القارعة - تفسير ابن كثير

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)

{ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) }
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فَعَدت وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.
{ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير صباحًا ويتسمّع (1) أذانا، فإن سمع (2) وإلا أغار.
[وقوله] (3) { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا } يعني: غبارًا في [مكان] (4) معترك الخيول.
{ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } أي: توسطن ذلك المكان كُلُّهن جمع.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } قال: الإبل.
وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه، قال: بينا أنا في الحِجْر جالسا، جاءني رجل فسألني عن: { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي، رضي الله عنه، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة
__________
(1) في أ: "ويستمع".
(2) في م: "فإن سمع أذانا".
(3) زيادة من م، أ.
(4) زيادة من م، أ.

(8/465)


إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى.
قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، رضي الله عنه (1) .
وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران.
وقال العَوفي عن ابن عباس: هي الخيل.
وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة، والضحاك. واختاره ابن جرير.
قال ابن عباس، وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب.
وقال ابن جُرَيْج (2) عن عطاء سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح.
وقال أكثر هؤلاء في قوله: { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } يعني: بحوافرها. وقيل: أسعَرْنَ الحرب بين رُكبانهن. قاله قتادة.
وعن ابن عباس ومجاهد: { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } يعني: مكر الرجال.
وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل.
وقيل: المراد بذلك: نيران القبائل.
وقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.
وقال ابن جرير: والصواب الأول؛ أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله.
وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى.
وقالوا كلهم في قوله: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا } هو: المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.
وقوله: { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } قال العَوفى، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: يعني جَمَع الكفار من العدو.
ويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون { جَمْعًا } منصوبا على الحال المؤكدة.
وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثًا [غريبًا جدًا] (3) فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جُمَيع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا
__________
(1) تفسير الطبري (30/176).
(2) في أ: "جرير".
(3) زيادة من م، أ.

(8/466)


فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } ضبحت بأرجلها، { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } صبَّحت القوم بغارة، { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا } أثارت بحوافرها التراب، { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } قال: صبحت القوم جميعا (1) .
وقوله: { إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لجحود كفور.
قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } قال: "الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده" (2) .
ورواه ابن أبي حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك-فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفا (3) .
وقوله: { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا (4) لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } [التوبة: 17]
وقوله: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } أي: وإنه لحب الخير -وهو: المال-لشديد. وفيه مذهبان:
أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.
والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.
ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: { أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ } أي: أخرج ما فيها من الأموات، { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم، { إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ } أي: لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، مجازيهم (5) عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة. آخر [تفسير] (6) سورة "والعاديات" ولله الحمد [والمنة، وحسبنا الله] (7)
__________
(1) مسند البزار برقم (2291) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/142): "فيه حفص بن جميع وهو ضعيف".
(2) ورواه الطبري في تفسيره (30/180) عن أبي كريب، به.
(3) تفسير الطبري (30/180).
(4) في م: "لكنودا".
(5) في أ: "ويجازيهم".
(6) زيادة من م.
(7) زيادة من م.

(8/467)


الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)

تفسير سورة القارعة
وهي مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) }
{ الْقَارِعَةُ } من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطامة، والصاخة، والغاشية، وغير ذلك.
ثم قال معظمًا أمرها ومهولا لشأنها: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ } ؟ ثم فسر ذلك بقوله: { يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث (1) كما قال في الآية الأخرى: { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ }
وقوله: { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شَرَع في الذهاب والتمزق.
قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والضحاك، والسدي: " الْعِهْنِ" الصوف.
ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإهانة، بحسب أعمالهم، فقال: { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } أي: رجحت حسناته على سيئاته، { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } يعني: في الجنة. { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } أي: رجحت سيئاته على حسناته.
وقوله: { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعَبَّر عنه بأمه-يعني (2) دماغه-روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة -قال قتادة: يهوي في النار على رأسه (3) وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار على رءوسهم.
وقيل: معناه: { فَأُمُّهُ } التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها { هَاوِيَةٌ } وهي اسم من أسماء النار.
قال ابن جرير: وإنما قيل: للهاوية أمه؛ لأنه لا مأوى له غيرها (4) .
__________
(1) في أ: "منتشر".
(2) في م: "وهو".
(3) في م: "على رءوسهم".
(4) تفسير الطبري (30/183).

(8/468)


وقال ابن زيد: الهاوية: النار، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ } [آل عمران: 151].
قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة أنه قال: هي النار، وهي مأواهم. ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ }
قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوِّحُوا أخاكم، فإنه كان في غَمّ الدنيا. قال: ويسألونه: وما فعل فلان (1) ؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية (2)
وقد رواه ابن مَرْدَويّه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا. وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا (3) الله منها بمنه وكرمه (4) .
وقوله: { نَارٌ حَامِيَةٌ } أي: حارة شديدة الحر، قوية اللهيب والسعير.
قال أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي تُوقدون جزء من سبعين جزء من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: "إنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جُزءًا" (5) .
ورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قُتيبة، عن المغيرة ابن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، به (6) وفي بعض ألفاظه: "أنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرّها".
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد -وهو ابن سلمة-عن محمد بن زياد-سمع (7) أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " نار بني آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزءا من نار جهنم". فقال رجل: إن كانت لكافية. فقال: "لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حَرًّا فحرا" (8) .
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم.
__________
(1) في م، أ: "بفلان".
(2) تفسير الطبري (30/182).
(3) في أ: "أعاذنا".
(4) قال السيوطي في الدر المنثور (8/606): "وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فإن كان مات ولم يأتهم قالوا: خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية حتى يقولوا: ما فعل فلان هل تزوج؟ ما فعلت فلانة هل تزوجت؟ فيقولون: دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا".
(5) الموطأ برواية الزهري برقم (2098) وهو في رواية يحيى (2/994).
(6) صحيح البخاري برقم (3265) وصحيح مسلم برقم (2843).
(7) في م، أ: "سمعت".
(8) المسند (2/467).

(8/469)


وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا سفيان، عن أبي الزياد (1) عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم -وعمرو، عن يحيى بن جَعْدة-: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت (2) بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (3) .
وهذا على شرط الصحة (4) ولم يخرجوه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ابن أبي الزناد] (5) (6) .
ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: "ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا" (7) .
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا (8) عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي-عن سُهَيل عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم" (9) .
تفرد به أيضا من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم أيضا.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا مَعْن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عَمّه أبي سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا" (10) .
وقد رواه أبو مصعب، عن مالك، ولم يرفعه. وروى الترمذي وابن ماجة، عن عباس الدَّوريّ، عن يحيى ابن أبي بُكَيْر: حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" (11) .
وقد روي هذا من حديث أنس (12) وعمر بن الخطاب .
__________
(1) في أ: "عن أبي الزناد".
(2) في أ: "وضرمت".
(3) المسند (2/244).
(4) في م، أ: "على شرط الصحيحين".
(5) زيادة من م.
(6) صحيح مسلم برقم (2843).
(7) أما حديث ابن مسعود، فهو في مسند البزار برقم (1864) من طريق عبيد بن إسحاق، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، وقال البزار: "هكذا رواه زهير ولا نعلم رواه عن زهير إلا عبيد بن إسحاق. ورواه عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عمرو الأصم، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ورواه غير عمرو ابن ثابت، عن أبي إسحاق، عمرو الأصم، عن عبد الله موقوفا". وأما حديث أبي سعيد، فقد رواه أيضا الترمذي في السنن برقم (2590) من طريق فراس، عن عطية، عن أبي سعيد -رضي الله عنه- وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(8) في أ: "بن".
(9) المسند (2/379).
(10) المعجم الأوسط برقم (4843) "مجمع البحرين" وقال الهيثمي في المجمع (10/387): "رجاله رجال الصحيح".
(11) سنن الترمذي برقم (2591) وسنن ابن ماجة برقم (4320) وقال الترمذي: "حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن بكير عن شريك".
(12) حديث أنس رواه ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس مرفوعا، وقد تقدم عند تفسير الآية: 81 من سورة التوبة.

(8/470)


وجاء في الحديث -عند الإمام أحمد-من طريق أبي عثمان النَّهدي، عن أنس -وأبي نضرة العَبْديّ، عن أبي سعيد وعَجْلان مولى المُشْمَعّل، عن أبي هريرة -عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان يغلي منهما دماغه" (1) .
وثبت في الصحيح (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنَفَسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها" (3) .
وفي الصحيحين: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فَيح جَهَنم" (4) . آخر تفسير سورة "القارعة"
__________
(1) حديث أبي سعيد في المسند (3/13) وحديث أبي هريرة في المسند (2/432).
(2) في م: "في الصحيحين".
(3) صحيح البخاري برقم (3260) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
(4) صحيح البخاري برقم (533) وصحيح مسلم برقم (615) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.

(8/471)


أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)

تفسير سورة التكاثر
وهي مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) }
يقول تعالى: شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟!
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوَقار المصري، حدثنا خالد بن عبد الدايم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } عن الطاعة، { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } حتى يأتيكم الموت" (1) .
وقال الحسن البصري: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } في الأموال والأولاد.
وفي صحيح البخاري، في "الرقاق" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } يعني: "لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة: سمعت قتادة يحدث عن مُطْرِّف -يعني ابن عبد الله بن الشخير-عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ ".
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من طريق شعبة، به (2) .
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول العبد: مالي مالي؟ وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى (3) وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". تفرد به مسلم (4) .
__________
(1) وهذا معضل، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.
(2) المسند (4/24) وصحيح مسلم برقم (2958) وسنن الترمذي برقم (3354) وسنن النسائي (6/238).
(3) في أ: "فأبقى".
(4) صحيح مسلم برقم (2959).

(8/472)


وقال البخاري: حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به (1) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". أخرجاه في الصحيحين (2) .
وذكر الحافظ ابن عساكر، في ترجمة الأحنف بن قيس (3) -واسمه الضحاك-أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر:
أنتَ للمال إذا أمسكتَه ... فإذا أنفقتَه فالمالُ لَكْ ...
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثلُ فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا (4) بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر -ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وقال قتادة: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان (5) ونحن أعَدُّ من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
والصحيح أن المراد بقوله: { زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء الله". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور! قال: "فَنَعَم إذًا" (6) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنْهال، عن زر بن حُبَيْش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ }
__________
(1) صحيح البخاري برقم (6514) وصحيح مسلم برقم (2960) وسنن الترمذي برقم (2379) وسنن النسائي الكبرى برقم (2064).
(2) المسند (3/115) وصحيح البخاري برقم (6421) وصحيح مسلم برقم (1047).
(3) تاريخ دمشق (8/443 "المخطوط" ).
(4) في م: "وتفاخروا".
(5) في أ: "من بني إسرائيل".
(6) صحيح البخاري برقم (5662، 5656، 7470).

(8/473)


ورواه الترمذي عن أبي كُرَيب، عن حَكَّام بن سلم (1) [به] (2) وقال: غريب (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرضي (4) حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } فلبث هنيهة (5) فقال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.
قال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله -إلى جنة أو نار. وهكذا ذُكر أن بعضَ الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية: { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } فقال: بُعثَ اليوم (6) ورَب الكعبة. أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.
وقوله: { كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } قال الحسن البصري: هذا (7) وعيد بعد وعيد.
وقال الضحاك: { كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني: الكفار، { ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } يعني: أيها المؤمنون.
وقوله: { كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } أي: لو علمتم حق العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.
ثم قال: { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: { كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار (8) التي إذا زفرت زفرة خَرَّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
وقوله: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز (9) المقري، حدثنا عبد الله ابن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟ " قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: "ما أخرجك يا ابن الخطاب؟ " قال أخرجني الذي أخرجكما. قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما، ثم قال: "هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا
__________
(1) في أ: "سليم".
(2) زيادة من م، أ.
(3) سنن الترمذي برقم (3355).
(4) في أ: "العرمي".
(5) في أ: "هنية".
(6) في أ: "القوم".
(7) في أ: "هو".
(8) في م: "أهل النار".
(9) في أ: "الجزاز".

(8/474)


وظلا؟ " قلنا: نعم. قال: "مُروا بنا إلى منزل ابن التَّيهان أبي الهيثم الأنصاري". قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا، فسلم واستأذن -ثلاث مرات-وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله-سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرًا". ثم قال: "أين أبو الهيثم؟ لا أراه". قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله، فبسطت -بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حَسْبُكَ يا أبا الهيثم". قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" (1) هذا غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير: حدثني الحُسَين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما أجلسكما هاهنا؟ " قالا والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره". فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين فلان؟ " فقالت: ذهب يستعذب (2) لنا ماء. فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء (3) زارني اليوم. فعلق قربته بكرب نخلة (4) وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا كنت اجتنيت" ؟ فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم. ثم أخذ الشفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب؟ " فذبح لهم يومئذ، فأكلوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتسألن عن هذا يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم" (5) .
ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان، به (6) ورواه أبو يعلى وابن ماجة، من حديث المحاربي، عن يحيى بن عُبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق، به (7) وقد رواه أهل السنن الأربعة، من حديث عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصرة، عن أبي عسيب -يعني
__________
(1) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (19/253) من طريق زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن عيسى، به. وقال الهيثمي في المجمع (10/317): "فيه عبد الله بن عيسى-أبو خلف- وهو ضعيف".
(2) في م: "ليستعذب".
(3) في م: "من نبي".
(4) في أ: "بكور نخلته".
(5) تفسير الطبري (30/185).
(6) صحيح مسلم برقم (2038).
(7) مسند أبي يعلى (1/79) وسنن ابن ماجة برقم (3181).
(8) سنن أبي داود برقم (5128) وسنن الترمذي برقم (2822)، (2369) وسنن النسائي الكبرى برقم (11697) وسنن ابن ماجة برقم (3745).

(8/475)


مولى رسول الله -قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى أتى (1) حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا". فجاء بِعذْق فوضعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فضرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسئول (2) عن هذا يوم القيامة؟ قال: "نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سَدَّ بها جوعته، أو جحر تَدخَّل فيه من الحر والقر" (3) تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطبا، وشربوا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه".
ورواه النسائي، من حديث حماد بن سلمة [عن عمار بن أبي عمار عن جابر] (4) به (5) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود (6) بن الربيع قال: لما نزلت: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } فقرأ حتى بلغ: { لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قالوا: يا رسول الله، عن أي (7) نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال (8) أما إن ذلك سيكون" (9) .
وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبَيب، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله، نراك طيب النفس. قال: "أجل". قال: ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم".
ورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن عبد الله بن سليمان، به (10) .
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة-العبد من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوكَ من الماء البارد؟ ".
__________
(1) في أ: "حتى دخل".
(2) في م، أ: "إنا لمسئولون".
(3) المسند (5/81).
(4) زيادة من أ.
(5) المسند (3/351) وسنن النسائي (6/246).
(6) في أ: "عن محمد".
(7) في م: "أي يوم".
(8) في م: "فقال".
(9) المسند (5/429).
(10) المسند (5/372) وسنن ابن ماجة برقم (2141) وقال البوصيري في الزوائد (2/158): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(8/476)


تفرد به الترمذي. ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زَيْر، به (1) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت: { [ثُمَّ] (2) لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قالوا: يا رسول الله، لأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: "إن ذلك سيكون". وكذا رواه الترمذي وابن ماجة، من حديث سفيان -هو ابن عيينة-به (3) ورواه أحمد عنه (4) وقال الترمذي: حسن.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم ابن أبان، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى -أظنه عن عامر-عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { [ثُمَّ] (5) لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال: "الأمن والصحة" (6) .
وقال زيد بن أسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم. رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم، عنه في أول السورة.
وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قِلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا } [الإسراء: 36].
وثبت في صحيح البخاري، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن سعيد ابن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) سنن الترمذي برقم (3358) وصحيح ابن حبان برقم (7320) "الإحسان".
(2) زيادة من أ.
(3) سنن الترمذي برقم (3356) وسنن ابن ماجة برقم (4158).
(4) المسند (1/174).
(5) زيادة من أ.
(6) ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد برقم (855) من طريق محمد بن سليمان الأصبهاني، به.

(8/477)


"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (1) .
ومعنى هذا: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسن ابن شقيق، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فوق الإزار، وظل الحائط، وخُبْز، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه" (2) ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد -قال عفان في حديثه: قال إسحاق ابن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله، عز وجل -قال عفان: يوم القيامة-: يا بن آدم، حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تَرْبَع (3) وترأس، فأين شكر ذلك؟ " (4) تفرد به من هذا الوجه.
آخر تفسير سورة "التكاثر" (5) [ولله الحمد والمنة] (6)
__________
(1) صحيح البخاري برقم (6412) وسنن الترمذي برقم (2304) وسنن ابن ماجة برقم (4170).
(2) مسند البزار برقم (3643) "كشف الأستار" وليث بن أبي سليم ضعيف.
(3) في أ: "ترتع".
(4) المسند (2/492).
(5) في م: "ألهاكم".
(6) زيادة من أ.

(8/478)


تفسير سورة العصر
وهي مكية.
ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب [لعنه الله] (1) وذلك بعد ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال (2) لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبْر يا وَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك حفز نَقْز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب (3)
وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند (4) في كتابه المعروف ب "مساوى الأخلاق"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبا منه (5) .
والوبْر: دويبة تشبه الهر، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه دميم. فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان.
وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن[أبي مدينة]، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر "سورة العصر" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر (6) .
وقال الشافعي، رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة، لوسعتهم.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في م: "فقال".
(3) وفي صحة هذه القصة نظر؛ فإن إسلام عمرو بن العاص متقدم على تنبئ مسيلمة، فإن مسيلمة الكذاب تنبأ سنة عشر من الهجرة، وكان قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه سنة عشرة من الهجرة، كما في السيرة النبوية لابن هشام (3/74). وعمرو بن العاص أسلم سنة ثمان على الأصح كما في الإصابة للحافظ ابن حجر (3/2). ثم وقفت على ما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة (3/225): أن عمرا بن العاص أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البحرين وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو هناك وأنه مر على مسيلمة وأنه أعطاه الأمان ثم قال له: إن محمدا أرسل في جسيم الأمر وأرسلت في المحقرات.. فذكر نحو القصة، وعزاه لابن شاهين في الصحابة، فعلى هذا يكون ما جاء هنا بعد إسلام عمرو بن العاص وليس قبل إسلامه، والله أعلم.
(4) في أ: "استدل".
(5) لم أقف عليه في المطبوع من مساوئ الأخلاق، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن شاهين وصل هذه القصة من طريق الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال: "أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله... ثم ذكر أن رسول الله أرسل عمرا إلى البحرين، فذكر نحو القصة". انظر: الإصابة (3/225).
(6) المعجم الأوسط برقم (5097) "مجمع البحرين".

(8/479)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )