الواقعة - تفسير ابن كثير

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)

{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ (78) } .
هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن، قال الله تعالى: { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } .
وقد تقدم في الحديث: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان (1) للمقربين، والأخريان (2) لأصحاب اليمين".
__________
(1) في م: "فالأولتان".
(2) في م: "والأخيرتان".

(7/506)


وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من فضة لأصحاب اليمين.
وقال ابن عباس: { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } من دونهما في الدرج. وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل.
والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: أحدها: أنه نعت الأولين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء ثم قال: { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } . وهذا ظاهر في شرف التقدم (1) وعلوه على الثاني.
وقال هناك: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } : وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال هاهنا: { مُدْهَامَّتَان } أي سوداوان من شدة الري.
قال ابن عباس في قوله: { مُدْهَامَّتَان } قد اسودتا من الخضرة، من شدة الري من الماء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فُضَيْل، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { مُدْهَامَّتَان } : قال: خضراوان. ورُوي عن أبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد -في إحدى الروايات-وعطاء، وعطية العَوْفي، والحسن البصري، ويحيى بن رافع، وسفيان الثوري، نحو ذلك.
وقال محمد بن كعب: { مُدْهَامَّتَان } : ممتلئتان من الخضرة. وقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان. ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشبكة بعضها في بعض. وقال هناك: { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } ، وقال هاهنا: { نَضَّاخَتَان } ، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فياضتان. والجري أقوى من النضخ.
وقال الضحاك: { نَضَّاخَتَان } أي ممتلئتان لا تنقطعان.
وقال هناك: { فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } ، وقال هاهنا: { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } ، ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم؛ ولهذا فسر قوله: { وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } من باب عطف الخاص على العام، كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما.
قال عبد بن حميد: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر، حدثنا مخارق، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أفي (2) الجنة فاكهة؟ قال: "نعم، فيها فاكهة ونخل ورمان". قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: "نعم وأضعاف". قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: "لا ولكنهم يعرقون ويرشحون، فيذهب الله ما في بطونهم من أذى" (3) .
__________
(1) في أ: "التقديم".
(2) في م: "في".
(3) المنتخب برقم (35) وفيه حصين بن عمر وهو متروك.

(7/507)


وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا الفَضْل بن دُكَيْن، حدثنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مُقَطَّعَاتهم، ومنها حُلَلهم، وكَرَبُها ذهب أحمر، وجذوعها زمرد أخضر، وثمرها أحلى من العسل، وألين من الزبد، وليس له عجم.
وحدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة-عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نظرت إلى الجنة فإذا الرّمانة من رمانها كمثل البعير المُقْتَب" (1) .
ثم قال: { فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة، قاله قتادة. وقيل: خيرات جمع خيرة، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخُلُق الحسنة الوجه، قاله الجمهور. وروي مرفوعا عن أم سلمة (2) . وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة "الواقعة" (3) : أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان، خلقنا لأزواج كرام. ولهذا قرأ بعضهم: "فيهن خَيّرات"، بالتشديد { حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .
ثم قال: { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } ، وهناك قال: { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } ، ولا شك أن التي قد قَصَرَت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت، وإن كان الجميع مخدرات.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله قال: إن لكل مسلم خَيرة، ولكل خَيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها (4) كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك، لا مَرّاحات ولا طَمّاحات، ولا بخرات ولا ذفرات، حور عين، كأنهن بيض مكنون.
وقوله: { فِي الْخِيَامِ } ، قال البخاري:
حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون (5) ميلا في كل زاوية منها أهلٌ ما يَرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون".
ورواه أيضا من حديث أبي عمران، به (6) . وقال: "ثلاثون ميلا". وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران، به. ولفظه: "إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا
__________
(1) رواه الثعلبي في تفسيره كما في تخريج الإحياء (6/2787) وابن عساكر في تاريخ دمشق كما في تهذيبه (5/462) من طريق أبي هارون العبدي به.
وأبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جوين كذبه بعض الأئمة.
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير (23/367) مطولا وفيه سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف.
(3) عند تفسير الآيات 35- 38 من نفس السورة.
(4) في م: "عليهم".
(5) في أ: "سبعون".
(6) صحيح البخاري برقم (4879)، (3243).

(7/508)


للمؤمن فيها أهل (1) يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا" (2) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزَّاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، أخبرني خُلَيْد العَصَري، عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة، فيها سبعون بابا من در.
وحدثنا أبي حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير، عن هشام، عن محمد بن المثنى، عن ابن عباس في قوله: { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } ، وقال: [في] (3) خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة، أربع فراسخ في أربعة فراسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من الذهب.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن دَرَّاجا أبا السَّمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، كما بين الجابية وصنعاء".
ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث، به (4) .
وقوله: { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ } : [قد] (5) تقدم مثله سواء، إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .
وقوله: { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفرف: المحابس. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهما: هي المحابس. وقال العلاء بن بدر (6) الرفرف على السرير، كهيئة المحابس المتدلي.
وقال عاصم الجحدري: { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } يعني: الوسائد. وهو قول الحسن البصري في رواية عنه.
وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: { مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } قال: الرفرف: رياض الجنة.
وقوله: { وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } : قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي: العبقري: الزرابي. وقال سعيد بن جبير: هي عتاق الزرابي، يعني: جيادها.
وقال مجاهد: العبقري: الديباج.
وسئل الحسن البصري عن قوله: { وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } فقال: هي بسط أهل الجنة -لا أبا لكم-
__________
(1) في م: "أهلون".
(2) صحيح مسلم برقم (2838).
(3) زيادة من م.
(4) سنن الترمذي برقم (2562) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين". ولم يتفرد به رشدين بل تابعه ابن وهب كما هنا، وفي إسناده دراج يروي عن أبي الهيثم مناكير.
(5) زيادة من م، أ.
(6) في م: "زيد".

(7/509)


فاطلبوها. وعن الحسن [البصري] (1) رواية: أنها المرافق. وقال زيد بن أسلم: العبقري: أحمر وأصفر وأخضر. وسئل العلاء بن زيد عن العبقري، فقال: البسط أسفل من ذلك. وقال أبو حَزْرَة (2) يعقوب بن مجاهد: العبقري: من ثياب أهل الجنة، لا يعرفه أحد. وقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المخْمَلة، إلى الرقة ما هي. وقال القتيبي: كل ثوب مُوَشى عند العرب عبقري. وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي. وقال الخليل بن أحمد: كل شيء يسر (3) من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريا. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: "فلم أر عبقريا يفري فريه" (4) .
وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة؛ فإنه قد قال هناك: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } ، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها (5) ، اكتفاءً بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى. وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: { هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ } فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام، ثم الإيمان. فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخيريين (6) ، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين.
ثم قال: { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
وقال ابن عباس: { ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } ذي العظمة والكبرياء.
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمير (7) بن هانئ، عن أبي العذراء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجِدّوا الله يغفر لكم" (8) .
وفي الحديث الآخر: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن (9) غير الغالي فيه ولا الجافي عنه" (10) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الجيزي (11) ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام".
وكذا رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به (12) .
__________
(1) زيادة من م، أ.
(2) في أ: "حزيرة".
(3) في م، أ: "نفيس".
(4) صحيح البخاري برقم (3682) وصحيح مسلم برقم (2393) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(5) في م: "ظهارتها".
(6) في م: "الأخيرتين".
(7) في أ: "عمر".
(8) المسند (5/199) وقال الهيثمي في المجمع (1/31): "وفي إسناده أبو العذراء وهو مجهول".
(9) في م: "الذكر".
(10) رواه أبو داود في السنن برقم (4843) والبيهقي في السنن الكبرى (8/163) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(11) في الأصل وبقية النسخ: "الحربي" والتصويب من أبي يعلى.
(12) مسند أبي يعلى (6/445) وسنن الترمذي برقم (3522).
وقال ابن طاهر: "وقد تابع المؤمل فيه روح بن عبادة وروح حافظ ثقة".
أخرجه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (3/396) من طريق روح بن عبادة عن حماد بن سلمة عن+

(7/510)


ثم قال: غلط المؤمل فيه، وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن حسان المقدسي، عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألظوا بذي الجلال والإكرام".
ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، به (1) .
وقال الجوهري: ألظ فلان بفلان: إذا لزمه (2) .
وقول ابن مسعود: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: الزموا. ويقال: الإلظاظ هو الإلحاح.
قلت: وكلاهما قريب من الآخر -والله أعلم-وهو المداومة واللزوم والإلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد -يعني: بعد الصلاة-إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام" (3) .
آخر تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد [والمنة] (4)
__________
(1) المسند (4/177) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11563).
(2) لسان العرب (7/459).
(3) صحيح مسلم برقم (592) وسنن أبي داود برقم (1512) وسنن الترمذي برقم (298) وسنن النسائي (3/69) وسنن ابن ماجه برقم (924).
(4) زيادة من م، أ.

(7/511)


تفسير سورة الواقعة
وهي مكية.
قال أبو إسحاق عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبتَ؟ قال: "شيَّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت".
رواه الترمذي وقال: حسن غريب (1)
وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري: حدثنا السُّرِّي بن يحيى الشيباني، عن أبي شجاع، عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: يكون لبناتك من بعدك؟ قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة، لم تصبه فاقة أبدا". (2) .
ثم قال ابن عساكر: كذا قال والصواب: عن "شجاع"، كما رواه عبد الله بن وهب عن السُّرِّي. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني السُّرِّي بن يحيى أن شجاعا حَدَّثه، عن أبي ظَبْيَة، عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا". فكان أبو ظبية لا يدعها (3) .
وكذا رواه أبو يعلى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن مُنِيب، عن السُّرِّي بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظَبْيَة، عن ابن مسعود، به. ثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن مُنِيب العدني، عن السُّرِّي بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة، لم تصبه فاقة أبدا". لم يذكر في سنده "شجاعا" (4) . قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة.
وقد رواه ابن عساكر أيضا من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله، فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث
__________
(1) سنن الترمذي برقم (3297).
(2) تاريخ دمشق (ق 294) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (5/269) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.
(3) ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/112) من طريق خالد عن عبد الله بن وهب به.
(4) ورواه عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (674).

(7/512)


إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)

بطوله. قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب (1) .
وقال [الإمام] (2) أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك بن حرب؛ أنه سمع جابر بن سَمُرَة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف. كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر "الواقعة" ونحوها من السور (3) .
بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) } .
الواقعة: من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها، كما قال: { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } [الحاقة: 15]
وقوله: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها، كما قال: { اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } [الشورى:47]، وقال: { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } [المعارج:1، 2]، وقال تعالى: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 73] .
ومعنى { كَاذِبَة } -كما قال محمد بن كعب-: لا بد أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا
__________
(1) تاريخ دمشق (ق 294) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (2498) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدار قطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.
(2) زيادة من م.
(3) المسند (5/104).

(7/513)


ارتداد ولا رجعة.
قال ابن جرير: والكاذبة: مصدر كالعاقبة والعافية.
وقوله: { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } أي: تحفض (1) أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزّاء. وترفع آخرين إلى أعلى عليّين، إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء. وهكذا قال الحسن وقتادة، وغيرهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعنى، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس: { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } تخفض أناسًا وترفع آخرين.
وقال عبيد الله (2) العتكي، عن عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الخطاب: { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } [قال (3) ]: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
وقال محمد بن كعب: تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين.
وقال السُّدِّيّ: خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين.
وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس: { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } أسمعت القريب والبعيد. وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. وكذا قال الضحاك، وقتادة.
وقوله: { إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا } أي: حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها. ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في قوله: { إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا } أي: زلزلت زلزالا [شديدا] (4) .
وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه.
وهذه كقوله تعالى: { إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا } [الزلزلة: 1]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } [الحج: 1] .
وقوله: { وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } أي: فُتِّتَتْ فَتًّا (5) . قاله ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، وقتادة، وغيرهم.
وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال [الله] (6) تعالى: { كَثِيبًا مَهِيلا } [المزمل: 14] .
وقوله: { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } ، قال أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، رضي الله عنه: { هَبَاءً مُنْبَثًّا }
__________
(1) في م: "تخفض".
(2) في أ: "عبد الله".
(3) زيادة من م.
(4) زيادة من م.
(5) في م: "تفتيتا".
(6) زيادة من أ.

(7/514)


كرهَج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.
وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس في قوله: { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } : الهباء الذي يطير من النار، إذا اضطرمت (1) يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا.
وقال عكرمة: المنبث: الذي ذرته الريح وبثته. وقال قتادة: { هَبَاءً مُنْبَثًّا } كيبيس الشجر الذي تذروه (2) الرياح.
وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها -أي قلعها-وصيرورتها كالعهن المنفوش.
وقوله: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السُّدِّيّ: وهم جمهور أهل الجنة. وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر، ويؤتون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار -عياذًا بالله من صنيعهم-وطائفة سابقون بين يديه وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين؛ ولهذا قال: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } الآية [فاطر:32]، وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه.
قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } قال: هي التي في سورة الملائكة: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } .
وقال ابن جُرَيْج عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة.
وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } قال: أصنافا ثلاثة.
وقال (3) مجاهد: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } [قال] (4) : يعني: فرقا ثلاثة. وقال ميمون بن مِهْران: أفواجا ثلاثة. وقال عُبَيد الله (5) العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً } اثنان في الجنة، وواحد في النار.
__________
(1) في م: "اضطربت".
(2) في م: "تذراه".
(3) في أ: "عن".
(4) زيادة من م.
(5) في أ: "عبد الله".

(7/515)


وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سِمَاك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } [التكوير: 7] قال: الضرباء، كل رجل من قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله يقول: { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً . فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } قال: هم الضرباء (1) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن، عن معاذ بن جبل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا (2) هذه الآية: { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ } (3) ، { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ } (4) فقبض بيده قبضتين فقال: "هذه للجنة (5) ولا أبالي، وهذه للنار (6) ولا أبالي" (7) .
وقال أحمد أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أتدرون من السابقون إلى ظل يوم القيامة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم" (8) .
وقال محمد بن كعب وأبو حَرْزَةَ يعقوب بن مجاهد: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } : هم الأنبياء، عليهم السلام. وقال السُّدِّيّ: هم أهل عليين. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } ، قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل "يس"، سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب، سبق إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز، عن شُعَيْب بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عُيَيْنَة، عن ابن أبي نَجِيح به.
وقال ابن أبي حاتم: وذكر محمد (9) بن أبي حماد، حدثنا مِهْرَان، عن خارجة، عن قُرَّة،َ عن ابن سِيرين: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } الذين صلوا للقبلتين.
ورواه ابن جرير (10) من حديث خارجة، به.
وقال الحسن وقتادة: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } أي: من كل أمة.
وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } ثم قال: أولهم رواحًا إلى المسجد، وأولهم خروجًا في سبيل الله.
__________
(1) سيأتي تخريج الحديث عند الآية: 7 من سورة التكوير.
(2) في أ: "قرأ".
(3) في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".
(4) في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".
(5) في م، أ: "هذه في الجنة".
(6) في م، أ: "وهذه في النار".
(7) المسند (5/239) والحسن لم يسمع من معاذ.
(8) المسند (6/67).
(9) في أ: "وذكر عن محمد".
(10) في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".

(7/516)


ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)

وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ } [آل عمران: 133]، وقال: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } [الحديد: 22]، فمن سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: { أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا القزاز (1) الرازي، حدثنا خارجة بن مُصعَب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا رب، جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة. فقال: لا أفعل. فراجعوا ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان . ثم قرأ عبد الله: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .
وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان (2) بن سعيد الدارمي في كتابه: "الرد على الجهمية"، ولفظه: فقال الله عز وجل: "لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان" (3) .
{ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) } .
__________
(1) في أ: "الفزاري".
(2) في أ: "عمر".
(3) وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (1/55) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/48) وقال: "هذا حديث لا يصح".

(7/517)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )