الدخان - تفسير القرطبي

تفسير سورة الدخان
...
سورة الدخان
المقدمة
سورة الدخان مكية باتفاق، إلا قوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً} [الدخان: 15]. وهي سبع وخمسون آية. وقيل تسع. وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين" رفعه الثعلبي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له". وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك". وعن أبي أمامة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة".
الآية: 1 {حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}
إن جعلت {حم} جواب القسم تم الكلام عند قوله: {المبين} ثم تبتدئ {إنا أنزلناه} . وإن جعلت {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} جواب القسم الذي هو {الكتاب} وقفت على {منذرين} وابتدأت {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. وقيل: الجواب {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} ، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم، والهاء في {أنزلناه}

(16/125)


للقرآن. ومن قال: أقسم بسائر الكتب فقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} كنى به عن غير القرآن، على ما تقدم بيانه في أول "الزخرف" والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان". ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل: كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة. وقال عكرمة: الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في "البقرة" عند قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى.
الآية: 4 {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}
قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أوموت أورزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران، قاله ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وروى عثمان بن المغيرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تقطع الآجال من شعبان

(16/126)


إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى". وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلى فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" ذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب". وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثيرة عن عروة عن عائشة، وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير.
قلت: وقد ذكر حديث عائشة مطولا صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه. روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي ؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج؛ يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى. وهزه الإبانة لإحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ وهو باطل لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عين من زمانه الليل ها هنا بقوله: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}

(16/127)


فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها. الزمخشري: "وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر؛ فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف؛ ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم؛ ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله؛ فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرئ {نفَرَّق} بالتشديد، و {يَفْرق} كل على بنائه للفاعل ونصب {كل} ، والفارق الله عز وجل. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه {نفرق} بالنون. و {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} كل شأن ذي حكمة؛ أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ".
الآية: 5 {أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
قوله تعالى: {أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا} قال النقاش: الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده. وقال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده. وهو مصدر في موضع الحال. وكذلك {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} وهما عند الأخفش حالان؛ تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرد: {أَمْراً} في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالا. الفراء والزجاج: {أَمْراً} نصب بـ {يفرق} ، مثل قولك "يفرق فرقا" فأمر بمعنى فرق فهو مصدر، مثل قولك: يضرب ضربا. وقيل: {يفرق} يدل على يؤمر، فهو مصدر عمل فيه ما قبله.{ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } قال الفراء {رحمة} مفعول بـ {مرسلين}. والرحمة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: {رحمة} مفعول من أجله؛ أي أرسلناه للرحمة. وقيل: هي بدل من قول. {أمرا} وقيل: هي مصدر. الزمخشري: {أمرا} نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه

(16/128)


فخامة بأن قال: أعنى بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا، كائنا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن علي {أَمْرٌ مِنْ عِنْدِنَا} على هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن {رحمةٌ} على تلك هي رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له.
الآية: 7 - 9 {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}
قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قرأ الكوفيون {رب} بالجر. الباقون بالرفع؛ ردا على قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. وإن شئت على الابتداء، والخبر لا إله إلا هو. أو يكون خبر ابتداء محذوف؛ تقديره: هو رب السماوات والأرض. والجر على البدل من {ربك} وكذلك: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} بالجر فيهما؛ رواه الشيزري عن الكسائي. الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن الله خلق السماوات والأرض؛ أي إن كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل الرسل، ويجوز الكتب. ويجوز أن يكون الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق؛ أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق؛ وأنه الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقن ها هنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه؛ كما تقول: فلان ينجد؛ أي يريد نجدا. ويتهم؛ أي يريد تهامة. {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي هو خالق العالم؛ فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء. و {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي يحيي الأموات ويميت الأحياء. {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} أي مالككم ومالك من تقدم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم؛ وإنما

(16/129)


يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك. وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة. وقيل: {يَلْعَبُونَ} يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب؛ وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته.
الآية: 10 {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}
قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ارتقب معناه انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ قال قتادة. وقيل: معناه أحفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتى السماء بدخان مبين؛ ولذلك سمي الحافظ رقيبا. وفي الدخان أقوال ثلاثة: الأول: أنه من أشراط الساعة لم يجيء بعد، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض؛ فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم؛ وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعد: علي وابن عباس وابن عمرو وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة؛ يأخذ المؤمن منه كالزكمة. ومنفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه؛ ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: "ما تذكرون" ؟ قالوا: نذكر الساعة؛ قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات - فذكر - الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". في رواية عن حذيفة "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال

(16/130)


ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس". وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول الآيات خروجا الدجال ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا" . قلت: يا نبي الله، وما الدخان ؟ قال هذه الآية: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام والكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنه ودبره". فهذا قول. القول الثاني: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا؛ قاله ابن مسعود. قال وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي. قال البخاري: حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبدالله: إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛ فأنزل الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: "لمضر! إنك لجريء" فاستسقى فسقوا؛ فنزلت {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15]. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدخان الجدب. القتبي سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث: إنه يوم. فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة؛ قاله عبدالرحمن الأعرج.
قوله تعالى: {يَغْشَى النَّاسَ} في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من

(16/131)


أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم. {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يقول الله لهم: {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} . فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا. فهو حكاية حال آتية. وقيل: {هذا} بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان: {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقيل: هو إخبار عن دنو الأمر؛ كما تقول: هذا الشتاء فأعد له.
الآية: 12 {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ }
أي يقولون ذلك: اكشف عنا العذاب فـ {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} ؛ أي نؤمن بك إن كشفته عنا. قيل: إن قريشا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول. قال قتادة: "العذاب" هنا الدخان. وقيل: الجوع؛ حكاه النقاش.
قلت: ولا تناقض؛ فإن الدخان لم يكن، إلا من الجوع الذي أصابهم؛ على ما تقدم. وقد يقال للجوع والقحط: الدخان؛ ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة الأمطار؛ ولهذا يقال لسنة الجدب: الغبراء. وقيل: إن العذاب هنا الثلج. قال الماوردي: وهذا لا وجه له؛ لأن هذا إنما يكون في الآخرة أو في أهل مكة، ولم تكن مكة من بلاد الثلج؛ غير أنه مقول فحكيناه.
الآية: 13 {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}
قوله تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} أي من أين يكون لهم التذكر والاتعاظ عند حلول العذاب. {وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} يبين لهم الحق، والذكرى والذكر واحد؛ قاله البخاري. {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي أعرضوا. قال ابن عباس: أي متى يتعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه. وقيل: أي أنى ينفعهم

(16/132)


قولهم: {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} ؛ بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة، فقد صارت المعارف ضرورية. وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة. {وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} أي علمه بشر أو علمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول.
الآية: 15 {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}
قوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً} أي وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا؛ أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه؛ قال ابن مسعود. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة. ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على كفره. ومن قال هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر. وقيل: معنى {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} إلينا؛ أي مبعوثون بعد الموت. وقيل: المعنى {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا.
الآية: 16 {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}
قوله تعالى: {يوم} محمول على ما دل عليه {مُنْتَقِمُونَ} ؛ أي ننتقم منهم يوم نبطش. وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد "إن" لا يفسر ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه {مُنْتَقِمُونَ} وهو بعيد أيضا؛ لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلقه بقوله: {عَائِدُونَ} ولا بقوله: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ ً} ؛ إذ ليس المعنى عليه. ويجوز نصبه بإضمار فعل؛ كأنه قال: ذكرهم أو أذكر. ويجوز أن يكون المعنى فإنهم عائدون، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا بقصة فرعون، فإنهم وعدوا موسى الإيمان إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا. وقيل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} كلام تام. ثم ابتدأ: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} أي ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش، فحذف واو العطف؛

(16/133)


كما تقول: اتق النار اتق العذاب. و {الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} في قول ابن مسعود: يوم بدر. وهو قول ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة؛ قال الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا، واختاره الزجاج. وقيل: دخان يقع في الدنيا، أوجوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة. الماوردي: ويحتمل أنها قيام الساعة؛ لأنها خاتمة: بطشاته في الدنيا. ويقال: انتقم الله منه؛ أي عاقبه. والاسم منه النقمة والجمع النقمات. وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة؛ فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة. والنقمة قد تكون قبلها؛ قال ابن عباس. وقيل: العقوبة ما تقدرت والانتقام غير مقدر.
الآية: 17 {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ}
أي ابتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الأمر بالطاعة. والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا؛ فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتناهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم، أي أغرقناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول. والواو لا ترتب. ومعنى {كريم} أي كريم في قومه. وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال الفراء: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام.

( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )