الأعراف - تفسير القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الأعراف
سورة الأعراف هي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} [الأعراف: 163] إلى قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} [الأعراف: 171]. وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين. صححه أبو محمد عبدالحق.
الآية: 1 - 2 {المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
قوله تعالى {المص} تقدم في أول "البقرة" وموضعه رفع بالابتداء. و {كِتَابٌ} خبره. كأنه قال: {المص} حروف {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وقال الكسائي: أي هذا كتاب.
قوله تعالى :{فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} فيه مسألتان:-
الأولى: قوله تعالى: {حَرَجٌ} أي ضيق؛ أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ؛ لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال: "إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة" الحديث. خرجه مسلم. قال الكيا: فظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه؛ أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم

(7/160)


أو كفرهم، ومثله قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الكهف: 6] الآية. وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]. ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97]. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وفيه بعد. والهاء في{مِنْهُ}للقرآن. وقيل: للإنذار؛ أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام. أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له.
الثانية: قوله تعالى: {وَذِكْرَى} يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض. فالرفع من وجهين؛ قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: عطف على {كِتَابٌ} والنصب من وجهين؛ على المصدر؛ أي وذكر به ذكرى؛ قال البصريون. وقال الكسائي: عطف على الهاء في {أَنْزَلْنَاهُ}. والخفض حملا على موضع {لِتُنْذِرَ بِهِ} والإنذار للكافرين، والذكرى للمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به.
الآية: 3 {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}
فيه مسألتان:-
الأولى: قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الحشر: 7]. وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه. أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.

(7/161)


الثانية: قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} {مِنْ دُونِهِ} من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا. وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه. وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ {وَلا تبتغوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف {أَوْلِيَاءَ} لأن فيه ألف التأنيث. وقيل: تعود على {مَا} من قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}. {قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} {مَا} زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدرا.
الآيتان: 4 - 5 {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}
قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} {كَمْ} للتكثير؛ كما أن {رُبّ} للتقليل. وهي في موضع رفع بالابتداء، و{أَهْلَكْنَا}الخبر. أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع الناس - أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها، ولا يقدر قبلها؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوي الأول قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} ولو لا اشتغال{أَهْلَكْنَا}بالضمير لانتصب به موضع {كَمْ}. ويجوز أن يكون{أَهْلَكْنَا}صفة للقرية، و{كَمْ} في المعنى هي القرية؛ فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. يدل على ذلك قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} [النجم: 26] فعاد الضمير على {كَمْ}.على المعنى؛ إذ كانت الملائكة في المعنى. فلا يصح على هذا التقدير أن يكون {كَمْ} في موضع نصب بإضمار فعل بعدها. {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا}فيه إشكال للعطف بالفاء. فقال الفراء: الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ كقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]. وقيل: إن

(7/162)


الهلاك. واقع ببعض القوم؛ فيكون التقدير: وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال. والبأس، العذاب الآتي على النفس. وقيل: المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا؛ فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأس غير الإهلاك؛ كما ذكرنا. وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت؛ فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها؛ مثل دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وكذلك قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]. المعنى - والله أعلم - انشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى واحد. {بَيَاتاً} أي ليلا؛ ومنه البيت، لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت بيتا وبياتا. {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} أي أو وهم قائلون، فاستثقلوا فحذفوا الواو؛ قاله الفراء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا عاد الذكر استغني عن الواو، تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدوي: ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغني عن الواو. وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو للشك بل للتفصيل؛ كقولك: لأكرمنك منصفا لي أو ظالما. وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت. و{قَائِلُونَ} من القائلة وهي القيلولة؛ وهي نوم نصف النهار. وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم. والمعنى جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا. والدعوى الدعاء؛ ومنه قوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} [يونس: 10]. وحكى النحويون: اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك. وقد تكون الدعوى بمعنى الادعاء. والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. و{دَعْوَاهُمْ}في موضع نصب خبر كان، واسمها {إِلَّا أَنْ قَالُوا} . نظيره {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [النمل: 56]

(7/163)


ويجوز أن تكون الدعوى رفعا، و {إِلَّا أَنْ قَالُوا} نصبا؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا} [البقرة: 177] برفع {الْبِرّ} وقوله: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا} [الروم: 10] برفع "عاقبة".
الآيتان: 6 - 7 {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}
قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} دليل على أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 26]. وفي سورة القصص {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] يعني إذا استقروا في العذاب. والآخرة مواطن: موطن يسألون فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم تقرير وتوبيخ وإفضاح. وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح؛ أي عن جواب القوم لهم. وهو معنى قوله: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8] على ما يأتي. وقيل: المعنى {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي الأنبياء {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في {فَلَنَسْأَلَنَّ} لام القسم وحقيقتها التوكيد. وكذا {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} . قال ابن عباس: ينطق عليهم. {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} أي كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم.
الآية: 8 - 9 {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ}
قوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون {الْحَقُّ}نعته، والخبر {يَوْمَئِذٍ}. ويجوز نصب {الْحَقُّ}على المصدر. والمراد بالوزن وزن أعمال العباد

(7/164)


بالميزان. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقال مجاهد: الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضا والضحاك والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن ضرب مثل؛ كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. قال الزجاج: هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الذين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا. قال ابن فورك: وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول: إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك، وهو أنه روي "أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} فيثقل". فقد علم أن لك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال. وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ قال سمعته يقول: "يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله" . فقوله: "فيعطى صحيفة حسناته"

(7/165)


دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن.
وروى ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" . زاد الترمذي "فلا يثقل مع اسم الله شيء" وقال: حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في "الكهف والأنبياء" إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ} جمع ميزان، وأصله موزان، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله. ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع؛ كما تقول: خرج فلان إلى مكة على البغال، وخرج إلى البصرة في السفن. وفي التنزيل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]. {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123]. وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد بالموازين الأعمال الموزونة. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان كفتان؛ فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته؛ فذلك قوله: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار. وما أشار إليه

(7/166)


ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر. ورده ابن فورك وغيره. وفي الخبر "إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صل الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي على قد وفيتك أحوج ما تكون إليها". ذكره القشيري في تفسيره. وذكر أن البطاقة "بكسر الباء" رقعة فيها رقم المتاع بلغة. أهل مصر. وقال ابن ماجة: قال محمد بن يحيى: البطاقة الرقعة، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، يقول الله تعالى: {يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض". قال: وليس ثم ذهب ولا فضة؛ فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم؛ فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وأنظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما" .
الآية: 10 {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}
أي جعلناها لكم قرارا ومهادا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. والمعايش مع معيشة، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة. وقال الزجاج: المعيشة ما يتوصل به إلى العيش. ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج: {مَعَاِئشَ} بالهمز. وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز؛ لأن الواحدة معيشة، أصلها معيشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بد من تحريك إذ لا سبيل

(7/167)


إلى الحذف، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو مناور ومناور، ومقام ومقاوم؛ كما قال الشاعر:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
وكذا مصيبة ومصاوب. هذا الجيد، ولغة شاذة مصائب. قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة معتلة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة. وقيل: لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة؛ فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.
الآية: 11 {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع. {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره. وقال الأخفش: {ثُمَّ} بمعنى الواو. وقيل: المعنى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني آدم عليه السلام، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم؛ على التقديم والتأخير. وقيل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني آدم؛ ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} راجع إليه أيضا. كما يقال: نحن قتلناكم؛ أي قتلنا سيدكم. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير؛ عن ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحواء؛ فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما؛ قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم

(7/168)


ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوي هذا {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172]. والحديث "أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق" . وقيل: {ثُمَّ} للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صورناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس.
قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يعضده التنزيل؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] يعني آدم. وقال: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]. ثم قال: {جَعَلْنَاهُ} أي جعلنا نسله وذريته {نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] الآية. فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدم في أول سورة "الأنعام" أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة؛ فتأمله. وقال هنا: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} وقال في آخر الحشر: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24]. فذكر التصوير بعد البرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: معنى "ولقد خلقناكم" أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا.
قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} استثناء من غير الجنس. وقيل: من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا؛ كما سبق بيانه في "البقرة".

( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )