كلمة الألباني رحمه الله الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية

كلمة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية للدِّراسات الإسلامية عام 1419ه

قـال رحمه الله :

[صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النَّائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء !

وزير الدِّفَـاع و الطَّيران و المُفتِّش العام !

أصحاب السُّموِّ الأمراء !

أصحاب الفضيلة و المعالي و السَّعَادة !

السَّلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

و بعد، الحمد لله الذي علَّم بالقـلم ، و أقامَنا بالدِّين الحقِّ على قصد الأمم ، و جعلنا باتِّباع الرَّسول النَّبي الأمي خير الأمم.

أمـا بعدُ ، فمنذُ نيِّف و خمـسينَ سنة و أنا أطُـوف في آفاق السَّنة ، و أُصعِّدُ النَّظـر في شعَـابها ، و أُجهدُ بَصَري في البحث و التَّنقيب عن نوادِّها و شَواردها ، و أركب الصِّعـاب و الذَّلُـول من رواحلها ، و أرسل العِنَـانَ لـقَلَمي لِـوَصْل ما انقطع مـن نُصوصها ، و التَّـوْليف و التَّـقريب بين ما تَـنَاثر و تفرَّق مـن أجزاء مُتـونها ، إلـى غير ذلك ممَّا حُـمِّلتُ مـن أَمَـانتها ، في مـؤلفات ناهزت المـائة : تخريجاً و تصنيفًا و تهذيباً و اختصارا و تبويبًا ، و تصويباً بتصحيح أو بتضعيفٍ ، و استخراجاً و استنباطًا لأحـكامٍ و مَـسائلَ.
و من أعـلاها شأناً ، و أحبها لي السِّلـسِلَتَان الذَّهبيتان : الصَّـحيحَة و الضَّـعيفَة ، الّلَتَــان تَـصدران تباعًا على تباعدٍ ، و كلُّ واحدة منهما تُعدُّ مكتبةً قـائمةً برأسها في عُــلوم السُّنة ، تُـتمُّ كلٌّ منهُـما الأخـرى ، و أحسب أنَّهُ لا غِـنى لـطُـلاَّب العلم و البـاحثين عنهُمـا ؛ فقد أوعَـبتُ فيهمَـا ما تفرَّق في دواوين الإسـلام ، من علم الرِّجَـال ، و الجرح و التَّعديل، و الأسـانيد و العلل ؛ و بخاصة الخفيَّـة منها ، هذا إلـى جَـانبِ الكثير من المَــسائل العِـلميَّة و الفـوائد النَّـادرة ، و القـواعد الفقهيَّة الدَّقيقَـة.)

و مَــا خطـوْتُ خُـطوةً واحدةً في طريق هذا العِــلم الشَّريف إلاَّ و أُرانـي لازلتُ في أَوَّلِـه ؛ إذ هو علـمٌ متجـدِّدٌ فِـي الأحـكام الَّـتي يُمـضيها المتخـصِّصُ عَـلَى نُصـوصه في التَّصحيح و التَّحسين و التَّضعيف ، بماَ أَوْفـرَ الله لنا من فضل ، تُـرخي ذُيُـولَه علينا فـي كل يومٍ دُورُ النَّـشر و الطِّـباعة ، مِـن صِحَـاحٍ و سُننٍ و مَـسَانيدَ و أجـزاء كانت مخطوطات مكنونَـةً في غيابات أجْـباب المَـكْتَـبات العَـتيقَة.

و كَــان من ثمار هذا مَـا وفَّـقني إليه ربِّـي سُبحانه ، من صُـنعي في كتابَـي:

الأول : صحيح التَّرغيب و التَّرهيب و ضعيفه ، و الثَّـاني : تهذيب صحيح الجَـامع و ضعيفه ؛ إذ جعلت لكلِّ من نوعَـيْ الحديث الصَّحيح و الضعيف خمسَ مراتب ، و هي حديثيةٌ من حيثُ التَّـطبيق، و قديمةٌ من حيثُ الوُجُـود : صحيحٌ لذاته ، صحيحٌ لغيره ، حـسنٌ لذاته ، حسنٌ لغيره ، حسنٌ صحيحٌ ، ضعيفٌ ، ضعيفٌ جداً ، موضوعٌ ، شاذٌ ، منكَـرٌ ، سنداً أو متنًا. ولَــيسَ بخَـافٍ عَـلَى أهل العلم المـكانة الَّتـي رضيَـها الله لسنَّة نبيِّه عليه الصَّلاة و السَّلام ، و أجمعت الأُمَّـةُ عليها، فهي صِـنْوُ القـرآن، و شطـرُ الـوَحي ، و لسَـانُ التَّـأويل الصَّادق لكتاب الله الذي لا يضلُّ على الدَّهـر، و قد عَــلِمَ أعداءُ الإسـلامِ هذا الأَمـرَ من قديــمٍ و حديثٍ ، فـأَوْضَعُـوا خلالها بـسُوء مَـكرهم؛ يَـبغُـونها الفتنة بالتَّحـريف و الوضع و الغُلوِّ و الطَّعن على الأسانيد العَليَّة و التَّشكيك فيما دُونَها، و النَّيل مِـن حُفَّاظها و أُمرائها و سدَنتها، و الانتـقاص من الصحابة و التَّابعين و رؤوس القُرون الثَّلاثة المفضَّلة الأولى ، في غير حقٍّ و لا وَرَعٍ و لا كـتابٍ مُنيرٍ.

و مـمَّا يحـاكي هذه الباب و يدخل فيه ؛ أن يَـقتَحِمَ هذا العـلم مَـن لم تتـهيأ له أسـبابه ، و نأت عنه دَوَاعـيه ، و لهذا العلم قواعده و أصُوله ، و أبوابه و فصوله ، الَّـتي يُعرف بها النَّاسخ من المنسـوخ، و العـامُّ من الخـاصِّ ، و المُـطلق من المُقيَّدُ ، و أسـباب الوُرود ، و العلل الخفيَّة الدَّقيقة و الظَّـاهرة الجليَّة ، إلى غير ذلك مـمَّا لا بد منه لهذا العلم الشَّـريف.
لذا ، فــإني أجدُنـي أُعيــيدُ النَّـظر بين الفَـيْنة و الأخرى في نصوص كنتُ خرَّجتُها قبل وُقُـوفي على طُرقها الجديدة من بعد ظُـهور تلكم المخطُـوطات لأَحكُم عليها بنَـقيضها، ممَّا يحسبه بعضٌ ممن يجهل هذا الأمر تناقضًا وقعتُ فيه، أو وَهمًا دَهمني ، و مَـا علمُـوا أن السُّكـوت عن الحكم الجديد و إخفاءه ضربٌ من الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم القائل : " مَن، كذب علَـيَّ متعمِّداً فليَتَبَوَّأ مقعَدَهُ من النَّار" ، و نمطٌ مفظعٌ مِـن الخيانة لله و للرَّسُول ، و الله ينهى عن ذلك في مثل قوله {يا أيها الذينً آمنوا لا تخُونُوا اللهَ و الرَّسولَ و تخُونُوا أماناتكم و أنتُم تَعلمُون} [الأنفال:27].

و استسهَـالُ هذا العـلم على نحو مَـا نرى عليه بعضًا من طـلاَّب العلم الحُدثَـاء الأسنَـان أمرٌ مُستهجنٌ ، بل مُستفظعٌ ؛ لأنه ينتهي بهم إلـى الخروج عن السنن الأولى الَّتي اتَّفقت عليها الأمَّـة، و استقرَّ عليها عملُ القُرون، و منذُ أن كَـانَ لهذا العلم ذكـرٌ في النَّاس، و أيما شيء يحدث في حياة الأمَّة يجري على سنن الهُدى، و تجمَع عليه الأمة، و يستقرُّ بين ظهرانَيْها، موافقاً للأدلَّة التي تتأسَّسُ بها القواعد العامَّة في شتى المَـعارف و العلوم ، فلا ينبغي أن يخالفَ أو يخرج عنه أو يزهَدَ فيه .

و بدهي أن قواعد العلوم الإسلامية كلِّها (من علوم القرآن ، و السنة ، و اللغة) لم تثبت و تشتد ،ليصدُر عنها المتخصصون الأقيال، و يُفيدوا منها ، تعلُّمًا و تعليمًا ، و أخذا و ردًّا ، و بحثًا و استقراءً ، في شُموليَّة واعيَـة ، حتى لا تَـكاد تشذُّ منها شاذَّةٌ ، إلا وقد طوَّقها من كلِّ جهاتها نصوصٌ من الكتاب و السُّنة ، فمن أتاها بزيادةٍ أو نقصٍ فقد ثَلَم الإجمَـاع الَّذي رضيته طوائف عُـلماء الأمَّة في شتَّـى الأعـصار و القرون، و إنما الأمَّة بعلمـائها ، فما رَضيَه العلمـاء و استقرَّ إجمـاعُهم عليه ، فهو الَّذي رَضِـيَته الأمَّة ، و الأمَّة "لا تجتمعُ على ضلالةٍ" ، و هي بهذا المُحـدث في واحدٍ من أصـلَيْ الأصُـول، و هو السُّـنَّة : " مَن أحدثَ فـي أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ "؟! و هو من المـشَاقَّة لله و للـرَّسول :{و مَـن يُشاقق الرَّسـول من بعد ما تبيَّن له الهدى و يتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه مَـا تولَّى و نُصلِه جهنَّـمَ و ساءت مصيراً } [النساء:115]، فلمَـاذا إذًا هذا الَّتجـرُّؤ عَـلَى قواعد علم السُّـنَّة ، و قد حفظَـها الله لنا هذه القُـرون بها، كما حَـفظ لنا كتابَه العزيز ؟!

و قد أنَـالَنَـا بها من رحمـتِه مَــا أنالنا نحنُ في هذا القرن، على مـا كانـت و استقـرَّت عليه في القـرون الغَـابرة، و جرى العمـل بها، و لا أحسبُ إلاَّ أنَّ هذه القـواعد إنما أخذت بدايـتُها و مَـطالعها مـن نهج القَرن الأول ، و لم يأت القَـرنُ الراَّبعُ إلاَّ و قد استـوفى علمُ السُّنَّـة غايتـَه منها ، و غدَت السُّــنَّة بها مَـكلوءةً أن تُـؤخذ على غَرَّة.

و هَــا أنا ذا بعد أن سلختُ من عُـمري قُرابة السِّتِّين عَـامًا ؛ ماشيا في ركاب هذا العلم الشَّريف، أعـود بالنَّـظر و التهذيب و التَّقْريب فيه ، و كأني لا زلتُ على أوَّل مَـدْرجته ، لذا فإنـي ناصحٌ أمين لطـلاَّب العلم الشُّداَاة بثــلاثٍ :
2- أن يتعلمـوا العلم لأنفُـسهم.
2- و أن يكون هو شَـاغلَهم و همَّهم.
3- و أن لا يعجلـوا في أمر لا يُنـال إلاَّ بالتَّـريُّث و إدامة البحث و النَّظـر في خوافيه و قوادمِه.

ثـم ليعلَـموا رابعًـا: أن التَّصحيح و التضعيف في هذا العلم الشَّريف يدور بين الصِّدق و بين الكذب ، و مـا لم يكن مُريدُ الاشتغال بهذا العلم حاذقاً فيه فإنَّه يلـبَّسُ عليه فيه ، فيقع في الكذب و هو يريدُ الضِّدق ، و كفـى بذلك إثمًا ، و الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ليس ككذبٍ على أحدٍ ، إنه أقربُ إلـى الكُفر ، بل هو بالتَّعمُّد كُفرٌ بواح.

و أخيـرا ، فإنـي أسأل الله سبحانه و تعالى أن يُديم النِّعمة على أرض الجزيرة و على سائر بلاد المسلمين، و أن يحفظ دولة التَّوحيد برعاية خَـادم الحَـرَمين الملك فهد بن عبد العزيز ، و أن يُطيل في عمره في طاعة و سَدادِ أمر و توفيقٍ موصولٍ.

و إنـي لأشكرُ لمؤسسة الملك فيصل الخيرية على ما تبذله من خير و جهدٍ و تكريم للعلم و العُلماء ، و هي بذلك إنما تؤدي شيئا من حقِّ الملك فيصل ـ رحمه الله ـ عليها ، و هو شيء من معنى قوله سبحانه {واجعَل لِّي لِِسان صِدقٍ في الأخرينَ } [الشعراء:84] ، و الحمد لله أوَّلاً و آخراً ، و صلى الله و سلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ و على آله و صحبِه ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته]