الإخلاص - تفسير البغوي

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)

سورة الإخلاص مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) }
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة (2) .
وروى أبو ظبيان، وأبو صالح، عن ابن عباس: أن عامر بن الطفيل وأَرْبَدَ بن ربيعةَ أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلامَ تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله، قال: صِفْهُ لنا أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون، وقد ذكرناه في سورة الرعد (3) .
وقال الضحاكُ وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صِفْ لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث منه؟ فأنزل الله هذه السورة (4) .
__________
(1) أخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال: قالوا: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة (قل هو الله أحد الله الصمد). وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش: يا رسول الله أنسب لنا ربك، فأنزل الله (قل هو الله أحد). انظر: الدر المنثور: 8 / 669 - 670، وما يأتي من الأحاديث.
(2) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة الإخلاص - 9 / 299 - 300، وأخرجه مرسلا أيضا: 9 / 301، والإمام أحمد: 5 / 134، وصححه الحاكم: 2 / 540 ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 419، والطبري: 30 / 342.
(3) راجع فيما سبق: 4 / 301.
(4) أخرجه الطبري: 30 / 342 - 343. وانظر الفتح السماوي : 3 / 1135 ، الدر المنثور: 8 / 671.

(8/584)


لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي واحد، ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: قل هو الله الواحد (1) . { اللَّهُ الصَّمَدُ } قال ابن عباس، ومجاهدُ والحسنُ وسعيد بن جبير: "الصمد" الذي لا جوف له.
قال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب.
وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: "الصمد" الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه (2) .
قال أبو وائلِ شقيقُ بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد (3) . وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في [الحوائج. وقال السدي] (4) هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمْدًا -بسكون الميم -إذا قصدته، [والمقصود]: (5) صمَد، بفتح الميم.
وقال قتادة: "الصمد" الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: "الصمد" الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان: الذي لا عيب فيه.
{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }
{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } قرأ حمزة وإسماعيل: "كفْؤًا" ساكنة الفاء مهموزا، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزًا، وكلها لغات صحيحة، [ومعناه] (6) المثل، أي: هو أحد.
وقيل: هو التقديم والتأخير، مجازه: ولم يكن له أحدًا كفوًا أي مثلا.
__________
(1) قال أبو حيان في البحر المحيط: 8 / 528: "وأحد بمعنى واحد".
(2) أخرجه الطبري: 30 / 346.
(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير : 2 / 407، والطبري: 30 / 346.
(4) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(5) في "ب" والمصمود.
(6) في "ب" ومعناها .

(8/588)


قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمثل (1) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعراج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشَتَمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فقولهُ: لن يعيدني كما بدأني، وليس أولُ الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد" (2) .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي 205/ب أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: "قل هو الله أحد" ويرددها، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتَعْدِل ثُلُثَ القرآن (3) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الأصفهاني، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثُلثَ القرآن في ليلةٍ"؟ قلت: يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: اقرأوا قل هو الله أحد" (4) .
واخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت، مع رسول الله فسمع رجلا يقرأ "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد"، فقال رسول الله: "وجبْت"، فسألته: ماذا يا رسول الله؟
__________
(1) ذكره صاحب زاد المسير: 9 / 269.
(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة (قل هو الله أحد) -: 8 / 739.
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب القرآن، باب ما جاء في قراءة (قل هو الله أحد) 1 / 208، والبخاري في فضائل القرآن باب فضل (قل هو الله أحد) 9 / 58 - 59 والمصنف في شرح السنة: 4 / 474.
(4) أخرجه الطيالسي في المسند صفحة: (131)، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة (قل هو الله أحد) برقم: (811): 1 / 556.

(8/589)


فقال: "الجنة". فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب (1) .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحبُّ هذه السورة: "قل هو الله أحد": قال: "حبُّكَ إياها أدخلَك الجنة" (2) .
__________
(1) صحيح أخرجه الإمام مالك في الموطأ في القرآن، باب ما جاء في قراءة (قل هو الله أحد): 1 / 208، والترمذي في ثواب القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص: 8 / 209 وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، وابن حنين وهو عبيد بن حنين"، والنسائي في عمل اليوم والليلة صفحة : (702) وفي السنن، كتاب الافتتاح: 2 / 171 وفي التفسير: 2 / 570، وابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (324) وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 566 ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان: 5 / 480، والمصنف في شرح السنة: 4 / 476 - 477. وله شواهد عند أحمد والطبراني وابن السني والدارمي. انظر: التعليق على تفسير النسائي في الموضع السابق. وراجع: مجمع الزوائد: 8 / 145.
(2) أخرجه البخاري تعليقا في الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة : 2 / 255، ووصله الترمذي من طريقه في ثواب القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص: 18 / 212 - 213، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، والبيهقي في السنن: 2 / 61، وفي شعب الإيمان: 5 / 483، وأبو يعلى في المسند: 3 / 348 - 349. وأخرجه الدارمي في فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد: 2 / 230، وابن مندة في التوحيد: 1 / 68 - 69، وابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (324) وابن حبان صفحة: (349) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 4 / 475، وله شاهد عند الشيخين من حديث عائشة - رضي الله عنه - وانظر: فتح الباري: 2 / 255 - 257.

(8/590)


قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)

سورة الفلق مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) }
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } قال ابن عباس، وعائشة -رضي الله عنهما-: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [فدبت] (2) إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدَّة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لَبِيدُ بن الأعْصمِ، رجل من يهود، فنزلت السورتان فيه (3)
أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن [عبد الحكم] (4) أخبرنا أنس بن عياض عن [هشام] (5) عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: طُبَّ حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: أَشَعَرْت أن الله تعالى أَفْتانِي فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: مَا وَجَعُ الرَّجُل؟ قال الآخر: هو مَطْبُوب قال: من طبَّه؟ قال لَبِيدُ بن الأعْصَمُ قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ -وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ -قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها
__________
(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 9 / 270 "وفيها قولان: أحدهما: مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة في آخرين . والثاني مكية: رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء وعكرمة، وجابر. والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان".
(2) في "أ" فذهبت.
(3) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 575 عن الثعلبي ثم قال: "هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم والله أعلم".
(4) في "أ" عبد الحكيم، والصحيح ما أثبت.
(5) في "أ" هاشم، والصحيح ما أثبت.

(8/591)


نُقَاعةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلها رءوسُ الشياطين، قالت: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجتَه؟ قال: "أما أنا فقد شفاني الله، فكرهت أن أثير على الناس به شرا" (1) .
وروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جُفَّ الطلعة، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه (2)
أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم قال: سَحَرَ النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا (3) ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط (4) .
قال مقاتل والكلبي: كان في وتر عُقِد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت العُقَد، مغروزة بالإبرة، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال (5) .
وروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان.
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا [عبد الوارث] (6) حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيتَ؟ قال: نعم، فقال: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله يشفيك" (7) .
__________
(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده: 6 / 334، ومسلم، في السلام باب السحر برقم (2189):4 / 1719 - 1720 والمصنف في شرح السنة: 12 / 185 - 186.
(2) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 687 لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
(3) زاد الإمام أحمد: في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 7 / 30 (القسم الثاني)، والإمام أحمد في المسند: 4 / 367.
(5) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 687.
(6) هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري.
(7) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى، برقم (2186): 4 / 1718 ما عدا الجملة الأخيرة (والله يشفيك) وهي من نسخة "أ" فقط.

(8/594)


مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3)

قوله عز وجل: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } أراد بالفلق: الصبح وهو قول جابر بن عبد الله والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين (1) ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، بدليل قوله "فالق الإصباح".
وروي عن ابن عباس: إنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم.
وقال الضحاك: يعني الخلق، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، والأول هو المعروف.
{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) }
{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد المغلس، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن [خاله] (2) الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: "يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب. هذا غاسق إذا وقب" (3) .
فعلى هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسودَّ "وَقَبَ"، أي: دخل في الخسوف وأخذ في الغيبوبة [وأظلم] (4) .
وقال ابن عباس: "الغاسق": الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم، و"الغسق": الظلمة، يقال غسق الليل [وأغسق] (5) إذا أظلم، وهو قول الحسن ومجاهد، يعني الليل إذا أقبل 206 /أ ودخل و"الوقوب": الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس.
قال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار.
وقيل: سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق: البَرْد.
__________
(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 301، فتح الباري: 8 / 741.
(2) في "ب" خالد بن، والصحيح ما أثبت.
(3) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير المعوذتين-: 9 / 302 وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في عمل اليوم والليلة، صفحة (271) برقم (305)، والحاكم: 2 / 541، والإمام أحمد 6 / 61 ، 215، وأبو يعلي في المسند: 4 / 272، والطبري: 30 / 352، والمصنف في شرح السنة: 5 / 167. زاد ابن حجر نسبته في الكافي الشاف ص (190) لإسحاق وابن أبي شيبة وحسنه في الفتح: 8 / 741.
(4) ساقط من "ب".
(5) في "أ" واغتسق.

(8/595)


وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

وقال ابن زيد: [يعني] (1) الثريا إذا سقطت (2) . ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها (3) .
{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) }
{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال أبو عبيدة: هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } يعني [اليهود] (4) فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) زيادة من "ب".
(2) قال ابن جرير: 30 / 352 0 353: "وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ (من شر غاسق) وهو الذي يظلم، يقال: غسق الليل يغسق غسوقا: إذا أظلم (إذا وقب) يعني: إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أقل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك، بل عم الأمر بذلك فكل غاسق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب".
(3) انظر: تعليقنا على شرح حديث "إذا طلع النجم ارتفعت العاهة" في حجة الله البالغة للدهلوي (تحت الطبع)، مشكل الآثار للطحاوي: 3 / 92.
(4) ساقط من "أ".

(8/596)


قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)

سورة الناس مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) }
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } يعني الشيطان، يكون مصدرًا واسمًا.
قال الزجاج: يعني: الشيطان ذا الوسواس "الخناس" الرجاع، وهو الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس.
وقال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس. ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يُمنِّيهِ ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر رجع فوضع رأسه، فذلك: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } يعني يدخل في الجني كما يدخل في الإنسي، ويوسوس للجني كما يوسوس للإنسي، قاله الكلبي.
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - قال: أنزل بالمدينة (قل أعوذ برب الناس). انظر : الدر المنثور: 8 / 693.

(8/597)


وقوله: "في صدور الناس" أراد بالناس: ما ذكر من بعد، وهو الجِنّة والناس، فسمى الجن ناسا، كما سماهم رجالا فقال: "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن" (الجن -6) .
وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث جاء قوم من الجن فوقعوا، فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء (1) .
قال بعضهم: أثبت أن الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشيطان، فجعل "الوسواس" من فعل الجِنَّة والناس جميعا، كما قال: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن" (الأنعام -112) كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس جميعا.
أخبرنا إسماعيل [بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر] (2) بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس" (3) .
أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم العدل، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس بن الوليد بن مرثد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ المتعوذون"؟ قلت: بلى، قال: "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس" (4) .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، فقرأ فيهما: "قل هو الله أحد" و "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يفعل ذلك ثلاث مرات (5) .
__________
(1) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 302، الطبري: 30 / 356.
(2) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(3) أخرجه مسلم، في صلاة المسافرين، باب فضل قراءة المعوذتين برقم: (814): 1 / 558.
(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 417. وعزاه صاحب الكنز: 1 / 485 للطبراني.
(5) أخرجه الترمذي في الشمائل صفحة (157) بشرح الباجوري والبخاري في فضائل القرآن، باب فضل المعوذات: 9 / 63، والمصنف في شرح السنة: 4 / 478.

(8/600)


أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتهما (1) .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا بعد الرازق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار" (2) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حسن الصوت يتغنىَّ بالقرآن يجهر به" (3) . تم (4) .
__________
(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب العين، باب التعوذ والرقية في المرض: 2 / 943، والبخاري في فضائل القرآن، باب فضائل المعوذات 9 / 63، ومسلم في السلام، باب رقية المريض بالمعوذات . . . برقم: (2192) 4 / 1723.
(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 3 / 360، والبخاري في فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن: 9 / 73 ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضائل من يقوم بالقرآن ويعلمه برقم: (815): 1 / 559، والمصنف في شرح السنة: 4 / 433.
(3) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب من لم يتغن بالقرآن: 9 / 68، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم: (234): 1 / 546، والمصنف في شرح السنة: 4 / 485.
(4) من "أ" ومن "ب" والله عز وجل سبحانه أعلم.

(8/601)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )