الأنفال - تفسير القرطبي

2- سورة الأنفال
سورة الأنفال: مدنية بدرية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وقال ابن عباس: هي مدنية إلا سبع آيات، من قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى آخر السبع آيات.
الآية: 1 {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
فيه سبع مسائل:-
الأولى: روى عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقوا العدو؛ فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة على العسكر والنهب؛ فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم أحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة. وقال الذين استلووا على العسكر والنهب: ما أنتم بأحق منا، هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه؛ فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فواق بينهم. قال أبو عمر: قال أهل العلم بلسان العرب: استلووا أطافوا وأحاطوا؛ يقال: الموت مستلو على العباد. وقوله: "فقسمه عن فواق" يعني عن سرعة. قالوا: والفواق ما بين حلبتي الناقة. يقال: انتظره فواق ناقة، أي هذا

(7/360)


المقدار. ويقولونها بالضم والفتح: فواق وفواق. وكان هذا قبل أن ينزل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية. وكأن المعنى عند العلماء: أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى. وذكر محمد بن إسحاق قال: حدثني عبدالرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء. يقول: على السواء. فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: اغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. قال: "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. قال: فشد لي صوته "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته "رده من حيث أخذته" فأنزل الله {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} . لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية.
الثانية: الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء؛ قال:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل
أي خير غنيمة. والنفل: اليمين؛ ومنه الحديث "فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم". والنفل الانتفاء؛ ومنه الحديث "فانتفل من ولدها". والنفل: نبت معروف. والنفل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع. وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد. والغنيمة نافلة؛ لأنها

(7/361)


زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها. قال صلى الله عليه وسلم: "فضلت على الأنبياء بست - وفيها - وأحلت لي الغنائم" . والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة:
إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال
أي الغنائم.
الثالثة: واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: الأول: محلها فيما شد عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني: محلها الخمس. الثالث: خمس الخمس. الرابع: رأس الغنيمة؛ حسب ما يراه الإمام. ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام. وأهله غير معينين. قال صلى الله عليه وسلم: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم" . فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس. هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة. وسبب الخلاف حديث ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا؛ ونفلوا بعيرا بعيرا. هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. ولم يشك. وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد - في رواية الوليد: أربعة آلاف - وانبعثت سرية من الجيش - في رواية الوليد: فكنت ممن خرج فيها - فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا؛ ونقل أهل السرية بعيرا بعيرا؛ فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا؛ ذكره أبو داود. فاحتج بهذا من

(7/362)


يقول: إن النفل إنما يكون من جملة الخمس. وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا، اثنا عشر بعيرا، ثم أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا؛ لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد. واحتج من قال: إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض. ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث: فأصبنا إبلا وغنما؛ الحديث. وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك. وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ؛ قاله أبو عمر رحمه الله. وقال مكحول والأوزاعي: لا ينفل بأكثر من الثلث؛ وهو قول الجمهور من العلماء. قال الأوزاعي: فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال الشافعي: ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام.
الرابعة: ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله.
الخامسة: واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من الحصن فله كذا، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا؛ يضريهم. فروي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على الدنيا. وكان لا يجيزه. قال الثوري: ذلك جائز ولا بأس به.
قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا" . الحديث بطوله.

(7/363)


وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا" . فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات؛ فلما فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنا ردءا لكم؛ فأنزل الله تعالى: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبدالله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي؟. وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم: الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم. ورأوا الخمس من جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر؛ وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام لسرية: ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سحنون: يريد ابتداء. فإن نزل مضى، ولهم أنصباؤهم في الباقي. وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه؛ فهذا لا يجوز، فإن نزل رددته؛ لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى.
السادسة: واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحوه. وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء. وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم.
السابعة: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أم بالتقوى والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللهم أصلح ذات البين، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف، أو مالت النفوس إلى التشاح؛ كما هو منصوص في الحديث. وتقدم معنى التقوى، أي اتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم. {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الغنائم ونحوها. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا. وقيل: {إِنْ} بمعنى {إذْ}.

(7/364)


الآيتان: 2 - 3 {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
الآية:4 {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}
فيه ثلاث مسائل:-
الأولى: قال العلماء: هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، حكاه سيبويه. والمصدر وجل جلا وموجلا؛ بالفتح. وهذا موجله "بالكسر" للموضع والاسم. فمن قال: ياجل في المستقبل جعل الواو ألفا لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن الواو {قَالُوا لا تَوْجَلْ} [الحجر: 53]. ومن قال: {يَيجل} بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نيجل، وأنت تيجل؛ كلها بالكسر. ومن قال: {يَيْجل} بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في {ييجل} لتقوي إحدى الياءين بالأخرى. والأمر منه {إيجَلْ} صارت الواو ياء الكسرة ما قبلها. وتقول: إني منه لأوجل. ولا يقال في المؤنث: وجلاء: ولكن وجلة. وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: اتق الله، ووجل قلبه.
الثانية: وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34، 35]. وقال: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28]. فهذا يرجع إلى كمال

(7/365)


المعرفة وثقة القلب. والوجل: الفزع من عذاب الله؛ فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]. أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؛ لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله. ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم؛ فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا؛ والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: "سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا" . فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا.

(7/366)


الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي تصديقا. فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس؛ فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم. وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة؛ وقد مضى هذا المعنى في "آل عمران". {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} تقدم معنى التوكل في "آل عمران" أيضا. {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تقدم في سورة "البقرة". قوله تعالى:
{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم. ودل هذا على أن لكل حق حقيقة؛ وقد قال عليه السلام لحارثة: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك"؟ الحديث. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ - إلى قوله - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر الواسطي: من قال أنا مؤمن بالله حقا؛ قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة؛ فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إن المؤمن الحقيقي من كان محكوما له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح.
الآية: 5 {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}
قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} قال الزجاج: الكاف في موضع نصب؛ أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق. والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا؛ لأن بعض

(7/367)


الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال: يبقى أكثر الناس بغير شيء. فموضع الكاف في {كَمَا} نصب كما ذكرنا. وقال الفراء أيضا. قال أبو عبيدة: هو قسم، أي والذي أخرجك؛ فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى الذي. وقال سعيد بن مسعدة: المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال وقال بعض العلماء {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. وقيل: {كَمَا أَخْرَجَكَ} متعلق بقوله {لَهُمْ دَرَجَاتٌ} المعنى: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له؛ فأنجزك وعدك. وأظفرك بعدوك وأوفى لك؛ لأنه قال عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7]. فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. وقيل: الكاف في {كَمَا} كاف التشبيه، ومخرجه على سبيل، المجازاة؛ كقول القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه - يعني به إياه ومن معه - وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين؛ فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت عللكم، وأمددتكم" بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المقتل؛ لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله أعلم. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم.
الآية: 6 {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}

(7/368)


قوله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} مجادلتهم: قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة. ومعنى {فِي الْحَقِّ} أي في القتال . {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة والظفر بهم. فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} كراهة للقاء القوم. {وَهُمْ يَنْظُرُونَ} أي يعلمون أن ذلك واقع بهم؛ قال الله تعالى: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: 40] أي يعلم.
الآيتان: 7 - 8 {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}
قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}{ إِحْدَى}في موضع نصب مفعول ثان. {أَنَّهَا لَكُمْ} في موضع نصب أيضا بدلا من {إِحْدَى}. {وَتَوَدُّونَ} أي تحبون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد. والشوكة: السلاح. والشوك: النبت الذي له حد؛ ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال: شاكي السلاح. أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب؛ عن الزجاج. {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي أن يظهر الإسلام. والحق حق أبدا، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل. {بِكَلِمَاتِهِ} أي بوعده؛ فإنه وعد نبيه ذلك في سورة "الدخان" فقال: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] أي من أبي جهل وأصحابه. وقال: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}. [التوبة: 33]. وقيل: {بِكَلِمَاتِهِ} أي

(7/369)


بأمره؛ إياكم أن تجاهدوهم. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} أي يستأصلهم بالهلاك. {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} أي يظهر دين الإسلام ويعزه. {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} أي الكفر. وإبطاله إعدامه؛ كما أن إحقاق الحق إظهاره {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18]. {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} .

( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )