قريش - تفسير البغوي

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1)

سورة قريش مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ لإيلافِ قُرَيْشٍ (1) }
{ لإيلافِ قُرَيْشٍ } قرأ أبو جعفر: "لِيلافِ" بغير همز "إلافِهم" طلبًا للخفة، وقرأ ابن عامر " لالآف " بهمزة مختلسة من غير ياء بعدها [على وزن لغلاف] (2) وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها، واتفقوا -غير أبي جعفر -في "إيلافهم" أنها بياء بعد الهمزة، إلا عبد الوهاب بن فليح عن ابن كثير فإنه قرأ: "إِلْفِهِمْ" ساكنة اللام بغير ياء.
وعدَّ بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبَيّ بن كعب لا فصل بينهما في مصحفه، وقالوا: اللام في "لإيلاف" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكَّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، وقال: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } (3) .
وقال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي [يريد إهلاك أهل] (4) الفيل لتبقى قريش [وما ألفوا من] (5) رحلة الشتاء والصيف.
وقال مجاهد: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف (6) .
والعامة على أنهما سورتان، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله "لإيلاف"، قال الكسائي
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت (لإيلاف قريش) بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 634.
(2) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(3) انظر: فتح الباري: 8 / 730.
(4) في "ب" أهلك أصحاب.
(5) في "أ" قال الفراء:. .وبالرجوع إلى الفراء: 3 / 293 تجد قوله: "كأنه قال: ذلك إلى نعمته عليهم في رحلة الشتاء والصيف".
(6) انظر: فتح الباري: 8 / 730.

(8/542)


والأخفش: هي لام التعجب، يقول: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب: اعجبوا لذلك: والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل منه.
وقال الزجاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
وقال [ابن عيينة]: (1) لنعمتي على قريش.
وقريش هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي.
أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني شداد أبو عمار، حدثنا واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (2) .
وسموا قريشًا من القرش، والتقُّرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب، وهم كانوا تجارًا حراصًا على جمع المال والإفضال.
وقال أبو ريحانة: (3) سأل معاوية عبد الله بن عباسٍ: لِمَ سُميت قريش قريشًا؟ قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، فأنشده 201/ب شعر الجمحي: وقُرَيْش هي التي تَسْكُنُ البحر ... بها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
سلَّطَتْ بالعُلُوّ في لجة البحر ... على سائر البُحور جُيُوشَا
تأكل الغثَّ والسمين ولا تترك ... فيه لذي الجَناحَيْن رِيْشَا
__________
(1) في "ب" أبو عبيدة.
(2) أخرجه مسلم في الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم برقم (2276): 4 / 1782، والمصنف في شرح السنة: 13 / 194.
(3) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 202 وعزاه البيهقي. وانظر : الدر المنثور: 8 / 638.

(8/546)


إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)

هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلونَ البلاد أكلا [كميشا] (1)
ولهم في آخر الزمان نبيٌ ... يُكْثِرُ القَتْلَ فيهم والخُمُوشَا
{ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) }
قوله تعالى: { إِيلافِهِم } بدل من الإيلاف الأول { رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } "رحلة" نصب على المصدر، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف.
روى عكرمة، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يُشَتُّون بمكة ويُصَيِّفُون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت (2) .
وقال الآخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة، إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفا والأخرى في الصيف إلى الشام.
وكان الحرم واديًا جدبًا لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، كانوا يقولون: قريش سكان حرم الله وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل من البحر على السفن وأهل البر على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة، وأهل البر بالمحصب، وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤنة الرحلتين، وأمرهم بعبادة رب البيت فقال: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ } أي الكعبة. { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ } أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة { وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } بالحرم وكونهم من أهل [مكة] (3) حتى لم يتعرض لهم [في رحلتهم] (4)
__________
(1) في "ب" نكيشا، وما أثبت هو الصواب والمعنى: سريعا.
(2) أخرجه الطبري: 30 / 308، والنسائي في التفسير 2 / 552 بإسناد حسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 635 لابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة.
(3) ساقط من "ب".
(4) ساقط من "أ".

(8/547)


وقال عطاء عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضرٍّ ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم.
قال الكلبي: (1) وكان أول من حمل [السمراء] (2) من الشام ورحل إليها الإبل: هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر (3) . قل للذي طلب السماحةَ والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف
هلا مررت بهم تريد قِراهم ... منعوكَ من ضرِّ ومن أكفاف
الرائشين وليس يُوجدُ رائِش ... والقائلين هلمَّ للأضيافِ
والخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكونَ فقيرُهم كالكافي
والقائمين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف
عمرو [العلا] (4) هَشَم الثريدَ لقومه ... ورجال مكة [مُسْنِتُونَ] (5) عجاف
سَفَرَيْن سنهما له ولقومِهِ ... سفَرَ الشتاءِ ورحلةَ الأصيافِ
وقال الضحاك والربيع وسفيان: "وآمتهم من خوف" من خوف الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام.
__________
(1) انظر : الطبري: 2 / 252، البداية والنهاية: 2 / 253.
(2) في "أ" السمن.
(3) هو ابن الزبعري. كما في البداية والنهاية والطبري.
(4) في"أ" العالي. وفي البداية والنهاية والطبري: الذي.
(5) مجدبون .

(8/548)


أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)

سورة الماعون مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) }
{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } قال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي (2) وقال السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: في الوليد بن المغيرة. قال الضحاك: في [عمرو] (3) بن عائذ المخزومي. وقال عطاء عن ابن عباس: في رجل من المنافقين (4) .
ومعنى "يكذب بالدين" أي بالجزاء والحساب. { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } يقهره ويدفعه عن حقه والدعُّ: الدفع بالعنف والجفوة. { وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء. { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } [أي: عن مواقيتها غافلون] (5) .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت (أرأيت الذي يكذب) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 641.
(2) انظر: أسباب النزول للواحدي صفحة (504).
(3) في "أ" عمر والصحيح ما أثبت.
(4) انظر: زاد المسير: 9 / 243 - 244.
(5) ما بين القوسين ساقط من "ب".

(8/549)


الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)

محمد بن عبد الله الصفار، أخبرنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمام الضبي، حدثنا حَرَمِيّ بن حفص [القَسْمَلّي] (1) حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي، حدثنا [عبد الملك] (2) بن عمير عن مصعب بن [سعد] (3) عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "الذين هم عن صلاتهم ساهون"، قال: "إضاعة الوقت" (4) .
قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا (5) لقوله تعالى: { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ }
{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) }
{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } وقال في وصف المنافقين: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يُرَاءُون الناس" (النساء -142) .
وقال قتادة: ساهٍ عنها لا يبالي صلَّى أم لم يصلّ.
وقيل: لا يرجون لها ثوابًا إن صلُّوا ولا يخافون عقابًا إن تركوا.
وقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها.
وقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياًء، وإن فاتته لم يندم.
وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك.
وقال عبد الله بن مسعود: "الماعون": الفأس والدلو والقِدْر وأشباه ذلك (6) وهي رواية
__________
(1) في "أ" القاسم، والصحيح ما أثبت كما في التهذيب.
(2) في "ب" عبد الكريم ، والصحيح ما أثبت كما في التهذيب وشرح السنة.
(3) في "أ" والصحيح ما أثبت كما في التهذيب وشرح السنة.
(4) أخرجه البيهقي في السنن: 2 / 214 ، 215 مرفوعا وموقوفا، وأبو يعلى في المسند: موقوفا 1 / 336 والطبري: 30 / 311، والمصنف في شرح السنة: 2 / 246. قال البيهقي في السنن: وهذا الحديث إنما يصح موقوفا، وعكرمة بن إبراهيم قد ضعفه يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث. وقال الهيثمي في المجمع: 1 / 325: رواه البزار وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا . . . وقال البزار: رواه الحفاظ موقوفا ولم يرفعه غير عكرمة. وراجع الدر المنثور: 8 / 642.
(5) أخرجه الطبري: 30 / 31. وزاد السيوطي في الدر: 8 / 642 عزوه لابن مردويه.
(6) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 731: "وقال بعض العرب: الماعون الماء وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة وأدناها عارية المتاع، أما القول الأول فقال الفراء: قال بعضهم: إن الماعون المعروف كله، حتى ذكر القصعة والدلو والفأس، ولعله أراد ابن مسعود فإن الطبري أخرج من طريق سلمة بن كهيل عن أبي المغيرة: سأل رجل ابن عمر عن الماعون قال: المال الذي لا يؤدي حقه، قال قلت: إن ابن مسعود يقول هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم، قال هو ما أقول لك، وأخرجه الحاكم أيضا وزاد في رواية أخرى عن ابن مسعود هو الدلو والقدر والفأس. وكذا أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن مسعود بلفظ (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر) وإسناده صحيح إلى ابن مسعود. وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعا صريحا".

(8/552)


سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال مجاهد: "الماعون" [العارية. وقال عكرمة] (1) أعلاها الزكاة المعروفة [وأدناها عارية المتاع (2) .
وقال محمد بن كعب والكلبي: "الماعون": المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.
قال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له: سعة ولا منعة، أي شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونًا لأنه قليل من كثير.
وقيل: "الماعون": ما لا يحل منعه مثل: الماء والملح والنار] (3) (4) .
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(2) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 731: "وأما قول عكرمة فوصله سعيد بن منصور بإسناد إليه باللفظ المذكور، وأخرج الطبري والحاكم من طريق مجاهد عن علي مثله".
(3) ما بين القوسين زيادة من "ب".
(4) قال صاحب البحر المحيط: 8 / 518: "يعني بالماعون الزكاة وهذا القول يناسبه ما ذكره قطرب من أن أصله من المعن، وهو الشيء القليل فسميت الزكاة ماعونا لأنها قليل من كثير، وكذلك الصدقة وغيرها".

(8/553)


إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)

سورة الكوثر سورة الكوثر (1)
مكية (2) بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) }
{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الحلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد 202/أ بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن المختار -يعني ابن فلفل -عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظْهُرِنا إذ أغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم : "إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر"، ثم قال: "أتدرون ما الكوثَرُ"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وَعَدَنِيهِ ربي عز وجل عليه خيرٌ كثيرٌ هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يومَ القيامة، آنِيَتُه عددُ النُّجومِ فَيُخْتَلَجُ العبدُ منهم فأقول: ربِّ إنه مني، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" (3) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "الكوثر": الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (4) .
__________
(1) في "أ" سورة إنا أعطيناك .
(2) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إنا أعطيناك الكوثر) بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 646.
(3) أخرجه مسلم في الصلاة ، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة برقم: (400): 1 / 300.
(4) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الكوثر - 8 / 731، وفي الرقاق والمصنف في شرح السنة: 15 / 167 - 168.

(8/554)


قال الحسن: هو القرآن العظيم.
قال عكرمة: النبوة والكتاب (1) .
وقال أهل اللغة: الكوثر: فَوْعل [من الكثرة، كنوفل: فَوْعَلَ] (2) من النفل والعرب تسمي كل شيء [كثير في العدد أو] (3) كثير في القدر والخطر: كوثرًا. والمعروف: أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث:
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن [علي] (4) الكشميهني، حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا حُمَيْد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بنهرٍ يجري بياضه [بياض] (5) اللَّبَن وأحلى من العسل وحافَّتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أَذْفَرُ فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال الكوثرُ الذي أعطاكه الله عز وجل: (6) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الصَّلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر في الجنة، حافَّتاهُ الذهبُ مجراه على الدر والياقوتُ تربته أطيبُ من المِسْكِ وأشدُّ بياضًا من الثلج". (7) .
__________
(1) أخرجه هناد في الزهد: 1 / 221، وابن أبي شيبة في المصنف: 11 / 508، والطبري: 30 / 322، وإسناده صحيح.
(2) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(3) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(4) في "أ" عبد الله والصحيح ما أثبت.
(5) ساقط من "أ".
(6) حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 103 ، 115 ، من طريق حميد عن أنس، وهناد في الزهد: 1 / 211، والنسائي في التفسير: 2 / 559، والطبري: 30 / 323 - 324، وابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 147، والآجري في الشريعة صفحة 396 والمصنف في شرح السنة: 15 / 170. وأخرجه البخاري من طريق قتادة عن أنس بنحوه، في الرقاق باب في الحوض : 11 / 464.
(7) حديث صحيح أخرجه أبو داود في الرقاق: 2 / 337، والترمذي في التفسير - تفسير سورة الكوثر -: 9 / 294 وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في الزهد برقم: (4334): 2 / 1450، من طرق عن عطاء بن أبي السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر، والدارمي في الرقاق، باب في الكوثر: 2 / 338، والحاكم: 3 / 171، وهناد في الزهد: 1 / 208، والإمام أحمد: 2 / 67، 158، والطبري: 30 / 324، والمصنف في شرح السنة: 15 / 168 - 169، وقال الشيخ الأرناؤوط:. . وعطاء سمع من محارب قبل الاختلاط. وانظر : فتح الباري: 8 / 732، والزهد لهناد: 1 / 209 مع تعليق المحقق.

(8/558)


فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع [بن عمر، عن] (1) ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللَّبَن وريحه أطيب من المسك وكِيزَانُه كنجوم السماء، من يشرب منها لم يظمأ أبدًا" (2) .
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "[أناعند عُقْرِ حوضي] (3) أذود الناس عنه لأهل اليمن" إني لأضربهم بعصاي حتى يرفضُّوا عنهُ "وإنه [لَيَغُتُّ] (4) فيه مِيزَابَانِ من الجنةِ، أحدهما من وَرِق والآخر من ذهب طوله ما بين بُصرى وصنعاء، أو ما بين أَيْلَةَ ومكة أو من مقامي هذا إلى عُمان" (5) .
{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) }
قوله عز وجل: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } قال محمد بن كعب: إن أناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز وجل (6) .
وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلوات المفروضة بجَمْعٍ وانحر البُدْن بمِنىً (7) .
وروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: "فصل لربك وانحر" قال: وَضْع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر (8) .
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) أخرجه مسلم في الرقاق، باب في الحوض: 11 / 463، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم برقم : (2292): 4 / 1794، والمصنف في شرح السنة: 15 / 168.
(3) ما بين القوسين ساقط من "أ" وعقر الحوض: مؤخره.
(4) يدفق الماء فيه دفقا متتابعا.
(5) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 406، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته برقم: (2301): 4 / 1799، والمصنف في شرح السنة: 15 / 169.
(6) انظر الطبري: 30 / 327.
(7) انظر : الدر المنثور: 8 / 651.
(8) يروى هذا أيضا عن علي كما هو عند الطبري: 30 / 325 وعن الشعبي مثله ولا يصح. وقد ساق الطبري: 30 / 325 - 328 ثم قال: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك : فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له، وخصك به من إعطائه إياك الكوثر". وقد استحسنه ابن كثير في تفسيره: 4 / 560.

(8/559)


إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

{ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ (3) }
قوله تعالى: { إِنَّ شَانِئَكَ } عدوك (1) ومبغضك { هُوَ الأبْتَرُ } هو الأقل الأذلُّ المنقَطِعُ دابره (2) .
نزلت في العاص بن وائل السهمي؛ وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من [باب] (3) المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المساجد فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبترُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ابنٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها (4) .
وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذِكْرُهُ، فأنزل الله تعالى هذه السورة (5) .
وقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قَدِم كعبٌ مكة قالت له قريش: نحن أهل السِّقَاية والسِّدَانة وأنت سِّيدُ أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [الصنبور] (6) المُنْبَتِر من قومه؟ فقال: بل أنتم خير منه، فنزلت: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" (النساء -51) . الآية، ونزل في الذين قالوا إنه أبتر: "إن شانئك هو الأبتر" (7) أي المنقطع من كل خير.
__________
(1) ذكره البخاري تعليقا عن ابن عباس في الفتح: (8 / 731) ووصله ابن مردويه.
(2) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 560: "فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره ومات وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد".
(3) ساقط من "أ".
(4) أخرجه الطبري، 30 / 329، والواحدي في أسباب النزول صفحة (541) وانظر: ابن كثير : 4 / 560، الدر المنثور: 8 / 653. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 732: "اختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل: هو العاص بن وائل وقيل: هو أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط". وانظر: ابن كثير: 4 / 560 فقد ذكر أقوالا أخر.
(5) أخرجه ابن إسحاق بلاغا: 1 / 393 من سيرة ابن هشام. وانظر الطبري: 30 / 329، وابن كثير: 4 / 560، والواحدي في أسباب النزول صفحة: (541 - 542)، والدر المنثور: 8 / 652.
(6) في "أ" الصنو.
(7) أخرجه النسائي في التفسير: 2 / 560، والطبري: 30 / 330، وصححه ابن حبان برقم: (1731) من موارد الظمآن. وذكره ابن كثير : 4 / 560 من رواية البزار (وليس عنده ذكر آية سورة النساء) وصحح إسناده. وزاد السيوطي في الدر: 8 / 652 عزوه لابن أبي حاتم وابن مردويه.

(8/560)


( معلومات الكتاب - عودة إلى القرآن - فهرس القرآن )