لهم فيها ، لأن الله تعالى لم يقل فيها : لئن أشركت
ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك ، و هذه زيادة على الله لا تجوز ، و إنما
أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه ، لا إذا أسلم ،
و هذا حق بلا شك . و لو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من
ذلك عن الواجب ، و أيضا فإن قوله تعالى فيها : ( و لتكونن من الخاسرين ) بيان
أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلا بل هو مكتوب له
و مجازى عليه بالجنة ، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى
الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين ، فصح أن الذي يحبط
عمله هو الميت على كفره ، مرتدا أو غير مرتد ، و هذا هو من الخاسرين بلا شك ،
لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته ، و قال تعالى : ( و من يرتدد
منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ) فصح نص قولنا : من أنه لا
يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت و هو كافر ، و وجدنا الله تعالى يقول : ( إني
لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) ، و قال تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة
خيرا يره ) ، و هذا عموم لا يجوز تخصيصه ، فصح أن حجه و عمرته إذا راجع الإسلام
سيراهما ، و لا يضيعان له .
و روينا من طرق كالشمس عن الزهري و عن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة
بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله عليه السلام : أي رسول
الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم ،
أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أسلمت على ما أسلفت من خير " .


248 - " أسلمت على ما أسلفت من خير " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 441 :

قال ابن حزم : فصح أن المرتد إذا أسلم ، و الكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا
أسلما ، فقد أسلما على ما أسلفا من الخير ، و قد كان المرتد إذ حج و هو مسلم
قد أدى ما أمر به و ما كلف كما أمر به ، فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان .
و أما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم ، فإن أسلم بعد
ذلك لم يجزه لأنه لم يؤده كما أمر الله تعالى به ، لأن من فرض الحج و سائر
الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبد الله عليه
السلام في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى دينا غيره ، و قال عليه
السلام :
" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .
و الصابئ إنما حج كما أمره يوراسف أو هرمس فلا يجزئه ، و بالله تعالى التوفيق
.
و يلزم من أسقط حجه بردته أن يسقط إحصانه و طلاقه الثلاث و بيعه و ابتياعه
و عطاياه التي كانت في الإسلام ، و هم لا يقولون بهذا ، فظهر فساد قولهم ،
و بالله تعالى نتأيد " .
و إذا تبين هذا فلا منافاة بينه و بين الحديث المتقدم برقم ( 52 ) " أن الكافر
يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا " لأن المراد به الكافر الذي سبق في
علم الله أنه يموت كافرا بدليل قوله في آخره : " حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم
يكن له حسنة يجزى بها " ، و أما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم و يموت
مؤمنا فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة ، كما أفادته
الأحاديث المتقدمة ، و منها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه
المتقدم و صححه و لم يعزه لأحد من المؤلفين ، و قد أخرجه البخاري في " صحيحه "
( 4 / 327 ، 5 / 127 ، 10 / 348 ) و مسلم ( 1 / 79 ) و أبو عوانة في " صحيحه "
أيضا ( 1 / 72 - 73 ) و أحمد ( 3 / 402 ) .
و منها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد ، فأنا أسوقه
الآن و أخرجه و هو :
" لا يا عائشة ، إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " .


249 - " لا يا عائشة ، إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 442 :

أخرجه مسلم ( 1 / 136 ) و أبو عوانة ( 1 / 100 ) و أحمد في " المسند " و ابنه
عبد الله في " زوائده " ( 6 / 93 ) و أبو بكر العدل في " اثنا عشر مجلسا "
( ق 6 / 1 ) و الواحدي في " الوسيط " ( 3 / 167 / 1 ) من طرق عن داود عن الشعبي
عن مسروق ( و لم يذكر الأخيران مسروقا ) عن عائشة قالت :
" قلت : يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم و يطعم المساكين ،
فهل ذاك نافعه ؟ قال : " فذكره .
و له عنها طريق أخرى ، فقال عبد الواحد بن زياد : حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن
عبيد بن عمير عنها أنها قالت :
" قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يقري
الضيف و يصل الرحم و يفك العاني و يحسن الجوار - فأثنيت عليه - هل نفعه ذلك ؟
قال : " فذكره .
أخرجه أبو عوانة و أبو القاسم إسماعيل الحلبي في " حديثه " ( ق 114 - 115 ) من
طرق عن عبد الواحد به .
و وجدت له طريقا ثالثا ، رواه يزيد بن زريع حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة
عنها به نحوه .
أخرجه يحيى بن صاعد في " حديثه " ( 4 / 288 / 1 - 2 ) من طريقين عن يزيد به .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط البخاري على اختلاف قولي أبي حاتم في سماع عكرمة
- و هو مولى ابن عباس - من عائشة ، فأثبته في أحدهما و نفاه في الآخر ، لكن
المثبت مقدم على النافي ، كما هو في علم الأصول مقرر .
و في الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية
بخلاف ما إذا مات على كفره فإنه لا ينفعه بل يحبط بكفره ، و قد سبق بسط الكلام
في هذا في الحديث الذي قبله .
و فيه دليل أيضا على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا من
أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة رسول ، إذ لو كانوا كذلك لم يستحق ابن جدعان
العذاب و لما حبط عمله الصالح ، و في هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها
.


250 - " لا ضرر ، و لا ضرار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 443 :

حديث صحيح ورد مرسلا ، و روي موصولا عن أبي سعيد الخدري ، و عبد الله
ابن عباس ، و عبادة بن الصامت ، و عائشة ، و أبي هريرة ، و جابر بن عبد الله ،
و ثعلبة بن مالك رضي الله عنهم .
أما المرسل ، فقال مالك في " الموطأ " ( 2 / 218 ) : عن عمرو ابن يحيى المازني
عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح مرسلا . و قد روي موصولا عن أبي سعيد الخدري رواه عثمان
بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، حدثنا عبد العزيز بن محمد
الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : فذكره و زاد :
" من ضار ضاره الله ، و من شاق شاق الله عليه " .
أخرجه الحاكم ( 2 / 57 - 58 ) و البيهقي ( 6 / 69 - 70 ) و قال : " تفرد به
عثمان بن محمد عن الدراوردي " .
قلت : و تعقبه ابن التركماني فقال :
" قلت : لم ينفرد به ، بل تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي ، فرواه كذلك عن
الدراوردي . كذا أخرجه أبو عمر في كتابيه ( التمهيد ) و ( الاستذكار ) .
قلت : و كأنه لهذه المتابعة قال الحاكم عقبه :
" صحيح على شرط مسلم " ، و وافقه الذهبي ، و إلا فلولا المتابعة هذه لم يكن
الحديث على شرط مسلم لأن عثمان بن محمد ليس من رجاله ، و فوق ذلك فهو متكلم فيه
قال الدارقطني : ضعيف .
و قال عبد الحق : الغالب على حديثه الوهم . و لكن قد يتقوى حديثه بمتابعة
النصيبي هذا له ، و إن كان لا يعرف حاله ، كما قال ابن القطان و تابعه الذهبي ،
و هو بالتالي ليس من رجال مسلم أيضا ، فهو ليس على شرطه أيضا ، و لكنهم قد
يتساهلون في الرواية المتابعة ما لا يتساهلون في الرواية الفردة ، فيقولون في
الأول : إنه على شرط مسلم باعتبار من فوق المتابعين مثلما هنا كما هو معروف ،
و لذلك فقد رأينا الحافظ ابن رجب في " شرح الأربعين النووية " ( 219 ) لم يعل
الحديث بعثمان هذا و لا بمتابعة النصيبي ، و إنما أعله بشيخهما ، فقد قال عقب
قول البيهقي المتقدم :
" قال ابن عبد البر : لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث . قال : و لا بسند
من وجه صحيح . ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولا
و الدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه و لا يعبأ به ، و لا شك في
تقديم قول مالك على قوله " .
قلت : يعني أن الصواب في الحديث عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا كما رواه مالك ،
و لسنا نشك في ذلك فإن الدراوردي و إن كان ثقة من رجال مسلم فإن فيه كلاما
يسيرا من قبل حفظه ، فلا تقبل مخالفته للثقة ، لاسيما إذا كان مثل مالك رحمه
الله تعالى .
و الحديث أخرجه الدارقطني أيضا ( ص 522 ) موصولا من الوجه المتقدم لكن بدون
الزيادة : " من ضار ... " ثم رأيته قد أخرجه في مكان آخر ( ص 321 ) من الوجه
المذكور بالزيادة .
و أما حديث ابن عباس ، فيرويه عنه عكرمة ، و له عنه ثلاث طرق :
الأولى : عن جابر الجعفي عنه به .
أخرجه ابن ماجه ( 2 / 57 ) و أحمد ( 1 / 313 ) كلاهما عن عبد الرزاق :
أنبأنا معمر عن جابر الجعفي به .
قال ابن رجب : " و جابر الجعفي ضعفه الأكثرون " .
الثانية : عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة به .
أخرجه الدارقطني ( 522 ) .
قال ابن رجب : " و إبراهيم ضعفه جماعة ، و روايات داود عن عكرمة مناكير " .
قلت : لكن تابعه سعيد بن أبي أيوب عند الطبراني في " الكبير " ( 3 / 127 / 1 )
قال : حدثنا أحمد بن رشدين المصري أنبأنا روح بن صلاح أنبأنا سعيد بن أبي أيوب
عن داود بن الحصين به ، إلا أنه أوقفه على ابن عباس . لكن السند واه ، فإن روح
ابن صلاح ضعيف . و ابن رشدين كذبوه ، فلا تثبت المتابعة .
الثالثة : قال ابن أبي شيبة كما في " نصب الراية " ( 4 /384 ) : حدثنا معاوية
بن عمرو حدثنا زائدة عن سماك عن عكرمة به .
قلت : و هذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ، غير أن سماكا روايته عن عكرمة
خاصة مضطربة ، و قد تغير بآخره فكان ، ربما يلقن كما في " التقريب " .
و أما حديث عبادة بن الصامت ، فيرويه الفضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة
عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة مرفوعا به .
أخرجه ابن ماجه و عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " ( 5 / 326 ) .
قلت : و هذا سند ضعيف منقطع بين عبادة و حفيده إسحاق .
قال الحافظ : " أرسل عن عبادة ، و هو مجهول الحال " .
و أما حديث عائشة ، فله عنها طريقان :
الأولى : يرويها الواقدي : أنبأنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت
عن أبي الرجال عن عمرة عنها .
أخرجه الدارقطني ( 522 ) ، قال ابن رجب :
" و الواقدي متروك ، و شيخه مختلف في تضعيفه " .
الثانية : عن روح بن صلاح حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي سهيل عن القاسم ابن
محمد عنها ، و عن أبي بكر بن أبي سبرة عن نافع بن مالك أبي سهيل عن القاسم به .
أخرجه الطبراني في " المعجم الوسط " و قال :
" لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك " .
قلت : هو ثقة محتج به في " الصحيحين " ، لكن الطريقان إليه ضعيفان كما قال ابن
رجب ، ففي الأولى روح بن صلاح و هو ضعيف ، و في الأخرى أبو بكر بن أبي سبرة ،
و هو أشد ضعفا ، قال في " التقريب " : " رموه بالوضع " .
و أما حديث أبي هريرة ، فيرويه أبو بكر بن عياش قال : عن ابن عطاء عن أبيه عن
أبي هريرة مرفوعا .
أخرجه الدارقطني ، و أعله الزيلعي بأبي بكر هذا فقال :
" مختلف فيه " . و أعله ابن رجب بابن عطاء فقال :
" و هو يعقوب و هو ضعيف " .
و أما حديث جابر فيرويه حيان بن بشر القاضي قال : حدثنا حماد بن سلمة عن محمد
بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عنه .
رواه الطبراني في " الأوسط " ، و سكت عليه الزيلعي .
و قال ابن رجب : " هذا إسناد مقارب ، و هو غريب خرجه أبو داود في " المراسيل "
من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه
واسع مرسلا . و هذا أصح " .
قلت : و مداره على ابن إسحاق و هو مدلس و قد عنعنه ، و حيان بن بشر الذي في
الطريق الموصولة ، قال ابن معين : لا بأس به . و له ترجمة في " تاريخ بغداد "
( 8 / 285 ) ، و قد روي عن واسع بن حبان عن أبي لبابة عن النبي صلى الله عليه
وسلم .
رواه أبو داود في " المراسيل " ، كما نقله الزيلعي و لم يسق إسناده لننظر فيه .
و أما حديث ثعلبة فهو من رواية إسحاق بن إبراهيم مولى مزينة عن صفوان ابن سليم
عنه .
رواه الطبراني في " معجمه " كما في " الزيلعي " ( 4 / 385 ) و سكت عليه ،
و إسحاق بن إبراهيم هذا لم أعرفه ، و فات هذا الحديث الحافظ الهيثمي فلم يورده
في " المجمع " ( 4 / 110 ) و أورد فيه فقط حديث جابر و عائشة .
و بالجملة فهذه طرق كثيرة أشار إليها النووي في " أربعينه " ثم قال :
" يقوي بعضها بعضا " . و نحوه قول ابن الصلاح :
" مجموعها يقوي الحديث ، و يحسنه ، و قد تقبله جماهير أهل العلم و احتجوا به .
و قول أبي داود : إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف "
.


251 - " حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل و الغنم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 448 :

أخرجه الإمام أحمد ( 2 / 494 ) : حدثنا هشيم قال : أنبأنا عوف عن رجل حدثه عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسم ، و قال الهيثمي في " مجمع
الزوائد " ( 3 / 125 ) :
" رواه أحمد ، و فيه رجل لم يسم ، و بقية رجاله ثقات " .
قلت : و هكذا أخرجه البيهقي ( 6 / 155 ) من طريق أخرى عن هشيم به ثم قال :
" و قد كتبناه من حديث مسدد عن هشيم : أخبرنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبي
هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره . أخبرناه أبو الحسن المقري
... " .
ثم ساق السند إلى مسدد به . و مسدد ثقة من رجال البخاري ، لكن في السند إليه من
لم أعرفه . و لم يتعرض الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " ( 4 / 292 ) و كذا
الحافظ العسقلاني في " التلخيص " ( ص 256 ) لهذه الطريق . و الله أعلم .
و للحديث شاهد من رواية عبد الله بن مغفل مرفوعا بلفظ :
" من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته " .
أخرجه الدارمي ( 2 / 273 ) و ابن ماجه ( 2 / 96 ) من طريق إسماعيل بن مسلم
المكي عن الحسن عنه .
و هذا سند ضعيف و له علتان :
الأولى : عنعنة الحسن و هو البصري فقد كان مدلسا .
و الأخرى : ضعف إسماعيل بن مسلم المكي قال الحافظ في " التقريب " :
" كان فقيها ، ضعيف الحديث " . و قال في " التلخيص " ( 256 ) بعد أن عزاه لابن
ماجه وحده :
" و في سنده إسماعيل بن مسلم و هو ضعيف ، و قد أخرجه الطبراني من طريق أشعث عن
الحسن ، و في الباب عن أبي هريرة عند أحمد " .
قلت : فما دام أنه قد تابعه أشعث ، فإعلال الحديث بالعلة الأولى أولى كما لا
يخفى . و أشعث هذا واحد من أربعة ، كلهم يروون عن الحسن :
الأول : أشعث بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي .
الثاني : أشعث بن سوار الكندي .
الثالث : أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني .
الرابع : أشعث بن عبد الملك الحمراني .
و كل هؤلاء ثقات غير الثاني ففيه ضعف ، و لكن لا بأس به في المتابعات ، كما
يشير إلى ذلك ما حكاه البرقاني عن الدارقطني ، قال :
" قلت للدارقطني : أشعث عن الحسن ؟ قال : هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن :
الحمراني و هو ابن عبد الملك أبو هاني ثقة . و ابن عبد الله بن جابر الحداني
يعتبر به ، و ابن سوار ، يعتبر به و هو أضعفهم " .
قلت : و قد فاته الأول ، و هو ثقة أيضا كما قال ابن معين و غيره .
و بالجملة ، فهذا شاهد لا بأس به ، فالحديث به حسن عندي و الله أعلم . و قد ذهب
إلى العمل به أبو حنيفة و الشافعي كما في " سبل السلام " ( 3 / 78 - 79 ) .


252 - " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 /450 :

صحيح من حديث أبي هريرة مصرحا بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، و له
عنه طريقان :
الأولى : عن خلف بن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال :
" كنت خلف أبي هريرة و هو يتوضأ للصلاة ، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه ،
فقلت له : يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ؟ فقال : يا بني فروخ أنتم ها هنا ؟ ! لو
علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء ! سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول :
" فذكره .
أخرجه مسلم ( 1 / 151 ) و أبو عوانة ( 1 / 244 ) و النسائي ( 1 / 35 )
و البيهقي ( 1 / 56 ) و أحمد ( 2 / 371 ) عنه .
و خلف هذا فيه ضعف من قبل حفظه و كان اختلط ، لكنه قد توبع فرواه أبو عوانة من
طريق عبد الله بن إدريس قال : سمعت أبا مالك الأشجعي به بلفظ :
" قال : رأيته يتوضأ فيبلغ بالماء عضديه ، فقلت : ما هذا ؟ قال : و أنتم حولي
يا بني فروخ ؟ ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلية تبلغ مواضع
الطهور " .
و هذا إسناد صحيح لا غبار عليه .
و الطريق الأخرى عن يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال :
" دخلت على أبي هريرة فتوضأ إلى منكبيه ، و إلى ركبته ، فقلت له : ألا تكتفي
بما فرض الله عليك من هذا ؟ قال : بلى ، و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : مبلغ الحلية مبلغ الوضوء ، فأحببت أن يزيدني في حليتي " .
أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 40 ) : حدثنا ابن المبارك عن يحيى به .
و علقه عنه أبو عوانة في " صحيحه " ( 1 / 243 ) .
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله كلهم ثقات رجال " الصحيحين " غير يحيى هذا و هو
ثقة اتفاقا إلا رواية عن ابن معين ، و قال الحافظ : " لا بأس " به . و لا يضره
إن شاء الله تعالى أن خالفه غيره من الثقات فأوقفه ، لأن الرفع زيادة ، و هي من
ثقة فهي مقبولة ، لاسيما و يشهد لها الطريق الأولى ، فأخرج البخاري ( 10 / 317
) و ابن أبي شيبة ( 1 / 41 - 42 ) و أحمد ( 2 / 232 ) عن عمارة بن القعقاع عن
أبي زرعة قال :
" دخلت مع أبي هريرة دار مروان فدعا بوضوء فتوضأ ، فلما غسل ذراعيه جاوز
المرفقين ، فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى الساقين ، فقلت : ما هذا ؟ قال :
هذا مبلغ الحلية " .
و اللفظ لابن أبي شيبة . قال الشيخ إبراهيم الناجي متعقبا رواية مسلم الأولى
و قد أوردها المنذري في " الترغيب " :
" و هذه الرواية تدل على أن آخره ليس بمرفوع أيضا " .
قلت : يعني قوله : " تبلغ الحلية ... " . و قد عرفت الجواب عن هذا الإعلال أنفا
و غالب ظني أن الناجي لم يقف على المتابعة المذكورة لخلف عند أبي عوانة و لا
على هذه الطريق الأخرى الصحيحة أيضا ، و إلا لما قال ذلك .
على أنه قد بدى لي أن هذه الرواية و إن كانت موقوفة ظاهرا ، فهي في الحقيقة
مرفوعة ، لأن قوله : " هذا مبلغ الحلية " فيه إشارة قوية جدا إلى أن المخاطب
يعلم أن هناك حديثا مرفوعا بلفظ " مبلغ الحلية مبلغ الوضوء " كما هو مصرح به في
الطريق الثانية ، فاكتفى الراوي بذلك عن التصريح برفعه إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فتأمل .
و جملة القول : أن الحديث مرفوع من الطريقين ، و لا يعله الموقوف لأنه في حكم
المرفوع كما سبق بيانه .
إذا عرفت هذا ، فهل في الحديث ما يدل على استحباب إطالة الغرة و التحجيل ؟
و الذي نراه إذا لم نعتد برأي أبي هريرة رضي الله عنه - أنه لا يدل على ذلك ،
لأن قوله : " مبلغ الوضوء " من الواضح أنه أراد الوضوء الشرعي ، فإذا لم يثبت
في الشرع الإطالة ، لم يجز الزيادة عليه كما لا يخفى .
على أنه إن دل الحديث على ذلك ، فلن يدل على غسل العضد لأنه ليس من الغرة و لا
التحجيل ، و لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في " حادي الأرواح إلى بلاد
الأفراح " ( 1 / 315 - 316 ) :
" و قد احتج بهذا الحديث من يرى استحباب غسل العضد و إطالته ، و الصحيح أنه لا
يستحب ، و هو قول أهل المدينة ، و عن أحمد روايتان ، و الحديث لا يدل على
الإطالة فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد و المعصم ، لا في العضد و الكتف "
.
و اعلم أن هناك حديثا آخر يستدل به من يذهب إلى استحباب إطالة الغرة و التحجيل
و هو بلفظ :
" إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن
يطيل غرته فليفعل " .
و هو متفق عليه بين الشيخين ، لكن قوله : " فمن استطاع ... " مدرج من قول أبي
هريرة ليس من حديثه صلى الله عليه وسلم كما شهد بذلك جماعة من الحفاظ كالمنذري
و ابن تيمية و ابن القيم و العسقلاني و غيرهم و قد بينت ذلك بيانا شافيا في
" الأحاديث الضعيفة " فأغنى عن الإعادة ، و لو صحت هذه الجملة لكانت نصا على
استحباب إطالة الغرة و التحجيل لا على إطالة العضد . و الله ولى التوفيق .


253 - " من استعاذ بالله فأعيذوه ، و من سألكم بوجه الله فأعطوه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 453 :

أخرجه أبو داود ( 2 / 622 - الحلبية ) و أحمد ( رقم 2248 ) و الخطيب في
" تاريخه " ( 4 / 258 ) من طرق عن خالد بن الحارث حدثنا سعيد ( بن أبي عروبة )
عن قتادة عن أبي نهيك عن ابن عباس مرفوعا .
قلت : و هذا سند جيد إن شاء الله تعالى ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير
أبي نهيك و اسمه عثمان بن نهيك كما جزم الحافظ تبعا لابن أبي حاتم في " الجرح
و التعديل " ( 3 / 1 / 171 ) و ذكر أنه روى عنه جماعة من الثقات ، و لم يذكر
فيه جرحا و لا تعديلا ، و ذكره ابن حبان في " الثقات " . و قال ابن القطان : لا
يعرف . و تناقض فيه الحافظ فإنه في الأسماء قال : " مقبول " ، و في " الكنى "
قال : " ثقة " . و الظاهر أنه وسط حسن الحديث ، لأنه تابعي و قد روى عنه
الجماعة ، فهو حكم مستوري التابعين الذين يحتج بحديثهم ما لم يظهر خطؤهم فيه ،
و هذا الحديث من هذا القبيل ، بل قد وجدنا ما شهد لصحته ، و هو حديث عبد الله
ابن عمر رضي الله عنه و هو الحديث الآتي بعده .
( فائدة ) روى ابن أبي شيبة ( 4/68 ) بسند صحيح إلى ابن جريج عن عطاء أنه كره
أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا .


254 - " من استعاذكم بالله فأعيذوه ، و من سألكم بالله فأعطوه ، و من دعاكم فأجيبوه ،
( و من استجار بالله فأجيروه ) ، و من أتى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا
فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 454 :

أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 216 ) و أبو داود ( 1 / 389 ، 2 /
622 ) و النسائي ( 1 / 358 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( رقم 2071 ) و الحاكم
( 1 / 412 ) و البيهقي ( 4 / 199 ) و أحمد ( 2 / 68 ، 99 ) و أبو نعيم في "
الحلية " ( 9 / 56 ) من طرق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا .
و الزيادة لأحمد في رواية ، و هي عند النسائي بديل التي قبلها .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي ، و هو كما قالا .
و تابعه ليث عن مجاهد به دون الجملة الأولى و الرابعة .
أخرجه أحمد ( 2 / 95 - 96 ) ، و لابن أبي شيبة ( 4 / 68 ) الجملة الثانية فقط ،
و ليث هو ابن أبي سليم و هو ضعيف .
و قد خالف الجماعة أبو بكر بن عياش فقال : عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره دون الجملة الرابعة و ما بعدها
و جعله من مسند أبي هريرة و من رواية أبي حازم عنه .
أخرجه أحمد ( 2 / 512 ) و الحاكم ( 1 / 413 ) و قال :
" إسناد صحيح ، فقد صح عند الأعمش الإسنادان جميعا على شرط الشيخين ، و نحن على
أصلنا في قبول الزيادات من الثقات في الأسانيد و المتون " . و وافقه الذهبي ،
و في ذلك نظر عندي من وجهين :
الأول : أن أبا بكر بن عياش لم يخرج له مسلم شيئا ، و إنما البخاري فقط .
الآخر : أن أبا بكر فيه ضعف من قبل حفظه و إن كان ثقة في نفسه فلا يحتج به فيما
خالف الثقات . قال الذهبي نفسه في " الميزان " من ترجمته :
" صدوق ، ثبت في القراءة ، لكنه في الحديث يغلط و يهم " .
و قال الحافظ في " التقريب " :
" ثقة عابد ، إلا أنه لما كبر ساء حفظه ، و كتابه صحيح " .


255 - " ألا أخبركم بخير الناس منزلة ؟ قلنا : بلى ، قال : رجل ممسك برأس فرسه
- أو قال : فرس - في سبيل الله حتى يموت أو يقتل ، قال : فأخبركم بالذي يليه ؟
فقلنا : نعم يا رسول الله قال : امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة ، و يؤتي الزكاة
و يعتزل الناس ، قال : فأخبركم بشر الناس منزلة ؟ قلنا : نعم يا رسول الله قال
: الذي يسأل بالله العظيم ، و لا يعطي به " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 456 :

أخرجه النسائي ( 1 / 358 ) و الدارمي ( 2 / 201 - 202 ) و ابن حبان في " صحيحه
" ( 1593 ) و أحمد ( 1 / 237 ، 319 ، 322 ) و الطبراني في " المعجم الكبير "
( 3 / 97 / 1 ) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل ابن عبد
الرحمن بن ذؤيب عن عطاء بن يسار عن ابن عباس .
" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم و هم جلوس فقال ... " فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات .
و أخرجه الترمذي ( 3 / 14 ) من طريق ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن عطاء بن
يسار به نحوه باختصار ألفاظ ، و قال :
" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، و يروى من غير وجه عن ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم " .
قلت : و ابن لهيعة سيء الحفظ ، لكنه قد توبع ، فأخرجه ابن حبان ( 1594 )
و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 97 / 1 ) عن عمرو بن الحارث أن بكرا حدثه به ،
فصح بهذا الإسناد أيضا عن عطاء .
( فائدة ) في الحديث تحريم سؤال شيء من أمور الدنيا بوجه الله تعالى ، و تحريم
عدم إعطاء من سأل به تعالى . قال السندي في حاشيته على النسائي :
" ( الذي يسأل بالله ) على بناء الفاعل ، أي الذي يجمع بين القبحتين أحدهما
السؤال بالله ، و الثاني عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى ، فما يراعي حرمة اسمه
تعالى في الوقتين جميعا . و أما جعله مبنيا للمفعول فبعيد إذ لا صنع للعبد في
أن يسأله السائل بالله ، فلا وجه للجمع بينه و بين ترك الإعطاء في هذا المحل "
.
قلت : و مما يدل على تحريم عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى حديث ابن عمر و ابن
عباس المتقدمين : " و من سألكم بالله فأعطوه " .
و يدل على تحريم السؤال به تعالى حديث : " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " .
و لكنه ضعيف الإسناد كما بينه المنذري و غيره ، و لكن النظر الصحيح يشهد له ،
فإنه إذا ثبت وجوب الإعطاء لمن سأل به تعالى كما تقدم ، فسؤال السائل به ، قد
يعرض المسؤول للوقوع في المخالفة و هي عدم إعطائه إياه ما سأل و هو حرام ، و ما
أدى إلى محرم فهو محرم ، فتأمل . و قد تقدم قريبا عن عطاء أنه كره أن يسأل بوجه
الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا .
و وجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادرا على الإعطاء و لا يلحقه ضرر به
أو بأهله ، و إلا فلا يجب عليه . و الله أعلم .


256 - " من أخذ على تعليم القرآن قوسا ، قلده الله قوسا من نار يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 457 :

رواه أبو محمد المخلدي في " الفوائد " ( ق 268 / 1 ) : حدثنا أحمد بن منصور
الرمادي ، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر
المخزومي الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن
إسماعيل بن عبيد الله قال : قال لي عبد الملك بن مروان : يا إسماعيل علم ولدي ،
فإني معطيك أو مثيبك ، قال إسماعيل : يا أمير المؤمنين ! و كيف بذلك و قد
حدثتني أم الدرداء عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
فذكره . قال عبد الملك : يا إسماعيل لست أعطيك أو أثيبك على القرآن ، إنما
أعطيك أو أثيبك على النحو .
و أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 2 / 427 / 2 ) من طريق أخرى عن أحمد بن
منصور الرمادي به .
و أخرجه البيهقي في " سننه " ( 6 / 126 ) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا
عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل به .
ثم روى البيهقي عن عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم قال :
" حديث أبي الدرداء هذا ليس له أصل " .
قلت : كذا قال ، و قد رده ابن التركماني بقوله : " قلت : أخرجه البيهقي هنا
بسند جيد فلا أدري ما وجه ضعفه و كونه لا أصل له " .
قلت : و هذا رد قوي ، و يؤيده قول الحافظ في " التلخيص " ( 333 ) :
" رواه الدارمي بسند على شرط مسلم ، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى ابن إسماعيل
لم يخرج له مسلم ، و قال فيه أبو حاتم : ما به بأس " .
ثم ذكر قول دحيم .
قلت : و لم يتفرد به عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل ، بل تابعه إبراهيم ابن
يحيى بن إسماعيل أخوه ، أخرجه ابن عساكر في ترجمته ( 2 / 284 / 2 ) و لم يذكر
فيه جرحا و لا تعديلا .
ثم أخرجه ابن عساكر من طريق هشام بن عمار أنبأنا عمرو بن واقد أنبأنا إسماعيل
ابن عبيد الله به .
قلت : فهذه طريق أخرى عن إسماعيل ، و لكنها واهية ، فإن عمرو بن واقد متروك كما
في " التقريب " ، فالاعتماد على الطريق الأول ، و قد علمت أن ابن التركماني جود
إسناده ، و أشار إلى ذلك الحافظ ، و هو حري بذلك لولا أن فيه علتين :
الأولى : أن سعيد بن عبد العزيز و إن كان على شرط مسلم فقد اختلط في آخر عمره
كما في " التقريب " ، و لا ندري أحدث بهذا قبل الاختلاط أم بعده .

الثانية : أن الوليد بن مسلم و إن كان من رجال الشيخين ، فإنه كثير التدليس
و التسوية ، فيخشى أن يكون أسقط رجلا بين سعيد و إسماعيل و عليه فيحتمل أن يكون
المسقط ضعيفا ، مثل عمرو بن واقد أو غيره ، و لعل هذا هو وجه قول دحيم في هذا
الحديث " ليس له أصل " . غير أن له شاهدا يدل على أن له أصلا أصيلا ، و هو من
حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، و له طريقان :
الأولى : عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة عنه قال :
" علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب و القرآن ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا ، فقلت :
ليست بمال ، و أرمي عنها في سبيل الله عز و جل ، لآتين رسول الله صلى الله عليه
وسلم فلأسألنه ، فأتيته فقلت : يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه
الكتاب و القرآن ، و ليست بمال ، و أرمي عنها في سبيل الله ؟ قال : إن كنت تحب
أن تطوق طوقا من نار فاقبلها " .
أخرجه أبو داود ( 2 / 237 - الحلبي ) و ابن ماجه ( 2 / 8 ) و الطحاوي
( 2 / 10 ) و أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ( 2 / 82 ) و الحاكم ( 2 / 41 )
و البيهقي ( 6 / 125 ) و أحمد ( 5 / 315 ) .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " .
و قال الذهبي : " قلت : مغيرة صالح الحديث ، و قد تركه ابن حبان " .
و قال البيهقي عن ابن المديني :
" إسناده كله معروف إلا الأسود بن ثعلبة ، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث " .
كذا قال ، و له أحاديث أخرى ثلاثة أشار إليهما ابن التركماني و ابن حجر ،
و انصرفا بذلك عن بيان حال الأسود هذا و هو مجهول كما في " التقريب " .
و قال في " الميزان " : " لا يعرف " ، لكنه لم يتفرد به ، فقال بقية : حدثني
بشر ابن عبد الله بن يسار : و حدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن
عبادة ابن الصامت نحو هذا الخبر و الأول أتم : فقلت : ما ترى فيها يا رسول الله
! فقال :
جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقها .
أخرجه أبو داود و عنه البيهقي و قال :
" هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى " .
يعني أن المغيرة بن زياد سمى شيخ ابن نسي الأسود بن ثعلبة ، و بشر بن عبد الله
بن يسار سماه جنادة بن أبي أمية ، و ليس هذا في نقدي اختلافا ، لاحتمال أن يكون
لابن نسي فيه شيخان ، فكان يرويه تارة عن هذا ، و تارة عن هذا ، فروى كل من
المغيرة و بشر ما سمع منه ، و كأنه لما ذكرنا لم يعله ابن حزم بالاختلاف
المذكور ، بل أعل الطريق الأولى بجهالة الأسود ، و أعل الأخرى بقوله : " بقية
ضعيف " .
قلت : و المتقرر في بقية أنه صدوق فهو حسن الحديث إلا إذا عنعن فلا يحتج به
حينئذ ، و في هذا الحديث قد صرح بالتحديث فأمنا بذلك تدليسه ، على أنه لم يتفرد
به ، فقال الإمام أحمد ( 5 / 324 ) : حدثنا أبو المغيرة حدثنا بشر بن عبد الله
يعني ابن يسار به . و من هذا الوجه أخرجه الحاكم ( 3 / 356 ) أيضا و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا إن شاء الله تعالى فإن رجاله كلهم ثقات معروفون غير بشر
هذا ، و قد روى عنه جماعة و وثقه ابن حبان ، و قال الحافظ فيه : " صدوق " .
( تنبيه ) عزى الحافظ في " التلخيص " ( ص 333 ) هذا الحديث للدارمي و تبعه على
ذلك الشوكاني في " نيل الأوطار " ( 5 / 243 ) ، و من المصطلح عليه عند أهل
العلم أن الدارمي إذا أطلق فإنما يراد به الإمام عبد الله بن عبد الرحمن صاحب
كتاب " السنن " المعروف بـ " المسند " ، و عليه فإني أخذت أبحث عنه فيه ، و لكن
عبثا ، و كان ذلك قبل أن أقف على سند الحديث في سنن البيهقي ، و حينذاك تبين لي
أنه ليس هو المراد ، و إنما هو عثمان بن سعيد الدارمي الذي من طريقه رواه
البيهقي ، فرأيت التنبيه على ذلك .
و أيضا فقد وقع من الشوكاني ما هو أبعد عن الصواب ، و ذلك أنه قال : إن إسناد
الدارمي على شرط مسلم . و لم يذكر الاستثناء الذي تقدم على الحافظ !
ثم إن للحديث شاهد آخر من حديث أبي بن كعب ، و لكن سنده ضعيف ، و قد تكلمت عليه
في " الإرواء " ( 1488 ) ، و فيما تقدم كفاية .


257 - " من قرأ القرآن فليسأل الله به ، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القران يسألون
به الناس " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 461 :

أخرجه الترمذي ( 4 / 55 ) و أحمد ( 4 / 432 - 433 و 439 ) عن سفيان عن الأعمش
عن خيثمة عن الحسن عن عمران بن حصين أنه مر على قارىء يقرأ ، ثم سأل ،
فاسترجع ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
و قال الترمذي :
" و قال محمود ( يعني شيخه ابن غيلان ) : هذا خيثمة البصري الذي روى عنه جابر
الجعفي ، و ليس هو خيثمة بن عبد الرحمن ، هذا حديث حسن ، و خيثمة هذا شيخ بصري
يكنى أبا نصر " .
قلت : قال فيه ابن معين : ليس بشيء . و أما ابن حبان فذكره في " الثقات " ،
و قال الحافظ : " لين الحديث " .
قلت : و الحسن هو البصري و هو مدلس و قد عنعنه ، لكن أخرجه أحمد ( 4 / 436 ) من
طريق شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثمة عن الحسن قال :
" كنت أمشي مع عمران بن حصين ، أحدنا آخذ بيد صاحبه ، فمررنا بسائل يقرأ القرآن
... " الحديث نحوه .
قلت : و شريك هذا هو القاضي ، و هو سييء الحفظ فلا يحتج به ، لاسيما مع
مخالفته لرواية سفيان . و إنما حسن الترمذي هذا الحديث مع ضعف إسناده لما له
من الشواهد الكثيرة ، و ذلك اصطلاح منه نص عليه في " العلل " التي في آخر
" السنن " فقال ( 4 / 400 ) :
" و ما ذكرنا في هذا الكتاب " حديث حسن " ، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا كل
حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ، و لا يكون الحديث شاذا ، و يروى
من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حديث حسن " .
و من الغرائب أن يخفى قول الترمذي هذا على الحافظ ابن كثير ، فإنه لما ذكره في
" اختصار علوم الحديث " عن ابن الصلاح تعقبه بقوله ( ص 40 ) :
" و هذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله ، ففي أي كتاب له قاله ؟ ! " .
فقد عرفت في أي كتاب له قاله ، فسبحان من لا تخفى عليه خافية .
ثم إن الحديث نقل الشوكاني ( 5 / 243 ) عن الترمذي أنه قال بعد إخراجه :
" هذا حديث حسن ، ليس إسناده بذاك " .
و ليس في نسختنا منه هذا : ليس إسناده بذاك . و الله أعلم . ثم رأيتها في نسخة
بولاق من " السنن " ( 2 / 151 ) .
أما شواهد الحديث ، فهي عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة و هاك بعضها :
" تعلموا القرآن ، و سلوا الله به الجنة ، قبل أن يتعلمه قوم ، يسألون به
الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة : رجل يباهي به ، و رجل يستأكل به ، و رجل
يقرأه لله " .


258 - " تعلموا القرآن ، و سلوا الله به الجنة ، قبل أن يتعلمه قوم ، يسألون به
الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة : رجل يباهي به ، و رجل يستأكل به ، و رجل
يقرأه لله " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 463 :

رواه ابن نصر في " قيام الليل " ( ص 74 ) عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي
الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره
.
قلت : و هذا سند ضعيف ، من أجل ابن لهيعة ، فإنه سييء الحفظ ، لكنه لم يتفرد به
كما يأتي فالحديث جيد . و أبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو العتواري المصري .
و الحديث عزاه الحافظ في " الفتح " ( 9 / 82 ) لأبي عبيد في " فضائل القرآن "
عن أبي سعيد و صححه الحاكم ، و أقره الحافظ عليه ، و لم أجده الآن في
" المستدرك " ، و لعله من غير طريق ابن لهيعة .
و له طريق أخرى عند البخاري في " خلق أفعال العباد " ( ص 96 ) و الحاكم
( 4 / 547 ) و أحمد ( 3 / 38 - 39 ) و ابن أبي حاتم كما " في تفسير ابن كثير "
( 3 / 128 ) عن بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه
سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" يخلف قوم من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ،
ثم يكون قوم يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ، و يقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن
و منافق و فاجر قال بشير : فقلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال : المنافق
كافر به ، و الفاجر يتأكل به ، و المؤمن يؤمن به " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي .
قلت : و رجاله ثقات غير أن الوليد هذا لم يوثقه غير ابن حبان و العجلي ، لكن
روى عنه جماعة ، و قال الحافظ في " التقريب " : " مقبول " ، فحديثه يحتمل
التحسين ، و هو على كل حال شاهد صالح .
و للحديث شواهد أخرى تؤيد صحته عن جماعة من الصحابة لابد من ذكرها إن شاء الله
تعالى .


259 - " اقرءوا فكل حسن ، و سيجىء أقوام يقيمونه كما يقام القدح ، يتعجلونه ، و لا
يتأجلونه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 464 :
أخرجه أبو داود ( 1 / 132 - الطبعة التازية ) : حدثنا وهب بن بقية ، أخبرنا
خالد عن حميد الأعرج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال :
" خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و نحن نقرأ القرآن ، و فينا
الأعرابي و العجمي ، فقال " فذكره . و أخرجه أحمد ( 3 / 397 ) : حدثنا خلف
بن الوليد حدثنا خالد به . و وقع فيه خالد بن حميد الأعرج . و هو تصحيف .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، غير وهب ابن بقية فمن
رجال مسلم وحده ، و تابعه خلف بن الوليد و لا بأس به في " المتابعات " .
و تابعه أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن المنكدر به .
أخرجه أحمد ( 3 / 357 ) و إسناده حسن .
و له شاهد من حديث سهل بن سعد الساعدي قال :
" خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم و نحن نقترئ ، فقال : " الحمد لله
كتاب الله واحد ، و فيكم الأحمر ، و فيكم الأبيض ، و فيكم الأسود ، اقرؤوه .. "
الحديث .
أخرجه أبو داود و ابن حبان في " صحيحه " ( رقم 1876 ) عن عمرو بن الحارث ( زاد
الأول منهما : و ابن لهيعة ) عن بكر بن سوادة عن وفاء بن شريح الصدفي عن سهل بن
سعد به إلا أنه قال : " يتعجل أجره ، و لا يتأجله " .
قلت : و رجاله ثقات رجال مسلم باستثناء ابن لهيعة - غير وفاء هذا ، فلم يوثقه
غير ابن حبان ، و لم يرو عنه سوى بكر هذا ، و زياد بن نعيم ، و لهذا قال الحافظ
فيه " مقبول " و لم يوثقه .
و رواية ابن لهيعة ، قد أخرجها الإمام في " المسند " ( 3 / 146 ، 155 ) من
طريقين عنه به إلا أنه جعله من مسند أنس بن مالك ، لا من مسند سهل ، و لعل ذلك
من أوهامه ، فإنه معروف بسوء الحفظ ، و قال في رواية " عن وفاء الخولاني " و في
الأخرى " عن أبي حمزة الخولاني " . فإن كان حفظه ، فهذه فائدة عزيزة لا توجد في
التراجم ، فقد نسبه خولانيا و كناه بأبي حمزة ، و هذا مما لم يذكر في ترجمته من
" التهذيب " و غيره . نعم أورده ابن أبي حاتم في " الكنى " فقال :
( 4 / 2 / 361 ) :
" أبو حمزة الخولاني ، سمع جابرا . روى عنه بكر بن سوادة . قال أبو زرعة : هه
مصري لا يعرف اسمه " .
و أورده في " الأسماء " فقال ( 4 / 2 / 49 ) :
" و فاء ( في الأصل : و قاء بالقاف ) بن شريح الصدفي ، روى عن سهل ابن سعد
و رويفع بن ثابت ، روى عنه زياد بن نعم و بكر بن سوادة " .
قلت : و الظاهر أنهما واحد إذا صحت رواية ابن لهيعة . و الله أعلم .


260 - " اقرءوا القرآن ، و لا تأكلوا به ، و لا تستكثروا به ، و لا تجفوا عنه ، و لا
تغلوا فيه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 465 :

أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 10 ) و أحمد ( 3 / 428 ، 444 )
و الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 142 / 2 ، 170 / 2 - من " زوائد المعجمين " )
و ابن عساكر ( 9 / 486 / 2 ) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن ( و في رواية :
حدثنا ) زيد بن سلام عن أبي سلام ( و لم يقل الطبراني : عن أبي سلام ) عن أبي
راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أن معاوية قال له : إذا أتيت
فسطاطي فقم فأخبر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره و السياق لأحمد ، و رواه الطبراني في
" الكبير " أيضا كما في " المجمع " ( 4 / 73 ) : و قال :
" و رجاله ثقات " .
قلت : و هو كما قال ، بل هو إسناده صحيح ، رجاله كلهم رجال مسلم غير أبي راشد
الحبراني بضم المهملة و سكون الموحدة ، و هو ثقة ، روى عنه جماعة من الثقات ،
و قد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي الصحابة .
و قال العجلي : " تابعي ثقة ، لم يكن في زمانه بدمشق أفضل منه " .
و ذكره ابن حبان في " الثقات " . و قال الحافظ في " التقريب " :
" قيل اسمه أخضر ، و قيل النعمان ، ثقة من الثالثة " .
قلت : فلا يقبل بعد هذا قول ابن حزم فيه ( 8 / 196 ) : " و هو مجهول " و أعل
الحديث به ، فإنه لا سلف له في ذلك ، و قد وثقه هؤلاء الأئمة .
و لهذا قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 82 ) بعد أن عزاه لأحمد و أبي يعلى :
" و سنده قوي " .


261 - " هذا وضوئي و وضوء الأنبياء قبلي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 466 :

رواه ابن شاهين في " الترغيب " ( 262 / 1 - 2 ) عن محمد بن مصفى أنبأنا ابن
أبي فديك قال : حدثني طلحة بن يحيى عن أنس بن مالك قال :
" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء ، فغسل وجهه مرة و يديه مرة ،
و رجليه مرة مرة و قال : هذا وضوء لا يقبل الله عز و جل الصلاة إلا به ، ثم
دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين ، و قال : هذا وضوء من توضأ ضاعف الله له الأجر
مرتين ثم دعا بوضوء فتوضأ ثلاثا و قال : هكذا وضوء نبيكم صلى الله عليه وسلم
و النبيين قبله ، أو قال : هذا ... " فذكره .
قلت : و هذا إسناد رجاله ثقات ، و في بعضهم خلاف ، و لكنه منقطع ، فإن طلحة
بن يحيى و هو ابن النعمان بن أبي عياش الزرقي لم يذكروا له رواية عن أحد من
الصحابة ، بل و لا عن التابعين .
و الحديث ذكره الحافظ في " التلخيص " ( ص 30 ) من رواية ابن السكن في " صحيحه "
عن أنس به . و سكت عليه ، و ليس بجيد ، إذا كان عنده من هذا الوجه المنقطع .
لكن للحديث شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن إن لم نقل الصحة ، و هي
من حديث ابن عمر ، و له عنه طريقان ، و من حديث أبي بن كعب و زيد ابن ثابت
و أبي هريرة و عبيد الله بن عكراش عن أبيه . و قد خرجتها في إرواء الغليل "
( رقم 85 ) فلا داعي للإعادة ، و قد أشار الصنعاني في " سبل السلام " ( 1 / 73
- طبع المكتبة التجارية ) إلى تقوية الحديث بقوله :
" و له طرق يشد بعضها بعضا " .
و قد ذكره من حديث ابن عمر ، و زيد بن ثابت و أبي هريرة فقط ! و ساقه بلفظ :
" توضأ صلى الله عليه وسلم على الولاء ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة
إلا به " .
فقوله " على الولاء " مما لا أصل له في شيء من الطرق التي ذكرها ، و لا فيما
زدنا عليه من الطرق الأخرى ! و مثله قول الشيخ إبراهيم بن ضويان في " منار
السبيل " ( 1 / 25 ) " توضأ صلى الله عليه وسلم مرتبا و قال ... " ! و الحديث
مع أنه لم يذكر فيه الترتيب صراحة فلا يؤخذ ذلك من قوله فيه " فغسل وجهه مرة ،
و يديه مرة و رجليه مرة ، و قال هذا .. " لما اشتهر أن الواو لمطلق الجمع فلا
تفيد الترتيب ، لاسيما و الأحاديث الأخرى التي أشرنا إليها لم يذكر فيها أعضاء
الوضوء ، بل جاءت مختصرة بلفظ " توضأ مرة مرة ، ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله
الصلاة إلا به " .
و من الواضح ، أن الإشارة بـ ( هذا ) هنا إنما هو إلى الوضوء مرة مرة كما أن
الإشارة بذلك في الفقرتين الأخريين إنما هو للوضوء مرتين مرتين و الوضوء ثلاثا
ثلاثا . فلا دلالة في الحديث على الموالاة ، و لا على الترتيب و الله أعلم .
و ليس هناك ما يدل على وجوب الترتيب .
و قول ابن القيم في " الزاد " ( 1 / 69 ) :
" و كان وضوؤه صلى الله عليه وسلم مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة البتة "
غير مسلم في الترتيب ، لحديث المقدام بن معدي كرب قال :
" أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ ، فغسل كفيه ثلاثا ، ثم غسل
وجهه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ، ثم مضمض و استنشق ثلاثا ، و مسح برأسه
و أذنيه ظاهرهما و باطنهما ، و غسل رجليه ثلاثا ثلاثا " .
رواه أحمد ( 4 / 132 ) و عنه أبو داود ( 1 / 19 ) بإسناد صحيح .
و قال الشوكاني ( 1 / 125 ) :
" إسناده صالح ، و قد أخرجه الضياء في " المختارة " .
فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يلتزم الترتيب في بعض المرات ، فذلك
دليل على أن الترتيب غير واجب ، و محافظته عليه في غالب أحواله دليل على سنيته
و الله أعلم .


262 - " كان إذا أصبح قال : اللهم بك أصبحنا و بك أمسينا و بك نحيا و بك نموت و إليك
النشور و إذا أمسى قال : اللهم بك أمسينا و بك أصبحنا و بك نحيا و بك نموت
و إليك المصير " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 468 :

أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 1199 ) : حدثنا معلى قال : حدثنا وهيب
قال : حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : فذكره مرفوعا .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، و معلى هو ابن منصور الرازي
احتج به البخاري أيضا في " صحيحه " ، و قد توبع فقال أبو داود ( 2 / 611 - طبع
الحلبي ) حدثنا موسى بن إسماعيل : حدثنا وهيب به ، إلا أنه قال : " و إليك
النشور " في دعاء المساء أيضا . و رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 2354 ) من طريق
عبد الأعلى بن حماد حدثنا وهيب به . إلا أنه قال : " و إليك المصير و إليك
النشور " جمعهما معا في دعاء الصباح ! و لعله سهو من بعض النساخ .
و تابعه حماد و هو ابن سلمة : أخبرني سهيل به ، دون دعاء المساء و قال :
" و إليك المصير " بدل " و إليك النشور " .
أخرجه أحمد ( 2 / 354 - 522 ) .
و رواه آخران عن سهيل به من قوله صلى الله عليه وسلم و أمره ، و هو الحديث
الآتي بعده :
" إذا أصبحتم فقولوا : اللهم بك أصبحنا ، و بك أمسينا ، و بك نحيا ، و بك نموت
( و إليك النشور ) ، و إذا أمسيتم فقولوا : اللهم بك أمسينا ، و بك أصبحنا ،
و بك نحيا ، و بك نموت ، و إليك المصير " .


263 - " إذا أصبحتم فقولوا : اللهم بك أصبحنا و بك أمسينا و بك نحيا و بك نموت
( و إليك النشور ) و إذا أمسيتم فقولوا : اللهم بك أمسينا و بك أصبحنا
و بك نحيا و بك نموت و إليك المصير " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 469 :

أخرجه ابن ماجه ( 2 / 440 ) : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا عبد العزيز
ابن أبي حازم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند جيد ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير يعقوب بن حميد .
قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق ربما وهم " .
قلت : و قد توبع على الشطر الأول منه . فقال ابن السني في " عمل اليوم
و الليلة " ( رقم 33 ) : أخبرنا أبو محمد بن صاعد ، حدثنا محمد بن زنبور حدثنا
عبد العزيز بن أبي حازم به . و فيه الزيادة التي بين القوسين .
قلت : و محمد بن زنبور صدوق له أوهام كما قال الحافظ ، فمتابعته قوية .
و لم يتفرد به عبد العزيز بن أبي حازم ، بل تابعه عبد الله بن جعفر أنبأنا سهيل
ابن أبي صالح به ، و فيه الزيادة .
أخرجه الترمذي في " سننه " ( 4 / 229 - بشرح التحفة ) و قال :
" هذا حديث حسن " .
قلت : و هو كما قال : و يعني أنه حسن لغيره كما نص عليه في آخر كتابه و ذلك لأن
عبد الله بن جعفر هذا هو أبو جعفر المدني والد علي بن المديني - و هو ضعيف ،
و لكن يتقوى حديثه بمتابعة عبد العزيز بن أبي حازم إياه و هو ثقة محتج به في
" الصحيحين " ، فلو قال الترمذي : " حديث صحيح " لكان أقرب إلى الصواب .
و قد رأيت ابن تيمية قد نقل عنه أنه قال : " حديث حسن صحيح " .
و هذا هو الأولى به ، و لكني لم أجد ذلك في نسختنا المشار إليها من الترمذي .
و الله أعلم .


264 - " إذا أويت إلى فراشك فقل : أعوذ بكلمات الله التامة ، من غضبه و عقابه ، و من
شر عباده ، و من همزات الشياطين ، و أن يحضرون " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 470 :

أخرجه ابن السني ( رقم 238 ) من طريق أبي هشام الرفاعي حدثنا وكيع بن الجراح
حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال :
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه أهاويل يراها في المنام
فقال " فذكره .

قلت : و هذا سند رجاله ثقات غير أبي هشام هذا و اسمه محمد بن محمد بن يزيد
الرفاعي العجلي قال الذهبي في " الضعفاء " :
" قال البخاري : رأيتهم مجمعين على ضعفه " .
و اتهمه عثمان ابن أبي شيبة بأنه يسرق حديث غيره فيرويه على وجه الكذب ،
انظر " التهذيب " .
و إذا كان كذلك ، فلعل أصل الحديث ما رواه مسدد : حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب
بن موسى عن محمد بن محمد بن يحيى بن حبان .
" أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يؤرق ، أو أصابه أرق فشكا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فأمره أن يتعوذ عند منامه بكلمات الله التامة ... " الحديث .
أخرجه ابن السني أيضا ( رقم 736 ) ، و رجاله ثقات غير شيخه علي بن محمد ابن
عامر فلم أعرفه .
لكن يشهد له حديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع :
بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة ... " الحديث بالحرف الواحد ، و زاد :
" قال : فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ،
و من كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه " .
أخرجه أبو داود ( 2 / 239 ) و الحاكم ( 1 / 548 ) و أحمد ( 2 / 181 ) و اللفظ
له من طرق صحيحه عن ابن إسحاق به . و رواه الترمذي ( 4 / 266 ) من طريق إسماعيل
بن عياش عن محمد بن إسحاق به ، بلفظ :
" إذا فزع أحدكم في النوم فليقل : أعوذ بكلمات الله التامة . الحديث بتمامه مع
الزيادة . و كذا أخرجه ابن السني ( 745 ) من طريق يونس بن بكير عن محمد بن
إسحاق به . ثم قال الترمذي : " هذا حديث حسن غريب " .
قلت : لكن ابن إسحاق مدلس و قد عنعنه في جميع الطرق عنه ، و هذه الزيادة منكرة
عندي ، لتفرده بها . و الله أعلم .
و جملة القول : أن الحديث بهذا الشاهد حسن و قد علقه البخاري في " أفعال
العباد " ( ص 88 طبع الهند ) : قال أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق به مثل
لفظ ابن عياش .


265 - " كان إذا رأى ما يحب قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و إذا رأى ما
يكرهه قال : الحمد لله على كل حال " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 472 :

أخرجه ابن ماجه ( 2 / 422 ) و ابن السني ( رقم 372 ) و الحاكم ( 1 / 499 ) من
طريق الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية
بنت شيبة عن عائشة قالت : فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " .
و أقره الذهبي فلم يتعقبه بشيء ، و في ذلك نظر ، لأن زهير بن محمد هذا و هو
التميمي الخراساني ثم الشامي متكلم فيه .
فقال الحافظ في " التقريب " :
" رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها ، قال البخاري عن أحمد : كأن
زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر ! و قال أبو حاتم : حدث بالشام من حفظه فكثر
غلطه " .
قلت : و هذا من رواية الشاميين عنه و هو الوليد بن مسلم ، ثم إن هذا كان يدلس
تدليس التسوية ، و لم يصرح بالتحديث في بقية رجال السند ، فهذه علة أخرى .
و من ذلك تعلم خطأ تصحيح الحاكم إياه و مثله قول البوصيري في " الزوائد " :
" إسناده صحيح و رجاله ثقات " ! و مثله قول النووي في " الأذكار " و إن أقره
شارحه ابن علان ( 6 / 271 ) :
" رواه ابن ماجه و ابن السني بإسناد جيد " !
كل ذلك ذهول عما بيناه من علة الحديث من هذا الوجه .
نعم وجدت للحديث شاهدا من رواية أبي هريرة بلفظ :
" كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمدان يعرفان : إذا جاءه ما يكره قال :
الحمد لله على كل حال ، و إذا جاءه ما يسره قال : الحمد لله رب العالمين الرحمن
الرحيم ، بنعمته تتم الصالحات " .
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 3 / 157 ) من طريق الفضل الرقاشي عن محمد بن
المنكدر عن أبي هريرة . و قال :
" غريب من حديث محمد ، و الفضل الرقاشي ، لم نكتبه إلا من هذا الوجه " .
قلت : و هو ضعيف من أجل الرقاشي هذا ، و هو الفضل بن عيسى فإنه متفق على تضعيفه
و قال الحافظ في " التقريب " : " منكر الحديث " .
و قد رواه ابن ماجه ( 2 / 423 ) من طريق أخرى عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت
عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا بلفظ .
" كان يقول : الحمد لله على كل حال ، رب أعوذ بك من حال أهل النار " .
و هذا ضعيف أيضا ، قال في " الزوائد " :
" موسى بن عبيدة ضعيف ، و شيخه محمد بن ثابت مجهول " .
قلت : و قد اختلط بعض هذا الحديث من هذه الطريق بحديث عائشة في " الجامع الصغير
" للسيوطي ، فإنه أورد حديث عائشة فيه من رواية ابن ماجه بزيادة في آخره و هي
" رب أعوذ بك من حال أهل النار " ! و تبعه على ذلك بعض المعلقين على كتاب
" الكلم الطيب " لابن تيمية ! و السبب في ذلك أن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه
عقب حديث عائشة ، فاختلط على السيوطي حديث بحديث ، فوجب التنبيه على ذلك .
بقي شيء واحد ، و هو هل يصلح حديث الرقاشي شاهدا لهذا الحديث ؟ ذلك مما أنا
متوقف فيه الآن ، و يخيل إلي أن للحديث شاهدا أو طريقا آخر و لكن لم يحضرني
الساعة ، فنظرة إلى ميسرة .


266 - " اللهم اكفني بحلالك عن حرامك ، و أغنني بفضلك عمن سواك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 474 :

أخرجه الترمذي ( 4 / 276 ) و الحاكم ( 1 / 538 ) و أحمد ( 1 / 153 ) عن عبد
الرحمن بن إسحاق القرشي عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل قال :
" أتى عليا رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني عجزت عن مكاتبتي فأعني ، فقال
علي رضي الله عنه : ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو
كان عليك مثل جبل صير دنانير لأداه الله عنك ؟ قلت : بلى ، قال : قل " فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن غريب " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و الصواب أنه حسن الإسناد ، كما قال الترمذي ، فإن عبد الرحمن بن إسحاق
هذا و هو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري القرشي
مولاهم مختلف فيه ، و قد وثقه ابن معين و البخاري .
و قال أحمد : " صالح الحديث " .
و قال أبو حاتم : " يكتب حديثه ، و لا يحتج به ، و هو قريب من ابن إسحاق صاحب
المغازي ، و هو حسن الحديث ، و ليس بثبت ، و هو أصلح من الواسطي " .
و قال النسائي و ابن خزيمة : " ليس به بأس " .
و قال ابن عدي : " في حديثه بعض ما ينكر و لا يتابع عليه ، و هو صالح الحديث
كما قال أحمد " .
و قال الدارقطني : " ضعيف " .
و قال العجلي : " يكتب حديثه ، و ليس بالقوي " .
و لخص ذلك الحافظ بقوله في " التقريب " " صدوق " .
و قد أخرج له مسلم في " الشواهد " .
و قد وقع اسمه في الترمذي " عبد الرحمن بن إسحاق " غير منسوب إلى قريش فظن
شارحه المبارك فوري رحمه الله أنه الواسطي الذي سبقت الإشارة إليه فقال :
" هو الواسطي الكوفي المكنى بأبي شيبة " .
قلت : و هو عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد بن الحارث أبو شيبة الواسطي الأنصاري
و يقال : الكوفي ابن أخت النعمان بن سعد ، فهذا ضعيف اتفاقا و ليس هو راوي هذا
الحديث ، فإنه أنصاري كما رأيت ، و الأول قرشي ، و الذي أوقع المبارك فوري في
ذلك الوهم أمور .
أولا : أنه لم ينسب قرشيا كما سبق .
ثانيا : أنهما من طبقة واحدة .
ثالثا : أنه رأى في ترجمته من " التهذيب " أنه روى عن سيار أبي الحكم و عنه
أبو معاوية ، و هو كذلك في هذا الحديث . و لم ير مثل ذلك في ترجمة الأول .
و لكنه لو رجع إلى ترجمتها في " الجرح و التعديل " لوجد عكس ذلك تماما في سيار
فإنه ذكره في شيوخ الأول ، لا في شيوخ هذا . فلو رأى ذلك لم يجزم بأنه الثاني
بل لتوقف ، حتى إذا ما وقف على الزيادة التي وقفنا عليها في سنده و هي
( القرشي ) إذن لجزم بما جزمنا نحن به و هو أنه العامري الحسن الحديث .


267 - " من قال : اللهم إني أشهدك ، و أشهد ملائكتك ، و حملة عرشك ، و أشهد من في
السموات و من في الأرض أنك أنت الله ، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ،
و أشهد أن محمدا عبدك و رسولك ، من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار ، و من
قالها مرتين أعتق الله ثلثيه من النار ، و من قالها ثلاثا أعتق الله كله من
النار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 476 :

أخرجه الحاكم ( 1 / 523 ) من طريق حميد بن مهران حدثنا عطاء عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال : حدثنا سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : فذكره .
و قال : " صحيح الإسناد " ، و وافقه الذهبي و هو كما قالا .
و له شاهد من حديث أنس مرفوعا نحوه مقيدا بالصباح و المساء ، و سنده ضعيف كما
بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " رقم ( 1041 ) .


268 - " أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، ثم قال : أول جيش من أمتي يغزون
مدينة قيصر مغفور لهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 476 :

أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 6 / 77 - 78 ) و الحسن بن سفيان في " مسنده "
و عنه أبو نعيم في " الحلية " ( 2 / 62 ) و الطبراني في " مسند الشاميين " عن
يحيى بن حمزة قال : حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود
العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت و هو نازل في ساحل حمص و هو في بناء له
و معه أم حرام ، قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول : فذكره ، و فيه بعد قوله " قد أوجبوا " : " قالت أم حرام : قلت : يا
رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم " و بعد قوله " مغفور لهم " : " فقلت :
أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال : لا " .
و تابعه أيوب بن حسان الجرشي حدثنا ثور بن يزيد به .


269 - " من تعزى بعزى الجاهلية ، فأعضوه بهن أبيه و لا تكنوا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 477 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 963 ، 964 ) و النسائي في " السير " من
" السنن الكبرى " له ( 1 / 36 / 1 - 2 ) و أحمد في " المسند " ( 5 / 136 )
و أبو عبيد في " غريب الحديث " ( ق 22 / 2 و 53 / 1 ) و ابن مخلد في
" الفوائد " ( ق 3 / 1 ) و الهيثم بن كليب في " مسنده " ( ق 187 / 1 )
و الطبراني في " المعجم الكبير " ( ق 27 / 2 ) و البغوي في " شرح السنة "
( 4 / 99 / 2 ) و الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " ( 1 / 407 ) من طرق
عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب أنه سمع رجلا يقول :
يال فلان ! فقال له : اعضض بهن أبيك ، و لم يكن ، فقال له : يا أبا المنذر ما
كنت فحاشا ، فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
قلت : و هذا إسناد رجاله ثقات ، فهو صحيح إن كان الحسن سمعه من عتي بن ضمرة ،
فإنه كان مدلسا و قد عنعنه ، و قد رواه ابن السني ( 427 ) من طريق سعيد بن بشير
عن قتادة عن الحسن عن مكحول عن عجر بن مدراع التميمي قال : يا آل تميم - و كان
من بني تميم ، فقال و هو عند أبي بن كعب - فقال أبي : أعضك الله بهن أبيك .
الحديث نحوه .
فهذا خلاف السند الأول ، و ذاك أصح لأن هذا فيه سعيد بن بشير ، و فيه ضعف
و لعله وهم فيه ، و إلا فيكون للحسن فيه إسنادان عن أبي .
و قد وجدت للحديث إسنادا آخر عن أبي فقال عبد الله بن أحمد ( 5 / 133 ) :
حدثنا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي
رضي الله عنه أن رجلا اعتزى فأعضه أبي بهن أبيه ، فقالوا : ما كنت فحاشا ،
قال : إنا أمرنا بذلك .
و من طريق عبد الله رواه الضياء في " المختارة " ( 1 / 405 ) .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عمرو و هو ثقة
كما قال أبو داود و غيره ، و عاصم هو ابن سليمان الأحول ، و سفيان هو ابن عيينة
.
( تنبيه ) لم يقع ( أبي ) منسوبا في " الأدب المفرد " فكان ذلك سببا لغفلة
عجيبة من المعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله ، فإن لفظه فيه " ... عن
عتي بن ضمرة قال : رأيت عند أبي رجلا تعزى ... " . فظن المذكور أن لفظة " أبي "
بفتح الهمزة بإضافة ياء النسبة إلى لفظ " الأب " أي أبي المتكلم عتي بن ضمرة ،
فيكون على ذلك أبوه ضمرة صحابي الحديث ، فقال في تعليقه عليه :
" ليس لهذا الصحابي ذكر عندي " !
و إنما هو ( أبي ) بضم الهمزة و هو أبي بن كعب الصحابي المشهور .
و قد عمل بهذا الحديث الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال :
" من اعتز بالقبائل فأعضوه ، أو فأمصوه " .
رواه ابن أبي شيبة كما في " الجامع الكبير " ( 3 / 235 / 2 ) .


270 - " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 478 :

الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " ( 6 / 1 ) حدثنا الحسن بن عثمان التستري حدثنا
أحمد بن أبي سريج الرازي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن
مطرف عن عمران بن حصين مرفوعا به . و زاد في آخره :
" قال يزيد بن هارون : إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ؟ " .
قلت : و هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيح غير التستري و ليس بثقة ،
فاتهم بالكذب و سرقة الحديث ، لكن يظهر أن للحديث أصلا من غير طريقه ، فقد ذكره
السيوطي في " الجامع الكبير " ( 1 / 341 / 1 ) من رواية ابن قانع و ابن عساكر
و الضياء المقدسي في " المختارة " عن قتادة عن أنس ، ثم قال :
" قال البخاري : هذا خطأ ، إنما هو قتادة عن مطرف عن عمران " .
قلت : فهذا نص من البخاري على أن الحديث محفوظ من حديث عمران ابن حصين .
و اعلم أن الحديث صحيح ثابت مستفيض عن جماعة من الصحابة :
1 - معاوية بن أبي سفيان . عند الشيخين و أحمد .
2 - المغيرة بن شعبة . عندهما .
3 - ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . عند مسلم و الترمذي و ابن ماجه
و أحمد ( 5 / 278 ، 279 ) و أبي داود في " الفتن " و الحاكم ( 4 / 449 ) .
4 - عقبة بن عامر . عند مسلم .
5 - قرة المزني . في " المسند " ( 3 / 436 و 5 / 34 ) بسند صحيح و صححه الترمذي
6 - أبو أمامة . في " المسند " ( 5 / 269 ) .
7 - عمران بن حصين . عند أحمد أيضا ( 5 / 429 ، 437 ) من طرق أخرى عن حماد
ابن سلمة به دون الزيادة . و كذا رواه أبو داود في أول " الجهاد " و الحاكم
( 4 / 450 ) و صححه و وافقه الذهبي .
8 - عمر بن الخطاب . في " المستدرك " ( 4 / 449 ) و صححه و وافقه الذهبي .
فالحديث صحيح قطعا ، و إنما أوردته من أجل هذه الزيادة ، و قد عرفت أن سندها
إلى يزيد بن هارون ضعيف ، و بهذا الإسناد رواه أبو بكر الخطيب في كتابه
" شرف أصحاب الحديث " ( ق / 34 / 1 ) . و قد عزاها الحافظ في " الفتح "
( 13 / 249 / بولاق ) إلى الحاكم في " علوم الحديث " ، و ما أظنه إلا وهما ،
فإني قد بحثت عنها فيه ، فلم أجدها ، و إنما وجدت عنده ما يأتي عن الإمام أحمد
.
بيد أن هذه الزيادة معروفة و ثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد
ابن هارون و غيرها ، و هم :
1 - عبد الله بن المبارك ( 118 - 181 ) ، فروى الخطيب بسنده عن سعيد ابن يعقوب
الطالقاني أو غيره قال :
" ذكر ابن المبارك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة ... قال ابن
المبارك : هم عندي أصحاب الحديث " .
2 - علي بن المديني ( 161 - 234 ) ، و روى الخطيب أيضا من طريق الترمذي و هذا
في " سننه " ( 2 / 30 ) و قد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة ( رقم 5 )
ثم قال :
" قال محمد بن إسماعيل ( هو البخاري ) قال علي بن المديني : هم أصحاب الحديث "
3 - أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ) ، روى الحاكم في " معرفة علوم الحديث " ( ص 2 )
و الخطيب بإسنادين ، صحح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه سئل عن معنى
هذا الحديث فقال :
" إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث ، فلا أدري من هم " .
و روى الخطيب ( 33 / 3 ) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية .
4 - أحمد بن سنان الثقة الحافظ ( ... - 259 ) روى الخطيب عن أبي حاتم قال :
سمعت أحمد بن سنان و ذكر حديث " لا تزال طائفة من أمتي على الحق " فقال : هم
أهل العلم و أصحاب الآثار .
5 - البخاري محمد بن إسماعيل ( 194 - 256 ) ، روى الخطيب عن إسحاق بن أحمد
قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري - و ذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة من أمتي " ، فقال
البخاري : يعني أصحاب الحديث . و قال في " صحيحه " و قد علق الحديث و جعله
بابا : " و هم أهل العلم " و لا منافاة بينه و بين ما قبله كما هو ظاهر ، لأن
أهل العلم هم أهل الحديث ، و كلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم
ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى . و قال في كتابه " خلق أفعال العباد "
( ص 77 - طبع الهند ) و قد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى
( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) قال البخاري :
" هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فذكر الحديث .
و قد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية
بأنهم أهل الحديث ، و لا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي .
أولا : أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة و ما يتعلق من معرفة
تراجم الرواة و علل الحديث و طرقه أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه
وسلم و هديه و أخلاقه و غزواته و ما يتصل به صلى الله عليه وسلم .
ثانيا : أن الأمة قد انقسمت إلى فرق و مذاهب لم تكن في القرن الأول ، و لكل
مذهب أصوله و فروعه ، و أحاديثه التي يستدل بها و يعتمد عليها . و أن المتمذهب
بواحد منها يتعصب له و يتمسك بكل ما فيه ، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى
و ينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده ، فإن من
الثابت لدى أهل العلم أن في كل مذهب من السنة و الأحاديث ما لا يوجد في المذهب
الآخر ، فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل و لابد عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى
المذاهب الأخرى ، و ليس على هذا أهل الحديث فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده ،
في أي مذهب كان ، و من أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة ، حتى لو كان
شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك ، و قد
صرح بهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإمام أحمد بقوله :
" أنتم أعلم بالحديث مني ، فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه
سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا " فأهل الحديث - حشرنا الله معهم - لا
يتعصبون لقول شخص معين مهما علا و سما حاشا محمد صلى الله عليه وسلم ، بخلاف
غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث و العمل به ، فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم -
و قد نهوهم عن ذلك - كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! ! فلا عجب بعد هذا
البيان أن يكون أهل الحديث . هم الطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية . بل و الأمة
الوسط ، الشهداء على الخلق .
و يعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه " شرف أصحاب الحديث "
انتصارا لهم و ردا على من خالفهم :
" و لو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم ، و طلب سنن رسول رب
العالمين ، و اقتفى آثار الفقهاء و المحدثين ، لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه ،
و اكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه ، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد
و بيان ما جاء من وجوه الوعد و الوعيد ، و صفات رب العالمين - تعالى عن مقالات
الملحدين - و الإخبار عن صفة الجنة و النار ، و ما أعد الله فيها للمتقين
و الفجار ، و ما خلق الله في الأرضين و السماوات و صنوف العجائب و عظيم الآيات
و ذكر الملائكة المقربين ، و نعت الصافين و المسبحين .
و في الحديث قصص الأنبياء و أخبار الزهاد و الأولياء و مواعظ البلغاء ، و كلام
الفقهاء ، و سير ملوك العرب و العجم ، و أقاصيص المتقدمين من الأمم ، و شرح
مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم ، و سراياه ، و جمل أحكامه و قضاياه ، و خطبه
و عظاته ، و أعلامه و معجزاته ، و عدة أزواجه و أولاده ، و أصهاره و أصحابه ،
و ذكر فضائلهم و مآثرهم ، و شرح أخبارهم و مناقبهم ، و مبلغ أعمارهم ، و بيان
أنسابهم .
و فيه تفسير القرآن العظيم ، و ما فيه من النبأ و الذكر الحكيم ، و أقاويل
الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم ، و تسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم ،
من الأئمة الخالفين ، و الفقهاء المجتهدين .
و قد جعل الله أهله أركان الشريعة ، و هدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله
في خليقته ، و الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم و أمته ، و المجتهدون في
حفظ ملته ، أنوارهم زاهرة ، و فضائلهم سائرة ، و آياتهم باهرة ، و مذاهبهم
ظاهرة ، و حججهم قاهرة . و كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه ، و تستحسن رأيا
تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، و السنة حجتهم ، و الرسول
فئتهم ، و إليه نسبتهم ، لا يعرجون على الأهواء ، و لا يلتفتون إلى الآراء .
يقبل منهم ما رووا عن الرسول ، و هم المأمونون عليه العدول . حفظة الدين
و خزنته ، و أوعية العلم و حملته ، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع ، فما
حكموا به فهو المقبول المسموع . منهم كل عالم فقيه ، و إمام رفيع نبيه ، و زاهد
في قبيلة ، و مخصوص بفضيلة ، و قارىء متقن ، و خطيب محسن . و هم الجمهور العظيم
و سبيلهم السبيل المستقيم ، و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر ، و على الإفصاح بغير
مذاهبهم لا يتجاسر ، من كادهم قصمهم الله ، و من عاندهم خذله الله ، لا يضرهم
من خذلهم ، و لا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، و بصر
الناظر بالسوء إليهم حسير ، و إن الله على نصرهم لقدير . ( ثم ساق الحديث من
رواية قرة ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال : هم أهل الحديث و الذين
يتعاهدون مذاهب الرسول ، و يذبون عن العلم لولاهم لم تجد عند المعتزلة
و الرافضة و الجهمية و أهل الإرجاء و الرأي شيئا من السنن : قال الخطيب ) فقد
جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، و صرف عنهم كيد العاندين ،
لتمسكهم بالشرع المتين ، و اقتفائهم آثار الصحابة و التابعين ، فشأنهم حفظ
الآثار ، و قطع المفاوز و القفار ، و ركوب البراري و البحار في اقتباس ما شرع
الرسول المصطفى ، لا يعرجون عنه إلى رأي و لا هوى . قبلوا شريعته قولا و فعلا ،
و حرسوا سنته حفظا و نقلا ، حتى ثبتوا بذلك أصلها ، و كانوا أحق بها و أهلها ،
و كم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، و الله تعالى يذب بأصحاب
الحديث عنها ، فهم الحفاظ لأركانها ، و القوامون بأمرها و شأنها ، إذا صدف
عن الدفاع عنها ، فهم دونها يناضلون ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم
المفلحون " .
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث و فضلهم
لا بأس من ذكر بعضها ، و إن طال المقال ، لتتم الفائدة ، لكني أقتصر على أهمها
و أمسها بالموضوع :
1 - قوله صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه .
2 - وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام أصحاب الحديث .
3 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله .
4 - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ عنه .
5 - وصف الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان أصحاب الحديث .
6 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم لدوام صلاتهم عليه
7 - بشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بكون طلبة الحديث بعده و اتصال
الإسناد بينهم و بينه .
8 - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة .
9 - كون أصحاب الحديث أمناء الرسل صلى الله عليهم و سلم لحفظهم السنن و تبيينهم
لها .
10 - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن .
11 - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلفه من السنة
و أنواع الحكمة .
12 - كونهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر .
13 - كونهم خيار الناس .
14 - من قال : إن الأبدال و الأولياء أصحاب الحديث .
15 - من قال : لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام .
16 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة ، و أسبق الخلق إلى الجنة
17 - اجتماع صلاح الدنيا و الآخرة في سماع الحديث و كتبه .
18 - ثبوت حجة صاحب الحديث .
19 - الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث .
20 - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث و أهله .
21 - من جمع بين مدح أصحاب الحديث و ذم أهل الرأي و الكلام الخبيث .
22 - من قال : طلب الحديث من أفضل العبادات .
23 - من قال : رواية الحديث أفضل من التسبيح .
24 - من قال : التحديث أفضل من صلاة النافلة .
25 - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء و رأى أن المحدثين أفضل العلماء .
هذه هي أهم أبواب الكتاب و فصوله . أسأل الله تعالى أن ييسر له من يقوم بطبعه
من أنصار الحديث و أهله ، حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه من شاء التفصيل في معرفة
ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث و النقول عن الأئمة الفحول !
و أختم هذه الكلمة بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في
الهند ، ألا و هو أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي ( 1264 - 1304 )
قال رحمه الله :
" و من نظر بنظر الإنصاف ، و غاص في بحار الفقه و الأصول متجنبا الاعتساف ،
يعلم علما يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية و الأصلية التي اختلف العلماء فيها ،
فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم ، و إني كلما أسير في شعب الاختلاف
أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف ، فلله درهم ، و عليه شكرهم ( كذا ) كيف
لا وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا ، و نواب شرعه صدقا ، حشرنا الله في
زمرتهم ، و أماتنا على حبهم و سيرتهم " .


271 - " يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله ، فإن بخل أحدكم أن يعطي
ماله للناس فليبدأ بنفسه ، و ليتصدق على نفسه فليأكل و ليكتس مما رزقه الله
عز وجل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 487 :

أخرجه الخرائطي في " مكارم الأخلاق " ( 54 ) : حدثنا حماد بن الحسن الوراق
حدثنا حبان بن هلال حدثنا سليم بن حيان حدثنا حميد بن هلال عن أبي قتادة
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير سليم بن حيان و قد وثقه
أحمد و ابن معين و غيرهما و ترجمته في " الجرح و التعديل " ( 2 / 1 / 314 ) .


272 - " قال الله تعالى " إذا ابتليت عبدي المؤمن ، و لم يشكني إلى عواده أطلقته من
أساري ، ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه ، و دما خيرا من دمه ، ثم يستأنف العمل "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 487 :

أخرجه الحاكم في " المستدرك " ( 1 / 349 ) و من طريقه البيهقي في " سننه "
( 3 / 375 ) من طريق أبي بكر الحنفي حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن سعيد ابن أبي
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال : " صحيح على شرط الشيخين ، و لم يخرجاه " .
و وافقه الذهبي في " تلخيصه " .
و أما في " المهذب " و هو مختصر سنن البيهقي ، فأشار إلى أن له علة ، فقال :
" لم يخرجه الستة ، لعلته " .
و كأنه يريد بها الوقف ، فقد أخرجه البيهقي عقب هذا المرفوع من طريق أبي صخر
حميد بن زياد أن سعيد المقبري حدثه قال : سمعت أبا هريرة يقول :
" قال الله عز و جل : أبتلي عبدي المؤمن ، فإذا لم يشك إلى عواده ذلك ، حللت
عنه عقدي ، و أبدلته دما خيرا من دمه ، و لحما خيرا من لحمه ، ثم قلت له :
أئتنف العمل " .
قلت : و رجاله ثقات رجال مسلم إلا أن أبا صخر هذا فيه كلام من قبل حفظه ، و في
" التقريب " : " صدوق يهم " .
قلت : فمثله حسن الحديث ، لكنه لا يصلح لمعارضة الرواية المرفوعة ، لأن رواتها
كلهم ثقات لا مغمز فيهم ، فإما أن يقال : إن أبا صخر وهم في وقفه و الصواب
المرفوع ، و إما أن يقال : إن أبا هريرة كان يرفعه تارة ، و يوقفه أخرى ، و كل
حفظ ما وصل إليه ، و الرفع لا يعارض الوقف ، و لاسيما و هو في حكم المرفوع .
لكن وجدت له علة أخرى غريبة ، فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل
الترمذي آخر السنن ( 206 / 1 ) .
" قاعدة مهمة : حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ، و معرفتهم
للرجال و أحاديث كل واحد منهم ، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث
فلان ، و لا يشبه حديث فلان ، فيعللون الأحاديث بذلك ، و هذا مما لا يعبر عنه
بعبارة مختصرة ، و إنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم و المعرفة التي خصوا بها
عن سائر أهل العلم ، كما سبق ذكره في غير موضع ، فمن ذلك ... " ثم ذكر أمثلة
كثيرة ، بعضها مسلم ، و بعضها غير مسلم ، و من ذلك هذا الحديث مع وهمه في عزوه
فقال ( 207 / 1 - 2 ) :
" و من ذلك أن مسلما خرج في " صحيحه " ( ! ) عن القواريري عن أبي بكر الحنفي عن
عاصم بن محمد العمري : حدثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ( فذكر الحديث
ثم قال : ) قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الهروي الشهيد :
هذا حديث منكر ، و إنما رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه
و عبد الله بن سعيد شديد الضعف ، قال يحيى القطان : ما رأيت أحدا أضعف منه .
و رواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة
و هو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد . انتهى " .
قلت : معاذ بن معاذ و هو العنبري ، و أبو بكر الحنفي و اسمه : عبد الكبير
ابن عبد المجيد كلاهما ثقة محتج به في " الصحيحين " ، فلا أرى استنكار حديث هذا
برواية ذاك بدون حجة ظاهرة ، سوى دعوى أن حديثه يشبه أحاديث عبد الله ابن سعيد
الواهي ! فإن هذه المشابهة إن كانت كافية لإقناع من كان من النقاد الحذاق فليس
ذلك بالذي يكفي لاقناع الآخرين الذين قنعوا بصدق الراوي و حفظه و ضبطه ، ثم لم
يشعروا بذلك الشبه ، أو شعروا به ، و لكن لم يروا من الصواب في شيء جعله علة
قادحة يستنكر الحديث من أجلها ، و يسلم للقادح بها مع مخالفته لقاعدة أخرى هي
أهم و أقوى من القاعدة التي بنى ابن رجب عليها رد هذا الحديث و هي أن زيادة
الثقة مقبولة . و من حفظ حجة على من لم يحفظ ، و ما المانع أن يكون الحديث قد
رواه عن أبي سعيد المقبري كل من ولديه : سعيد الثقة ، و عبد الله الضعيف ، و أن
عاصما أخذ الحديث عنهما كليهما ، فكان يرويه تارة عن سعيد فحفظه عنه أبو بكر
الحنفي ، و تارة عن عبد الله فحفظه معاذ بن معاذ ؟ ! لا يوجد قطعا ما يمنع من
القول بهذا ، بل هو أمر لابد منه ، للمحافظة على القاعدة التي ذكرناها ، لقوتها
و اضطرادها ، بخلاف القاعدة الأخرى فإنها غير مضطردة و لا هي منضبطة كما لا
يخفى عمن له فهم و علم في هذا الفن الشريف ، فإن كون الحديث الثقة مشابها لحديث
الضعيف ، لا يوجد في العلم الصحيح ما يدل على أن حديث حديث الضعيف ، و أن الثقة
وهم فيه ، إذ قد يروي الضعيف ما يشبه أحاديث الثقات على قاعدة
" صدقك و هو كذوب " ، فكيف يجوز مع ذلك أن نرد حديث الثقة لمجرد مشابهته لحديث
الضعيف ؟ ! بل العكس هو الصواب : أن نقبل من حديث الضعيف ما يشبه حديث الثقة
و يوافقه . بل إن الراوي المجهول حفظه و ضبطه لا يعرف ذلك منه إلا بعرضه على
أحاديث الثقات ، فما وافقها من حديثه قبل ، و ما عارضه و خالفه ترك . و هذا علم
معروف في " مصطلح الحديث " .
و مما يؤيد صحة هذا الحديث ، و أن أبا بكر الحنفي قد حفظه ، و ليس هو من حديث
عبد الله بن سعيد وحده ، أن الإمام مالك قال في " الموطأ " ( 2 / 940 / 5 ) :
" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا
مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين ، فقال : انظروا ماذا يقول لعواده ، فإن
هو إذا جاؤوه حمد الله و أثنى عليه ، رفعا ذلك إلى الله عز و جل - و هو أعلم -
فيقول : لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة ، و إن أنا شفيته أن أبدل له لحما
خيرا من لحمه ، و دما خيرا من دمه ، و أن أكفر عنه سيئاته " .
و هذا سند مرسل صحيح ، فهو شاهد قوي لحديث أبي بكر الحنفي الموصول و الحمد لله
على توفيقه .
ثم رأيته موصولا عن مالك ، أخرجه أبو الحسين الأبنوسي في " جزء فيه فوائد عوال
حسان منتقاة غرائب " ( 3 / 2 ) : أخبرنا علي ( هو الدارقطني ) قال : حدثنا
أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث إملاء سنة ست عشرة و ثلاثمائة قال :
حدثنا علي بن محمد الزياداباذي قال : حدثنا معن بن عيسى قال : حدثنا مالك عن
سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :و قال : " قال الدارقطني : تفرد به علي بن محمد عن معن عن مالك ، و ما
نكتبه إلا عن ابن أبي داود " .
قلت : لكن الزباداباذي هذا كأنه مجهول ، فقد أورده السمعاني في هذه النسبة ،
و ذكر أنه روى عنه جماعة ( و في النسخة سقط ) و لم يحك فيه جرحا و لا تعديلا .
و أورده في " الميزان " و تبعه في " اللسان " من أجل هذا الحديث و قال :
" و أشار الدارقطني في " غرائب مالك " إلى لينه . و أنه تفرد عن معن عن مالك به
و قال : إنما هو في " الموطأ " بسند منقطع عن غير سهيل " .


273 - " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا ، و بيت في وسط
الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا ، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 491 :

رواه أبو داود في سننه ( 4800 ) : حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر
قال : حدثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي قال : حدثني سليمان بن حبيب المحاربي
عن أبي أمامة مرفوعا .
قلت : و هذا سند رجاله ثقات معروفون غير أيوب بن محمد السعدي ، كذا وقع في
رواية أبي داود ، قال الحافظ في " التهذيب " :
" و رواه أبو زرعة الدمشقي و يزيد بن محمد بن عبد الصمد ، و هارون بن أبي جميل
و أبو حاتم و غيرهم عن أبي الجماهر فقالوا : " أيوب بن موسى " . قال ابن عساكر
: و هو الصواب " .
قلت : رواية هارون بن أبي جميل ، أخرجها ابن عساكر في ترجمته من " تاريخ دمشق "
( 17 / 493 / 1 ) لكن وقع في نسختنا منه " حدثنا أبو أيوب بن موسى " فالظاهر
أنه سقط منها " كعب " فإنه أبو كعب أيوب بن موسى .
و في اسمه اختلاف آخر ، فقد رواه الدولابي في " الكنى " ( 2 / 133 ) هكذا :
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوهاب - صعيد - قال : حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر
قال : حدثنا أبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب - دون الفقرة الوسطى و ليس
هذا خطأ مطبعيا أو من بعض النساخ ، فإن الدولابي أورده في " باب من كنيته موسى
" ثم سرد من يكنى بذلك من الرواة فقال " ... و أبو موسى كعب السعدي عن سليمان
بن حبيب ، روى عنه محمد بن عثمان أبو الجماهر " .
و على كل حال فالصواب كما قال ابن عساكر " أيوب بن موسى " لاتفاق الجماعة عليه
ثم هو قد أورده الذهبي في " الميزان " فقال :
" روى عنه أبو الجماهر وحده لكنه وثقه " .
قلت : و سكت عنه ابن أبي حاتم ( 1 / 1 / 258 ) و قال الحافظ في " التقريب " :
" صدوق " . و لا يطمئن القلب لذلك لتفرد أبي الجماهر عنه ، بل هو بوصف الجهالة
أولى كما تقتضيه القواعد الحديثية أن الراوي لا ترتفع عنه الجهالة برواية
الواحد .
لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال . فمنها حديث
ابن عباس و لفظه :
" أنا الزعيم ببيت في رياض الجنة ، و بيت في أعلاها ، و بيت في أسفلها ، لمن
ترك الجدل و هو محق ، و ترك الكذب و هو لاعب ، و حسن خلقه " .
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 116 / 1 ) من طريق سويد أبي حاتم ،
أنبأنا عبد الملك - رواية عطاء - عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا .
قلت : و هذا سند ضعيف من أجل سويد هذا و هو ابن إبراهيم ، أورده الذهبي في
" الضعفاء " و قال :
" ضعفه النسائي " . و قال الحافظ في " التقريب " .
" صدوق سيء الحفظ ، له أغلاط ، و قد أفحش ابن حبان فيه القول " .
و قال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني ( 8 / 23 ) :
" و فيه أبو حاتم سويد بن إبراهيم ضعفه الجمهور ، و وثقه ابن معين ، و بقية
رجاله رجال الصحيح " .
قلت : لو قال : " و وثقه ابن معين في رواية " لكان أقرب إلى الصواب فقد قال
أبو داود : " سمعت يحيى بن معين يضعفه " .
فابن معين في هذه الرواية يلتقي مع الجمهور ، فهي أولى بالقبول .
و أما قول الهيثمي في مكان آخر ( 1 / 157 ) :
" و إسناده حسن إن شاء الله تعالى " .
فتساهل منه لا يخفى ، بل إن هذا الحديث ليدل على ضعفه ، فإنه قد خلط في هذا
الحديث و أفسد معناه ، فإن المعروف في حديث غيره توزيع هذه المنازل الثلاث ،
على ثلاثة أشخاص ، و في ذلك أحاديث عن أبي أمامة و أنس بن مالك و قد اتفقا على
أن البيت الذي في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ، على خلاف هذا ، فإنه جعل له البيت
الذي في أسفلها ، هذا إن اعتبرنا الترتيب المذكور فيه من قبيل لف و نشر مرتب .
ثم اختلف الحديثان المشار إليهما في البيتين الآخرين فحديث أبي أمامة جعل البيت
في ربض الجنة لمن ترك المراء و هو محق ، و البيت في وسطها لمن ترك الكذب ،
و عكس ذلك حديث أنس ، فأردنا أن نرجح أحدهما على الآخر بشاهد ، فلم نجد أصلح من
هذا إسنادا ، و قد علمت ما في متنه من الفساد في المعنى .
نعم وجدنا حديثا آخر يصلح شاهدا لحديث أبي أمامة ، و هو ما أخرجه الطبراني في
" المعجم الصغير " ( ص 166 ) و في المعجمين الآخرين من طريق محمد بن الحصين
القصاص ، حدثنا عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن مالك بن عامر
عن معاذ بن جبل مرفوعا بلفظ :
" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة ، و بيت في وسط الجنة ، و بيت في أعلى الجنة لمن
ترك المراء و إن كان محقا ، و ترك الكذب و إن كان مازحا ، و حسن خلقه " .
و قال الطبراني :
" لم يروه عن روح إلا عيسى تفرد به ابن الحصين " .
قلت : و لم أجد من ترجمه .
و عيسى بن شعيب و هو النحوي قال الحافظ في " التقريب " .
" صدوق له أوهام " .
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 23 ) :
" رواه الطبراني في الثلاثة و البزار ، و في إسناد الطبراني محمد بن الحصين
و لم أعرفه ، و الظاهر أنه التميمي و هو ثقة ، و بقية رجاله ثقات " .
قلت : و ما استظهره بعيد عندي ، فإن ابن الحصين هذا في طبقة الإمام أحمد ،
و أما التميمي فمن أتباع التابعين ، جعله الحافظ من الطبقة السادسة التي عاصرت
الطبقة الخامسة من صغار التابعين الذين رأوا الواحد و الاثنين من الصحابة ،
بخلاف السادسة فلم يثبت لهم لقاء أحد منهم .
و قوله في التميمي : إنه ثقة . فيه تساهل ، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان ، و هو
معروف بتساهله في التوثيق ، أضف إلى ذلك أن الدارقطني خالفه ، فقال : " مجهول "
و هو الذي اعتمده الحافظ في " التقريب " .
و جملة القول أن هذا الإسناد ضعيف ، و لكن ليس شديد الضعف ، فيصلح شاهدا لحديث
أبي أمامة ، فيرتقي به إلى درجة الحسن . و الله أعلم .


274 - " أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون : يثرب ، و هي المدينة ، تنفي الناس ، كما
ينفي الكير خبث الحديد " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 495 :

أخرجه البخاري ( 4 / 69 - 70 ) و مسلم ( 9 / 154 ) و مالك ( 3 / 84 - 85 )
و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 232 - 233 ) و أحمد ( رقم 7231 ، 7364 )
و الخطيب في " الفقيه و المتفقه " ( 62 / 2 ) . و أبو يعلى في " مسنده "
( 300 / 2 ) عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله صلى الله عليه
وسلم يقول : فذكره .

و في رواية من طريق أخرى عنه مرفوعا بلفظ :
( يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه هلم إلى الرخاء ، هلم إلى
الرخاء ، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، و الذي نفسي بيده لا يخرج منهم
أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ، ألا إن المدينة كالكير تخرج
الخبيث ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها ، كما ينفي الكير خبث
الحديد ) .
أخرجه مسلم ( 9 / 153 ) .
الغريب
-------
1 - أمرت بقرية ... قال الخطيب :
" المعنى أمرت بالهجرة إلى قرية ( تأكل القرى ) أي يأكل أهلها القرى كما قال
الله تعالى : ( و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ) يعني قرية كان أهلها
مطمئنين ، و كان ذكر القرية عن هذا كناية عن أهلها ، و أهلها المرادون بها لا
هي ، و الدليل على ذلك قوله تعالى " ( فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما
كانوا يصنعون ) و القرية لا صنع لها ، و قوله : ( فكفرت بأنعم الله ) و القرية
لا كفر لها .
2 - ( تأكل القرى ) بمعنى تقدر عليها ، كقوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلما ) ليس يعني بذلك أكلتها دون محتجبيها عن اليتامى ، لا بأكل لها ،
و كقوله تعالى : ( و لا تأكلوها إسرافا و بدارا أن يكبروا ) يعني تغلبوا عليها
إسرافا على أنفسكم ، و بدارا أن يكبروا فيقيموا الحجة عليكم بها فينتزعوها منكم
لأنفسهم ، فكان الأكل فيما ذكرنا يراد به الغلبة على الشيء ، فكذلك في الحديث "
.


275 - " كان يصلي عند المقام ، فمر به أبو جهل بن هشام ، فقال : يا محمد ألم أنهك عن
هذا ؟ ! و توعده ، فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم و انتهره ، فقال : يا
محمد بأي شيء تهددني ؟ ! أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا ، فأنزل الله
*( فليدع ناديه . سندع الزبانية )* . قال ابن عباس : لو دعا ناديه أخذته زبانية
العذاب من ساعته " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 496 :

رواه الترمذي ( 2 / 238 ) و ابن جرير في تفسيره ( 30 / 164 ) من طرق عن داود
ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : فذكره .
و السياق لابن جرير .
قلت : و إسناده صحيح على شرط مسلم .
و قال الترمذي : " حديث حسن غريب صحيح " .
قلت : و قد رواه البخاري و الطبراني في " الكبير " ( 3 / 141 / 1 ) و غيره
من طرق أخرى عن عكرمة به نحوه .
و له في " المعجم " ( 3 / 173 / 1 ) طريق أخرى عن ابن عباس .


276 - " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل ،
مثراة في المال ، منسأة في الأثر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 497 :

أخرجه الترمذي ( 1 / 357 - 358 ) و الحاكم ( 4 / 161 ) و أحمد ( 2 / 374 )
و السمعاني في " الأنساب " ( 1 / 5 ) عن عبد الملك بن عيسى الثقفي عن يزيد مولى
المنبعث عن أبي هريرة مرفوعا به .
و قال الترمذي : " حديث غريب من هذا الوجه " .
قلت : و إسناده جيد ، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الملك هذا ، قال أبو
حاتم " صالح " . و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 2 / 175 ) و روى عنه جماعة
من الثقات منهم عبد الله بن المبارك و هو الذي روى عنه هذا الحديث ، فلا أدري
لماذا لم يحسنه الترمذي على الأقل .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و للشطر الأول منه طريق أخرى ، يرويه أبو الأسباط الحارثي اليماني عن يحيى ابن
أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به .
أخرجه ابن عدي ( 33 / 2 ) . و أبو الأسباط هذا هو بشر بن رافع .
قال الحافظ : " فقيه ضعيف الحديث " .
و قد وجدت له شاهدين أحدهما : من حديث العلاء بن خارجة مرفوعا به .
أخرجه الطبراني و رجاله قد وثقوا كما في " المجمع " ( 8 / 152 ) ،
و قال المنذري ( 3 / 223 ) : " لا بأس بإسناده " .
و الآخر من حديث علي رضي الله عنه .
أخرجه الخطيب في " الموضح " ( 2 / 215 ) و رجاله ثقات غير علي بن حمزة العلوي
و لم أجد له ترجمة ، و لا أورده الطوسي في " فهرسته " .
و الشطر الثاني من الحديث رواه الطبراني في " الأوسط " من حديث عمرو ابن سهل .
قال الهيثمي :
" و فيه من لم أعرفهم " .
و قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" من أحب أن يبسط له في رزقه ، و ينسأ له في أثره فليصل رحمه " .
متفق عليه من حديث أنس . و أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ، و الحاكم
( 4 / 160 ) من حديث علي و ابن عباس .
و للحديث شاهد ثالث بنحوه و هو :
" اعرفوا أنسابكم ، تصلوا أرحامكم ، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت ، و إن كانت
قريبة ، و لا بعد بها إذا وصلت ، و إن كانت بعيدة " .


277 - " اعرفوا أنسابكم ، تصلوا أرحامكم ، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت ، و إن كانت
قريبة ، و لا بعد بها إذا وصلت ، و إن كانت بعيدة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 498 :

أخرجه أبو داود الطيالسي في " مسنده " ( 2757 ) : حدثنا إسحاق بن سعيد قال :
حدثني أبي قال :
" كنت عند ابن عباس ، فأتاه رجل فسأله : من أنت ؟ قال : فمت له برحم بعيدة
فألان له القول ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
و أخرجه الحاكم ( 4 / 161 ) و السمعاني في " الأنساب " ( 1 / 7 ) من طريق
الطيالسي به .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي .
و أقول : إنما هو على شرط مسلم وحده ، فإن الطيالسي لم يحتج به البخاري و إنما
روى له تعليقا .
و الحديث أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 73 ) : حدثنا أحمد ابن يعقوب
قال : أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو به موقوفا على ابن عباس دون قصة الرجل
و زاد :
" و كل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها ، تشهد له بصلة إن كان وصلها ، و عليه
بقطيعة إن كان قطعها " .
و هذا سند على شرط البخاري في " صحيحه " ، و لكنه موقوف ، بيد أن من رفعه ثقة
حجة و هو الإمام الطيالسي ، و زيادة الثقة مقبولة .


278 - " خصلتان لا تجتمعان في منافق : حسن سمت ، و لا فقه في الدين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 499 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 114 ) : حدثنا أبو كريب حدثنا خلف بن أيوب العامري عن عوف
عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره
و قال : " هذا حديث غريب ، و لا نعرف هذا الحديث من حديث عوف إلا من حديث هذا
الشيخ خلف ابن أيوب العامري ، و لم أر أحدا يروي عنه غير أبي كريب محمد بن
العلاء ، و لا أدري كيف هو ؟ " .
قلت : و من هذا الوجه أخرجه العقيلي في " الضعفاء " ( ص 153 ) و أبو بكر ابن
لال في " أحاديث أبي عمران الفراء " ( ق 1 / 2 ) و الهروي في " ذم الكلام "
( 1 / 14 / 2 ) و قال :
" قال الجارودي : تفرد به أبو كريب " .
قلت : هو ثقة من رجال الشيخين ، و إنما العلة في شيخه خلف ، فقد جهله الترمذي
كما عرفت ، و روى عنه غير أبي كريب جماعة ، مثل الإمام أحمد و أبي معمر القطيعي
و محمد بن مقاتل المروزي ، فليس بمجهول ، و روى العقيلي عن ابن معين أنه قال
فيه :
" بلخي ضعيف " . ثم قال العقيلي عقب حديثه هذا :
" ليس له أصل من حديث عوف ، و إنما يروى هذا عن أنس ، بإسناد لا يثبت " .
و قال ابن أبي حاتم ( 1 / 2 / 370 - 371 ) :
" و سألت أبي عنه ؟ فقال : يروى عنه " .
و ذكره ابن حبان في " الثقات " و قال :
" كان مرجئا غاليا ، استحب مجانبة حديثه لتعصبه و بغضه من ينتحل السنن " .
و قال الخليلي : " صدوق مشهور ، كان يوصف بالستر و الصلاح ، و الزهد ، و كان
فقيها على رأي الكوفيين " .
و أورده الذهبي في " الميزان " و قال :
" أبو سعيد أحد الفقهاء الأعلام ببلخ " . ثم ذكر بعض ما قيل فيه مما سبق ، ثم
قال : قلت : كان ذا علم و عمل و تأله ، زاره سلطان بلخ ، فأعرض عنه " .
و قال في " الضعفاء " :
" مفتي بلخ ، ضعفه ابن معين " .
و نحوه في " التقريب " للحافظ العسقلاني .
قلت : و لم تطمئن نفسي لجرح هذا الرجل ، لأنه جرح غير مفسر ، اللهم إلا في كلام
ابن حبان ، و لكنه صريح في أنه لم يجد فيه ما يجرحه إلا كونه مرجئا ، و هذا لا
يصح أن يعتبر جرحا عند المحققين من أهل الحديث ، و لذلك رأينا البخاري يحتج في
صحيحه ببعض الخوارج و الشيعة و القدرية و غيرهم من أهل الأهواء ، لأن العبرة في
رواية الحديث إنما هو الثقة و الضبط ، و كأنه لذلك لم يجزم الحافظ بتضعيف الرجل
و إنما اكتفى على حكايته عن ابن معين كما فعل الذهبي ، و هذا و إن كان يشعرنا
بأنه ينبىء بضعفه إلا أنه ليس كما لو قال فيه " ضعيف " جازما به .
و الذي أراه أن الرجل وسط أو على الأقل مستور ، لأن الجرح فيه لم يثبت ، كما
أنه لم يوثق من موثوق بتوثيقه ، و في قول الخليلي المتقدم ما يؤيد الذي رأيت .
و هو لم يرو شيئا منكرا ، و غاية ما ذكر له العقيلي حديثان .
أحدهما هذا . و الآخر حديثه بسنده الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا :
" لا عدوى و لا صفر و لا هامة " .
و قال العقيلي فيه : " إسناده مستقيم " .
و أما هذا الحديث فلم يتفرد به البلخي ، فقد جاء من طريقين آخرين :
أحدهما : عن أنس . و قد أشار إليه العقيلي نفسه .
و الآخر يرويه عبد الله بن المبارك في " الزهد " ( ق 175 / 1 - كواكب 575 ) :
أنبأ معمر عن محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام مرفوعا به .
قلت : و هذا إسناد مرسل صحيح ، محمد بن حمزة ، هو ابن يوسف بن عبد الله ابن عبد
الله بن سلام ، روى عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام .
قال أبو حاتم : لا بأس به . و ذكره ابن حبان في " الثقات " .
و قد رواه القضاعي في " مسند الشهاب " ( ق 24 / 2 ) من طريقين آخرين ، عن معمر
عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام ، فجعله من مسند جده عبد الله ، فإن صح
هذا ، و لم يكن في الرواية خطأ ، أو في النسخة تحريف ، فهو مسند ، لكنه منقطع
بين محمد بن حمزة و جده عبد الله بن سلام .
و بالجملة فالحديث عندي صحيح بمجموع هذه الطرق ، و قد أشار إلى صحته عبد الحق
الإشبيلي في " الأحكام الكبرى " رقم 63 - نسختي بسكوته عنه كما نص عليه في
المقدمة . و الله أعلم .


279 - " لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتا يوشونها وشي المراحيل " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 502 :

رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 777 ) : حدثنا إبراهيم بن المنذر قال :
حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في " صحيحه " غير عبد الله
بن أبي يحيى ، و هو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي و هو ثقة اتفاقا .
( المراحيل ) فسرها إبراهيم شيخ البخاري بأنها الثياب المخططة . و في
" النهاية " : " المرحل الذي قد نقش فيه تصاوير الرحال ، و منه الحديث : كان
يصلي و عليه من هذه المرحلات يعني المروط المرحلة و تجمع على المراحل ، و منه
هذا الحديث ... يوشونها وشي المراحل ، و يقال لذلك العمل الترحيل " .


280 - " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصينا بكم . يعني طلبة الحديث " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 503 :

أخرجه تمام في " الفوائد " ( 1 / 4 / 2 - نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي ) عن
عبد الله بن الحسين المصيصي ، و أبو بكر بن أبي علي في " الأربعين " ( ق 117 /
1 ) عن موسى بن هارون ، و الرامهرمزي في " الفاصل بين الراوي و الواعي "
( ق 5 / 2 ) و عنه العلائي في " بغية المتلمس " ( 2 / 2 ) عن ابن إ3
شكاب ، و الحاكم ( 1 / 88 ) عن القاسم بن مغيرة الجوهري و صالح بن محمد بن حبيب
الحافظ كلهم عن سعيد بن سليمان ( زاد موسى بن هارون و الجوهري و صالح : الواسطي
) حدثنا عباد بن العوام عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال
: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ... فذكره .
و قال الحاكم : " هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن
سليمان و عباد بن العوام ، ثم الجريري ، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نضرة ، فقد
عددت له في " المسند الصحيح " أحد عشر أصلا للجريري ، و لم يخرجا هذا الحديث
الذي هو أول حديث في فضل طلاب الحديث ، و لا يعلم له علة ، و لهذا الحديث طرق
يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد ، و أبو هارون ممن سكتوا
عنه " .
و وافقه الذهبي ، و قال العلائي عقبه :
" إسناده لا بأس به ، لأن سعيد بن سليمان هذا هو النشيطي ، فيه لين يحتمل ، حدث
عنه أبو زرعة و أبو حاتم الرازي ، و غيرهما " .
قلت : ليس هو النشيطي و ذلك لأمور :
الأول : أنه جاء مصرحا في بعض الطرق كما رأيت أنه ( الواسطي ) ، و النشيطي بصري
و ليس بواسطي .
الثاني : أن شيخه في هذا السند عباد بن العوام لم يذكر في ترجمة النشيطي ،
و إنما في ترجمة الواسطي .
الثالث : أن بعض الرواة لهذا الحديث عنه لم يذكروا في ترجمته أيضا و إنما في
ترجمة الواسطي مثل صالح بن محمد الحافظ الملقب بـ ( جزرة ) .
فثبت مما ذكرنا أن سعيد بن سليمان إنما هو الواسطي و هو ثقة احتج به الشيخان
كما تقدم في كلام الحاكم ، و توثيقه موضع اتفاق بين أهل العلم بالرجال ، اللهم
إلا قول الإمام أحمد في " كتاب العلل و معرفة الرجال " ( ص 140 ) :
" كان صاحب تصحيف ما شئت " .
و ليس في هذا الحديث ما يمكن أن يصحف من مثل هذا الثقة لقصره ! فينبغي أن تكون
صحته موضع اتفاق أيضا ، لكن قد جاء عن أحمد أيضا غير ذلك ، ففي " المنتخب "
لابن قدامة ( 10 / 199 / 1 ) :
" قال مهنا : سألت أحمد عن حديث حدثنا سعيد بن سليمان ( قلت : فساقه بسنده )
فقال أحمد : ما خلق الله من ذا شيئا ، هذا حديث أبي هارون عن أبي سعيد " .
قلت : و جواب أحمد هذا يحتمل أحد أمرين :
إما أن يكون سعيد عنده هو الواسطي ، و حينئذ فتوهيمه في إسناده إياه مما لا وجه
له في نظرى لثقته كما سبق .
و إما أن يكون عنى أنه النشيطي الضعيف ، و هذا مما لا وجه له بعد ثبوت أنه
الواسطي . على أنه لم يتفرد به ، فرواه بشر بن معاذ العقدي ، حدثنا أبو عبد
الله - شيخ ينزل وراء منزل حماد بن زيد - : حدثنا الجريري عن أبي نضرة عنه .
أنه كان إذا رأى الشباب قال : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أمرنا أن نحفظكم الحديث ، و نوسع لكم في المجالس .
أخرجه الرامهرمزي و من طريقه الحافظ العلائي و قال :
" أبو عبد الله هذا لم أعرفه " .
لكن للحديث طريقان آخران عن أبي سعيد :
1 - عن أبي خالد مولى ابن الصباح الأسدي عنه أنه كان يقول :
" مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاؤوه في العلم " .
أخرجه الرامهرمزي و أبو خالد هذا لم أعرفه .
2 - عن شهر بن حوشب عنه به و زاد :
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيأتيكم أناس يتفقهون ، ففقهوهم
و أحسنوا تعليمهم " .
أخرجه عبد الله بن وهب في " المسند " ( 8 / 167 / 2 ) و عبد الغني المقدسي في
" كتاب العلم " ( 50 / 1 ) عن ابن زحر عن ليث بن أبي سليم عن شهر .
قلت : و هذا سند ضعيف مسلسل بالضعفاء : شهر فمن دونه . و لكنه أحسن حالا من
حديث أبي هارون العبدي الذي سبقت الإشارة إليه في كلام الحاكم ، كذلك ذكر
ابن معين ، ففي " المنتخب " :
" عن إبراهيم بن الجنيد قال : ذكر ليحيى بن معين حديث أبي هارون هذا فقال :
قد رواه ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد مثله .
فقيل ليحيى : هذا أيضا ضعيف مثل أبي هارون ؟ قال : لا ، هذا أقوى من ذلك و أحسن
حدثناه ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ليث " .
قلت : كذا في الأصل ليس فيه " ابن زحر " و هو في المصدرين السابقين من رواية
يحيى بن أيوب عنه عن ليث . فالله أعلم .
و بالجملة فهذه الطرق إن لم تزد الطريق الأولى قوة إلى قوة ، فلن توهن منها .
و له شاهد من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا بلفظ :
" إنه سيضرب إليكم في طلب العلم ، فرحبوا ، و بشروا ، و قاربوا " .
أخرجه الرامهرمزي عن زنبور الكوفي حدثنا رواد بن الجراح عن المنهال بن عمرو عن
رجل عنه .
و هذا سند ضعيف ، للرجل الذي لم يسم ، و زنبور لم أجد له ترجمة . و العمدة على
ما تقدم .
و للحديث طريقان آخران عن أبي سعيد ، و شاهد آخر عن أبي هريرة بأسانيد واهية
جدا ، و لذلك استغنيت عن ذكرهما ، و فيما ذكرنا كفاية . و قد تكلمت على أحد
الطريقين المشار إليهما في تعليقنا على " الأحكام الكبرى " لعبد الحق الإشبيلي
( رقم الحديث 71 ) و صححه .
ثم وجدت للحديث شاهدا آخر ، فقال الدارمي ( 1 / 99 ) : أخبرنا إسماعيل ابن أبان
حدثنا يعقوب هو القمي عن عامر بن إبراهيم قال :
" كان أبو الدرداء إذا رأى طلبة العلم قال : مرحبا بطلبة العلم ، و كان يقول :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بكم " .
قلت : و هذا إسناد رجاله موثقون غير عامر بن إبراهيم فلم أعرفه و ليس هو عامر
بن واقد الأصبهاني ، فإن هذا من شيوخ القمي المتوفى سنة ( 174 ) و ذاك من
الرواة عن القمي ، و توفي سنة ( 202 ) ، إلا أن يكون من رواية الأكابر عن
الأصاغر . و الله أعلم .


281 - " أشد الناس عذابا يوم القيامة : رجل قتله نبي ، أو قتل نبيا ، و إمام ضلالة ،
و ممثل من الممثلين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 507 :

أخرجه أحمد ( 1 / 407 ) : حدثنا عبد الصمد حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل
عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
قلت : و هذا إسناد جيد ، و عاصم هو ابن بهدلة أبي النجود .
و له طريق أخرى يرويه أبو إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود به و لفظه : " ... أو
رجل يضل الناس بغير علم ، أو مصور يصور التماثيل " .
أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 80 / 2 ) و إليه فقط عزاه الهيثمي
في " المجمع " ( 1 / 181 ) و قال :
" و فيه الحارث الأعور و هو ضعيف " .
قلت : الطريق الأولى سالمة منه ، و لعل البزار قد أخرجه منها فقد عزاه إليه
عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الكبرى " ( رقم 142 ) باللفظ الأول دون قوله
" و ممثل من الممثلين " ، و سكت عليه مشيرا إلى صحته عنده كما نص عليه في
المقدمة .
و قال المنذري ( 3 / 136 ) : " و رواه البزار بإسناد جيد " .
و له طريق ثالثة يرويها عباد بن كثير عن ليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف
عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود إلا أنه قال :
" و إمام جائر " .
أخرجه الطبراني ( 3 / 81 / 1 ) .
قلت : و هذا سند واه جدا ، ليث ضعيف ، و عباد بن كثير متروك .
و روى عن ابن عباس نحوه بلفظ :
" ... أو قتل أحد والديه ، و المصورون ، و عالم لم ينتفع بعلمه " .
أخرجه أبو القاسم الهمداني في " الفوائد " ( 1 / 196 / 1 ) عن عبد الرحيم أبي
الهيثم عن الأعمش عن الشعبي عن ابن عباس به .
قلت : و هذا سند ضعيف ، عبد الرحيم هذا هو ابن حماد الثقفي ، قال العقيلي في
" الضعفاء " ( 278 ) :
" حدث عن الأعمش مناكير ، و ما لا أصل له من حديث الأعمش " .
و قال الحافظ في " اللسان " :
" و أشار البيهقي في " الشعب " إلى ضعفه " .
و حديث ابن عباس هذا أورده المناوي في " فيض القدير " شاهدا للحديث المشهور :
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه " فقال متعقبا على السيوطي
بعد أن بين ضعفه :
" لكن للحديث أصل أصيل ، فقد روى الحاكم في " المستدرك " من حديث ابن عباس
مرفوعا ... " قلت : فذكره ، و لم أقف على سنده عند الحاكم الآن لننظر فيه ،
و غالب الظن أنه من طريق عبد الرحيم المذكور ، فإن كان كذلك ، فالحديث لا يرتفع
به عن درجة الضعف . و الله أعلم .
و الجملة الأخيرة من الحديث أخرجها البخاري في " صحيحه " ( 4 / 104 ) من طريق
مسدود عن عبد الله مرفوعا بلفظ :
" إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " .


282 - " أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، و المسكن الواسع ، و الجار الصالح ،
و المركب الهنيء . و أربع من الشقاء : الجار السوء ، و المرأة السوء ، و المسكن
الضيق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 509 :

أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 1232 ) و الخطيب في " التاريخ " ( 12 / 99 )
من طريق الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد
بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين .
و أخرجه أحمد ( 1 / 168 ) من طريق محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد ابن سعد
به نحوه ، دون ذكر " الجار الصالح " و " الجار السوء " .
و محمد بن أبي حميد هذا ، أورده الذهبي في " الضعفاء " و قال :
" ضعفوه " . و قال الحافظ في " التقريب " : " ضعيف " :
و أخرجه الطبراني في " الكبير " ( 1 / 19 / 1 ) و " الأوسط " ( 1 / 163 / 1 )
من طريق إبراهيم بن عثمان عن العباس بن ذريح عن محمد بن سعد به . و قال :
" لم يروه عن العباس إلا إبراهيم ، و هو أبو شيبة " .
قلت : و هو متروك الحديث كما قال الحافظ .
و قال الحافظ المنذري في " الترغيب " ( 3 / 68 ) بعد أن ذكره بلفظ أحمد المشار
إليه :
" رواه أحمد بإسناد صحيح ، و الطبراني و البزار و الحاكم و صححه " .
و قال الهيثمي ( 4 / 272 ) :
" رواه أحمد و البزار و الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " ، و رجال أحمد
رجال الصحيح " !
كذا قالا ، و محمد بن أبي حميد الذي في " المسند " لأحمد ، مع ضعفه ليس من رجال
الصحيح .


283 - " من مات على شيء بعثه الله عليه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 510 :

أخرجه الحاكم ( 4 / 313 من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال : " صحيح الإسناد على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا ، و عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " ( 2 / 296 / 2 )
لأحمد أيضا و أبي يعلى و الضياء في " الأحاديث المختارة " .
و يفسره حديث فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ :
" من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة يعني الغزو و الحج "
أخرجه ابن قتيبة في " غريب الحديث " ( 1 / 129 / 2 ) حدثنيه أبي حدثنيه يزيد
عن المقرىء عن حيوة بن شريح عن أبي هانىء أن أبا علي الجنبي حدثه أنه سمع فضالة
بن عبيد به .
قلت : و هذا إسناد جيد لولا أني لم أعرف يزيد الراوي عن المقري - و اسمه عبد
الله بن يزيد المقري - و لا وجدت ترجمة لوالد ابن قتيبة و اسمه مسلم بن قتيبة
سوى ما ذكره الخطيب في ترجمة ابن قتيبة ( 10 / 170 ) :
" و قيل : إن أباه مروزي ، و أما هو فمولده بغداد " .


284 - " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، و خياركم خياركم لنسائهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 511 :

هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، و له عنه طريقان :
الأولى : عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : فذكره .
أخرجه الترمذي ( 1 / 217 - 218 ) و أحمد ( 2 / 250 ، 472 ) .
و أخرج الشطر الأول منه أبو داود ( 4682 ) و ابن أبي شيبة في " المصنف "
( 12 / 185 / 1 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 9 / 248 ) و الحاكم ( 1 / 3 )
و قال : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و إنما هو حسن فقط ، لأن محمد بن عمرو ، فيه ضعف يسير ، و ليس هو على شرط
مسلم ، فإنه إنما أخرج له متابعة .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قلت : و هو صحيح بطريقه الآتية و هي :
الأخرى : عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي هريرة به .
أخرجه ابن حبان ( 1311 ) .
قلت : و رجاله ثقات غير أن المطلب هذا كثير التدليس كما في " التقريب " و قد
عنعنه .
و لشطره الأول طريق ثالث عن أبي هريرة ، يرويه محمد بن عجلان عن القعفاع ابن
حكيم عن أبي صالح عنه .
أخرجه الدارمي ( 2 / 323 ) و ابن أبي شيبة ( 12 / 12 / 1 ) و أحمد ( 2 / 527 )
و الطبراني في " مختصر مكارم الأخلاق " ( 1 / 110 / 2 ) و الحاكم ( 1 / 3 )
و قال : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : هو حسن أيضا . فإن ابن عجلان أخرج له مسلم متابعة ، و فيه بعض الكلام .
و له طريق رابع مرسل ، فقال ابن أبي شيبة ( 12 / 188 / 2 ) : ابن علية عن يونس
عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا مرسل صحيح الإسناد .
و للحديث شاهد من رواية عائشة مرفوعا بلفظ :
" إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، و ألطفهم بأهله " .
أخرجه الترمذي ( 2 / 102 ) و الحاكم ( 1 / 53 ) و أحمد ( 6 / 47 ، 99 ) من طريق
أبي قلابة عنها .
و قال الترمذي : " حديث حسن ، و لا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة " .
و قال الحاكم : " رواته عن آخرهم ثقات على شرط الشيخين ، و لم يخرجاه " .
و تعقبه الذهبي بقوله . " قلت : فيه انقطاع " .
قلت : و قد تنبه لهذا الحاكم في أول كتابه ، فإنه قال بعد أن ساق الحديث من
رواية أبي هريرة من الطريقين عنه ( 1 / 4 ) :
و قد روي هذا الحديث أيضا عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، و شعيب ابن الحبحاب
عن أنس ، و رواه ابن علية عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عائشة ، و أنا أخشى
أن أبا قلابة لم يسمعه عن عائشة " .
و وافقه الذهبي .
قلت : فالحديث بهذا الإسناد و اللفظ ضعيف ، و قد روى منه ابن أبي شيبة
( 12 / 185 / 1 ) الشطر الأول منه . و قد صح عنها بلفظ آخر و هو :
" خيركم خيركم لأهله ، و أنا خيركم لأهلي ، و إذا مات صاحبكم فدعوه " .


285 - " خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي و إذا مات صاحبكم فدعوه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1/ 513 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 323 ) و الدارمي ( 2 / 159 ) و ابن حبان ( 1312 ) عن محمد
بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه " .
قلت : و إسناده صحيح على شرط الشيخين . و ليس عند الدارمي و ابن حبان الجملة
الوسطى منه . و أخرج أبو داود ( 4899 ) عن وكيع حدثنا هشام بن عروة به الجملة
الأخيرة منه و زاد : لا تقعوا فيه .
و له شاهد من حديث ابن عباس به دون الجملة الأخيرة .
أخرجه ابن ماجه ( 1977 ) و ابن حبان ( 1315 ) و الضياء في " المختارة " ( 63 /
9 / 2 ) من طريق عمارة بن ثوبان عن عطاء عنه .
و أخرجه الحاكم ( 4 / 173 ) مقتصرا على الشطر الأول منه بلفظ .
" خيركم خيركم للنساء " . و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي !
و هذا غريب منه فإن عمارة هذا أورده الذهبي في " الضعفاء " ، و قال :
" تابعي صغير مجهول " .
و قال الحافظ في " التقريب " : " مستور " .
و له شاهد من حديث ابن عمرو بلفظ :
" خياركم خياركم لنسائهم " .
أخرجه ابن ماجه ( 1978 ) عن أبي خالد عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عنه .
قلت : و هذا إسناد ظاهره الصحة ، و لهذا قال البوصيري في " الزوائد "
( ق 125 / 1 ) :
" و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات " .
قلت : و هو عندي معلول بالمخالفة و الوهم من قبل أبي خالد و اسمه سليمان
ابن حيان الأحمر ، و هو و إن كان ثقة محتجا به في " الصحيحين " فإن في حفظه
ضعفا كما يتبين لمن راجع أقوال الأئمة فيه من " التهذيب " و قد لخصها الحافظ
- كعادته - في كتابه " التقريب " فقال : " صدوق يخطىء " .
و خالفه جماعة من الثقات فرووه عن الأعمش بلفظ :
" خياركم أحاسنكم أخلاقا " .
و وافقهم عليه أبو خالد نفسه في رواية عنه كما يأتي ، فالظاهر أنه كان يضطرب
فيه ، فتارة يرويه بهذا اللفظ ، و تارة على الصواب ، فإليك بيان الطرق التي
أشرنا إليها باللفظ الصحيح و هو :
" خياركم أحاسنكم أخلاقا " .


286 - " خياركم أحاسنكم أخلاقا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 515 :

أخرجه البخاري ( 4 / 121 ) عن حفص بن غياث ، و في " الأدب المفرد " ( 271 )
عن سفيان ، و مسلم ( 7 / 78 ) عن أبي معاوية و وكيع و ابن نمير و أبي خالد
الأحمر و الطيالسي ( 2246 ) عن شعبة ، و من طريقه الترمذي ( 1 / 357 ) و أحمد
( 2 / 161 ) عن أبي معاوية أيضا كلهم عن الأعمش قال : سمعت أبا وائل يحدث عن
مسروق عن عبد الله بن عمرو و قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فذكره . و زاد :
" و لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا و لا متفحشا " .
و قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح " .


287 - " ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة ؟ النبي في الجنة ، و الصديق في الجنة ،
و الشهيد في الجنة ، و المولود في الجنة ، و الرجل يزور أخاه في ناحية المصر
لا يزوره إلا لله عز وجل ، و نساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود على
زوجها التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها ، و تقول : لا أذوق غمضا
حتى ترضى " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 515 :

أخرجه تمام الرازي في " الفوائد " ( ق 202 / 1 ) و عنه ابن عساكر ( 2 / 87 / 2
) بتمامه ، و أبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( ق 115 - 116 ) و أبو نعيم في
" الحلية " ( 4 / 303 ) نصفه الأول ، و النسائي في " عشرة النساء " ( 1 / 85 /
1 ) النصف الآخر من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم يعني الرماني عن سعيد ابن
جبير عن ابن عباس مرفوعا .
قلت : و هذا إسناد ، رجاله ثقات رجال مسلم غير أن خلفا - و هو من شيوخ أحمد -
كان اختلط في الآخر ، و لا ندري أحدث به قبل الاختلاط فيكون صحيحا ، أو بعده
فيكون ضعيفا ، لكن للحديث شواهد يتقوى بها كما يأتي بيانه .
و الحديث له طريق أخرى عن أبي هاشم ، أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير "
( 3 / 163 / 1 ) و عنه أبو نعيم عن سعيد بن زيد عن عمرو بن خالد أنبأنا
أبو هاشم به .
و عمرو هذا هو الواسطي و هو كذاب كما في " المجمع " ( 4 / 313 ) ، فلا يفرح
بمتابعته .
و من شواهده ما رواه إبراهيم بن زياد القرشي عن أبي حازم عن أنس بن مالك مرفوعا
به .
أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " ( ص 23 ) و " الأوسط " ( 1 / 170 / 1 )
و قال :
" لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد ، و لم يروه عن أبي حازم سلمة بن دينار إلا
إبراهيم .
قلت : و هذا أورده العقيلي في " الضعفاء " ( ص 17 و 18 ) و روى عن البخاري أنه
قال : " لم يصح إسناده " . ثم ذكر ما يشعر أنه سيىء الحفظ فقال :
" هذا شيخ يحدث عن الزهري ، و عن هشام بن عورة ، فيحمل حديث الزهري على هشام
بن عروة . و حديث هشام بن عروة على الزهري ، و يأتي أيضا مع هذا عنهما بما لا
يحفظ " .
و قال الذهبي في " الميزان " : " لا يعرف " .
و نحوه قول المنذري في " الترغيب " ( 3 / 77 ) :
" رواه الطبراني ، و رواته محتج بهم في الصحيح إلا إبراهيم بن زياد القرشي فإني
لم أقف فيه على جرح و لا تعديل . و قد روي هذا المتن من حديث ابن عباس و كعب
بن عجرة و غيرهما " .
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 4 / 312 ) :
" رواه الطبراني في " الصغير " و " الأوسط " و فيه إبراهيم بن زياد القرشي ،
قال البخاري : " لا يصح حديثه " ، فإن أراد تضعيفه فلا كلام ، و إن أراد حديثا
مخصوصا فلم يذكره ، و أما بقية رجاله فهم رجال الصحيح " .
قلت : و أنا أرى أنه لا بأس به في الشواهد . و الله أعلم .
و أما حديث كعب بن عجرة الذي أشار إليه المنذري ، فلا يصلح شاهدا لشدة ضعفه ،
قال الهيثمي ( 4 / 312 ) :
" رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " و فيه السري بن إسماعيل و هو
متروك " .
قلت : و من طريقه أخرج أبو بكر الشافعي في " فوائده " النصف الأول منه .


288 - " اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما : عبد أبق من مواليه حتى يرجع إليهم ،
و امرأة عصت زوجها حتى ترجع " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 517 :

أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " ( ص 97 ) و " الأوسط " ( 1 / 169 / 2 )
عن محمد بن أبي صفوان الثقفي حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير ، و الحاكم في
" المستدرك " ( 4 / 173 ) من طريق محمد بن منده الأصبهاني حدثنا بكر بن بكار ،
كلاهما قالا :
حدثنا عمر بن عبيد - زاد الأول : الطنافسي - عن إبراهيم بن مهاجر عن نافع عن
ابن عمر مرفوعا .
و قال الطبراني :
" لم يروه عن إبراهيم إلا عمر ، و لا عنه إلا ابن أبي الوزير ، تفرد به محمد
بن أبي صفوان " .
كذا قال ، و طريق الحاكم ترد عليه ، و قد سكت عنه هو و الذهبي ، و إسناده حسن
عندي ، رجاله ثقات رجال الشيخين ، سوى ابن مهاجر فإنه من رجال مسلم وحده ،
و فيه ضعف يسير .
قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق ، لين الحفظ " .
و أورده الذهبي في " الضعفاء " تمييزا فقال : " ثقة " .
و الحديث قال المنذري ( 3 / 79 ) :
" رواه الطبراني بإسناد جيد ، و الحاكم " .
و قال الهيثمي ( 4 / 313 ) :
" رواه الطبراني في " الصغير " و " الأوسط " و رجاله ثقات " .
قلت : و له شاهد من حديث جابر بسند ضعيف أوردته في " الأحاديث الضعيفة " رقم
( 1075 ) بلفظ :
" ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ... العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ... و المرأة
الساخط عليها زوجها حتى يرضى ، و السكران حتى يصحو " .


289 - " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها ، و هي لا تستغني عنه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 518 :

أخرجه النسائي في " عشرة النساء " من " السنن الكبرى " ( 1 / 84 / 1 ) أخبرنا
عمرو بن منصور قال : حدثنا محمد بن محبوب قال :
حدثنا سرار بن مجشر ابن قبيصة - ثقة - عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد
بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فذكره .
و قال : " سرار بصري ثقة ، هو و يزيد بن زريع يقدمان في سعيد بن أبي عروبة
لأن سعيدا كان قد تغير في آخر عمره ، فمن سمع منه قديما فحديثه صحيح " .
قلت : و تابعه ابن المبارك عن سعيد عن قتادة به .
أخرجه أبو سعيد الشاشي عيسى بن سالم في " حديثه " ( ق 78 / 1 ) : أنبأنا ابن
المبارك به .
قلت : و هذا إسناد صحيح كسابقه .
و قد تابعه عمر بن إبراهيم عن قتادة به .
أخرجه الحاكم ( 2 / 190 ) عن شاذ بن فياض حدثنا عمر بن إبراهيم به . و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي !
و خالف شاذا الخليل بن عمر بن إبراهيم فقال : حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن
عبد الله بن عمرو به مرفوعا . فذكر الحسن و هو البصري بدل ابن المسيب .
أخرجه النسائي و العقيلي في " الضعفاء " ( ص 121 ) و قال :
" الخليل يخالف في بعض حديثه " .
قلت : ليس هو دون شاذ بن فياض في الثقة و الحفظ ، و في ضبطهما كلام يسير ،
و لعل الاختلاف من نفس عمر بن إبراهيم ففي " التقريب " :
" صدوق ، في حديثه عن قتادة ضعف " .
و رواية شاذ عنه أولى عندي لموافقتها لرواية ابن أبي عروبة عن قتادة ،
و لمتابعة أخرى و قفت عليها في " الكامل " لابن عدي أخرجها ( ق 289 / 2 ) من
طريق محمد بن بلال حدثنا عمران عن قتادة عن سعيد بن المسيب به . و قال :
" و محمد بن بلال يغرب عن عمران القطان ، و له عن غيره غرائب ، و أرجو أنه لا
بأس به " .
قلت : و هذا إسناد حسن و شاهد قوي لما سبق .
لكن يبدو أن للحديث أصلا من رواية قتادة عن الحسن ، فقد قال العقيلي عقب ما
نقلته عنه في الخليل بن عمر :
" و قال سرار بن مجشر : عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن و سعيد بن
المسيب عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه " .
فإذا كان هذا محفوظا فهو يؤيد صحة رواية شاذ و الخليل عن عمر بن إبراهيم عن
قتادة عن سعيد و الحسن ، و لكنه لم يسق إسناده إلى سرار لننظر فيه .
ثم ساق رواية ابن المبارك المتقدمة عن سعيد عن قتادة عن ابن المسيب به .
و قال : " هذا أولى " . ثم قال :
" قال هشام الدستواني عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو ، موقوف
نحوه . و هذا أولى " .
قلت : و كذلك رواه شعبة عن قتادة به موقوفا . أخرجه النسائي .
و رواية سرار عن قتادة مرفوعا أولى عندي لسماعه من سعيد قديما كما سبق عن
النسائي و لمتابعة عمر بن إبراهيم له . و الله أعلم .
و الحديث قال المنذري ( 3 / 78 ) :
" رواه النسائي و البزار بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح ، و قال الحاكم :
صحيح الإسناد " .
و قال الهيثمي ( 4 / 309 ) :
" رواه البزار بإسنادين و الطبراني و أحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح " .
و قد صححه عبد الحق الإشبيلي بسكوته عليه في " الأحكام الكبرى " ( ق 144 / 1 )
و إيراده إياه في " الأحكام الصغرى " ( ق 153 / 1 ) التي خصها بالحديث الصحيح .


290 - " لا ، بل يبايع على الإسلام ، فإنه لا هجرة بعد الفتح ، و يكون من التابعين
بإحسان " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 521 :

أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 468 ، 469 ) عن أبي معاوية شيبان عن يحيى بن أبي كثير
عن يحيى بن إسحاق عن مجاشع بن مسعود .
أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم بابن أخ له يبايعه على الهجرة ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير يحيى بن إسحاق و هو
الأنصاري قال ابن معين و ابن حبان : " ثقة " و كذا قال الحافظ في " التقريب " .
ثم أخرجه من طريق أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود قال :
" انطلقت بأخي معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح ، فقلت : يا
رسول الله بايعه على الهجرة ، فقال : مضت الهجرة لأهلها ، قال : فقلت فماذا ؟
قال : على الإسلام و الجهاد " .
زاد في رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي :
" قال : فلقيت معبدا بعد ، و كان هو أكبرهما ، فسألته ؟ فقال : صدق مجاشع " .
و إسناده صحيح على شرط الشيخين .
و يلاحظ القارىء أن المبايع في الرواية الأولى ابن أخي مجاشع ، و في هذه أنه هو
أخوه نفسه و اسمه معبد ، و هو أصح . و الله أعلم .
و أما قوله صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " فقد صح من حديث ابن عباس
و عائشة و أبي سعيد ، و قد خرجتها في " إرواء الغليل " ( 1173 ) .


291 - " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت : من هؤلاء يا
جبريل ؟ فقال : الخطباء من أمتك ، يأمرون الناس بالبر و ينسون أنفسهم ، و هم
يتلون الكتاب ، أفلا يعقلون ؟! " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 522 :

هو من حديث أنس رضي الله عنه ، و له عنه أربع طرق :
الأولى : عن مالك بن دينار عنه .
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( ق 198 / 1 ) :
حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد حدثنا هشام الدستوائي عن المغيرة ختن مالك بن
دينار عن مالك بن دينا .
و أخرجه بن حبان في " صحيحه " ( رقم 52 - ترتيبه ) :
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المنهال الضرير : حدثنا يزيد بن زريع به
قلت : و هذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات معروفون غير المغيرة و هو بن حبيب أبو
صالح الأزدي . أورده الذهبي في " الميزان " لقول الأزدي فيه : " منكر الحديث "
و ذكره بن حبان في " الثقات " و قال : " يروي عن سالم بن عبد الله و شهر بن
حوشب ، و عنه هشام الدستوائي و أهل البصرة ، يغرب " .

قلت : و أورده ابن أبي حاتم ( 4 / 1 / 220 / 991 ) ، و زاد في الرواة عنه حماد
بن زيد و جعفر بن سليمان و صالح المري و بشر بن المفضل . و لم يذكر فيه جرحا
و لا تعديلا .

قلت : فمثله مما تطمئن النفس لحديثه ، لرواية هذا الجمع من الثقات عنه ، دون أن
يعرف بما يسقط حديثه و أما قول الأزدي : " منكر الحديث " فمما لا يلتفت إليه
لأنه معروف بالتعنت في التجريح ، فلعله من أجل ذلك لم يورده الذهبي في كتابه
الآخر الضعفاء و لا في ذيله . و الله أعلم .
و قد تابعه إبراهيم بن أدهم حدثنا مالك بن دينار به .
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 43 - 44 ) و قال : " مشهور من حديث مالك عن
أنس ، غريب من حديث إبراهيم عنه " .

قلت : و هو ثقة زاهد مشهور ، وثقه جماعة من الأئمة كابن معين و غيره ، فهي
متابعة قوية للمغيرة فبذلك يصير الحديث صحيحا . و الحمد لله على توفيقه .

الثانية عن علي بن زيد بن جدعان عنه نحوه أخرجه عبد الله بن المبارك في " الزهد
" ( ق 192 / 1 من الكواكب ) و أحمد ( 3 / 120 ، 180 ، 231 ، 239 ) و أبو يعلى
( 191 / 1 - 2 و 2 ) و الخطيب في " التاريخ " ( 6 / 199 ، 12 / 47 ) عن حماد بن
سلمة عنه .
قلت : و هذا إسناد لا بأس به في المتابعات ، رجاله ثقات رجال مسلم غير بن جدعان
فإنه ضعيف من قبل حفظه و بعضهم يحسن حديثه .
الثالثة عن سليمان التيمي عنه .
أخرجه أبو نعيم ( 8 / 172 - 173 ) :
حدثنا طلحة بن أحمد بن الحسن العوفي حدثنا محمد بن علويه المصيصي حدثنا يوسف بن
سعيد بن مسلم حدثنا عبد الله بن موسى حدثنا بن المبارك عن سليمان التيمي .
و قال : " مشهور من حديث أنس ، رواه عنه عدة ، و حديث سليمان عزيز " .

قلت : و رجاله ثقات رجال الشيخين غير يوسف بن سعيد بن مسلم و هو ثقة حافظ من
شيوخ النسائي و لكني لم أعرف اللذين دونه .
الرابعة عن خالد بن سلمة عنه . أخرجه الواحدي في " التفسير : الوسيط " ( 1 / 15
/ 1 ) عن صالح بن أحمد الهروي : حدثنا أبو بجير محمد بن جابر حدثنا عبد الرحمن
بن محمد المحاربي حدثنا سفيان عنه .

قلت : و هذا سند رجاله ثقات معروفون غير الهروي هذا ، فقد قال فيه أبو أحمد
الحاكم : " فيه نظر " .

قلت : و جملة القول : أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب ، و الحمد لله
رب العالمين .


292 - " يجاء بالرجل يوم القيامة ، فيلقى في النار ، فتندلق أقتابه ( و في رواية :
أقتاب بطنه ) في النار ، فيدور كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع أهل النار عليه
فيقولون : يا فلان ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف ، و تنهانا عن المنكر ؟
قال : كنت آمركم بالمعروف و لا آتيه ، و أنهاكم عن المنكر و آتيه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 525 :

أخرجه البخاري ( 2 /


293 - " أنا أكبر منك سنا ، و العيال على الله و رسوله ، و أما الغيرة ، فأرجو الله
أن يذهبها " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 526 :

أخرجه أبو يعلى في" مسنده " ( 198 / 1 ) : حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي
حدثني عجلان ابن عبد الله من بني عدي عن مالك بن دينار عن أنس قال : لما
حضرت أبا سلمة الوفاة ، قالت أم سلمة إلى من تكلني ؟ فقال اللهم إنك لإم سلمة
خير من أبي سلمة ، فلما توفي خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت إني
كبيرة السن قال : فذكره فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها
برحايين و جرة للماء " !

قلت : و هذا سند جيد رجاله ثقات معروفون غير عجلان هذا فأورده ابن حبان في
الثقات ( 2 / 234 ) و قال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 19 ) عن أبي زرعة :
" بصري لا بأس به " .


294 - " من كان له ثلاثة بنات فصبر عليهن و أطعمهن و سقاهن و كساهن من جدته كن له
حجابا من النار يوم القيامة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 526 :

أخرجه ابن ماجه ( 3669 ) و كذا البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 76 ) و أحمد
( 4 / 154 ) من طريق حرملة بن عمران قال : سمعت أبا عشانة المعافري قال :
سمعت عقبة بن عامر يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
قلت و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي عشانة بضم المهملة و تشديد
المعجمة ، و اسمه حي بن يؤمن بضم التحتانية و سكون الواو المصري و هو ثقة مشهور
بكنيته .
و قال البوصيري في " الزوائد " ( 221 / 1 ) :
" إسناده صحيح ، و رواه أحمد و أبو يعلى في " مسنديهما " ، و له شاهد من حديث
أبي سعيد الخدري ، رواه أبو داود و الترمذي " .
قلت : هذا الشاهد ضعيف ، لجهالته و اضطرابه ، فأخرجه أبو داود ( 5147 ) من طريق
خالد ، و البخاري في " الأدب المفرد " ( 79 ) عن عبد العزيز بن محمد ، و أحمد
( 3 / 42 ) عن إسماعيل بن زكريا ، كلهم عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد الأعشى
- و هو سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل الزهري - عن أيوب ابن بشير الأنصاري عن أبي
سعيد الخدري مرفوعا بلفظ :
" من عال ثلاث بنات ، فأدبهن و زوجهن ، و أحسن إليهن ، فله الجنة " .
و لفظ أحمد :
" لا يكون لأحد ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات ، أو ابنتان ، أو أختان فيتقي الله
فيهن ، و يحسن إليهن ، إلا دخل الجنة " .
و هو لفظ البخاري باختصار .
و أخرجه الترمذي ( 1 / 349 ) من طريق عبد الله بن المبارك : أخبرنا ابن عيينة
عن سهل بن أبي صالح عن أيوب بن بشير عن سعيد الأعشى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا
بلفظ :
" من كان له ثلاث بنات أو .. " الحديث نحو لفظ أحمد .
و كذا أخرجه ابن حبان ( 2044 ) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان
به . و وقع فيه بعض الأخطاء المطبعية في سنده .
فهذا اضطراب شديد فيه عجيب ، فبينما نرى في الرواية الأولى سعيد الأعشى هو شيخ
سهيل بن أبي صالح ، و الراوي عن أيوب بن بشير ، إذا بنا نراه في الرواية الأخرى
شيخ أيوب بن بشير و الراوي عن أبي سعيد ، ثم هو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان ،
و لهذا ضعفه الترمذي بقوله :
" حديث غريب " .


295 - " من كن له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فاتقى الله و أقام عليهن كان معي في الجنة
هكذا ، و أومأ بالسباحة و الوسطى " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 528 :

أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 170 / 1 ) : حدثنا شيبان حدثنا محمد بن زياد
البرجمي حدثنا ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن زياد البرجمي و هو
ثقة ، قال ابن عدي في " الكامل " ( 14 / 2 ) :
" قال لنا عبدان الأهوازي : سألت الفضل بن سهل الأعرج و ابن إشكاب عن محمد بن
زياد البرجمي هذا ، فقالا : هو من ثقات أصحابنا " .
و أورده ابن حبان في " الثقات " و قال ( 2 / 267 ) :
" يروي عن ثابت البناني ، روى عنه البصريون " .
قلت : و لم يعرفه أبو حاتم الرازي فقال ابنه ( 3 / 2 / 258 ) : " سألته عنه ؟
فقال : هو مجهول " .
و قد تابعه حماد بن زيد بلفظ آخر ، و هو :
" من عال ابنتين ، أو ثلاث بنات ، أو أختين أو ثلاث أخوات ، حتى يمتن ( و في
رواية : يبن ، و في أخرى يبلغن ) أو يموت عنهن كنت أنا و هو كهاتين ، و أشار
بأصبعيه السبابة و الوسطى " .


296 - " من عال ابنتين أو ثلاث بنات أو أختين أو ثلاث أخوات حتى يمتن ( و في رواية :
يبن و في أخرى يبلغن ) أو يموت عنهن كنت أنا و هو كهاتين و أشار بأصبعيه
السبابة و الوسطى " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 529 :

أخرجه أحمد ( 3 / 147 - 148 ) : حدثنا يونس حدثنا حماد يعني ابن زيد عن ثابت
عن أنس أو غيره ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .
و أخرجه ابن حبان ( 2045 ) من طريقين آخرين عن حماد بن زيد به ، و لم يقل :
" أو غيره " و عنده الرواية الثانية .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط الشيخين .
و أورده الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 157 ) بنحوه من رواية الطبراني في
"الأوسط " بإسنادين قال : " و رجال أحدهما رجال الصحيح " .
قلت : و عنده الرواية الثالثة ، و مما يرجح هذه الرواية أنها ثبتت من طريق
أخرى عن أنس بنحوه ، و هو .
" من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا و هو و ضم أصابعه " .


297 - " من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا و هو . و ضم أصابعه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 529 :

أخرجه مسلم ( 8 / 38 - 39 ) و اللفظ له ، و الترمذي ( 1 / 349 ) من طريق محمد
بن عبد العزيز عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن غريب " .
قلت : و إسناده صحيح . و ليس عند الترمذي : " حتى تبلغا " .
و قال : " أنا دخلت و هو الجنة كهاتين ، و أشار بأصبعيه " .


298 - " يكفيك الماء و لا يضرك أثره " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 530 :

أخرجه أبو داود ( 1 / 141 - 142 - بشرح العون ) و أحمد ( 2 / 380 ) قالا :
حدثنا قتيبة بن سعيد أنبأنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة
عن أبي هريرة .
" أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! إنه
ليس لي إلا ثوب واحد ، و أنا أحيض فيه ، فكيف أصنع ؟ قال : إذا طهرت فاغسليه ،
ثم صلي فيه ، فقالت : فإن لم يخرج الدم ؟ قال " . فذكره .
و رواه البيهقي في " السنن " ( 2 / 408 ) من طريق عثمان بن صالح حدثنا ابن
لهيعة : حدثني يزيد ابن أبي حبيب به .
و تابعهما عبد الله بن وهب فقال : أخبرنا ابن لهيعة به .
أخرجه البيهقي و كذا أبو الحسن القصار في " حديثه عن ابن أبي حاتم " ( 2 / 2 )
و ابن الحمصي الصوفي في " منتخب من مسموعاته " ( 33 / 1 ) و ابن منده في
" المعرفة " ( 2 / 321 / 2 ) .
و قال البيهقي : إسناده ضعيف . " تفرد به ابن لهيعة " .
قلت : و قال ابن الملقن في " خلاصة الإبريز للنبيه ، حافظ أدلة التنبيه "
( ق 89 / 2 ) : " و قد ضعفوه ، و وثقه بعضهم " .
و قال الحافظ في " فتح الباري " ( 1 / 266 ) :
" رواه أبو داود و غيره ، و في إسناده ضعف ، و له شاهد مرسل " .
و نقله عنه صاحب " عون المعبود " ( 1 / 141 - 142 ) و أقره !
و قال الحافظ أيضا في " بلوغ المرام " :
" أخرجه الترمذي ، و سنده ضعيف " .
قال شارحه الصنعاني ( 1 / 55 ) تبعا لأصله " بدر التمام " ( 1 / 29 / 1 ) :
" و كذلك أخرجه البيهقي ، و فيه ابن لهيعة " .
و اغتر بقول الحافظ هذا جماعة فعزوه تبعا له إلى الترمذي ، منهم صديق حسن خان
في " الروضة الندية " ( 1 / 17 ) ، و من قبله الشوكاني في " نيل الأوطار "
فقال ( 1 / 35 ) :
" أخرجه الترمذي و أحمد و أبو داود ، و البيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار ،
و فيه ابن لهيعة " .
و كذا قال الحافظ في " التلخيص " ( 13 ) لكنه لم يذكر الترمذي و أحمد .
أقول : و في كلمات هؤلاء الأفاضل من الأوهام ما لا يجوز السكوت عليه فأقول :
أولا : عزوه الترمذي و هم محض ، فإنه لم يخرجه البتة ، و إنما أشار إليه عقب
حديث أسماء الآتي بقوله :
" و في الباب عن أبي هريرة ، و أم قيس بنت محصن " .
و لذلك لما شرع ابن سيد الناس في تخريج الحديث كعادته في تخريج أحاديث الترمذي
المعلقة لم يزد على قوله :
" رواه أحمد " ، فلم يعزه لأي موضع من " سننه " ، بل و لا لأي كتاب من كتبه
الأخرى . و كذلك صنع المباركفوري في شرحه عليه . إلا أنه جاء بوهم آخر ! فقال
( 1 / 128 ) .
" أخرجه أبو داود و النسائي و ابن ماجه " !

ثانيا : إطلاق الضعف على ابن لهيعة و إسناد حديثه هذا ، ليس بصواب فإن المتقرر
من مجموع كلام الأئمة فيه أنه ثقة في نفسه ، و لكنه سيىء الحفظ ، و قد كان يحدث
من كتبه فلما احترقت حدث من حفظه فأخطأ ، و قد نص بعضهم على أن حديثه صحيح إذا
جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة : عبد الله بن وهب ، و عبد الله بن المبارك ،
و عبد الله بن يزيد المقرىء ، فقال الحافظ عبد الغني ابن سعيد الأزدي :
إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ، ابن المبارك و ابن وهب و المقرىء .
و ذكر الساجي و غيره مثله . و نحوه قول نعيم بن حماد : سمعت ابن مهدي يقول :
" لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك و نحوه " .
و قد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا بقوله في " التقريب " :
" صدوق ، خلط بعد احتراق كتبه ، و رواية ابن المبارك و ابن وهب عنه أعدل من
غيرهما " .
فإذا عرفت هذا تبين لك أن الحديث صحيح لأنه قد رواه عنه أحد العبادلة و هو
عبد الله بن وهب عند البيهقي و غيره ، كما سبق ، فينبغي التفريق بين طريق
أبي داود و غيره عن ابن لهيعة ، فيقال : إنها ضعيفة ، و بين طريق البيهقي ،
فتصحح لما ذكرنا . و هذا تحقيق دقيق استفدناه من تدقيقات الأئمة في بيان أحوال
الرواة تجريحا و تعديلا . و التوفيق من الله تعالى .
ثالثا : قول الشوكاني : " إن الحديث أخرجه أحمد و أبو داود و البيهقي من طريقين
عن خولة بنت يسار ، و فيه ابن لهيعة ". و هم أيضا ، فإنه ليس للحديث عندهم إلا
الطريق المتقدم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة
أن خولة بنت يسار .
فالطريق ينتهي إلى أبي هريرة لا خولة ، و عنه عيسى بن طلحة ، ليس إلا .
نعم قد رواه ابن لهيعة مرة على وجه آخر في شيخه فقال في رواية موسى بن داود
الضبي عنه قال : حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عيسى بن طلحة به
.
أخرجه أحمد ( 2 / 344 ) ، فهذا إن كان ابن لهيعة قد حفظه من طريق أخرى له عن
عيسى بن طلحة ، و إلا فهو من أوهامه لأنها ليست من رواية أحد العبادلة عنه بل
هي مخالفة لها كما سبق ، و سواء كان هذا أو ذاك فلا يصح أن يقال في هذه الطريق
أنها طريق أخرى و عن خولة أيضا ! !
و لعل الشوكاني أراد بالطريق الأخرى ما أخرجه البيهقي عقب حديث أبي هريرة ، من
طريق مهدي بن حفص حدثنا علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة ابن عبد
الرحمن عن خولة بنت يمان قالت :
" قلت : يا رسول الله ، إني أحيض ، و ليس لي إلا ثوب واحد ، فيصيبه الدم .
قال : اغسليه و صلي فيه . قلت : يا رسول الله ، يبقى أثره . قال : لا يضر " .
و قال : " قال إبراهيم الحربي : الوازع بن نافع غيره أوثق منه ، و لم يسمع خولة
بنت يمان أو يسار إلا في هذين الحديثين " .
و أخرجه ابن منده في " المعرفه " ( 2 / 321 / 2 ) و ابن سيد الناس في
" شرح الترمذي " ( 1 / 48 / 2 ) من طريق عثمان بن أبي شيبة ، أنبأنا علي
ابن ثابت الجزري به ، إلا أن الأول منهما قال " خولة " و لم ينسبها ،
و قال الآخر : " خولة بنت حكيم " و هو عنده من طريق الطبراني عن ابن أبي شيبة ،
و كذلك ذكره الهيثمي في " المجمع " ( 1 / 282 ) من رواية الطبراني في الكبير
و قال : " و فيه الوازع بن نافع و هو ضعيف " .
قلت : بل هو متروك شديد الضعف ، أورده الذهبي في " الضعفاء " و قال :
" قال أحمد و يحيى : ليس بثقة " . و لذلك تعقب ابن التركماني البيهقي في تركه
مثل هذا التجريح و اختصاره على كلام إبراهيم الحربي الموهم بظاهره أنه ثقة لكن
غيره أوثق منه ! مع أنه ليس بثقة . و لعل قوله في رواية البيهقي " بنت يمان " ،
و قوله " بنت حكيم " في رواية الطبراني و غيره ، إنما هو من الوازع هذا ، و من
العجائب قول ابن عبد البر في " الاستيعاب " في ترجمة خولة بنت يسار بعد أن ذكر
حديثها المتقدم :
" روى عنها أبو سلمة ، و أخشى أن تكون خولة بنت اليمان ، لأن إسناد حديثهما
واحد ، إنما هو علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة بالحديث الذي ذكرنا
في اسم خولة بنت اليمان ( يعني حديث : " لا خير في جماعة النساء ... " )
و بالذي ذكرنا ههنا ، إلا أن من دون علي بن ثابت يختلف في الحديثين ، و في ذلك
نظر " .
و وجه العجب أن الحديث الذي أشار إليها بقوله " و بالذي ذكرنا هنا " إنما هو
هذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه " و لا يضرك أثره " و هو الذي ذكره
ابن عبد البر في ترجمة بنت يسار هذه كما أشرت إليه آنفا ، و هو ليس من رواية
أبي سلمة هذا عنها و لا عن غيرها ، و إنما هو من رواية عيسى بن طلحة عن أبي
هريرة كما سبق ، فهذا طريق آخر للحديث ، و فيه وقع اسمها منسوبا إلى يسار ،
و السند بذلك صحيح ، فكيف نخشى أن يكون ذلك خطأ و الصواب بنت يمان مع أن راويه
علي بن ثابت ضعيف كما أشار إليه ابن عبد البر بل هو متروك كما سبق . و أعجب من
ذلك أن الحافظ ابن حجر لما نقل كلام ابن عبد البر إلى قوله " لأن إسناد حديثهما
واحد " رد عليه بقوله : " قلت : لا يلزم من كون الإسناد إليهما واحدا مع اختلاف
المتن أن تكون واحدة " فسلم بقوله إن الإسناد واحد ، مع أنه ليس كذلك ، و هو
الإمام الحافظ ، فجل من لا يسهو و لا ينسى تبارك و تعالى .
رابعا : قول الحافظ فيما سبق : " و له شاهد مرسل " ، و هم أيضا ، فإننا لا نعلم
له شاهدا مرسلا ، و لا ذكره الحافظ في " التلخيص " و إنما ذكر له شاهدا موقوفا
عن عائشة قالت :
" إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران " . أخرجه
الدارمي ( 1 / 238 ) و سكت عليه الحافظ ( 13 ) و سنده صحيح على شرط الشيخين .
و رواه أبو داود بنحوه . انظر " صحيح أبي داود " ( ج 3 رقم 383 ) .
و الحديث دليل على نجاسة دم الحيض لأمره صلى الله عليه وسلم بغسله ، و ظاهره
أنه يكفي فيه الغسل ، و لا يجب فيه استعمال شيء من الحواد و المواد القاطعة
لأثر الدم ، و يؤيده الحديث الآتي :
" إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ( و في رواية :
ثم اقرصيه بماء ثم انضحي في سائره ) ثم لتصلي فيه " .


299 - " إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ( و في رواية :
ثم اقرصيه بماء ثم انضحي في سائره ) ثم لتصلي فيه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 536 :
أخرجه مالك ( 1 / 79 ) و عنه البخاري ( 1 / 325 ) و مسلم ( 1 / 166 )
و أبو داود ( ج 3 رقم 386 - صحيحه ) و البيهقي ( 1 / 13 ) كلهم عن مالك عن هشام
بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها
قالت :
" سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أرأيت إحدانا إذا أصاب
ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... "
فذكره .
و تابعه يحيى بن سعيد عن هشام به .
أخرجه البخاري ( 1 / 264 ) و مسلم و البيهقي ( 2 / 406 )
و أحمد ( 6 / 346 ، 353 ) .
و تابعه حماد بن سلمة عنه به ، و زاد : " و انضحي ما حوله " .
أخرجه أبو داود ( رقم 387 ) و النسائي ( 1 / 69 ) و أبو داود الطيالسي ( 1638 )
و الزيادة له ، و لأبي داود معناها .
قلت : و سنده على شرط مسلم . و تابعه وكيع عنه .
أخرجه مسلم . و يحيى بن عبد الله بن سالم و عمرو بن الحارث .
أخرجه مسلم و البيهقي . و تابعه عيسى بن يونس عنه .
أخرجه أبو داود . و تابعه أبو خالد الأحمر عن هشام به .
أخرجه ابن ماجه ( 1 / 217 ) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر
به . و لفظه : " اقرصيه ، و اغسليه و صلي فيه " .
و تابعه أبو معاوية قال : حدثنا هشام به .
أخرجه أحمد ( 6 / 345 و 353 ) .
و تابعه سفيان بن عيينة عن هشام به إلا أنه قال : " اقرصيه بالماء ثم رشيه " .
أخرجه الترمذي ( 1 / 254 - 255 ) و الدارمي ( 1 / 239 ) و الشافعي في " الأم "
( 1 / 58 ) و البيهقي ( 1 / 13 ، 2 / 406 ) .
و قال الترمذي : " و في الباب عن أبي هريرة ، و أم قيس بنت محصن " . قال :
" حديث أسماء حديث حسن صحيح " .
( تنبيه ) اتفق جميع هؤلاء الرواة عن هشام بن عروة على تنكير المرأة السائلة
و عدم تسميتها ، إلا سفيان بن عيينة في رواية الشافعي و عمرو بن عون عند
الدارمي فإنهما قالا عنه :
" عن أسماء قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فجعلا الراوية هي السائلة ، و خالفهما الحميدي عند البيهقي و ابن أبي عمر عند
الترمذي فقالا عن سفيان بن عيينة مثل رواية الجماعة . و لا شك أنها هي المحفوظة
.
و رواية الشافعي و ابن عون شاذة لمخالفتها لرواية الجماعة عن هشام ، و رواية
الحميدي و ابن أبي عمر عن سفيان ، و لذلك ضعفها النووي فأصاب ، و لكنه لم يفصح
عن العلة ، فأوهم ما لا يريد ، و لذلك تعقبه الحافظ في " الفتح " فقال
( 1 / 264 ) بعد أن ذكر رواية الشافعي هذه :
" و أغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل ، و هي صحيحة الإسناد لا علة لها ،
و لا بعد في أن يهم الراوي اسم نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية
بفاتحة الكتاب " .
و قال في " التلخيص " ( 13 ) :
" ( تنبيه ) : زعم النووي في " شرح المهذب " أن الشافعي روى في " الأم أن أسماء
هي السائلة بإسناد ضعيف . و هذا خطأ ، بل إسناده في غاية الصحة ، و كأن النووي
قلد في ذلك ابن الصلاح ، و زعم جماعة ممن تكلم على " المهذب " أنه غلط في قوله
إن أسماء هي السائلة ، و هم الغالطون " .
قلت : كلا ، بل هم المصيبون ، و الحافظ هو الغالط ، و السبب ثقته البالغة بحفظ
الشافعي و هو حري بذلك ، لكن رواية الجماعة أضبط و أحفظ ، و يمكن أن يقال : إن
الغلط ليس من الشافعي ، بل من ابن عيينة نفسه ، بدليل أنه صح عنه الروايتان ،
الموافقة لرواية الجماعة ، و المخالفة لها ، فروى الشافعي و الذي معه هذه ،
و روى الحميدي و الذي معه رواية الجماعة ، فكانت أولى و أصح ، و خلافها معلولة
بالشذوذ ، و لو أن الحافظ رحمه الله جمع الروايات عن هشام كما فعلنا ، لم يعترض
على النووي و من معه ، بل لوافقهم على تغليطهم لهذه الرواية .
و العصمة لله وحده .
و أما قوله " و لا بعد في أن يبهم الراوي ... " فمسلم ، و لكن ذلك عندما لا
تكون الرواية التي وقع فيها التسمية شاذة كما هنا .
و مما يؤيد ما تقدم أن محمد بن إسحاق قد تابع هشاما على روايته فقال :
حدثتني فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت :
" سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثوبها إذا طهرت من محيضها
كيف تصنع به ؟ قال : إن رأيت فيه دما فحكيه ، ثم اقرصيه بماء ، ثم انضحي في
سائره فصلي فيه " .
أخرجه أبو داود ( 385 ) و الدارمي ( 1 / 239 ) و السياق له و البيهقي
( 2 / 406 ) و سنده حسن .
فقولها " سمعت امرأة " مما يبعد أن تكون هي السامعة كما هو ظاهر .
( تنبيه ) في هذه الرواية زيادة " ثم انضحي في سائره " ، و هي زيادة هامة لأنها
تبين أن قوله في رواية هشام " ثم لتنضحه " ليس المراد نضح مكان الدم ، بل الثوب
كله . و يشهد لها حديث عائشة قالت :
" كانت إحدانا تحيض ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله و تنضح على سائره ،
ثم تصلي فيه " .
أخرجه البخاري ( 1 / 326 ) و ابن ماجه ( 1 / 217 ) و البيهقي ( 2 / 406 - 407 )
.
و ظاهر الحديث يدل كالحديث الذي قبله على أن الماء يكفي في غسل دم الحيض و أنه
لا يجب فيه استعمال شيء من الحواد كالسدر و الصابون و نحوه ، لكن قد جاء ما يدل
على وجوب ذلك و هو الحديث الآتي .
" حكيه بضلع ، و اغسليه بماء و سدر " .


300 - " حكيه بضلع و اغسليه بماء و سدر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 539 :

أخرجه أبو داود ( 1 / 141 - بشرح عون المعبود ) و النسائي ( 1 / 69 ) و الدارمي
( 1 / 239 ) و ابن ماجه ( 1 / 217 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 235 ) و البيهقي
( 2 / 407 ) و أحمد ( 6 / 355 ، 356 ) من طرق عن سفيان : حدثني ثابت الحداد
حدثني عدي بن دينار قال : سمعت أم قيس بنت محصن تقول :
" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب ؟ قال ... " فذكره
.
قلت : و هذا سند صحيح و رجاله كلهم ثقات ، و في ثابت الحداد و هو ابن هرمز
الكوفي مولى بكر بن وائل خلاف يسير ، وثقه أحمد و ابن معين و ابن المديني
و غيرهم ، و تكلم فيه بعضهم بدون حجة ، و في " التقريب " : " صدوق يهم " .
و كأنه لهذا لم يصحح الحافظ في " الفتح " ( 1 / 266 ) إسناده ، بل قال :
" إسناده حسن " . و قال في " التهذيب " :
" و أخرج ابن خزيمة و ابن حبان حديثه في الحيض في " صحيحيهما " ، و صححه ابن
القطان ، و قال عقبه : لا أعلم له علة ، و ثابت ثقة و لا أعلم أحدا ضعفه غير
الدارقطني " .
و نقل في " التلخيص " ( ص 12 - 13 ) تصحيح ابن القطان هذا و أقره ، و هو
الصواب .
( تنبيه ) : قوله " بضلع " كذا وقع عند جميع من أخرج الحديث بالضاد المعجمة ،
و هو بالكسر و فتح اللام و يكسر ، و هو العود .
لكن قال الحافظ في " التلخيص " ( 13 ) :
" ضبطه ابن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة و إسكان اللام ثم عين مهملة و هو
الحجر . قال : و وقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة و فتح اللام ، و لعله
تصحيف لأنه لا معنى يقضي تخصيص الضلع بذلك . كذا قال .
لكن قال الصغاني في " العباب " في مادة " ضلع " بالمعجمة :
" و في الحديث حتيه بضلع " .
قال ابن الأعرابي : الضلع ههنا العود الذي فيه اعوجاج .
و كذا ذكره الأزهري في المادة المذكورة و زاد عن الليث :
قال : " الأصل فيه ضلع الحيوان فسمي به العود الذي يشبهه " .
فقه الحديث
-----------
يستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة أذكر أهمها :
الأول : أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات ، لأن جميع
النجاسات بمثابة دم الحيض ، و لا فرق بينه و بينها اتفاقا . و هو مذهب الجمهور
و ذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر .
قال الشوكاني ( 1 / 35 ) :
" و الحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابا و سنة وصفا مطلقا غير مقيد
لكن القول بتعينه و عدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل و فرك المني ، و إماطته
بإذخرة ، و أمثال ذلك كثير ، فالإنصاف أن يقال أنه يطهر كل فرد من أفراد
النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص ، لكنه إن كان ذلك الفرد
المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها و عدم
مساواة غيره له فيها ، و إن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء
لذلك ، و إن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على
فرد من أفراد المطهرات بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو
اللازم لحصول الامتثال به بالقطع ، و غيره مشكوك فيه . و هذه طريقة متوسطة بين
القولين لا محيص عن سلوكها " .
قلت : و هذا هو التحقيق فشد عليه بالنواجذ . و مما يدل على أن غير الماء لا
يجزىء في دم الحيض قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني : " يكفيك الماء "
فإن مفهومه أن غير الماء لا يكفي . فتأمل .
الثاني : أنه يجب غسل دم الحيض و لو قل ، لعموم الأمر ، و هل يجب استعمال شيء
من المواد لقطع أثر النجاسة كالسدر و الصابون و نحوهما ؟ فذهب الحنفية و غيرهم
إلى عدم الوجوب مستدلين بعدم ورود الحاد في الحديثين الأولين ، و ذهب الشافعي
و العترة كما في " نيل الأوطار " ( 1 / 35 - 36 ) إلى الوجوب و استدلوا بالأمر
بالسدر في الحديث الثالث و هو من المواد ، و جنح إلى هذا الصنعاني فقال في
" سبل السلام " ( 1 / 55 ) ردا على الشارح المغربي في قوله " و القول الأول
أظهر " :
" و قد يقال : قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بالماء و السدر ، و السدر من
الحواد و الحديث ، الوارد به في غاية الصحة كما عرفت ، فيقيد به ما أطلق في
غيره ( كالحديثين السابقين ) و يخص الحاد بدم الحيض ، و لا يقاس عليه غيره من
النجاسات ، و ذلك لعدم تحقق شروط القياس ، و يحمل حديث " و لا يضرك أثره " ،
و قول عائشة : " فلم يذهب " أي بعد الحاد " .
قلت : و هذا هو الأقرب إلى ظاهر الحديث ، و من الغريب أن ابن حزم لم يتعرض له
في " المحلى " ( 1 / 102 ) بذكر ، فكأنه لم يبلغه .
الثالث : أن دم الحيض نجس للأمر بغسله ، و عليه الإجماع كما ذكره الشوكاني
( 1 / 35 ) عن النووي ، و أما سائر الدماء فلا أعلم نجاستها اللهم إلا ما ذكره
القرطبي في " تفسيره " ( 2 / 221 ) من " اتفقا العلماء على نجاسة الدم " .
هكذا قال " الدم " فأطلقه ، و فيه نظر من وجهين :
الأول : أن ابن رشد ذكر ذلك مقيدا ، فقال في " البداية " ( 1 / 62 ) :
" اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس " و اختلفوا في دم السمك .. " .

و الثاني : أنه قد ثبت عن بعض السلف ما ينافي الإطلاق المذكور ، بل إن بعض ذلك
في حكم المرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
1 - قصة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم و هو قائم يصلى
فاستمر في صلاته و الدماء تسيل منه . و ذلك في غزوة ذات الرقاع ، كما أخرجه
أبو داود و غيره من حديث جابر بسند حسن كما بينته في " صحيح أبي داود " ( 192 )
و من الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بها ، لأنه يبعد أن لا يطلع النبي
صلى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة . و لم ينقل أنه أخبره بأن
صلاته بطلت كما قال الشوكاني ( 1 / 165 ) .
2 - عن محمد بن سيرين عن يحيى الجزار قال : صلى ابن مسعود و على بطنه فرث و دم
من جزور نحرها ، و لم يتوضأ . أخرجه عبد الرزاق في " الأمالي " ( 2 / 51 / 1 )
و ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 151 / 1 ) و الطبراني في " المعجم الكبير "
( 3 / 28 / 2 ) و إسناده صحيح أخرجوه من طرق عن ابن سيرين و يحيى ابن الجزار
قال ابن أبي حاتم ( 4 / 2 / 133 ) : " و قال أبي و أبو زرعة : ثقة " .
3 - ذكر ابن رشد اختلاف العلماء في دم السمك ، و ذكر أن السبب في اختلافهم هو
إختلافهم في ميتته ، فمن جعل ميتتة داخلة تحت عموم التحرير جعل دمه كذلك ، و من
أخرج ميتتة أخرج دمه قياسا على الميتة " .
فهذا يشعر بأمرين :
أحدهما : أن إطلاق الاتفاق على نجاسة الدم ليس بصواب لأن هناك بعض الدماء اختلف
في نجاستها كدم السمك مثلا ، فما دام أن الاتفاق على إطلاقه لم يثبت ، لم يصح
الاستدلال به على موارد النزاع ، بل وجب الرجوع فيه إلى النص ، و النص إنما دل
على نجاسة دم الحيض ، و ما سوى ذلك فهو على الأصل المتفق عليه بين المتنازعين
و هو الطهارة فلا يخرج منه إلا بنص تقوم به الحجة .
الأمر الآخر : أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجة إلا أنه محرم بنص
القرآن فاستلزموا من التحريم التنجيس كما فعلوا تماما في الخمر و لا يخفى أنه
لا يلزم من التحريم التنجيس بخلاف العكس كما بينه الصنعاني في " سبل السلام "
ثم الشوكاني و غيرهما ، و لذلك قال المحقق صديق حسن خان في " الروضة الندية "
( 1 / 18 ) بعد أن ذكر حديث أسماء المتقدم و حديث أم قيس الثالث :
" فالأمر بغسل دم الحيض و حكه بضلع يفيد ثبوت نجاسته ، و إن اختلف وجه تطهيره ،
فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا ، و أما سائر الدماء فالأدلة مختلفة ، مضطربة
و البراءة الأصلية مستصحبة ، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة
أو المساوية ، و لو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى ( فإنه رجس )
إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة و الدم المسفوح و لحم الخنزير ،
لكان ذلك مفيدا لنجاسة الدم المسفوح و الميتة ، و لكن لم يرد ما يفيد ذلك ،
بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب ، و الظاهر الرجوع إلى الأقرب
و هو لحم الخنزير ، لإفراد الضمير و لهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون
الدم الذي ليس بدم حيض . و من رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا
الضمير المذكور في الآية ، فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد
الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعددة " .
و لهذا لم يذكر الشوكانى في النجاسات من " الدرر البهية " الدم على عمومه ،
و إنما دم الحيض فقط ، و تبعه على ذلك صديق حسن خان كما رأيت فيما نقلته عنه
آنفا . و أما تعقب العلامة أحمد شاكر في تعليقه على " الروضة " بقوله :
" هذا خطأ من المؤلف و الشارح ، فإن نجاسة دم الحيض ليست لأنه دم حيض بل لمطلق
الدم ، و المتتبع للأحاديث يجد أنه كان مفهوما أن الدم نجس ، و لو لم يأت لفظ
صريح بذلك ، و قد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة " .
قلت : فهذا تعقب لا طائل تحته ، لأنه ليس فيه إلا مجرد الدعوى ، و إلا فأين
الدليل على نجاسة دم الحيض ليس لأنه دم حيض بل لمطلق الدم ؟ و لو كان هناك دليل
على هذا لذكره هو نفسه و لما خفي إن شاء الله تعالى على الشوكاني و صديق خان
و غيرهما . و مما يؤيد ما ذكرته أن ابن حزم على سعة اطلاعه لم يجد دليلا على
نجاسة الدم مطلقا ، إلا حديثا واحدا و هو إنما يدل على نجاسة دم الحيض فقط كما
سيأتي بيانه ، فلو كان عنده غيره لأورده ، كما هي عادته في استقصاء الأدلة لا
سيما ما كان منها مؤيدا لمذهبه .
و أما قول الشيخ أحمد شاكر :
" و المتتبع للأحاديث يجد أنه كان مفهموما أن الدم نجس " .
فهو مجرد دعوى أيضا ، و شيء لم أشعر به البتة فيما وقفت عليه من الأحاديث بل
وجدت فيها ما يبطل هذه الدعوى كما سبق في حديث الأنصاري و حديث ابن مسعود .
و مثل ذلك قوله :
" و قد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة " .
فما علمنا أن للفطرة مدخلا في معرفة النجاسات في عرف الشارع ، ألا ترى أن
الشارع حكم بطهارة المني ، و نجاسة المذي ، فهل هذا مما يمكن معرفته بالفطرة ،
و كذلك ذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر ، و إنها تطهر إذا تخللت ، فهل هذا مما
يمكن معرفته بالفطرة ؟ اللهم لا . فلو أنه قال " ما هو قذر " و لم يزد لكان
مسلما . و الله تعالى ولي الهداية و التوفيق .


301 - " إنما ذلك عرق و ليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، فإذا أدبرت
فاغسلي عنك الدم ثم صلي ( ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ) " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 546 :

أخرجه الشيخان و أبو عوانة في " صحاحهم " و أصحاب السنن الأربعة و مالك
و الدارمي و الدارقطني و البيهقي و أحمد من حديث عائشة قالت :
" إن فاطمة بنت حبيش جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إنى امرأة
أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قال ... " فذكره .

و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " . و الزيادة له و للبخاري .
و الشاهد من الحديث قوله : " فاغسلي عنك الدم " ، فهو دليل آخر على نجاسة دم
الحيض ، و من غرائب ابن حزم أنه ذهب إلى أن قوله فيه ( الدم ) على العموم يشمل
جميع الدماء من الإنسان و الحيوان ! فقال في " المحلى " ( 1 / 102 - 103 ) :
" و هذا عموم منه صلى الله عليه وسلم لنوع الدم ، و لا نبالي بالسؤال إذا كان
جوابه عليه السلام قائما بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال " !
و قد رد عليه بعض الفضلاء ، فقال في هامش النسخة المخطوطة من " المحلى " نقلا
عن المطبوعة - ما نصه :
" بل الأظهر أنه يريد دم الحيض ، و اللام للعهد الذكري الدال عليه ذكر الحيضة
و السياق ، فهو كعود الضمير سواء ، فلا يتم قوله " و هذا عموم الخ " .
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه :
" و هو استدراك واضح صحيح " .
قلت : فهذا يدلك على أن الذين ذهبوا إلى القول بنجاسة الدم إطلاقا ليس عندهم
بذلك نقل صحيح صريح ، فهذا ابن حزم يستدل عليه بمثل هذا الحديث و فيه ما رأيت ،
و اقتصاره عليه وحده يشعر اللبيب بأن القوم ليس عندهم غيره و إلا لذكره ابن حزم
و كذا غيره . فتأمل .
و جملة القول : أنه لم يرد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه ،
إلا دم الحيض ، و دعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول ، و الأصل
الطهارة ، فلا يترك إلا بنص صحيح يجوز به ترك الأصل ، و إذ لم يرد شيء من ذلك
فالبقاء على الأصل هو الواجب . و الله أعلم .


302 - " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفى من قريش
بني هاشم و اصطفاني من بني هاشم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 547 :

أخرجه مسلم ( 7 / 58 ) و أبو يعلى في " مسنده " ( 355 / 2 ) و الخطيب
( 13 / 64 ) و ابن عساكر ( 17 / 353 / 1 ) من طريق الوليد بن مسلم : حدثنا
الأوزاعي عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
و أخرجه أحمد ( 4 / 107 ) : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا الأوزاعي قال :
حدثني أبو عمار به .
قلت : و هذه متابعة قوية من أبي المغيرة للوليد بن مسلم ، و إنما أخرجتها مع
إخراج مسلم لحديثه ، خشية أن يتعلق أحد بالوليد فيعل الحديث به لأنه كان يدلس
تدليس التسوية ، و هو لم يصرح بالتحديث بين الأوزاعي و أبي عمار ، فأمنا تدليسه
بهذه المتابعة .
و قد تابعه أيضا يزيد بن يوسف و هو الرحبي الصنعاني الدمشقي و لكنه ضعيف كما في
" التقريب " .
أخرجه أبو يعلى . و تابعه أيضا محمد بن مصعب قال : حدثنا الأوزاعي به إلا أنه
زاد في أوله :
" إن الله عز و جل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، و اصطفى من بني إسماعيل
كنانة ... " .
أخرجه أحمد و الترمذي ( 2 / 281 ) و قال :
" حديث حسن صحيح " .
قلت : محمد بن صعب و هو القرقساني صدوق كثير الغلط كما في " التقريب " .
ففي ما تفرد به دون الثقات نظر ، و تابعه يحيى بن أبي كثير لكن الراوي عنه
سليمان بن أبي سليمان و هو الزهري اليمامي أشد ضعفا من القرقساني ،
فقال ابن معين ليس بشيء . و قال البخاري : منكر الحديث . و لفظ حديثه مغاير
للجميع و هو :
" إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم ، و اتخذه خليلا ، ثم اصطفى من ولد إبراهيم
إسماعيل ، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزارا ، ثم اصطفى من ولد نزار مضر ، و اصطفى
من ولد مضر كنانة ثم اصطفى من كنانة قريشا و اصطفى من قريش بني هاشم ، و اصطفى
من بني هاشم بني عبد المطلب ، و اصطفاني من بني عبد المطلب " .
أخرجه الخطيب في " الموضح " ( 1 / 68 - 69 ) .
و جملة القول أن الحديث إنما يصح باللفظ الأول .


303 - " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله
و أن يستقبلوا قبلتنا و يأكلوا ذبيحتنا و أن يصلوا صلاتنا ، فإذا فعلوا ذلك
" فقد " حرمت علينا دماؤهم و أموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين و عليهم ما على
المسلمين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 549 :

أخرجه أبو داود ( 2641 ) و الترمذي ( 2 / 100 ) عن سعيد بن يعقوب الطالقاني ،
و النسائي ( 2 / 161 ، 269 ) عن حبان ( و هو ابن موسى المروزي ) و أحمد
( 3 / 199 ) عن علي بن إسحاق ( و هو السلمي المروزي ) كلهم عن عبد الله بن
المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و تابعه ابن وهب : أخبرني يحيى بن أيوب عن حميد الطويل به .
أخرجه أبو داود ( 2642 ) و الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( 2 / 123 ) .
قلت : و هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، و كذلك طريق حبان المروزي .
و رواه محمد بن عبد الله الأنصاري قال : أنبأنا حميد قال : سأل ميمون بن سياه
أنس بن مالك قال : يا أبا حمزة ما يحرم دم المسلم و ماله ، فقال :
فذكره موقوفا .
و إسناده صحيح أيضا ، و لا منافاة بينه و بين المرفوع ، فكل صحيح . على أن
المرفوع أصح ، و رواته أكثر .
و فيه دليل على بطلان الحديث الشائع اليوم على ألسنة الخطباء و الكتاب :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أهل الذمة :
" لهم ما لنا ، و عليهم ما علينا " .
و هذا مما لا أصل له عنه صلى الله عليه و سلم ، بل هذا الحديث الصحيح يبطله ،
لأنه صريح في أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك فيمن أسلم من المشركين و أهل
الكتاب ، و عمدة أولئك الخطباء على بعض الفقهاء الذين لا علم عندهم بالحديث
الشريف ، كما بينته في " الأحاديث الضعيفة و الموضوعة " ( رقم 1103 ) فراجعه
فإنه من المهمات .
و للحديث شاهد بلفظ آخر ، و هو :
" من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين ، و له مثل الذي لنا ، و عليه مثل الذي
علينا ، و من أسلم من المشركين فله أجره ، و له مثل الذي لنا ، و عليه مثل الذي
علينا " .


304 - " من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين و له مثل الذي لنا و عليه مثل الذي
علينا و من أسلم من المشركين فله أجره و له مثل الذي لنا و عليه مثل الذي
علينا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 550 :

رواه الروياني في " مسنده " ( 30 / 220 / 1 ) : أنبأنا أحمد أنبأنا عمي أنبأنا
ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي قال :
" كنت تحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فقال قولا حسنا
فقال فيما قال : " فذكره .
قلت : و هذا سند حسن : القاسم هو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي صاحب
أبي أمامة و هو صدوق .
و سليمان بن عبد الرحمن هو أبو عمر الخراساني الدمشقي و هو ثقة .
و ابن لهيعة هو عبد الله المصري و هو سيىء الحفظ إلا ما رواه العبادلة عنه عبد
الله بن وهب ، و عبد الله بن يزيد المقري ، و عبد الله بن المبارك ، و هذا من
رواية الأول منهم ، فإن عم أحمد في هذا السند هو عبد الله بن وهب و هو أشهر من
أن يذكر .
و أما أحمد فهو ابن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم المصري الملقب ( بحشل ) و هو
صدوق تغير بآخره كما في " التقريب " و احتج به مسلم ، فحديثه حسن إذا لم يخالف
.
و قد أخرجه الإمام أحمد ( 5 / 259 ) : حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني حدثنا
ابن لهيعة به إلا أنه قال :
" يوم الفتح " . بدل " حجة الوداع " . و الأول أصح .


305 - " لا تسموا بالحريق . يعني في الوجه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 551 :

رواه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 142 / 1 - 2 ) : حدثنا زكريا
ابن يحيى الساجي أنبأنا محمد بن المثني أنبأنا عثمان بن عمر أنبأنا عثمان
بن مرة عن عكرمة عن ابن عباس قال :
" كان العباس يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم على بعير قد وسمه في وجهه
بالنار ، فقال : ما هذا الميسم يا عباس ؟ ! قال : ميسم كنا نسمه في الجاهلية ،
فقال : فذكره " .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم رجال الصحيح سوى الساجي و هو ثقة ففيه كما في
" التقريب " .
و له شاهد من حديث جعفر بن تمام عن جده العباس بن عبد المطلب :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوسم في الوجه ، فقال العباس : لا أسم
إلا في الجاعرين " .
أخرجه أبو يعلى ( 312 / 2 ) و رجاله ثقات إلا أنه منقطع بين جعفر و جده .


306 - " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس
بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به و صدقوه و سعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله
عنه فقالوا : هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ؟ قال :
أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق ، قالوا : أو تصدقه
أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس و جاء قبل أن يصبح ؟ قال : نعم إني لأصدقه فيما
هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة . فلذلك سمي أبو بكر
الصديق " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 552 :

أخرجه الحاكم ( 3 / 62 ) من طريق محمد بن كثير الصنعاني حدثنا معمر بن راشد عن
الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : فذكره .
و قال : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و فيه نظر ، لأن الصنعاني فيه ضعف من قبل حفظه ، و لذلك أورده الذهبي في
" الضعفاء " و قال : " ضعفه أحمد " .
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق كثير الغلط " .
قلت : فمثله لا يحتج به إذا انفرد ، لكنه قد توبع كما يأتي ، فحديثه لذلك صحيح
و قد عزاه الحافظ ابن كثير في " التفسير " ( 15 / 138 ) للبيهقي ( يعني في
" الدلائل " ) من طريق الحاكم ، ثم سكت عليه ، و كان ذلك لشواهده التي أشرنا
إليها آنفا ، و إنما ذكرت الحديث من أجل ما فيه من سبب تسمية أبي بكر بـ
" الصديق " ، و إلا فسائره متواتر صح من طرق جماعة من الصحابة قد استقصى كثيرا
منها الحافظ ابن كثير في أول تفسيره لسورة " الإسراء " ، فلنذكر هنا الشواهد
لهذه الزيادة فأقول :
الأول : عن شداد بن أوس مرفوعا بلفظ :
" صليت بأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض
أو قال : بيضاء ... ( الحديث و فيه : ) فقال أبو بكر : أشهد أنك لرسول الله ،
و قال المشركون : انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة !
... الحديث .
أخرجه ابن أبي حاتم و البيهقي و قال : " هذا إسناد صحيح " .
الثاني : عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في قصة الإسراء قال :
" فتجهز - أو كلمة نحوها - ناس من قريش إلى أبي بكر ، فقالوا : هل لك في صاحبك
يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة ؟ !
فقال أبو بكر : أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم . قال : فأنا أشهد لئن كان قال ذلك
لقد صدق ، قالوا : فتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ، ثم يرجع إلى مكة
قبل أن يصبح ؟ قال : نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء ، قال
أبو سلمة : سمي أبو بكر الصديق " .
قلت : و هذا سند صحيح مرسل ، و شاهد قوي لموصول عائشة .
الثالث : عن أبي معشر قال : أنبأنا أبو وهب مولى أبي هريرة :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، قلت لجبريل إن قومي لا
يصدقوني ، فقال له جبريل يصدقك أبو بكر و هو الصديق " .
أخرجه ابن سعد في " الطبقات " ( 3 / 1 / 120 ) و هذا سند ضعيف .
و روى الحاكم ( 3 / 62 ) عن محمد بن سليمان السعدي يحدث عن هارون بن سعد عن
عمران بن ظبيان عن أبي يحيى سمع عليا :
" لأنزل الله تعالى اسم أبي بكر رضي الله عنه من السماء صديقا " و قال :
" لولا مكان محمد بن سليمان السعيدي من الجهالة لحكمت لهذا الإسناد بالصحة " .
و وافقه الذهبي .
( تنبيه ) كذا وقع في " المستدرك " : " السعدي " و في الموضع الآخر :
" السعيدي " و كله خطأ و الصواب " العبدي " كما في " الجرح و التعديل " ( 3 / 2
/ 269 ) و " الميزان " و " اللسان " .
هذا و قد جزم الإمام أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 145 ) بأن سبب
تسمية أبي بكر رضي الله عنه و " الصديق " إنما هو سبقه الناس إلى تصديقه رسول
الله صلى الله عليه وسلم على إتيانه بيت المقدس من مكة ، و رجوعه منه إلى منزله
بمكة في تلك الليلة ، و إن كان المؤمنون يشهدون لرسول الله صلى الله عليه و سلم
بمثل ذلك إذا وقفوا عليه .


307 - " تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة ، تنكح المرأة على مالها ، و تنكح المرأة
على جمالها ، و تنكح المرأة على دينها ، فخذ ذات الدين و الخلق تربت يمينك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 554 :

أخرجه ابن حبان في " صحيحه " ( 1231 ) و الحاكم ( 2 / 161 ) و أحمد ( 3 / 80 -
81 ) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد الخدري
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : و رجاله ثقات معروفون غير عمة سعد و اسمها زينب بنت كعب بن عجرة روى عنها
ابنا أخويها سعد بن إسحاق هذا و سليمان بن محمد ابنا كعب بن عجرة ، و ذكرها ابن
حبان في " الثقات " ، و هي زوجة أبي سعيد الخدري ، و ذكرها ابن الأثير و ابن
فتحون في " الصحابة " ، و قال ابن حزم . " مجهولة " كما في " الميزان " للذهبي
و أقره ، و مع ذلك فقد وافق الحاكم على تصحيحه !


308 - " اللهم أحيني مسكينا ، و أمتني مسكينا ، و احشرني في زمرة المساكين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 555 :

أخرجه عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " ( 110 / 2 ) فقال :
حدثني ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن همام عن قتادة عن أبي عيسى الأسواري عن
أبي سعيد : أحبوا المساكين فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
في دعائه . فذكره .
قلت : و هذا إسناد حسن عندي ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أبي عيسى
الأسواري فقد وثقه الطبراني و ابن حبان فذكره في " الثقات " ( 1 / 271 ) و روى
عنه ثلاثة منهم ، أحدهم قتادة و لذلك قال البزار : " إنه مشهور " .
و قول من قال فيه " مجهول " أو " لم يرو عنه غير قتادة " فبحسب علمه و فوق كل
ذي علم عليم ، فقد جزم في " التهذيب " أنه روى عنه ثابت البناني و قتادة و عاصم
الأحول .
قلت : و هؤلاء جميعا ثقات فبهم ترتفع الجهالة العينية ، و بتوثيق من ذكرنا تزول
الجهالة الحالية إن شاء الله تعالى ، لاسيما و هو تابعي ، و من مذهب بعض
المحدثين كابن رجب و ابن كثير تحسين حديث المستور من التابعين ، و هذا خير من
المستور كما لا يخفى .
و للحديث طريق أخرى عن أبي سعيد ، و شواهد عن أنس بن مالك و عبادة ابن الصامت
و ابن عباس خرجتها كلها في " إرواء الغليل " ( رقم 853 ) و إنما آثرت إيراد هذه
الطريق هنا لأنها مع صلاح سندها عزيزة لم يتعرض لها بذكر كل من تكلم على طرق
الحديث كابن الجوزي و ابن الملقن في " الخلاصة " و ابن حجر في " التلخيص "
و السيوطي في " اللآلي " و غيرهم ، و لا شك أن الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى
درجة الصحة ، و لذلك أنكر العلماء على ابن الجوزي إيراده إياه في " الموضوعات "
و قال الحافظ في " التلخيص " ( ص 275 ) :
" أسرف ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في " الموضوعات " ، و كأنه أقدم عليه لما
رآه مباينا للحال التي مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان مكفيا ،
قال البيهقي :
و وجهه عندي أنه لم يسأل حال المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة ، و إنما سأل
المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات و التواضع " .


309 - " يا معشر المهاجرين و الأنصار إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال و لا عشيرة ،
فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 556 :

أخرجه أبو داود ( 2534 ) عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد
الله حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يغزو فقال : فذكره .
قال جابر :
" فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة يعني أحدهم ، فضممت إلي اثنين
أو ثلاثة . قال : ما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي " .
قلت : و هذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات سوى الأسود بن قيس و قد وثقه أبو زرعة
و العجلي و ابن حبان ، و صحح له الترمذي و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم ، فلا
يضره بعد هذا ذكر علي بن المديني إياه في جملة المجهولين الذين يروي عنهم
الأسود بن قيس .


310 - " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا ،
و تروح بطانا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 557 :

أخرجه أحمد ( 1 / 30 ) و الترمذي ( 2 / 55 - بولاق ) و الحاكم ( 4 / 318 ) عن
حيوة بن شريح : أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول :
أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد ، و أقره الذهبي .
و أقول : بل هو صحيح على شرط مسلم ، فإن رجاله رجال الشيخين غير ابن هبيرة
و أبي تميم فمن رجال مسلم وحده . و قد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به .
أخرجه أحمد ( 1 / 52 ) و ابن ماجه ( 4164 ) و هو عنده من رواية عبد الله ابن
وهب عنه . فالسند صحيح أيضا .


311 - " يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق ثم كمر
الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب ثم كشد الرجال ثم كمشيهم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 557 :

أخرجه الترمذي ( 2 / 198 ) و الدارمي ( 2 / 329 ) و الزيادة الأخيرة لهما ،
و كذا الحاكم ( 2 / 375 و 4 / 586 ) و السياق له ، و أحمد ( 1 / 435 )
و أبو يعلى ( 255 / 1 ) من طريق إسرائيل عن السدي قال : سألت مرة الهمداني عن
قول الله عز و جل ( و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) ؟ فحدثني أن
عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
و الزيادة الأولى لأحمد و أبي يعلى . و الثانية للترمذي و أبي يعلى .
و قال الدارمي و أحمد " عنها " .
و قال الترمذي : " حديث حسن " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا ، و لعل اقتصار الترمذي . إنما هو بسبب أن شعبة قد رواه عن
السدي به موقوفا . أخرجه الترمذي . لكن قال الإمام أحمد : ( 1 / 433 ) : حدثنا
عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن السدي عن مرة عن عبد الله قال : ( و إن منكم إلا
واردها ) ؟ قال : يدخلونها أو يلجونها ، ثم يصدرون منها بأعمالهم . قلت له :
إسرائيل حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، هو عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، أو كلاما هذا معناه .
و أخرجه الترمذي أيضا من هذا الوجه إلا أنه قال :
" قال شعبة : و قد سمعته من السدي مرفوعا . و لكني عمدا أدعه " .
فصح أن الحديث مرفوع ، و ترك شعبة رفعه ، لا يعله ما دام أن شيخه السدي و قد
رفعه و هو ثقة احتج به مسلم و اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن .
و أما السدي الصغير و اسمه محمد بن مروان فهو متهم بالكذب .


312 - " كان يصلي ، فإذا سجد وثب الحسن و الحسين على ظهره ، فإذا أرادوا أن يمنعوهما
أشار إليهم أن دعوهما ، فلما قضى الصلاة ، وضعهما في حجره ، و قال : من أحبني
فليحب هذين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 559 :

أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 60 / 2 ) عن علي بن صالح عن عاصم عن زر ،
عن عبد الله بن مسعود قال : فذكره مرفوعا .
قلت : و هذا إسناد حسن ، رجاله ثقات ، و في عاصم و هو ابن أبي النجود كلام
لا يضر . و علي بن صالح هو ابن صالح بن حي الهمداني الكوفي .


313 - " أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل ؟ فقال أصحابه : يا رسول الله و ما
عجوز بني إسرائيل ؟ قال : إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ، ضلوا الطريق
فقال : ما هذا ؟ فقال علماؤهم : نحن نحدثك ، إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا
موثقا من الله أن لا يخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا ، قال : فمن يعلم موضع
قبره ؟ قالوا : ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل ، فبعث إليها
فأتته فقال : دلوني على قبر يوسف ، قالت : لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي ،
قال : و ما حكمك ؟ قالت : أكون معك في الجنة ، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى الله
إليه أن أعطها حكمها ، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء ، فقالت : انضبوا
هذا الماء فأنضبوا ، قالت : احفروا و استخرجوا عظام يوسف فلما أقلوها إلى الأرض
إذا الطريق مثل ضوء النهار " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 560 :

أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 344 / 1 ) و الحاكم ( 2 / 404 - 405 ، 571 -
572 ) من ثلاث طرق عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال :
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيا فأكرمه فقال له : ائتنا ، فأتاه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( و في رواية : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأعرابي فأكرمه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعهدنا ائتنا ، فأتاه
الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) سل حاجتك ، فقال : ناقة
برحلها و أعنزا يحلبها أهلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
و السياق لأبي يعلى ، و الزيادات مع الرواية الأخرى للحاكم و قال :
" صحيح على شرط الشيخين ، و قد حكم أحمد و ابن معين أن يونس سمع من أبي بردة
حديث ( لا نكاح إلا بولي ) " و وافقه الذهبي .
و أقول : إنما هو على شرط مسلم وحده ، فإن يونس لم يخرج له البخاري في
" صحيحه " ، و إنما في " جزء القراءة " .
( فائدة ) كنت استشكلت قديما قوله في هذا الحديث " عظام يوسف " لأنه يتعارض
بظاهره مع الحديث الصحيح :
" إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " حتى وقفت على حديث ابن عمر
رضي الله عنهما .
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بدن ، قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك
منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك ؟ قال : بلى فاتخذ له منبرا مرقاتين " .
أخرجه أبو داود ( 1081 ) بإسناد جيد على شرط مسلم .
فعلمت منه أنهم كانوا يطلقون " العظام " ، و يريدون البدن كله ، من باب إطلاق
الجزء و إرادة الكل ، كقوله تعالى *( و قرآن الفجر )* أي : صلاة الفجر .
فزال الإشكال و الحمد لله ، فكتبت هذا لبيانه .


314 - " لا تصلوا عند طلوع الشمس ، و لا عند غروبها فإنها تطلع و تغرب على قرن شيطان
و صلوا بين ذلك ما شئتم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 561 :

رواه أبو يعلى في " مسنده " ( 200 / 2 ) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا
روح حدثنا أسامة بن زيد عن حفص بن عبيد الله عن أنس بن مالك : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، غير أسامة بن زيد و هو
الليثي ، و فيه كلام من قبل حفظه ، و المتقرر أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ،
و قد استشهد به مسلم .
و للحديث شاهد من حديث علي مرفوعا بلفظ :
" لا تصلوا بعد العصر ، إلا أن تصلوا و الشمس مرتفعة " .
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 30 / 1 و 40 / 2 ) من طريق سفيان و شعبة و جرير
بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي به
.
و هذا إسناد صحيح ، و قد أخرجه أبو داود و غيره كما تقدم برقم ( 200 ) .
و في هذين الحديثين دليل على أن ما اشتهر في كتب الفقه من المنع عن الصلاة بعد
العصر مطلقا و لو كانت الشمس مرتفعة نقية مخالف لصريح هذين الحديثين و حجتهم في
ذلك الأحاديث المعروفة في النهي عن الصلاة بعد العصر ، مطلقا ، غير أن الحديثين
المذكورين يقيدان تلك الأحاديث فاعلمه .


315 - " كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو و لهو أو سهو إلا أربع خصال : مشي
الرجل بين الغرضين ، و تأديبه فرسه ، و ملاعبته أهله ، و تعلم السباحة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 562 :

أخرجه النسائي في " كتاب عشرة النساء " ( ق 74 / 2 ) و الزيادة له ،
و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 1 / 89 / 2 ) و أبو نعيم في " أحاديث أبي
القاسم الأصم " ( ق 17 - 18 ) من طريقين عن محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن
عبد الوهاب ابن بخت عن عطاء بن أبي رباح قال :
" رأيت جابر بن عبد الله و جابر بن عمير الأنصاريين يرتميان ، فمل أحدهما فجلس
فقال له الآخر : كسلت ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير عبد الوهاب بن بخت و هو ثقة
اتفاقا .
و قال المنذري في " الترغيب " ( 2 / 170 ) بعد أن عزاه لـ " المعجم " :
" بإسناد جيد " . و قال الهيثمي في " المجمع " ( 6 / 269 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و " الكبير " و البزار ، و رجال الطبراني رجال
الصحيح ، خلا عبد الوهاب بن بخت و هو ثقة " .
قلت : و أبو عبد الرحيم اسمه خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الأموي مولاهم
الحراني .
ثم أخرجه النسائي من طريق محمد بن وهب بن أبي كريمة الحراني عن محمد ابن سلمة
عن أبي عبد الرحيم قال : حدثني عبد الرحيم الزهري عن عطاء بن أبي رباح به .
فجعل عبد الرحيم الزهري مكان عبد الوهاب بن بخت .
و محمد بن وهب هذا صدوق ، و يرجح روايته متابعتان :
الأولى : ما عند النسائي عن سعيد بن حفص قال : حدثنا موسى بن أعين عن خالد بن
أبي يزيد أبي عبد الرحيم عن الزهري عن عطاء به .
و الأخرى : ما عند أبي نعيم عن يزيد بن سنان عن عبد الرحيم بن عطاف ابن صفوان
الزهري عن عطاء به .
لكن في طريق المتابعة الأولى سعيد بن حفص و هو أبو عمرو الحراني و هو صدوق تغير
في آخره .
و في الأخرى يزيد بن سنان و هو أبو فروة الرهاوي و هو ضعيف ،
و أيضا فلم نجد في الرواة " عبد الرحيم الزهري " فضلا عن " عبد الرحيم بن عطاف
بن صفوان الزهري " و لا ذكروا في شيوخ أبي عبد الرحيم الزهري و هو عند الاطلاق
الإمام محمد بن مسلم بن شهاب فهذا كله يجعل رواية محمد بن وهب مرجوحة لمخالفتها
للطريقين عن محمد بن سلمة إحداهما عن إسحاق ابن راهويه و الأخرى : عن أبي
الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني ، و هو صدوق ربما وهم . و الأول ، حافظ ثقة
ثبت مشهور .
و مما يرجح رواية ابن سلمة هذه على رواية ابن أعين ، أنه ابن أخت خالد بن أبي
يزيد ، فهو بحديثه أعرف من ابن أعين ، فروايته أرجح من روايته عند الاختلاف .
و يمكن أن يقال : إن لخالد فيه شيخين : أحدهما عبد الوهاب بن بخت ، و الآخر
الزهري ، فكان تارة يرويه عن هذا ، و تارة عن هذا ، فروى كل من ابني سلمة
و أعين ما سمع منه . و كان هذا الجمع لابد من المصير إليه لولا أن في الطريق
إلى ابن أعين سعيدا الذي كان تغير ، و أنهم لم يذكروا في شيوخ خالد الإمام
الزهري . و الله أعلم .
و قد وجدت للحديث ثلاث شواهد دون ذكر السباحة .
الأول : عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعا به و زاد : " فإنهن من الحق " .
أخرجه الترمذي ( 1 / 308 ) و الدارمي ( 2 / 205 ) و ابن ماجه ( 2811 ) و أحمد
( 4 / 144 ، 148 ) من طريق عبد الله بن زيد الأزرق عنه .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
الثاني : عن عبد الله بن عمرو مرفوعا بالزيادة .
أخرجه المخلص في " الفوائد المنتقاة " ( 3 / 144 / 2 ) من طريق هارون
بن عبد الله أنبأنا محمد بن الحسن قال : حدثني سليمان بن بلال عن ابن عجلان
عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عنه .
لكن محمد بن الحسن هو ابن زبالة ، و هو متهم بالكذب ، فلا يستشهد به .
الثالث : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : فذكره .
أخرجه الترمذي عن محمد بن إسحاق عنه .
قلت : و هو مرسل ، رجاله ثقات .


316 - " كان يسلم تسليمة واحدة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 564 :

أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط " ( 1 / 42 / 2 - زوائد المعجمين ) حدثنا
معاذ حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن
حميد عن أنس به مرفوعا .
و قال : " لم يرفعه عن حميد إلا عبد الوهاب " .
قلت : و هو ثقة احتج به الشيخان ، و قال الحافظ في " التقريب " : " ثقة تغير
قبل موته بثلاث سنين " .
قلت : لكن قال الذهبي : " قلت : لكن ما ضر تغيره حديثه ، فإنه ما حدث بحديث في
زمن التغير " .
و الحديث رواه البيهقي أيضا في " السنن " ( 2 / 179 ) من طريق أبي بكر بن إسحاق
أنبأ أبو المثنى حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي به .
و عزاه الزيلعي في " نصب الراية " ( 1 / 433 - 434 ) للبيهقي في " المعرفة " ،
و سكت عليه ، و قال الحافظ في " الدراية " ( ص 90 ) :
" و رجاله ثقات " .
و أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد ( 2 / 134 - 146 ) بلفظ :
" كان النبي صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر رضي الله عنهما يفتتحون
القراءة بالحمد لله رب العالمين ، و يسلمون تسليمة . قلت في " الصحيح " بعضه
رواه البزار و الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " بالتسليمة الواحدة فقط .
و رجاله رجال الصحيح " .
قلت : في هذا الإطلاق نظر ، فإن راويه عن عبد الله بن عبد الوهاب إنما هو معاذ
و هو و إن كان ثقة فليس من رجال الصحيح و هو معاذ بن المثنى ابن معاذ بن نصر
بن حسان أبو المثنى العنبري ، ترجمه الخطيب في " تاريخ بغداد " ( 13 / 131 )
و وثقه ، و أرخ وفاته سنة ( 288 ) .

ثم وجدت لحديث أنس طريقا أخرى فقال ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 118 / 1 )
: أنبأنا يونس بن محمد قال : أنبأنا جرير بن حازم عن أيوب عن أنس .
" أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة " .
قلت : و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، لكن أيوب و هو السختياني رأى
أنس بن مالك ، و لم يثبت سماعه منه ، فقال ابن حبان في " الثقات " :
" قيل : إنه سمع من أنس ، و لا يصح ذلك عندي " .
و جملة القول : أن هذا الحديث صحيح ، و هو أصح الأحاديث التي وردت في التسليمة
الواحدة في الصلاة ، و قد ساق البيهقي قسما منها ، و لا تخلو أسانيدها من ضعف ،
و لكنها في الجملة تشهد لهذا ، و قال البيهقي عقبها :
" و روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، أنهم سلموا تسليمة واحدة ، و هو
من الاختلاف المباح ، و الاقتصار على الجائز " .
و ذكر نحوه الترمذي عن الصحابة . ثم قال :
" قال الشافعي : إن شاء سلم تسليمة واحدة ، و إن شاء سلم تسليمتين " .
قلت : التسليمة الواحدة فرض لابد منه لقوله صلى الله عليه وسلم :
" ... و تحليلها التسليم " .
و التسليمتان سنة ، و يجوز ترك الآخرى أحيانا لهذا الحديث .
و لقد كان هديه صلى الله عليه وسلم في الخروج من الصلاة على وجوه :
الأول : الاقتصار على التسليمة الواحدة . كما سبق .
الثاني : أن يقول عن يمينه : السلام عليكم و رحمة الله ، و عن يساره : السلام
عليكم .
الثالث : مثل الذي قبله إلا أنه يزيد في الثانية أيضا : " و رحمة الله " .
الرابع : مثل الذي قبله ، إلا أنه يزيد في التسليمة الأولى " و بركاته " .
و كل ذلك ثبت في الأحاديث ، و قد ذكرت مخرجيها في " صفة صلاة النبي صلى الله
عليه وسلم " فمن شاء راجعه .


317 - " إذا رجعت إلى بيتك فمرهم فليحسنوا غذاء رباعهم و مرهم فليقلموا أظفارهم
و لا يبطوا بها ضروع مواشيهم إذا حلبوا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 567 :

رواه الإمام أحمد ( 3 / 484 ) حدثنا أبو النضر حدثنا المرجى بن رجاء اليشكري
قال : حدثني سلم بن عبد الرحمن قال : سمعت سوادة بن الربيع قال :
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فأمر لي بذود ثم قال لي : فذكره .
و هذا سند حسن : أبو النضر هو هاشم بن القاسم ثقة ثبت ، و المرجى و سلم بن
عبد الرحمن صدوقان كما في " التقريب " ، و في المرجى كلام لا يضر إن شاء الله
تعالى و لذلك قواه الهيثمي حيث قال : ( 8 / 196 ) رواه أحمد و إسناده جيد .


318 - " لا غرار في صلاة ، و لا تسليم " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 567 :

أخرجه أبو داود ( 928 ) و الحاكم ( 1 / 264 ) كلاهما عن الإمام أحمد و هذا في
" المسند " ( 2 / 461 ) و الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 229 ) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم به . زاد أبو داود .
" قال أحمد : يعني - فيما أرى - أن لا تسلم ، و لا يسلم عليك ، و يغرر الرجل
بصلاته ، فينصرف و هو فيها شاك " .
ثم روى أحمد عن سفيان قال : سمعت أبي يقول : سألت أبا عمرو الشيباني عن قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا إغرار في الصلاة " فقال : إنما هو " لا غرار
في الصلاة " ، و معنى ( غرار ) ، يقول : لا يخرج منها ، و هو يظن أنه قد بقي
عليه منها شيء ، حتى يكون على اليقين و الكمال " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط مسلم " .
و وافقه الذهبي . و هو كما قالا .
( فائدة ) :
-----------

قال ابن الأثير في " النهاية " :
" ( الغرار ) النقصان ، و غرار النوم قلته ، و يريد بـ ( غرار الصلاة ) نقصان
هيأتها و أركانها ، و ( غرار التسليم ) أن يقول المجيب " و عليك " و لا يقول
" السلام " ، و قيل : أراد بالغرار النوم ، أي ليس في الصلاة نوم .
و " التسليم " يروى بالنصب و الجر ، فمن جره كان معطوفا على الصلاة كما تقدم ،
و من نصب كان معطوفا على الغرار ، و يكون المعنى : لا نقص و لا تسليم في صلاة ،
لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز " .
قلت : و من الواضح أن تفسير الإمام أحمد المتقدم ، إنما هو على رواية النصب ،
فإذا صحت هذه الرواية ، فلا ينبغي تفسير " غرار التسليم " بحيث يشمل تسليم غير
المصلي على المصلي ، كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد ، و إنما يقتصر فيه على
تسليم المصلي على من سلم عليه ، فإنهم قد كانوا في أول الأمر يردون السلام في
الصلاة ، ثم نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و عليه يكون هذا الحديث من
الأدلة على ذلك .
و أما حمله على تسليم غير المصلي على المصلي ، فليس بصواب لثبوت تسليم الصحابة
على النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث واحد ، دون إنكار منه عليهم ، بل
أيدهم على ذلك بأن رد السلام عليهم بالإشارة ، من ذلك حديث ابن عمر قال :
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء ، يصلي فيه ، قال : فجاءته
الأنصار ، فسلموا عليه ، و هو يصلي ، قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه ، و هو يصلي ، قال :
يقول : هكذا ، و بسط كفه ، و بسط جعفر بن عون - أحد رواة الحديث - كفه و جعل
بطنه أسفل ، و جعل ظهره إلى فوق " .
أخرجه أبو داود و غيره ، و هو حديث صحيح كما بينته في تعليقي على " كتاب
الأحكام " لعبد الحق الإشبيلي ( رقم الحديث 1369 ) ، ثم في " صحيح أبي داود "
( 860 ) و قد احتج به الإمام أحمد نفسه و ذهب إلى العمل به ، فقال إسحاق
بن منصور المروزي في " المسائل " ( ص 22 ) : قلت : تسلم على القوم ، و هم في
الصلاة ؟ قال : نعم ، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر : كيف كان يرد ؟ قال :
كان يشير .
قال المروزي : " قال إسحاق كما قال " .


319 - " لما أسن صلى الله عليه وسلم ، و حمل اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه "
.

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 569 :

أخرجه أبو داود ( 948 ) : حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي حدثنا
أبي عن شيبان عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال :
" قدمت الرقة ، فقال لي بعض أصحابي : هل لك في رجل من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم ؟ قال : قلت : غنيمة ، فدفعنا إلى وابصة ، قلت لصاحبي : نبدأ فننظر
إلى دله ، فإذا عليه قلنسوة لاطئة ، ذات أذنين ، و برنس خز أغبر ، و إذا هو
معتمد على عصا في صلاته ، فقلنا ( له ) بعد أن سلمنا ؟ قال :
حدثتني أم قيس بنت محصن :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسن ... " .
قلت : و هذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير عبد الرحمن الوابصي والد عبد السلام ،
و اسم أبيه صخر بن عبد الرحمن ، قال عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام "
( رقم 1389 - بتحقيقي ) :
" كان قاضي حلب و الرقة ، و لا أعلم روى عنه إلا ابنه عبد السلام " .
قلت : و لذلك قال عنه الحافظ ابن حجر في " التقريب " : " مجهول " .
و أقول : لكنه لم يتفرد به ، فقد تابعه إبراهيم بن إسحاق الزهري حدثنا
عبيد الله بن موسى أنبأ شيبان بن عبد الرحمن به .
أخرجه الحاكم ( 1 / 264 - 265 ) و عند البيهقي ( 2 / 288 ) .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " و وافقه الذهبي .
قلت : و إنما هو على شرط مسلم وحده ، فإن هلال بن يساف لم يحتج به البخاري
في " صحيحه " ، و إنما روى له تعليقا .
ثم استدركت فقلت : ليس هو على شرط مسلم أيضا ، لأن عبيد الله بن موسى و هو
أبو محمد العبسي و إن كان مسلم قد احتج به ، فليس هو من شيوخه و إنما روى عنه
بالواسطة ، و الراوي عنه هنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ، لم يرو له مسلم أصلا و
كذا سائر الستة ، نعم هو ثقة فاضل كما قال الخطيب في ترجمته ( 6 / 25 ) فعلى
هذا فالحديث صحيح فقط ، ليس هو على شرط الشيخين كما ادعى الحاكم ، و لا هو
بالضعيف كما يشعر بذلك كلام الحافظ الإشبيلي المتقدم ، و من أجل ذلك كتبت هذا .
و الموفق الله تعالى .


320 - " ليس المؤمن بالطعان و لا باللعان و لا بالفاحش و لا بالبذي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 571 :

أخرجه الإمام أحمد ( 1 / 404 - 405 ) و ابن أبي شيبة في " كتاب الإيمان "
( برقم 80 بتحقيقي ) قالا : حدثنا محمد بن سابق حدثنا إسرائيل عن الأعمش عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فذكره .
و من طريق ابن أبي شيبة أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 332 ) ، و رواه
الترمذي ( 1 / 357 ) و الحاكم ( 1 / 12 ) و أبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 235 ،
5 / 58 ) و الخطيب ( 5 / 339 ) من طريقين آخرين عن ابن سابق به .
و قال الترمذي : " حديث حسن غريب ، و قد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه " .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " . و وافقه الذهبي .
قلت : و هو كما قالا ، و لكنه قد أعل ، فقال المناوي في " فيض القدير " بعد أن
نقل عن الترمذي تحسينه إياه : " و لم يبين المانع من صحته " .
قال ابن القطان : " و لا ينبغي أن يصح ، لأن فيه محمد بن سابق البغدادي ، و هو
ضعيف ، و إن كان مشهورا ، و ربما وثقه بعضهم " .
و قال الدارقطني : " روي مرفوعا و موقوفا ، و الوقف أصح " .
قلت : و في إطلاق ابن القطان الضعف على ابن سابق نظر ظاهر ، فإنه لا سلف له في
ذلك سوى ابن معين ، و قد وثقه العجلي ، و قال يعقوب بن شيبة :
كان شيخا صدوقا ثقة ، و ليس ممن يوصف بالضبط للحديث ، و قال النسائي : ليس به
بأس ، و قال أبو حاتم : يكتب حديثه و لا يحتج به .
أقول : فمثله حسن الحديث على أقل الأحوال ، لأن جرحه غير مفسر ، أضف إلى ذلك أن
الشيخين قد احتجا به . و قد قال الذهبي فيه : " و هو ثقة عندي " .
و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق " .
و ذكر الخطيب عن ابن أبي شيبة أنه ذكر حديث محمد بن سابق هذا فقال :
" إن كان حفظه ، فهو حديث غريب " .
و عن علي بن المديني أنه قال :
" هذا حديث منكر من حديث إبراهيم عن علقمة ، و إنما هذا من حديث أبي وائل من
غير حديث الأعمش " .
قال الخطيب : " قلت : رواه ليث بن أبي سليم عن زبيد اليامي عن أبي وائل عن
عبد الله إلا أنه وقفه و لم يرفعه ، و رواه إسحاق بن زياد العطار الكوفي
- و كان صدوقا - عن إسرائيل فخالف فيه محمد بن سابق " .
قلت : ثم ساق سنده إلى العطار عن إسرائيل عن محمد بن عبد الرحمن عن الحكم عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله به مرفوعا .
قلت : إسحاق بن زياد العطار هذا لم أجد من ذكره سوى الخطيب في هذا الموضع ،
و مخالفته لمحمد بن سابق في إسناده ، مما يستبعد أن ترجح عليه .
نعم من الممكن أن يقال : إذا كانت روايته محفوظة ، فيكون لإسرائيل في هذا
الحديث إسنادان عن إبراهيم ، حفظ أحدهما محمد بن سابق و الآخر إسحاق ابن زياد .
و قد وجدت لروايته عن محمد بن عبد الرحمن متابعا ، رواه إسماعيل بن أبان حدثنا
صباح بن يحيى عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم به .
أخرجه الحاكم ( 1 / 13 ) شاهدا ، و قال :
" محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، و إن كان ينسب إلى سوء الحفظ ، فإنه أحد
فقهاء الإسلام و قضاتهم " .
و للحديث طريق أخرى عن ابن مسعود يدل على أنه حديث محفوظ ، و ليس بمنكر ،
يرويه أبو بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن محمد بن عبد الرحمن ابن
يزيد عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به .
أخرجه البخاري في " الأدب " ( 312 ) و ابن حبان في " صحيحه " ( 48 ) و الحاكم
( 1 / 12 ) و أحمد ( 2 / 416 ) .
و قال الحاكم : " على شرطهما " .
قلت : بل هو صحيح فقط ، ليس على شرطهما ، فإن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد ، لم
يخرجا له ، و أبو بكر بن عياش ، لم يخرج له مسلم .


321 - " إذا قام الإمام في الركعتين ، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس ، فإن استوى
قائما فلا يجلس ، و يسجد سجدتي السهو " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 573 :

أخرجه أبو داود ( 1036 ) و ابن ماجه ( 1208 ) و الدارقطني ( 145 ) و البيهقي
( 2 / 343 ) و أحمد ( 4 / 253 ، 253 - 254 ) من طريق جابر الجعفي ، قال : حدثنا
المغيرة بن شبيل الأحمسي عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا إسناد رجاله ثقات غير جابر الجعفي ، و هو ضعيف رافضي و قال
أبو داود عقب الحديث : " و ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث " .
قلت : و قال الحافظ في " التلخيص " ( 2 / 4 ) : " و هو ضعيف جدا " .
قلت : قال ابن الملقن في " خلاصة البدر المنير " ( ق 68 / 2 ) عقبه :
" قال في " المعرفة " : لا يحتج به ، غير أنه روي من وجهين آخرين ، و اشتهر بين
الفقهاء " .
قلت : الوجهان المشار إليهما ، أخرجهما الطحاوي ، و أحدهما عند أبي داود و غيره
عن المغيرة .
" أنه صلى فنهض في الركعتين ، فسبحوا به ، فمضى فلما أتم صلاته سجد سجدتي السهو
فلما انصرف ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت " .
قال الحافظ : " و رواه الحاكم - يعني من أحد الوجهين - و من حديث ابن عباس ،
و من حديث عقبة بن عامر مثله " .
قلت : و أنت ترى أنه من فعله صلى الله عليه وسلم ، و حديثنا قولي ، و أنه ليس
فيه التفصيل الذي في هذا من الاستواء قائما أو قبله .
و قد وجدت لجابر الجعفي متابعين لم أر من نبه عليهما ممن خرج الحديث من
المتأخرين ، بل أعلوه جميعا به ، و سبقهم إلى ذلك الحافظ عبد الحق الإشبيلي في
" أحكامه " كما نبهت عليه في تحقيقي له ، ( التعليق رقم 901 ) ، و لذلك رأيت
لزاما علي ذكرهما حتى لا يظن ظان أن الحديث ضعيف لرواية جابر له .
الأول : قيس بن الربيع عن المغيرة بن شبيل عن قيس قال :
" صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فقام في الركعتين ، فسبح الناس خلفه ، فأشار إليهم
أن قوموا ، فلما قضى صلاته ، سلم و سجد سجدتي السهو ، ثم قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا استتم أحدكم قائما ، فليصل ، و ليسجد
سجدتي السهو ، و إن لم يستتم قائما ، فليجلس ، و لا سهو عليه " .
و الآخر : إبراهيم بن طهمان عن المغيرة بن شبيل به نحوه بلفظ :
" فقلنا : سبحان الله ، فأومى ، و قال : سبحان الله ، فمضى في صلاته ، فلما قضى
صلاته سجد سجدتين ، و هو جالس ثم قال : إذا صلى أحدكم ، فقام من الجلوس ، فإن
لم يستتم قائما فليجلس ، و ليس عليه سجدتان ، فإن استوى قائما فليمض في صلاته ،
و ليسجد سجدتين و هو جالس " .
أخرجه عنهما الطحاوي ( 1 / 355 ) .
و قيس بن الربيع ، و إن كان فيه ضعف من قبل حفظه ، فإن متابعة إبراهيم بن طهمان
له ، و هو ثقة ، مما يقوي حديثه ، و هو و إن كان لم يقع في روايته التصريح برفع
الحديث ، فهو مرفوع قطعا ، لأن التفصيل الذي فيه لا يقال من قبل الرأي لاسيما
و الحديث في جميع الطرق عن المغيرة مرفوع ، فثبت الحديث و الحمد لله .
و هو يدل على أن الذي يمنع القائم من الجلوس للتشهد إنما هو إذا استتم قائما ،
فأما إذا لم يستتم قائما فعليه الجلوس ففيه إبطال القول الوارد في بعض المذاهب
أنه إذا كان أقرب إلى القيام لم يرجع . و إذا كان أقرب إلى القعود قعد فإن هذا
التفصيل مع كونه مما لا أصل له في السنة فهو مخالف للحديث ، فتشبث به و عض عليه
بالنواجذ ، و دع عنك آراء الرجال ، فإنه إذا ورد الأثر بطل النظر ، و إذا ورد
نهر الله بطل نهر معقل .


322 - " تخرج الدابة ، فتسم الناس على خراطيمهم ، ثم يعمرون فيكم حتى يشترى الرجل
البعير ، فيقول : ممن اشتريته ؟ فيقول : اشتريته من أحد المخطمين " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 576 :

أخرجه أحمد ( 5 / 268 ) و البخاري في " التاريخ الكبير " ( 3 / 2 / 172 )
و البغوي في " حديث علي بن الجعد " ( 172 / 2 ) و أبو نعيم في " أخبار أصبهان "
( 2 / 124 ) من طرق عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمر بن عبد الرحمن
بن عطية بن دلاف المزني عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
به .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير عمر هذا ، فقد ترجمه
ابن أبي حاتم ، فقال ( 3 / 1 / 121 ) :
" روي عن أبي أمامة ، و أبيه ، روى عنه مالك و عبيد الله العمري و قريش
ابن حيان و عبد العزيز بن أبي سلمة " .
و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا . و لكن رواية مالك عنه تعديل له ، فقد قال
ابن معين : " كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم " .
و كذلك قال ابن حبان . و كأن هذا هو مستند الهيثمي في توثيقه إياه بقوله في
" المجمع " ( 8 / 6 ) :
" رواه أحمد ، و رجاله رجال الصحيح غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية و هو ثقة " .


323 - " دعها عنك ـ يعني الوسادة ـ إن استطعت أن تسجد على الأرض و إلا فأوم إيماء و
اجعل سجودك أخفض من ركوعك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 577 :

أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 189 / 2 ) : حدثنا عبد الله بن أحمد
بن حنبل : حدثني شباب العصفري أنبأنا سهل أبو عتاب أنبأنا حفص بن سليمان عن قيس
بن مسلم عن طارق بن شهاب عن ابن عمر قال :
" عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه مريضا ، و أنا معه ، فدخل
عليه ، و هو يصلي على عود ، فوضع جبهته على العود ، فأومأ إليه فطرح العود ،
و أخذ وسادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ، و إليك البيان :
أولا : طارق بن شهاب ، و هو أبو عبد الله الكوفي ، صحابي صغير ، رأى النبي
صلى الله عليه وسلم ، و لم يسمع منه ، و هو يروي كثيرا عن عبد الله بن مسعود ،
رضي الله عنهما . احتج به الشيخان و أصحاب السنن الأربعة .
ثانيا : قيس بن مسلم ، و هو أبو عمرو الكوفي الجدلي ثقة احتج به الستة أيضا .
ثالثا : حفص بن سليمان . هو إما حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزار الكوفي
القاري ، و إما حفص بن سليمان المنقري التميمي البصري ، فإن كان الأول فهو
متروك الحديث ، و إن كان الآخر ، فهو ثقة . و لكل من الاحتمالين وجه ، أما
الأول فلأنه كوفي ، و قيس بن مسلم كوفي أيضا ، لكن الراوي عنه سهل أبو عتاب
بصري كما يأتي . و أما الآخر ، فعلى العكس من ذلك ، فإنه بصري و الراوي عنه
كذلك ، و لكن شيخه كوفي كما رأيت . و لذلك لم أستطع القطع بأنه هو ، و أما
الهيثمي فقد قطع بذلك ، و لا أدري ما الذي برره له ، و لكنه قد وقع في وهم
عجيب فقال ( 2 / 148 ) :
" و رواه الطبراني في " الكبير " ، و فيه حفص بن سليمان المنقري ، و هو متروك ،
و اختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه ، و الصحيح أنه ضعفه . و الله أعلم " .
قلت : فاختلط على الهيثمي حفص بن سليمان القاري الكوفي بحفص بن سليمان المنقري
البصري ، فالأول هو المتروك بخلاف الآخر ، كما عرفت ، و هو الذي اختلفت الرواية
عن أحمد فيه . لا المنقري ، فراجع ترجمته في " التهذيب " إن شئت .
رابعا : سهل أبو عتاب ، و هو سهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري ، و هو ثقة من
رجال مسلم و الأربعة .
خامسا : شباب العصفري ، و هذا لقبه و اسمه خليفة بن خياط العصفري و هو ثقة من
شيوخ البخاري و ممن احتج بهم في " صحيحه " .
سادسا : عبد الله بن أحمد بن حنبل ، فهو ثقة مشهور احتج به النسائي .
قلت : و من هذا التخريج يتبين أن رجال الإسناد كلهم ثقات لا شك فيهم سوى حفص
بن سليمان ، فإن كان هو المنقري كما جزم به الهيثمي فالسند صحيح كما قلنا أولا
و إلا فلا . و قد كنت جزمت بالأول قديما ، تبعا للحافظ الهيثمي ، و ذلك في
كتابي " تخريج صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " ، ثم بدا لي التوقف عنه ،
لهذا التحقيق الذي ذكرته .
نعم للحديث طريق أخرى عن ابن عمر يتقوى به ، يرويه سريج بن يونس حدثنا قران
بن تمام عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
و سلم : " من استطاع منكم أن يسجد فليسجد ، و من لم يستطع ، فلا يرفع إلى جبهته
شيئا يسجد عليه ، و لكن بركوعه و سجوده يوميء برأسه " .
أخرجه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 43 / 1 - من زوائده ) : حدثنا محمد ابن
عبد الله بن بكير حدثنا سريج بن يونس به . و قال :
" لم يروه عن عبيد الله إلا قران تفرد به سريج " .
قلت : و هو ثقة من رجال الشيخين ، و كذا من فوقه سوى قران بضم أوله و تشديد
الراء ، فهو صدوق ربما أخطأ ، كما في " التقريب " ، فالسند جيد ، لولا أنني لم
أجد ترجمة لمحمد بن عبد الله بن بكير شيخ الطبراني ، لكن الظاهر أنه لم يتفرد
به ، كما يشعر به قوله " تفرد به سريج " .
و لعله لذلك قال الحافظ الهيثمي ( 2 / 149 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " ، و رجاله موثقون ، ليس فيهم كلام يضر .
و الله أعلم " .
و له شاهد من حديث جابر نحو حديث ابن عمر الأول . يرويه سفيان الثوري عن أبي
الزبير عن جابر به .
أخرجه البزار ( ص 66 - زوائده ) و البيهقي .
و رجال إسناده ثقات ، و ليس له علة تقدح في صحته ، سوى عنعنة أبي الزبير ، فإنه
كان مدلسا ، و بها أعله الحافظ عبد الحق الإشبيلي في " أحكامه " ( رقم 1383 -
بتحقيقي ) ، و مع ذلك صرح الحافظ ابن حجر في " بلوغه " أنه قوي . فالله أعلم .
و الذي لا شك فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح . و الله تعالى هو الموفق .
و قد روى أبو عوانة في " مسنده " ( 2 / 338 ) عن عمر بن محمد قال :
دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شكوى قال : فحدثنا قال :
" دخل علي عمي عبد الله بن عمر قال : فوجدني قد كسرت لي نمرقة يعني الوسادة
قال : و بسطت عليها خمرة ، قال : فأنا أسجد عليها ، قال : فقال لي : يا ابن أخي
لا تصنع هذا ، تناول الأرض بوجهك ، فإن لم تقدر على ذلك ، فأومئ برأسك إيماء "
.
و سنده صحيح على شرط الشيخين .


324 - " من خبب خادما على أهلها ، فليس منا ، و من أفسد امرأة على زوجها فليس منا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 580 :

أخرجه الإمام أحمد ( 2 / 397 ) : حدثنا أبو الجواب حدثنا عمار بن رزيق عن
عبد الله بن عيسى عن عكرمة عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، و أبو الجواب اسمه الأحوص
بن جواب . و قد توبع ، فأخرجه أبو داود ( 5170 ) و ابن حبان ( 1319 ) من طريقين
آخرين عن عمار بن رزيق به .
و للحديث شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا نحوه . أخرجه الضياء في " المختارة "
( 64 / 25 / 2 ) و آخر من رواية بريدة بن الحصيب بلفظ :
" ليس منا من حلف بالأمانة و من خبب على امرئ زوجته أو مملوكه ، فليس منا " .


325 - " ليس منا من حلف بالأمانة ، و من خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 581 :

أخرجه أحمد ( 5 / 352 ) : حدثنا وكيع حدثنا الوليد بن ثعلبة عن عبد الله
بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
و أخرجه ابن حبان ( 1318 ) من طريق وكيع به نحوه .
قلت : و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الوليد هذا و قد وثقه
ابن معين و ابن حبان ، و قد صحح إسناده المنذري في " الترغيب " ( 3 / 93 ) .
( خبب ) بفتح الخاء المعجمة و تشديد الباء الموحدة الأولى معناه خدع و أفسد .


326 - " إن صاحبكم تغسله الملائكة . يعني حنظلة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 581 :
رواه الحاكم ( 3 / 204 ) و البيهقي في " السنن " ( 4 / 15 ) عن ابن إسحاق حدثني
يحيى بن عباد بن عبد الله عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن
التقى هو و أبو سفيان بن الحارث حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
فسألوا صاحبته فقالت : إنه خرج لما سمع لهائعة و هو جنب ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لذلك غسلته الملائكة .
و قال : " صحيح على شرط مسلم " و سكت عنه الذهبي و إنما هو حسن فقط لأن
ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم في المتابعات .
و له شاهد أخرجه ابن عساكر ( 2 / 296 / 1 ) عن عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد
بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال :
" افتخر الحيان من الأوس و الخزرج فقال الأوس : منا غسيل الملائكة حنظلة
ابن الراهب ، و منا من اهتز له عرش الرحمن ، و منا من حمته الدبر عاصم بن ثابت
بن الأفلح ، و منا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت ، قال :
فقال الخزرجيون : منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحد غيرهم : زيد بن ثابت
و أبو زيد و أبي بن كعب و معاذ بن جبل " .
و قال ابن عساكر : " هذا حديث حسن صحيح " .


327 - " لو كان بعدي نبي لكان عمر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 582 :
رواه الترمذي ( 2 / 293 ) و حسنه ، و الحاكم ( 3 / 85 ) و صححه ، و أحمد ( 4 /
154 ) و الروياني في " مسنده " ( 50 / 1 ) و الطبراني كما في " المنتقى من
حديثه " ( 4 / 7 / 2 ) ، و أبو بكر النجاد في " الفوائد المنتقاة " ( 17 / 1 -
2 ) و ابن سمعون في " الأمالي " ( 172 / 2 ) و أبو بكر القطيعي في " الفوائد
المنتقاة " ( 4 / 7 / 2 ) و الخطيب في " الموضح " ( 2 / 226 ) و ابن عساكر
( 3 / 210 / 2 ) عن أبي عبد الرحمن المقري أنبأنا حيوة عن بكر بن عمرو عن مشرح
بن هاعان عن عقبة بن عامر مرفوعا .
ثم رواه النجاد من طريق ابن لهيعة عن مشرح به .
قلت : و هذا سند حسن رجاله كلهم ثقات ، و في مشرح كلام لا ينزل حديثه عن رتبة
الحسن ، و قد وثقه ابن معين .
و له شاهدان أحدهما من حديث عصمة . رواه الطبراني و فيه الفضل بن المختار
و هو ضعيف . و الآخر عن أبي سعيد الخدري . رواه الطبراني في " الأوسط " .
قال الهيثمي ( 9 / 68 ) :
" و فيه عبد المنعم بن بشير و هو ضعيف " .


328 - " ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه ، فكرهوه و تنزهوا عنه ؟ !فوالله لأنا
أعلمهم بالله و أشدهم له خشية " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 582 :

رواه مسلم ( 7 / 90 ) و أحمد ( 6 / 45 ، 181 ) من حديث عائشة رضي الله عنها
قالت : " صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا فترخص فيه ، فبلغ ذلك ناسا من
أصحابه ، فكأنهم كرهوه و تنزهوا عنه ! فبلغه ذلك فقام خطيبا فقال : " فذكره .
قلت : و الأمر الذي ترخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التقبيل في
الصيام خلافا لما قد يتبادر لبعض الأذهان ، و الدليل الحديث الآتي :
" أنا أتقاكم لله ، و أعلمكم بحدود الله " .


329 - " أنا أتقاكم لله ، و أعلمكم بحدود الله " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 583 :

رواه الإمام أحمد ( 5 / 434 ) : حدثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج : أخبرني
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار ، أن الأنصاري أخبر عطاء :
" أنه قبل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو صائم فأمر امرأته
فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن
رسول الله يفعل ذلك ، فأخبرته امرأته ، فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم
يرخص له في أشياء ، فارجعي إليه فقولي له ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت : قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له في أشياء ، فقال : فذكره .
قلت : و هذا سند صحيح متصل .


330 - " كنا إذا انتهينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 583 :

أخرجه زهير بن حرب في " العلم " ( رقم 100 بتحقيقي ) و البخاري في " الأدب
المفرد " ( 1141 ) و أبو داود ( 4825 ) و الترمذي ( 2 / 121 ) و أحمد ( 5 / 91
، 98 ، 107 - 108 ) من طريق شريك عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال :
فذكره .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح غريب ، و قد رواه زهير عن سماك أيضا " .
قلت : شريك فيه ضعف من قبل حفظه ، لكن متابعة زهير إياه تقويه ، و هو زهير
بن معاوية بن خديج و هو ثقة من رجال الشيخين .
و في الحديث تنبيه على أدب من آداب المجالس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ،
طالما أهمله الناس اليوم ، حتى أهل العلم ، و هو أن الرجل إذا دخل المجلس ،
يجلس حيث ينتهي به المجلس ، و لو عند عتبة الباب ، فإذا وجد مثله فعليه أن يجلس
فيه ، و لا يترقب أن يقوم له بعض أهل المجلس من مجلسه ، كما يفعل بعض المتكبرين
من الرؤساء ، و المتعجرفين من المتمشيخين ، فإن هذا منهي عنه صراحة في قوله
صلى الله عليه وسلم :
" لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ، ثم يجلس فيه ، و لكن تفسحوا و توسعوا " .
أخرجه مسلم و زاد في رواية :
" و كان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه " .


331 - " إن الرقى ، و التمائم ، و التولة شرك " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 584 :

أخرجه أبو داود ( 3883 ) و ابن ماجه ( 3530 ) و ابن حبان ( 1412 ) و أحمد
( 1 / 381 ) من طريق يحيى الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة
عبد الله عن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
فذكره .
قلت : و رجاله ثقات كلهم غير ابن أخي زينب قال الحافظ في " التقريب " :
" كأنه صحابي ، و لم أره مسمى " .
قلت : و سقط ذكره من كتاب ابن حبان ، فلا أدري أكذلك الرواية عنده أم سقط من
الناسخ .
و على كل حال ، فإن للحديث طريقا أخرى يتقوى بها ، أخرجه الحاكم ( 4 / 217 )
من طريق قيس بن السكن الأسدي قال :
" دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على امرأة ، فرأى عليها خرزا من الحمرة ،
فقطعه قطعا عنيفا ، ثم قال : إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء ، و قال :
كان مما حفظنا عن النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره . و قال :
" صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
و هو كما قالا .
الغريب :
----------
( الرقى ) هي هنا كان ما فيه الاستعاذة بالجن ، أو لا يفهم معناها ، مثل كتابة
بعض المشايخ من العجم على كتبهم لفظة ( يا كبيج ) لحفظ الكتب من الأرضة زعموا .
و ( التمائم ) جمع تميمة ، و أصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع
العين ، ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة .
قلت : و من ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار ، أو في صدر المكان !
و تعليق بعض السائقين نعلا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها ، أو الخرز الأزرق على
مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل ، كل ذلك من أجل العين زعموا .
و هل يدخل في ( التمائم ) الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على
أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
للسلف في ذلك قولان ، أرجحهما عندي المنع كما بينته فيما علقته على " الكلم
الطيب " لشيخ الإسلام ابن تيمية ( رقم التعليق 34 ) طبع المكتب الإسلامي .
و ( التولة ) بكسر التاء و فتح الواو ، ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر
و غيره قال ابن الأثير :
" جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر و يفعل خلاف ما قدره الله تعالى " .


332 - " لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مروطنا ،
و ننصرف و ما يعرف بعضنا وجوه بعض " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 586 :

أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( 214 / 1 ) : حدثنا إبراهيم حدثنا حماد عن عبيد
الله بن عمر عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية أن عائشة قالت : فذكره .
قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير إبراهيم هذا و هو ابن
الحجاج ، ثم هما اثنان : إبراهيم بن الحجاج بن زيد السامي أبو إسحاق البصري
و إبراهيم بن الحجاج النيلي أبو إسحاق البصري أيضا ، و كلاهما يروي عنه
أبو يعلى ، و الأول ، يروي عن حماد بن سلمة ، و الآخر عن حماد بن زيد ، و كل من
الحمادين يروي عن عبيد الله بن عمر ، و لذلك لم يتعين عندي أيهما المراد هنا ،
و لا ضير في ذلك ، فإنهما ثقتان ، غير أن الأول احتج به مسلم ، و الآخر احتج به
الشيخان .
و الحديث في " الصحيحين " دون ذكر الوجه ، و لذلك أوردته ، و هي زيادة مفسرة ،
لا تعارض رواية الصحيحين ، فهي مقبولة .
و هو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة . و الأدلة على ذلك متكاثرة .
و معنى كونه ليس بعورة ، أنه يجوز كشفه ، و إلا فالأفضل ، و الأورع ستره ،
لاسيما إذا كان جميلا . و أما إذا كان مزينا . فيجب ستره قولا واحدا ، و من شاء
تفصيل هذا الإجمال ، فعليه بكتابنا " حجاب المرأة المسلمة " فإنه جمع فأوعى .


333 - " إن للإسلام صوى و منارا كمنار الطريق ، منها أن تؤمن بالله و لا تشرك به شيئا
و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت و الأمر بالمعروف و النهي
عن المنكر و أن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم و أن تسلم على القوم إذا مررت بهم
فمن ترك من ذلك شيئا ، فقد ترك سهما من الإسلام و من تركهن " كلهن " ، فقد ولى
الإسلام ظهره " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 587 :

أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الإيمان " ( رقم الحديث 3 بتحقيقي )
قال : حدثنيه يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :
و من طريق أبي عبيد أخرجه ابن بشران في " الأمالي " ( ق 98 / 2 ) و عبد الغني
المقدسي في " الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر " ( ق 82 / 1 ) و قال : " رواه
الطبراني في السنة " .
قلت : و يحيى بن سعيد هذا شامي ضعيف . و قد خالفه جماعة في إسناده فلم يذكروا
الرجل فيه . و هو الصواب .
فمنهم الوليد بن مسلم قال : حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة
به .
أخرجه الحاكم ( 1 / 21 ) من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني حدثنا الوليد ابن
مسلم به . و قال :
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ، فقد روى عن محمد بن خلف العسقلاني ، و احتج
بثور بن يزيد الشامي ، فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة ، فغير مستبدع .
فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال : لقيت سبعة عشر رجلا من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
قلت : لقد انتقل ذهن الحاكم رحمه الله من محمد بن أبي السري العسقلاني إلى محمد
بن خلف العسقلاني ، و مع أن ابن خلف ليس له دخل في هذا الحديث ، فلم يرو عنه
البخاري . و أما صاحب الحديث فهو ابن أبي السري كما هو مصرح به في سنده فهو
ضعيف و هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن أبو عبد الله بن أبي السري ، قال
الحافظ في " التقريب " :
" صدوق عارف له أوهام كثيرة " .
و منهم محمد بن عيسى بن سميع عن ثور بن يزيد به .
أخرجه ابن شاهين في " الترغيب و الترهيب " ( ق 317 / 1 ) .
قلت : و محمد هذا هو ابن عيسى بن القاسم بن سميع بالتصغير .
قال الحافظ : " صدوق يخطىء و يدلس " .
و منهم روح بن عبادة حدثنا ثور بن يزيد به .
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 5 / 217 - 218 ) و في " أحاديث أبي القاسم
الأصم " ( 12 / 2 ) عن محمد بن يونس الكديمي حدثنا روح بن عبادة به .
قلت : و الكديمي متهم ، و في " التقريب " : " ضعيف " .
قلت : لكنه لم يتفرد به ، فقال أبو نعيم عقبه :
" غريب من حديث خالد ، تفرد به ثور ، حدث به أحمد بن حنبل ، و الكبار عن روح "
.
قلت : و بمتابعة أحمد و غيره صح الحديث . و الحمد لله .
و له شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعا بنحوه .
أخرجه ابن دوست في " الأمالي " ( ق 118 / 2 ) من طريقين عن عبد الله ابن صالح
قال : حدثني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عنه .
قلت : و هذا إسناد لا بأس به في الشواهد ، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ، لكن
عبد الله بن صالح و إن أخرج له البخاري فهو كما قال الحافظ :
" صدوق كثير الغلط ، ثبت في كتابه ، و كانت فيه غفلة " .
( الصوى ) جمع " صوة " ، و هي أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي و المفازة
المجهولة ، يستدل بها على الطريق و على طرفيها . أراد أن للإسلام طرائق ،
و أعلاما يهتدى بها .
كذا في " لسان العرب " عن أبي عمرو بن العلاء .


334 - " من قال : رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد رسولا وجبت له الجنة " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 589 :

أخرجه أبو داود ( 1529 ) من طريق أبي الحسين زيد بن الحباب حدثنا عبد الرحمن
بن شريح الإسكندراني : حدثني أبو هاني الخولاني أنه سمع أبا علي الجنبي أنه سمع
أبا سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
قلت : و هذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي علي الجنبي و اسمه عمرو
بن مالك الهمداني و هو ثقة .
و اسم أبي هاني الخولاني حميد بن هاني .
و للحديث طريق أخرى عن أبي سعيد ، يرويه ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن أبي
عبد الرحمن الحبلي عنه قال :
" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : يا أبا سعيد ! ثلاثة من قالهن
دخل الجنة ، قلت : ما هن يا رسول الله ؟ قال : من رضي بالله ربا ، و بالإسلام
دينا ، و بمحمد رسولا . ثم قال : يا أبا سعيد و الرابعة لها من الفضل كما بين
السماء إلى الأرض ، و هي الجهاد في سبيل الله " .
أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 14 ) .
قلت : و إسناده لا بأس به في المتابعات و الشواهد .


335 - " كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و نطرد
عنها طردا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 590 :

أخرجه ابن ماجه ( 1002 ) و ابن خزيمة ( 1 / ) و ابن حبان ( 400 ) و الحاكم
( 1 / 218 ) و البيهقي ( 3 / 104 ) و الطيالسي ( 1073 ) من طريق هارون أبي مسلم
حدثنا قتادة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : فذكره .
و قال الحاكم : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : هارون هذا مستور كما قال الحافظ ، لكن له شاهد من حديث أنس ابن مالك
يتقوى به ، يرويه عبد الحميد بن محمود قال :
" صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة ، فدفعنا إلى السواري فتقدمنا و تأخرنا ،
فقال أنس : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
أخرجه أبو داود و النسائي و الترمذي و ابن حبان و الحاكم و غيرهم بسند صحيح كما
بينته في " صحيح أبي داود " ( 677 ) .
قلت : و هذا الحديث نص صريح في ترك الصف بين السواري ، و أن الواجب أن يتقدم
أو يتأخر .
و قد روى ابن القاسم في " المدونة " ( 1 / 106 ) و البيهقي ( 3 / 104 ) من طريق
أبي إسحاق عن معدي كرب عن ابن مسعود أنه قال :
" لا تصفوا بين السواري " .
و قال البيهقي :
" و هذا - و الله أعلم - لأن الأسطوانة تحول بينهم و بين وصل الصف " .
و قال مالك :
" لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد " .
و في " المغني " لابن قدامة ( 2 / 220 ) :
" لا يكره للإمام أن يقف بين السواري ، و يكره للمأمومين ، لأنها تقطع صفوفهم ،
و كرهه ابن مسعود و النخعي ، و روي عن حذيفة و ابن عباس ، و رخص فيه ابن سيرين
و مالك و أصحاب الرأي و بن المنذر ، لأنه لا دليل على المنع .
و لنا ما روي عن معاوية بن قرة ... ، و لأنها تقطع الصف فإن كان الصف صغيرا ،
قدر ما بين الساريتين لم يكره لا ينقطع بها " .
و في " فتح الباري " ( 1 / 477 ) :
" قال المحب الطبري : كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك ، و محل
الكراهة عند عدم الضيق ، و الحكمة فيه إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع النعال .
انتهى . و قال القرطبي : روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين " .
قلت : و في حكم السارية ، المنبر الطويل ذي الدرجات الكثيرة ، فإنه يقطع الصف
الأول ، و تارة الثاني أيضا ، قال الغزالي في " الإحياء " ( 2 / 139 ) :
" إن المنبر يقطع بعض الصفوف ، و إنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء
المنبر ، و ما على طرفيه مقطوع ، و كان الثوري يقول : الصف الأول ، هو الخارج
بين يدي المنبر ، و هو متجه لأنه متصل ، و لأن الجالس فيه يقابل الخطيب و يسمع
منه " .
قلت : و إنما يقطع المنبر الصف إذا كان مخالفا لمنبر النبي صلى الله عليه وسلم
فإنه كان له ثلاث درجات ، فلا ينقطع الصف بمثله ، لأن الإمام يقف بجانب الدرجة
الدنيا منها . فكان من شؤم مخالفة السنة في المنبر الوقوع في النهي الذي في هذا
الحديث .
و مثل ذلك في قطع الصف المدافئ التي توضع في بعض المساجد وضعا يترتب منه قطع
الصف ، دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلين فيه لبعد
الناس أولا عن التفقه في الدين ، و ثانيا لعدم مبالاتهم بالابتعاد عما نهى عنه
الشارع و كرهه .
و ينبغي أن يعلم أن كل من يسعى إلى وضع منبر طويل قاطع للصفوف أو يضع المدفئة
التي تقطع الصف ، فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قوله صلى الله عليه وسلم :
" ... و من قطع صفا قطعه الله " .
أخرجه أبو داود بسند صحيح كما بينته في " صحيح أبي داود " ( رقم 672 ) .


336 - " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه ، خير له من أن يمتلئ شعرا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 592 :

ورد هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو هريرة
و عبد الله ابن عمر و سعد بن أبي وقاص و أبو سعيد الخدري و عمر و غيرهم .
1 - أما حديث أبي هريرة ، فأخرجه البخاري ( 4 / 146 ) و في " الأدب المفرد "
( 860 ) و مسلم ( 7 / 50 ) و أبو داود ( 5009 ) و الترمذي ( 2 / 139 ) و ابن
ماجه ( 3759 ) و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 370 ) و أحمد ( 2 / 288 ،
355 ، 391 ، 478 ، 480 ) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح عنه . و قد صرح الأعمش
بالتحديث في رواية البخاري . و تابعه عاصم عن أبي صالح به عند الطحاوي .
أخرجه أحمد ( 2 / 331 ) . و تابعه أبو معمر عن أبي صالح به .
لكني لم أعرف أبا معمر هذا .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
2 - و أما حديث ابن عمر . فأخرجه البخاري في " الصحيح " و في " الأدب المفرد "
( 870 ) و الدارمي ( 2 / 297 ) و أحمد ( 2 / 39 ، 96 ، 223 ) عن حنظلة عن سالم
عنه .
3 - و أما حديث سعد بن أبي وقاص ، فأخرجه مسلم و الترمذي و ابن ماجه ( 3760 )
و أحمد ( 1 / 175 ، 181 ، / 8 / ) و أبو يعلى ( ق 53 / 1 ، 54 / 1 ) و أبو
عبيد القاسم بن سلام في " غريب الحديث " ( ق 7 / 1 ) من طرق عن شعبة عن قتادة
عن يونس بن جبير عن محمد بن سعد عن سعد به .
و قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
و رواه حماد بن سلمة فقال : عن قتادة عن عمر بن سعد بن مالك عن سعد به .
أخرجه أحمد ( 1 / 175 ) .
4 - و أما حديث أبي سعيد ، فأخرجه مسلم و أحمد ( 3 / 8 ، 41 ) من طريق ليث عن
ابن الهاد عن يحنس مولى مصعب بن الزبير عنه قال :
" بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ، ينشد ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا الشيطان ، أو : أمسكوا الشيطان ، لأن
يمتلئ ... " .
5 - و أما حديث عمر ، فأخرجه الطحاوي من طريق خلاد بن يحيى قال :
حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن حريث عن عمر بن الخطاب به .
قلت : و هذا سند صحيح على شرط البخاري .
و في الباب عن جماعة آخرين من الصحابة ، خرج أحاديثهم الحافظ الهيثمي في
" مجمع الزوائد " ، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه ( 8 / 120 ) .
قلت : و كل هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة موافقة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه
و ذلك مما يدل على صدقه و حفظه .
و قد كتبت هذا التحقيق ردا على بعض الشيعة و المتشيعين من المعاصرين الذين
يطعنون في أبي هريرة رضي الله عنه أشد الطعن و ينسبونه إلى الكذب على النبي
صلى الله عليه وسلم و الافتراء عليه ، حاشاه من ذلك ، فقد زعم أبو ريا من
أذنابهم - عاملهم الله بما يستحقون - أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يحفظ
الحديث عنه صلى الله عليه وسلم كما نطق به ، و زعم أن في آخره زيادة لم يذكرها
أبو هريرة ، و هي : " هجيت به " و أن عائشة حفظت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم
و ردت به على أبي هريرة ، و كل ذلك مما لا يصح إسناده كما بينته في " سلسلة
الأحاديث الضعيفة " ( رقم 1111 ) .
و نحن و إن كنا لا ننكر جواز وقوع النسيان من أبي هريرة - على حفظه - لأنه ليس
معصوما ، و لكنا ننكر أشد الإنكار نسبته إلى النسيان بل الكذب لمجرد الدعوى
و سوء الظن به ، و هذا هو المثال بين أيدينا ، فإذا كان جائزا كما ذكرنا أن
يكون أبو هريرة لم يحفظ تلك الزيادة المزعومة ، فهل يجوز أن لا يحفظها أيضا
أولئك الجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ !
على أن هذا الحديث في سياقه ما يدل على بطلان تلك الزيادة من حيث المعنى ، فإنه
لم يذم الشعر مطلقا ، و إنما الإكثار منه ، و إذا كان كذلك فقوله " هجيت به " ،
يعطي أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه صلى الله عليه وسلم جائز ، و هذا باطل
و ما لزم منه باطل فهو باطل !
جاء في " فيض القدير " :
" و قال النووي : هذا الحديث محمول على التجرد للشعر بحيث يغلب عليه ، فيشغله
عن القرآن و الذكر . و قال القرطبي : من غلب عليه الشعر ، لزمه بحكم العادة
الأدبية الأوصاف المذمومة ، و عليه يحمل الحديث ، و قول بعضهم : عنى به الشعر
الذي هجي به هو أو غيره ، رد بأن هجوه كفر كثر أو قل ، و هجو غيره حرام و إن قل
فلا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى " .
و ما ذكره عن النهي هو الذي ترجم به البخاري في " صحيحه " للحديث فقال :
" باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله " .
و تقدمه إلى ذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ، فقال بعد أن ذكر قول البعض
المشار إليه :
" و الذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول ، لأن الذي هجى به النبي صلى الله
عليه وسلم لو كان شطر بيت لكان كفرا ، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء
القلب منه أنه قد رخص في القليل منه ، و لكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر
حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن و عن ذكر الله ، فيكون الغالب عليه ، فأما إذا
كان القرآن و العلم الغالبين عليه ، فليس جوفه ممتلئا " .


337 - " من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر ، فلا يلبس حريرا و لا ذهبا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 596 :

أخرجه الحاكم ( 4 / 191 ) من طريق عمرو بن الحارث و غيره عن سليمان ابن عبد
الرحمن عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : فذكره .
و قال : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي .
قلت : بل هو حسن ، فإن القاسم و هو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن صاحب
أبي أمامة ، قد تكلم فيه بعضهم ، و الراجح من مجموع كلام العلماء فيه أنه
حسن الحديث ، و قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق " .
و سليمان بن عبد الرحمن هو ابن عيسى الدمشقي خراساني الأصل ، وثقه ابن معين
و النسائي و غيرهما .
و أما عمرو بن الحارث فهو أبو أيوب المصري ثقة فقيه حافظ .
و أما " غيره " الذي أشير إليه في الإسناد فالظاهر أنه عبد الله بن لهيعة ، فقد
رأيناه مقرونا مع عمرو بن الحارث في غير ما حديث واحد ، و قد أخرجه أحمد من
طريقه فقال ( 5 / 261 ) : حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرني ابن لهيعة عن سليمان بن
عبد الرحمن به .
و قال المنذري في " الترغيب " ( 3 / 103 ) :
" رواه أحمد و رواته ثقات " !
و قال الهيثمي في " المجمع " ( 5 / 143 ) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " ، و فيه ابن لهيعة ، و حديثه حسن و فيه ضعف ،
و بقية رجاله ثقات " .
قلت : و يؤخذ عليه أنه لم يعزه لأحمد ، كما يؤخذ على المنذري أنه لم يعزه
للحاكم ، مع أن إسناده أصح ، و أنه وثق ابن لهيعة ، و فيه الضعف الذي ذكره
الهيثمي .
و اعلم أن الحديث فيه دلالة بينة على تحريم الذهب و الحرير ، و هو بعمومه يشمل
النساء مع الرجال ، إلا أنه قد جاءت أحاديث تدل على أن النساء مستثنيات من
التحريم كالحديث المشهور :
" هذان حرام على ذكور أمتي ، حل لإناثها " .
إلا أن هذا ليس على عمومه ، فقد جاءت أحاديث صحيحة تحرم على النساء جنسا معينا
من الذهب ، و هو ما كان طوقا أو سوارا أو حلقة ، و كذلك حرم عليهن الأكل
و الشرب في آنية الذهب كالرجال ، ( راجع الأدلة في " آداب الزفاف " ) .
فبقي الحرير وحده مباحا لهن إباحة مطلقة لم يستثن منه شيء .
نعم قد استثنى من جنس المباح لهن أمهات المؤمنين ، فقد صح عنه صلى الله عليه
وسلم أنه منع أهله منه كما في الحديث الآتي :
" كان يمنع أهله الحلية و الحرير و يقول : إن كنتم تحبون حلية الجنة و حريرها
فلا تلبسوها في الدنيا " .


338 - " كان يمنع أهله الحلية و الحرير و يقول : إن كنتم تحبون حلية الجنة و حريرها
فلا تلبسوها في الدنيا " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 597 :

أخرجه النسائي ( 2 / 284 ) و ابن حبان ( 1463 ) و الحاكم ( 4 / 191 ) و أحمد
( 4 / 145 ) من طريق عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه أنه سمع عقبة
بن عامر يخبر به .
و قال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " . و تعقبه الذهبي بقوله :
" قلت : لم يخرجا لأبي عشانة " .
قلت : و اسمه حي بن يؤمن ، و هو ثقة .
قال السندي في حاشيته على النسائي .
" قوله : " أهله الحلية " بكسر فسكون . الظاهر أنه يمنع أزواجه الحلية مطلقا
سواء كان من ذهب أو فضة ، و لعل ذلك مخصوص بهم ، ليؤثروا الآخرة على الدنيا ،
و كذا الحرير ، و يحتمل أن المراد بـ ( الأهل ) الرجال من أهل البيت ، فالأمر
واضح " .
قلت : هذا الاحتمال بعيد غير متبادر فالاعتماد على ما ذكره أولا و الله أعلم .
و أقول : فهذا الحديث يدل على مثل ما دل عليه الحديث المشهور الذي سبق آنفا من
إباحة الحرير لسائر النساء ، إلا أنه قد يقال : إن الأولى بهن الرغبة عنه و عن
الحلية مطلقا تشبيها بنسائه صلى الله عليه وسلم ، لاسيما و قد ثبت عنه أنه
قال :
" ويل للنساء من الأحمرين : الذهب و المعصفر " .


339 - " ويل للنساء من الأحمرين : الذهب و المعصفر " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 598 :

أخرجه ابن حبان ( 1464 ) : أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سريج بن يونس حدثنا
عباد بن عباد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : فذكره .
و أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " ( 2 / 230 / 2 مصورة المكتب الإسلامي ) من
طريق أبي حاتم الرازي حدثنا سريج بن يونس به .
قلت : و هذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن سفيان
و هو الفسوي ثقة حافظ مشهور .
و محمد بن عمرو هو ابن علقمة أخرج له البخاري مقرونا و مسلم و متابعة .
و أما قول المناوي في " فيض القدير " بعد أن عزاه تبعا لأصله إلى البيهقي
في " شعب الإيمان " :
" و فيه عباد بن عباد ، وثقه ابن معين ، و قال ابن حبان : يأتي بالمناكير
فاستحق الترك . نقله الذهبي . و رواه أيضا أبو نعيم في " الصحابة " بهذا اللفظ
لكنه قال " الزعفران " بدل " المعصفر " ، قال الحافظ العراقي : ضعيف " .
و أقول : ما نقله عن الذهبي هو في ترجمة عباد بن عباد الأرسوفي من " الميزان "
و ليس هو المذكور في إسناد هذا الحديث ، بل هو عباد بن عباد ابن حبيب المهلبي
و هو أعلى طبقة من الأرسوفي ، و هو الذي ذكروا في شيوخه محمد بن عمرو بن علقمة
و في الرواة عنه سريج بن يونس ، و هو ثقة محتج به في الصحيحين ، و ترجمته في
" الميزان " قبيل ترجمة ( الأرسوفي ) و قال فيه : " صدوق " .
و قال الحافظ في " التقريب " : " ثقة ربما وهم " .
فثبت الحديث و الحمد لله ، و زال ما أعله به المناوي ، و لعل ما نقله عن
العراقي من التضعيف إنما هو على أساس توهمه أعني العراقي أن عبادا هو الأرسوفي
فضعفه بسببه . و الله أعلم .
ثم نقل المناوي في معنى الحديث عن مسند الفردوس :
" يعني يتحلين بحلي الذهب ، و يلبسن الثياب المزعفرة ، و يتبرجن متعطرات
متبخترات ، كأكثر نساء زمننا ، فيفتن بهن " .


340 - " نعم ليكررن عليكم حتى يرد إلى كل ذي حق حقه " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 599 :

أخرجه أبو يعلى في " مسنده " ( ق 45 / 1 ) عن محمد بن عبيد حدثنا محمد ابن عمرو
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال :
" لما نزلت هذه الآية *( إنك ميت و إنهم ميتون )* قال الزبير : يا رسول الله
أيكرر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال : " فذكره .
قلت : و هذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات .
ثم أخرجه ( 46 / 1 - 2 ) من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو به بلفظ :
" لما نزلت ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) ، قال الزبير :
قلت : يا رسول الله و يكرر علينا خصومتنا في الدنيا ؟ قال : نعم ، قال :
قلت : إن الأمر إذا لشديد " .
و أخرجه الترمذي ( 2 / 216 ) و أحمد ( 1 / 164 ) من هذا الوجه ، و زاد أحمد :
" و لما نزلت ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) قال الزبير : أي رسول الله أي نعيم
نسأل عنه ؟ و إنما - يعني - هما الأسودان التمر و الماء ، قال : أما إن ذلك
سيكون " .
و هذا أخرجه الترمذي أيضا في مكان آخر ( 2 / 239 ) و قال عقبه :
" حديث حسن " . و قال في الأول : " حديث حسن صحيح " .
و أخرجه الحاكم من وجهين آخرين عن ابن عمرو به مثل لفظ محمد بن عبيد و زاد في
آخره ما عند سفيان : " فوالله إن الأمر لشديد " .
و قال : " صحيح على شرط مسلم " . و وافقه الذهبي !
قلت : محمد بن عمرو و هو ابن علقمة إنما أخرج له مسلم و كذا البخاري متابعة ،
كما ذكره الذهبي نفسه في " الميزان " .


341 - " البذاذة من الإيمان . يعني التقشف " .

قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 601 :

أخرجه ابن ماجه ( 4118 ) عن أيوب بن سويد عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن
أبي أمامة الحارثي عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : و هذا إسناد رجاله ثقات غير أيوب بن سويد قال الحافظ : " صدوق يخطىء " .
قلت : فهو لا بأس به في المتابعات ، و قد توبع ، فأخرجه الطبراني في " المعجم
الكبير " ( 1 / 40 / 1 ) من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام حدثني صالح
بن كيسان أن عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة حدثه عن أبيه به .
و تابعه زهير بن محمد عن صالح به إلا