الأنعام - تفسير ابن كثير

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

وقال السُّدِّي (1) عن مُرَة، عن عبد الله قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة.
وروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود.
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عَوْن، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سَبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " . ثم قال: صحيح على شرط مسلم (2)
وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن دُرُسْتُويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سَد ما بين الخَافِقَين لهم زَجَل بالتسبيح والأرض بهم تَرْتَجّ " ، ورسول الله [صلى الله عليه وسلم] (3) يقول: " سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم " (4)
ثم روى ابن مَرْدُوَيه عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمرو، عن يوسف بن عطية، عن ابن عَوْن، عن نافع، عن ابن عمر قال : قال رسول الله: " نزلت عَلَيّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشَيَّعَها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد " (5)
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) }
يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده،
__________
(1) في أ: "سفيان الثوري".
(2) المستدرك (2/314) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (2431) من طريق الحاكم به، وقد تعقب الذهبي الحاكم بقوله: "لا والله لم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا". قلت: "وهو على شرط مسلم في المعاصرة، فإن وفاة السدي كانت سنة 127هـ، وولادة جعفر بن عون سنة 109 هـ، فاللقاء بينهما محتمل". وقول الذهبي: "أظنه موضوعا". لا وجه له؛ فرجال إسناد الحديث رجال مسلم، فالحمل فيه على من؟!
(3) زيادة من م، أ.
(4) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (2434) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (3317) "مجمع البحرين" من طرق عن أبى بكر أحمد بن محمد بن سالم، وفي إسناده أبو بكر أحمد بن محمد بن سالم لم أعرفه.
(5) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (3316) "مجمع البحرين" ورواه أبو نعيم في الحلية (3/44) من طريق إبراهيم بن نائلة به. قال الهيثمي في المجمع (7/20): "فيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف".

(3/238)


وجعل (1) الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحَّد لفظ (2) النور"؛ لكونه أشرف، كما قال { عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ } [النحل: 48]، وكما قال (3) في آخر هذه السورة { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153].
وقوله: { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعدلا واتخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقوله: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.
وقوله: { ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } يعني: الموت { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } يعني: الآخرة.
وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.
وقول (4) الحسن -في رواية عنه: { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] (5) والمصير إلى الدار الآخرة.
وعن ابن عباس ومجاهد: { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } يعني: مدة الدنيا { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ] (6) } الآية [الأنعام: 60].
وقال عطية، عن ابن عباس { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع (7) إلى صاحبه عند اليقظة { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب.
ومعنى قوله: { عِنْدَهُ } أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ } [الأعراف: 187]، وكقوله { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } [النازعات: 42 -44].
وقوله: { ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ } قال السُّدِّي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.
وقوله: { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } اختلف
__________
(1) في د: "وفي جعله"
(2) في م: "له" .
(3) في د: "ثم قال".
(4) في أ: "وقال".
(5) زيادة من م، أ.
(6) زيادة من أ.
(7) في د: "ترجع".

(3/239)


وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)

مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجَهْمِيَّة (1) الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه (2) المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ } [الزخرف: 84]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } خبرًا أو حالا.
والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: { يَعْلَمُ } متعلقًا بقوله: { فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ } تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.
والقول الثالث أن قوله { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ } وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: { وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } وهذا (3) اختيار ابن جرير.
وقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها.
{ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) }
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين: إنهم مهما أتتهم { مِنْ آيَةٍ } أي: دلالة ومعجزة وحجة، من الدلالات على وحدانية الرب، عَزَّ وجل، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها.
قال الله تعالى: { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدُنَّ غبه، وليذوقُنَّ وَباله.
ثم قال تعالى واعظًا ومحذرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعًا، وأكثر أموالا وأولادًا واستغلالا للأرض وعمارة لها، فقال { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ } أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسعة والجنود، { وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا }
__________
(1) في د: "اتفاقهم على إنكار قول الجهمية".
(2) في أ: "أن".
(3) في م: "وهو".

(3/240)


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)

أي: شيئًا بعد شيء، { وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } أي: أكثرنا (1) عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، { وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، { وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم (2) فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [مثل] (3) ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.
{ وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) }
__________
(1) في د، م، أ: "كثرنا".
(2) في د، م: "عملهم".
(3) زيادة من أ.

(3/241)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )