النجم - تفسير ابن كثير

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)

{ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) }
يقول تعالى [مخبرا] (1) { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } أي: المعاد يوم القيامة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار.
وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ، قال: لا فكرةَ في الرب (2) .
قال البغوي: وهذا مثل ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعا: "تفكَّروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط (3) به الفِكْرة".
كذا أورده، وليس بمحفوظ بهذا اللفظ (4) ، وإنما الذي في الصحيح: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله وَلْيَنْتَه" (5) .
وفي الحديث الآخر الذي في السنن: "تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا (6) في ذات الله، فإن الله خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مَسِيرة ثلاثمائة سنة" أو كما قال (7) .
وقوله: { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } أي: خلق في عباده الضحك، والبكاء وسببهما وهما مختلفان.
{ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } ، كقوله: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاة } [الملك: 2] ، { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ
__________
(1) زيادة من أ.
(2) معالم التنزيل للبغوي (7/417).
(3) في م: "يحيط".
(4) معالم التنزيل للبغوي (7/417) ورواه ابن عساكر في المجلس التاسع والثلاثون ومائة من الأمالي (50/1) كما في السلسلة الصحيحة (4/395) من طريق محمد بن سلمة البلخي عن بشر بن الوليد عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وفيه بشر بن الوليد وهو ضعيف.
(5) صحيح البخاري برقم (3276) وصحيح مسلم برقم (134).
(6) في أ: "ولا تتفكروا".
(7) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى أبو داود القطعة الثانية في سننه برقم (4727) من حديث جابر رضي الله عنه، مرفوعا بلفظ: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمه أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام".
والقطعة الأولى: رويت من حديث أبي ذر مرفوعا: "تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله فتهلكوا".
أخرجه أبو الشيخ في العظمة برقم (4).

(7/466)


الذَّكَرَ وَالأنْثَى . مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } ، كقوله: { أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } [القيامة: 36 -40]. (1) .
وقوله: { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى } أي: كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة. { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } أي: مَلَّك عباده المال، وجعله لهم قُنْيَة مقيما عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح، وابن جرير، وغيرهما. وعن مجاهد: { أَغْنَى } : مَوَّل، { وَأَقْنَى } : أخدم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن عباس ومجاهد أيضا: { أَغْنَى } : أعطى، { وَأَقْنَى } : رَضّى.
وقيل: معناه: أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق.
وقيل: { أَغْنَى } من شاء من خلقه و { وَأَقْنَى } : أفقر من شاء منهم، قاله ابن زيد. حكاهما ابن جرير (2) وهما بعيدان من حيث اللفظ.
وقوله: { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له: "مِرْزَم الجوزاء" كانت طائفة من العرب يعبدونه.
{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى } وهم: قوم هود. ويقال لهم: عاد بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ } [الفجر: 6 -8]، فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله وعلى رسوله، فأهلكهم الله { بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } [الحاقة: 6 ، 7].
وقوله: { وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى } ، أي: دمرهم فلم يبق منهم أحدا، { وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْل } أي: من قبل هؤلاء، { إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } أي: أشد تمردا من الذين من بعدهم، { وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى } يعني: مدائن لوط، قَلَبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال: { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } يعني: من الحجارة التي أرسلها عليهم { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين } [الشعراء: 173].
قال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئا من نار ونفط وقَطِران كفم الأتون (3) . رواه (4) ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن وهب بن عطية، عن الوليد بن مسلم، عن خليد، عنه به. وهو غريب جدا.
__________
(1) في م: "تمنى".
(2) تفسير الطبري (27/44).
(3) في أ: "كتم الأنوف".
(4) في م: "ورواه".

(7/467)


هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)

{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى } أي: ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة.
وقال ابن جُرَيج: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى } يا محمد. والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير.
{ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى (56) أَزِفَتِ الآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) }
{ هَذَا نَذِيرٌ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم { مِنَ النُّذُرِ الأولَى } أي: من جنسهم، أرسل كما أرسلوا، كما قال تعالى: { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل } [الأحقاف: 9].
{ أَزِفَتِ الآزِفَة } أي: اقتربت القريبة، وهي القيامة، { لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } أي: لا يدفعها إذًا من دون الله أحد، ولا يطلع على علمها سواه.
ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: { تَعْجَبُونَ (1) } من أن يكون صحيحا، { وَتَضْحَكُونَ (2) } منه استهزاء وسخرية، { وَلا تَبْكُونَ } أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: { وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } [الإسراء: 109].
وقوله: { وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الغناء، هي يمانية، اسْمِد لنا: غَنّ (3) لنا. وكذا قال عكرمة.
وفي رواية عن ابن عباس: { سَامِدُونَ } : معرضون. وكذا قال مجاهد، وعكرمة. وقال الحسن: غافلون. وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون. وبه يقول السدي.
ثم قال آمرا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والتوحيد والإخلاص: { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } (4) أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.
قال البخاري: حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم (5) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وَدَاعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم، فسجد وسَجَد من عنده، فرفعتُ رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب،
__________
(1) في م: "يعجبون".
(2) في م: "يضحكون".
(3) في م، أ: "تغني".
(4) في م: "فليسجدوا" وهو خطأ.
(5) صحيح البخاري برقم (4862).

(7/468)


فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها (1) إلا سجد معه.
وقد رواه النسائي في الصلاة، عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل، به (2) .
ذكر حديث له مناسبة بما تقدم من قوله تعالى: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى . أَزِفَتِ الآزِفَة } ، فإن النذير هو: الحذر لما يعاين من الشر، الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، كما قال: { إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد } [سبأ: 46]. وفي الحديث: "أنا النذير العُريان" أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئًا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك، فجاءهم عُريانا مسرعا مناسب لقوله: { أَزِفَتِ الآزِفَة } أي: اقتربت القريبة، يعني: يوم القيامة كما قال في أول السورة التي بعدها: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } [القمر: 1 ]، قال الإمام أحمد:
حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم -لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خُبْزَتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". وقال أبو حازم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال أبو ضَمْرَة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: "مثلي مثل الساعة كهاتين" وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل فَرسَي رِهَان"، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم". ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا ذلك" (3) . وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحِسان. ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة.
آخر [تفسير] (4) سورة النجم ولله الحمد والمنة
__________
(1) في م، أ: "يقرأ بها".
(2) المسند (6/399) وسنن النسائي (2/160).
(3) المسند (5/331).
(4) زيادة من م، أ.

(7/469)


اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)

تفسير سورة القمر (1)
وهي مكية.
قد تقدم في حديث أبي واقد (2) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بقاف، واقتربت الساعة، في الأضحى والفِطْر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) }
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها. كما قال تعالى: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [سُبْحَانَهُ ] } [ النحل : 1 ]، (3) وقال: { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 1 ] وقد وردت الأحاديث بذلك، قال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب فلم يبق منها إلا شِفٌّ (4) يسير، فقال: "والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه، وما نرى من الشمس إلا يسيرا" (5) .
قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العَمِّيّ، عن أبيه. وقد ذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.
حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره، قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دُكَيْن، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كُهَيْل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قُعَيْقِعان بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى" (6) .
__________
(1) في أ: "اقتربت".
(2) انظر أول تفسير سورة: "ق".
(3) زيادة من أ.
(4) في أ: "شيء".
(5) رواه الطبري في تاريخه (1/11) حدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنى عن خلف بن موسى به.
قال الهيثمي في المجمع (10/311): "رواه البزار من طريق خلف بن موسى عن أبيه وقد وثقا".
(6) المسند (2/115).

(7/470)


وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مُطَرِّف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بُعِثتُ والساعة (1) هكذا". وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى.
أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عُبَيد، حدثنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السَّوَائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها (3) " وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثنا إسماعيل بن عبيد (5) الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنتم والساعة كهاتين".
تفرد به أحمد، رحمه الله (6) . وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه الحاشر الذي يُحْشَرُ الناس على قدميه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْزُ بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غَزْوَان -قال بهز: وقال قبل هذه المرة-خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصَرْمٍ وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صُبَابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقَى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما (7) ما يدرك لها قعرًا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مِصْرَاعَي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام" وذكر تمام الحديث، انفرد به مسلم (8) .
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فَرْسَخ، فجاءت (9) الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } ، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال.
__________
(1) في م: "بعثت أنا والساعة".
(2) المسند (5/388) وصحيح البخاري برقم (6503) وصحيح مسلم برقم (2950).
(3) في م، أ: "لتسبقني".
(4) المسند (4/309).
(5) في أ: "عبد".
(6) المسند (3/223).
(7) في م: "خريفا".
(8) المسند (4/174) وصحيح مسلم برقم (2967).
(9) في أ: "حانت".

(7/471)


ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله، عز وجل يقول: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (1) .
وقوله: { وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } : قد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: "خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر" (2) . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك:
رواية أنس بن مالك:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } .
ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (3) .
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حِرَاء بينهما (4) .
وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدّب، عن شيبان، عن قتادة (5) . ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي، ويحيى القطان، وغيرهما، عن شعبة، عن قتادة، به (6) .
رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه:
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه، وأسنده البيهقي في "الدلائل" من طريق محمد بن كثير،
__________
(1) تفسير الطبري (27/51).
(2) صحيح البخاري برقم (4767).
(3) المسند (3/165) وصحيح مسلم برقم (2802).
(4) صحيح البخاري برقم (3868).
(5) صحيح البخاري برقم (4867) وصحيح مسلم برقم (2802).
(6) صحيح مسلم برقم (2802) ورواه البخاري في صحيحه برقم (4868) من طريق يحيى عن شعبة به.

(7/472)


عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، [به] (1) (2) . وهكذا رواه ابن جرير (3) من حديث محمد بن فضيل وغيره، عن حصين، به (4) . ورواه البيهقي أيضا من طريق إبراهيم بن طَهْمَان وهُشَيْم، كلاهما عن حُصَين عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره (5) .
رواية عبد الله بن عباس [رضي الله عنهما] (6)
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان رسول (7) الله صلى الله عليه وسلم (8) .
ورواه البخاري أيضا ومسلم، من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك [بن مالك] (9) ، به مثله (10) .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وروى العَوْفي، عن ابن عباس نحو هذا.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كُسِفَ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سُحِر القمر. فنزلت: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } إلى قوله: { مستمر } .
رواية عبد الله بن عمر:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدّوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فِلْقَتَين: فِلْقَة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد".
__________
(1) زيادة من م.
(2) المسند (4/81) ودلائل النبوة للبيهقي (2/268).
(3) في أ: "جبير".
(4) تفسير الطبري (27/51).
(5) دلائل النبوة (2/268).
(6) زيادة من م.
(7) في م، أ: "النبي".
(8) صحيح البخاري برقم (4866).
(9) زيادة من أ.
(10) صحيح البخاري برقم (3638) وصحيح مسلم برقم (2803).

(7/473)


وهكذا رواه مسلم، والترمذي، من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، به (1) . قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله ابن مسعود:
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اشهدوا".
وهكذا رواه البخاري ومسلم، من حديث سفيان بن عيينة، به (2) . وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، عن ابن مسعود، به (3) .
وقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا، اشهدوا" (4) .
قال البخاري: وقال أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بمكة (5) .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك (6) .
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدَّوْري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هُشَيْم، حدثنا مغيرة، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كَبْشَة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سِحْرٌ سحركم به. قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأيناه.
رواه ابن جرير من حديث المغيرة، به (7) . وزاد: فأنزل الله عز وجل: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } . ثم قال ابن جرير:
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي (2/267) وصحيح مسلم برقم (2801) وسنن الترمذي برقم (3288).
(2) المسند (1/377) وصحيح البخاري برقم (4865) وصحيح مسلم برقم (2800).
(3) صحيح البخاري برقم (4864) وصحيح مسلم برقم (2800).
(4) تفسير الطبري (27/50).
(5) صحيح البخاري برقم (295).
(6) مسند الطيالسي برقم (295).
(7) دلائل النبوة للبيهقي (2/266) وتفسير الطبري (27/50).

(7/474)


حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، أخبرنا أيوب، عن محمد -هو ابن سيرين-قال: نبئت أن ابن مسعود، رضي الله عنه، كان يقول: لقد انشق القمر (1) .
وقال ابن جرير أيضا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فَرْج القمر حين انشق.
ورواه الإمام أحمد عن مُؤَمَّل، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر (2) .
وقال ليث عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "اشهد يا أبا بكر". فقال المشركون: سُحِر القمر حتى انشق (3) .
وقوله: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً } أي: دليلا وحجة وبرهانا { يعرضوا } أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، { وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج، سحرٌ سحرنا به.
ومعنى { مُسْتَمِرٌّ } أي: ذاهب. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، أي: باطل مضمحل، لا دوام له.
{ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.
وقوله: { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } قال (4) قتادة: معناه: أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر.
وقال ابن جريج: مستقر بأهله. وقال مجاهد: { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } أي: يوم القيامة.
وقال السدي: { مُسْتَقِرٌّ } أي: واقع.
وقوله: { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ } أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب، مما يتلى عليهم في هذا القرآن، { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.
وقوله: { حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ } أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، { فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } يعني (5) : أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنعام : 149 ]، وكذا قوله تعالى: { وَمَا تُغْنِي (6) الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } [ يونس : 101 ].
__________
(1) تفسير الطبري (27/51).
(2) المسند (1/413).
(3) تفسير الطبري (27/51).
(4) في م: "قاله".
(5) في م، أ: "بمعنى".
(6) في م، أ: "فما تغني".

(7/475)


فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6)

{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) }

(7/476)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )