سبأ - تفسير القرطبي

الآية: [49] { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ }
قوله تعالى: { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس: والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ } قال قتادة: الشيطان؛ أي ما يخلق الشيطان أحدا { وَمَا يُعِيدُ } فـ { وَمَا } نفي. ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شيء؛ أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق منه شيء، كقوله: { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } أي لا ترى.
الآية: [50] { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ }
قوله تعالى: { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءه العامة {ضَللت} بفتح اللام. وقرأ يحيى بن وثاب وغيره: { قُلْ إِنْ ضَلِلت } بكسر اللام وفتح الضاد من {أضَلُّ} ، والضلال والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت "بفتح اللام" أضل

(14/313)


"بكسر الضاد"، قال الله تعالى: { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون {ضَلِلت} بالكسر {أضِل} ، أي إثم ضلالتي على نفسي. { وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } من الحكمة والبيان { إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قل إن ربي يقذف بالحق ويبين الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب.
الآية: [51] { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ }
قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم؛ وقاله قتادة. وقال ابن مغفل: إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى التوبة. سعيد ابن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. { فَلا فَوْتَ } فلا نجاة؛ قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في، ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم؛ فهو الأخذ من مكان قريب.
قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب: "فبينا هم

(14/314)


كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشا إلى المشرق؛ وجيشا إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الحبيبة يعني مدينة بغداد، قال - فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ومحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل أذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، ولذلك جاء القول وعند جهينة الخبر اليقين وقيل: { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة؛ يقال: فزع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذ قال للأنصار: "إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع". ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل: { أُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } من جهنم فألقوا فيها.
الآية: [52] { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }
قوله تعالى: { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ } أي القرآن. وقال مجاهد: بالله عز وجل. الحسن: بالبعث. قتادة: بالرسول صلى الله عليه وسلم { وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قال

(14/315)


ابن عباس والضحاك: التناوش الرجعة؛ أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وهيهات من ذلك! ومنه قول الشاعر:
تمنى أن تؤوب إلي وليس ... إلى تناوشها سبيل
وقال السدي: هي التوبة؛ أي طلبوها وقد بعدت، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: التناوش التناول؛ قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه نوشا. وأنشد:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا
أي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر. قال: ومنه المناوشة في القتال؛ وذلك إذا تدانى الفريقان. ورجل نووش أي ذو بطش. والتناوش. التناول: والانتياش مثله. قال الراجز:
كانت تنوش العنق انتياشا
قوله تعالى: { وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } يقول: أنى لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا. وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة: { وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ } بالهمز. النحاس: وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة؛ لأن { التَّنَاوُشُ } بالهمز البعد، فكيف يكون: وأنى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة، ولها وجهان في كلام العرب، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد. فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز، ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية، وذلك كثير في كلام العرب. وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة { وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } والأصل {وُقّتت} لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال: يكون مشتقا من النئيش وهو الحركة في إبطاء؛ أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد، يقال: نأشت الشيء أخذته

(14/316)


من بعد والنئيش: الشيء البطيء. قال الجوهري: التناؤش "بالهم" التأخر والتباعد. وقد نأشت الأمر أنأشه نأشا أخرته؛ فانتأش. ويقال: فعله نئيشا أي أخيرا. قال الشاعر:
تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
وقال آخر:
قعدت زمانا عن طلابك للعلا ... وجئت نئيشا بعدما فاتك الخُبر
وقال الفراء: الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب؛ مثل: ذمت الرجل وذأمته أي عبته. { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي من الآخرة. وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: { وَأَنَّى لَهُمُ } قال: الرد، سألوه وليس بحين رد.
الآية: [53] { وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }
قوله تعالى: { وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ } أي بالله عز وجل وقيل: بمحمد { مِنْ قَبْلُ } يعني في الدنيا. { وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } العرب تقول لكل من تكلم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب، أي يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن؛ قال قتادة. وقيل: { وَيَقْذِفُونَ } أي يرمون في القرآن فيقولون: سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل: في محمد؛ فيقولون ساحر شاعر كاهن مجنون. { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي إن الله بعد لهم أن يعلموا صدق محمد. وقيل: أراد البعد عن القلب، أي من مكان بعيد عن قلوبهم. وقرأ مجاهد { وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ } غير مسمى الفاعل، أي يرمون به. وقيل: يقذف به إليهم من يغويهم ويضلهم.

(14/317)


الآية: [54] { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ }
قوله تعالى: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جل وعز وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل بينهم وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا أو قد زالت في ذلك الوقت. والأصل {حُوِل} فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها لثقلها. { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ } الأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة. { مِنْ قَبْلُ } أي بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ } أي من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. قيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. { مُرِيبٍ } أي يستراب به، يقال: أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شك مريب؛ كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر؛ في التأكيد. ختمت السور، والحمد لله رب العالمين.

(14/318)


تفسير سورة فاطر
...
سورة فاطر
بسم الله الرحمن الرحيم
الآية: {1} { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

(14/318)


قوله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } يجوز في {فاطر} ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد مثله وكذا { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ } . والفاطر: الخالق. وقد مضى في {يوسف} وغيرها. والفطر. الشق عن الشيء؛ يقال: فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشيء تشقق. وسيف فطار، أي فيه تشقق. قال عنترة:
وسيفي كالعقيقة فهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا
والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. والفطر. حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السموات والأرض العالم كله، ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة. { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ } لا يجوز فيه التنوين، لأنه لما مضى. { رُسُلاً } مفعول ثان، ويقال على إضمار فعل؛ لأن {فاعلا} إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئا، وإعمال على أنه مستقبل حذف التوين منه تخفيفا. وقرأ الضحاك { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } على الفصل الماضي. { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً } الرسل منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: {جَاعلُ الملائكة} بالرفع. وقرأ خليد بن نشيط {جعل الملائكة} وكله ظاهر. { أُولِي أَجْنِحَةٍ } نعت، أي أصحاب أجنحة. { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } أي اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة؛ ينزلون بهما من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي جعلهم رسلا. قال يحيى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السدي: إلى العباد برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه

(14/319)


السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له: "يا محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع والوصع عصفور صغير حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته". و {أُولُو} اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة. وقد مضى الكلام في { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } في {النساء} وأنه غير منصرف { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } أي في خلق الملائكة، في قول أكثر المفسرين؛ ذكره المهدوي. وقال الحسن: { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ } أي في أجنحة الملائكة ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول فيه في مقدمة الكتاب. وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، فقال: "أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا" . وقال قتادة: { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم. وقيل: الخط الحسن. وقال مهاجر الكلاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الخط الحسن يزيد الكلام وضوحا" . وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن؛ ذكره القشيري. النقاش هو الشعر الجعد. وقيل: العقل والتمييز. وقيل: العلوم والصنائع. { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من النقصان والزيادة. الزمخشري: والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف.

(14/320)


الآية: [2] { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
قوله تعالى: { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا } وأجاز النحويون في غير القرآن { فَلا مُمْسِكَ } على لفظ {ما} و{لها} على المعنى. وأجازوا { وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَها } وأجازوا { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ } "بالرفع" تكون {ما} بمعنى الذي. أي إن الرسل بعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا يقدر أحد على أن يرسله. وقيل: هو الدعاء: قاله الضحاك. ابن عباس: من توبة. وقيل: من توفيق وهداية.
قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك إذ هي منكرة للإشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مطر الناس: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا } . { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } تقدم.
الآية: [3] { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }
قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } معنى هذا الذكر الشكر. { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } يجوز في { غَيْرُ } الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين: أحدهما: بمعنى هل من خالق إلا الله؛ بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني: أن يكون نعتا على الموضع؛ لأن المعنى: هل خاق غير الله، و{من} زائدة. والنصب على الاستثناء.

(14/321)


والخفض، على اللفظ. قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله جل وعز، خلق الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } بالخفض. الباقون بالرفع. { يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ } أي المطر. { وَالأَرْضِ } أي النبات. { إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } من الإفك "بالفتح" وهو الصرف؛ يقال: ما أفكك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: من الإفك "بالكسر" وهو الكذب، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم؛ لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع.

( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )