تفسير آيات من القرآن الكريم

سورة الحجرات
هذه مسائل من سورة الحجرات للشيخ رحمه الله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} 1 الآية 2.
لما قدم وفد بني تميم قال أبو بكر: يا رسول الله، أمّر فلانا وقال عمر: بل فلانا. قال: ما أردتَ إلا خلافي، قال: ما أردتُه. فتجادلا، حتى ارتفعت أصواتهما 3.
ففيه مسائل:
الأولى: الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم حرمته.
الثانية: إذا كان هذا التغليظ في الشيخين، فكيف بغيرهم.
الثالثة: اختلاف كلام المفسرين والمعنى واحد، لكن كل رجل يصف نوعا من التقدم.
__________
1 سورة الحجرات آية: 1-2.
2 قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) الآية: 2.
3 رواه البخاري بسنده, وقد أشار أحدهما بالأقرع بن حابس, وأشار الآخر بالقعقاع بن معبد, فتجادلا حتى ارتفعت أصواتهما.. فنزلت: صحيح البخاري (كتاب التفسير) باب تفسير سورة الحجرات, وانظر: فتح الباري ج 8 ص 453.

(1/349)


الرابعة: الأمر بالتقوى في هذا الموضع.
الخامسة: الاستدلال بالأسماء الحسنى على المسألة.
السادسة: مسألة الإحباط وتقريره.
السابعة: وجوب طلب العلم، بسبب أن هذا مع كونه سببا للإحباط لا يفطن له، فكيف بما هو أغلظ منه بكثير؟
الثامنة: قوله: {وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} 1 أي: لا تدرون. فإذا كان هذا فيمن لا يدري، دَلَّ على وجوب التعلم والتحرز، وأن الإنسان لا يُعذر بالجهل في كثير من الأمور.
التاسعة: ما ترجم عليه البخاري 2 بقوله: باب خوف المؤمن إلخ.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} 3 الآية 4.
فيه مسائل:
الأولى: ثناء الله على أهل العمل.
الثانية: أن معنى امتحانها هَيَّأها، فقد تبتلى بما تكره ويكون نعمة من الله، يريد امتحان قلبك للتقوى.
الثالثة: استدل بها على أن من يكف عن المعصية مع منازعة النفس أفضل ممن لا يشتهيها.
__________
1 سورة الزمر آية: 55.
2 صحيح البخاري -كتاب الرقاق- باب الخوف من الله عز وجل.
3 سورة الحجرات آية: 3.
4 قوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) الآية: 3.

(1/350)


الرابعة: وعد الله لأهل هذه الخصلة بالمغفرة والأجر العظيم، فيزيل ما يكرهون ويعطيهم ما يحبون.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
فيه مسائل:
الأولى: ذمه لمن أساء الأدب.
الثانية: ذكره أن أكثرهم لا يعقلون، مع كونهم من أعقل الناس في ظنهم 2:
الثالثة: ذم العجلة، ومدح التأني.
الرابعة: رأفة الله ورحمته بالعباد ولو عصوه، لختمه الأدب بهذين الاسمين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 3 4 الآية نزلت في.
__________
1 قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) الآيتان: 4-5.
2 روى ابن إسحاق في قدوم وفد تميم على النبي صلى الله عليه وسلم ونزول سورة الحجرات أنهم لما دخلوا المسجد نادوا: أن اخرج إلينا يا محمد, فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم, قال ابن إسحاق: "وفيهم نزلت الآية". راجع: سيرة ابن هشام جـ 4 ص 222-223.
3 سورة الحجرات آية: 6.
4 قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الآية: 6.

(1/351)


في رجل 1 أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض المسلمين أنهم منعوا الزكاة، فهمّ بغزوهم، وكان كاذبا، فيه مس ائل:
الأولى: كبر بهتان المسلم عند الله كيف فضح الله 2 هذا بهذه الفضيحة الباقية إلى يوم القيامة، مع كونه من الصحابة.
الثانية: معنى التبين وهو التثبت.
الثالثة: الأمر الذي نزلت فيه الآية، وهو أمر المسلمين بعدم العجلة.
الرابعة: ذكر علّة الحكم، وهو الندم إذا أصابوا قوما بجهالة.
الخامسة: أن الله لم يأمر بتكذيب الفاسق، ولكن أمر بالتثبت.
السادسة: استدل بها على أنه إذا عُرِف صدقه عمل به، لانتفاء العلة.
السابعة: استدل بها على أن الخبر إذا أتى به أكثر من واحد، فليس في الآية الأمر بالتبيين فيه.
الثامنة: أن المؤمن يندم إذا تبين له خطؤه.
التاسعة: قتال مانعي الزكاة كما في آية السيف.
العاشرة: جباية النبي صلى الله عليه وسلم للزكاة، ولم يجعلها لأهل الأموال.
__________
1 روى الطبري عن أم سلمة أن رسول الله بعث رجلا في صدقات بني المصطلق, فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله, فرجع إلى رسول الله فأخبره أن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم, ثم تبين عدم صدقه, وفيه نزلت الآية, وهو الوليد ابن عقبة بن أبي معيط. راجع: تفسير الطبري جـ 26 ص 123-124 وسيرة ابن هشام جـ 3 ص 430-341.
2 في س " هذه بهذه ". وفيها في هذا الوضع سقط.

(1/352)


{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} إلى قوله: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 1.
فيه مسائل:
الأولى: كيف أمرهم بالعلم بأنه رسول الله وهم الصحابة، فما أجلها من مسألة، وأدلها على مسائل كثيرة.
الثانية: أنه لو يطيعهم في كثير من الأمر جرى ما جرى وهم الصحابة، ففيها التسليم لأمر الله، ومعرفة أنه 2 هو المصلحة، وتقديم الرأي عليه هو المضرة.
الثالثة: معنى العنت: الضيق، أي رأيكم يجر إلى الضيق عليكم.
الرابعة: أن ما بكم من الخير والصواب فليس ذلك من أنفسكم; ولو وُكلتم إليها جرى ما جرى؛ فهو الذي حبب إليكم الإيمان، وكرَّه إليكم ضده.
الخامسة: فيه أن الأعمال من الإيمان ففيه الرد على الأشعرية.
السادسة: أن تزيينه في القلوب نوع آخر غير المحبة.
السابعة: أن الكفر نوع والفسوق نوع، والعصيان عام في جميع المعاصي، فمن الكفر شيء لا يُخرج عن الملة كقوله: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" 3 4 ومنه الفسوق بالكبائر، فعلمتَ أنَّ ما أطلق عليه الكفر أكبر من الكبائر، ولو لم يخرج من الملة.
__________
1 قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) الآيتان: 7-8.
2 في س " أنه المصلحة ".
3 البخاري: الإيمان (48) , ومسلم: الإيمان (64) , والترمذي: البر والصلة (1983) والإيمان (2634 ,2635) , والنسائي: تحريم الدم (4105 ,4106 ,4108 ,4109 ,4110 ,4111 ,4112 ,4113) , وابن ماجه: المقدمة (69) والفتن (3939) , وأحمد (1/385 ,1/411 ,1/417 ,1/433 ,1/439 ,1/446 ,1/454 ,1/460) .
4 رواه البخاري (إيمان) و (أدب) و (فتن) ومسلم (إيمان) والترمذي (بر) و (إيمان) , والنسائي (تحريم) وابن ماجه (فتن) و (مقدمة) كما رواه أحمد عن سعد أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال المؤمن كفر, وسبابه فسوق, ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث المسند جـ 1 ص 176.

(1/353)


الثامنة: قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} 1 ففيه أمران:
أحدهما: أن الرشد: فعل ما ذكر، وترك ما ذكر.
الثانية: أن الرشد من غير حول منهم ولا قوة.
التاسعة: ذكره تعالى أن ذلك فضل منه ونعمة، فكرر الأمر لأجل كبر المسألة.
العاشرة: الفرق بين الفضل والنعمة.
الحادية عشرة: ختم الآية بالاسمين الشريفين.
الثانية عشرة: قرنه سبحانه بين العلم والحكمة، ويوضحه المثل: " ما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، وما قرن شيء إلى شيء أقبح من جهل إلى خرق ".
الثالثة عشرة: أن نتيجة هذا الدلالة على التمسك بالوحي، والتحذير من الرأي المخالف، ولو من أعلم الناس.
الرابعة عشرة: التنبيه على لطفه بنا وأنه أرحم بنا، من أنفسنا. {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 2.
__________
1 سورة الحجرات آية: 7.
2 قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) الآيتان: 9-10 , وهذا آخر ما وجد من تفسير سورة الحجرات للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

(1/354)